الجزء 1 · صفحة 5
الإفصاح عن حكم الإكراه في الطلاق والنكاح
للإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثرى الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين أما بعد فقد اقترح على بعض أهل العلم والفضل أن أتحدث عن قول أبي حنيفة في حكم الإكراه في الطلاق والنكاح مع تبيين وجه اندفاع رأى ابن حزم في ذلك فكتبت ما يسره الله سبحانه لى فى هذا الموضوع وسميته (الافصاح عن حكم الإكراه فى الطلاق والنكاح، ومن الله التوفيق والتسديد
فأما مسألة الإكراه عند أصحابنا فمشروحة شرحاً جيداً في الجوهر النقى ونصب الراية وعمدة العينى وبنايته وفيض البارى وعقود الجواهر المنيفة للمرتضى، وعلى كل حال المسألة خلافية بين السلف فلا محل لتهويل ابن حزم في المسألة كما سنلم به ان شاء الله تعالى، فأتحدث هنا عن المسألة اجمالا والله ولى التسديد فأقول:
قال ابن عبد البر في الاستذكار شرح الموطأ ـ وهو من محفوظات دار الكتب المصرية - وإجلال مؤلفه كلمة اتفاق بين العلماء حتى عند ابن حزم: كان الشعبي والنخعى والزهرى وابن المسيب وأبو قلابة وشريح في روابة يرون طلاق المكره جائزا وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثورى وكذا ذكرهم ابن المنذر فى الاشراف الا أنه ذكر بدل شريح قتادة
الجزء 1 · صفحة 7
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (¬1) أنه أجاز طلاق المكره، وأخرج عن الشعبي والنخعى والزهرى وقتادة وأبي قلابة أنهم أجازوه وأخرج عن سعيد بن جبير أنه بلغه قول الحسن: «ليس طلاق المكره بشيء، فقال يرحمه الله انما كان أهل الشرك يكرهون الرجل على الكفر والطلاق فذلك الذي ليس بشيء وأما ما صنع أهل الإسلام بينهم فهو جائز اه يعنى أنه نافذ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي والنخعى وابن المسيب وأبي قلابة وشريخ اه.
ومن علم منزلة ابن المسيب والزهرى فى فقهاء المدينة بل الشام ومنزلة النخعى وابن جبير والشعبي وشريح في فقهاء الكوفة ومنزلة فتادة وأبي قلابة بين فقهاء البصرة لا يتسرع إلى تخطئة من يرى هذا الرأى من أمثال أبي حنيفة والثورى وأصحابهما. وقد صح عن على كرم الله وجهه: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه أه علقه البخارى وأخرجه أبو القاسم البغوى في الجعديات وسعيد بن منصور فى السنن بسند صحيح كما فى فتح الباري (9-316
وقال البدر العيني في البناية شرح الهداية وفى عمدة القاري شرح البخارى: ان مذهبنا مذهب عمر وعلى وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم وبه قال الشعبي و ابن جبير والنخعى والزهرى وسعيد بن المسيب وشريح القاضى وأبو قلابة وقتادة والثورى وثبت ذلك عن عمر بن عبد العزيز أيضاً. قال الخطابي في معالم السنن 30 - 243»: قال أصحاب الشافعي في المكره: إنما لا يمضى طلاقه إذا ورى عنه بشيء مثل أن ينوى طلاقاً من وثاق أو نحوه كما يكره على الكفر
¬
(¬1) هذا ينافي أثر ثابت بن عياض في الموطأ فلينظر أيهما المؤخر
الجزء 1 · صفحة 8
فيورى وهو يعتقد بقلبه الايمان اه وقول مالك والشافعي وأحمد في تجويز النطق بالطلاق غير قاصد معناه عند الاكراه، فاذا قصد المعنى لزم أن يقع الطلاق حيث لا يتناوله الاكراه فليتأمل. وقال السهيلى فى الروض فى مذهب أبي حنيفة فى الاكراه: إنا لوجه الفقهي يؤيده اه
وقال الكشميرى فى فيض البارى (4-316» رخص الحنفية المكره بالتورية فاعتبروا توريته ديانة وقضاء وأما إذا استحمق ولم يور فيعتبرون طلاقه كما في شرح الوقاية اه فيكون هذا موافقاً لقول الخطابي في مذهب الشافعية. فلتنظر الآن في أدلة ابن حزم ونزواته: أما عزوه إلى عمر أن الطلاق بالاكراه ليس بطلاق ففي سنده عبد الملك بن قدامة الجمحي وأبوه، فعبد الملك ضعفه أبو حاتم، وقال أبو داود في حديثه نكارة، وقال الدارقطني يترك وقال البخارى يعرف وينكر، وقول ابن معين صالح لا يقوى أمام تلك الجروح. وأما أبوه فقد قال عنه ابن عبد الهادي في التنقيح إنه لم يدرك عمر اه، وروى أبو عبيد خلاف هذا عن عمر فقال: فرفع إلى عمر فأبانها منه وليس ذاك بأولى من هذا، فكيف يتمسك ابن حزم برواية مضطربة في سندها ضعف مع الانقطاع؟! بل فى سنن سعيد بن منصور عن فرج بن فضالة عن عمرو بن شراحيل عن عمر إمضاء طلاقها، ومثله عن ابن عمر رضي الله عنهما كما اعترف بهما ابن حزم وأخذ يؤولها من غير مبرر. والكلام في فرج في رواياته عن أشخاص خاصة وليس هذا منهم. وأما ما عزاه إلى على ففي سنده حماد بن سلمة وهو مختلط فلا يصح خبره عن غير ثابت حتى عند مسلم. وأما ما عزاه إلى ابن عمر وابن الزبير ففي سنده ابن عيينة اختلط قبل وفاته بمدة لكن تأيد بما فى الموطاً من أثر ثابت بن الأحنف وأما ماعزاه إلى ابن عباس ففي سنده هشيم وهو كثير التدليس وعكرمة مختلف فيه
الجزء 1 · صفحة 9
وعنعنة يحيى بن أبي كثير وهو مدلس مراسيله شبه الريح ولم يسمع من أنس فضلا عن ابن عباس رضى الله عنهم ولم يذكر سنداً لما عزاه لغيرهم حتى نتكلم فيه على أنه لاحجة فى قول الصحابة عند الظاهرية فكيف يحاول أن يحتج بقولهم هنا.
وأما حديث: (لا طلاق فى إغلاق) فمحتمل لمعان فلا يحتج به هنا.
وأما احتجاجه بحديث «إنما لكل امرى ما نوى، فلو بنى الأمر على النية دون اللفظ لوقع الطلاق والعتاق والنكاح والنذر وغيرها بالنية المجردة ولا قائل بذلك فسقط هذا الاستدلال، وأما تمسكه بحديث إن الله تجاوزلي عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فلا حجة له فيه على تقدير صحة الحديث، وقد قال ابن أبي حاتم عن طرق هذا الحديث: قال أبى هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت اسناده اه وقال محمد ابن نصر المروزي في الاختلاف: ليس له اسناد يحتج بمثله. وقال عبد الله بن أحمد في العلل ان أباه أنكر هذا الحديث جداً وقال أحمد في رواية الخلال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله. راجع بسط الكلام في روايات هذا الحديث ووجوه القول فيها في نصب الراية 2 - 64، والتلخيص 109» لأن تجاوز ظاهر في رفع الاثم لا رفع الحكم لأن من قتل خطأ فعليه الدية والكفارة بالنص، ومن جامع بالاكراه فعليه الغسل كما يترتب عليه فساد الحج والصوم وغير ذلك من الأحكام اجماعاً.
على أن هذا الحديث أخرجه ابن حزم بطريق الربيع المؤذن عن بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبيد بن عمير عن ابن عباس مرفوعا فحكم بصحته مع
الجزء 1 · صفحة 10
أن شيخ الربيع في هذا الحديث مختلف فيه وهو أيوب بن سويد عند الحاكم وبشر عند غيره وأيوب هذا ضعفه أحمد، وقال النسائى ليس بثقة وقال ابن معين ليس بشيء، والاقتصار على هذا ليس من الأمانة في شيء.
على أن ابن حزم كثير الأوهام فى الرجال وكثير الأغلاط في الأحاديث كما يظهر من تتبع كلامه فى مخالفة أئمة الهدى وكما يظهر في «القدح المعلى في الكلام على أحاديث المحلى، للحافظ قطب الدين الحلبي.
وأما حجة أصحابنا في المسألة سوى تلك الآثار المروية عن الصحابة رضى الله عنهم فاحاديث:
منها حديث أبي هريرة مرفوعا ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة حسنه الترمذي وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وقال الحاكم بعد أن أخرج الحديث بطريق عبد الرحمن بن حبيب: هذا هو ابن أردك من ثقات المدنيين أه. وغاية ما قال الذهبي في ابن أردك هذا فيه لين، لكن قال في الميزان: صدوق له ما ينكر اهـ. ومن الذى لا يكون عنده ما ينكر؟! وفي تهذيب التهذيب أنه ذكره ابن حبان في الثقات. فبعد أن وثقه ابن حبان والحاكم وقال الذهبي أنه صدوق وحسن له الترمذى يكون من التهور البالغ قول ابن حزم (10 - 204» فيه: أنه متفق على ضعف روايته بعد أن صف حديثه في صف الأحاديث الموضوعة ولم يقل فيه منكر الحديث سوى النسائي وهو معروف بالتشدد، على أن الحديث رواه أبو حنيفة مباشرة عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن ماهك وهذا سند كالجبل كما في مسند الحارثي من رواية الوليد بن مسلم عن أبي حنيفة عن عطاء بن أبي رباح عن
الجزء 1 · صفحة 11
ابن ماهك عن أبي هريرة رضى الله عنه، وهذا متابع أوى ان كان الحديث السابق في حاجة إلى متابع.
على أن ابن حزم يجهل الترمذى فيقول عنه من أبو عيسى؟ ويجهل أبن ماجه كما ذكرت في كثير من المواضع ولاسيما فيما علقت على شروط الأئمة. ومضمون هذا الحديث ان الاعتداد فى تلك المسائل بما ينطق به اللسان لا بما فى القلب المغيب عنا فيدخل النطاق بالطلاق في حالة الاكراه في أحد القبيلين حتما فلا معنى لمحاولة ابن حزم التملص من حكم هذا الحديث الصريح في هذا الباب (10-204)
ومنها حديث الطحاوى (2-57) فى معاني الآثار في قوله عليه السلام الحذيفة وأبيه حين حلفهما المشركون: نفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم. ومنها آثار الصحابة والاحاديث المرسلة فاننا تحتج بها.
وأما محاولته الرد على الأحاديث المرسلة فى هذا الباب بأنها مرسلة فنزعة ظاهرية حدثت بعد المائتين. فالأئمة المتبوعون على قبول المرسل ولا سيما عند تأييده بتعدد المخرج ونحو ذلك كما هو مشروح في موضعه. وهنا التأييد ظاهر مكشوف. والمتلاعب بالدين من تكلم فى الأدلة الناصعة بجهل، ورد الاحاديث المرسلة على الاطلاق، ونبذ آثار الصحابة رضى الله عنهم. وأما دعوى سقوط مادون الكفر بالاكراه بطريق الاولوية فغفلة عن أن الساقط عن الحكم عند الإكراه هو النطق باللفظ لا اعتقاد الكفر فيكون المسموح للمكره النطق باللفظ موريا لا قاصداً معناه كما سبق من الخطابي في مذهب الشافعي والكشميرى فى مذهب أبي حنيفة. وهناك أحاديث أخرى ضعيفة لكن يقوى بعضها بعضاً
الجزء 1 · صفحة 12
فيستأنس بها على أقل تقدير.
ثم ترك المرأة عند رجل لا يغار على عرضه فيخضع للاكراه لا يتناسب مع عز الإسلام الذي لا يقبل الخنوع والذلة فليحكم بانفصالها عن ذلك الرجل لتكون زوجة لرجل يعرف العز والكرامة والدفاع عن العرض، على أن الاكراه في أمر النكاح والطلاق يكون عند سيادة الفوضى ووهن سلطان الحكم، فاذ ذاك إذا لم يصل المكره إلى بغيته بطريق وقوع النكاح أو الطلاق يسعى للوصول إلى غايته بالقتل وهذا أضر الشرين، مع ما في ذلك الحكم بالوقوع من صون الانساب من الاختلاط. وعلى كل حال المسألة خلافية لا إمكان لجعلها اتفاقية للادلة المتقابلة فى المسألة وغاية ما يفعل ترجيح أحد القولين على الآخر بمرجحات تختلف فيها الأنظار. والله سبحانه أعلم.
في 11 من ربيع الأول سنة 1366