الرسالة والأزهر
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الرسالة والأزهر
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
من يحترم نفسه يكون صادقا لمبدأ طائفته ومنهج جماعته متفانيا في اتخاذ السبيل إلى الغاية التي من أجلها برزت جماعته في عالم الوجود، وإلا تكون براقش جنت على نفسها وهوى ذاك وطائفته في هاوية الخذلان بما عملته أيديهم، فلا يواجه أدنى لوم إلى الطوائف إذا تجاهلوا وجود مثل تلك الطائفة ولم يرفعوا إليها رأسا في ساحات العمل ومن يهمل واجبه إذا أهمل لا يحق له أن يلوم غير نفسه.
ونحن نرى فى المدة الأخيرة آراء تعزى لبعض الأزهريين فى مجلة الرسالة تؤذى رسالة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولسنا نستمرئ المساس برسالة أحمد المصطفى ودعوته في سبيل الدعوة إلى مجلة «الرسالة». فلو جمعنا كلمات الأساتذة القائم بأمر التوقيع عن رب العالمين، وهذا العرق النابض للجماعة، وذاك الدمنهورى صاحب تلك الأحلام، وذلك المنصوري المتشبع المتظاهر بالارتواء على طوى وظماً في صعيد واحد؛ لرأينا العجب العجاب فى البعد عن صوب الصواب.
وقد عزت «الرسالة إلى الأول أنه يتبجح بإباحته التلبس بشعار غير المسلمين بدون قيد ولا شريطة ولا، ضرورة متناسياً ما أصدرته جماعة علماء الأزهر -وهو معهم من البيان الشامل في استنكار ذلك استنكاراً إجماعياً المنشور في المجلات والصحف السيارة ورسائل خاصة فى مدة قريبة. فهل جد وحى ينسخ ما أذاعته جماعة العلماء باسم الشرع الإسلامي إذ ذاك، أم كانت الجماعة
مخطئين فيما أذاعوا وانفرد بالصواب من فارق الجماعة الآن؟! وماذا يكون موقف العامة إزاء هذا التهاتر باسم الشرع؟! ونحن نود أن نطلع على أصل الفتيا المنوه عنها في المجلة بنشر نصها فيها لنقارن بين فتيا الجماعة وفتيا هذا الشاذ محاذرين تخطئة الجماعة فيما يكون من فارق فيه الجماعة أقرب إلى التخطئة، وسأقوم بنشر رسالة تجمع شتات هذه المسألة إن شاء الله تعالى لما أرى من الحاجة الماسة بعد ذلك التنويه.
وأما الثاني فكان لرأيه فى الشيطان دوى هائل في محافل العلم حتى قوبل بالاستنكار البالغ في بيئات العلم إلى أن استيقن أن أزهر اليوم ليس بأزهر الحاكم العبيدى حتى تُستَمراً قرمطته في ذلك، وبعد أن أصبح عضوا في الهيئة طمعت نفسه الطموح إلى جعل الإفتاء، وتنقيح السنة وتنويعها، وتهذيب كتب الشرع ونشر الآراء باسم الأزهر من اختصاص شخصه الكريم وزملائه الغر الميامين وبقى اقتراحه هذا تحت النظر، وفي فترة التجريب رأينا له آراء في مجلة «الرسالة» تنبئ عما يتوخاه من الأعمال في تلك المواضيع منها مقال له يرمى إلى تنويع السنة ليمكنه التخلص من أنواع منها لا تتفق ومصلحة العصر! خرقا للإجماع القاضى بمتابعة أوامر سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- على الإطلاق، ونبذا لنصوص الكتاب والسنة فى ذلك، وقد سبق منا الرد على مثل تلك الهاجسة وأين تنويعه للسنة من تنويعها في كتب الأصول وأحكام القرافي.
وفي هذه المرة رأينا له فتيا فى الرسالة يضرب فيها بالأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام في الصحاح والسنن والمسانيد عرض الحائط، متصرفا في الآيات على هوى القاديانية، متجاهلا أن حمل الرفع على رفع مكانته تحصيل للحاصل بالنسبة إلى من اصطفاه الله لرسالته، وأن المراد بالرفع لو كان رفع روحه
بعد وفاته – عليه السلام - لكان شأنه في ذلك شأن باقي الأنبياء والمرسلين وعامة المسلمين فلا يبقى وجه للتنويه بأمره في الكتاب الكريم وهذا قاض على رأي من شذ تبعا للنصارى وقال إنه مات ثم رفع وقوله تعالى وإن مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبل موته بمعنى قبل موت عيسى عند نزوله. وقوله تعالى وإنَّه لعلم للساعة بمعنى أن عيسى به يعلم قيام الساعة لكون نزوله من أشراطها كما استفاض هذا وذاك عن عباس وغيره عند ابن جرير وغيره بدون أن يثبت خلافهما عنه، على ما لا يخفى على من خبر أسانيد الروايات على أن الإجماع على عدم إدماج اليهود في النصارى في المواريث ونحوها وعدم سبق ذكر القرآن يأبيان إرجاع الضميرين إلى غير عيسى فى الآيتين كما لا يخفى على كل ذي عينين، فبهذا يعلم تطابق الرواية والدراية فيما ذهب إليه الجمهور.
وفي عقيد الإسلام فى حياة عيسى – عليه السلام - لمولانا الحبر الكشميرى بسط القول فى وجوه دلالة الكتاب على ما عليه أهل الحق فليراجعها من شاء للاستزادة. وحمل التوفى هنا على إيقاع الموت عليه فى الحال باعتبار أن اسم الفاعل مجاز في الاستقبال تجاهل عن معانى التوفي في الكتاب الكريم واللسان العربي المبين وهى معروفة لا يسع المقام شرحها وتغافل عن أن المقام مقام التنصيص على إنقاذه من اليهود وليست الإماتة في الحال سبيلا للإنقاذ، ومن فسره من بعض الأقدمين بالموت يريد موته بعد نزوله - سلام حملا على التقديم والتأخير كما تجد شرح ذلك في معاني القرآن لفراء» .. على أنه ليس أحد من علماء هذه الأمة يقول بنفى نزوله -سلام- عند قرب القيامة وما فى مراتب الإجماع لابن حزم بعيد عن الصحة عند أهل العلم، بل هو غلط عن قول من يقول بموته.
و ممن نص على الإجماع على حياته ونزوله؛ أبو حيان، أن بموته ورفعه يقول
إنه ينزل حيا إلى الأرض وبعد مضي المدة المقدرة له يموت ثانيا كما في فتح البارى 6??? بل مجمعون على أنه سينزل كما دل على وجميع ما سقناه ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
وقد ذكر الشوكاني في كتاب " التوضيح في تواتر ما جاء فى المنتظر والدجال والمسيح أن الأحاديث في نزوله - سلام كثيرة منها تسعة وعشرون حديثا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، ومنها ما هو مذكور فى أحاديث الدجال، ومنها ما، هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد فى ذلك. اهـ. ثم ساق ذلك كله فقال: بالغ. حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع» ومثله في الإذاعة لما كان ومايكون بين يدى الساعة الصديق خان القنوجى ونزلت في النقل إليهما لكونهما مرضيين عند صاحب تلك الفتيا، وإلا فتواتر حديث نزوله -سلام- مما نص عليه أمثال ابن جرير وابن رشد الكبير وغيرهما من أساطين العلم. بل لمولانا المحدث الكشميرى كتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح يسوق فيه سبعين حديثا تدل على نزوله – عليه السلام -.
وما يعزى إلى ابن عباس من القول بموته غير صحيح للانقطاع في السند ولما في رجاله من الكلام لأن على بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، ومن دونه متكلم فيهم. وإزاء هذا البيان يذوب زعمه أن خبر الآحاد لا يؤخذ منه المعتقد ووهب بن منبه هو حجة من قال بموته – عليه السلام-، وهو من مصادر الإسرائيليات ولا شأن له ولا لكعب فى الأحاديث المسندة في الصحاح والسنن في نزوله، فتكون محاولة إعلال حديث النزول بهما مما يضحك، كدعواه الاضطراب في الحديث وإنما الاضطراب في عقله، وإحدى طرق البخاري في
نزوله روايته عن ابن المديني عن ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل هؤلاء جبال شوامخ وأطواد شواهق فى الرواية والثقة والأمانة وابن تيمية وابن القيم يريان ما في الصحيحين من الأحاديث المسندة مما يفيد العلم وصاحب الفتيا المذكورة أطوع لهما من ظلهما حتى فى أخطائهما الظاهرة كما يظهر من رأيه في نقض الدارمي فكيف يستبيح الآن مخالفتهما فيما أيدته الأدلة.
وفي الصحيحين وحدهما عن أبى هريرة وغيره أحاديث كثيرة في هذا الباب بل روي حديث نزوله - لام - نحو عشرين من الصحابة كما يظهر ذلك كله من جامع الترمذى وغيره فكيف يستجرئ صاحبنا أن يمحو بجرة قلم من غير تفكير فيما يجر ذلك إلى قلوب الأمة من الشكوك فيما توارثوه كله. أهكذا يكون العلماء أمناء الله في أرضه؟.
ومن المعلوم أن قاديانيين كانا اندسا بين طلبة الأزهر قبل مدة، وما كان الأزهر تمكن من أن يتخلص منهما إلا بشق الأنفس، وصاحبنا بفتياه هذه يعيد الشر ويفتح هذا الباب من جديد حيث لم يلاحظ مصدر الاستفتاء، من أقدم ما يجب على المجيب عن سؤال أن يكون على بصيرة من ملابسات السؤال ومصدره على أن نشر الجواب الباطل شكلا وموضوعا في المجلة بدون اكتفاء ببعث الجواب إلى السائل مما يزيد الطين بلة والشر استشراء. وغاية ما استفدنا من تلك المحاولات أن الاقتراح لو قبل لكانت نتيجته الإعراض عن الكتاب والسنة والإجماع ومعتقد جماعة المسلمين بين عشية وضحاها لكن الله سلم. أفلا يحق بعد هذا كله أن نسائل هؤلاء هداة آخر الزمن قائلين: إلى أين تريدون أن تسيروا بالأمة يا طفاة بحر العلم.