العيد والجمعة
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
العيد والجمعة
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
زارني زائر فاضل أمس يلتمس أن أكتب كلمة عما إذا كانت صلاة الجمعة تسقط عمن صلى صلاة العيد يوم الجمعة أم لا تسقط؟ فقلت: هذا سؤال فات أوانه. قال: لا، بل أرجوك ملحا فى الرجاء أن تكتب ما يشفى في هذا الموضوع لأن كثيراً من السعاة فى الهدم بدون أن يبنوا شيئًا من الذين ديدنهم تشويش العامة بمجابهتهم بما يخالف المتوارث بينهم من المسائل فيالعقيدة والعمل - لأسباب علمها عند الله - دائبون على الكلام في تلك المسألة فى كثير من المجالس والنوادى من يوم عيد الأضحى إلى اليوم، وربما يؤدى ذلك إلى التشكيك فى الفقه المتوارث كله إذا سكت أهل الشأن بيان الحق كلما اجترأ مجترئ على الفقه المتبع خلفا عن سلف. فقلت له: هون الأمر عليك، وليست المسألة من المسائل الخطرة بالنسبة إلى شواذ المسائل التي نجا به بها بين حين وآخر، ومع ذلك أكتب كلمة عنها نزولا عند رغبتك فأقول مستعينا بالله:
إن القول بإجزاء صلاة العيد يوم الجمعة وكفايتها عن صلاة الجمعة قول شاذ يعزى إلى الإمام أحمد بن حنبل من بين الأئمة المتبوعين - م -، لكن حيث لم يكن تدوين مذهبه الفقهى بإشراف منه - بخلاف مذاهب سائر الأئمة - كثرت الروايات عنه كما تجد مصداق ذلك في الرعاية الكبرى لابن حمدان و الفروع لابن مفلح حتى أصبحت غربلة الروايات عنه بمكان من الصعوبة وأشكل التعويل على صحة نسبة قول مخالف لقول الجمهور إليه ولذا ترى ابن جرير وغيره ممن
كتبوا في الخلاف لا يذكرون خلافه فى الغالب، بل لم ينتشر مذهبه في خارج العراق كمذهب فقهى إلا في أواسط القرن الخامس بواسطة أبي يعلى القاضي وأصحابه. وقد دون الإمام الكيا الهراسي الشافعى المعروف كتاباً يحتوى على نحو مائة مسألة من مفرداته فأثار ثائرة الحنابلة حتى صنفوا ردوداًعليه
وأما في مسألتنا هذه فقد اتفق أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه والشافعي وأصحابه حتى الظاهرية على أن صلاة العيد لا تسقط صلاة الجمعةأصلا.
وبعد هذا التمهيد أقول: إن المستفتى إن كان عاميا فلا مذهب له غير ما يفتيه به العالم الذى استفتاه وثوقا بدينه وعلمه متحريا لا متشهيا، وهذا العالم يكون مقيداً بنصوص مذهبه إن لم يكن من أهل الاجتهاد .. فمصر حرسها الله تعالى - حيث لم يكن فيها مذهب معتبر يتقلده الشعب المصرى المسلم غير مذاهب أبى حنيفة ومالك والشافعي - - لا يسوغ لعالم من ذلك الطراز أن يفتي مستفتيا غير حنبلى فيها بقول يعد شاذا عند الجمهور بمجرد أن يجده مدونا في بعض الكتب ولا سيما في الرخص، لأن ذلك يكون تشهيا لا تعبداً. وأما إن كان العالم المفتى ممن يستشعر الاجتهاد في نفسه فلا يجوز له أن يفتي بشيء بدون حجة ناهضة يقيمها في المسألة متلقيا الردود عليه بصدر رحب فيكون كلامنا في المسألة مع فريقين: فريق المقلدة أتباع الأئمة المتبوعين - م -، وفريق يطمح إلى الاجتهاد.
فالفريق الأول حيث يكتفى بنصوص الأئمة يكفينا هنا أن نسرد من أئمة الاجتهاد في المسألة ما فيه بلاغ، فنقول:
قال الإمام محمد بن الحسن الشيبانى فى الجامع الصغير: محمد عن يعقوب
عن أبي حنيفة: عيدان اجتمعا في يوم واحد فالأول سنة والآخر فريضة، ولا يترك واحد منهما - يعنى العيد والجمعة - وفى الموطأ للإمام محمد أيضاً عن الإمام مالك بن أنس عن محمد بن شهاب الزهري عن أبى عبيد مولي ابن أزهر أنه قال في حديثه: شهدت العيد عثمان عفان - بن، فصلى ثم انصرف، فخطب فقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أذنت له ثم قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وإنما رخص عثمان في الجمعة لأهل العالية لأنهم ليسوا من أهل المصر وهو قول أبي حنيفة». والعالية على أميال من المدينة وأخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه في الأضاحى كما أخرجه يحيى الليثي في الموطأ.
وقال أبو الوليد الباجي المالكي فى شرحه روى ابن وهب ومطرف وابن الماجشون عن مالك أن ذلك أى الإذن لأهل العوالي والقرى جائز وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي اهـ.
وقال الشافعي في الأم: وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة، صلى الإمام العيد حين تحل الصلاة ثم أذن لمن حضره من غير أهل المصر في أن ينصرفوا إن شاؤوا إلى أهليهم ولا يعودون إلى الجمعة، والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا أو يعودوا بعد انصرافهم إن قدروا حتى يجمعوا، وإن لم يفعلوا فلا حرج إن شاء الله تعالى ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر إلا من عذر .. ثم قال: وهكذا إن كان الأضحى، لا يختلف إذا كان ببلد يجمع فيه الجمعة ويصلى العيد ولا يصلى أهل منى صلاة الأضحى ولا يوم الجمعة لأنها ليست بمصر.
وقال البدر العيني في البناية شرح الهداية: قال ابن عبد البر:
سقوط الجمعة والظهر بصلاة العيد متروك مهجور لا يعول عليه».
وقال ابن حزم في المحلى وإذا اجتمع عيد وجمعة يصلى للعيد ثم للجمعة ولابد ولا يصح أثر بخلاف ذلك. قال أبو محمد الجمعة فرض والعيد تطوع والتطوع لا يسقط الفرض اهـ.
وبهذا ظهر مذهب الأئمة الثلاثة وأصحابهم ومذهب الظاهرية. ودليلهم الكتاب والسنة المستفيضة والعمل المتوارث والإجماع في فريضة الجمعة على أهل الأمصار من الرجال غير المعذورين فرضاً عاما، فلا يتصور إخراج من يصلى العيد من هذا الحكم إلا بقيام دليل مثله فى القوة، ودون ذلك خرط القتاد - كما يقول المحدث الكبير التهانوى فى الجزء الثامن من كتابه «إعلاء السنن وفيه استقصاء هذا البحث من كل ناحية - وما يعزي في بعض الكتب إلى عطاء إسقاط الجمعة والظهر عمن صلى العيد في يوم اجتمع فيه العيد والجمعة فغلط من روايته لعدم خروج ابن الزبير بعد صلاة العيد إلى العصر، وحاشاه أن يقول بإسقاط الجمعة فضلا عن الظهر فيسقط من الصلوات الخمس صلاة
وأما ما يروى عن ابن الزبير فسنتحدث عنه قريبا إن شاء الله تعالى. ولا تثريب على حنبلى غير ملم بأدلة المسألة أن يتابع القول المدون في كتب الحنابلة في المسألة من كون الجمعة فرض كفاية بعد أداء صلاة العيد بدون أن يسقط الظهر عمن لم يصل الجمعة، وهو مذهب زيد بن على - خانه - أيضا، وحاشا أن يكون من مذهب زيد أو أحمد إسقاط فرض الظهر عمن صل عيد.
وأما الفريق الذي يطمح إلى الاجتهاد فعليه أن يحتج على مدعاه في هذا الباب لكن حجته لا تكون إلا، داحضة لأن قصارى ما يكون عنده أحاديث وآثار
مخرجة في سنن أبى داود وغيره من الكتب غير الصحيحين وهي تدور بين أن تكون واهية الأسانيد، أو مخصصة بأهل البوادي بقرائن
الأحوال. حتى إن الموفق بن قدامة غير موفق في المغنى للإدلاء بحجة مقبولة لمذهبه في هذا الباب كما يظهر من مقارنة كلامه بما هنا ..
فحديث أبي داود حدثنا محمد بن كثير أنا إسرائيل ثنا عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة الشامى قال: شهدت معاوية يسأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم قال: فكيف صنع؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة، شاء أن يصلى فليصل في سنده إسرائيل بن يونس ضعفه
فقال: ابن المديني وابن حزم وإن انتقى الشيخان بعض أحاديثه وهذا ليس مما انتقياه. وقال ابن المنذر هذا الحديث لا يثبت وإياس بن أبي رملة مجهول. وأقره ابن القطان على أن إياسا مجهول في الوهم والإيهام والذهبى فى الميزان وابن حجر في «التقريب» و «تهذيب التهذيب». وقد انفرد إياس بتلك الرواية وانفرد عنه عثمان بن المغيرة فيكون إياس مجهول العين والصفة في آن واحد، وذكر ابن حبان إياه في على طريقته في توثيق المجاهيل تبعا لشيخه ابن خزيمة - لا يجعله ثقة فلا يكون معنى لتحسين إسناده فضلا عن تصحيحه عند ابن خزيمة أو الحاكم، وسكوت النسائى وأبى داود إنما يدل في التحقيق على أنه صالح للاعتبار عندهما لو ورد بسند، آخر وأين الصلاحية للاعتبار من الصلاحية للاحتجاج به ولا سيما في مناهضة ما ثبت بالكتاب والسنة المستفيضة والعمل المتوارث؟.
وأما ما يعزى إلى على بن المديني من تصحيحه فوهم عن تصحيح أبي
موسى المدينى الجميع ما في مسند أحمد وهذا الحديث مخرج فيه - وقد فند أهل العلم بالحديث رأى أبي موسى هذا، كما هو مبسوط فى «الفروسية لابن القيم وفى تعليقنا على خصائص المسند لأبي موسى المدينى، على أن وجود القادح الملموس في الحديث كما ذكرناه يقطع كلام كل خطيب وأين هذا من حديث عثمان المخرج في الصحيح الدال على تخصيص أهل العوالى بذلك الترخيص؟ ولم ينكر عليه أحد في ذلك الجمع الحاشد فيكون تخصيص الحكم بغير أهل الأمصار مجمعًا عليه بين الصحابة - على الم -، ولو فرض لحوق خلاف لا يؤثر فى الاتفاق السابق وهذا الحكم ليس مما يعلم بالرأى فيكون حديث عثمان فى حكم المرفوع، ويقويه مرسل عمر بن عبد العزيز عند الشافعي وموصول أبى هريرة عند البيهقي وإن كان في إسناده بعض ضعف.
وبهذا البيان يذهب أدراج الرياح توهم الشوكاني في نيل الأوطار» صحة حديث زيد بن أرقم مع تلك القوادح المكشوفة، وتخيله تخصيص قول الرسول - ل - بقول عثمان فى تخصيص الترخيص بأهل القرى، وتصوره كون ذكر العوالي في حديث عثمان من قبيل التنصيص على بعض أفراد العام. كما أن قول الأمير الصنعاني في سبل السلام في حديث زيد بن أرقم: قد صححه ابن خزيمة ولم يطعن غيره فيه فيصلح مخصصا لعام الكتاب والسنة يسقط بذلك الإيضاح، ولم يصح الحديث كما سبق حتى يتصور تخصيص عام الكتاب به عند من يجوز تخصيص الكتاب بخبر الأحاد.
في بحديث عثمان ومرسل عمر بن عبد العزيز على أصله في الأخذ بالمرسل،
فلا يرد عليه ما يريد الصنعاني أن يورده عليه، على أن صحيح ابن خزيمة مفقود منذ قرون متطاولة غير باب التوحيد منه فلا يعول على تصحيح يعزى إليه بدون سند متصل مع تساهله المعروف في التصحيح والشوكاني والأمير الصنعاني ليسا على مناهج أهل البيت، ولا على مسالك أئمة السنة فى الفقة بل هما مضطربان فيه على قلة بضاعتهما في الحديث وفقرهما من جهة الكتب رغم تشبعهما بما لم يعطياه وإن انخدع بهما بعض الناس، وقد أساء إلى العلم من اختار كتبهما في عداد كتب الدراسة في بلاد السنة، وقد أشرت إلى بعض أحوالهما فى الإشفاق على أحكام الطلاق».
وأما حديث أبي داود الحدثنا محمد بن طريف البجلي ثنا أسباط عن الأعمش عن عطاء قال صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال أصاب السنة فأسباط بن نصر سنده مختلف فيه، ضعفه أبو نعيم وأنكر أبو زرعة على مسلم إخراج حديثه وتوقف في أمره أحمد وقال ابن حجر صدوق كثير الخطأ يغرب، وانتقاء مسلم لبعض أحاديثه بغير طريق محمد بن طريف لا يدل على أنه من شرط مسلم مطلقا كما يظهر من شروط الأئمة ص 62، والأعمش مدلس وقد عنعن وابن خزيمة على تساهله فى التصحيح يرد ما يعنعن فيه الأعمش على أن ذلك ليس تمام الحديث وفي حديث النسائى بطريق عبد الحميد بن جعفر عن وهب بن كيسان ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ركعتين وتقديم الخطبة فيه يدل على أن هاتين الركعتين كانتا عن الجمعة، كما يدل حديث ابن جريج الآتى على ذلك أيضا، وصلاة الجمعة قبل الزوال جائزة في بعض الأقوال - وإن كان هذا التجويز فى غاية الضعف من ناحية الحجة
- فيكون كلام ابن عباس أصاب السنة محتمل الحمل على تقديم الخطبة على صلاة الجمعة وعند الاحتمال يسقط الاستدلال» وكانت السنة - أعنى العمل المتوارث - فى الجمعة تقديم خطبتها على صلاتها، وقد فعل ذلك ابن الزبير على أن عبد الحميد بن جعفر فى سند النسائي قد انتقى مسلم بعض أحاديثه لكن الثورى، ضعفه وابن المدينى رماه بالقدر، وأبا حاتم قال عنه: إنه لا يحتج به فينزل حديثه عن مرتبة الحجة كنزول ما زيد في المستدرك من أن ابن الزبير قال: رأيت عمر يصنع هكذا لأنه بطريق عبد الحميد بن جعفر هذا، ولأن ذلك لو كان معروفا عن عمر - لما أنكر الناس صنيع ابن الزبير وقد أنكروه وعدم خروج ابن الزبير في حديث أبي داود قد يكون لعذر طارئ، ولا دليل على أنه لم يصل الظهر. وصلاة الناس وحدانا متعينة الحمل على الظهر، لأنه لا يتصور أن يصلوا الجمعة وحدانا.
وحديث أبي داود حدثنا يحيى بن خلف ثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: قال عطاء: اجتمع يوم الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر في سنده يحيى بن خلف الباهلي لا يعلم توثيقه من غير ابن حبان وطريقته فى توثيق المجاهيل معروفة، وابن جريج على إمامته مدلس وصيغته صيغة انقطاع على أن متن الخبر المذكور لا يدل على تركه الجمعة، بل يدل على أنه صلى الجمعة قبل الزوال، وجواز ذلك قول كما أشرنا إليه، ومع هذا كله ترى الروايات عن ابن الزبير بالغة بعضهم الاضطراب مع عدم الحجة فى فعله ضد شوامخ الحجج في المسألة.
وأما حديث أبي داود حدثنا محمد بن المصفى وعمر بن حفص الوصابي
المعنى قالا: حدثنا بقية ثنا شعبة عن مغيرة الضبي عن عبد العزيز ابن رفيع عن أبي صالح عن أبى هريرة عن رسول الله - أنه قال: قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون. قال عمر عن شعبة فمحمد بن المصفى في سنده يروى مناكير، وهو قد جعل عنعنة بقية تحديثا هنا كما جعل بدل أبى هريرة ابن عباس في سنن ابن ماجه وكلاهما وهم ورواية ابن ماجه عن ابن عمر لا تصح لأن في سندها جبارة ابن المغلس، و بقية أحاديثه غير نقية فكن منها على تقية كما يقول أبو مسهر، وهو مدلس وقد عنعن في رواية الوصابي عند أبي داود، والمغيرة مدلس أيضا وقد عنعن إلا أن البكائى، تابعه لكنه متكلم فيه، والصحيح عند أحمد والدارقطني إرساله لا رفعه حيث رواه حماد عن عبد العزيز عن أبي صالح مرسلا، وهذه علة أخرى في حديث بقية، وعلى فرض ثبوت الخبر يكون الخطاب بالتخيير لغير أهل المدينة بدليل إنا مجمعون» والمراد بلفظ «إنا» أهل المدينة، وهذا هو الظاهر؛ ولا معدل عن هذا الظاهر بدون صارف، بل لو عم التخيير ما وجب على أحد من أهل المدينة أن يجمع معه - عللام ولغا قوله إنا مجمعون مع أن تاكيد التجميع بالجملة الاسمية و «إن» يفيد البت وعدم الهوادة. وقال أبو بكر بن العربي حديث أبي هريرة عن أبي داود وحديث زيد بن أرقم - عنده أيضا ليس فيهما ترك الإمام الجمعة -كما يحكى عن ابن الزبير - وإنما فيهما الرخصة لمن كان ذا منزل قصى اهـ.
فصاحب الحجة لا يمكنه العدول عن قصر الرخصة على أهل القرى، وعلى ذلك مشى الطحاوى فى مشكل الآثار اتباعا للحجج، إلا أن الحنبلي من المقلد يعذر فى اتباع ما هو مدون فى كتب مذهبه، وإن ضعفت المسألة. ناحية الحجة كما هو الحكم فيمن يقلد الأئمة المتبوعين بخلاف من يلم بأدلة الأحكام
فإنه لا يسوغ له الانحراف عن مقتضى الحجة النيرة المعالم. فظهر أن صلاة العيد لا تغنى فتيلا عن صلاة الجمعة، والترخيص الجمعة إنما هو بالنظر إلى أهل القرى والبوادي عند الأئمة للتخلف عن الثلاثة وأصحابهم وجماهير الفقهاء - -. وأبو داود على إخراجه لتلك الأحاديث لم يعز المسألة إلى أحمد في مسائله ولا إسحاق بن منصور، ومع ذلك تعذر مقلدة المذهب الحنبلي أو الزيدى فى اتباع القول المدون في المذهبين فى المسألة وإن كان ضعيف المدرك داحض الحجة، لأن دليل المقلد قول إمامه فلا يلزم بالحجة بخلاف من له إلمام بأدلة الأحكام، فإنه لا تسعه مخالفة الحجة الظاهرة، وقد ظهرت الحجة فى المسألة فلله الحمد على التوفيق والتسديد.