الدين والفقه
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الدين والفقه
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
كثير من سكارى شهوة الظهور يتناولون بحوثا في شرع الله بألفاظ لا متراكلة وهم يعون مبلغ تهاتر ما يهذون به ويكتفى الصحاة الذين يشهدون الهذيان بهز الأكتاف ومن رأيت منهم اليوم يدعو إلى الأديان جميعا مثلا لا تشك أنه يعتبر نفسه فوق الأديان وهو برىء في حد ذاته من الجميع يحبذ بذلك تمسك اليهود بالبيع وترهب النصارى فى الديور، وتعبد الصابئة للهياكل والأجرام، العلوية وترامى المجوس فى النار واعتصام المسلمين بدين الإسلام فى آن واحد. وأما تلك الطوائف فلا ترضى طائفة منها قولا له، ولا تقبل منه رأيا من هذا القبيل فضلا عن المسلمين فلابد وأن يكون من يلغط بمثل هذا الهجر منبوذا عند الجميع حيث لا يمت إلى إحداها بوشيجة إلا أن يكون اتخذ نبذتها كلها وليجة.
وأي مسلم يستطيع أن يتجاهل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، وقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}، وقوله تعالى: {إنَّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
أم أى صاح يستسيغ أن يفوه بأن الفقه غير الدين في كتاب الله، يغايره
ويباينه مطلقا مفهوما وصدقا وتحققا ليستبيح بذلك انتهاك حرمة «الفقه في أن الفقه ما هو إلا معرفة الدين فلا تتصور مغايرة علم الدين ولا مخالفة العلم لمعلومه إلا عند من لا يميز بين الأشخاص فضلا عن. المعانى بغفوته، ولا بين المقدم والمؤخر ببالغ غفلته.
وما أسخف ادعاء أن الدين ما هو إلا الكلمة التي هي سواء بين المسلمين وغيرهم - لا الفقه - إزاء قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طَائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إِذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده إلى غير ذلك» من الآيات والأحاديث الكثيرة.
أم يمكن أن يرى عاقل تنافى الشيء والعلم به ليمكنه إنكار فقه الدين مطلقا بدون إنكار الدين وهذا مبدأ إليه المنتهى في السخف.
وأما تنازع الفقهاء في الربع من مسائل أبواب الفقه لتجاذب أدلة الأحكام، وتفاوت الأفهام بعد اتفاقهم على ثلاثة أرباع المسائل، فلا يسيغ انتهاك حرمة الفقه مطلقا بل الدين ينص على أن المجتهد المخطئ برىء الذمة مأجور والمجتهد المصيب يضاعف له الأجور.
وأما الدين في كتاب الله فهو الطاعة الله فيما أمر به من الصحيح والعمل الصالح والخلق الكريم. فمن عرف الفقه بقوله: «معرفة النفس مالها وما عليها أدخل الثلاثة فيه كما أدخلها في الدين من عرف الدين بقوله: وضع إلهي سائق للبشر إلى ما هو خير له في الدارين قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلَّه ولو كره المشركون} وقال جل شأنه:
{أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كبر على المشركين}، وليس الدين هنا هو الإيمان بما يجب تصديقه فقط بل يشمله والطاعة له تعالى فى أحكامه فى العبادات والمعاملات والأخلاق وتلك الأصول القويمة هى الأصول المشتركة بين الأنبياء عليهم السلام، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن نبذ أحدها فقد أصبح في عداد الذين تفرقوا فيه، وقد جعل الله سبحانه لكل نبي شرعة ومنهاجا يلزم أمته التمسك بها بأدلة قائمة ينصاعون لها مدة بقاء شريعة كل نبي ومعرفة فقهاء الأمة المحمدية لجزئيات تلك الأصول - القاضية بالطاعة له تعالى فى الاعتقاد والعمل والخلق - من أدلتها التي أقامها الله لهذه الأمة هي الفقه فتكون الطاعة لأحكام تلك الأدلة عين الدين فلا يكون الاختلاف في الفروع بحسب الأدلة القائمة على شيء من التفرق فى الدين، بل ذلك محض إقامة للدين، قال الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48].
وليس شأن العالم بعد اعترافه باستناد المسائل الخلافية - الدائرة بين النفى والإثبات - على أصولها الشرعية سوى أن يبره على الراجح منها إن كان أهلا للإبراه لا نبذ جميعها والاستهانة بها بدون ترجيح إحداها بحجة.
وأما ما أقر الفقهاء في كتب قواعد الفقه وكتب الأشباه والنظائر الفقهية باختلاف حكمه حسب اختلاف الزمان والمكان؛ فليس من الاختلاف في شيء، بل هو تفصيل للحكم بالنظر إلى حال وحال فإدخال ذلك في الاختلاف المنبوذ إنما يكون من خلل في تعقل الموضوع ودخل في التفكير. وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقا بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء؛ فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية وذلك مما يأباه أهل الدين وإنما التفرق فى الدين هو نبذ الطاعة الله بالإيمان ببعض ما في الكتاب والسنة والكفر ببعض ما فيهما بشتى الذرائع
المصطنعة تكذيبا لقوله تعالى: {مَا عن ا الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3، 4] وأما قوله تعالى: {الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159]، ففيمن أخل بتلك الأصول معاندة فلا يكون له أدنى مناسبة للاختلاف في الفروع بسبب حالة الدليل فى الدلالة وضوحاً وخفاء، وقد سبق أن ذلك من طاعة الله، على أن قراءة حمزة والكسائي فارقوا دينهم فى موضع فَرَّقُوا دينهم متواترة أيضا فيجب حمل الآية على معنى تتفق القراءتان فيه وهو ما ذكرناه.
وإِنَّ ينطق وأما تحكيم العرف على النصوص فلم يقع من مسلم ولن يقع، والتعامل بين المسلمين بالمعدنين المسكوكين من غير وزن إنما هو للعلم بوزنهما من قيام رقابة ساهرة عليه جد السهر وليس ذلك من تحكيم العرف في شيء وقد ألممت بعض إلمام بأحكام العرف فى مقالين فلا أرى حاجة إلى إعادة ما فيهما.
ومَن لا يرفع رأساً إلى خلاف الفقهاء كيف يستبيح بعض الحرام لحاجة في النفس تعويلا على تقسيم بعضهم الحرام إلى حرام لذاته وحرام لغيره بالرأى بدون كتاب ولا سنة وهذا هو محض التشهى مع ما في ذلك من فتح باب شر لا يقفل.
وأما محاولة تنويع السنة تمهيدا لترك مالا يتفق منها والحاجة! وهوى العصر فيحول دون الانخداع بها قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله تعالى: فليحذرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم لأن الأمر في هذه الآية مصدر مضاف فيفيد العموم عند أهل اللسان. كما أن لفظ ما يفيد العموم في الآية السابقة؛ فيعلم من ذلك علما باتا بأنه
لا مجال لتنويع أوامر سيد المرسلين تمهيدا لنبذ كثير منها، بل على الأمة الأخذ بأوامره كلها حيث قام هذا الوعيد الشديد ضد من يخالف أمراً من أوامره ويعرض عنه، ولم يقع هذا العام في سياق النفى أو النهى حتى يتوهم سلب العموم، نعوذ بالله من الحوربعد الكور.