الجزء 1 · صفحة 5
الترحيب بنقد التأنيب
تأليف
الإمام الفقيه المحدث محمد زاهد بن الحسن الكوثري
ولد سنة 1296 وتوفي سنة 1371
رحمه الله تعالى
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يريد المجازي للعبيد بما هم أهل له من نعيم مقيم أو عذاب شديد، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وآله وصحبه الهادين المهديين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسائر أئمة الهدى المتبوعين رضي الله عنهم أجمعين.
أما بعد فهذه رسالة كتبتها في هذه المرة وسميتها الترحيب بنقد التأنيب)، المتحدث عن كتاب صدر في هذه الآونة بعنوان طليعة التنكيل بما فى تأنيب الكوثري من الأباطيل. تأليف العلامة المفضال المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (¬1) حفظه الله ورعاه. بتعليق الأستاذ الفاضل الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة (¬2)، المعروف في البيئات الحجازية والمصرية، المعلق على مجموعة حوت
¬
(¬1) وهو من أفاضل المصححين في دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند. ز.
(¬2) من أعوان ناشر نقض الدرامي المطبوع قبل سنين المحتوي على تجويز استقرار الله جل شأنه على ظهر بعوضة فضلا عن العرش العظيم، وإثبات الحد والمكان والجلوس والحركة والصوت ونحوها من لوازم الجسمية الله جل شأنه، مما ينزه أهل الحق خالق الخلق منه. ز.
الجزء 1 · صفحة 7
رسالة رأس الحسين رضي الله عنه لابن تيمية وغيرها من الرسائل.
ونشرت في هذه الأيام أيضا على نفقة الوجيه الثري محمد نصيف (¬1)، عين أعيان جدة الساعي في نشر ترجمة أبي حنيفة من تارخ الخطيب في الهند قبل طبع هذا التاريخ بمصر بسنين مع ترجمتها الهندية تيسيرا لانفضاض أهل الهند من مذهبه السائد بين ثمانين مليونا من مسلمي تلك الديار.
ومثل هذا الثري المنفق بسخاء فيما هو في سبيله، لا يتصور أن يتقاعس عن الإنفاق في طبع كتب الرد على تأنيب الخطيب)، تلافيا للخطر الداهم من هذا الكتاب الذكان وقف دون ذلك الأمل في كل مكان.
فيُعلم بادئ دي بدء في أي فلك تدور هذه الطليعة، الطالعة خاضعة خانعة. فممرت بها، فعلمت أن لمؤلفها الفاضل اشتغالا بتأليف كتاب سماه (النقد البري لتأنيب الكوثري)، وقد رتبه على أربعة أبواب وخاتمة، فبالنظر إلى تقدمة المؤلف، يعلم أن هذا الكتاب قد كملت الأبواب الثلاثة الأول منه وأكثر الرابع، ويرجو أن يتم الباقي قريبا بإذن الله تعالى. ويظهر من الطليعة أيضا أن تأليف
¬
(¬1) وهو تولى نشر كتاب السنة المنسوب للإمام عبد الله بن أحمد المحتوي على إقعاد الله جل شأنه رسوله على العرش معه، وطواف الله جل جلاله في الأرض يتقدم المسلمين، ومرور الخلائق على الله في القنطرة الرابعة التي هو فيها من القناطر السبع على جهنم، إلى غير ذلك من معتقدات سلفهم، وهو الذي أنفق أيضا على طبع رسالة على القاري في والدي النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن قبر ما انطوت عليه من الرأي الهالك بردود أهل العلم، وفي رأس الحسين ما يحسن الاطلاع عليه لتعرف غايته من نشاطه الجديد. ز.
الجزء 1 · صفحة 8
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من (الأباطيل على وشك التمام، وأنه مرتب على أربعة أقسام.
وعلى كل حال أشكر الأستاذ الناقد على اهتمامه بنقد التأنيب وإن تأخر زمن النقد على زمن نشر الكتاب بثماني سنوات، مع أن دائرة المعارف العثمانية، التي يشتغل الأستاذ الناقد مصححا للكتب فيها من أوائل الجهات التي كان التأنيب وصل إليها بعيد نشره سنة 1361 هـ مباشرة.
وكان عنده متسع كبير لنفس ما كتبه هذا العاجر نسفا لكن أخره إلى اليوم تكرما وعطفا هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أرى على (طليعته) الصادرة في هذه الأيام طابع الاستعجال لتحدثها عن تأليف وتأليف متشابهين لم يتم تأليفهما بعد، ولإعلانهما عما لم يتم إلى الآن تأليفه ونحن في انتظار صدورهما لننتفع بفوائدهما، وبالتحقيقات التي أودعها فيهما ذلك الأستاذ المحقق ليصل إلى غايته التي ينشدها فيما هو بسبيله.
ومع ذلك لست أدري سر هذا التعجل بعد ذلك التمهل بشطر الكتاب شطرين متشاكلين، وإطلاع الطليعة قبل إعداد العدة التي تستند المقدمة إليها وعلم ذلك عند علام الغيوب، المطلع على كوامن القلوب.
ويرى بعضهم أن السر في ذلك، أن الأستاذ اليماني ترفق به بعض من علم تكدر نمير ارتفاقه هناك، فدله على معين لا ينضب، وأرشده إلى جدّي ثري ينفق بسخاء في هذا السبيل منذ قديم، فأوى إلى هذا الركن الوثيق، وسلك هذا الطريق.
فوضع نماذج من عمله تحت تصرف هذا الثري النبيل، والسيد الأصيل،
الجزء 1 · صفحة 9
وللإنسان الخيرة فيما يختاره لنفسه، لغده قبل أن يغيب في رمسه، ويحاسب على ما اقترفه في امسه. فدخلت النماذج تحت تصرف الناشر، منبتة عن أخواتها التي بقيت وراء الطليعة في المؤخرة.
وهذا هو سر التعجيل، بعد ذلك التمهل، على رأي ذلك المفكر، وأما عندي فربما يكون هذا الناقد من اللامذهبية الحدثاء، الذين يضللون أتباع أئمة الهدى المتبوعين، رضي الله عنهم أجمعين، كما هو منهج الشوكاني في تفسيره، فيكون عمله هذا مرحلة من مراحل برنامجه المرسومة، وعما قريب يكشف عن اتجاهه الستار بأكثر من كشف.
فلعله رأى أن الانتظار إلى ان يصفو الجو مما يستنفد الاصطبار، فتهور وغامر واستخفه الاغترار.
والواقع أنه لا، يهمني لا هذا التعجيل، ولا ذلك التمهل، كائنة ما كانت أسبابهما ودوافعهما، لأني أعلم جيدا أن الباطل زاهق في كل مكان والحق لا يعدم نصيرا في كل زمان وأن نصير الباطل صريع مخذول، وعدو الحق هالك مرذول، فعلى المرء أن يقوم بواجبه في كل وقت والنجاح إلى الله سبحانه، وليس بيد العبيد.
وقد وقعت على أشياء كثيرة من إرهاصات تلك الطليعة مما زادني تبصرا، وكان المعروف من اليمانين لين الجانب، وسمو الخلق ورقة الطبع واللطف البالغ والابتعاد عن الإقذاع والبذاء، ومع ذلك أرى بين ثنايا كلمات هذا المؤلف عباراة نابية، فرأيت تسجيلها هنا باسم الأستاذ الناقد إلى أن يبترأ منها، فيثبت أنها من المعلق المعروف اللهجة منذ قديم أو من الطابع الجديد المنحاز إلى السلفية الحاضرة والمنضوي تحت رايتهم حديثا في سبيل الارتفاق والناس معادن.
الجزء 1 · صفحة 10
فمن تلك الكلمات النابية والشطحات الباردة: قوله: لا يضر يضر السحاب نبح الكلاب.
وقوله ولو ألقمت كل نابح حجرا وقوله كاليهود الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، بغيا وهوى.
و قوله فاحتج بالمحرف المعلوم، تحريفه اقتداء بسلفه اليهود.
و قوله: المثل المصري العامي (كلم القبيحة تدهيك وتجيب الي فيها فيك وقوله: أساتذته اليهود.
و قوله: قد ثبت عليه أنه يحرف الصحيح متعمدا، فكيف لا يتعلق بخطأ يوافق هواه ويشفي غيظه ممن هدم صنمه، والصنم عند هذا الناقد هو الإمام الأعظم فقيه الملة الأوحد، وهادمه في نظره نذل من البهاتين، إلى غير ذلك من كلمات تشف عن سجايا الناطق بها.
و يجب أن يعلم هذا الباهت المتهافت أن الكوثري ليس ممن يجري على لسانه نبح الكلاب، ولا تهاذر القحاب، ولا النبز باليهودية في الخطاب، للأضداد والأحباب.
و مع هذا كله يصف ذلك الأستاذ الرشيد، هذا العاجز في ثنايا كلامه ببالغ التيقظ وسعة الاطلاع، وانتباه لا يمكن أن يهم في شئ، وفطنة تجتلي أخفى الخفايا وكاد أن يجعلني هكذا فوق مستوى البشر من هذه النواحي، ليصل بذلك إلى أن الكوثري أقام كذابين مقام ثقات في أسانيد المثالب لا واهما من اتفاق الاسم واسم الأب بين الفريقين، بل قاصدا أن يعلم أن هذا الشخص المذكور في السند ليس ذلك الكذاب ويذكرني بأني ممن برأه الله من أن يهم في شئ، تأكيدا
الجزء 1 · صفحة 11
للذم بما يشبه المدح ليضعني موضع الباهت المتقصد والمحرف المبدل عمدا، في نحو عشرة مواضع من كتاب التأنيب.
و هذا الحكم غيبي يتبرأ منه كل من يخاف الله عز وجل ويراقبه في الأقوال والأعمال.
و من عجيب أمر هذا الأستاذ اليماني محاولته أن يقف مني موقف ذلك الألمعى، الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وسمع، متكهنا في طرق بحثي وتنقيبي وجازما بما يلهمه هواه المجرد رجما بالغيب، ولو كان عنده بعض إنصاف، لما كان يحاول أن يتحكم على الغيب بهواه، بل كان يقول: إن كتاب التأنيب في نحو مائتي صفحة كبيرة، وكل صفحة تحتوي على نحو ثلاثين اسما من أسماء الرواة وإن الوهم مما لا يخلو منه باحث، والوهم في نحو عشرة مواضع من بين تلك الأسماء الكثيرة، شئ لا يذكر في جنب تلك الكثرة، فأرد عليه رد المصيب على الغالط المتوهم لا رد المستيقن على الغاش المجرم.
على فرض أن هذا الناقد، صادق الحدس في التوهيم، فضلا عن أن تصدق هواجسه في التأثيم، ولا سيما في مثل متون تلك الأخبار، البادي في أول نظرة سقوطها للأنظار، لمصادمتها الحقائق المستقرة في نفوس المسلمين، بشأن الأئمة فقهاء الأمة، ولما فيها من شواهد تقضي بذلك السقوط قبل البحث في الرجال.
لكن الأستاذ اليماني، الناشئ في معترك النحل، تظاهر بغير مظهره، حيث تحكم عليه الهوى، فأخذ يحاول توثيق رواة المثالب في كتاب الخطيب ليقتلع بعواصف المثالب الإمام الأعظم من مقامه الأشم غير ملاحظ أنه سابق الأئمة،
الجزء 1 · صفحة 12
ومقتدى معظم الأمة وليس الذين ائتمنوه في دين الله، بمنزلة الحيارى الضلال على توالي القرون، كما يريد أن يصورهم كذلك ذلك القلم المفتون.
و زعمه أنه لا يحمل ضغينة ضد فقيه الملة، مع تفانيه في تدعيم المثالب الظاهرة السقوط، يكون من قبيل التبري من النتيجة الحتمية، بعد الاعتراف بمقدمتي القياس الصحيح المنتج لتلك النتيجة. وبعد هذا التمهيد، أتحدث فيما يعيد الحق إلى نصابه، ويصفي الجو من عثير عثار ذلك الناقد في كتابه، بإذن الله عز شأنه، ولا إله غيره، في مقدمة فصلين ومن الله التوفيق.
الجزء 1 · صفحة 13
المقدمة
في الأحداث التي اكتنفت في نشر تاريخ الخطيب في القاهرة كان كثير من الطوائف في الشرق والغرب يرغبون في نشر هذا التاريخ ويبدون مؤازرتهم لمن يقوم بطبعه من كل ناحية على اختلاف أغراضهم، فاتفق جماعة على القيام بطبعه وأعدوا العدة لذلك، وبدأوا في العمل.
و لما نجز طبع الكتاب إلى آخر الجزء الثالث عشر وعرض للبيع، رأى الأزهر الشريف أن في ذلك أكبر إهانة للإمام الأعظم، لما حواه من أكاذيب ظاهرة ضد فقيه الملة، مما يأبى السوقة من النطق به في أي شخص، فضلا عن مع جلالة قدره عند المسلمين منذ قديم واعتراف الجميع بخدماته العظيمة في الدين، وجريان القضاء
مثله الشرعي بين المتقاضين في المحاكم الشرعية على مذهبه في أغلب بلاد المسلمين على تعاقب السنين.
فصدر الأمر من وزارة الخارجية المصرية بمصادرة المجلد الثالث عشر الذي فيه تلك الجريمة بشأن الإمام الأعظم، وفق إشارة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر إذ ذاك.
فنفذ الأمر، حتى هزت هذه المصادر القائمين بطبع هذا الكتاب الضخم هذا عنيفا، فسعوا بكل ما عندهم من حول وطول في إنقاذ الموقف، إلى أن التزموا
الجزء 1 · صفحة 14
بما ألزموا به، من إعادة طبع الجزء المذكور بتعليق لجنة من علماء الأزهر يرأسهم المفتي الأكبر، وموافقة شيخ الجامع الأزهر على التعليق المعروض عليه مع التزام الطابعين طبع رد الملك المعظم عيسى الأيوبي على الخطيب، كملحق حسب ما ألزموا أيضا بذلك، وقام الطابعون بالتزامهم.
فخاب أمل الفاتنين من اللامذهبية والمتسلفين، وهكذا أعيد الحق إلى نصابه بعض إعادة، وكان للأزهر الشريف الحق الصريح في إلزامهم بذلك؛ لأنه الحارس الشرعي للفقه الإسلامي منذ قديم فقام بواجبه في استكمال الرد على الشاطح الأثيم.
فمن يرى أنه لم يظهر لأحد من أئمة الإسلام المشهورين مثل ما ظهر لأبي حنيفة من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة والمسائل المستنبطة النوازل والقضاء والأحكام كما في الخيرات الحسان لابن حجر الهيتمي الشافعي
و من يقول: (إن العلم برا وبحرا، شرقا وغربا بعدا وقربا تدوينه رضي الله عنه كما يقول محمد بن إسحاق النديم على تشيعه واعتزاله
و من يرتئي: (أنه ما كان شطر هذه الأمة من أقدم عهد إلى يومنا هذا، يعبدون الله تعالى على فقه هذا الإمام لو لم يكن الله سر خفي في ذلك كما هو معنى ما في جامع الأصول للمجد ابن الأثير الشافعي.
و من يعتقد أن الطاعنين عليه إما حساد، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد) كما يقوله ابن عبد البر المالكي في الانتقاء، والنجم الطوفي الحنبلي في شرح روضة ابن قدامة الحنبلي وعقود الجمان لمحمد بن يوسف الصالحي الشافعي، وتنوير
الجزء 1 · صفحة 15
الصحيفة للجمال بن عبد الهادي الحنبلي وغيرهم من العلماء المبرئين من التعصب الذميم:
يستنكرون عمل الخطيب غاية الاستنكار، ويجلون قدر الإمام الأعظم غاية الإجلال، ويكبرون فضله غاية الإكبار.
و إنما يعاديه ويسعى في تقوية زائف الحكايات من هو من أهل التشبيه، المعادين لأهل التنزيه، وبعض القدرية والجبرية، وسائر المبتدعة واللامذهبية، التي يروقها إحلال القوانين الوضعية مقام الأحكام الفقهية المتوارثة، وبعض الطامعين في مناصب قضائية لم ينالوها لانحصارها في أصحابه - رغم رغبته - في كثير من الدول قديما وحديثا، كما يظهر ذلك عند مدارسة أحوال الطاعنين في الإمام الأعظم، والهمام الأقدم رضي الله عنه.
و لم يدر هؤلاء المساكين أنه لا حيلة لهم في خفض من رفع الله قدره على ممر الدهور، حتى يقفوا عند حدهم بأنفسهم، فلنطمئنهم على أن أقلام أصحابه وأتباعه ومقدري فضله مرهفة في المشارق والمغارب في كل زمان، لوقف المتطاول عند حده، فليجرب من تحدثه نفسه بالتطاول حظه ذلك من الله متي شاء، وبصير بما يعملون.
الجزء 1 · صفحة 16
الفصل الأول
في بيان الباعث لحملات المتهجمين من النقلة على أبي حنيفة وأصحابه من آراء رسخت في أذهانهم، معتقدين أن مخالفتها زيغ وضلال، وأن أبا حنيفة وأصحابه يخالفونها، وإيضاح طرق بحثي وتنقيبي عن علل أخبار المثالب الظاهرة السقوط، مع شرح طريقة الأستاذ الناقد، في محاولة تقوية رواية المثالب وتركيزا لها في أكتاف أبي حنيفة، ليسقط من مقام القدوة لمعظم الأمة المعترف له بذلك عند أهل العلم منذ قديم.
و عند الإلمام بمباحث هذا الفصل لا تبقى حاجة للقارئ الكريم، إلى الوقوف كثيرا عند هجمات الأستاذ اليماني، المنقولة في الفصل الثاني
فمن أسباب حملات النقلة قديما الرأي يعزى إليه أبو حنيفة وأصحابه، مع أن رأيهم في غير المنصوص عليه مستمد من النصوص برد النظير إلى النظير، وهو طريقة فقهاء الصحابة والتابعين، كما تجد أسانيد ذلك في (بيان جامع العلم وفضله لابن عبد البر وفي (الفقيه والمتفقه للخطيب نفسه، فضلا عما أفاض فيه أبو بكر الرازي قبلهما في (الفصول) والإتقاني في (الشامل) بعد هؤلاء.
فمن عد الرأي المستمد من الكتاب والسنة في النوازل زيغا، فقد خالف جمهور فقهاء الصحابة والتابعين، وجهل ما علمه الفقهاء، وأخلد إلى أرض الجمود.
الجزء 1 · صفحة 17
و منها: عدم عد أبي حنيفة العمل ركنا أصليا من الإيمان حذرا من إكفار الأمة جمعاء بمجرد إخلال بعمل، وهو أيضا مقتضى الكتاب والسنة، كما تجد بسط ذلك في كتب أهل الشأن وفي التأنيب نفسه، وعد ذلك إرجاء وزيغا ظلم وعدوان فلا يكون نبذ رواية من لا يقول: الإيمان) قول وعمل يزيد وينقص معتمدا على أساس سليم.
و عند من يرى أن العمل من كمال الإيمان لا يكون في الأمر خلاف يوجب إساءة القول في أحد الفريقين، ومن أصر أن العمل ركن أصلي من الإيمان، بحيث من أخل بشئ من العمل يكون قد أخل بالإيمان، فهو في سبيل الانحياز إلى المعتزلة أو الخوارج شاعرا أو غير شاعر مع أن المغالاة في الجرح بهذا السبب، في غاية الكثرة في كتب الجرح، لأناس لا ييزون بين الهدى والضلال في مسائل الخلاف فيكون طعنهم على أبي حنيفة وأصحابه، برميهم بالإرجاء، مما يرتد إلى الطاعنين كطعنهم بالرأي.
و منها: الاستثناء في الإيمان، وأغلب النقلة يعدون من لا يستثني في الإيمان زائغا مع أن أبا حنيفة وأصحابه يرون أن قول المؤمن (أنا مؤمن إن شاء الله لا يصح إلا إذا أراد المآل دون الحال لأن العاقبة مجهولة فيصح الاستثناء بهذا الاعتبار، لكن إذا أراد الحال يكون شاكا غير جازم، والإيمان غير محتمل للنقيض أصلا، بل المتعين هو الجزم والبت، ومع ظهور هذا يحتد بعض النقلة فيمن لا يستثني في الإيمان ويقول أن مؤمن حقا)، فيعده مرجئا، فلا يكون لمثل هذا الطعن قيمة في إسقاط المطعون كما هو ظاهر.
ومنها: إكفار من لا يزيد على قوله (القرآن كلام الله وقوفا عند ما وقف
الجزء 1 · صفحة 18
الكتاب والسنة، وحسما للنزاع القائم إذ ذاك، لا شكا في حدوث ما بأيدينا ولا في قدوم علم الله.
ومنها: إطلاق القول بإكفار من يقول: (القرآن مخلوق) من غير استيضاح لمراده من ذلك: هل مراده القرآن في علم الله القائم بالله، كما يقول الإمام أحمد: (القرآن علم الله وعلم الله غير مخلوق)، أم القرآن في ألسنة التالين، ومصاحف الخطاطين وأذهان الحفاظ، فالأول غير مخلوق جزما، والثاني مخلوق حتما عند أهل الحق. فيكون إطلاق القول باكفار القائل بخلق القرآن مع كون مراده هو الثاني تهورا مردودا وإن زلقت قدم ابن قدامة صاحب (المغني) في ذلك، في مناظرة له مع بعض الأشاعرة، وادعى قدم الثاني.
و منها: الإكفار أو التبديع بقول القائل: (لفظي بالقرآن (مخلوق)، بدون الاستكشاف عن مراده: هل أراد بلفظه لفظه الذي هو فعله، أم القرآن في علم الله المحكي عنه بهذا اللفظ فالأول حادث من غير شك، والثاني قديم بلا ريب، كما تجد شرح ذلك في لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ومع وضوح ذلك ترى حشد أسماء النقلة المكفرين للقائلين باللفظ كفرا ناقلا من الملة في شرح السنة لللالكائي وغيره، ولا شك أن هذا تهور قبيح.
و منها: مسائل الصفات التي يروى فيها بين النقلة أخبار بعيدة عن الصحة والثبوت، فيأخذون بها حاملين لها على النقلة معان تدخل في تجسيم إله العالمين، مما يبرأ منه كل سني يريد التنزيه. وهذا من أخطر ما أثار حفيظة كثير من ضد المنزهين وكانت كتبهم مخبأة إلى أن طبع كثير منها تحت ظلال الحرية وأصبح في متناول يد كل قارئ بعد نسج هالات من التبجيل حول أسماء مؤلفيها، تمهيدا
الجزء 1 · صفحة 19
للإضلال بأقاويلهم المردودة، من غير رقيب ولا مجيب، إلى غير ذلك من صنوف الجهل، ولا يتسع المقام لأكثر من هذه الإلمامة المشيرة إلى ما وراءها من الجهالات.
و يظهر أن بعض المنافحين عن القائلين بالحرف والصوت من الحشوية، لا يميزون بين إطلاق وصف الدال على المدلول مجازا وإطلاقه على الدال نفسه حقيقة، فيحاولون أن يتصوروا في قول بعض أئمة السلف: القراءة مخلوقة والمقروء غير مخلوق، بعض مستند لهم، في قدم ما بأيديهم.
مع أن الواقع ان القراءة مثلا بالمعنى المصدري لها طرفان: القارئ والمقروء، لأنه المعنى النسبي بين هذين الطرفين فالقارئ هو الشخص التاي، والمقروء هو الصوت المكيف بكيفية خاصة الخارج من الفم القائم بالهواء المهتز اهتزازا خاصا، فموضوع المقروء وحقيقته هو ذلك الصوت، فيكون حادثا مخلوقا كالقارئ.
وأما استعمال المقروء فيما قام بالله من ألفاظ عملية غيبية فمجاز، من إطلاق وصف الدال على المدلول، كما بسط ذلك السعد التفتازاني في شرح المقاصد، تبيينا لمقاصد القائلين من السلف بأن التلاوة حادثة والمتلو غير مخلوق بأن هذا من وصف المدلول بوصف الدال فافهم ذلك فإنه من مزالق بعض الأفهام.
وأما طريقتي في البحث عن أسانيد المثالب المخالفة لما تواتر من مناقب الإمام الأعظم، المرفوع المقام جدا منذ قديم، فتستند إلى أمور.
منها: أن أخبار الآحاد على فرض ثقة رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلا عن المتواتر، وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى
الجزء 1 · صفحة 20
الأمة بالتواتر، حتى نال مقاما لا يسامى على توالي الدهور، فخبر الآحاد ضد من استقر في نفوس معظم الأمة الاعتراف له بتلك المزايا آيل للسقوط بنفسه، فضلا عن أن يكون في رجال سنده علل.
ومنها: أن بين علماء الجرح والتعديل من يسجل أسماء المجهولين في عداد الثقات، بمناسبة أنهم ما عرفوا جرحا فيهم، فمثل ذلك المجهول لا يرتفع بهذا التسجيل فوق أن يكون مجهول الصفة ولا سيما في خبر يسقط بأدنى
ومنها: أنه تقرر عند أهل العلم أن فاقد الشئ لا يعطيه فيكون توثيق غير الثقة لشخص لا يرفعه إلى مرتبة الثقات، فأمثال أبي نعيم والبيهقي والخطيب ممن ثبتت شدة، تعصبهم، الموجبة لرد أنبائهم فيما يمس تعصبهم، لا يقبل قولهم في توثيق رجال المثالب وهم الذين يحتجون بأخبار فيها كذابون عند أهل النقد، مع علمهم بأنهم كذبة كما دللنا على ذلك في مواضع.
ومثل أبي الشيخ صاحب كتاب العظمة، الذي يعد بعضهم كتبه من حقول الموضوعات، لا يرفع توثيقه الشخص فوق أن يكون غير موثق ومرادي من كون الرجل غير موثق كونه غير موثق من أهل الشأن، وهذا ظاهر، ومن من راو يوثق ولا يحتج به به كما في كلام يعقوب الفسوي، بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعد ثقة، كما قال ابن مهدي:
أبو خلدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة ا هـ. فترى هكذا ثقة لا يحتج به، وصدوقا لا يعد ثقة.
و منها: أن خبر الآحاد يكون مردودا عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد فضلا عن مصادمته لما تواتر، ففي هذا الموضع لا داعي للبحث عن
الجزء 1 · صفحة 21
رجال السند من كل ناحية، لكفاية إبداء بعض مآخذ في إسقاط الخبر الآيل بنفسه إلى السقوط فلا ألم في ذلك بعد استيفاء الكلام وكم من رجل انتقى بعض حديثه في الصحيح، ومع لا يصح عد أخباره كلها، صحاحا، فضلا عن رجل له جارح ومادح يترجح جرحه في خبره المصادم للمتواتر ذلك المستفيض.
أما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كل وقت وكفى الاحتفاظ بجوهر المعنى، فطريقتي على هذا في البحث عن رجال المثالب النظر أولا في متن الخبر، لأستجلي مبلغ مخالفته للعقل أو النقل بادئ ذي بدء، لأبني على ذلك تعيين مبلغ الاهتمام الواجب في البحث عن إسناد الخبر فإن كان الخبر ظاهر السقوط بمخالفته للعقل أو للنقل، فلا أرى داعيا إلى التوسع في إبداء وجوه الخلل في السند، بل أكتفي ببعض مآخذ في الرجل مدونة في كتب أهل الشأن، فأدونها في الكتاب، غير مستقص ذكر جميع ما قيل في الرجل الذي أتحدث عنه، لكفاية ذلك لإسقاط الخبر الآيل بنفسه للسقوط كما سبق.
وعادتي أيضا في مثل تلك الأخبار تطلب ضعفاء بين رجال السند بادئ ذي بدء ضرورة أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات.
ومجرد التوافق في الاسم لا يبرر نسبة الخبر التالف إلى الثقات، لأجل تصحيح الأخبار الكاذبة، مثل قول القائل: أبو حنيفة ضال مضل، وأبو يوسف فاسق من الفساق وأصحاب أبي حنيفة أشبه الناس بالنصارى، وأبو حنيفة استتيب من الكفر مرتين أو استتيب من الزندقة، أو أتاه رجل خراساني بمئة ألف مسألة يسأله عنها، فقال هاتها إلى آخر تلك الإفتراءات الساقطة المدونة في الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 22
وإنما يكون استيفاء جميع ما قيل في رجال السند عند الكلام في أخبار آحاد لا تصادم العقل ولا النقل المتواتر أو المستفيض، وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد فيرد حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر على تقدير سلامة رجاله من المأخذ، فكيف إذا كان رجاله مجروحين على درجات متخالفة، معادين له في العقيدة والعمل.
فطريقة نقد أخبار الآحاد غير المصادمة لما هو أقوى منها غير طريقة نقد خبر الآحاد المنابذ للعقل والنقل المتواتر، فإنه ساقط بنفسه، فيكون الكلام في رجال سنده وتبيين المآخذ فيهم لمجرد إبداء مبلغ سقوط أهل البهت سقوطا لا نهوض لهم بعده.
وإني أرى الأصل في أنباء أبي حنيفة هو الفضل والنبل لكونه عمدة الأمة، وقدوة الأئمة، ومقامه الماثل أمام كل بصير في كل طبقة مما لا يحوزه إلا الخير النبيل، بخلاف الأستاذ اليماني فإنه لا يرى الأصل في اخبار الشر، فيحاول إثبات كل شر ورد في ألسنة بعض أهل البهت بشأنه.
والمسئ حقا إلى نفسه وإلى الأئمة هو الناقد المنتهج منهج تركيز المثالب على أكتاف أبي حنيفة، بتصحيح روايات الكلمات النابية على ألسنة أئمة كبار بمحاولة توثيق رواتها. فإن رواية (ما) ولد في الإسلام أشام منه)، مثلا، تسقط القائل المتهور كائنا من كان لأنه لا شؤم في الإسلام وعلى فرض وجوده لا يعدو الثلاثة الواردة في الآثار، وعلى تقدير تجويز وجوده خارج الثلاثة يكون شؤم المشؤومين متنازل الدركات.
وعلى تقدير أن الإمام الأعظم المشهود له بأعظم الخدمات للإسلام
الجزء 1 · صفحة 23
مشؤوم، فمن أين للقائل المتهور أن يقول إنه أشأم المشؤمين؟ ومن أين يعرف أنه في أعلى درجات الشؤم بين المشؤومين؟.
فمن يثبت مثل هذا الهراء الساقط بنفسه على لسان إمام من كبار الأئمة، يكون هو المسئ إلى نفسه، وإلى ذلك الإمام حقا، لا المكذب للروايات المختلقة بقرع الحجة بالحجة، فليسمح لي الأستاذ الصالح أن أقول له: أفلا تكون أنت الأحق بذلك المثل السائر الحكيم الذي تجريه على لسانك؟
ثم إن محاولة الاختفاء وراء الرجال في معامع الجدل ليست من شأن الأبطال، وقد قال ابن المبارك: (دعوا ذكر الرجال عند الحجاج)، لأن الرجال إنما يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.
ثم إن كل واحد من الأمة، فيه ما يؤخذ أو يرد، فمحك الحق هو الحجاج في كل موقف، ومنزلة كل عالم إنما تتبين بقرح الحجة بالحجة لا بذكر أسماء رجال غير معصومين من الزلل، ولا عصمة لغير الأنبياء عند أهل الحق، فلا يكون التحدث عما يعزى إلى بعض الأئمة من الكلمات الماسة، بعرضها لمحك النقد العلمي في شئ من الإساءة إليهم، بل هذه الطريقة هي الطريقة المثلى في تحقيق مثل هذه المطالب عند من براهم الله تعالى من التعصب الذميم. وللإشارة إلى ما ذكرت هنا من طريقتي في البحث قلت في مفتتح التأنيب: فلا يتصور أن يناهض ما روي في مثالبه في تاريخ الخطيب ونحوه ما تواتر من مناقبه، إلا إذا كان الخبر التالف يقاوم الخبر المتواتر، أو كانت الهواجس والوساوس قاضية على الملموس من الحقائق، وليس الصحيح من خبر الآحاد يعارض المستفيض المشهور فضلا عن
الجزء 1 · صفحة 24
المتواتر، وأسانيد ما ساقوه في مثالبه رضي الله عنه، فيها من وجوه الاعتلال والاختلال ما سنشرحه إن شاء الله تعالى، وما سردناه في هذا الكتاب من الأخذ والرد يدعو الباحث المتبصر إلى التروي في قبول كل ما يجد في كتب الجرح إلى أن يستوثق من ملابسات الجرح وبواعثه والله سبحانه هو الهادي).
و هذا البيان الواضح يحتم على الناقد الصالح، أن يدرس ملابسات فتنة القول بخلق القرآن وما ترتب عليها من الترامي بالبدعة بل بالكفر والزندقة بأتفه الأسباب وأحداث عهود التزاحم على القضاء والمناصب، واستفحال شر التعصبات المذهبية الحاملة على التغاير تغاير التيوس في الزرائب، مع مدارسته كتب أيام الفتنة في التاريخ وما حوته من الجروح المبنية على توتر الأعصاب، قبل هدوء النفوس ورجوعها إلى الصواب.
وكذا الكلمات النابية المدونة في الكتب المؤلفة زمن توالي الفتن المثيرة في المعتقد من أمثال استقامة خشيش، وسنة عبد الله بن أحمد ومسائل حرب بن إسماعيل وسنة الخلال، ونقض الدارمي وتوحيد ابن خزيمة، وطبقات وسنة ابن أبي يعلى، وإبانة بن بطة، وغيرها من الكتب المعروفة، ليتأكد من مبلغ انطباق ما حوته من الآراء لمعتقد أهل الحق أو مجافاتها، له على ما في ردود أهل الشأن عليها وعلى ما في كتب وتعاليق ومقالات لي في الرد على أهل الأهواء واللامذهبية الحدثاء، وأغلبها في متناول أيدي الباحثين.
وبعد اطلاع الأستاذ اليماني على ذلك كله، له أن يتخذ لنفسه موقفا من الكوثري كما يشاء، وهذا هو مفتاح النقد في هذا الميدان.
وأما الاكتفاء بما ساقته إلى يده مهمة التصحيح المطبعي من الكتب، فلا
الجزء 1 · صفحة 25
ينقذه مما تورط فيه من محاولة تدعيم روايات المثالب، فعد المثالب أصلا في هذا الإمام الجليل المناقب، وتطلب ثقات بين المسلمين بالأسماء الواردة في أسانيد المثالب، ليكونوا رواة تلك المخازي، مع قبول التوثيق من كل من دب وهب، والتغاضي عن المآخذ في المتن والسند في مناهضته المتواتر والمشهور المستفيض في الوصول إلى غايتة من تحميل أحمال التهم على أكتاف الإمام الأعظم، ووصف الذاب عنه بما ألهمه هواه من الأوصاف دون أن يرعى إلا ولا ذمة.
هي طريقة ذلك الناقد قائد تلك الطليعة وسلوكه هذا المنهج في معاداة أبي حنيفة وأصحابه سعي في الخسران وغلو في الطغيان، وكفران للنعمة أي كفران فنسأل الله الصون في كل آن.
ومن المضحك تظاهره بأنه لا يعادي النعمان مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجروح، ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله، مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها، والتحاكم إلى المتهم شأن هذا الناقد البصير، وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري في موضوع المسألة، لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة، لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مسقط، فيكون ذكر المتون قاصما لظهره.
فيا سبحان الله! (كبير فقهاء الإسلام يكون أشأم من ولد في الإسلام وأصحابه الذين ملأوا العالم علما أشبه الناس بالنصارى وهذا الإمام ضال مضل، وصاحبه الأكبر فاسف الفاسقين، واستتيب إمام الأئمة من الكفر مرتين، ومن الزندقة مرتين وأتاه آت من خراسان بمئة ألف مسألة ليسأله عنها فقال هاتها).
الجزء 1 · صفحة 26
فهذه نماذج من الروايات التي يسعى الأستاذ اليماني في توثيق رواتها مع أن الإمام الإعظم أول الأئمة تدوينا للفقه الإسلامي، الناضج بعد تمحيص المسائل في مجلس فقهي يرأسه هو، وهو أيضا أول من ألف من بين الأئمة في إيضاح عقيدة الإسلام والرد على أهل الزيغ، كما اعترف بذلك الأستاذ عبد القادر البغدادي، وقد ملأ علمه وعلم أصحابه بلاد الشرق والغرب ومآثره عند الجميع تبهر الأبصار ومفاخره تزخر بها الأسفار، وما له من إنفاق وإيثار مشهور بين علماء الأمصار.
أمثله حقيق بتلك المثالب؟ لكن الدهر أبو العجائب، وهو يسعى في تحميل الروايات الكاذبة على أكتاف ثقات يضعهم في الأسانيد بدل الضعفاء، وأنا أسعى في رد البضاعة الزائفة إلى أصحابها المتهمين، فلا أدري من الذي يكون مسيئا إلى الثقات؟ هل الذي حملهم بهتانا عظيما؟ أم الذي برأ ساحتهم من أن يكونوا رواة هراء وسخف؟ هذا طريق، وذاك طريق، والله المستعان.
الجزء 1 · صفحة 27
الفصل الثاني
في التحدث عن اعتراضات الأستاذ المتهجم فمن ذلك رميه إياي في مفتتحي القسمين من طليعته بالطعن في الأئمة، من غير ذكر أي دليل على ذلك كما هو شأن دعاة السوء، فكأنه لم ير ما في أول كتاب التأنيب الذي يشتغل بالرد عليه منذ ثماني سنوات، وفيه ما نصه: (إن الأئمة المتبوعين رضي الله عنهم أجمعين كانوا كأسرة واحدة
يتناصرون في خدمة شرع الله سبحانه، يستفيد هذا ما عند ذاك وذاك ما عند هذا، حتى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم تمام النضج، بانصرافهم كل الانصراف إلى استقصاء ما ورد في السنة، قبل أن يدخلها الدخيل بعد القرون الفاضلة.
وبإقبالهم أشد إقبال على تفهم ما في كتاب الله وسنة رسوله من المعاني السامية والمرامي البعيدة، قبل أن تحدث في اللغة أطوار تبعدها عن المعاني التي كانت تفهم منها عند التخاطب بها في عهد نزول الوحي. وكان فضل الله عليهم عظيما، حيث أعدهم لهذا العمل النبيل، بقد ما آتاهم الله من بالغ الذكاء وقوة الحفظ، وحسن الخوض على المعاني، وبعد النظر في اجتلاء الحقائق من المكامن وتمام الشغف بالفقه والتفقيه وسرعة الخاطر، وجودة الإلقاء وعذوبة البيان وسعة ذات اليد والصحة الكاملة والعافية الشاملة وعظم الإخلاص مع قرب
الجزء 1 · صفحة 28
عهدهم من زمن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
و الرواة الذين كانوا بين كل واحد منهم وبين الصحابة رضي الله عنهم، لا يزيد عددهم في الغالب على راويين اثنين فقط: أحدهما شيخه والآخر شيخ شيخه، ومن السهل عليهم معرفة أحوال هذين الاثنين ومن في طبقتهما معرفة لا تشوبها شائبة.
أما من تأخر زمنه وتكلم في هؤلاء الرواة، ولا سيما بعد استفحال الفتن وعموم التعصب، فليس من السهل عليه أن يكون كلامه فيهم عن معرفة أحوالهم كما يجب، فالقلب يكون أركن إلى نظر الأئمة في الرجال الذين بينهم وبين الصحابة لمزيد صلتهم بهم ومدارستهم لأحوالهم عن كثب، بخلاف من تأخر زمنه وتكلم فيه.
فإن كلامه لا يخلو من شوب، وكان للأئمة أصحاب خيار، يبلغون علومهم إلى من بعدهم خير تبليغ، وهكذا كان أصحاب أصحابهم وهلم جرا إلى اليوم الذي أنت فيه، وقد بوأ الله سبحانه كلا منهم – الأقد فالأقدم – مقامه الجدير به في قلوب الأئمة، منذ أشرقت شموس علومهم وأينعت ثمار فهومهم، وما أعده الله لهم من النعيم فهو به عليم. أهكذا يكون الطعن في الأئمة؟!.
ثم نقلت فيما نقلت عن ابن عبد البر: قوله فمن قرأ فضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة، بعد فضائل الصحابة والتابعين، وعني بها ووقف على كريم سيرهم وهديهم كان له عملا زاكيا نفعنا الله بحب جميعهم.
و من لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والغضب والشهوات، دون أن يعني بفضائلهم حرم التوفيق ودخل في
الجزء 1 · صفحة 29
الغيبة، وحاد عن الطريق – جعلنا الله وإياك ممن يسمع القول فيتبع أحسنه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (دب) إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء).
ثم قلت: (فمن اختار أبا حنيفة مثلا قائلا: إنه تابعي، وهو أجدر بنيل الصفوة من الأخبار من ينابيعها الصافية القريبة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله أن يجعل ذلك سببا لاختياره لكن لا يجوز له أن يغفل أن هذه الفضيلة لا تستلزم الرجحان في العلم مطلقا، وكم بين التابعين من هو مغمور مع تقدم زمنه.
و من اختار مالكا باعتبار أنه نشأ في مهبط الوحي فله ذلك، ولكن لا يسوغ له إغفال أن علماء الأمصار يشاركونه علوم الحجاز، لكثرة حجهم ومجاورتهم له في الإقامة بالمدينة المنورة، على أن السكني هناك بعد أن تفرق الأصحاب في البلدان، وبعد انقضاء عهد الفقهاء السبعة، لا تقاس بالإقامة بها في عهد الرسول صلوات الله وسلامه الله عليه وفي عهد الصحابة رضي عنهم أو في عهد هؤلاء الفقهاء
ومن تابع الشافعي قائلا إنه قرشي فله ذلك. لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم وفي صحيح مسلم: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه على أن هناك من العلماء من هو قرشي بالاتفاق فيفضل على من في قرشيته خلاف لو كان هذا الأمر بالنسب.
ومن تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك، لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص قليلة الجدوى ولا حجر على المقلد فيما يتخذه سببا لمتابعته إماما دون الآخرين، لكن رجحان أحد
الجزء 1 · صفحة 30
المجتهدين في نظره لا يستلزم رجحانه على الآخرين في نفس الأمر، بل الخوض في المفاضلة بينهم بعيد عن الحكمة أهكذا يقول من يطعن في الأئمة؟!.
وكم لي من كلمات في ت في كتبي في هذا المعنى ومقالي تحت عنوان (اللامذهبيى قنطرة اللادينية)، كان له رنين في البيئات العلمية، وتأثير حميد مشكور عند أولي الألباب، وكذلك مقالي الآخر (حول محاولة التقريب بين المذاهب، وهما أيضا من الأدلة على مبلغ إجلالي لأئمة الهدى المتبوعين رضي الله عنهم أجمعين. وأما المقارنة بين مسائل المذاهب وأدلتها وترجيح بعضها على بعض، كما يقضي بذلك بساط البحث، فليست من الطعن في شئ، بل ذلك هو مقتضى التفقه في دين الله على ما هو معلوم عند كل من شم رائحة الفقه.
و غير الأنبياء لا يرفع إلى مقام العصمة عند العلماء فليتب الناقد عن رميي بالطعن في الأئمة، لأن دلالة تلك النصوص خلاف ما ادعاه في غاية الظهور.
وكذلك ليس من معتقد أهل الحق رفع الصحابة رضي الله عنهم إلى مستوى العصمة، بل التخير بين أقوالهم هو منهج أهل التحقيق من العلماء، بل تكلم في بعض الصحابة بعض أهل الجرح من المحدثين مثل ابن عدي صاحب (الكامل).
وليس تخير الإمام الأعظم في روايات بعض الصحابة ببدع في هذا الباب عند من ألم بهذا البحث إلمام كافيا، وأسماء الصحابة الذي رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في (المؤمل) لأبي شامة الحافظ.
وليس هذا إلا تحريا بالغا في المرويات، يدل على عقلية أبي حنيفة الجبارة، المزيلة لكثير من شكوك المتشككين، وفي النكت الطريفة وفي التأنيب بعض بسط
الجزء 1 · صفحة 31
في هذه المسألة.
فيكون افتتاح الناقد كتابه بعزو الطعن في الأئمة بل الصحابة والتابعين إلى من يجادله زعما مجردا من غير أي دليل، ومن أسوأ ما يفعله داعية في الدعاية لما هو بسبيله.
وأما نقد آراء بعض أهل الحديث ممن سبق وصفهم في التأنيب، على ألسنة أمثال شعبة وابن عيينة والثوري وعمرو بن الحارث وغيرهم ممن ذكروا في كتاب ابن عبد البر وكتار الرامهرمزي وغيرهما، فليس إلا لتمييز الحق من الباطل، رغم رأي هذا المتطاول.
وتنوع الأستاذ اليماني للإجرام الذي يتجناه على هذا العاجز، دليل آخر مستقبل على ما ينطوي عليه من تحريف الحقائق، ورمي الأبرياء تبعا لأوهامه، فلنترك ذلك إلى علام الغيوب، ولنبدأ في استعراض آرائه في نقد التأنيب، مسايرا له في الترتيب.
قد علم الأستاذ الناقد من أنواع الجرائم التي يرميني بها إقامتي - في حسبانه - رجلا ضعيفا مقام ثقة في أسانيد المثالب لتوافقهما في الاسم واسم الأب غشا وخيانة لا وهما، فحاول بكل قواه بادئ ذي بدء، تقوية رواية منسوبة إلى ابن عيينة ساقطة تالفة متنا وسندا، فنقب عن رجال ثقات يمكن إحلالهم محل ضعفاء الرجال في السند، فيقول في شخص اكتنفه راويان من أعلى وأسفل همذانيان:
ينبغي أن يكون ذلك الشخص همذانيا أيضا لتوسطه بين همذانيين، وينبغي أيضا أن لا يحدث هروي في همذان
ولا همذاني في هراة وينبغي أيضا أن لا ينسب من هو تميمي نسبا إلى هراة
الجزء 1 · صفحة 32
بلدا وينبغي أيضا أن لا يدعى حافظا من يذكر بالحفظ، كأن البلدين في غاية التباعد، وكأن التميمي ممنوع من السكنى في هراة، وكأن من يذكر بالحفظ لا يكون حافظا إلى غير ذلك من طرائف النقد البرئ.
فيبنى على هذه الانبغاءات البت في الرجل الثقة الذي يحاول إحلاله محل الضعيف في الخبر الظاهر السقوط، ولم يدر المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم على قدم فضلا عن قدمين مهما حاول إحداث سناد له لاستحالة المتن وجود ما يسقط الخبر، سوى هذا الرجل الذي حاول أن يحله محل الرجل الضعيف الذي السند.
ولو كان الناقد ذكر في صلب نقده متن الخبر المتحدث عنه، كان القارئ يحكم بكذب الخبر بمجرد سماعه، لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاء لحاله عن السامع، كما يهمل ذكر الطعون المميتة للخبر من غير موضع مشاغبته إخفاء لها أيضا، فما الفائدة المرجوة من المشاغبة في رجل أو رجلين في السند؟ بعد استحالة المتن في العادة، ووجود إبراهيم بن بشار الرمادي الذي أشرت إليه في نقد السند نفسه.
فإليك نص الخبر مع سنده ص (412) من تاريخ الخطيب: (أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحدا أجرأ على الله من أبي حنيفة، ولقد أتاه رجل من أهل، خراسان فقال: يا أبا حنيفة قد أتيتك بمئة ألف مسألة، أريد أن أسألك عنها قال: هاتها. فهل سمعتم أحدا أجرأ من هذا؟).
فبالله عليك رجل لا يعرف إلا بأنه من خراسان يأتي أبا حنيفة بمئة ألف
الجزء 1 · صفحة 33
مسألة ويسأله عنها، هذا مما لا يقبله عقل ولا ينطق به من يعلم مقدار العدد الذي يقال له مئة ألف ولا من يعرف إلى من مجلد يحتاج تدوينها في غير عهد التدوين، ولا من يعلم مقادير المسائل المدونة في المذاهب، كلها، بل هذا تخليط فظيع ينبذه العاقل ويرده بمجرد سماعه ولو حكي له بسند متماسك فضلا عن سند فيه مآخذ بل خبر الآحاد الصحيح ينبذ ويترك عند أهل العلم بمخالفته العقل كما في الفقيه والمتفقه للخطيب نفسه وأي عقل يقبل هذا الهراء؟
ومن المقرر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر، لا تستلزم صحة المتن فضلا عن سند كهذا، فيكون التخليط ظاهرا في هذا الخبر عند أولي الألباب ألمثل هذا الخبر الساقط يتطلب رجال ثقات تحمل على أكتافهم هذه الأسطورة، أم تستبقى كما هي في عهدة حملتها الضعفاء؟ هذا رأي، وذاك رأي.
وكنت ذكرت في نقد ذلك الخبر التالف مناهضته للعقل والواقع، ووجود أناس متكلم فيهم في السند مثل صالح أحمد التميمي القيراطي الهروي الهالك، وهو هو عند اللجنة الأزهرية القائمة بالتعليق على تاريخ الخطيب أيضا كما في 13: 412 من تاريخ الخطيب، كما أنه هو هو في رد الملك المعظم للخطيب في (149)، والثاني مطبوع في الهند أيضا.
ولا أدري كيف فات الأستاذ الناقد كل هذا، حتى خلع عليّ خلعة الانفراد بجعل أن صالح بن أحمد هو الهروي المضعف لا الهمذاني الموثق، وقلت أيضا إن القاسم بن أبي صالح ضاعت كتبه وبدأ يحدث بكتب غيره، أفلا يكون مثل هذا مظنة الخطأ في الرواية بسبب هذا وإن وثقه بعضهم من قبل ويحاول الناقد أن يلزمني بذكر أنه موثق، وهذا إلزام بما لا يلزم لأن التوثيق السابق لا
الجزء 1 · صفحة 34
يعيد إليه كتبه الضائعة مع كفاية ما ذكرته في إسقاط مثل هذا الخبر، كأنه لا يعلم أن تحديث الراوي بكتب غيره من أسباب رد روايته في حد ذاته.
ومحمد بن أيوب أعده ابن هشام الرازي المضعف وهو يجعله ابن الضريس الموثق فماذا يفيد ذلك؟ في مثل هذا الخبر لو سلمنا ذاك جدلا مع وجود الرمادي في السند أيضا.
وعن إبراهيم بن بشار الرمادي يقول ابن أبي حاتم أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال سمعت أبي وذكر إبراهيم بن بشار الرمادي فقال: كان يحضر معنا عند سفيان ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم سمعوا كأنه يغير الألفاظ، فتكون زيادة ليست في الحديث، فقلت له: أل تتقي الله تملي عليهم ما لم يسمعوا وذمه في ذلك ذما شديدا) كما ذكرت ذلك في التأنيب (82) وأشرت في موضع نقد هذا الخبر فيه (97) بقولي: قد سبق قول أحمد في روايته عن ابن عيينة.
وزد على ذلك أني لم أذكر أن سفيان ابن عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر، فيمكن أن يقع منه هذا التخليط في عام الاختلاط رغبة مني في حصول التخليط المحقق فيما دون ابن عيينة ألم يظهر بعد هذا كله أن هذا الخبر هو الخلط من أي النواحي أتيته.
وهذا الخبر الذي في سنده الرمادي المذكور وغيره هو الذي ينافح عنه الأستاذ اليماني بمحاولة إقامة ثقات مقام ضعفاء مع كفاية المتن وحال الرمادي في رد الخبر، ولا مانع من سقوط اسم بين محمد بن عيسى البزاز وصالح أحمد بن وكم من سقط في تاريخ الخطيب حيث كان الأصل الوحيد لتاريخ الخطيب
الجزء 1 · صفحة 35
المودع عند ابن خيرون قد احترق في بيت ابن خيرون نفسه فذاعت النسخ من غير أصل الخطيب فاختلفت زيادة ونقصا، ولذا لقي الطابعون أتعابا كثيرة من هذه الجهة أيضا، وأين مثل هذا الكتاب من التداول بأيدي الثقات الضابطين؟ لتوجد أصول صحيحة منه في كل طبقة.
وإطلاق الأثثر على ما لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في دين الله شئ مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح، وأما من يرى كون صالح بن أحمد في السند هو المضعف، فليس هذا العاجز فقط - كما يظن الأستاذ الناقد - بل سبقني إلى هذا الرأي الملك المعظم عيسى الأيوبي شارح الجامع الكبير في رده على الخطيب، وكذا أركان اللجنة العلمية الأزهرية التي قامت بالرد على الخطيب أيضا في تعليقهم على المجلد المعاد طبعه من تاريخ الخطيب.
ومع هذا لا مانع لدي من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عد صالح بن أحمد السند هو الموثق، مقدرا بحثه وشاكرا فضله ومعترفا بأني كنت وهمت لكن قبولي لتحقيقه هكذا لا يوصله إلى نتيحة يتوخاها من إثبات أن أبا حنيفة جرئ في دين الله حيث أتاه خراساني بمائة ألف مسألة ليسأله عنها فقال (هاتها) لاستحالة هذا المتن في مجرى العادة، ولحال إبراهيم بن بشر الرمادي المشروح في التأنيب (163) على فرض التغاضي عن سائر المآخذ، فيبقى هذا الخبر دليلا على انطماس بصيرة من يدعي ذلك على أبي حنيفة، كما أن تكلف جعل الثقات هم الذين يتولون رواية هذه الخرافة لا يعلى شأنهم كثيرا فيما أظن.
على أن صالح بن أحمد المضعف عند الملك المعظم واللجنة العلمية
الجزء 1 · صفحة 36
الأزهرية وصالح بن أحمد الموثق عند الأستاذ الناقد، كلاهما من طبقة واحدة على تأخر وفاة أحدهما وبعد ثبوت المعاصرة بينهما لا يقبل في الطبقات المتأخرة ادعاء أن هذا أخذ عن فلان وعنه فلان بخلاف ذاك، إلا من جهبذ خريت، وأين هو؟
وأبو الحجاج المزي حاول في (تهذيبه) استيفاء ذكر شيوخ كل راو، والآخذين عنه لكن لم يسلم له الاستقصاء، بل استدرك عليه قدر ما ذكره في القبيلين، فإذا كان مثل المزي هكذا في رجال السنة، فكيف يكون الحال فيمن تأخر عنهم. واقتناع باحث في أمر لا يوجب اقتناع باحث آخر فيه، على أن زيادة (عبد) على جد محمد بن عيسى المدون في تاريخ الخطيب باسم (العزيز) ليكون ابن عبد العزيز المتأخر الوفاة ربما تكون مما لا يقتنع به سوى الأستاذ الناقد الذي لا يرى بأسا في جعل الصواف هو السواق ليصيب سهمه كما سيأتي.
بل لو فرضنا صحة تلك الزيادة لما بعد سقوط اسم بين اسمي الراويين وإذا جاز سقوط اسم وإثباته عند راويين في سند في مثل صحيح البخاري كما في كتب أهل الشأن، فكيف يكون الحال في كتب التاريخ المدونة في القرن الخامس؟ ولا سيما في مثل تاريخ الخطيب الذي تلاحق الأقلام بالتصرف فيه بعد احتراق أصل المؤلف في بيت ابن خيرون معروف عند أهل العلم كما سبق.
والتحدث عن رمزي الزاي والذال نقاش بيزنطي لا تعلق له بالموضوع تعلقا ذا شأن فليطل الأستاذ الكلام ما شاء هواه أن يطيله، وهذا هو مصير أول نقد تأنق في تدعيمه لإحلال صالح بن أحمد الهمداني محل صالح بن أحمد الهروي القيراطي، وإقامة ابن الضريس مقام ابن هشام الرازي تثبيتا لتهمة الاجتراء في الإفتاء على ذمة أبي حنيفة، مع ما في السند والمتن من القوادح الظاهرة.
الجزء 1 · صفحة 37
ولعل الأستاذ اليماني يقصد من إطالته الكلام في هذا البحث المشكوف الأمر التدرب في البحث عن الرجال، وأطمئنه أنه يجد كثيرا مما يتدرب فيه في بحوثي وتحاريري فهنيئا له في هذه البحوث، لو حفظ لسانه وقلمه مما يوقعه في الهاوية.
وأما ما ذكره ابن عبد البر في الانتفاء من رواية ابن أبي خيثمة عن الرمادي لهذا الخبر: ففي صدد ذكر نماذج من حملات النقلة على أبي حنيفة لأسباب يذكرها هناك مع ما عرف من ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير أنه ممن يقول بالقدر، على اختصاصه بعلي بن عيسى، فيجد المعتزلة في تاريخه نيلا من كبار نقلة الأخبار فيحتجون برواياته في الإساءة إلى المحدثين كما فعل أبو القاسم الكعبي في كتابه (معرفة الرجال وقبول (الأخبار) وقد تحاماه أصحاب الأصول الستة، وإن وثقه الخطيب وقال فيه: لا أعرف أغزر فوائد من تاريخه، وهو من محفوظات جامع القرويين بالمغرب.
ولم يزل في سنده الرمادي وهو كاف في رد الخبر وقد قال أحمد فيه أيضا (كأن) سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار (الرمادي) ليس هو سفيان بن عيينة.
وقال ابن معين: (لم يكن يكتب عند سفيان وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان).
أما قول الناقد في عزو الإرجاء إلى أبي حنيفة على لسان ابن المبارك – من أخص أصحاب الإمام عند الباجي وغيره – وادعاؤه أن أحمد بن الخليل في السند هو التاجر الصدوق، لا المعروف بلقب حور المضعف، كما يدعيه الكوثري عمدا
الجزء 1 · صفحة 38
لا وهما لمجرد إسقاط الرواية غير المرضية عنده فمن أين له أن يزعم أن من روى عنه التاجر لم يرو عنه حور وهما من بلد واحد ومن طبقة واحدة؟ وهل من الضروري أن تكون رواة المثالب ثقات؟
ولكن صاحبنا ممن يصدق ما يعتاده من، توهم ومن أين علم أني رجحت الاحتمال الآخر لمجرد إسقاط الخبر مع علمي بتعين الاحتمال الأول من الاحتمالين لا عن وهم بل عن قصد؟ وهل يخلو باحث عن وهم في المؤتلف والمختلف؟ ومستمر (الأوهام يعزو الأوهام إلى كثير من الأعلام وهل تقول القيامة إذا وهمت في شئ أو أشياء، والحجة هي القاضية، الكاشفة عن وهم الواهم، لكن الموهم قد يكون هو الواهم.
فهل كان الكوثري في حاجة لإسقاط هذا الخبر إلى التمحل في الشخص المتعين مع وجود عبد الله بن جعفر الدراهمي في السند، وهو الذي يقول فيه البرقاني: ضعفوه وأنكروا عليه روايته لكتاب التاريخ عن يعقوب بن سفيان، وقال هبة الله الطبري: قيل له حدث عن عباس الدوري حديثا، ونحن نعطيك درهما ففعل، ولم يكن سمع من عباس.
وإن سعى الخطيب في ترقيع خروقه المتسعة ليصح له ما في الركائب التي حملها من ابن رزقويه عنه فيما هو بسبيله من الطعون على أن التاجر على فرض أنه هو شيخ يعقوب الفسوي يكون ممن لا يحتج به في نظر يعقوب حيث يقول: كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات ما أحد منهم اتخذه عند الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر وأحمد بن حنبل في العراق، كما تهذيب التهذيب (1: 40).
فماذا يفيد توثيق من لا يحتج به. وقد حذف الأستاذ عجز كلام الفسوي
الجزء 1 · صفحة 39
هذا لئلا يخدش في الاحتجاج به في جرح أبي حنيفة على رأيه.
على أن الفسوي لا يرضاه ابن رجب في شرح علل الترمذي من جهة قلة تحريه في نقل المطاعن من مثل كتاب الكرابيسي كما ذكرت في (الحاوي)، ويتهم في بعض الكتب بالكلام في عثمان رضي الله عنه.
و ليس نظرنا إلى الخطيب كنظر الأستاذ اليماني لأدلة ملموسة بسطناها في التأنيب وغيره، مما لا أرى حاجة إلى إعادة ذكره هنا، وفي أواخر رد الملك المعظم عيسى الأيوبي على الخطيب كلام واسع يكشف عن حال الخطيب، كما أن لابن الجوزي وسبطه كلمات يجب أن يطلع عليها من يحاول مناصرة الخطيب والغريب أن يستمر الناقد على الاعتماد على الخطيب في الجرح والتعديل والمتهم في قضية كيف يحتج بأقواله في تلك القضية.
وهذا حقا من طرائف الاحتجاج، وعلى هذا بنى الناقد انتقاداته فأصبحت ساقطة عند أهل النقد، ولو كنا ننظر إلى الخطيب نظر الأستاذ اليماني لما كنا نرد عليه ولا كنا ألفنا التأنيب الذي أثار حفيظة الأستاذ الناقد، وتعويله على الخطيب في أغلب بحوثه هو السبب الأوحد في تدهوره في هوة السقوط.
و مما قال الملك المعظم في رده على الخطيب (176) بعد استيفائه الرد على رواياته: (و هذا آخر ما ذكره الخطيب، وقد بينا الجواب عن كل فصل، وهذا على ما شرطته أولا في صدر الكتاب، ثم ذكرت روايته وما في سند كل واحد من الضعف أو الكلام الشبيه بالضعف، وكل ذلك بينت موضعه من الكتاب وقائله، لم أرد بذلك إلا جوابا للخطيب في قوله المحفوظ عند أئمة الحديث غير هذا، وربما كان بعض من ذكرنا مشهورا بالثقة والأمانة إلا أن الخطيب لما ذكر في كتابه
الجزء 1 · صفحة 40
ما حكيناه عن واحد منهم أردنا نقل ذلك عنه إلزاما له بقوله، وهو لا بد أن يكون في أحد النقلين كاذبا.
هذا حديثنا في الرجال والنقلة على تقدير أن يكون الخطيب يصلح للنقل أو النقل عنه كما إذا وقع الاختلاف في المفضي به، فعلى القاضي الثاني أن يجيزه، أما إذا كان الاختلاف في القاضي فليس للثاني أن يجيزه على وجه من الوجوه، وجوابنا للخطيب على هذا التقدير. ثم ذكر ما قد نقل عنه في نفسه، ثم قال في (181): (و من هذا حاله لا يصلح أن يكون بمنزلة الأئمة الذين تقبل أقوالهم في الجرح والتعديل. وهذا هو الواقع رضي بذلك الأستاذ اليماني أم لم يرض نسأل الله أن يعصمنا من الزلل.
ويحاسبني الناقد على نقطة (جور) لكني لا أحاسبه على نقطة (الجليل) هنا في كتابه كما لا أحاسبه على نقطة (همدان) المحذوفة في كثير من المواضع، لأنه لا يخلو كتاب مطبوع من مثل هذا الخطأ.
فيا ترى هل الأستاذ اليماني نجح هنا فيما هو بسبيله أكثر من ذي قبل في رمي أبي حنيفة بالإرجاء البدعي رغم تبرئ الإمام منه في كتبه المستفيضة الراوية عنه، وتبرئة أهل التحقيق لساحته من تلك البدعة التي افتراها عليه المنحازون إلى طوائف الاعتزال والخوارج شاعرين أو غير شاعرين والله الأمر من قبل ومن بعد، فنسأل الله السلامة.
و أما محمد بن جبويه الهمداني النخاس: فبعد أن وافقني الناقد في تصحيح (جبويه) ووقوع الطابعين في التصحيف في ذلك، أرشدني إلى ما في إكمال ابن ماكولا من توثيقه فأشكره على هذه الإفادة داعيا له بالاستقامة على المهيع الرشيد
الجزء 1 · صفحة 41
في باقي إفاداته من غير أن تنزلق قدماه في أي دحض مزلة والله المجيب لمن دعاه، وإن كان خبره باطلا، لما سيأتي في استتابة شريك لأبي حنيفة، هذا على تقدير عدم كون السند مركبا.
و أما دعوى الناقد إقامتي لأبي عاصم العباداني مقام أبي عاصم النبيل من غير مستند فناشئة من أنه لا علم له بكون النبيل من كبار المناضلين عن مذهب أبي حنيفة بالبصرة بكل ما أوتي من حول وطول وقد امتلأت الكتب بما قال
ووراه في مناقب أبي حنيفة ومآثره لكن عادة أصدقائنا هؤلاء أن يذكروا كنية لضعيف يشاركه فيها ثقة، تمهيدا لادعاء أنها في سند المثالب لذلك الثقة.
ولو اطلع الأستاذ على ترجمة الضحاك بن مخلد ورواياته في كتاب ابن أبي العوام وكتاب الصيمري وغيرهما من كتب الثقات لرباً بنفسه أن يجعل أبا عاصم في هذا السند هو الضحاك بن مخلد على أن الزملاء الثلاثة والحلواني الموجودين في السند مع من عرف منهم ببالغ التعصب المفضي إلى رد خبره فيما يمس تعصبه لا يحوجون إلى غيرهم في رد الخبر مع الجزم بأن أبا عاصم فى السند غير الضحاك.
وكذا الأمر في أسطورة استتابة أبي حنيفة فيما يروى عن شريك لوجود الزملاء الثلاثة في سنده، مع العلم بأن رواية الخطيب عن ابن رزق مدخولة عند أهل النقد، ووجود النكري في سند الخبر أو عدم وجوده لا يقدم ولا يؤخر ولا يزال الخبر ساقطا لمصادمته الواقع ووجود أظناء في سنده.
وليس (قيل) مثل (عن) عندهم حتى يحمل هنا على السماع، ولم يذكر في تهذيب سماع الموصلي من شريك على خلاف ادعاء الناقد، والخطيب لا يحتج به فيما هو متهم فيه، فتكون إطالة الكلام هنا مما لا داعي إليه.
الجزء 1 · صفحة 42
وبما عرف من تأخر تولي شريك القضاء المخول له استتابة من يشاء، يسقط ما يروى عن شريك بطريق محمد بن جبويه النخاس الهمذاني من قوله (استتبت أبا حنيفة (مرتين لأن فساد المتن يدل على وهم أحد الرواة مهما عدوا ثقات عند بعضهم لأن الرواة لا يخلون من وهم وفساد المتن يكون قاضيا برد، الخبر بل ربما يكون السند مركبا في مثل هذا الموضع.
وأما قولي عن عبد الله بن محمود المروزي فعبارة عن أنه مجهول الصفة، ولم أقل إنه مجهول العين ليقال في صدد الرد على كلامي إنه روى عن فلان وفلان وعنه فلان وفلان بل أقول: لا أعلم توثيقه من أهل الشأن المعاصرين له الدارسين لأحواله.
أما ما نقله الذهبي عن الحاكم من توثيقه فلا يرفعه من مرتبة مجهول الصفة إلى مرتبة الثقات، لما سجلناه الموضع نفسه من أنه بالغ التخطيط، حتى إنه ذكر في مستدركه على الصحيحين مئة حديث موضوع وما لا يحصى من الأخبار الضعيفة على تعصباته الباردة.
وقول الذهبي ترديد لقول الحاكم وتابعة له لا فحص مباشر فلا يكون من كلام أهل الشأن المعاصرين له، فلينبش الأستاذ المعلمي في الدفاتر التي تحت يده عن توثيق له من أهل الشأن ليطلق لسانه كما يشاء.
على أن رد الخبر القائل إن أبا حنيفة كان يرى السيف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يحوج إلى وجود أحد السند سوى الحاكم نفسه وليس يتحاكم في القضية إلى من يتهم فيها في توثيق من يشاركه الاتهام فيها. أما أبو الوزير فغاية ما قلت فيه في صدد التحدث عن الرجال في سند ما يروى عن ابن المبارك في رمي
الجزء 1 · صفحة 43
أبي حنيفة بأنه كان يرى السيف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم (في سنده الحاكم وهو اختلط في آخره اختلاطا شنيعا على تعصبه البالغ وعبد الله بن محمود مجهول الصفة وكذا أبو الوزير عمر بن مطرف).
وأطال الأستاذ المعلمي الكلام على الأخيرين جد الإطالة في موضعين من رسالته الصغيرة، وقد تكلمت آنفا عما يتعلق بعبد الله بن محمود لا إلى عود.
وأما أبو الوزير فيعده الناقد هو وصي ابن المبارك محمد بن أعين وهو المذكور في كتاب ابن أبي حاتم بقوله:
(محمد بن أعين أبو الوزير وصي عبد الله بن المبارك روى عنه أحمد بن حنبل ومحمد بن علي بن شقيق وأحمد بن منصور زاج سمعت أبي يقول ذلك قلت روى عن فضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وأبي الحجاج الزاهد، روى عنه علي بن (خشرم ولم يذكره بجرح ولا تعديل وتوثيق ابن حبان على طريقه في توثيق المجاهيل، فلا يرتفع بذلك عن مرتبة مجهول الصفة فعلى فرض أني وهمت في اسم أبي الوزير، فماذا يكسب الناقد من ذلك في تقوية الرواية مع وجود الحاكم في سندها أيضا.
وكون المرء خادما أو كاتبا أو وصيا لثقة أو معتمدا عنده في شئ ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم لكن الأستاذ الناقد تلذه إطالة الكلام فيما لا طائل تحته، وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة.
وأما محمد بن أحمد بن سهل فزاد الناقد قبل سهل (فارسا) ليصرف الاسم عن (الأصباغي) إلى أبي الفتح بن أبي الفوارس تزيدا منه لما شاء هواه لإثبات المتن
الجزء 1 · صفحة 44
السخيف للغاية، بحيث يكون إحلال ثقة محل ضعيف في سنده إهانة لذلك الثقة وإسقاطا له من منزلته ولو كان ابن أبي الفوارس هو المراد بذلك الاسم لسقط من مقامه العالي لما في الخبر من سخف بالغ.
فأسوق هنا نص ذلك الخبر بسنده لتحكم به على مبلغ تحري الأستاذ المعلمي ودرجة تفانيه في هدم قصر مشيد ليبني كوخا ينهار على أم رأسه ليوقظه من غفوته، وغفلته، فيا بئس الناصر والمستنصر في سبيل السعي في إسقاط الإمام الأعظم من علياء منزلته التي تناطح السحاب، عند أولي الألباب.
فإليك نص ما قلته في التأنيب: وهناك رواية أخرى طريفة لم يحكم واضعها وضعها ولم يدبر أمرها حتى أصصبحت مكشوفة الستر لكل ناظر، وهي ما رواه هبة الله الطبري في شرح السنة) عن محمد بن أحمد بن سهل (الأصباغي)
عن محمد بن أحمد بن الحسن الصواف) عن محمد بن عثمان عن محمد بن عمران بن أبي ليلى قال حدثنا أبي، قال: لما قدم ذلك الرجل يعني أبا حنيفة إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهد عليه حماد بن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق وشهد قوم بمثل قول حماد بن أبي سليمان فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر، وهو بالمدينة بما قاله ذلك الرجل وشهادتهم عليه وإقراره فكتب إليه أبو جعفر: (إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار ا هـ).
فعلى هذا تكون استتابته قبل وفاة حماد بن أبي سليمان قبل سنة مئة وعشرين من الهجرة، عندما كان أبو جعفر المنصور العباسي بالمدينة (في عهد هشام بن عبد الملك الأموي!!! قبل تأسيس الدولة العباسية بدهر!!) فيا للعار
الجزء 1 · صفحة 45
من هذا التهاتر المدكوك والاختلاق المهتوك، فهل من حاجة بعد التخليط بين الدولة الأموية والدولة العباسية هذا التخليط – إلى الكلام في رجال هذا السند. وبهذا الطريق أدخلوا حماد بن أبي سليمان في عداد الشهود ضد أبي حنيفة، فسبحان قاسم العقول!!).
هذا ما ذكرته في التأنيب وأثار حفيظة الناقد الكريم فهاج وماج وبنى على زيادتي بين قوسين: (الأصباغي) ما ألهمته نفسه الزكية مع أنه لم تكن زيادتي لتلك الكلمة بين قوسين إلا لمجرد تبيين الحقيقة، ولو كنت في حاجة إلى تطلب ضعفاء في السند) لذكرت أحوال محمد بن عثمان ومحمد بن عمران وخالد بن نافع وغيرهم، لكن ما كنت في حاجة إلى الكلام في رجال السند مع ظهور أن بدعة القول بخلق القرآن نشأت بعد عهد حماد بن أبي سليمان بمدة كبيرة سجلها هبة الله الطبري نفسه في شرح السنة بحيث لا تتصور شهادة مثله في مثل تلك التهمة.
و مع ذلك التخليط الفاضح في ادعاء أن أبا جعفر المنصور العباسي أصدر من المدينة أمرا إلى ابن أبي ليلى القاضي في العراق في عهد الدولة الأموية بتنفيذ ذلك الحكم، وهذا حقا يزيد في التندر به على تلك النادرة المعزوة إلى إمام جامع حمص في كتب الأدب، فيعلم من ذلك مبلغ يقظة الأستاذ المعلمي في إعادة الحق إلى نصابه، بتحقيقاته البديعة واتهاماته المبتكرة.
ثم يقول الأستاذ الناقد عند تحدثه عن محمد بن عمر بن وليد بعد قبوله لتصحيحي اسم الجم مدعيا أنه الكندي لا التيمي: ( ... وهذا لا يخفى على الكوثري لكنه لم يجد في هذا مغمزا فعدل إلى التيمي المطعون فيه لحاجة الكوثري إلى الطعن في تلك الرواية والله المستعان على من كتب ليضل الناس بغير علم).
الجزء 1 · صفحة 46
فيا للعجب!! هل الكوثري في حاجة في إسقاط تلك الرواية بعد أن نص على أنها رواية الكذاب بن الكذاب: محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، ومعه محمد بن عبيد الطنافسي الذي يقول فيه أحمد: إنه يخطئ، ولا يرجع عن خطئه كما في رواية ابن أبي حاتم، ولكن المعلمي ممن يتوهم شيئا ويلزم به صاحبه كحقيقة واقعية، وهذا طراز في النقاش ليس في استطاعتي أن أساجله فيه.
و أما قوله في محمد بن سعيد بن سلم الباهلي، فقول ليس معه ما يدعمه فليعد النظر مرارا فيما كتبناه هناك وليبحث جيدا عنه وعن أبيه سعيد بن سلم لئلا يقف مني موقف المتحكم الملزم بما لا يلزم، وبعد ان البحث فليتكلم عن علم، وزعمه أنه لم يطعن فيه أحد شهادة على النفي، وقد علم غيره ما جهله هو وذكره، ولو قال: لم يوثقه أحد لكان أقرب للصواب فيكون أيضا مردود الرواية.
و أما قول المعلق هنا (38): (ثبت عليه أن يحرف الصحيح معتمدا فكيف لا يتعلق بخطأ يوافق هواه ويشفي غيظه ممن هدم صنمه: ففرية خرقاء ترتد إلى قائلها متى وأين ثبت تحريف الكوثري لصحيح عن عمد؟! وإنما المحرف من ائتمن على النقد البرئ فتصرف فيه تغييرا وتبديلا وزيادة ونقصا كما هو مشهود.
وكذلك صاحب الصنم هو الذي يسعى في نسخ ونشر كتب تحدد إله العالمين وتصفه بالمكان والجلوس والمس والحركة مع تجويز استقراره على ظهر بعوضة إذا شاء فضلا عن العرش العظيم، إلى غير ذلك مما هو مدون في نقض الدارمي لإمام هذا المعلق.
فالصنم عند الحشوية هو الإمام الأعظم، وهادمه هو سخيف من سخفاء الرواة، هكذا نظر هؤلاء إلى فقيه الملة أصحابه، وهكذا يكشف أهل الضلال عما
الجزء 1 · صفحة 47
ينطوون عليه ليلقوا النكال الذي يستحقونه وأطمئن هؤلاء الغبياء الطغام أن بين من تفقهوا على نور تأصيل هذا الإمام في بلدان الإسلام في كل دور رجالا في استطاعتهم متى شاؤوا وقف هؤلاء عند حدهم، بكشف الستار عن وجوه مغالطاتهم وبرد الكيد إلى نحورهم، بتوفيق الله عز وجل.
و أما إفادة الأستاذ اليماني عن أن المراد بأبي شيخ هو محمد بن الحسين فأتقبلها شاكرا له وداعيا له بالمزيد، مع الاحتفاظ بحقي في رد انفراد الخطيب بتوثيقه لأن المتهم في قضية لا يقبل له قول في تلك القضية.
أما ابن حيوية الخزاز وأبو الحسن بن الرزاز فقد كنت ذكرت في (44) من التأنيب من أحوالهما ما يغني عن المعاودة إلى الكلام عنهما لكن الأستاذ الناقد يحب تشقيق الكلام وتصديق الأوهام في أجلى المسائل.
وقد اعترف هنا أن الخزاز فيه تسامح في الرواية وأنه يقرأ من كتاب ليس فيه سماعه، ومع هذا وذاك يقول إنه ثقة.
وتوثيق المتسامح في الرواية والمسمع بكتاب غيره مما ليس فيه سماعه لتمشية ما عند مثل هذا الراوي المجازف من الأخبار الزائفة توثيق طريف اختص به خصوم أبي حنيفة لتوسيع دائرة المثالب التي يراد إلصاقها به، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
وثقة الراوي بكتاب يعلم أنه ليس فيه سماعه بعيدة عن الاتزان فضلا عن التعويل، فلا يبنى على هذا الكلام المتهاتر المنهار غير سقوط الخبر وسقوط من يعول على مثله.
و قد نص الأزهري وابن أبي الفوارس على أنه متساهل متسامح يحدث
الجزء 1 · صفحة 48
من غير أصله ومما ليس فيه سماعه، فالأستاذ الناقد يتجلد في وصف هذا الراوي المتسامح المسمع بغير كتابه مع خلوه من سماعه بالثقة، وهذا باطل بالمرة كائنا من كان مصدر التوثيق، ومن البعيد أن يكون من هذا شأنه واعيا لما يرويه للناس من الكتب الكبار لابن أبي خيثمة وغيره جزافا لا من أصل.
و أما كون ذلك الكتاب هو كتاب أبي الحسن الرازي الذي كان يدخل ابنه فيه تسمعيات طرية فبلية أخرى تزيد الخزاز سقوطا وكذا الخطيب فيما روى عنه مباشرة، فلا بد في نظر هذا الناقد من إبعاد هذا الرزاز من ساحة النقد حذرا من تضاعف الافتضاح.
فبدأ الناقد يبحث عن كل رزاز في بغداد ليلقى بينهم من هو ثقة في طبقة شيوخ الخزاز، فوجد شخصين على هذا الوصف، فحكم أن أحدهما هو المراد بأبي الحسن الرزاز في الحكاية، ليكون ثقة أخذ عن كتاب ثقة.
لكن لم يفكر الأستاذ أن رواية الخزاز لو كانت عن كتاب أحد شيوخه لكانت روايته عن أصل شيخه، ولما كان يرمى بالتسامح، وكان يتعين أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله مع أنه لا ذكر للرزاز مطلقا في طبقة شيوخ الخزاز في أسانيد المثالب التي تولى كبرها الخزاز في كتاب الخطيب وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه.
فتبين من ذلك أنه من غير شيوخه، إما من أقرانه أو ممن هو أصغر منه والراوي كثيرا ما ينظر في كتب أقرانه وكتب من هو أصغر منه، وليس في هذا عيب، وإنما العيب كل العيب هو التسميع بما ليس فيه سماعه كما فعل الخزاز مع كتب الرزاز الموصوفة فى التأنيب.
الجزء 1 · صفحة 49
فقول الأستاذ اليماني بعد هذا كله: إن علي بن أحمد الرزاز أصغر من الخزاز بأربعين سنة فيبعد جدا أن يحتاج في قراءة حديثه إلى كتاب هذا المتأخر وأيضا فلا يعرف بين الرجلين (علاقة يكون قولا مرسلا على عواهنه بعد العلم بأنهما من أهل بغداد وعاشا هناك متعاصرين سبعا وأربعين سنة.
فماذا كان هذا يمنع من الاجتماع بذاك؟ وكلاهما من حملة الرواية ومن بلد واحد. فجزم الناقد بأن الرزاز هو بن موسى من شيوخ الخزاز يكون تقولا قبيحا بعيدا عن الحقيقة لما سبق.
و المتعين بعد البحث من كل ناحية أن المراد هو أبو الحسن علي بن أحمد بن الطيب الرزاز الذي كان يدخل ابنه في أصول أبيه تسميعات طرية وهو الذي كان الخزاز يسمع بكتبه وهو يعلم أنه ليس فيها سماعه، وهذا هو الموثق عند الأستاذ الناقد نسأل الله السلامة.
وهنا انتهت توهمات الناقد إحلال ضعفاء مقام عمدا، ففيما ذكرناه كشف للحقيقة عند من أنصف.
وأما تحدثه عن اتخاذ ما لا دخل له في عد الرجل مجروحا وسيلة للتجريح وضربه لذلك الأمثال، فلم أر فيما تحدث عنه بذكر جرير بن عبد الحميد وأبي عوانة وأبي أحمد الفراء شيئا يجدر بالتحدث عنه.
وقوله في عبد الله بن السقاء ليس بشئ لأن مطاردة محدث لأجل حديث حدثه ليست من شأن العامة بل من شأن العلماء وربما يؤيدهم العامة، وعد ذلك من حماقة العامة غير وجيه، وبعد أن قلنا في الفصل السابق إن التوثيق المقبول هو الصادر من أهله، وإنه الذي يرفع الراوي فوق أن يكون مجهول الصفة، لا داعي
الجزء 1 · صفحة 50
إلى التحدث عن قول أبي الشيخ في سالم بن عصام إنه صدوق، على أن ذلك دون قولهم إنه ثقة فيصلح للاعتبار به إن كان هذا الوصف صدر من اهله في موضع لا يصادم الحق.
وأما هنا فالمتن أبو حنيفة ضال مضل والسند فيه أبو نعيم وأبو الشيخ وسالم ورسته وموسى بن المساور، وأحوال جميع هؤلاء تدل على سقوط الخبر وتكلمت عن جميع هؤلاء في التأنيب.
وأهمل الناقد ذكر كل هذا وأخذ ينافح عن سالم، فما فائدة ذلك بعد أن أصبح المتن ظاهر السقوط من كل جهة، فإذا قيل: (أبو حنيفة ضال مضل يجد هذا القول ترحيبا به عند الأستاذ الناقد، وهذا هو سر تقعيده القواعد وتنويعه الجرائم في سبيل هدم ذلك الجبل الشامخ الذي يفقد رأسه من يناطحه.
وإن كان إصرار الهيثم بن خلف الدوري على خطأ في اسم غير مضر، فلماذا هذا التهويل والتضليل في ذكر الكوثري أسماء بدل أسماء على فرض أنه مخطئ في ذلك مع أن الكوثري غير مخطئ فيها، والدوري معاتب فيما فعل عند أهل النقد على خلاف أمل ذلك الناقد المكشوف الغاية.
وأما كلامه فيما نقلناه عن سليمان بن حرب من قوله في جرير بن عبد الحميد والوضاح فلا داعي في نظري لإطالة الكلام فيه، وقول سليمان بن معروف وكون أبي عوانة أميا يستعين بمن يكتب له من المشهور عند أهل العلم، وكنت جعلت قول علي بن عصام فيه إسرافا في القول حيث قلت في (183): وأما أبو عوانة فهو ممن ينتقي من أحاديثه عند الجماعة لكن يقول علي بن عاصم: وضاع ذلك العبد. وفيه إسراف لكن كان يقرأ ولا يكتب.
الجزء 1 · صفحة 51
وكان كتابه صحيحا فإذا روى من حفظه غلط كما كان يغلط إذا قرأ من كتب الناس.
وقد وقع في تهذيب التهذيب: وضاع ذلك العبد ويعد الأستاذ الناقد ذلك محرفا من (وضاح ذلك العبد)، وهو أدرى بزملائه في دار التصحيح إن كان يقع منهم مثل هذا التحريف الفظيع والذي أراه أن قول الأستاذ في دائرة الاحتمال، لكن قول علي بن عاصم في جرير بن عبد الحميد: (ذاك الصبي) وفي شعبة: (ذاك المسكين) من غير ذكر اسميهما يبعد احتمال ذكر اسم أبي عوانة على أن الغالب في اسمه (الوضاح باللام، بل يكون علي بن عاصم أسرف في رميه أبا عوانة بالوضع والكذب.
وكثيرا ما يقع مثل هذا الترامي بين الرواة عند ثوران النفوس إلا من عصمه الله، ولا أحب أن أذكر نماذج من حذرا من إذاء رجال أفضوا إلى ما عملوا من غير حاجة علمية ولا يبرئ أحد أبا عوانة من الغلط، والغلط وضع موضع الصواب وكذب لمخالفته للواقع، لكن المسقط للراوي هو التعمد، ولا أبو عوانة بذلك، يرمي كنت أردت بقولي وفيه إسراف بيان ذلك، فتبين بهذا وجوب الاحتياط فيما هو مظنة أن يغلط فيه حينما يروى من للخطأ غير كتابه.
هذا كلام نير واضح مدعم بنصوص أهل الشأن، فلا يكون إطالة الناقد الكلام في جرير وأبي عوانة وجها غير مجرد التحامل على هذا العاجز، فلا أجاريه في إطالة الكلام من غير داع.
ون عجيب صنع الأستاذ اليماني: حذف متن الخبر الساقط الظاهر السقوط واقتطاع كلمة من الكلام على رجاله القاضي عليهم، لئلا ينتبه السامع
الجزء 1 · صفحة 52
إلى ما حواه المتن من البهت الشنيع، الذي يحكم السامع بمجرد سماعه أنه كذب فظيع، قبل أن يعلم أحوال رجاله. فمن نماذج ذلك ما اقتطعه من كلامي في رجال خبر يعزى إلى الثوري: (أن أبا حنيفة ضال مضل) بسند يسوقه الخطيب قائلا: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، حدثنا سالم بن عصام، حدثنا رسته، عن موسى بن المساور قال: سمعت جبر – وهو عصام بن يزيد الأصبهاني – يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: أبو حنيفة ضال مضل ا هـ.
وقلت في الكلام على رجاله أبو نعيم على تعصبه متكلم فيه، وقد سبق وكذا شيخه أبو الشيخ ضعفه بلديه أبو أحمد العسال وسالم بن عصام صاحب غرائب ورسته أصبهاني ميلاده سنة 188 هـ في رواية ابن أخيه قبل وفاة ابن مهدي بعشر سنين فقط، ويستبعد أن يجهل ابن أخيه ميلاده، ومع هذا يقال إنه روى عن ابن مهدي ثلاثين ألف حديث، فلا يتصور هذا الإكثار لابن عشر، وقد انفرد ابن ماجه بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة، قال أبو المديني تكلم فيه أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي). وكتب إلى أهل الري ينهاهم عن الرواية عنه، ويكثر موسي الغريب في حديثه.
وموسى بن المساور أبو الهيثم الضبي من رجال الحلية مجهول الحال إلى آخر ما ذكرته هناك في (266) مما يقضى على تلك الرواية الكاذبة، لما في رجال السند من الكلام ولمنافاة هذا الخبر لما صح عن الثوري من البالغ على أبي حنيفة.
وقد ذكرت في التأنيب (37) الطعون الواردة في أبي نعيم الأصبهاني من ذكره الخبر الكاذب، وهو يعلم أن الراوي كذاب، من غير تنبيه على ذلك كما فعل
الجزء 1 · صفحة 53
في الحلية بروايته رحلة مكذوبة بطريق أحمد بن موسى النجار عن عبد الله بن محمد البلوي وكلاهما كذاب وهو يعلم ذلك، وما يترتب على ذلك من الفتن عند من يصدق الرحلة الكاذبة، ومن عيوبه المشهورة عند النقاد إجراؤه ما تحمله بالإجازة أو السماع في مجرى واحد. هذا.
ثم إن الأستاذ المعلمي قد اقتطع من كلامي الواسع في رجال هذا الخبر قولي: سالم بن عصام صاحب غرائب)، ليلقى في روع السامع أنه لا مأخذ في الخبر غير إغراب سالم والإغراب ليس بضار في نقد هذا الأستاذ المنافح، مع أنه يغلب إطلاق هذا في كلام أبي الشيخ وأبي نعيم على الأخبار الساقطة المنكرة.
وذكرت هذا هنا ليكون نموذجا لطريقته في النقد، لا لأسايره في الكلام عن كل صغير وكبير من غير حجة فيمن أثبتنا قول أهل النقد فيهم مع تثبيت أن توثيق ابن حبان على طريقته في توثيق المجاهيل لا يرفع الراوي من درجة كونه مجهول الحال.
وأن توثيق لرجل من رواة المثالب لا يلتفت إليه حيث لا احتجاج في قضية بمن هو متهم فيها.
فأوصى القارئ الكريم أن يراجع الأصل من التأنيب وفي مواضع نقده، ليقف على جلية أمر الناقد المتكلف، المنافح عن عقيدة التشبيه المنابذ لقادة الأمة في التنزيه المعادى لأبي حنيفة وأصحابه في فقههم الناضج وعقيدتهم السليمة وتعويله على تهذيب تاريخ ابن عساكر لعبد القادر بن بدران في السافري أسفر عن توافقهما في المذهب والمشرب، وهو الذي يذكر في مدخله عن الإمام أحمد أنه قال: (إن موسى كلمه الله من فيه) – عند ذكر الإصطخري نقلا من طبقات ابن
الجزء 1 · صفحة 54
أبي يعلى - تعالى الله عن إفك الأفاكين والإمام أحمد برئ حتما من هذا القول الشنيع، فليسائل الأستاذ الناقد علماء الشام عن مبلغ أمانة بن بدران في التصحيح والتهذيب.
ولم يكن السافري إلا داعرا سافر الوجه أصبحت الدعارة خلقا فيه وملكة عنده رغم أنف هذا الناقد الذي يرى تبرئة ساحته ليجعل أبا حنيفة الإمام الأعظم ضالا مضلا وصاحبه أبا يوسف فاسقا من الفاسقين، وأصحاب أبي حنيفة أشبه الناس بالنصارى وهذا الهراء وحده يسقط من روى هذا الفحش مصدقا له وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع، فضلا عن اختلاق الأكاذيب.
وحكاية ابن أبي حاتم عن أبيه أنه صدوق على مصطلحه في مقدمة الجرح والتعديل أنه يكتب حديثه للنظر ليس إلا، وهو على كل حال ممن لم يدرس أبو حاتم أحواله كما ينبغي لتباعد داريهما راجع (266) من التأنيب. وصاحب (الطليعة) يلذه سماع مثل ذلك الفحش فيدافع عن أناس هلكى ليثبت فاحش كلامهم في أبي حنيفة عند المغفلين، غير حاسب حساب من لديه من رقيب عتيد، يحفظ أعماله، ويتعقب أفعاله، نسأل الله الصون من الزلل.
ومن عجائب صنع هذا الباحث أيضا: رميه إياي بأخص أوصافه من ادعاء التصحيف فيما لا يروقه من الروايات، فيجعل عبد الله بن عثمان بن الرماح المجهول في سند الخطيب - في صدد رمي أبي حنيفة بأنه يقول بفناء الجنة والنار مع تواتر الخلافة عنه
الجزء 1 · صفحة 55
عبد الله بن عمر، متزايدا في نسبه ما شاء من الأسماء، ومبدلا عثمان بعمر، ليلقي في روع السامع أن هذا الراوي حنفي يقبل قوله عند أصحاب أبي حنيفة فيلصق بالإمام هذا الاتهام، بل ابن عمر هذا أيضا مجهول الصفة، فلا يناهض خبره ما تواتر عن أبي حنيفة وصاحبه أبي مطيع في إكفار من يقول بفنائهما راجع (73) من التأنيب.
و من ذلك أيضا: قول الأستاذ: إن (ضاع) في شعر عبد الصمد بن المعدل محرف من (أطاع) في قوله في هجو أخيه: أضاع الفريضة والسنة وهذا تمحل ولو كان مراده هذا لقال: أقام الفريضة والسنة) لا (أطاع)، وإنما الطاعة الله ولرسوله لا للعمل، وهذا ظاهر. ثم مزاعمه فيما ذكرناه في تصحيف الخطيب للفظ (البتي) إلى (النبي)
من رواية تعيد الحق إلى نصابه ومحاولته تکذيب ما رويناه في ذلك بطريق السمعاني فمن طرائف صنعه في تكذيب أي خبر إذا لم يعجبه فلست أطيل الكلام معه هنا لظهور التصحيف في الرواية بما ذكرناه من الحجج هناك (87).
ودعوي حصول تحريف للنصوص مني بهت محض، على أن الذاكرة قد تخون في استذكار المعنى الحرفي فقول القائل: (كأنه ضعفه لا يفرق كثيرا من قوله (ضعفه) لكون الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف، وعلى الرجال بالثقة أو الضعف - في أخبار الآحاد - مبنيا على ما يبدو للناقد لا على ما في نفس الأمر، فظهر أن ذلك عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي (كأنه يغير الألفاظ) وقد بنى عليه الذم الشديد باعتبار أن ظن الناظر ملزم
الجزء 1 · صفحة 56
وقولي في مؤمل الذي اتخذه الناقد وسيلة تشنيع عليّ هو: مؤمل إن كان ابن إهاب فقد ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب، وإن كان ابن إسماعيل كما صرح به في بعض الطرق فهو متروك الحديث عند البخاري، وليس في هذه الطبقة مؤمل سواهما. وهذا ليس ببعيد من قول إبراهيم بن جنيد الذي حكاه عن ابن معين وهو (فكأنه ضعفه، والذاكرة قد تخون، فلا يجوز أن يرمي أحد بتعمد التحريف في مثل هذا الأمر، خاصة فيما يذكر عرضا من غير استناد كبير إليه، لأن المرجح هنا كون مؤمل هو ابن إسماعيل فيكون متروك الحديث، ولا سيما أن نقد أساطير استتابة أبي حنيفة من كفر أو زندقة أو بدعة غير منحصر في مؤمل وبسط ذلك في التأنيب (65).
والواقع أن من يسعى في تقوية روايات استتابة أبي حنيفة من الكفر والزندقة لا يستحق أن يخاطب ويلتفت إلى كلامه، لأنه ربما يكون ممن لا يعلم ما هو الكفر وما هي الزندقة أو البدعة؟ كهؤلاء المتقولين الذي يرمون أئمة الإسلام بالكفر والزندقة بأيسر سبب يعلو على مداركهم.
ولم يسأم الأستاذ الناقد من سرد أسماء رجال اقتصرت أنا على ذكر موضع الحاجة من تراجمهم محاولا بذلك أن بالتغيير والتبديل، مع أن قدر ما نقله عني في صلب رده من النصوص يكذبه أوضح تكذيب، فضلا عما أهمل ذكره من كلامي في الموضوع وللأمانة معيار خاص عنده.
وسبق أن قلت إن كلام ابن أبي حاتم في راو إنه (صدوق لا يبرر الاحتجاج به قبل البحث عما إذا كان له متابع أم لا، بل هو دون قوله إنه ثقة في اصطلاحه المسجل في أول كتابه ولكل اصطلاحه على أن الاعتداد بمثل تلك
الجزء 1 · صفحة 57
الكلمات إنما هو عند صدورها من أهل الشأن، لأن فاقد الشئ لا يعطيه ومن الغريب أيضا أن لا يبالي الأستاذ برمي مثل أبي يعلى الموصلي لراو بشهادة الزور، وأين هذا من التنافس بين الأقران؟!.
وكم قلت إني لا أستوفي كلام المتكلمين في راو طعن فيمن ثبتت إمامته وتواترت أمانته، بل أقتصر على موضع الحاجة في النقد في خبر هاتف تالف في سنده أناس هلكى، لأن المستفيض أو المتواتر لا يناهضه خبر في رواته مغامز، فمحمد بن فضيل لا يحتج به بعضهم في رواية ابن سعد، وهذا صحيح ولست بملزم بأن أنقل كل ما قيل فيه في خبر ظاهر البطلان وادعاء تبرئة مثله من بغض عثمان رضي الله عنه يحتاج إلى رواية من غير أمثال أبي هشام الرفاعي المعروف وإن لم أتعرض لهذا الاتهام في التأنيب.
ولا أرى باعثا لإطالة الكلام في ثعلبة القاضي بعد أن سجلت في التأنيب تضعيفه من كتاب الضعفاء لابن الجوزي وغيره، والكلام في سليم بن عيسى أشهر من أن يحتاج إلى إطالة الكلام فيه. وسبق قولي في عبد الله بن محمود المروزي، فلا أعيد الكلام فيه.
وأما محمد بن مسلمة فهو المخزومي حقا وفاتني ذكره أثناء طبع التأنيب وكنت استدركته بعض الطبع على نسختي، ونقل مني أصحابي إذ ذاك، ونص ما سطرته في نسحتي إكمالة للتعليق: وأما إن كان المخزومي فقد روي عن أبي حاتم توثيقه لكن تحاماه أصحاب الأصول الستة و (أحمد) وكفى في رد قوله ما ذكرته في (203) في التأنيب، لأن عد قول أبي حنيفة من قول الدجال وصرف الحديث إلى هذا المعنى تجرؤ على الحديث واستطالة على الواقع، فلا نتطلب ميزانا لتعرف قيمة
الجزء 1 · صفحة 58
مروياته غير قوله المحكي عند الخطيب.
وقاعدة ابن خزيمة وصاحبه ابن حبان في عد من لم يُرو جرح فيه في الطبقات الأول ثقة: طريقة يسلكها من يسلكها ويتنكبها من يتنكبها وهذا وجه عد المستورين ثقات عند بعض الأئمة، ولكن هؤلاء مجاهيل عند الجمهور فلا داعي إلى الدندنة حول ذلك.
وللشوكاني شيخ اللامذهبية جزء يستاهل فيه في الرواية عن المجاهيل ولا يخفى هذا على بلديه الناقد، ولقد أحسن الناقد صنعا حيث نقل بعض كلام في حديث العرنيين بنصه، وهو يناقض تجنيه علي بأني أطعن في بعض الصحابة رضي الله عنهم، فأين الطعن في هذا المنقول؟
وبسط القول في تخير أبي حنيفة بعض روايات الصحابة على بعضها في التأنيب والنكت الطريفة، ورأيه في ذلك الأقوال
من أمتن الآراء، وليس في هذا أدنى مساس بالصحابة أنفسهم وعد ذلك طعنا تقول قبيح، والمقارنة بين الروايات والموازنة بينهما شأنه من اتسع أفقه في العلم، كما أن محاولة رمي المرء بالطعن في الصحابة والتابعين وأئمة الدين من فقهاء ومحدثني مؤتمنين بمجرد المحاكمة بين الآراء: تهور أهل النزق.
و قول الأستاذ الناقد في مفتتح كتابه: (و تعدى إلى الطعن في أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي هشام بن عروة حتى نسب إليه الكذب من أدل دليل على أنه لا يتحاشى من أن ينطق بأبرز الافتراءات في الدعاية لما هو بسبيله، لأنه باطل بطلانا ظاهرا بشقيه، كباقي افتراءاته، لأن غاية ما عملت في أنس رضي أنس رضي الله عنه هو نقل مذهب أبي حنيفة في تخير بعض رواياته.
الجزء 1 · صفحة 59
وهذا مشهور في كتب أهل العلم، وليس في هذا مساس بأنس، وكبر السن أمر لا مهرب منه لمن يعيش، بل هو من نعم الله تعالى، وإن كان لا يدع حافظة المرء على ما كانت عليه في عهد الشباب.
وأما عملي في هشام بن عروة فهو عبارة عن نقل ما أخرجه الخطيب - قدوة الأستاذ الناقد – في (1: 223) بطريق الساجي من قول مالك فيه بعد رحيله إلى العراق، حيث قلت في (195) من التأنيب: (روى الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذاب.
قال: فسألت يحيى بن معين؟ قال: عسى أراد في الكلام أما في الحديث فهو ثقة). أهذا قولي أم قول مالك؟!! أيها الباهت الآفك!. ثم علقت هناك على هذه الرواية بقولي: وهذا من انفرادات الساجي، وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل، فلا يتخذ ذلك حجة، على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمور تتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في الموطأ). أهكذا يكون الطعن في هشام ونسبة الكذب إليه؟!! يا معلمي وباقي افتراءاته بالطعن في الأئمة من هذا القبيل.
فليحذر القارئ الكريم من أن يغتر بكلامه من غير رجوع إلى البحث في التأنيب، لئلا يشاركه في الإثم، وربما يعاد طبع التأنيب مع زيادات ليكون بمتناول يد كل باحث وقد نفدت نسخه من مدة بعيدة والله سبحانه هو الميسر، والتأنيب – بحمد الله سبحانه – من الكتب التي لا تحوج إلى سواها في الذب عنها لكون مسائله محبوكة الأطراف بأدلة ناهضة لا ينالها بسوء تشغيب المشاغبين، والله ولي
الجزء 1 · صفحة 60
الهداية.
و بسط الكلام في الرد على الأستاذ الناقد في جميع تقولاته إنما يكون بعد استنفاد ما في جعبته من السهام الطائشة، ولنا عود فعود إلى الموضوع إذا لزم بتوفيق الله جل شأنه.
ثم إن مذهب أبي حنيفة أيضا كما يقول ابن رجب في شرح علل الترمذي (رد الزائد إلى الناقص في الحديث متنا وسندا) وهذا احتياط بالغ في دين الله يرضاه من يرضاه وينبذه من ينبذه.
فعلى هذا ورد حديثان صحيحان في أحدهما زيادة اسم شخص بين رجال السند أو زيادة لفظ في المتن وفي الآخر نقصهما فأبو حنيفة يرد الزائد إلى الناقص في المتن والسند، فإذا استلزم نقص الاسم انقطاعا يعد الخبر منقطعا، قبله أن لم يقبله، باعتبار ما احتف به من القرائن والدلائل وكذا يفعل عند نقص لفظ من المتن. فإذا وقع في رواية عن راو لفظ (عن) أو (سمعت) في طريقين، يجعل الناقص هو المتعين فيعد ذلك عنعنة لا سماعا، فمثلا: إذا ورد في رواية حميد في طريق (عن) وفي طريق (سمعت) يعد رواية حميد هذه (عنعنة).
هذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة في مثل هذه المواضع فهل عرفت الآن يا معلمي مذهب الإمام لتقلع عن نسج الأوهام؟! وأما قبول المرسل أو المقطوع فموضوع آخر شرحه أهل الشأن في موضعه.
وكم قلت: إن ذكر ابن حبان لمجهول في ثقاته لا يرفعه من مرتبة المستور، فلا تبقى حاجة إلى التحدث عن مثل إسماعيل بن حمدويه وأما قولي في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: ليس بذاك القوي) فيكفي في إثباته إعراض الشيخين
الجزء 1 · صفحة 61
عن إخراج حديثه في الصحيح مع روايتهما عنه في خارج الصحيح.
أنا أحمد بن الفضل بن خزيمة وعلي بن محمد بن مهران السواق وجعفر بن، شاکر وجعفر بن محمد الصيدلي ففي حاجة إلى توثيق من سوى الخطيب وأمثاله من المتهمين في القضية ليلتفت إليه على أن السواق غير الصواف وكنت أظن أنه لا يخفى على مثل الأستاذ الناقد أنه لا يقبل قول المرء في قضية هو متهم فيها، فإذا هو يكثر الاحتجاج بقوله وقول أمثاله مع أنهم متهمون فيما نحن متنافسون فيه، وهذا غريب من مثله، ولا سيما بعد ثبوت التهمة ثبوتا لا مهرب من تصديقه بما أوضحناه في التأنيب.
و أما قوله في (أبي عمار (المروزي فناشئ من إفعاله النظر في جدول الإصلاح، وهو مضروب عليه هناك لكونه سهوا مطبعيا. ولا أريد التحدث عن ابن المنادى فإنه معروف وأما عبد الرحمن بن داود بن منصور فليس في تاريخ أبي نعيم توثيقه على أن فاقد الشئ لا يعطيه فلا ينفع هنا لا توثيق أبي نعيم، ولا توثيق أبي الشيخ، فكأن هذه القاعدة غير ممحصة في نظر الناقد، وأما إبراهيم بن سعيد الجوهري فذكرته في سند فيه ابن رزقويه وابن سلم بقولي:
لفظ فيه هما وإبراهيم الجوهري الذي رماه الحافظ حجاج بن الشاعر شيخ (مسلم) بأنه كان يتلقى وهو نائم، وابن الشاعر (رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم (الفضل) وأبو نعيم يقرأ وهو نائم - وكان الحجاج يقع فيه).
وهو معنى قولي لأنه لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه من غير أن يتكرر ذلك منه.
وإن كان لا بد من رد هذه الحكاية فليتذرع بكون راويها عن ابن الشاعر
الجزء 1 · صفحة 62
هو عبد الرحمن بن يوسف الرافضي كما فعل ابن حجر، ومن عنده ما يزيد على عشرين مجلدا في أحاديث أبي بكر رضي الله عنه يجب أن يذب عنه. وأما أحمد بن كامل، فأرى قول الذهبي فيه في الميزان كافيا في معرفة حاله لينه الدارقطني وقال: كان متساهلا ومشاه غيره، وكان من أوعية العلم كان يعتمد على حفظه فيهم).
وفي اللسان (1): (209) وقال حمزة عن الدارقطني: كان متساهلا ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه وأهلكه العجب. والمعنى واحد لأن الاعتماد على الحفظ مما يوقع في الوهم، وليس عادة النقاد أن يقولوا عما ليس في كتاب الراوي إنه عنده، فلا يكون سقوط (في كتابه مغير للمعنى ولا مقصودا، فهم الناقد أن لم يفهم.
و لم يذكر الناقد في النجاد وعبد الله بن المديني والحكيمي والعدني ما يوجب إعادة الكلام فيهم كما سبق، وأما الأصمعي فقد وثقه غير واحد في الحديث وأما أخباره ونوادره المدونة في الكتب ففيها كثير مما يرفض، وقد قال ابن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد سئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب. وقال أبو رياش: كان الأصمعي مع نصبه كذابا وقال: سأله الرشيد لم قطع علي يد جدك أصمع؟ فقال ظلما يا أمير المؤمنين وكذب عدو الله. إنما قطعه في سرقة.
وأطال أبو القاسم علي بن حمزة البصري في كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة الكلام فيه، ومما قال فيه: كان مجبرا شديد البغض لعلي كرم الله وجهه، وتكذيبه ليس بمنحصر فيما يروى عن أبي زيد الأنصاري بالقاهرة
وهنا انتهى ما أردت تحريره في هذه المرة بتوفيق الله عز وجل يوم الإثنين
الجزء 1 · صفحة 63
12 ربيع الآخر 1369 هـ، المحروسة حرسها الله ووفقني لما فيه رضاه وأنا الفقير إلى الله سبحانه محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري
غفر الله لي ولوالدي ولمشايخي ولسائر المسلمين وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
***