الجزء 1 · صفحة 1
الكوثري فى مصر (1928- 1952)
مع انتهاءِ الحرب العالمية الأولى 1918م وقَعَت الدولُ العربية تحت الاحتلال أو الانتداب ، وفَتحتْ مصر أبوابَها للعلماءِ والمفكرين من أبناءِ العالمِ الإسلامى، فحلوا بها خيرَ محل، وصارت القاهرة كعبةَ العلماء ، واتخذها بعضُهم موطنًا دائمًا له، واستقر بعضُهم فيها حينًا من الدهرِ ثم عاد إلى بلادِه.
وممن هاجروا إلى مصر، شاعرُ الإسلام محمد عاكف ، وشيخُ الإسلام مصطفى صبرى شيخ الإسلام فى الدولة العثمانية، ووكيلُه الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296-1371هـ الموافق 1879-1952م).
وصل الكوثري إلى الإسكندرية فى يوم الأحد الثالث من ديسمبر 1922م، ثم انتقل إلى القاهرة ، ثم غادرها مرتين إلى الشام ، قبل أن يستقر فى القاهرة عام 1929م ولمدة أربعة وعشرين عاما إلى أن لبى نداء ربه عن خمس وسبعين سنة في يوم الإثنين 20 من ذي القعدة 1371هـ الموافق 11 من شهر أغسطس سنة 1952م، في حي العباسية من ضواحي مصر. وأمّ صلاة جنازته الشيخُ عبد الجليل عيسى شيخُ اللغةِ العربية، ودُفن قربَ قبرِ أبي العباس الطوسي في قرافةِ الشافعي. وكان حىُّ العباسيةِ من أحياء القاهرةِ الراقية في ذلك الوقت، وسكنها عددٌ من الأتراكِ الذين عاشوا فى مصر، أو درسوا فى الأزهر الشريف، أو اشتغلوا بالتدريس فى جامعتى القاهرة وعين شمس.
الجزء 1 · صفحة 2
وقد احتفَت الأوساطُ العلمية فى مصر بالشيخ الكوثري احتفاءً واضحا من منطلق هوية مصر الإسلامية الوسطية التى يمثلها الأزهر الشريف. ويظهر هذا جليا فى الترحيب بأبناء العالم الإسلامى من مختلف البلدان الإسلامية حين ضاق بهم العيش فى بلادِهم فى اللحظاتِ الحرجةِ من تاريخها، فتقوم بتقديمهم، والتحلق حولهم فى مجالس العلم، دون أدنى حزازة. فكان مجلس الشيخ الكوثري العلمى فى مسجد أبى الذهب المقابل للجامع الأزهر الشريف بعد صلاة الجمعة فى كل أسبوع ، مجالَ تسابقٍ علمى بين المحققين وطلاب العلم(1). وقد لَقِىَ الكوثري فى مصر التقديرَ والاحترامَ من علمائِها الأجلاء، الذين كانوا الأقدرَ على معرفةِ منزلةِ العلماءِ ومكانتهم، ومنهم العلامة الشيخ محمد أبو زهرة، وهو عالم جليل من علماء الشريعة الإسلامية، وأيضا الشيخ على الخفيف، الفقيه الأصولى. وقد عرضا على الشيخ الكوثري، أن يقوم فى السنةِ الأخيرةِ من حياته بتدريس الشريعة لطلاب الدراسات العليا فى جامعة القاهرة ( فؤاد الأول آنذاك)، وهذا العرض يعكس تقديرهما لمكانته وعلمه، وقد اعتذر الشيخ لضعف صحته رغم إلحاحهما. كما دُعِى إلى أن يكون أستاذا للغة التركية بمعهد اللغات الشرقية، فرفض أيضا لأنه رأى بين أساتذةِ المعهد مستشرقين يخفون ما لا يبدون، وليس من خلقِه أن يزامل من لا يثقَ فى طويتِه(2)، واكتفى بعمله فى دار المحفوظات بمصر.
(1) انظر، محمد رجب البيومى، محمد زاهد الكوثري ، راوية العصر وأمين التراث الإسلامى ، مقدمات الكوثري ـ ص 20.
(2) محمد رجب البيومى ، نفس المرجع ، ص 21.
الجزء 1 · صفحة 3
ولنا أن نَزعم أن انتقال الكوثري إلى مصرَ كان نقطةَ تحولٍ فى حياته، بل أن نضجَ شخصيتِه العلمية تم فى مرحلة استقراره فى مصر ، ويمكن ملاحظةَ ذلك عبْرَ تتبع إنتاجِه الفكري وفق تسلسل تاريخي. فقدكان فى المرحلة الأولى فى الدولة العثمانية معنى بالترجمة، والشروح، والتعليقات على المؤلفات، وكان معظمها مخطوطا لم يلقَ حظَّه من النشرِ رغم وجودِ الطباعة، أما فى مرحلة إقامتِه فى مصرَ، فقد أخذت كتابتُه منحى جديدا، فاتجه إلى الردودِ على الشبهاتِ، والمطاعنِ، ودحضِ المزاعمِ، وكلِّ ما يتعلقُ بالدفاعِ عن العقيدة ، ولهذا يمكن لنا أن نقول، أن وجوده فى مصرَ هو البدايةُ لانطلاقِ شهرتِه من حدودِ الجمهوريةِ التركية إلى رحابةِ العالمِ العربىِّ والإسلامى. كما هيأَ له وجوده فى مصرَ الاتصال بعلماءِ المسلمين فى كثيرٍ من البلدان ، وهيأ له حرية القولِ والتأليفِ ، وأن يكون له تلامذة من مختلفِ الأجناسِ والبلدان. كما استطاع خلال سنى إقامته فى مصر أن يخدُم الثقافةَ الإسلامية ، فحقَّقَ وقدَّم لثلاثةٍ وثلاثين كتابا من أمهاتِ كتبِ التراثِ الإسلامى ، وشملت تحقيقاتُه وتعليقاتُه علوم العقيدةِ، والكلامِ، والفِرقِ، والفلسفةِ، والحديث وعلومه ، والفقهِ، والأحكامِ، والأصول، والتاريخِ، والسيرِ، والتراجمِ، والتصوفِ، والأخلاقِ، والمواعظ.
وقد هاجرت عائلة الكوثري من القوقاز فرارا بدينها سنة 1280 ، ثم هاجر الكوثري إلى مصر 1922م. وفى مصر نضجت وتبلورت جوانب من شخصية الكوثري العلمية لم تتضح أثناء مقامه فى تركيا، وهى الاهتمام بالقضايا العامة للمسلمين ، والاهتمام بمستقبل العالم الإسلامى، وتبلور فكره حول الإصلاح ، كما انجلى من شخصيته العلمية جانب آخر وهو جانب المؤرخ.
الجزء 1 · صفحة 4
وتعتبر إقامة الكوثري فى مصر نقطةَ تحولٍ فى منهجِه ، وأصبح أكثرَ ميلا للمناظراتِ الفكرية، والجدلِ العقلى. إذ " إنه يرى فى المقارنةِ بين المسائلِ والمقارعةِ بالدلائلِ أمرا نافعا ينمِّى ملكةَ الفقهِ عند الدارسين"، ويصف من يخوض هذا النقاش وهذه المقارنة بالمناضلِ أو المصاولِ، ويشترط لها ألا يخرج عن جادةِ الصوابِ فى النظرِ والإتيانِ بالدليل"(1).
كان نزول الكوثري مصرَ فى فترةِ حراكٍ فكرى، اشتد فيها الجدلُ بين أصحابِ التيارات الفكرية على اختلافها بين إسلاميين، وعلمانيين، ولا دينيين ، وتردَّدَ المثقفون والمفكرون فى العالم الإسلامى ومصر بين تياراتِ الفكرِ المتباينةِ إزاءَ ما انتابهم من تنازعٍ بين الإعجابِ والانبهارِ بالمدنيةِ الأوروبية ، وبين التمسكِ بالهويةِ والثقافة. وهذه المرحلةُ فى ملامحها الفكرية تشبه إلى حدٍ كبيرٍ الفترة التى عاشتها الدولةُ العثمانية فى القرنِ التاسع عشر، وما شهدته من صراعٍ بين الأصالةِ والتغريب .
ومما ساعد على انتشارِ المؤثراتِ الغربية فى مصرَ فى تلك الفترةِ، ضَعْفُ التمسكِ بأهدابِ الدين ، واهتزازِ منزلةِ علماءُ الإسلامِ لدى سلطاتِ الاحتلال البر يطانى، وتغلغلِ قبضةُ الحكومةِ فى إدارةِ الأوقاف، وتزايدِ أهميةُ الفكرِ المستندُ إلى العقلِ والطبيعة(2).
يضاف إلى هذا، ذلك القلق الذى غشِىَ المسلمين بسببِ إلغاءِ الخلافةِ الإسلامية، وهى السنواتُ التى كانت نقطةً فاصلةً فى تاريخِ العالمِ الإسلامى كله.
(1) الكوثري ، مقدمة كتاب الغرة المنيفة،ط1، القاهرة 1950.
(2) احمد عبد الرحيم مصطفى ، تطور الفكر السياسى فى مصر الحديثة، ص 48.
الجزء 1 · صفحة 5
هذا المناخُ الفكرى العام فى مصرَ فى الثلثِ الأولِ من القرنش العشرين، والذى يشبه ذلك المناخ السائد فى تركيا قبل هجرة الكوثري إلى مصر، جعله شديدَ الاهتمامِ بقضايا العالمِ الإسلامى على اختلافها سواء على المستوى الفكرى أو الاجتماعى ، منافحا عن الإسلام بكل ما يملك من علمٍ، ومعرفةٍ، وفقهٍ فى الدين ، وهو مدركٌ للمداخلِ الملتويةِ التى يتسللُ منها الغربيون لغزوِ العالم الإسلامى فكريا. هذا علاوة على أصولِه الجركسية ، وما يتسم به الجركسُ من عزيمةٍ صلبة ، والعلماءُ منهم يحملون هذه العزيمة فى مضمارِ العلم ، كل هذا كان السببَ فى وضعِ المحدداتِ لشخصية الكوثري، وفكرِه، ومواقفِه، وصلابتِه فى التصدى لأصحاب الفكر المادى ، وما اتسمت به حياةُ الكوثري فى مصرَ من نقاشاتٍ علمية، وجدلٍ فكرى .
ويمكن لنا فى إطار هذا المناخُ الفكرى الذى عاصره الكوثري فى مصرَ ، أن نتبين الخطوط العامة للقضايا التى كانت موضعَ اهتمامِ الشيخ الكوثري .
الكوثري وقضايا العصر:
الجزء 1 · صفحة 6
أثَّرت الظروفُ التى عاشتها أسرةُ الكوثري فى القوقاز، ثم ما شهده الكوثري نفسه سواءً فى تركيا ومصر من تحولات فكرية ، فى شخصيةِ الكوثري، فجعلته أكثرَ شدةً وصلابةً فى التصدى لكل ما رأى أن من شأنه أن ينحرفَ بالدين عن جادته، سواء كان هذا الانحرافُ بزعمِ التحديث، أو تحت مسمى الإصلاح ، فقد عاش هذه التحولات قبل هجرته إلى مصر، وأدرك ما أسفرت عنه ، فرأى أن مثلَ الدعوةِ إلى اللامذهبية ، هى الممهد للادينية " السائدة فى بلاد أخرى مُنيت بالإلحادِ، وكتبت عليها التعاسة "(1) ، وخوفه من تكرارها فى مصرَ الأزهر، التى رأى أنها معقلُ الإسلامِ، وأن " المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" حسب قوله ، وأمله أن ينجو الدين فى مصرَ من المصير الذى آل إليه فى غيرها ، خاصة وأن المناخَ العام فى مصرَ آنذاك، كان يشهد الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين وبلغ أشده بعد إلغاء الخلافة الإسلامية.
وفى تلك الفترة التى اندفع فيها نفر من المثقفين فى مصرَ والعالمِ الإسلامى إلى ضرورةِ الأخذِ من الثقافةِ، والنظم الغربية بوصفه السبيل الوحيد للإصلاح ، بدأ الإسلاميون يجعلون لأفكارهم أهدافا محددة، ويوجهونها للمسلمين توجيها مباشرا، ويبلورونها فى نقاطٍ محددة وواضحة هى:
رفض الدعوة الإلحادية .
إن التوحيد هو كمال الحرية، لأنه عبودية لله وحده.
إن الإسلام هو دين العلم والمدنية، يدعو المسلمين للأخذ بأسبابهما ليصل بالمسلمينَ المعاصرينَ إلى أعلى الدرجاتِ وأرقاها، كما يدعو للاجتهاد.
إن العلم يجب أن يرتكز على ركائزِ الإيمان، بل هو نابعٌ من الإيمان، وإلا صار علما مُدمِّرا.(2)
(1) الكوثري ، اللامذهبية قنطرة الدينية، المقالات ص 111..
(2) السيد محمد فرج، جذور العلمانية، الجذور التاريخية للصراع بين العلمانية والإسلامية فى مصر منذ البداية وحتى عام 1948،ط2، ص43.
الجزء 1 · صفحة 7
فى هذا الإطار، يمكن فهم فكر الكوثري فى معالجة قضايا عصره، ومنها قضية التجديد. لقد كان الكوثري لا يرفضُ التجديد، بل يقبله طالما أن هذا التجديدَ لايمس أصل الشرع. ومنهجه أن "سنة الله قد جرت على اصطدام العتيق بالجديد، إلا أن من جمع الله له الدين مع العقل لا يعادى القديمَ، ولا يؤاخى كلَّ جديد، بل يأخذَ بالأصلحِ من الاثنين، وهو الذى لا يصادم الشرع" (1). أى أنه ينتمى إلى التيارِ التوفيقى، الذى يجمع بين العقل والنقل، فيقبل من التجديد ما يتناسبُ مع أصولِ الشرع. وهذا لا يعنى أنه كان مبتدعا فى الدين ، بل ملتزما بالكتابِ والسنة ، فالتجديدُ عنده " أن يعاد إلى الدين رونقه، وأن تحيا السُّنَّة ، وتموت البِدعة، ويقوم بين الناس عمودُ الدين(2)"
(1) الكوثري، انتهاك حرمة الحقيقة والتاريخ مسايرة للهوى ، المقالات، ص 122.
(2) انظر، الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام الكوثري ، كتاب مقدمات الكوثري ، ص 12.
الجزء 1 · صفحة 8
أما بالنسبة لقضية الإصلاح ، فأولُ خطواتِ الإصلاح عند الكوثري، هى الاعترافً بالداءِ " فمن لا يقرُّ بالداءِ، لا يسعى فى الدواء. فيجب أن نعترف بمرضنا، ونسعى فى الدواء". والداءُ عنده مصدره" ركضُ المسلمين وراء النفعِ المادى، نابذين المعالى والروحيات، وكان هذا الاندفاعُ نحو الماديةِ سببا لما اعترى المسلمين من التدهور الخُلُقى حتى لم يبق من الإسلامِ غير اسمه، ومن شرع الله غير رسمه"، وهذا أدى بدوره إلى أن "انقلب الإخاء بين المسلمين إلى عداءٍ، وعزهم إلى ذلٍ"(1). وهو تشخيصً يعبر عن غيرته الدينية فى المقامِ الأول، وتدور فى إطارِ الفكر العثمانى فى طور الأصالة، وما اتفق عليه أصحاب رسائل الإصلاح فى الدولة العثمانية، من أن الدينَ هو أساسُ حركة الدولة ونظمها والإصلاح لا يكون إلا بالعودة إلى نظمها التى قامت عليها(2) ، ولا يلتفت الكوثري هنا إلى ما اعترى المسلمين من تأخرٍ فى ميادين العلوم، والإنتاج الحضارى، فأصلُ الداءِ عنده هو التخلى عن شرع الله، وما عداه تابعٌ له .
(1) الكوثري ، مقدمته لكتاب الثمرة البهية فى الصحابة البدرية، مكتب نشر الثقافة الإسلامية ، القاهرة 1940.
(2) فى هذا انظر، كوريجه لى قوجى بك رساله سى ، ولطفى باشا، آصافنامه..
الجزء 1 · صفحة 9
ثم يطرح الكوثري الدواء فى هذا الجانبِ من ضعفِهم، وذلك " باقتفاء أثر السلف ، والتمسك بشرع الله، والتفانى فى الصالح العام دون المصالح الشخصية، والتمسك بالإخاء الروحى فى سبيل إنفاذ حكم الإسلام". أما الأمرُ الأهم عنده فهو "إعادة تقوية الجانب المعنوى لدى المسلمين بروح الإسلام". وهذا دليلٌ على أن الكوثري أدرك تلك الهزيمة المعنوية التى اعترت المسلمين بعد اتصالهم بالمدنية الأوروبية، وإحساسهم بالهوة بينهما فى العلوم التطبيقية، وضعفهم أمامها. وبالتالى ركز الكوثري على استنهاض الجانب المعنوى لدى المسلمين بما يغذى الروح، ويقوى العزائم، ويستنهض الهمم. وهذا الاستنهاض عنده يكون بالاهتمامِ بالاطلاع على سيرِ المجاهدين الأوائل المدونة فى كتب المغازى والسير، وكتب التفسير والحديث، أى أن النهضةَ المعنوية لدى المسلمين تنطلق من الإلمامِ بتراثهِم وتاريخِهم، فتقوى عزائمُهم، وترقى معنوياتُهم، ويشعرون بالعزةِ والفخار.
ويلقى الكوثري على عاتق العلماء بالدور الأهم فى نهضةِ الأمةِ الإسلامية، والذود عن الإسلام. ويشخِّصُ مصادرَ الخطرِ الذى يحيق بالمسلمين من الإلحاد، ونزغات الجاهلية والوثنية التى تسللت إلى البيئات الإسلامية. وما تبعها من شيوع التبرجِ، والتفرنجِ، وشمول الرذيلةِ، وتقلص ظلال الفضيلةِ، وسيادة المذلةِ والخنوعِ، والرجوع إلى الهمجية(1).
(1) الكوثري، كلمة عن مقالات بالغة النفع، المقالات ، ص 411.
الجزء 1 · صفحة 10
ويلقى الكوثري بتبعة انتشار هذه الأفكار الإلحادية على العلماء بوصفهم حراس الدين وحماته ، فيرى "أن كبار العلماءِ وصغارِهم لم يقوموا بدورهم فى الذود عن الدين, واستسلموا لهذا التيارِ الجارفِ، قانعين بالقوتِ، وطامعين فى الترقى ، وقد فقدوا حماسةَ الشبابِ غير مفكرين فى رضا الله ، وبذلك فرَّطوا فى العقيدةِ والشريعةِ معا، وتركوا موضعهما لنزعات المروق عن الدينِ، وللأنظمةِ الوضعيةِ التى تؤدى إلى انحلالِ الأمة الإسلامية". وهذا التشخيص ينطلق مما شهدته مصر فى ذلك الوقت، من دعوات إلى السفورِ، والاستهانة بأئمةِ الاجتهاد، وتفشى الفلسفات المادية والعقلانية فى التعامل مع القضايا الإيمانية والشرعية.
ونحن نختلف هنا مع ما ذهب إليه بعضُ الباحثين حولَ غيابِ الرؤية الاستراتيجية فى فكرِ الشيخ الكوثري فيما يتعلق بالإصلاح ، حيث يقول :" نسجّل للأسف الشديد غيابَ الرؤيةِ الدقيقة للمشاكل، فالأستاذ رحمه الله مجرورٌ إلى ميادين المطارحة .... فيرد على كل ناعق، دون تفريقٍ دقيق بين مهمٍ وأهم، بين مسألةٍ تأثيرها في الحاضر والمستقبل، وأخري تأثيرها وقتي، وما ذلك إلا بسببِ غيابِ رؤيةٍ حضاريةٍ فاحصةٍ، تتوخى هدفا محددا في ظرفٍ محددٍ، ووفق شروطٍ محددةٍ ترسمها رؤية استراتيجية. لهذا غلب على جهوده العملُ الفدائي، أكثر من العمل المؤسسي، بل يكاد يغيب هذا النمطُ من التفكير من خلال ما لمسناه من جهود الرجل، لهذا كانت جهودُه تنبيهية، أكثر مما هي تأسيسية، طبعا في إطارها الكلي، لا في إطارها الجزئي، وهو المسلكُ الذي يختاره جل الفدائيين في الميدان الفكرى"(1).
(1) انظر ، عمار جيدل، شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري عصره وآراؤه دراسة تحليلية لمؤلفاته وآرائه الإصلاحية كلية العلوم الإسلامية جامعة الجزائر
الجزء 1 · صفحة 11
ومرد هذا الاختلاف أنه ينبغى النظر إلى فكر الكوثري فى إطار قضايا عصره ، فهو فى الخطوطِ العامة لفكره، حَرِص على وضعِ الأفكار التى لها تأثير مستقبلى على حال الأمة، لا الأفكار ذات التأثير المرحلى، مثل ضرورة التمسك بالشرع ،وأهمية النقاش العلمى وتنمية العقل فى إطار الدين ، وأهمية الاستفادة بالجديد الذى لا يتعارض مع الشرع ، ووضع هذا الفكر فى شكلِ عملٍ منظمٍ. وفى بعضها اقترح تكوين مؤسسات تقوم بتنفيذ هذه الأفكار، فنراه وهو بصدد تشخيص حالِ الثقافةِ الإسلامية فى عصره يركز على الاهتمامِ بكتبِ التراث(1)، ويعقد الأمل فى هذا على أمرين :
الشباب، إذ يراه الأجدر بحمل هذه الشعلة فى إحياء تراثِ الأجداد، وهى الشعلة التى سيهتدى بها الحائدون عن الطريق الأقوم(2)، ويعبر عن آماله المعقودة على الشباب فى الإصلاح، فيرى أنهم هم الأقدر على القيام بهذه المهمة لما يتمتع به من قوة العزم والحزم على قدر إيمانهم وسعيهم فى رضا الله.
(1) يرى الكوثري أن الاهتمام بتراث المسلمين، تشرا ودراسة، هو المدخل الذى اتخذته القوى الأوروبية لإحياء عهد الصليبيين بطريقة أخرى غير الحملات ، وذلك بنشر مؤلفات علماء المسلمين المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه من كتب القراءة، وشواذ القراءات ، ومؤلفات الحديث والفقه واللغة، ويرى أن المسلمين هم الأجدر بنشر كتب التراث الكوثري، مقدمة كتاب العلم والمتعلم، نشر محمود سكر ، القاهرة 1939
(2) الكوثري، مقدمة كتاب العلم والمتعلم، نشر محمود سكر ، القاهرة 1939.
الجزء 1 · صفحة 12
تكوين لجانٍ علمية فى كبرياتِ العواصمِ الشرقية تتفرغُ للبحث عن الكتبِ النافعة فى مختلف العلوم ، وشتى المواضيع، وتقوم بنشرها تحت إشرافها. ولا يقف مطلبه هذا عند العلوم الفقهية وحدها، إنما يتعداها إلى مختلفِ العلوم، وشتى المواضيع، ويصفها أنها وسائل تغذية الروح(1).
كذلك الأمر عند مناقشة مشكلات المسلمين الاجتماعية، فيبدأ بتشخيص الداء ثم يصف الدواء ، فيرى أن صلاحَ المجتمعِ الإسلامى، إنما يكون بصلاحِ الأسرة ، وصلاحِ الأسرة يكون بصلاحِ الفرد. وانهيارُ الأسرةِ، يؤدى إلى انهيارِ الدول. وهذا أساسٌ من أسسِ هزيمة الدولِ الإسلامية. أما العلاجُ فيكون من خلال:
إنشاء تكوين " يسهر سهرا دقيقا على سير العلم والعمل فى الأمة، ويتخذ التدابير التى تحول دون استفحال الشر فى المحتمع بكل تبصرٍ فى كل ناحية ، وتسهر على شؤون المسلمين الاجتماعية، وتقرر ما هو فى صالحهم فى درء الأخطار" .
عقْدِ مؤتمرات تقرر ما يجب عمله لصلاح المجتمعات الإسلامية.
السعى فى تعارفِ الشعوب الإسلامية، لتتمكن الجماعة من تقويم أود المعوج منهم بالتشاور والتآزر. وبغير أن يتخلى أحدٌ منهم عن مسؤوليته فى هذا الأمر. وهو ما يعرف فى الشرع باسم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر(2).
وهذه الآراء تنطلق من منهجٍ واضح، وفى إطارٍ ممكن التحقيق،
ومع اهتمامه بأهمية الجانب الروحى لنهضة المسلمين ، يرى أن الحلَّ الأمثلَ، هو الجمعُ بين العقل والدين، فهما المعين على أخذِ النافع من القديم والجديد.
(1) الكوثري، مقدمة كتاب اللمعة فى تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وافعال العباد، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، القاهرة 1939.
(2) الكوثري ، صلاح المجتمع الإسلامى بصلاح الأسرة ، المقالات، ص 406.
الجزء 1 · صفحة 13
ويعيب الكوثري حال الفقهاء، وتأخرهم عن النظر فى المسائلِ الحيوية التى تتعلق بجوهرِ الدين، وإدراكِ حجم التغيير الذى يحدث فى العالم الإسلامى، والأخطارِ التى تحدق بعقيدة المسلمين ، لينشغل الدعاةُ بإثارةِ النقاشات حولَ التافه من المسائل العارضة فى حياة المسلمين، والتى تعتبر من المسائل الفرعية الاجتهادية ، متغاضين عن العظيمِ منها، وما هو أجدرُ بالاهتمامِ والدراسة، ويعتبر هذا من الموبقات التى آذت الشرع الإسلامى فى جوهره وصميمه. ويعلل هذا بجهل الدعاة وضعفهم(1).
(1) الكوثري، مقدمة كتاب إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب، مكتبة الشرق ن القاهرة، د.ت.
الجزء 1 · صفحة 14
ولهذا اهتم الشيخ الكوثري بالأزهر الشريف، وضرورة إصلاح أحواله بما يصلح حال العلماءِ. فكتب عن إصلاح الأزهر، الذى يصفه الكوثري بأنه " جامعٌ عالمى معلوم الحدود والمكان ، يؤمُّه طلابُ العلوم الشرعية من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم"، وهو " معقدُ آمالِ المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها" ويبلغ تقديره لأهمية الأزهر بالنسبة لمصر ، فيراها به "زعيمةَ الشرقِ الإسلامى كله". ولهذا يبدو الكوثري حريصا على مكانة الإزهر، ودوره بالنسبة للعالم الإسلامى. ويؤيد فكرةَ إحداثِ جامعةٍ أزهرية تدرس العلوم الكونية ، مع جامعات العصر جنبا لجنب"(1) بلا إهمالٍ للعلومِ الإسلامية العالية . وهذا الرأى منه يدلنا على سعةِ فكرهِ، ورؤيته المستقبلية ، ومنهجِه التوفيقى فى حل مشكلات المسلمين فى عصره، فى الجمع بين القديم والجديد الذى لايخالف الشرع ، وقناعته بأهمية العلوم الكونية فى نهضة المسلمين . ويقدم لنا خلاصةَ فكرِه للحفاظ على الأزهر من محاولات تسعى للقضاء على دوره، وتضيِّع رسالتَه، ومكانتَه، وقد عرضَ هذه الأفكار فى التقرير الذى قدمه إلى الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر، تلبية لرغبته، وبناء على طلبه. وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق أستاذا للفلسفة بكلية الآداب بالجامعة المصرية حينا من الدهر، ولهذا أدرك قيمة الكوثري واختصه باهتمامه، إذ عرِف فضلَه العلمى فيما حققه من كتب التراث الإسلامى خاصا بالفلسفة(2). وهذا يدلنا على أن الأزهر بعلمائِه وفقهائِه ، قد نظر للكوثرى نظرةَ تقديرٍ لعلمه وفكره فى آن واحد. كما أنه يدلنا على أن الكوثري، صاحب رؤيةٍ مستقبلة ، ومنهجٍ فى الإصلاح، يشبه إلى حد كبير منهج جمع كبير من علماء المسلمين الذين تناولوا قضايا العالم الإصلاح فى العالمِ الإسلامى برؤيةٍ توفيقية ، مثل المؤرخ
(1) انظر، الكوثري، إحياء علوم السنة بالأزهر، المقالات ، ص 417.
(2) محمد رجب البيومى ، نفس المرجع ، ص 27.
الجزء 1 · صفحة 15
العثمانى أحمد وجودت باشا ، وسعيد حليم باشا ، ورشيد رضا.
وأهم ما تضمنه هذا التقرير لإصلاح الأزهر هو وضع برنامج محدد لما يجب أن يقوم به الأزهر لحماية الفكر والتراث الإسلامى من هجمات المستشرقين، وهذا البرنامج يعتمد على:
تكوين لجنة فى الأزهر تسهر على حملات المستشرقين والمنصرين ، وتجتمع فى قاعة خاصة بالأزهر" لإعداد بحوث شاملة، للرد على آرائهم المعادية للإسلام.
منع أبناء الأزهر من نشر ما يترجمونه من كتب المستشرقين والمنصرين قبل استكمال الرد على الأراء الباطلة الواردة فيها.
أن تؤلف هذه الردود بلغات المردود عليهم، وتنشر فى بلادهم أولا ، ثم تنشر فى بلاد الإسلام بلغات المسلمين (1).
ومن القضايا التى أثارها العلمانيون ، قضية ملائمة الفقه الإسلامى لمستجدات الحياة ، ودعوا إلى الأخذ بالقوانين الوضعية ، ويرى الكوثري أن الفقه الإسلامى تراث فاخر لهذه الأمة تستغنى به عن الأحكام الوضعية فى إصلاح شؤونها الدينية والدنيوية، وأن التخلى عنه هو التوطئة " لوضع رقاب المسلمين تحت نير المستعبدين واندماجهم معهم"(2). فالدين والدولة عنده شيئ واحد، وهى فكرةٌ أصيلةٌ لدى العثمانيين الذين يرون صلاح الدنيا فى صلاح الدين.
(1) الكوثري ، إحياء علوم السنة بالأزهر، المقالات ، ص 425.
(2) الكوثري مقدمة الغرة المنيفة، القاهرة ، 1950.
الجزء 1 · صفحة 16
فشرع الله صالح لتقويم أود الأمةِ، وإصلاح شؤونها فى كل زمان ومكان، بخلاف القوانين الوضعية. وأحكامُ الشرعِ لا تنتهى عجائب أسرارها فى الإصلاح وليست هى كأحكام العقول الخاطئة. وها هى الدول الإسلامية لم تسعد دولة منها إلا بمقدار تمسكها بأهداب الشرع ، ولا شقيت إلا بنسبة ابتعادها عن أحكام الشرع. وهنا يُقِر الكوثري بإمكانيةِ خطأ العقل ، وأن العقلَ مهما كان شأنه، لا يرقى إلى ما قرره الله لصالح عباده بالشرع. ثم يقارن بين القوانين الوضعية والشريعة، فيقول" إن شرع الله صالح لتقويم أود الأمة، وإصلاح شؤونها فى كل زمان ومكان، بخلاف القوانين الوضعية، فإنها لو صلحت لزمان أو لمكان، فلن تصلح لأزمنة أخرى ولأصقاع أخرى"، كما أن العقلَ البشرى "عاجز عن الإحاطة بجميعِ مصالح الأمة على اختلاف الأزمنة والأمكنة، حتى يقنن قانونا، فما يُبرمُه اليوم ينقضُه غدا ...فمن حاول أن يقرب الشرع الإسلامى ويحوره على غرارها، فهو مريض القلب أثيم العقل.... ومن فضل عقله على علم الله وشرعه ، فليس من الإسلام فى شئ"(1).
وقضية الأخذ بالقوانين الوضعية، قضية قديمة جديدة مثارة منذ منتصف القرن التاسع عشر ، وتصدى لها الفقيه المؤرخ العثمانى أحمد جودت باشا فى القرن التاسع عشر ، فوَضَع أولَ قانونٍ مدنى لأحكام الشريعة الإسلامية وفق المذهب الحنفى فى مجلة الأحكام العدلية(2) ، كما قام الشيخ محمد حسنين مخلوف المالكى بتأليف كتابٍ فى المقارنةِ بين القانون المدنى الفرنسى، وأحكام مذهبِ الإمام مالك رضى الله عنه، فنص فيه على أحكام أخذها الأوروبيون عنه. ويتفق الشيخ الكوثري مع هذا الرأى فى صلاحية الشرع الإسلامى لتلبية حاجات المجتمع الإسلامى المعاصر.
(1) الكوثري ، شرع الله فى نظر المسلمين، المقلات ص 79-80.
(2) انظر، أحمد جودت باشا ، معروضات، طبع استانبول 1980.
الجزء 1 · صفحة 17
ولنا أن نشير إلى جهود الكوثري فى دراسة تاريخ مصر ، كما تظهر مقدماته جانبا أخر من شخصيته العلمية كمؤرخ ، ويمكن أن نقول أن ما كتبه الشيخ الكوثري فى تقديمه لكتاب البدر العينى ، يكشف لنا عن جانب المؤرخ من شخصيته فى عمق البحث والتحليل، فهو يقدم المنهج الواجب على المؤرخ اتباعه، وهو أن " المؤرخ ملزم بحكاية الواقع كما هو ، من غير أن يسعى فى إبراز السيئة بمظهر الحسنة، أو بخس حق الجميل بحمله على غرض غير مقبول، ومن يفعل خلاف هذا يكون مجرما أثيما أمام الأمة حيث حاول تعمية الوصول إلى الحقائق" وهذا بلا شك منهج المؤرخ الحق حيث يلتمس الصدق والموضوعية فيما يكتبه ، ثم ينبه المشتغلين بكتابة التاريخ إلى أهمية الإلمام بالأحداث من شتى جهاتها ، إذ" لا تتضح الحقيقة فيها قبل دراسة جميع ما عند تلك الجهات من الآراء فى تلك الأحداث.... قبل البت بعاطفة مجردة فيها "، وفى إطار هذا المنهج ، أكد فى جانب آخر من معالجاته التاريخية فيه بما ساقه من أدلة وبراهين ومعرفة بطبيعة الجراكسة وعاداتهم، أن سلاطين مصر المماليك البحرية من الجراكسة وليسوا من التراكمة ، كما قال أن المماليك البرجية، إنما سموا بهذا الاسمِ، نسبة إلى قبيلة برج من قبيلة وبخ الجركسية، وإليها كانت نسبتهم لا إلى أبراج القلعة حسبما هو شائع بين المشتغلين بالتاريخ (1). كما أن ما كتبه عن تاريخ القفقاس، وأصل الجراكسة ، والدولة العثمانية، يبرهن على ملكة البحث التاريخى عنده وعمق الاطلاع والمعرفة بمصادر التاريخ.
(1) انظر، الكوثري ، مقدمة الروض الزاهر فى سيرة الملك الظاهر ططر، القاهرة 1370هـ.، وأيضا مقدمة الأعلام الشرقية ، تأليف محمد زكى مجاهد، القاهرة 1367.
الجزء 1 · صفحة 18
وكما منَحَت إقامة الكوثري فى مصر، ذيوعَ صيتَه فى العالمين العربى والإسلامى، فقد استفادت مصر أيضا من وجوده وسط مناخ فكرى فيه قدر كبير من الحيوية، والنشاط الفكرى وصياغات رؤى للإصلاح ، فانجلى فكرُه، وساهم فى التفكيرِ وصياغةِ رؤيةٍ إسلامية للإصلاح فى العالم الإسلامى ، كما أَلقى بأضواءٍ جديدةٍ على التراثٍ، والتاريخ الإسلامى .
ولنا أن نلمسَ تقديره لدور مصر الحضارى والعلمى بقوله :
"إن مصر كانت دارَ حديثٍ، وفقهٍ، وأدب فى القرون الثلاثة السابعِ، والثامنِ، والتاسعِ الهجرى... وها هى كتبُ التاريخِ قد اكتظت بتراجم رجالٍ كبار، أنجبتهم مصر بكثرة بالغةٍ فى تلك القرون الذهبية ، ممن لهم مؤلفاتٌ كثيرة جدا فى شتى العلومِ، بحيث يعدون مفاخرَ الإسلام طرَّا، فضلا عن مصرَ، بل ومآثرهم المحفوظة فى خزاناتِ العالم مما يقضى لمصرَ بالفخرِ الخالدِ"(1). رحم الله الشيخ الكوثري.
**********
(1) الكوثري، أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها وتناوب الأقطار فى الاضطلاع بأعباء علوم السنة، المقالات ص 66.