الجزء 1 · صفحة 5
الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي
رضي الله عنه
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رفع مقام العلماء العاملين في الأولين والآخرين وشرف قدرهم يوم يقوم الناس لرب العالمين، وكافأهم مكافأة المحسنين بخدمتهم في الدين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وقائد الغر المحجلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن الإمام أبا جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي رضي الله عنه من أعاظم المجتهدين في الفقه الإسلامي، وقد خلف مؤلفات عظيمة النفع للغاية، في علوم الرواية والدراية. وقد جمع بين براعتين: البراعة في علوم الحديث والبراعة في الفقه وأصوله جمعاً قل من جمع بينهما جمعه في علماء هذه الأمة، كما يعترف بذلك من نهل من مناهل آثاره الفياضة فأحببت إفراد ترجمته بنوع من الإفاضة في رسالة سميتها (الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي) رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه، عرفاناً لجميله وقياماً ببعض ما يجب في تبجيله، والله سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
نسب الطحاوي وميلاده:
عداده في حجر الأزد من قبائل اليمن سكن أجداده مصر بعد الفتح الإسلامي، والحجر بفتح الحاء وسكون الجيم فخذ من أفخاذ قبيلة الأزد المعروفة، ويقال للأزد هذه أزد الحجر تمييزاً لها من أزد شنوءة والأزد بفتح الهمزة وسكون الزاي لها أفخاذ كثيرة شرحها في كتب أنساب العرب، وقد ساق مسلمة بن القاسم القرطبي نسب أبي جعفر الطحاوي في كتابه المعروف بالصلة لكونه ذيلاً لتاريخ البخاري الكبير فقال: هو (أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمه بن عبد الملك بن سلمة بن سليم بن سليمان بن جواب الأزدي ثم الحجري المصري الطحاوي الإمام المحدث الفقيه الحنفي الحافظ أبو جعفر).
ووقف الحافظ ابن عساكر في سوق نسبه عند سليم. وابن خلكان عند عبد الملك. واختلفوا في
الجزء 1 · صفحة 7
ميلاده، فقال ابن عساكر نقلاً عن ابن يونس أنه ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين وعليه اقتصر الذهبي وأبو المحاسن لكن قال البدر العيني في نخب الأفكار: (قال السمعاني ولد الطحاوي سنة تسع وعشرين ومائتين وهو الصحيح. وقال أبو سعيد بن يونس: قال الطحاوي ولدت في سنة تسع وعشرين وهذا يخالف ما حكاه ابن عساكر عن ابن، يونس، وتاريخ ابن يونس من التواريخ التي لم تظفر بها، ولابد أن أحدهما وهم إلا أن الثاني بخط المؤلف، وقال ابن خلکان، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين وقال أبو سعيد السمعاني ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وهو الصحيح وزاد غيره، فقال: ليلة الأحد لعشر خلون من ربيع الأول).
و قال ابن كثير: (أبو جعفر الطحاوي، نسبة إلى قرية بصعيد مصر، الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة، والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة وهو ابن أخت المزني ... وذكر أبو سعد السمعاني أنه ولد في سنة تسع وعشين ومائتين، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين والله أعلم، هكذا اقتصر ابن كثير على هذا الميلاد كما فعل ابن نقطة الحافظ في (التقييد لمعرفة رواة المسانيد) وذكر أن مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، وقال البدر العيني: (فعلى هذا كان عمر الطحاوي حين مات أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح سبعاً وعشرين سنة لأن البخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين وكان عمره حين مات مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح اثنين وثلاثين سنة لأن مسلماً مات في سنة إحدى وستين ومائتين، وشاركه الطحاوي في روايته - عن بعض شيوخه - وكان عمره حين مات أبو داود صاحب السنن ستاً وأربعين سنة لأن أبا داود مات في سنة خمس وسبعين ومائتين وشاركه أيضاً في روايته - عن بعض شيوخه - وكان عمره حين مات أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي صاحب الجامع خمسين سنة، لأن الترمذي مات في سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان عمره حين مات أحمد بن شعيب بن علي النسائي أربعاً وسبعين سنة لأن النسائي مات في سنة ثلاث وثلاثمائة وشاركه أيضاً في روايته وروى الطحاوي عنه أيضاً، وكان عمره حين مات محمد بن يزيد بن ماجه صاحب السنن أربعاً وأربعين سنة لأن ابن ماجه مات في سنة ثلاث وسبعين ومائتين
الجزء 1 · صفحة 8
وشاركه أيضاً في رواي ته - عن بعض شيوخه - وكان عمره حين مات الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله اثنتي عشرة سنة لأن أحمد مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان عمره حين مات يحيى بن معين أربع سنين، لأن يحيى بن معين مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وهذا كله على القول الصحيح أن مولده سنة تسع وعشرين ومائتين وكذا ذکر مولده الحافظ محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن نقطة البغدادي في كتابه (التقييد لمعرفة رواة المسانيد) في باب الأحمد في ترجمة أبي جعفر الطحاوي.
فهكذا كما رأيت قد عاصر الطحاوي هؤلاء الأئمة الحفاظ الكبار وشارك بعضهم في روايتهم، فإن من جملة مشايخ الطحاوي هارون بن سعيد الأبلي. وقد روى عنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه قال الحافظ عبد الغني (المقدسي) في الكمال في ترجمة هارون بن سعيد: روى عنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم، ومن جملة مشايخه الربيع بن سليمان الجيزي. وقد روى عنه أبو داود والنسائي، قال في الكمال: الربيع بن سليمان الجيزي المصري الأعرج روى عنه أبو داود والنسائي وعبد الله بن حمدان وأبو جعفر الطحاوي) ثم قال: (و ستقف على مثل هذا كثيراً في أثناء الكتاب عند ذكر مشايخ أبي جعفر الطحاوي الذين روى عنهم وكتب وحدث).
كثرة شيوخ الطحاوي في العلم وكثرة تلاميذه والرواة عنه:
و قد جمع مشايخ الطحاوي في جزء واحد عبد العزيز بن أبي طاهر التميمي، فمن شيوخه خاله المزني وقد سمع منه كثيراً وروى عنه سنن الشافعي، قال ابن يونس: سمع الطحاوي من خاله المزني كثيراً وروى عنه مسند الشافعي، قال العيني: قلت وروايته عنه كثيرة في تصانيفه ولا سيما في معاني الآثار وأن غالب من يروي مسند الشافعي إلى يومنا هذا يروون عن طريقه. اهـ. أقول إن الأحاديث المروية عن الشافعي بطريق الطحاوي هي من جمع الطحاوي من مسموعاته من المزني عن الشافعي رضي الله عنه فيعرف هذا المجموع بسنن الشافعي وسنن الطحاوي وله نسخ في غاية الصحة وعليها خطوط التسميع طبقة فطبقة منها النسخة المحفوظة في مكتبة أيا صوفيا بالآستانة، والنسخة المطبوعة
الجزء 1 · صفحة 9
جيدة أيضاً إلا أن ما جمعه ابن مطر النيسابوري من مسموعاته من أبي العباس الأصم صاحب الربيع المرادي عن الربيع عن الشافعي مما هو مسموعه في كتاب الأم ففي حاجة ماسة إلى التهذيب والإصلاح، فقام بذلك الحافظ محمد عابد السندي في كتابه (ترتيب مسند الشافعي) حيث رتبه وحذف المكرر منه فأصبح هذا العمل منه نافعاً والله سبحانه يكافئه على هذا، فنتمنى أن يقوم بعض أهل الشأن بنشر هذا المسند المرتب المهذب ليعم نفعه، لأن ما سبق طبعه من مسند الشافعي من رواية أبي العباس الأصم في الهند ومصر لا يخلو من، أغلاط فظيعة.
وقال ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الطحاوي: سمع هارون بن سعيد الأبلي، وأبا شريح محمد بن زكريا كاتب العمري وأبا عثمان سعيد بن بشر بن مروان الرقي والربيع بن سليمان الجيزي، وأبا الحارث أحمد بن سعيد الفهري، وعلي بن معبد بن نوح، وعيسى بن إبراهيم الغافقي، ويونس بن عبد الأعلى، وأبا قرة محمد بن حميد الرعيني، ومالك بن عبد الله التجيبي، ومحمد بن عبد ا الله بن عبد الحكم، وإبراهيم بن منقذ الخولاني، وإبراهيم بن مرزوق وبحر بن نصر الخولاني، وسليمان بن شعيب الكيساني وجماعة غير من سميت. وقال ابن عساكر في ترجمة النسائي: إن الطحاوي روى عن النسائي، وقال أبو سعيد بن يونس: سمع الطحاوي الحديث من خلق من المصريين والغرباء القادمين إلى مصر منهم سليمان بن شعيب الكيساني، وأبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي وقال البدر العيني: شارك فيه مسلماً وغيره.
وقال عبد الغني في الكمال: يونس بن عبد الأعلى الصدفي أبو موسى المصري روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وابنه عبدالرحمن ومسلم والنسائي وابن ماجه وروى عن الطحاوي خلق كثير وقد
وهو من محفوظات مكتبة الأزهر، وفيه خروم (ز).
الجزء 1 · صفحة 10
أفرد بعض أهل العلم الذين رووا عنه بالتأليف في جزء، فممن أخذ عنه أبو الحسن علي بن أحمد الطحاوي، وأبو محمد عبد العزيز بن محمد التميمي الجوهري قاضي الصعيد، وأبو بكر مكي بن أحمد بن سعدويه البردعي، وأبو القاسم مسلمة بن القاسم بن إبراهيم القرطبي، وأبو القاسم عبيد الله بن علي الداودي القاضي شيخ أهل الظاهر في عصره، والحسن بن القاسم بن عبد الرحمن أبو محمد المصري الفقيه وابن أبي العوام القاضي الكبير، وأبو الحسن محمد بن أحمد الأحميمي، وميمون بن حمزة العبيدلي، ويوسف بن القاسم المهانجي، وأحمد ابن عبد الوارث الزجاج، ومحمد بن بكر بن مطروح، وأبو بكر أحمد بن محمد بن منصور الدامغاني الأنصاري القاضي، وأبو سليمان محمد بن عبد الله بن زبر وغيرهم.
وروى عنه من المشايخ الأجلاء الأثبات: الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني صاحب المعجم، والحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري صاحب التاريخ والحافظ المفيد أبو بكر محمد بن جعفر، بن الحسين البغدادي، المعروف بغندر، والحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقرئ - سمع منه كتاب معاني الآثار. وهو راويته في أسانيد الرواة على توالى الطبقات - والحافظ أحمد بن القاسم بن عبد ا الله البغداداي المعروف بابن الخشاب والحافظ محمد بن المظفر بن موسى أبو الحسين البغدادي - سمع منه بمصر سنن الشافعي بروايته عن خاله إسماعيل بن يحيى المزني، كذا قال الحافظ ابن نقطة فيما ذكره البدر العيني.
سرد أسماء شيوخ الطحاوي على ترتيب الحروف:
(أ): إبراهيم بن أبي داود البرلسي إبراهيم بن منقذ الخولاني إبراهيم بن محمد الصيرفي، إبراهيم بن مرزوق البصري، إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة إبراهيم بن أحمد بن مروان، أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، أحمد بن داود بن موسى السدوسي، أحمد بن سهل الرازي أحمد بن أصرم المزني، أحمد بن مسعود أحمد بن سعيد الفهري، أحمد بن محمد بن حماد أبو بشر الدولابي أحمد بن يوسف، أحمد بن خالد بن يزيد الفارسي، أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، الله بن عبد الرحيم البرقي،
الجزء 1 · صفحة 11
أحمد بن حماد التجيبي، أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد المقدسي، وهب القطان، أحمد بن محمد بن سلام البغدادي، أحمد بن محمد بن بشار، أحمد خلف، أحمد بن، أحمد بن عبد الرحمن بن وه أحمد بن شعيب النسائي، أحمد بن عبد المؤمن المروزي، أحمد بن أبي عمران موسى البغدادي، إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغداداي الوراق، إسحاق بن إسماعيل الأبلي، إسحاق بن الحسن بن الحسين الطحان المروزي، إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي، إسماعيل بن حمدويه البكائي إسماعيل بن يحيى المزني خاله.
(ب): بحر بن نصر بن سابق الخولاني، بكار بن قتيبة البصري، بكر بن إدريس بن الحجاج بن هارون الأزدي.
(ج): جعفر بن سليمان بن محمد الهاشمي، جعفر بن أحمد بن الوليد الأسلمي.
(ح): الحجاج بن عمران المازني، الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي. الحسن بن عبدالأعلى الصنعاني، الحسن بن غايب بن سعيد الأزدي، الحسين بن نصر بن المبارك البغدادي، حكيم بن سيف الرقى.
(ر) الربيع بن سليمان الأزدي الجيزي، الربيع بن سليمان المرادي، روح بن الفرج أبو الزنباع.
(ز): زكريا بن يحيى بن أبان.
(س): سعيد بن بشر بن مروان الرقي، سعيد بن سليمان الواسطي، سليمان بن شعيب الكيساني.
(ص): صالح بن حكيم التمار البصري، صالح بن شعيب بن أبان البصري، صالح بن عبد الرحمن الأنصاري.
(ط): طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق.
(ع): عبد الله بن محمد بن خشيش البصري، عبد الله بن أبي داود عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي أبو زرعة، عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم عبد الرحمن بن الجارود بن عبد الله بن زادان الكوفي،
الجزء 1 · صفحة 12
عبد العزيز بن معاوية الغساني، عبد الملك بن مروان الرقي، عبد الله بن أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبي ميسرة المكي، عبد الغني بن رفاعة اللخمي، عبيد بن رجال المصري، علي بن شيبة البصري، علي بن معبد بن نوح، علي بن سعيد بن بشر الرازي، علي بن عبد العزيز صاحب أبي عبيد - وبطريقه يروي قراءات عاصم والأعمش وحمزة والكسائي إجازة - علي بن أحمد بن سليمان علي بن الحسين بن عبد الرحمن بن فهم علي بن زيد الفرائضي، علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي علان علي بن عبد الرحمن الأنصاري، عمران بن موسى الطائي. عمر بن إبراهيم بن يحيى البغدادي، عيسى بن إبراهيم بن مثرود الغافقي، عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي أبو خازم.
(ف): فهد بن سليمان المكي.
(ق): القاسم بن عبيد الله بن مهدي الأخميمي، القاسم بن محمد بن جعفر البصري.
(ل): الليث بن عبدة بن محمد المروزي.
(م): محمد بن سليمان بن هشام الخزاز (اليشكري)، مبشر بن الحسن بن مبشر البصري، محمد بن علي بن دواد البغدادي، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم محمد بن سنان الشيزري، محمد بن خزيمة بن راشد الأسدي، محمد بن جعفر الفريابي، محمد بن عمرو بن يونس الكوفي، محمد بن حرملة، محمد بن أحمد بن العباس الرازي إجازة، محمد بن عبد الله بن ميمون البغداداي، محمد بن علي بن زيد المكي، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن جنادة البغدادي، محمد بن حميد بن هشام أبو قرة الرعيني محمد بن أحمد الكوفي أبو العلاء محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ المكي، محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، محمد بن علي بن دواد البغدادي المطلب بن شعيب بن حبان الأزدي، محمد بن زكريا كاتب العمري، محمد بن عبد الرحمن الهروي، محمد بن ربيعة المكي، موسى بن الحسن بن عبد الله المروزي السهيلي، محمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي محمد بن عزيز الأبلي، محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي، محمد بن بحر بن مطير الواسطي، محمد بن النعمان السقطي محمد بن عبد الله بن ميمون البغداداي، محمد بن هشام الشيزري،
الجزء 1 · صفحة 13
محمد بن حرب النسائي الحمصي محمد بن عيسى بن فليح الخزاعي، محمد بن عيسى بن جابر الرشيدي، محمد بن عمرو بن تمام الكلبي أبو الكردوس محمد بن زياد بن ريان الكلبي محمد بن سليمان الباغندي، موسى بن عيسى المقرئ شيخه في القراءات، موسى بن النعمان المكي، محمد بن سلامة الطحاوي أبوه، محمد بن عبد الجبار المرادي، محمد بن أحمد بن جعفر الذهلي الكوفي، محمد بن جعفر بن محمد بن أمين، موسى بن الحسن البغدادي، محمد بن علي بن يزيد المكي، مالك بن عبد الله بن يوسف التجيبي، محمد بن رجال، محمد بن علي بن زيد الحلواني، محمد بن عبده المروزي، مسعدة بن خازم موسى بن الحسن المروزي، مالك بن يحيى الهمداني، محمد بن علي بن محرز البغدادي، محمد بن يحيى بن مطر البغدادي، مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري.
(ن) نصر بن حرب المسمعي، نصر بن مرزوق العتقي.
(و): الوليد بن محمد التميمي أبو القاسم (ولاد).
(هـ): هارون بن كامل أبو موسى المصري هارون بن محمد العسقلاني.
(ي): يحيى بن عثمان بن صالح السهمي المصري، يحيى بن نصير، يحيى بن إسماعيل البغدادي أبو زكريا، يوسف بن يزيد، يونس بن عبد الأعلى.
سرد أسماء بعض أصحاب الطحاوي:
و قد ذكرت جملة صالحة من أصحاب أبي جعفر الطحاوي فيما سبق. وهم في غاية الكثرة ولا أريد إطالة الكلام هنا بسرد أسمائهم لقلة جدواها وأكتفي بذكر بعضهم كنماذج فمنهم: أحمد بن إبراهيم بن حماد أبو عثمان قاضي مصر حفيد إسماعيل القاضي، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج وأحمد بن القاسم بن عبد الله البغدادي الحافظ، المعروف بابن الخشاب. وأحمد بن محمد بن منصور أبو بكر الأنصاري الدامغاني القاضي، والحسن بن القاسم بن عبد الرحمن أبو محمد المصري، وسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني الحافظ صاحب المعاجم، وعبد الله بن أحمد بن زبر أبو محمد القاضي والد أبي سليمان وعبد الله
الجزء 1 · صفحة 14
بن حديد بن الشواء أبو محمد الأرزني، وعبد الله بن محمد بن أحمد أبو القاسم المعروف بابن أبي العوام الحافظ القاضي الكبير، وعبد الرحمن بن إسحاق الجوهري قاضي مصر، وعبد الرحمن بن أحمد بن يونس أبو سعيد المصري الحافظ المؤرخ وعبد العزيز بن محمد التميمي الجوهري قاضي الصعيد وعبيد الله بن علي الداودي أبو القاسم شيخ أهل الظاهر في عصره، وعلى بن أحمد بن: محمد بن سلامة أبو الحسن الطحاوي ابنه، وعلى بن الحسين بن حرب أبو عبيد قاضي مصر، ومحمد بن أحمد الأحميمي أبو الحسن، ومحمد بن إبراهيم بن علي المقرئ أبو بكر الحافظ، ومحمد بن عبد الله بن أحمد بن زبر أبو سليمان الحافظ، ومحمد بن عبيدة أبو عبيد الله قاضي مصر ومحمد بن جعفر بن الحسين البغدادي المعروف بغندر الحافظ المفيد، ومحمد بن عمر الترمذي أبو الفضل، ومسلمة بن القاسم بن إبراهيم أبو القاسم القرطبي.
ومكي بن أحمد بن سعدويه البردعي أبو بكر، ومحمد بن المظفر بن موسى أبو الحسين البغدادي الحافظ، وميمون بن حمزة العبيدلي، وهشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني وهشام بن محمد بن قرة المصري ويوسف بن القاسم الميانجي أبو القاسم، وفي هذا القدر كفاية في سرد أسماء صحابه وتلاميذه كنماذج لأصحابه من حفاظ الحديث والفقهاء رضي الله عنهم أجمعين.
ثناء أهل العلم على الطحاوي:
قال البدر العيني في نخب الأفكار: أما الطحاوي فإنه مجمع عليه في ثقته وديانته وأمانته، وفضيلته التامه، ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه ومنسوخه ولم يخلفه في ذلك أحد، ولقد أثنى عليه السلف والخلف، فقال أبو سعيد بن يونس في ترجمته في تاريخ العلماء المصريين: كان الطحاوي ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً لم يخلف مثله، وكذا
قال الحافظ ابن عساكر، وقال مسلمة بن القاسم القرطبي في الصلة كان ثقة جليل القدر فقيه البدن عالماً باختلاف العلماء بصيراً بالتصنيف. ثم ذكر كلمة عن ابن الأحمر وسنتحدث عنها، وقال حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر: كان الطحاوي كوفي المذهب وكان عالماً بجميع مذاهب الفقهاء وفي
الجزء 1 · صفحة 15
تاج التراجم قال ابن عبد البر في كتاب العلم: كان من أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم، مع مشاركته في جميع مذاهب الفقهاء، وقال الحافظ السمعاني: كان الطحاوي ثقة ثبتاً. وقال ابن الجوزي في المنتظم: كان الطحاوي ثبتاً فهماً فقيهاً عاقلاً من طحا قرية في صميد مصر وكذا قال سبطه في مرآة الزمان، ثم قال: واتفقوا على فضله وصدقه وزهده وورعه، وقال الذهبي في تاريخه الكبير: الفقيه المحدث الحافظ أحد الأعلام وكان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً،، وقال ابن كثير في البداية والنهاية، في ترجمة الطحاوي وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. اهـ.
وقال الصلاح الصفدي في الوافي: كان ثقة نبيلاً ثبتاً فقيهاً عاقلاً لم يخلف بعده مثله. اهـ. وقال اليافعي: برع في الفقه والحديث وصنف التصانيف المفيدة. اهـ. وقال السيوطي: الإمام العلامة الحافظ صاحب التصانيف البديعة وكان ثقة ثبتاً فقيهاً لم يخلف بعده اهـ.
وقال البدر العيني بعد أن ذكر نصوص كثير ممن أثنوا على الطحاوي (و لقد أثنى عليه كل من ذكره من أهل الحديث والتاريخ كالطبراني وأبي بكر الخطيب وأبي عبد الله الحميدي والحافظ بن عساكر وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين كالحافظ أبي الحجاج المزي والحافظ الذهبي وعماد الدين بن كثير وغيرهم من أصحاب التصانيف ولا يشك عاقل منصف أن الطحاوي أثبت في استنباط الأحكام من القرآن ومن الأحاديث النبوية، وأقعد في الفقه من غيره ممن عاصره سنا أو شاركه رواية من أصحاب الصحاح والسنن لأن هذا إنما يظهر بالنظر في كلامه وكلامهم ومما يدل على ذلك ويقوي ما ادعيناه تصانيفه المفيدة الغزيرة في سائر الفنون من العلوم النقلية والعقلية، وأما في رواية الحديث ومعرفة الرجال وكثرة الشيوخ فهو كما ترى إمام عظيم ثبت ثقة حجة كالبخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح والسنن يدل على ذلك اتساع روايته ومشاركته فيها أئمة الحديث المشهورين كما ذكرناهم.
و أما تصانيفه فتصانيف حسنة كثيرة الفوائد ولاسيما كتاب معاني الآثار. فإن الناظر فيه المنصف إذا تأمله يجده راجحاً على كثير من كتب الحديث المشهورة المقبولة، ويظهر له رجحانه بالتأمل في كلامه
الجزء 1 · صفحة 16
وترتيبه، ولا يشك في هذا إلا جاهل أو معاند متعصب، وأما رجحانه على نحو سنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ونحوها فظاهر لا يشك فيه عاقل ولا يرتاب فيه إلا جاهل وذلك لزيادة ما فيه من بيان وجوه الاستنباطات، وإظهار وجوه المعارضات وتمييز النواسخ من المنسوخات ونحو ذلك.
فهذه هي الأصل وعليها العمدة في معرفة الحديث، والكتب المذكورة غير مشحونة بها كما ينبغي كما ترى ذلك وتعانيه فإن ادعى المدعي كونه مرجوحاً بوجود بعض الضعفاء والأسقاط في رجاله فيجاب بأن السنن المذكورة ملأى بمثل ذلك. بل وقد قيل أنها لا تخلو عن بعض أحاديث باطلة وأحاديث موضوعة وأما الأحاديث الضعيفة فكثيرة جداً. وأما سنن الدارقطني أو الدارمي أو البيهقي ونحوها فلا تقارب خطوة ولا تداني حقوة. ولا هي مما تجري معه في الميدان. ولا مما تعادل معه في كفتي الميزان. ولم يظهر رجحان هذا الكتاب عند كثير من الناس لكونه كثراً مخفياً ومعدناً مخبياً. لم يصادفه من يستخرج ما فيه من العجائب. ولم يعثر عليه من يستنبط ما فيه من الغرائب. فلم يبرح الكمون والاختفاء.
ولم يبرز على منصة الإجتلاء. حتى كاد أن تضيف شمسه إلى الأفول. وبدره إلى التحول. وذلك لقصور فهم المتأخرين وتركهم هذا الكتاب. واشتغالهم بما لا يفيد شيئاً في هذا الباب. مع استيلاء المخالفين المتعصبة على بقاع مناره. وتحامل الخصوم المعادية على اندراس معالمه وآثاره ولكن الله يحق الحق ويبطل الباطل حيث خلق أناساً قاموا بحقوقه وأحيوا مواته؛ وقضوا من محاسن معالمه ما فاته؛ فظهر له الترجح على أمثاله، والتفوق على أشكاله. اهـ.
وتلك بعض ما قاله أعلام العلماء في الثناء على الطحاوي الجدير بكل ثناء.
نشأة الطحاوي على مذهب خاله ثم انتقاله منه:
الجزء 1 · صفحة 17
أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أفقه أصحاب الإمام الشافعي وأحدهم ذكاء كان حال الطحاوي فأخذ يتفقه عليه في نشأته، فكلما تقدم في الفقه كان يجد نفسه بين تدافع مد وجزر في التأصيل والتفريع، وبين إقدام وإحجام في النقض والإبرام في قديم المسائل وحديثها، وكان لا يجد عند خاله ما يشفي غلته في بحوثه فأخذ يترصد ما يعمله خاله في المسائل الخلافية، فإذا هو كثير المطالعة لكتب أبي حنيفة فينفرد عن إمامة منحازاً إلى رأي أبي حنيفة في كثير من مسائل سجلها في مختصره، فأخذ يطلع على المنهج الفقهي عند أهل العراق فاجتذبه حتى أخذ يتفقه على أحمد بن أبي عمران القادم من العراق بعد أن اطلع على رد بكار بن قتيبة على كتاب المزني؛ فأصبح في عداد المتخيرين لهذا المنهج نابذاً منهجه القديم فأثار ذلك بعض ضجة حيكت حولها حكايات، فأسوقها مع ما لها وما عليها بمبلغ علمي فيختار القارئ ما يراه أقرب إلى الصحة من تلك الروايات. وأشهر تلك الروايات ما ذكره أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في طبقات الفقهاء وإليك نصه: (انتهت إلى أبي جعفر - الطحاوي - رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر أحمد بن أبي عمران وأبي خازم وغيرهما وكان شافعياً يقرأ على المزني، فقال له يوماً والله لا جاء منك شيء. فغضب من ذلك وانتقل إلى ابن أبي عمران، فلما صنف مختصره، قال رحم الله أبا إبراهيم لو كان حياً لكفر عن يمينه).
وهذا خبر خال عن السند 1 و (لا جاء) بصيغة الماضي، والحلف على الماضي غموس أو لغو لا يوجب الكفارة في مذهب المزني و (شيء) بمعنى شيء يعتد به في باب العلم بقرينة المقام. والطحاوي أعلى مقاماً في العلم من أن يجهل حكم الحلف على الماضي في المذهبين فيكون مع الخبر ما يكذبه، وأما رواية السلفي في معجم شيوخه عن أحمد بن عبد المنعم الآمدي عن محمد بن علي الدامغاني عن القدوري أن المزني قال للطحاوي يوماً: (و الله لا أفلحت فغضب وانتقل من عنده على مذهب أبي حنيفة .. وكان يقول: رحم الله أبا إبراهيم لو كان حياً ورآني لكفر عن يمينه) فعلى صيغة الماضي أيضاً فلا يوجب الحلف على الماضي والكفارة في المذهبين على أن هذا الخبر مقطوع للمفازة بين القدوري والطحاوي وأما ما ذكره ابن عساكر في تاريخه من قوله (و بلغني أن سبب تركه لمذهب الشافعي أنه
الجزء 1 · صفحة 18
تكلم يوماً بحضرة المزني في مسألة فقال له المزي: والله لا تفلح أبداً. فغضب من قول المزني وانقطع إلى أبي جعفر بن أبي عمران وقال بقول أبي حنيفة حتى صار رأساً فيه فاجتاز بعد ذلك بقبر المزني فقال: يرحمك الله يا أبا إبراهيم لو
كنت حياً لكفرت عن يمينك فحلف على المستقبل لكنه كلام لا سند له لأنه من بلاغاته كما ترى. وقال ابن عساكر: قرأت على أبي محمد السلمي عن عبدالعزيز بن أحمد قال: قرأت على أبي الحسين علي بن موسى بن الحسين السمسار، قال: قال لنا أبو سليمان بن زبر قال: قال لي أبو جعفر الطحاوي: (أول من كتبت عنه الحديث، المزني، وأخذت بقول الشافعي، فلما كان بعد سنين قدم أحمد بن أبي عمران قاضياً على مصر فصحبته وأخذت بقوله. وكان يتفقه للكوفيين. وتركت قولي الأول فرأيت المزني في المنام وهو يقول لي: يا أبا جعفر اغتصبك أبو جعفر يا أبا جعفر اغتصبك أبو جعفر وليس في هذا حلف وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد عن محمد بن أحمد الشروطي أنه قال للطحاوي: لم خالفت مذهب خالك؟ واخترت مذهب أبي حنيفة، فقال لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة فلذلك انتقلت إليه هكذا في نقل البدر العيني وابن خلكان، يعني فبدأت أديم النظر فيها فاجتذبتني إلى المذهب كما حملت تلك الكتب خالي على الانحياز إلى أبي حنيفة في كثير من المسائل كما يظهر من مختصر المزني ومخالفاته للشافعي فيه في كثير من المسائل وقول الطحاوي نفسه في سبب الجدير بالتمويل.
وباقي الحكايات لا تخلو من مأخذ سنداً ومتنا كما سبق؛ فليأخذ القارئ بما يطمئن إليه بعد الإلمام بأطراف هذا الحديث ومما يلاحظ هنا أن أبي عمران الذي يقال أن الطحاوي انتقل إلى مجلسه
1 وهو مأخوذ من كلام الصيمري، يرويه عن أبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي المتوفى سنة 403 هـ وهو لم يدرك زمن الطحاوي ولا عزا إلى من أدرك، فتكون هذه الحكاية من الحكايات المرسلة على عواهنها (ز).
الجزء 1 · صفحة 19
تاركاً مجلس خاله إنما ولي قضاء مصر بعد القاضي بكار " وهو توفي سنة 270 ه بمصر بعد وفاة المزني سنة 264 هـ بمدة كبيرة، وقد قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (293).
وأما ابن أبي عمران الحنفي فكان قاضي الديار المصرية بعد القاضي بكار اهـ. وأبو سليمان بن زبر الحافظ من كبار أصحاب الطحاوي قد حكى من لفظه ما سبق ذكره مع السند إليه فيكون الاعتماد على حكاية ابن زبر والشروطي لكون قولهما متلقى من الطحاوي مباشرة. والله أعلم. والذي حكاه ابن حجر في اللسان: أنه كان أولاً على مذهب الشافعي ثم تحول إلى مذهب الحنفية لكائنة جرت له مع خاله المزني وذلك أنه كان يقرأ عليه فمرت مسألة دقيقة فلم يفهمها أبو جعفر فبالغ المزني في تقريبها له فلم يتفق ذلك فغضب المزني متضجراً، فقال والله لا جاء منك شيء. فقام أبو جعفر من عنده وتحول إلى أبي جعفر بن أبي عمران وكان قاضي الديار المصرية بعد القاضي بكار فتفقه عنده ولازمه إلى أن صار
1 قال ابن خلكان كان أحمد بن طولون يدفع إلى القاضي بكار في العام ألف دينار سوى المقرر له فيتركها بكار بختمها ولا يتصرف فيها فلما دعاه ابن طولون لخلع الموفق من ولاية العهد امتنع فاعتقله وطالبه بحمل الذهب فحمله إليه بختومه وكان ثمانية عشر كيساً وفي كل كيس ألف دينار فاستحي ابن طولون عند ذلك من الملأ وقال أبو المحاسن قلت هذا هو القاضي الذي في الجنة رحمه الله ولم يعين قاض بدله إلى وفاته اكتفاء بنيابة محمد بن شاذان الجوهري عنه مدة اعتقاله وترجمة بكار في غاية العظمة، قال الطحاوي في تاريخه الكبير ما تعرض أحد لبكار فأفلح كما في طبقات القرشي (ز)
2 أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى البغدادي الإمام أبو جعفر الفقيه قاضي الديار المصرية من أكابر الحنفية تفقه على محمد بن سماعة. وحدث عن عاصم بن علي وطائفة روى الكثير وهو شيخ الطحاوي مات في المحرم سنة خمس وثمانين ومائتين بمصر. وثقه ابن يونس في تاريخه كما في حسن المحاضرة للسيوطي: وله كتاب الحجج (ز)
الجزء 1 · صفحة 20
منه ما صار. ا هـ) ثم حكى ما قاله أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات من قول يعزى إلى الطحاوي بعد تصنيفه بالمختصر: (لو كان المزني حياً لكفر عن يمينه) وقال شرحاً لقوله هذا يعني الذي حلفه أنه لا يجيء منه شيء فحول الماضي إلى المستقبل كما ترى ثم قال: (و تعقب هذا بعض الأئمة بأنه لا يلزم المزني في ذلك كفارة لأنه على غلبة ظنه. ثم قال: ويمكن أن يجاب عن أبي جعفر بأنه أورد ذلك على سبيل المبالغة. ولا شك أنه تستحب الكفارة في مثل ذلك ولو لم يقل بالوجوب، وليس يخفى مثل ذلك على أبي جعفر. لكن قرأت بخط المنذري أن الطحاوي إنما قال ذلك كيما يعير المزني. فأجابه بعض الفقهاء بأن المزني لا يلزمه الحنث أصلاً لأن من ترك مذهب أصحاب الحديث وأخذ بالرأي لم يفلح (هـ) وهذا تصرف طريف من ابن حجر، وفيه كثير من العبر.
ومن المعلوم أن الغباء الفطري قلما يتحول إلى ذكاء بممارسة العلم. وكتب الطحاوي شهود صدق على ذكائه الفطري. ومثله لا يكون ممن لا يفهم المسألة مهما بولغ في تقريبها، كما أن المزني لا يستعصي عليه بيان مسألة بحيث لا يفهمها مثل الطحاوي في اتقاد ذهنه على أن المزني ممن ورث رحابة الصدر والصبر أمام تلاميذه من إمامه العظيم البالغ الذكاء الصابر على تعليم من في فهمه بطء من أصحابه وقد حكى أبو بكر القفال المروزي
في فتاواه: (أن الربيع المرادي - راوية المذهب الجديد - كان بطيء الفهم فكرر عليه الشافعي مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة وكرر عليه حتى فهمه) - كما نقله ابن السبكي - فمن البعيد أن لا يصبر المزني مع الطحاوي في التعليم، وهو ابن أخته، ويتسرع في الحلف بتلك الصورة البعيدة عن الاتزان وأما دعوى أنهم هم أهل الحديث دون الآخرين فشنشنة تعودنا أن نسمعها من أفواه أناس فقدوا سلامة التفكير، فلو فكروا جيداً في مبلغ توسع أصحابهم في قياس الشبه والمناسبة ورد المرسل، مع التساهل في قبول الأحاديث عن كل من هب ودب ودرسوا جيداً مسند أبي العباس الأصم لأقلعوا عن ادعاء أنهم هم الذين يأخذون بالسنة دون سائر
الجزء 1 · صفحة 21
الطوائف من فقهاء هذه الأمة وليس بين طوائف أهل السنة من لا يتخذ الحديث ثاني أصول الاستنباط لكن بعد تصفيته بمصفاة النقد القويم متناً وسنداً، لا بالاسترسال في قبول مرويات النقلة من غير بحث ولا تنقيب عن كل ما ورد في البحث الموضوع على مشرحة التمحيص والله ولي الهداية.
سعة دائرة رواية الطحاوي عن شيوخ عصره:
من اطلع على تراجم شيوخ الطحاوي علم أن بينهم مصريين ومغاربة ويمنيين وبصريين وكوفيين وحجازيين وشاميين وخراسانيين ومن سائر الأقطار فتلقى منهم ما عندهم من الأخبار والآثار، وقد تنقل في البلدان المصرية وغير المصرية لتحمل ما عند شيوخ الرواية فيها من الحديث وسائر العلوم وكان شديد الملازمة لكل قادم إلى مصر من أهل العلم من شتى الأقطار، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم وسمع من أصحاب ابن عيينة وابن وهب وهذه الطبقة وخرج إلى الشام فسمع ببيت المقدس وغزه وعسقلان وتفقه بدمشق على القاضي أبي حازم عبد الحميد كما تفقه بمصر على ابن أبي عمران وبكار بن قيبة وكان يتردد إلى القضاة الواردين إلى مصر يستقي ما عندهم من العلوم. حتى أصبح واحد عصره في تحقيق المسائل، وتدقيق الدلائل بحيث يرحل إليه أهل العلم من شتى الأقطار ليستمتعوا بغزير علومه على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم، وكانوا يتعجبون جداً من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم، قال ابن زولاق في قضاة مصر: حدثني عبد الله بن عمر الفقيه سمعت أبا جعفر الطحاوي يقول كان محمد بن عبدة القاضي مجلس للفقه عشية الخميس يحضره الفقهاء وأصحاب الحديث فإذا فرغ وصلى المغرب انصرف الناس ولم يبق أحد إلا من تكون له حاجة فيجلس ففي ليلة رأينا إلى جنب القاضي شيخاً عليه عمامة طويلة وله لحية حسنة لا نعرفه فلما فرغ المجلس وصلى القاضي التفت فقال يتأخر أبو سعيد يعني الفارابي وأبو جعفر وانصرف الناس ثم قام يتركع فلما فرغ استند ونصبت بين يديه الشموع ثم قال: خذوا في شيء فقال ذلك الشيخ: أيش روى أبو عبيدة بن عبد
الجزء 1 · صفحة 22
الله بن مسعود عن أمه وأبيه؟ فلم يقل أبو سعيد الفارابي شيئاً، فقلت أنا: حدثنا بكار بن قتيبة ثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أمه وعن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله ليغار للمؤمن فليغر) قال: فقال لي ذلك الشيخ أتدري ما تتكلم به؟ فقلت أيش الخبر؟ فقال لي: رأيتك العشية مع الفقهاء في ميدانهم، ورأيتك الساعة في أصحاب الحديث في ميدانهم وقل من يجمع ما بين الحالتين. فقلت: هذا من فضل الله وإنعامه فأعجب القاضي في وصفه لي، ثم أخذنا في المذاكرة. اهـ. وأبو سعيد هذا هو محمد بن عقيل الفريابي يعد في كبار فقهاء الشافعية من أصحاب المزني ولم يكن يسعه غير السكوت أمام الطحاوي المستبحر في العلوم، وبهذا العلم الواسع تمكن من تأليف كتب لا نظير لها بين مؤلفات أهل عصره، وكان الحامل له على استجماع الروايات ما لمس في منهجه الحاجة الماسة في استعراض جميع ما ورد في كل موضوع فقهي من خبر مرفوع أو موقوف أو مرسل أو الجديد من أثر من السلف أو رأي منهم بأسانيد مختلفة المراتب ليستخلص من بينها الحق الصراح، لأن من قصر في جمع الروايات واكتفي بخبر يعده صحيحاً لا يكون وفى العلم حقه لأن الروايات تختلف زيادة ونقصاً ومحافظة على الأصل ورواية بالمعنى واختصاراً فلا تحصل طمأنينة في قلب الباحث إلا باستعراض جميعها مع آراء فقهاء الصحابة و التابعين ومن بعدهم فيتمكن بذلك من رد المردود وتأييد المقبول. وهذا ما فعله الطحاوي في كتبه وقد أهله علمه الواسع لحمل هذه الأعباء المضنية بمقدرة فائقة أثارت نفوس بعض المخالفين فتقولوا عليه فازداد رفعة عند الله وعند الناس، ولولا هذه الهمة القعساء عنده لكان في إمكانه أن يكتفي بكتاب من كتب الصحاح أو السنن فيعكف عليه وحده ظانا أنه هو العلم كله لكن مواهبه أبت إلا هذا الاعتلاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وزيادة على هذا له منهج حكيم في ترجيح الروايات بعضها على بعض من غير اكتفاء بنقد رجال الأسانيد فقط. وهو دراسة الأحكام المنصوصة وتبيين الأسس الجامعة لشتى الفروع من ذلك فإذا شذ الحكم المفهوم من رواية راو عن نظائره في الشرع يعد ذلك علة قادحة في قبول الخبر، لأن الأصل الجامع لشتى الفروع والنظائر في حكم المتواتر وانفراد راو بحكم مخالف لذلك لا يرفعه إلى درجة
الجزء 1 · صفحة 23
الاعتداد به مع هذه المخالفة الصارخة. وهو أجاد تطبيق هذه القاعدة الحكيمة في كتبه جد الإجادة، وليس هذا ترجيحاً لخبر على خبر بموافقة القياس كما ظن على ما شرحت ذلك في (الإشفاق) وغيره، ولم يكتف بمجرد نقد الرجال علما منه: بمبلغ اختلاف النقاد حتى في أشهر مشهوري حملة الآثار، ولذا وجد النظار من المتكلمين من غير أهل السنة ما يتخدونه وسيلة إلى إعلال رواياتهم في كتب أمثال الكرابيسي وابن أبي خيثمة وابن معين وابن المديني وغيرهم ممن أطلقوا لسان النقد في كثير من الأجلة كما يظهر من كتاب أبي القاسم الكعبي وكتاب الصاحب بن عباد في ذلك، فالطحاوي لم يكتف بهذا النقد القابل للمعارضة.
بل سلك منهجاً تخيره أصحابنا، وسار سيرهم فيه وهو عدم إهمال ناحية موافقة حكم الخبر لنظائره أو مخالفته لها. وهذه طريقة بديعة تركها المتأخرون، وهي محفوظة بجدتها في كتب الطحاوي وبروعتها ويرعاها في بحوثه بحيث لو تتبعها المتفقه نمت ملكته وانكشفت مواهبه وليس ذلك من جهله بأحوال الرجال، بل كان ما قاله أصحاب الشأن في رجال الرواية على طرف لسانه ومبلغ سعة علمه في الرجال يظهر عند كلامه في الأحاديث المتعارضة في كتبه وكتابه الكبير في تاريخ الرجال موضع ثناء أهل العلم، وإن لم يطلع عليه لكن رأينا كثيراً من النقول عنه في كتب أهل الشأن مما يدل على زاخر علمه في هذا الباب، وليس ترجيحه لرواية على أخرى لموافقة إحداهما للأصول الجامعة دون الأخرى من قبيل الترجيح بموافقة القياس بل رد لما لا نظير له في الشرع بالشذوذ، وهو أخذ بأقوى الحجج، ولا يهمل الكلام في الرجال أصلاً كما تجد مصداق ذلك في معاني الآثار ومشكل الآثار وغيرهما من مؤلفاته الخالدة، ومن زعم خلاف ذلك فقد قصر في التنقيب ورمى بدائه غيره والله المستعان.
بعض أنباء الطحاوي لدى القضاة والحكام
ذكر ابن زولاق أن الطحاوي أراد مقاسمة عمه في الربع الذي بينهما فحكم له القاضي بالقسمة وأرسل إليه بمال يستعين به في ذلك، ووافق ذلك إملاكا في مجلس أحمد بن طولون فحضره أبو جعفر
الجزء 1 · صفحة 24
الطحاوي وقرأ الكتاب وعقد النكاح فخرج خادم بصينية فيها مائة دينار وطيب فقال: كلم القاضي، فقال القاضي كلم أبي جعفر، فألقاها في كمه، ثم خرج إلى الشهود وكانوا عشرة بعشر صوان والقاضي يقول كلم أبي جعفر، ثم خرجت صينية أبي جعفر، فانصرف أبو جعفر في ذلك اليوم بألف ومائتي دينار سوى الطيب قال ابن زولاق حدثني عبد الله بن عثمان قال: سمعت أبا جعفر الطحاوي يقول: كانت لأبي الجيش ابن أحمد بن طولون أمير مصر شهادة فحضر الشهود، وكان كلما كتب شاهد شهادته قرأها الأمير والقاضي وكان كل شاهد يكتب: أشهدني الأمير أبو الجيش بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين قال أبو جعفر: فلما شهدت أنا كتبت: أشهد على إقرار الأمير أبي الجيش بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وأدام عزه وعلوه بجميع ما في هذا الكتاب، فلما قرأه الأمير قال للقاضي: من هذا؟ قال هذا كاتبي فقال: أبو من؟ قال: أبو جعفر، فقال: وأنت يا أبا جعفر فأطال الله بقاءك، وأدام عزك، قال: فقمت بسبب ذلك محسوداً من الجماعة. قال ابن زولاق: فلم يزل محمد بن عبده وأصحابه (يسعون) فأغروا به نائب هارون بن أبي الجيش فاعتقل أبا جعفر الطحاوي بسبب اعتبار الأوقاف.
قال ابن زولاق وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول وذكر فضل أبي عبيد بن حزبويه وفقهه فقال كان يذاكرني بالمسائل، فأجبته يوماً في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلت له: أيها القاضي أو كل ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما ظننت إلا مقلداً فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي؟ فقال لي أو غبي. قال: فطارت هذه الكلمة بمصر حتى صارت مثلاً وحفظها الناس. قال: وكان الشهود ينفسون على أبي جعفر بالشهادة لئلا يجتمع له رياسة العلم وقبول الشهادة فلم يزل أبو عبيد في سنة 306ه. حتى عدله بشهادة أبي القاسم مأمون ومحمد بن موسى سقلاب فقبله وقدمه وكان أكثر الشهود في تلك السنة قد حجوا وجاوروا بمكة فتم لأبي عبيد ما أراد من تعديله وكان لأبي عبيد في كل عشية مجلس الواحد من الفضلاء يذاكره وقد قسم أيام الأسبوع عليهم منها عشية لأبي جعفر فقال له في بعض كلامه ما بلغه عن أمناء القاضي وحضه على محاسبتهم فقال القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل بن إسحاق لا يحاسبهم فقال أبو جعفر قد كان القاضي بكار يحاسبهم، فقال القاضي أبو
الجزء 1 · صفحة 25
عبيد كان إسماعيل.
وقال (أبو جعفر) قد حاسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمناءه وذكر له قصة ابن الأتبية " فلما بلغ ذلك الأمناء لم يزالوا حتى أوقعوا بين أبي عبيد وأبي جعفر وتغير كل منهما للآخر وكان ذلك قرب صرف أبي عبيد عن القضاء قال: فلما صرف أبو عبيد عن القضاء أرسل الذي ولي بعده إلى أبي جعفر بكتاب عزله قال فحدثني ابن أبي جعفر قال فجئت إلى أبي فهناته قال لي ويحك أهذه تهنئة؟ هذه والله تعزيه، من أذاكر بعده أو من أجالس؟ قال ابن زولاق ولما تولى عبد الرحمن بن إسحاق الجوهري القضاء بمصر كان يركب بعد أبي جعفر وينزل بعده فقيل له في ذلك، فقال هذا واجب لأنه عالمنا وقدوتنا وهو أسن مني يإحدى عشرة سنة ولو كانت إحدى عشرة ساعة لكان القضاء أقل من أن أفتخر به على أبي جعفر ولما ولي أبو محمد عبد الله بن زبر قضاء مصر وحضر عنده أبو جعفر الطحاوي فشهد عنده أكرمه غاية الإكرام وسأله عن حديث ذكر أنه كتبه عن رجل عنه من ثلاثين سنة فأملاه عليه. وقال وحدثني الحسين بن عبد الله القرشي قال: وكان أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد في ولايته القضاء بمصر يلازم أبا جعفر الطحاوي يسمع عليه الحديث فدخل رجل من أهل أسوار فسأل أبا جعفر عن مسألة، فقال أبو جعفر: من مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا، فقال: ما جئت إلى القاضي إنما جئت إليك فقال له: يا هذا من مذهب القاضي ما قلت لك. فأعاد القول. فقال أبو عثمان تفتيه أعزك الله فقال: إذا أذنت أيدك الله أفتيته فقال: قد أذنت فأفتاه، قال: فكان ذلك يعد في فضل أبي جعفر وأدبه. اهـ. وكان أبو عبيد في غاية المعرفة بالأحكام وأبو عثمان القاضي حفيد إسماعيل القاضي كان مالكياً كجده، ولم يكن اختلاف المذاهب يؤثر في تواصل هؤلاء العلماء أصحاب النفوس الطاهرة. وتلك الأنباء تكشف عن مبلغ التصافي بين علماء ذلك العهد رحمهم الله تعالى.
يقال أن أمير مصر أبا ا منصور تكين الخزري الشهير بالجيار دخل على الطحاوي يوماً. فلما رآه دخله الرعب. فأكرمه الأمير وأحسن إليه ثم قال له: يا سيدي، أريد أن أزوجك ابنتي، فقال له: لا أفعل ذلك، فقال له: ألك حاجة بمال؟ قال له: لا قال: فهل أقطع لك أرضاً؟ قال: لا، قال: فاسألني ما
الجزء 1 · صفحة 26
شئت، قال: وتسمع؟ قال: نعم، قال: احفظ دينك لئلا يفلت واعمل في فكاك نفسك قبل الموت، وإياك ومظالم العباد، ثم تركه ومضى فيقال أنه رجع عن ظلمه لأهل مصر كما في تحفة الأحباب. هكذا كانت معاملة الطحاوي مع حكام مصر، يأبى المصاهرة
و يأبى إنعامهم بالمال أو الإقطاع ويأبى قبول قضائهم لأي حاجة له، بل ينصحهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
و أين هذا ممن يزوج بناته الثلاث للمماليك تزلفاً إليهم؟ ثم يطول لسانه في مثل الطحاوي.
كلام بعض الناس في الطحاوي
وقد سبق ذكر كلمات أهل العلم في الثناء على أبي جعفر الطحاوي بما هو جدير به وشهادة أهل الشأن بثقته وديانته، وحفظه وأمانته، وفهمه وفطانته من أمثال أبي سعيد بن يونس الحافظ، وأبي سعد السمعاني، وابن الجوزي، وسبطه، وابن عبد البر والذهبي وابن كثير وغيرهم فلا داعي إلى إعادة ذكرهم، ومع ذلك لم يسع بعض المتعصبين أن لا ينالوا منه ليخفضوا منزلته العالية. لكن ما زادوا في مقامه السامي إلا علوا وارتفاعاً، ولا في نفوسهم المريضة إلا الخذالاً واتضاعاً. سامحهم الله وألهمه الصفح عن هؤلاء المرضى في عقولهم وديانتهم، وفي ثقتهم وأمانتهم، فأقول: قال أبو بكر البيهقي في أول كتاب معرفة السنن: (و حين شرعت في كتابي هذا جاءني شخص من أصحابي بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صححه لأجل رأيه، وكم من حديث صحيح ضعفه لأجل رأيه هكذا قال البيهقي في معرفة السنن وهي المعروفة بالسنن الوسطى. وقد قال الحافظ عبدالقادر القرشي
1 بالهمزة رواية والمشهور باللام بضم فسكون وقيل بفتحين. وبنو لتب من الأزد وحديث ابن اللتبية عبد الله في استعماله على صدقات بني سليم وبني ذبيان في صحيح البخاري في الجمعة والزكاة والميل والأحكام (ز)
الجزء 1 · صفحة 27
في كتابه الجواهر المضيئة في كتاب الجامع منه (431) معلقاً على هذه الكلمة: وحاش لله أن الطحاوي رحمه الله تعالى يقع في هذا. فهذا الكتاب الذي أشار إليه هو الكتاب المعروف بمعاني الآثار - وبعد أن توسع الحافظ القرشي في بيان ما صنعه في تخريج أحاديثه بإشارة شيخه - قال: ووالله لم أر في هذا الكتاب شيئاً مما ذكره البيهقي عن الطحاوي. وقد اعتنى شيخنا .. ووضع كتاباً عظيماً نفيساً على كتاب السنن الكبير له وبين فيه أنوعاً مما ارتكبها من ذلك النوع الذي رمى به البيهقي الطحاوي فيذكر حديثاً لمذهبه وفي سنده ضعيف فيوثقه.
ويذكر حديثاً على مذهبنا وفيه ذلك الرجل الذي وثقه فيضعفه ويقع هذا في كثير من المواضع.
و بين هذين العملين مقدار ورقتين أو ثلاثة وهذا كتابه موجود بأيدي الناس، فمن شك في هذا فلينظر فيه. وکتاب شيخنا كتاب عظيم لو رآه من قبله من الحفاظ لسأله تقبيل لسانه الذي تفوه بهذا كما سأل أبو سليمان الداراني أبا دواد صاحب السنن أن يخرج إليه لسانه حتى يقبله والقصة مشهورة ثم قال القرشي: يقول الناس أن الشافعي له فضل على كل أحد، والبيهقي فضله على الشافعي، فوالله ما قال هذا من شم توجه الشافعي وعظمته ولسانه في العلوم ولقد أخرج الشافعي بابا من العلم ما اهتدى إليه الناس من قبله. وهو علم الناسخ، والمنسوخ، وعليه مدار الإسلام اهـ وکتاب شيخه هو الجوهر النقي في الرد على سنن البيهقي، طبع أولاً وحده في حيدر آباد الدكن ثم طبع مع السنن الكبرى وأما معرفة السنن فلم تطبع بعد، وهي موجودة بمكتبة رواق الغاربة بالأزهر، والبيهقي وإن أساء إلى نفسه بهذا الصنيع المكشوف الدخائل لكنه أحسن إلى العلم من حيث إن صنعه ذلك أدى إلى تأليف الجوهر النقي النافع للغاية.
والبيهقي رحمه الله له كتب نافعة. لكن في معيار نقده خلل يدعو إلى التبصر في الاستسلام له، كما يتيقن بذلك من طالع الكتابين الأصل والنقد، فيجد الردود الموجهة إليه في غاية الوجاهة إزاء إساءة ملموسة في حين أن كلامه في الطحاوي كلام مرسل على عواهنه والحاوي في تخريج أحاديث الطحاوي
الجزء 1 · صفحة 28
للحافظ عبد القادر القرشي ونخب الأفكار ومعاني الأخبار للبدر العيني قامت بتمحيص الحق في ذلك وهذا المقام لا يتسع لأكثر من هذا. ثم تكلم ابن تيمية في منهاجه وقال في حق الطحاوي: (ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة. وإنما رجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة ويكون أكثره مجروحاً من جهة الإسناد ولا يثبت فإنه لم يكن له معرفة بالإسناد كمعرفة أهل العلم به وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً اهـ) فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي لأنه صحح حديث رد الشمس لعلي كرم الله وجهه. فيكون الاعتراف بصحة هذا الحديث ينافي انحرافه عن علي رضي الله عنه. وتبدو على كلامه آثار بغضه لعلي عليه السلام في كل خطوة من خطوات تحدثه عنه، ولا مجال لرد حديث أسماء في ذلك من جهة الصناعة الحديثية لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية ومعرفة الطحاوي بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتل بعلل لا دواء لها وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث قديماً وحديثاً وحكموا عليه بالصحة، رضي ابن تيمية أم لم يرض منهم أبو القاسم العامري الحاكم النيسابوري الحافظ، وللسيوطي جزء خاص في ذلك وكذا لمحمد بن يوسف الصالحي، ومن القائلين بصحة ذلك الحديث القاضي عياض في (الشفا في تعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم لكن لا مجال لرفع الغشاوة عن أبصار المنحازين إلى الخوارج نسأل الله السلامة. وعادة ابن تيمية أنه إذا رأى مسألة واحدة لبعض أهل العلم يجعلها قاعدة كلية عنده فيعزو إلى ذلك الناطق بتلك المسألة الواحدة كلياً خيالياً واستيلاد الكلي من الجزئي منطق طريف ينفرد هو به. على أن ما ظن أن ترجيح بموافقة القياس ترجيح بعدم الشذوذ عن موارد الشرع كما سبق، ثم الكلام في الأحاديث المختلفة بالتحدث عن رجالها جرحاً وتعديلاً لا يخلو عنه بحث من بحوث كتابه وكتابه بين أيدي أهل العلم فمثل هذا التهجم إزاء الحقائق الماثلة لا يصدر ممن يحترم نفسه، ولو أخذنا نسرد كلامه في الرجال من ثنايا كتبه لطال بنا الكلام جداً
1وليس عند البيهقي رواية جامع الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة ومسند أحمد وجل روايته من كتاب على بن حشاد كما ذكرت في مقدمة الأسماء والصفات له (ز)
الجزء 1 · صفحة 29
خرجنا عن الموضوع، ومن الذي رد على كتاب المدلسين للكرابيسي" سواء؟ أهذا شأن من يجهل علم الرجال؟ والجاهل بالرجال هو الذي يكتب أبو بكر الصامت الحنبلي في أغلاطه في الرجال جزءاً مع تحيزه إليه.
وكتب الطحاوي شهود صدق على علمه الواسع بالرجال ثم إن ابن حجر العسقلاني لم يرض إلا أن يذكر الإمام الطحاوي في لسان الميزان وبهذا آذى نفسه قبل أن يؤذي الطحاوي لشذوذه عن جماعة أهل العلم في الثناء عليه، وهو كما يقول أبر أصحابه له الحافظ السخاوي في تعليقاته على الدرر الكامنة لا يستطيع أن يترجم الحنفي إلا باخساً لحقه. ومنتقصا لشأنه، وفي هوامش الدرر كثير من كلام السخاوي في ذلك، فبهذا يتبين صواب ما قاله المحب بن الشحنة في ابن حجر إلا أنه لا يعول على كلامه في حنفي متقدم ولا متأخر لبالغ تعصبه. وقد ترجم ابن حجر للطحاوي في لسان الميزان مستدركاً على الذهبي ترجمة واسعة ليدس في خلالها هذه الكلمة نقلاً عن مسلمة بن القاسم عن ابن الأحمر التاجر الرحال: (دخلت مصر قبل الثلاثمائة وأهل مصر يرمون الطحاوي بأمر عظيم فظيع) فيقول ابن حجر شرحاً لتلك الكلمة: يعني من جهة أمور القضاء أو من جهة ما قيل، أنه أفتى به أبا الجيش في أمر الخصيان اهـ - كبرت كلمة تخرج من أفواههم، تراه يلوح ولا يصرح لتذهب نفس السامع إلى كل سوء بشأنه، وليسيء إلى سمعته الطيبة أهكذا يكون الجرح والتعديل عند أهل النقد؟!، ومن هؤلاء الذين كانوا يرمونه من أهل مصر؟ فليذكر واحداً أو اثنين منهم بدل أن يعزو هذا الرمي إلى جميع أهل مصر ليمكن النظر حتى يصح رميه بأمور تتعلق بالجور في القضاء؟ وهو الذي كان يحض القاضي على محاسبة
وفي حال الرامين الذين لا يكونون عشر معشار أهل مصر، وما هذا الأمر الفظيع الذي يساق لتشويه سمعته؟ وماذا يفيد خبر المجاهيل في أمور مجهولة غير الكشف عن جهل مسجله بملء شدقيه
الجزء 1 · صفحة 30
وعن طوبته بين جنبيه؟. أكان الطحاوي قاضياً حتى يـ الأمناء، صوناً للحقوق من الضياع وإيصالاً لها إلى أصحابها. فيثورون ويفورون ويدبرون تدابير ضده من غير أن يحيق المكر السيئ إلا بأهله كما سبق وليس الفاجر يستفتي العلماء في استباحة الفجور، ولم يكن الطحاوي من الطراز الذي يخص أميراً أو وزيراً وكتاب السر يعزى إلى غيره وقد رددت على المعرى فريته السخيفة في موضعه وبهت الأشرار على الأبرار، لا يأخذ به نيلاً منهم إلا مثلهم. وكان الطحاوي رضي الله عنه من أشد العلماء رداً على مبيحي الانفار: راجع معاني الآثار (232) بخلاف ابن حجر فإنه قوى ثبوت القول به في التلخيص الحبير (307) وهذا مما يندي جبين العالم خجلاً، لكن من لم يأب التغزل في الغزلان وألف خمس رسائل في هذا الشأن لا يأبى أن يلطخ الجباه الطاهرة بصنوف الأقذار من أهل الهذيان، وهو يعلم تكذيب كثير من علماء الأندلس لمسلمة بن القاسم القرطبي، وقول ابن الفرضي وغيره فيه إنه ضعيف المقل صاحب رقي ونير نحات حفظ عليه كلام سوء في التشبيهات وقول الذهبي وغيره فيه إنه ضعيف وما قيل أنه كان من الشبهة، فبراواية مثلة الموهمة لا يطمن فيمن ثبتت أمانته وديانته، وثقته وإمامته إلا من في نفسه حاجة - حفظنا الله من شرور أنفسنا وألهمنا العدل في كل الأمور وكان مسلمة أخد مذهب الشبهة عن شيخ السالمية أحمد بن محمد بن سالم البصري المذكور حاله فيما علقناه على تبيين كذب المفتري وليس في استطاعة ابن حجر تبرئته من هذا المذهب الرديء. ومضرب المثل السائر المصري (فضحت نفسك بيديك) يعرفه ابن حجر جيداً وقد سجله الجمال بن عبد الهادي المعروف بابن المبرد في كتابه عن القرن التاسع في ترجمة ابن حجر، وصيغة مثل ابن
1 ومعلوم مبلغ تضايق الإمام أحمد من هذا الكتاب لإعطائه سلاحاً للخصوم (ز)
الجزء 1 · صفحة 31
النديم بعيدة عن أن تكون صالحة للاحتجاج بها. راجع طبقات ابن السبكي (184) لتعلم رأي الشافعية في لزوم الحد أو سقوطه. والله الأمر من قبل ومن بعد وأما قول الأستاذ أبي منصور عبد القاهر التميمي في نقضه لكتاب أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني في ترجيح مذهبه: (و استقصى محمد بن جرير الطبري الشروط في كتاب على أصول الشافعي وسرق أبو جعفر الطحاوي من كتابه ما أودعه كتابه وأوهم أنه من منتجات أهل الرأي) فدليل على صواب ما ادعاه الفخر الرازي من أهل مذهبه فيه من أنه كان شديد التعصب على المخالفين ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه) - راجع رسالة الرازي في مناظرته لأهل ما وراء النهر - فهل كان ابن جرير مصري الدار يساكن الطحاوي حتى يتمكن الطحاوي من سرقة كتاب ابن جرير في الشروط؟ وكتب الطحاوي في الشروط على مذهب أصحاب أبي حنيفة أفهل كان الكتاب المسروق مؤلفاً على مذهب أبي حنيفة؟! فإن كان ابن جرير كتب كتاباً في الشروط فإنما يكتبه على مذهبه الخاص لأنه مجتهد مطلق مستقل لا على مذهب أبي حنيفة ولا على مذهب الشافعي ودار ابن جرير في طبرستان في حوض بحر الخزر مدة وفي بغداد مدة، وبعدهما عن مصر معلوم فكيف يتصور أن يسرق أحدهما من الآخر خلسة؟! وليس بين وفاتيهما مدة كبيرة تسع لإخفاء السرقة، على أكبر تنزل، على أن كتاب الشروط المعزو إلى ابن جرير باسم (أمثلة العدول) مما لا وجود له بين تراث السلف إلا في كتب التراجم وأما كتب الشروط للطحاوي من صغير ومتوسط وكبير فمعروفة شرقاً وغرباً متداولة في أيدي العلماء. ثم إن ابن جرير أطال المقام في طبرستان وعندما عاد إلى بغداد كان مقهوراً تحت سلطان الحشوية ببغداد يرمون بيته بأحجار، ولا يتمكن من المحافظة على نفسه إلا بحرس من الحكومة ويضطر في بعض الأحوال أن يدفن بعض كتبه مثل اختلاف الفقهاء فلم يكن حراً طليقاً في نشر العلم في عهد سطوة الحشوية وطال ذلك العهد هناك، وأما الطحاوي في مصر فكان موفور الكرامة يجله الكبير والصغير ويوالي القضاة الاستعانة بغزير علمه في الفقه والحديث والتوثيق وتسجيل الشروط حتى سارت بتصانيفه وأنبائه الركبان في جميع البلدان شرقاً وغرباً. أمثله يكون في حاجة إلى السرقة في علم الشروط؟ وقد تلقى علم الشروط من أمثال القاضي بكار"، وابن أبي
الجزء 1 · صفحة 32
عمران، وأبي خازم عبد الحميد أصحاب أئمة علم الشروط بالبصرة والكوفة وبغداد، فمهما أبعد بعض العلوم عن الحنفية لا يمكن إبعاد علم الشروط والتوثيق عنهم فإنهم أئمة هذا العلم من عهد أبي يوسف وقبل عهده، وماجرى بين إبراهيم بن الجراح وبين حماد بن زيد مسجل في موضعه، وقول يحيى بن أكثم في شروط هلال الرأي وغيره من أهل البصرة معروف ومن أحاط علماً بذلك كله لا يتردد لحظة في أن هذا الزعم نسج خيال التعصب وافتعال غير مدبر نسأل الله السلامة، وعلى كل حال فإن كتاب أبي عبد الله الجرجاني وكتاب نقضه لأبي منصور عبد القاهر لا يخلوان من غلو وإسراف في القول على جلالة قدر مؤلفيهما، وأصاب ابن الصلاح حيث قال فيهما: (و) كل واحد منهما لم يخل كلامه من ادعاء ما ليس له والتشنيع لما لا يؤبه به مع وهم كثير أتياه). سامحهم الله تعالى وإيانا بمنه وكرمه.
مؤلفات أبي جعفر الطحاوي
أما تصانيف أبي جعفر الطحاوي ففي غاية الحسن والجمع والتحقيق وكثرة الفوائد، ولم تحظ مصر بطبع شيء منها سوى رسالة صغيرة سبقتها بلاد في طبعها رغم كون مصنفها من مفاخر وادي النيل، ولو كان مثل هذا العالم في الغرب لانتدب أهل الشأن لدراسة كتبه وتحقيقها رجالاً خاصة، بل نراهم يعملون هذا في بعض رجال الشرق في حين أننا أصبحنا بعداء عن تقدير مقادير الرجال. أغنياء بما نستقي من أدمغتنا فقط من غير أن نرى حاجة إلى البحث والتنقيب في التراث الشرقي الفاخر، مع محاولتنا التجديد في كل شيء. فلو زاحمناهم في البحث والتعب وراء اجتلاء معارفنا، وباعدناهم في الموبقات وصنوف السقوط لانبعثنا من جديد. وما ذلك على الله ببعيد، فمن مصنفات الطحاوي الممتعة كتاب معاني الآثار في المحاكمة بين أدلة المسائل الخلافية يسوق بسنده الأخبار التي يتمسك بما أهل الخلاف في تلك المسائل، ويخرج من بحوثه بعد نقدها إسناداً ومتناً، رواية ونظراً بما
1 ومعلوم مبلغ تضايق الإمام أحمد من هذا الكتاب لإعطائه سلاحاً للخصوم (ز)
1وله كتاب الشروط وكتاب المحاضر والسجلات وكتاب الوثائق والعهود وكتاب النقض على الشافعي (ز)
2وله كتاب المحاضر والسجلات وكتاب أدب القاضي وكان حاذقاً في عمل المحاضر والسجلات (ز)
3 يوسف بن خالد السمتي صاحب أبي حنيفة هو أول من وضع كتاب الشروط وأول من جلب رأي أبي حنيفة إلى البصرة فيما ذكره الساحي كما في تهذيب التهذيب، وقال ابن المديني يوسف بن خالد سقط حديثه من أجل الكلام كما ذكره عبد الله الأنصاري بسنده في ذم الكلام ويعلم من ذلك أن اشتغال المرء بالكلام كان إذ ذاك يعد مسقطاً لحديثه. وهذا من أغرب الموازين راجع ما ذكرناه في أوائل شروط الأئمة (ز)
الجزء 1 · صفحة 33
يقتنع به الباحث المنصف المتبرئ من التقليد الأعمى، وليس لهذا الكتاب نظير في التفقيه وتعليم طرق التفقه وتنمية ملكة الفقه رغم إعراض من أعرض عنه. ولذلك كان الأستاذ المغفور له شيخنا العلامة محمد خالص الثرواني رحمه الله اختاره في عداد كتب الدراسة مع الآثار للإمام محمد بن الحسن الشيباني .. وكان لأهل العلم عناية خاصة بتدريس كتاب معاني الآثار وروايته وتلخيصه وشرحه والكلام في رجاله، فمن شراحه الحافظ أبو محمد المنبجي مؤلف اللباب في الجمع بين السنة والكتاب - وقطعة من شرجه موجودة في مكتبة أيا صوفيا بالآستانة، ومنهم الحافظ عبد القادر القرشي صاحب الحاوي في تخريج أحاديث معاني الآثار للطحاوي - وتأليفه وقال: قطعة منة موجودة بدار الكتب المصرية - وذكر القرشي في قسم الجامع من طبقاته (431) سبب ت كان ذلك بإشارة شيخنا الحجة علاء الدين المارديني لما سأله بعض الأمراء عن ذلك وقال له عندنا كتاب الطحاوي فإذا ذكرنا لخصمنا الحديث منه يقولون لنا: ما نسمع إلا من البخاري ومسلم - في كلام نحو هذا - فقال له شيخنا: والأحاديث التي في كتاب الطحاوي أكثرها في البخاري ومسلم والسنن وغير ذلك من كتب الحفاظ -
الجزء 1 · صفحة 34
في كلام نحو هذا - فقال له الأمير: أسألك أن تخرجه وتعزو أحاديثه إلى هذه الكتب فقال له شيخنا: ما أتفرغ لذلك ولكن عندي شخص من أصحابي يفعل ذلك وتكلم معه رحمه الله في الإحسان إلي وعظمني عنده وجعلني أمة في هذا العمل. فحملني إلى الأمير وأحسن إلي وأمدني الأمير بكتب كثيرة كالأطراف للمزي وتهذيب الكمال له وغيرهما وشرعت فيه وكان ابتدائي فيه سنة (740هـ) وآمدني شيخنا بكتاب لطيف فيه أسماء شيوخ الطحاوي وقال لي: هذا يكفيك من عندي فحصل لي النفع العظيم اهـ - إلى آخر ما ذكره هناك، وطريقته في التخريج أنه يتكلم على أسانيده ويعزو أحاديثه وإسناده إلى الكتب الستة والمصنف لابن أبي شيبه وكتب الحفاظ وهكذا. فخدم خدمة عظيمة في هذا الباب، ومن شراح الكتاب البدر العيني الحافظ، وقد عني بتدريسه سنين متطاولة في المؤيدية - وكان الملك المؤيد شيخ ملماً بالعلم يناقش العلماء في العلم حتى جعل لهذا الكتاب كرسياً خاصاً في جامعته كباقي أمهات كتب الحديث وعين لهذا الكرسي البدر العيني. فقام البدر بتدريس هذا الكتاب خير قيام مدة مديدة وألف شرحين ضخمين فخمين صورة ومعنى أحدهما نخب الأفكار في شرح معاني الآثار.
ويتعرض لتراجم رجال الكتاب في صلب هذا الشرح كما فعل في شرح صحيح البخاري. وهذا من محفوظات دار الكتب المصرية في ثمانية مجلدات بخط المؤلف وبها خروم. وتوجد بعض أجزاء منه في مكتبة أحمد الثالث في طوبقبو ومكتبة (عموجة حسين باشا بالآستانة والشرح الآخر هو مباني الأخبار في شرح معاني الآثار للبدر العيني.
وهو محفوظ في دار الكتب المصرية بخط المؤلف في ستة مجلدات. وهو خلو من الكلام في الرجال حيث أفردهم في تأليف سماه معاني الأخيار في رجال معاني الآثار في مجلدين مع نقص في نسخة دار الكتب المصرية، يستدرك من نسخة مكتبة رواق الأتراك في الأزهر الشريف. وخدمة البدر العيني لمعاني الآثار لا تقل عن خدمته لصحيح البخاري والله سبحانه يكافئه على تلك الخدمات الجسيمة ولاسيما في تحقيق أحاديث الأحكام. وممن لخص معاني الآثار حافظ المغرب ابن عبد البر وبه امتلأ قلبه
الجزء 1 · صفحة 35
إجلالاً للطحاوي ويكثر النقل عنه في كتبه ولا سيما التمهيد. وممن لخصه أيضاً الحافظ الزيلعي صاحب نصب الراية. وملخصه محفوظ بمكتبة رواق الأتراك، ومكتبة الكوبربلي بالآستانة وشرحه صاحب اللباب في الجمع بين السنة والكتاب أيضاً وهو محفوظ في مكتبة أيا صوفيا في الآستانة ومحمد بن محمد الباهلي المالكي كتاب تصحيح معاني الآثار محفوظ في بانكوك كما ذكره بروكلمان ولم أطلع عليه. وكتاب معاني الآثار طبع مرات في الهند. لكن أين جمال الطبع المصري من الطبع الهندي؟ فيا حبذا لو طبعت تلك الكتب مع إعادة طبع معاني الآثار بمصر بعناية خاصة. ويقول الطحاوي في صدر كتاب معاني الآثار (سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتاباً أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضاً لقلة علمهم بناسخها من منسوخها وما يجب به العمل منها لما يشهد له من الكتاب الناطق والسنة المجتمع عليها. وأجعل لذلك أبواباً، أذكر في كل كتاب منها مافيه من الناسخ والمنسوخ وتأويل العلماء واحتجاج بعضهم على بعض وإقامة الحجة لمن صح عندي قوله منهم بما يصح به مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم. وأني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثاً شديداً فاستخرجت منه أبواباً على النحو الذي سأل وجعلت ذلك كتباً ذكرت في كل كتاب منها جنساً من تلك الأجناس فبهذا تعلم مبلغ ثقل ما قام بحمله الطحاوي وعظيم مقدار عمله رضي الله عنه وأرضاه.
و من مؤلفات الطحاوي أيضاً بيان مشكل الحديث المعروف بمشكل الآثار في نفي التضاد عن الأحاديث واستخراج الأحكام منها. وهو من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام في اصطنبول تحت أرقام (273 - 279) في سبعة مجلدات ضخام. وهي نسخة صحيحة مقروءة من رواية أبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعبي عن الطحاوي، قابلها وصححها ابن السابق المترجم له في الضوء اللامع والقسم المطبوع منه في حيدر آباد في أربعة أجزاء ربما لا يكون نصف الكتاب على سقم الطبع، ومن اطلع على اختلاف الحديث للإمام الشافعي رضي الله عنه ومختلف الحديث لابن قتيبة ثم اطلع على كتاب الطحاوي هذا يزداد إجلالاً له ومعرفة لمقداره العظيم، وكم كنا نود لو طبع بمصر تمام الكتاب
الجزء 1 · صفحة 36
من النسخة المذكورة وقد اختصر أبو الوليد بن رشد الجد كتاب مشكل الآثار مع بعض اعتراضات منه عليه واختصاره محفوظ بدار الكتب المصرية، واختصر هذا المختصر قاضي القضاة جميل الدين يوسف ابن موسى الملطي من شيوخ البدر العيني في كتاب سماه (المعتصر من المختصر) فأجاد في التلخيص والإجابة عما أورده ابن رشد وطبع المعتصر بالهند مع الخطأ في اسم مؤلفه واسم مختصره. وهذا المعتصر نافع أيضا".
واختلاف العلماء للطحاوي في نحو مائة وثلاثين جزءاً حديثياً. وقد اختصره أبو بكر الرازي. واختصاره هو الموجود في مكتبة جار الله ولي الدين في اصطنبول وأما الأصل فلم أظفر به، وأما القطعة الموجودة بدار الكتب المصرية فهي من مختصر اختلاف علماء الأمصار لأبي بكر الرازي وإن نسبت غلطاً إلى الطحاوي، وفي المختصر يذكر أقوال الأئمة الأربعة وأصحابهم وأقوال النخعي وعثمان البتي والأوزاعي والثوري والليث بن سعد وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن بن حي وغيرهم من المجتهدين الأقدمين الذين صعب اليوم الاطلاع على آرائهم في المسائل الخلافيه فيا ليت الأصل بحث عنه وعن مختصره وطبع هو أو مختصره، أو كلاهما.
وأحكام القرآن للطحاوي في نحو عشرين جزءاً. ويقول القاضي عياض في الإكمال: إن للطحاوي ألف ورقة في تفسير القرآن، وذلك هو أحكام القرآن له وللطحاوي أيضاً كتاب الشروط الكبير في التوثيق في نحو أربعين جزءاً وقد طبع بعض المستشرقين جزءاً منه، وتوجد قطعة منه في مكتبة علي باشا الشهيد وأخرى في مكتبة مراد ملا باصطنبول. من غير أن تتم بهما نسخة كاملة. وله أيضاً الشروط الأوسط ومختصر الشروط له في خمسة أجزاء محفوظة في مكتبة شيخ الإسلام فيض الله وتدل تلك الكتب على براعة الطحاوي البالغة في علم الشروط والتوثيق مهما تضايق من ذلك الأستاذ عبد القاهر التميمي.
ومختصر الطحاوي في الفقه في المذهب على شاكلة مختصر المزني في مذهب الشافعي وهو محفوظ
الجزء 1 · صفحة 37
بمكتبة الأزهر ومكتبتي جار الله وفيض الله بالآستانة ولمختصر الطحاوي شروح أقدمها وأهمها شرح أبي بكر الرازي الجصاص غاية في الإتقان دراية ورواية. قطعة منه توجد بدار الكتب المصرية والباقي في مكتبة جار الله بالآستانة.
ومنها شرح أبي عبد الله الحسين بن علي الصيمري ومنها شرح شمس الأئمة السرخسي: قطعة منه توجد في مكتبة السليمانية والباقي في مكتبة (شهزاده) بالآستانة ومنها شرح أبي نصر أحمد بن محمد المعروف بالأقطع شارح مختصر القدوري ومنها شرح أبي نصر أحمد بن منصور 1الخجندي الاسبيجابي الكبير. ومنها شرح بهاء الدين علي بن محمد السمرقندي الاسبيجابي الصغير وهما موجودان في عدة مكتبات في الآستانة. والكبير في مكتبة علي باشا الشهيد والصغير في مكتبة بني جامع. ومنها شرح أحمد بن محمد بن مسعود الوبري وله غير ذلك من الشروح.
وله أيضاً النوادر الفقهية في عشرة أجزاء. وكتاب النوادر والحكايات في نحو عشرين جزءاً. وله جزء في حكم أرض مكة. وجزء في قسم الفيء والغنائم.
وله الرد في خمسة أجزاء على كتاب المدلسين لأبي علي الحسين بن علي الكرابيسي الذي أعطى حججاً لأعداء أهل السنة بكتابه هذا حيث حاول فيه توهين الرواة من غير أهل مذهبه ليحيا هو فقط ومذهبه. وكلمة أحمد في كتاب الكرابيسي هذا مذكورة في شرح علل الترمذي لابن رجب فالطحاوي سد هذه الثلمة برده على الكرابيسي مشكوراً فضله، وقد ذكر كتاب المدلسين هذا الإمام أحمد فذمه ذماً شديداً. وكذلك أنكر عليه أبو ثور وغيره من العلماء قال المروزي مضيت إلى الكرابيسي وهو إذ ذاك مستور يذب عن السنة ويظهر نصرة أبي عبد الله فقال لي أن أبا عبد الله رجل صالح مثله يوفق الإصابة
1 وممن اختصر مشكل الآثار ابن خلف الباجي ومختصره في المتحف البريطاني وهو أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الإمام المشهور وو هم بروکلمان فسماه سعيد بن خلف (ز)
الجزء 1 · صفحة 38
الحق وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه قال وقد سألني أبو ثور وابن عقيل وابن حبيش أن اضرب على هذا الكتاب فأبيت عليهم وقلت بل أزيد فيه ماسنح في ذلك وأبي أن يرجع عنه فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله وهو لا يدري من وضع الكتاب وكان في الكتاب الطعن على الأعمش والنصرة للحسن بن صالح وكان في الكتاب: أن قلتم أن الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج فهذا ابن الزبير قد خرج فلما قرئ على أبي عبد الله قال هذا قد جمع للمخالفين مالم يحسنوا أن يتبجحوا به حذروا عن هذا ونهى عنه اهـ. وقال ابن رجب: وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع في الطعن على أهل الحديث وكذلك بعض أهل الحديث ينقل من دسائس أما يخفي عليه أمرها أولا يخفي كيعقوب الفسوي وغيره اهـ. وعلى مثل هذا الكتاب الخطر رد الطحاوي رداً موفقاً يشكر عليه وله أيضاً كتاب الأشربة حملة هشام الرعيني إلى المغرب فيما حمل من كتب الطحاوي. وله أيضاً جزءان في الرد على عيسى بن أبان من أصحاب محمد بن الحسن، وجزء في الرد على أبي عبيد في النسب. وجزءان في اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين وجزء في الرزية.
وله شرح الجامع الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني وشرح الجامع الصغير له أيضا. وكتاب المحاضر والسجلات وكتاب الوصايا والفرائض وكتاب التاريخ الكبير. قال ابن خلكان وله تاريخ كبير ولقد اجتهدت في تحصيله غاية الاجتهاد وما ظفرت به وكل من سألت عنه من أهل هذا الشأن جهلوا به اه. لكن نرى كتب الرجال مكتظة بالنقل عنه.
وله أيضاً أخبار أبي حنيفة وأصحابه. وهو الذي يسميه بعضهم بمناقب أبي حنيفة وله أيضاً كتاب في النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها وماروي فيها من خبر في نحو أربعين جزءاً وله العقيدة المشهورة 1 (بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف الأنصاري ومحمد بن الحسن) رحمهم الله وله جزء في التسوية بين حدثنا وأخبرنا.
وقد لخصه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وله أيضاً كتاب سنن الشافعي جمع فيه ما
الجزء 1 · صفحة 39
سمعه من المزني من أحاديث الشافعي عرفاناً لجميله. والشافعية يروون تلك الأحاديث بطريقة كما سبق وللطحاوي كتاب (صحيح الآثار محفوظ في مكتبة بانتا كما ذكره بروكلمان ولم أطلع عليه.
و قد ألف ابن قطلوبنا الحافظ جزءاً في عوالي حديث الطحاوي وسمعه عند قبره وفعل مثل ذلك مع الليث بن سعد وبكار القاضي والثلاثة محفوظة في مكتبة برلين كما في بروكلمان.
و تلك شذرة من فضائل هذا الإمام الجليل. وهذا القدر من البيان كاف في هذا الشأن.
بعض أسانيد أهل العلم في كتب الطحاوي:
فرواية المشارقة لكتاب معاني الآثار للطحاوي بطريق الحافظ أبي بكر محمد بن إبراهيم المقرئ الحنبلي صاحب مسند أبي حنيفة ومؤلف المعجم المشهور وبطريق أبي الفضل محمد بن عمر الترمذي كلاهما عن الطحاوي وأما رواية المغاربة فبطريق أبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني عن الطحاوي. وهو حمل إليهم كتاب بيان مشكل الحديث المعروف بمشكل الآثار وكتاب الأشربة للطحاوي أيضاً كما يظهر من فهرس أبي بكر بن خير الإشبيلي (200 و262) وقد أطال السخاوي بيان ذكر أسانيده المتشبعة في معاني الآثار سماعاً، لخصها المحدث عبد القادر بن خليل المدني خطيب المنبر النبوي المعروف بكدك زاده في كتابه (المطرب المعرب الجامع لأسانيد أهل المشرق والمغرب) وساق أسانيد جمع من شيوخه إلى الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي سماعاً عليه ثم ذكر أسانيد السخاوي جماعة عن جماعة في الكتاب إلى الطحاوي رضي الله عنه ويطول الكلام لو نقلناها كلها فليرجع من شاء إلى المطرب المعرب وهذا الثبت أرويه مكاتبة عن المحدث المعمر الحسين بن علي العمري اليمان عن أحمد بن محمد بن يحيى السياغي الصنعاني عن الحسن بن أحمد بن يوسف الرباعي الصنعاني عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير عن جامعه عبد القادر بن خليل (ح) وأرويه مشافهة عن القاضي أبي طلحة محمد صدر الدين عن
1 عقيدة لها شروح منها شرح نجم الدين أبي شجاع بكبرس المناصري البغدادي من شيوخ الشرف الدمياطي ومنها شرح السراج عمر بن إسحاق الغزنوي ثم المصري ومنها شرح محمود بن أحمد بن مسعود القونوي ومنها شرح الصدر علي بن محمد الأذرعي. وتلك الشروح توجد في الخزانات بكثرة ولها شراح سوى ذلك. وطبع شرح لمجهول ينسب إلى المذهب الحنفي زورا، و ينادي صنع يده بأنه جاهل بهذا الفن وأنه حشوي مختل العيار (ز)
الجزء 1 · صفحة 40
محمد بن سليمان الجوخدار عن سعيد الحلبي عن إسماعيل بن محمد المواهبي عن عبد القادر بن خليل المذكور. وساق البدر العيني في شرحه سنده رواية عن الزين تغرى برمش الفقيه عن الجلال الخجندي عن العفيف عبد الله الغبادي عن عبد الرحمن بن عبد الولي اليلداني عن الضياء المقدسي والخشوعي ومحمد بن عبد الهادي عن أبي موسى المديني سماعاً على إسماعيل بن الفضل السراج عن أبي الفتح منصور بن الحسين بن علي عن أبي بكر بن المقري عن الطحاوي ثم ساق العيني سنده بطريق العز بن جماعة وسندي إليه في الإثبات التي رويتها في التحرير الوجيز - راجع المعجم المفهرس لابن حجر وإتحاف الأكابر وثبت محمد الأمير المصري وغيرها. وساق أبو الوليد محمد بن رشد الجد سنده في كتاب مشكل الحديث للطحاوي قائلاً حدثني به أبو علي الحسين بن محمد الغساني قال أخبرنا أبو عمر أحمد بن يحيى بن الحارث قال أخبرنا أبي قال أخبرنا أبو القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني عن أبي جعفر الطحاوي، وأما العقيدة فقد قرأها عبد القادر القرشي على بدر الدين محمد بن منصور الجوهري سماعاً من بدر الدين محمد بن أيوب بن عبد القاهر الحلبي سماعاً من ابن القديم أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله قال أخبرنا أبو الخطاب عمر بن أيلمك أنا الشريف النسابة محمد بن أسعد بن علي الحسيني حدثنا أبو الطاهر عبد المنعم بن موهوب بن أحمد بن المقري أخبرنا أبو الحسن العكلي قال أخبرنا أحمد بن القاسم بن ميمون العبيدلي أخبرنا جدي ميمون بن حمزة العبيدلي عن شيخه الطحاوي المؤلف رحمهم الله تعالى وإيانا وغفر لنا وهم ونفعنا بعلومهم وعندي نسخة من العقيدة المذكورة بخط ابن العديم
الجزء 1 · صفحة 41
السابق ذكره وعليها تسميعات متوالية، وهو معروف بإجادة الخط المعروف بالمنسوب فغرقت مع ما كنت أستصحبه من الخطوط النادرة وسائر الكتب في حادث انقلاب مركبنا في البحر الأسود تجاه (آقجة) شهر) في أحلك أيام الشتاء بهياج البحر، وأنجانا الله سبحانه من الغرق المحقق بمحض فضله سنة 1236ه أثناء عودي من قسطموني إلى الآستانة والله الأمر وله الحكم وذكر الكوراني سنده في عقيدة الطحاوي في الأمم (90) بطريق الشرف الدمياطي إلى أبي بكر الدامغاني عن الطحاوي. ولو أخذت أسرد أسانيدي إلى الإثبات التي ترفع أسانيد كتب الطحاوي إليه لطال ذلك وأمل فلتكتف بهذه الإلمامة اليسيرة.
وفاة الطحاوي ومدفنه وبعض أسرته
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان في ترجمة الطحاوي: أنه توفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر، ودفن بالقرافة وقبره مشهور بها وقال البدر العيني في نخب الأفكار: (رأيت في مجموع جمعه بعضهم عن علماء مصر، يذكر أماكن وبقاعاً من مصر وبعض علمائها يقول فيه: إن قبر أبي جعفر
الطحاوي إذا جاوزت الخندق على يمين الطالع إلى مسجد محمود وهو قبر كبير مشهور) أقول إن الكلام في الخندق ومسجد محمود طويل وهما مشهوران في التاريخ وكتب الخطط. لكن تغيرت معالم ذلك العهد. وقبر الطحاوي اليوم يعرف بأنه في شارع على يمين الشارع السالك إلى الإمام الشافعي موازياً له عنده منتهي التزام الموصل إلى الشافعي. ففي الشارع الأيمن الموازي لشارع الشافعي يوجد ضريح الطحاوي على اليمين تحت قبة أثرية حذاء شارع الطحاوية الذي هو على اليسار في منتهى الترام وعلى قبره شاهد مكتوب عليه تاريخه وعليه مهابة. وتحت القبة موضع خال لا شاهد عليه ويظهر أن السيد أحمد الطحاوي مدفون هناك. حيث كان طلب في حياته أن يسمح بدفنه هناك من المشرف على ضريح الطحاوي إذ ذاك - وهو المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي فسمح له بذلك كما في تاريخه المشهور عند
الجزء 1 · صفحة 42
ترجمة الطحاوي والأزد بفتح فسكون قبيلة مشهورة من قبائل اليمن. والحجر بفتح الحاء وسكون الجيم فخذ من قبيلة الأزد. وهذه غير أزد شنوءة ويقال للأولى أزد الحجر تمييزاً لها عن الثانية والطحاوي منسوب إلى أزد الحجر هذه.
وفي طحا اختلاف لكن الصواب فيما يظهر أن طحا التي نسب الطحاوي هي طحا أشمونين. وينسب الطحاوي جيزياً أيضاً لسكناه بالجيزة. وكان أبوه من أهل الدين والخير وسمع الطحاوي من أبيه أيضاً ووفاة والده كانت سنة 264ه عام وفاة والده خاله إسماعيل المزني. وأما ابنه علي بن أحمد الطحاوي فمن أهل الفضل والنبل أيضاً تخرج على والده في العلوم وحكى القضاعي أن أبا الحسن علي بن أحمد الطحاوي كان يشرف مع رفيق له على بناء مسجد بالجيزة بأمر الإخشيد وإشارة الكافور ولما احتاجوا إلى عمد للجامع أخذ رفيقه من عمد كنيسة بالجيزة من غير علم أبي الحسن وأقر ذلك أهل الشأن فترك أبو الحسن الطحاوي الصلاة فيدل هذا على أن هذا الشبل من ذاك الأسد. وتوفي أبو الحسن الطحاوي في ربع الآخر سنة 351 هـ كما في تاريخ ابن الطحان في ظاهرية دمشق. وترجم أبو المحاسن للطحاوي في النجوم الزاهرة وقال: كان إمام عصره بلا مدافعة في الفقة والحديث واختلاف العلماء والأحكام واللغة والنحو صنف المصنفات الحسان وكان من كبار فقهاء الحنفية اهـ رحمه الله وأعلى مقامه في الجنة ونفعنا بعلومه. وكان الفراغ من تحرير هذه الرسالة بتوفيق الله سبحانه عصر يوم الثلاثاء 24 من شهر شعبان
1 وفي تاريخ ابن الطحان ما نصه: (على بن أحمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي أبو الحسن، يروي عن النسائي وغيره حدثونا عنه، توفي في ربيع الأخرى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة اهـ) على ما نقله لي الأخ العزيز الأستاذ الأديب السيد سعيد الأفغاني الدمشقي فأشكره على تفضله بذلك (ز)
الجزء 1 · صفحة 43
المبارك من سنة 1368 ه بقلم الفقير إليه سبحانه محمد زاهد الكوثري خادم العلم في اصطنبول سابقا.
غفر الله لي ولوالدي ولمشايخي ولسائر المسلمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا