الجزء 1 · صفحة 5
الاشفاق على أحكام الطلاق
في الرد على «نظام الطلاق»
الذي أصدره الاستاذ أحمد شاكر القاضي
للإمام محمد زاهد الكوثرى الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وآله وصحبه أجمعين.
و بعد فلا يخفى أن مذاهب الأئمة المتبوعين يستمد بعضها من بعض في مسائل قضائية خاصة في أحوال خاصة، وقد ذكر فقهاء المذاهب وجه الأخذ بمثل تلك المسائل عند قيام ضرورة تحمل على ذلك. وليس معنى هذا المشى مع الهوى والخروج على مذهب أو على المذاهب كلها، بإقامة أنظمة مقام أحكام شرعية. كما جرى سير أهل الشأن عليه فى كثير من بلاد المسلمين استحسااً منهم لكل جديد وضعية، واستسخافا لكل قديم، مع أن كل أمة لا تتفاني في المحافظة على مفاخرها المتوارثة بينها فضلا عن أن تسعى جهدها لتندمج في غيرها من الأمم تكون قد أقرت بأنها ليست بأمة مجيدة ذات مفاخر متوارثة.
والفقه صلح لكل زمان ومكان في أيام مجد الإسلام فلا يعقل ألا يصلح لهذا الزمان الذي ظهر فيه للعيان مبلغ الخلل في أنظمة الغرب حتى أصبحت المجتمعات عرضة للانحلال من فساد تلك الأنظمة.
ومن المعلوم أن العامة إذا تركوا وشأنهم يبتكرون من الحيل ما يعرقل سير العدل في أحكام القضاة لكن لا يعجز القضاة النبهاء عن إقامة سياج يكفل حراسة العدل من أن تمسه يد محتال فى كل زمان وفى كل مكان. ولهذا المعنى يقول إياس بن معاوية: قيسوا القضاء ماصلح الناس فإذا فسدوا فاستحسنوا. وقال عمر ابن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
فاذا حدث مرض اجتماعى كالعبث بالطلاق مثلا يحلف هذا بالطلاق بدون سبب، ويطلق ذاك ثلاثاً مجموعة بلا باعث على الاستعجال، فليس دواء ذل مسايرة المرضى بتعبيد طرق لهم فى العبث بالطلاق. وإيقاع أنكحتهم في ريبة، بأن يقال لهم إن الحلف ليس بشيء. وإن الطلاق الثلاث واحدة أو
الجزء 1 · صفحة 7
ليست بشيء القول فلان ولرأى فلان بدون حجة ولا برهان، بل هذه المسايرة تزيد في فتك المرض بهم وتوجب اتساع الخرق على الراقع، وتزيل حكمة استباحة الأبضاع بكلمة الله سبحانه من حصول البركة فى الحرث والنسل بإقامة كلمة بعض المتفيهقين المتمجهدين» الذين ليس لأهوائهم قرار، مقام كلمة الله جل جلاله في ذلك، وليس بالأمر الهين الخروج عما يفقهه الأئمة المتبوعون إلى أقوال شذاذ، ماصدرت تلك الأقوال منهم إلا غلطاً، أو إلى آراء رجال متهمين أظناء يسعون في الأرض فساداً إذ زين الشيطان لهم سوء عملهم.
وهذه المسايرة هي التي أدت إلى تخلى الفقه عن كثير من أبوابه في المحاكم بأيدى أبنائه الذين عقوه، وليس ذلك ناشئاً من عدم صلاحية الفقه لكل زمان ومكان بدون تقويض دعائمه، أو قص خوافيه مع قوادمه.
ونرى اليوم بعض هؤلاء الأبناء لا يهدأ لهم بال قبل أن يقضوا على البقية الباقية فى المحاكم من الشرع، باسم الشرع عن مخاتلة، مسايرة منهم للمرضى، ومتابعة لأهواء المستغربين من أبناء الشرق فى حين أننا كنا نؤمل جداً من حلول عهد استعادة الحقوق كاملة غير منقوصة أن يعاد النظر في الأنظمة كلها، وأن يصلح ما يحتاج منها إلى الإصلاح بعدد الفقه الإسلامي كما هو الجدير بحكومة بيدها زعامة العالم الإسلامى، ولم يزل ذلك أملنا.
وأما تحميل الأدلة من الكتاب والسنة مالا تحتمله من المعانى، والتظاهر مظهر الاستدلال بهما على أنظمة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا يفيدان سوى تلبيس مكشوف، ومخادعة يشف ستارها الرقيق عما تحته. والمنتدبون لتشكيك المسلمين في دينهم بالمرصاد، لا تفوتهم أية فرصة من غير أن ينتهزوها في وصم الفقه بأعمال هؤلاء المتفيهقين، والفقه براء منهم ومن أعمالهم. وها هو ذا قد ألقى بعض أساتذة الجامعة المصرية من المستشرقين ثلاث محاضرات عن تاريخ الفقه الإسلامي منذ سنة وأكثر، وهو يقول في آخرها:
((وعلاقة أخرى بين الشريعة الإسلامية والتشريع المدنى تخالف كل ما تقدم مخالفة تامة، توجد فى الدور الأخير من تاريخ الشرع، وهو دور تطوره المعاصر وحسبنا أن نذكركم بالتعديلات التي أدخلت منذ سنة ألف وتسعمائة وعشرين على الأحوال الشخصية في مصر» اهـ.
وفي ذلك عبرة بالغة لمن لا يغفل مغزى هذا الكلام، يريد أن يقول ها أنتم أولاء رأيتم إقحام
الجزء 1 · صفحة 8
أحكام في الشرع وإن حاكوا حولها أقوالا عن أناس لتغطية مصدر الأحكام الجديدة الغريبة عن الشرع، والحاضر دليل الغابر.
وكم عندنا من ذكريات أليمة في هذا الصدد لا يفيد ذكرها هنا غير تجديد الألم وقد بلغنى منذ مدة أن بعض القضاة أذاع رسالة يقترح فيها ما هو قاض على البقية الباقية فى محاكم القطر من الفقه المتوارث بين طوائف الفقهاء المستمدين من الكتاب والسنة، فأكبرت ذلك ممن يعد نفسه من قضاة الشرع، ثم فكرت في الرسالات القائمة فى البلد على غير طراز رسالة رسل الله، وقلت في نفسي لعل تلك الرسالة مبعثها على قلمه ولسانه وفكره وجنانه ليس من مجمع فقهى، بل من محفل غربي مستشرق، أصله غرس يد الأسباط، وفرعه بوادى النيل يعيش بمدد الأقباط.
وبينما أنا ناظر إلى هذا الحدث هذا النظر، وأعتبر بما ينطوى عليه من العبر إذ بعث القدر بتلك الرسالة إلى مرأى منى ومنظر، فقلبت أوراقها، وتصفح صفحاتها فاذا الخبر يصدق الخبر.
وأول ماوقع عليه نظرى اسم الرسالة على ظهرها المرسوم بخط أعجمي ينبيء عن عجمة ماحوته، وقد ركبت على الاسم المذكور آية إلهية تقذف به إلى الهاوية، يجذبه عمله الطالح إلى حيث تكون الكلمات السافلة من الدرك الأسفل، يخيل إلى الناظر من هذا المظهر وذاك المخبر، أن بومة غربية حلقت على سماء المسلمين ترفع صباحاً منكراً وهى تقول: وها هو نظام وضعى يسد مسد الأحكام الشرعية في الطلاق، وقد انتهى زمن الحكم بها في محاكمكم.
ومن المعلوم أن النظام والقانون من الكلمات المصطلحة في الدساتير الوضعية التي لا تستمد من الأحكام الشرعية، وأنهما لم تردا في الكتاب ولا في السنة ولا تداولهما الفقهاء فكأن المؤلف اعتبر الأنظمة الوضعية والأحكام الشرعية من واد واحد، وعد ما نعتقده نحن مستمداً من الكتاب والسنة فقط ونسميه شرعياً، من طراز النظام الوضعى يتغير ويتبدل بين حين وآخر.
والحق أن حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد مثلا بعد أن اعتبره المسلمون على اختلاف طوائفهم بينونة مغلظة، استناداً على الكتاب والسنة من صدر الاسلام إلى القرن الحاضر. إذا شاهد متهوس تغييره بجرة قلم من البينونة المغلظة إلى الواحدة الرجعية، فلا عجب فى أن يجترى ذلك المتهوس على اقتراح إلغاء الحكم بالمرة فى عصر مدت الفوضى أطنابها على مقومات الجماعة، وحدثت نفس كل من يعرف لسان أمه بالتسلق على قمة الاجتهاد، ومفاجأة الناس بآراء تهد كيان الأمة.
الجزء 1 · صفحة 9
وبعد اسم الرسالة استعرضت ما فى تصديرها فإذا مؤلفها يتبجح في تمهيد رسالته بأن والده الجليل - بعد أن تحنف لأجل القضاء - كان هو أول من خرج على المذهب بإقامة أحكام من خارج المذهب مقام أحكام في المذهب، مع أنه كان في غنية عن هذا التبديل والتغيير بإنابة عالم مالكي مثلا في حسم المشكلة التي ذكرها.
ونحن نعلم جيداً أن أخطر آفة على الفقه من ينخرط لأجل المال في سلكه، بدون أن يتذوقه تذوق أهله. وبعد أن ذكر منقبة والده من حيث إنه كان أول مبتكر لعمل الخروج على المذهب، تخيل أن يكون هو بهذا الاقتراح قدوة كوالده في الخروج لكن لا في الخروج على مذهب فقط كما فعل والده، بل في الخروج على المذاهب كلها وعلى الأمة جمعاء؛ ولو فكر قليلا لعدل عن هذا التمهيد بملاحظة أن أهل الشأن ربما لم يبلغ بهم الافتتان بالغربيين إلى حد أن يعرضوا عن الفقه المتوارث بالمرة تبعاً لكل متهوس، على أن شهادة الشبل للأسد يجب ألا تخفى قيمتها على من انخرط في سلك القضاء. وذلك الأسد أطال الله بقاءه - لم يدخل بعد في ذمة التاريخ، وإليه فقط تقدير أعماله في الأزهر، ووكالة الأزهر، وقضاء السودان، والمجلس التشريعي، والمحافل الماسونية، وإليه فحسب تقدير ماجادت به قريحته من مؤلفات، ومقالات عموريات - كما أن تقدير أعمال أبى الأشبال ليس إليهم، بل هو أيضاً إلى التاريخ في حينه بعد عمر طويل تحسن عواقبه بالإنابة والتوبة مما جنت يداه في رسالته هذه خاصة من المخالفة لكتاب الله وسنة رسول الله وإجماع فقهاء هذه الأمة رغم تقول الزائغين، كما ترى انبلاج الصبح عن قريب.
فياسبحان الله!!! كيف يتصور أن يغلط جمهور الصحابة والتابعين وتابعيهم وجمهرة فقهاء الأمصار على توالى القرون إلى يوم إصدار المؤلف رسالته في فهم اللغة العربية، وألا ينتبهوا في دور من الأدوار، إلى أن ذكر الثلاث في إنشاء الطلاق يكون محالا لالغوا فقط، وقد اختص هذا المؤلف الفذ بالاهتداء إلى الحق في ذلك بعربيته القحة التي لم تمسسها عجمة بين أقباط وادى النيل، ولا لحقتها هجنة من رطانة أسباط بني إسرائيل، وبفقهه الذى لم ينقل مثله عن أحد من علماء السنة نقلا صحيحاً صريحاً، ولا ارتضى فى نحلة من النحل إلا عند الروافض والاسماعيلية الذين يؤلهون الأئمة - ومنهم العبيديون - فحرام ألف حرام على من يرتبك في وجوه دلالة الكتاب هذا الارتباك، ويتخبط فى الحديث والفقه وأصولها هذا التخبط أن يكتب في دقائق الفقه والحديث ظناً منه أن اقتناء عدة كتب مغلوطة مصحفة من مطبوعات الهند ومصر فى العلمين يصعده إلى قمة الاجتهاد من غير أن تكون مواهبه تساعده على
الجزء 1 · صفحة 10
السباق فى هذه الحلبة، وبدون أن يكون تعلم العلمين على أستاذ يدربه عن كفاءة وخبرة"، وقدماً قال الشاعر:
ما العلم مخزون كتب ... لديك منها الكثير
لا تحسبنك بهذا ... هذا يوما فقيها تصير
فللدجاجة ريش ... لكنها لا تطير
والانفراد عن أهل العلم برأى في الشرع، والقول بما لم يقل به أحد فيه ينبئان عن خلل في العقل، وقد روينا في فضائل أبي حنيفة وأصحابه لا بن أبي العوام الحافظ بسنده إلى زفر بن الهذيل أنه قال ما معناه: (إنى لا أناظر أحداً حتى يسكت، بل أناظره حتى يجن. قالوا كيف ذلك؟ قال: يقول عما لم يقل به أحد).
وأرى من الواجب الدينى أن أوصيه - إن كان التيه أبقى عنده من العقل بقية صالحة للتعقل - أن يترك الكتابة في الفقه والحديث لأنه استبان من كتاباته ما يقضى عليه قضاء لامرد له بأنهما ليسا من صناعته، والعاقل يترك مالا يحسنه. وقد قال الشاعر العربي:
خلق الله للحروب رجالاً ... ورجالا لقصعة وثريد
والغلط فيهما غلط في الدين، والطيش فيهما هلاك في الدنيا والآخرة. وكفاه أن يحافظ على القضاء الذى ساقه القدر إليه مع الإنابة والتوبة مما بدر منه ونحن نتكلم هنا - حيث لم أو من تكلم - على بعض مواضع من مواطن زينه في الرسالة كلاما يجلو إن شاء الله تعالى عما وراء الأكمة تحذيرا للجمهور من الاغترار بكلامه انخداعا منهم بما يتلوه من الآيات في غير متناولها بتأويلات ليس هو على علم من مدخلها ومخرجها، وانجذابا إلى ما يسرده من الأحاديث في غير مواردها من غير أن يفقه معانى متونها، ويعرف رجال أسانيدها كما هو شأن من يحاول تلقى الفقه والحديث وسائر العلوم من الصحف بدون أستاذ يرشده في مواقع الخطل، وإلى بحول الله سبحانه وتوفيقه، لا أدع لهذا «المتمجهد) موطئ قدم يستقر عليه لحظة فيها أناقشه من المسائل، وذلك لأن من صادم الحق لا يكون عنده حجة أصلاً. وقد سميت ما كتبته في هذه الأوراق (الإشفاق، على أحكام الطلاق) والله سبحانه ولى الهداية وعليه الاعتماد فى البداية والنهاية وهو حسبى ونعم الوكيل.
الجزء 1 · صفحة 11
هل يحل الطلاق الرجعي عقد النكاح
قال مؤلف الرسالة (فى ص 14 - 15: القاعدة العامة في المقود أنها تلزم كلا من الطرفين ما التزم به من حقوق في العقد ... والطلاق يزيل عقد النكاح سواء الرجعي وغيره قال ابن السمعاني: الحى أن القياس يقتضى أن الطلاق إذا وقع زال النكاح كالعتق لكن الشرع أثبت الرجعة في النكاح دون المتن فافترقا ا هـ.)
أقول: أراد مؤلف هذه الرسالة أن يفرع على تلك القاعدة عدم جواز انفراد الرجل بالطلاق لولا إذن الشارع فتتقيد صحة طلاقه بالإذن حتى إنه إذا طلق على صورة تخالف الوجه المأذون به يكون طلاقه باطلاً لأنه لا يملكه وحده بطبيعة التعاقد، وأن الطلاق الرجعي إذا جعل النكاح محلول العقد لا تكون المرأة محلا لوقوع الطلاق الثاني والثالث ولو فى العدة، وعليهما بنى جل مافي اقتراحه، لكن أستغرب ممن يدعى الأخذ بالكتاب والسنة فقط أن يفتتح اقتراحه برأى فج في مورد النص، وإن كان يريد التفلسف فى هذا خاصة، وأراد أن ينحاز إلى أهل الرأى لحظة، يجب ألا يعزب عن علمه أن المسلم لا يملك شيئا بطبيعة التعاقد بل. بتمليك الله إياه، وأن المرأة حينما قبلت الزواج من غير أن تشترط الخيار لنفسها عند ما يعمل بعلها كيت وكيت وهى تعلم أن الزوج له حق طلاقها متى شاء فقد التزمت إيقاع الزوج طلاقها متى شاء، فإذن يكون إلزام الطلاق على المرأة بالتزامها، وليس في ذلك إلزام ما لم تلتزمه حتى تكون لمثل هذا الرأى أي قيمة، فلا يمكن أن يبنى على هذه القاعدة المستقعدة ما أراد أن يبنيه عليها، لأنها على جرف هار، وكذا القول محل الطلاق الرجعي لعقد النكاح فإنه رأى باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وخارج عما يفقه أئمة الدين، فالله سبحانه وتعالى يقول في حق المطلقات رجعياً: (وبعولتهن أحق بردهن (فقد عد الله رجالهن أزواجا لهن مادامت العدة قائمة، وجعل لهم حق إعادتهن إلى الحالة الأولى، وهذا المتمجهد» يزعم أنه لا زوجية بينهما، وإذا حاول أن يتمسك بالرد فسيفاجئه من الرد ما يفهمه أنه كفريق يتمسك بكل حشيش، وكذلك يقول الله جل شأنه: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف) فالامساك هو استدامة القائم لا إعادة الزائل، فدلت الآيتان على أن النكاح باق بعد الطلاق الرجعي إلى أن تنقضى العدة، وكذلك يدل على ما ذكرنا الأحاديث الواردة في طلاق ابن عمر ولا سيما رواية جابر فى مسند أحمد بلفظ (ليراجعها فإنها امرأته) على تقدير صحة هذه الرواية كما يدعى مؤلف الرسالة، لأنه نص في أنها لم تزل امرأة له بعد إيقاع الطلاق الرجعى عليها. والمراجعة إعادة المرأة إلى حالتها الأولى من المعاشرة الزوجية بعد جعلها بحيث تبين على تقدير انقضاء العدة قبل
الجزء 1 · صفحة 12
العود إلى المعاشرة. وهذا معنى شرعى لها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم كالصلاة والصيام والزكاة والحج ونحوها، ومن حاول أن يشاغب بالمعنى اللغوى لها فقد نطق خلفاً لأنه إذا كلم الرجل المرأة فى شىء يقال إنه راجعها لغة، والأحاديث التي وردت هي فيها لا يصح أن يراد منها غير العود إلى المعاشرة الزوجية، فلا إمكان المشاغبة في ذلك، على أن العود إلى معاشرتها بدون عقد يؤدى إلى أن تكون المعاشرة بينهما غير شرعية لو لم يكن العقد قائماً، ثم وجوب النفقة والسكنى وإحراز إرث الزوجية عند الوفاة قبل انقضاء العدة، وانفراد الزوج بحق الرجعة، كل ذلك من الدليل على دوام الزوجية بينهما بعد الطلاق الرجعي. على أن قول ابن السمعانى في القواطع، بمعنى أنه لو لا الصوارف من الكتاب والسنة وإجماع الأمة لاعتبر زوال النكاح مقتضى القياس. فمن الذى يقول بالقياس مع الاعتراف بقيام النصوص ضده بل مع الإقرار بوجود فارق بين المقيس والمقيس عليه، فانهد بهذا البيان الوجيز ذاك الأصل المصطنع الخيالي، فبانهداده انهد ما حاول أن يبنيه عليه من العلالي والقصور، فماذا تكون قيمة قول جدلى مغلوط فيه أمام تلك الرواسي من الحجج. تقسيم الطلاق إلى مسنون وغيره
قال مؤلف الرسالة فى (ص 16: لم تدل الآيات والاحاديث على طلاق مسنون وطلاق غير مسنون وإعادات على طلاق بأوصاف خاصة وشروط معينة أذن به الشارع فمن أوقعه على غير هذه الشرائط والاوصاف كان قد تجاوز ما أذن له فيه وأنى يعمل لا يملكه إذ لم يؤذن به من الشارع فكان لغواً فلم يجز لنا إثباته أصلا إلا على هذه الشريطة وبهذا الوصف اهـ).
أقول: غريب ممن تعود تقليب أوراق كتب الحديث أن يزعم هذا!!! وقد ذكر مالك في الموطأ ما هو طلاق السنة وكذلك البخاري في صحيحه، وباقي أصحاب الصحاح والسنن، وفقهاء هذه الأمة من كل طائفة حتى ابن حزم في المحلى، وأدلة ذلك كثيرة جداً - منها ما رواه شعيب بن رزيق وعطاء الخراساني عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرأين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن عمر ما هكذا أمرك الله قد أخطأت السنة، السنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء. فأمرنى فراجعتها فقال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك. فقلت يا رسول الله: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً أكان يحل لى أن أراجعها؟ قال: لا كانت تبين منك وكانت معصية .. رواه الطبراني قال: (حدثنا على بن سعيد الرازي. حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصى. حدثنا أبى. ثنا شعيب بن رزيق. قال: حدثنا الحسن) الحديث. وأخرجه الدار قطني بطريق معلى بن منصور، وحاول عبد الحق إعلاله بمعلى وليس بذاك. وقد روى
الجزء 1 · صفحة 13
عنه الجماعة، ووثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة وأخرجه البيهقى بطريق شعيب عن عطاء الخراساني، ولم يعله إلا بالخراساني، وهو من رجال مسلم والأربعة، وما يرمى به من الوهم فى بعض حديثه يزول بوجود متابع له، وقد تابعه شعيب في رواية الطبراني. ويروى هذا الحديث أيضاً أبو بكر الرازي عن ابن قانع عن محمد بن شاذان عن معلى، وسماع أبى بكر من ابن قانع قبل اختلاطه قطعاً، وشعيب يرويه مرة عن عطاء الخراساني عن الحسن، وأخرى عن الحسن مباشرة، وهو ممن لقيهما جميعاً. وروى عنهما سماعا، والظاهر أنه بعد أن سمعه من عطاء سمعه من الحسن، فروى مرة عن عطاء وأخرى عن الحسن كما يقع مثل ذلك لكثير من الرواة على ما يذكر فى جامع التحصيل لأحكام المراسيل للحافظ أبي سعيد العلائي. وأما محاولة الشوكاني لتضعيف شعيب بن رزيق فبتقليد منه لابن حزم، وهو هجام جاهل بالرجال كما يظهر (من القدح المعلى، فى الكلام على بعض أحاديث المحلى) للحافظ قطب الدين الحلبى، وشعيب قد وثقه الدار قطنى وابن حبان، وأما رزيق الدمشقي كما وقع فى بعض روايات الحديث فمن رجال مسلم. وأما على بن سعيد الرازي فقد عظمه جماعة منهم الذهبي، وصرح الحسن بسماعه من ابن عمر، وقيل لأبي زرعة: الحسن لقى ابن عمر أقال نعم.
والحاصل أن هذا الحديث لن ينزل عن مرتبة الاحتجاج مهما احتوشت حوله شياطين الشذوذ، والأدلة فى هذا الباب كثيرة جداً في الأصول الستة فضلا عن باقى كتب الحديث، فعلم من ذلك أن من خالف السنة يقع طلاقه مع مخالفته للأمر لأن النهى لطارىء لا ينافي المشروعية الأصلية كما فصل في علم الأصول كالصلاة في الأرض المغصوبة والبيع عند النداء لصلاة الجمعة.
أما الطلاق فإنه إزالة ملك النكاح، ورفع تقييد حرية المرأة، وإنما شرع تقييدها ابتداء برضاها لمصالح دينية ودنيوية رأيا ترتبها عليه، فإذا علم الرجل انقلاب تلك المصالح إلى المفاسد فله أن يرفع هذا التقييد حتى تعود المرأة إلى حالتها الأولى، فالطلاق مشروع الأصل بالكتاب والسنة، وإنما أمر الشارع الرجل أن يفرق الطلقات الثلاث التي يملكها على الأطهار التى لا وطء فيها ليكون طلاقه اياها في زمن الرغبة لتتأكد حاجته إلى الفراق وليكون أبعد عن الندم مع ما في الطلاق أثناء الحيض من إطالة مدة العدة على المرأة، وتلك طوارى، لا تخل بأصل المشروعية، فإذا جمع الرجل الطلقات الثلاث فى حيض أو طهر جامع فيه فإنما يوجب إيقاعها مجموعة فى حيض أو طهر جامع فيه الاثم، ولا يمنع الاثم الطارى، ترتب الأثر عليه كالظهار فإنه منكر من القول وزور ولم يمنع ذلك من ترتب أثره عليه، ولسنا في حاجة إلى قياس مع وجود النص على ما قلنا فى الكتاب والسنة وإنما ذكرنا الظهار تنظيراً لا قياساً.
الجزء 1 · صفحة 14
وقول النبي عل الله أخطأت السنة. بمعنى الطريقة التي أمر الله سبحانه إجراء الطلاق عليها، لا السنة التى يثاب عليها الفاعل، لأن الطلاق ليس بأمر يثاب عليه المطلق، وكذا المراد فى طلاق البدعة ليس بمعنى ما أحدث بعد الصدر الأول على خلاف السنة، بل بمعنى ما خالف الطريقة المذكورة، لأن الطلاق في الحيض وإيقاع الثلاث مجموعة مما وقع في عهد النبي كما نذكر نصوص الأحاديث الدالة على ذلك عند ذكر الحجة على وقوع الثلاث مجموعة، ومن نازع فإنما ننزع في الإثم لا فى الوقوع. وصحة الثلاث مجموعة، وصحة الطلاق فى الحيض على حد سواء، وليس عند من يحاول أن ينازع فى هذه أو فى تلك دليل ولا شبه دليل، كما يتضح من الأدلة التي نسوقها في البحثين الآتيين.
و إنما ضرب الطحاوى مثلاً بالصلاة ليقرب إلى ذهن المتفقهة وجه الفرق بين الدخول في العقد والخروج منه لا لأجل أن يقيس الطلاق على الصلاة، وليس هو في حاجة إلى القياس مع وجود النصوص من الكتاب والسنة فلا معنى لما يقوله مؤلف الرسالة، والاعتراض صحيح والإجابة عنه باطلة فإنها قياس للعقود على العبادات، والعقد تعلق به حق الآخر على أنه لا مانع من القياس لو أراده الطحاوى لأنه قياس للخروج من النكاح بما لم يؤمر به، على الخروج من الصلاة بما لم يؤمر به، والطلاق حق متمحض للرجل، وإنما حق المرأة في المهر وما إلى ذلك، ولا فارق مؤثر في صحة القياس إلا عند خياله الذى اصطنعه. وقوله بعد أن ذكر حديث الحاكم والترمذى فى سبب نزول (الطلاق مرتان): «وكلا الإسنادين عندى صحيح» من الدليل على أنه بلغ مرتبة الاجتهاد في الحديث أيضاً لا في الفقه فقط في حين أن بلوغ أمثال ابن حجر من المتأخرين لتلك المرتبة موضع نظر.
فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟!!
ولو كان للبحث فى سبب نزول الآية المذكورة غرض يتعلق بما نحن فيه لكنت أريه أين تكون الصحة، نسأل الله السلامة.
صحة الطلاق في الحيض:
قال: (فى ص 24: وروايات هذا الحديث وألفاظه كثيرة في كتب السنة يعنى حديث ابن عمر في طلاق امرأته وهي حائض - وفيها خلاف شديد في احتساب الطلقة التي طلقها ابن عمر فى الحيض حتى كادت تكون اضطرابا. بل ألفاظها مضطربة (ص 26) فيرجح رواية أبي الزبير (فردها على ولم يرها شيئا، بموافقتها لظاهر القرآن والقواعد الصحيحة ويؤيد صحة رواية أبي الزبير (ص (??)
الجزء 1 · صفحة 15
روايته سماعا عن جابر في مسند أحمد (ليراجعها فانها امرأته (وهذا إسناد صحيح وابن لهيعة حجة ثقة، ورواية المعنى (ص 26) عن محمد اين بشار «لا يعتد بذلك، وهذا إسناد صحيح جداً. وقد فهموا من قوله «وهى واحدة في حديث ابن وهب أن الضمير يعود إلى تلك الطلقة حتى أن ابن حزم وابن القيم لم يجدا مخلصاً من هذه الحجة (في احتساب طلقة الحيض (إلا أن يزعما الادراج والصحيح الواضح إرجاعه إلى الطلقة في قبل العدة فيسكون دليلا على بطلان الطلاق فى الحيض ومؤيدة لرواية أبي الزبير ص ??، والمراد بالمراجعة هنا المعنى اللغوى للحكامة وأما استعمالها في مراجعة المطلقة الرجعية فانما هو اصطلاح مستحدث بعد عصر النبوة (ص 30) اهـ.
أقول قد صرح المؤلف فى (ص ??) بأن الطلاق في الحيض غير صحيح ولا أثر له، وهذا متابعة منه للروافض ومن سار سيرهم، وتلاعب بما صح من الأخبار في الصحيحين وغيرهما بشهادة الحفاظ الأثبات، وقول بالتشهي، ومحاولة لتقوية المنكر بما لا يقويه بل بما هو أنكر منه بين قادة النقد، ودعوى الاضطراب في الأحاديث التي خرجها أصحاب الصحاح تدل على وقاحة بالغة واضطراب في عقل مدعيه وقد بوب البخارى على وقوع طلاق الحائض في صحيحه حيث قال: (باب إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق (بدون أى إشارة إلى خلاف في ذلك، وساف حديث ابن عمر في طلاق امرأته وهي حائض ولفظه (مره فليراجعها) ونص مسلم أيضا على احتساب تلك التطليقة حيث قال: وحسبت لها التطليقة التي طلقها.
وكذلك حديث الحسن عن ابن عمر وقد سبق ذكره مع إسناده. ومن استعرض الأحاديث التي ورد فيها لفظ المراجعة في الصحيحين وغيرهما لا يشك لحظة أن هذا اللفظ من الأوضاع الشرعية في عهد النبي كالطلاق وغيره، ولم يحدث فيه اصطلاح ستحدث بعد عهد النبوة أصلاً، وكل ما وقع في أحاديث الطلاق من الارتجاع والرجعة والمراجعة فهو بالمعنى الشرعى، أعنى العود إلى المعاشرة الزوجية بعد إيقاع الطلاق الرجعى، بل كل ما وقع فى نصوص الفقهاء من هذا القبيل على طبق ماورد في الأحاديث لفظاً ومعنى، وقد سبق عدم صحة إرادة المعنى اللغوى الذى يتحقق إذا حادثها في شيء، في أحاديث الباب، وابن القيم لم يجنح إلى منع كون المعنى الشرعى مراداً من المراجعة خجلاً من الأحاديث المائلة أمامه التي لا تحتمل غير المعنى الشرعى أصلاً، وربأ بنفسه عن أن يتكلم بمثل هذا المنع غير المجدى أصلاً في التشغيب الساقط عند حملة الحديث أنفسهم فضلاً عن الفقهاء.
وحيث أن الشوكاني أوسع خطوا فى الزيغ، وأقل إدراكا لمواطن الافتضاح، لم ير بأساً في سلوك
الجزء 1 · صفحة 16
طريق منع كون المعنى الشرعي مراداً من اللفظ المذكور، في رسالته في الطلاق البدعى، ومؤلف الرسالة حول هذا المنع إلى صورة دعوى غير منتبه إلى أنه يطالب بالدليل عليها، ويسأل عن تحديد زمن بعد زمن النبوة لحدوث الاصطلاح المستحدث الذى يدعى حدوثه مجترنا على الدعاوى من غير بينة كابن حزم، من غير نظر إلى صحة الأخبار في احتساب الطلقة في حالة الحيض وهي تقضى قضاء لامرد له بأن المراد من المراجعة المعنى الشرعي حتما.
فالأمر بالمراجعة في تلك الأحاديث يفيد بمفرده وقوع الطلاق في حالة الحيض بلا شك، فكيف وقد صحت الأخبار فى احتساب الطلقة في تلك الحالة كما سبق. وأما التراجع في الآية فأنما ذكر فيها إذا احتاج الأمر الى عقد جديد بينهما وليس ذلك مما نحن فيه. ومن أحاط خبر بالأحاديث الواردة في طلاق ابن عمر، بل بالنبذة اليسيرة التي ذكرها ابن حجر فى الفتح، ولا سيما حديث شعبة عند الدار قطنى وحديث سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عنده أيضاً، يجزم أن المراجعة في تلك الأحاديث بالمعنى الشرعى فقط، وهو العود إلى المعاشرة الزوجية بعد الطلاق الرجعي والحقيقة الشرعية هى المتعينة إلا عند وجود صارف ولا صارف، وابن القيم حيث كان مستحضراً لتلك الأحاديث لم يرض لنفسه أن يظهر بمظهر الإنكار للمعنى الشرعى مكابرة، حيث لا مجال للانكار، بل حاول أن يثبت للمراجعة ثلاثة معان في الشرع وهى: النكاح، ورد الهبة الجائرة، والعود إلى المعاشرة الزوجية بعد الطلاق الرجعى، حتى يصح له أن يقول هذا مشترك محتمل، وعند الاحتمال يسقط الاستدلال، لكن فاته أن نسبة المراجعة إلى الزوج قياما، وإلى الزوجة وقوعاً تعين معنى العود إلى المعاشرة بعد الطلاق، فلا يرد الاعتراض بالاشتراك على أنه نسى أن كلامنا في لفظ المراجعة كما وقع في تلك الأحاديث لا التراجع الذي وقع في كتاب الله بمعنى النكاح، ولا الأرجاع الذي وقع في حديث رد الهبة الجائرة، ثم جاء الشوكاني وسلك طريق عدم تسليم إرادة المعنى الشرعي في تلك الأحاديث معتبراً بأن المعنى اللغوى أعم في رسالته في الطلاق البدعى، لتوغله في المماحكات الزائفة، التي استفادها من كتب العجم، التي درسها هو دون ابن القيم، وفاته أن الحقيقة الشرعية هي المتعينة في الكتاب والسنة باتفاق بين أهل العلم، فلا مجال لمنع إرادتها، بعد الاعتراف بثبوتها، ثم أوغل في التخريف، والتحريف حيث أنكر في نيل الأوطار، أن يكون المراجعة معنى شرعى، مكابرة وظناً منه أن إغفال الأحاديث التى هى نصوص فى المعنى الشرعى فيما نقله عن فتح ابن حجر يكفي في إضلال ضعفة أهل العلم، ولا يوجد من يكشف الستار عن وجوه خيانته في النقل، فسله لماذا لم ينقل قول ابن حجر فيه: وعند الدار قطني في رواية شعبة
الجزء 1 · صفحة 17
عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة: فقال عمر يارسول الله أفتحتسب بتلك الله التطليقة؟ قال: نعم، ورجاله إلى شعبة ثقات، وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (وثقه ابن معين وغيره) عن عبيد بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رجلا قال: إني طلقت امرأتى البتة وهى حائض. فقال: عصيت ربك وفارقت امرأتك. قال: فإن رسول الله له أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقى له، وأنت لم تبق ما ترتجع به امرأتك. وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة فى قصة ابن عمر على المعنى اللغوى. انتهى ماقاله ابن حجر، هذا على تقدير تسليم أن هناك معنى لغوياً تصح إرادته في أحاديث ابن عمر لكن من راجع معاجم اللغة يتبين له أن المعنى اللغوى للفظ المراجعة يتحقق فيما إذا حادثها في أمر، وهذا المعنى الأعم لا تصبح إرادته أصلا في تلك الأحاديث إلا إذا أحدث الشوكاني لتلك الكلمة معنى خاصاً حديثاً يوافق رأيه المستحدث على خلاف الكتاب والسنة وإجماع فقهاء الملة وخلاف اللغة، فتبين من هذا البيان أن (مره فليراجعها) فى أحاديث ابن عمر نص فى المعنى الشرعي بدون حاجة إلى ما أخرجه الدار قطنى. وأما ما قاله ابن حزم في المحلى. (قال بعضهم: أمر رسول مراجعتها، دليل على أنها طلقة يعتد بها. قلنا ليس ذلك دليلا على ما زعمتم، لأن ابن عمر بلا شك إذ طلقها حائضاً فقد اجتنبها، فإنما أمره عليه الصلاة والسلام برفض فراقه لها، وأن يراجعها كما كانت قبل بلا شك) فإن كان يريد بقوله (كما كانت قبل) معنى كما كانت قبل الطلاق، فهو اعتراف منه بأنه دليل على الطلقة، وإن كان يريد معنى كما كانت قبل الاجتناب، فهو ليس بمعنى لغوى ولا شرعى للكلمة، بل يمكن أن يكون معنى مجاز يا منتزعا من المعنى الشرعي بعلاقة الاطلاق والتقييد ولكن أين القرينة الصارفة عن الحقيقة الشرعية؟ وبعد هذا البيان، ارم كلمة مؤلف الرسالة حيث شئت من الوديان.
ولفظ أبي الزبير عند أبي داود» فردها على ولم يرها شيئاً» مجمل لا يدل على أن الطلقة لم تقع، بل الرد عليه يفيد أن تلك الطلقة ليست من إفادة البينونة في شيء والرد والإمساك يستعملان فى الرجعة التي تعقب الطلاق الرجعي.
ولو فرضنا أن فيه بعض دلالة على عدم الاحتساب فقد قال أبو داود: الأحاديث كلها على خلاف هذا يعنى أنها حسبت عليه بتطليقة، وقد رواه البخارى مصرحا بذلك، ولمسلم نحوه كما تقدم) وقد ذكر غير واحد أنه حكى عدم وقوع الطلاق البدعى للإمام أحمد فأنكره وقال هو مذهب الرافضة)
وأبو الزبير محمد بن مسلم المسكي يذكره كل من ألف في المدلسين في عدادهم وهو مشهور
الجزء 1 · صفحة 18
بالتدليس، فمن يرد رواية المدلس مطلقاً يرد روايته، ويقبلها بشروط من يقبل رواية المدلس بشروط، لكن لم تتحقق تلك الشروط هنا فترد روايته هذه اتفاقا. قال ابن عبدالبر لم يقله أحد غير أبي الزبير، وقد رواه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد منهم وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا حتى إن أبا الزبير لولم يكن مدلساً وخالفه هؤلاء رواة حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما لكان خبره هذا منكراً فكيف وهو مدلس مشهور؟
وأما ما أخرجه ابن حزم بطريق محمد بن عبد السلام الخشنى (ولفظ الشوكاني في جزئه الحبى بخطه بدل الخشنى وهو يدل على مبلغ علمه بالرجال) عن محمد بن بشار عن عبد الوهاب الثقفى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال ابن عمر: لا يعتد بذلك، فقد قال ابن حجر في تخريج الرافعي إنه بمعنى أنه خالف السنة لا بمعنى أن انطلقة لا تحسب اه على أن بنداراً وإن
كان من رجال الصحيح لكنه ممن ينتقى من أحاديثهم لا ممن تقبل رواياتهم كلها، لأنه متهم بسرقة الحديث والكذب وغير ذلك، وقد تكلم فيه كثير من أهل النقد وترجحت عدالته عند بعض أصحاب الصحاح، فروى من حديثه ماسلم من النكارة، والبخارى لم يخرج حديثه هذا مع إكثاره عنه، وليس الخشنى كالبخاري في الانتقاء وإن كان ثقة.
ودعوى أن حديث أحمد بطريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر يؤيد صحة حديث أبي الزبير مما تضحك منه الشكلي، لأن مسند أحمد على انفراد من انفرد به ليس من دواوين الصحة أصلا كما ذكره أهل النقد، ودفاع ابن حجرعنه قبل أن تتسع دائرة روايته إنما كان ليبعد الموضوع عنه،
وابن لهيعة يدلس عن الضعفاء، واختلط بعد احتراق كتبه اختلاطاً شديد افلا يكتب حديثه إلا من رواية العبادلة الأربعة: ابن المبارك، وابن وهب، وابن يزيد، والقعنبي عنه، وليس هذا من رواية أحدهم بل من رواية حسن. على أن جماعة من أهل النقد توقفوا في رواية أبي الزبير عن جابر إلا ما كان بطريق الليث - حتى فيما لم يخالف فيه - كما ذكره الحافظ أبو سعيد العلالي في جامع التحصيل وهذه ليست بطريق الليث، ومثل مسند أحمد لا يسلم من إقامة السماع والتحديث مقام العنعنة لقلة ضبط من انفرد برواية مثل هذا المسند الضخم فأنى الصحة لمثل هذه الرواية عند من يعرف طريق النقد؟.
وعلى فرض صحتها ليست مما يمكن أن يتصورتأييدها لعدم وقوع الطلاق في حالة الحيض كما
الجزء 1 · صفحة 19
توهم متمجهد العصر، لأن لفظ هذه الرواية (ليراجعها فإنها امرأته) وهذا اللفظ يكون من الأدلة على وقوع الطلاق في تلك الحالة ودوام الزوجية بينهما ما دامت العدة قائمة كما يقول بذلك جماهير الفقهاء فإن المراجعة إنما تكون بعد الطلاق الرجعي، وقوله (فإنها امرأته (نص فى دوام الزوجية بينهما، بل هذه الرواية تفسر إجمال الرواية الأخرى بأن معنى (فليس بشيء) أن الطلاق في حالة الحيض ليس بشيء يفيد البينونة ما دامت العدة قائمة، فتتفق رواية أبي الزبير مع رواية الآخرين.
وما رواه ابن حزم بطريق همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: لا يعتد بها. وفيه أن هماماً في حفظه شيء وأن فيه عنعنة قتادة وهو مدلس على أن قوله (لا يعتد بها) مجمل يدور أمره بين أن تكون لا يعتد بها باعتبار أنه أتى بالسنة - كما اعتبر الجمع غير مخالف للمسنة عند بعضهم - وبين أن تكون لا يعتد بها في حد ذاتها ويؤيد الاجماع الجارى بينهم الاحتمال الأول: وليس خلاس ممن عرف بالشذوذ فى المسائل، ورأى ابن عبد البر في أمثال هذا إرجاع الضمير إلى تلك الحيضة فإنها لا يعتد بها في عدة المرأة.
وجنوح المؤلف إلى تأييد رواية أبي الزبير المنكرة بما في جامع ابن وهب عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حق ابن عمر (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس. تلك المدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء، وهي واحدة)، من الاختلال في التفكير ومن قبيل الاستجارة من الرمضاء، بالنار وقد سعى ابن حزم وابن القيم جهدهما في التخلص من لفظ (وهى واحدة) بذكر احتمال كونه مدرجا بغير دليل، لكونه نصاً فى موضوع النزاع يزداد به الجمهور حجة إلى حججهم.
واكتشف متمجهدنا طريقاً في التخلص منه مع قلب الحديث إلى أن يكون دليلا لزعمه وهو إرجاع الضمير إلى الطلقة المستفادة من (وإن شاء طلق) بمناسبة قربها فلنفرض ارجاعه إليها كما يشتهيه مع خلوه عن الفائدة ومع ما فيه من صرف الكلام عن المحدث عنه، لكن أين يوجد فى هذا أدنى تأييد لرواية أبي الزبير وقصارى مايفيده: أن ابن عمر طلق امرأته فى الحيض فأمره النبي على لسان عمر بأن يراجعها على أن يكون مخيراً فيما بعد بين أن يمسكها ويطلقها، وهذه الطلقة غير المعلوم إيقاعها واحدة. فمن الذى يقول عن هذه الطلقة غير المعلوم وقوعها في الخارج أنها اثنتان أو ثلاث وهى واحدة حتما إذا وقعت في الخارج وتحققت، وهل ينافي فرض كونها واحدة أن يقع قبلها طلاق على المرأة حقيقة كما يدل عليه لفظ المراجعة في الحديث؟.
الجزء 1 · صفحة 20
ولعل المؤلف بلغ من التوسع فى العلوم ولا سيما اللغة العربية القحة مبلغاً يغنيه عن تعلمها من أهلها، واستقائها من مصادرها حتى اصطف الواقع والمفروض في صف واحد عنده، وأدرك هو وحده أن ما يقال له العدد باعتبار ذاته، والعدد باعتبار " مرتبته، والعدد باعتبار تصييره اعتبارات مستعجمة أدخلت في العربية فيجب هجرها فاذن يكون معنى) وهى واحدة) - على تقدير ارجاع الضمير إلى الطلقة المفروضة وهى (الطلقة الأولى) فتم بذلك الحجة على ابن حزم وابن القيم وعلى الجمهور!!! أفلا يحق أن يقال لمثله من المتمجهد بن: تنكب لا يقطرك الزحام.
وكان طلاق ابن عمر فى حالة الحيض طلقة واحدة فقط كما في رواية الليث ورواية ابن سيرين التي يعول هو عليها، ويفند ما كان يسمعه طول عشرين سنة من بعضهم وهو يظن صدقه من أن طلاقه في حالة الحيض كان ثلاثا، وقد أخرج مسلم روايتي الليث وابن سيرين كلتيهما في صحيحه.
على أن القول ببطلان الطلاق في الحيض يجعل الطلاق بيد المرأة حيث لا يعلم الحيض والطهر إلا من جهتها، فاذا طلق الرجل وقالت المرأة إن الطلاق كان في في الحيض يعيد الرجل الطلاق ويكرره في أوقات إلى أن تعترف بأن الطلاق كان في الطهر أو يسأم الرجل ويعاشرها معاشرة غير شرعية وهو يعلم أنه طلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار وفى ذلك من المفاسد مالا يخفى على متفقه.
ولعل هذا البيان كاف فى دحض تقول المؤلف فى هذا البحث.
الطلاق الثلاث بلفظ واحد:
قال: (في ص 44: الذى يظنه كل الناس والذى يفهم من أقوال جمهور من تعرضوا لهذا البحث من العلماء أنهم يريدون بالطلاق الثلاث لفظ (طالق ثلاثاً) وما في معناه ويعتبرون أن الخلاف بين المتقدمين فى وقوع الطلاق الثلاث أو عدم وقوعه إنما هو في هذه الكلمة وما في معناها بل يحملون كل ما ورد في الاحاديث والاخبار من التعبير عن ايقاع طلقات ثلاث على أنه قول المطلق) طالق ثلاثاً) وكل هذا خطا صرف. وقلب للاوضاع العربية؛ وعدول عن استعمال صحيح؛ مفهوم إلى استعمال باطل، غير مفهوم ثم تنالوا وأوقعوا بيتة ثلاثاً بالنية، وكلمة أنت طالق ثلاثاً (ص 53 (محال وإنما هي تلاعب بالالفاظ، بل هي تلاعب بالعقول والافهام، ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة من التابعين فمن بعدهم. ولم يعرفها الصحابة (ص 55) ولم يعضها أحد منهم على الناس إذ كانوا أهل اللغة المتحققين بها بالفطرة السليمة، وإنما الذي أمضوه هو ما كان بالتكرار، وهذا المعنى قد بدا لي منذ أكثر
الجزء 1 · صفحة 21
من عشرين سنة وتحققت منه، وأنا أخالف من سبقنى من الباحثين جميعاً (ص 52) وأقرر أن قول القائل (أنت طالق ثلاثاً) ونحوه لا يكون فى دلالة الالفاظ على المعانى لغة وفي بديهة العقل إلا طلقة واحدة؛ وأن قوله (ثلاثاً) في الانشاء والايقاع محال عقلا؛ باحال لغة؛ فصار لغواً من الكلام، لادلالة له على شيء في تركيب الجملة التي وضع هو فيها، وأقرر أيضاً أن الخلاف بين التابعين فمن بعدهم في الطلاق الثلاث ونحوه، إنما هو في تكرار الطلاق مرة بعد أخرى يعنى فى لحوق الطلاق الممتدة، والعقود (ص 45) حقائق معنوية لا وجود لها في الخارج إلا بايجادها بالا الفاظ، فأنت طالق) ص 47 (تقع به حقيقة معنوية وهى الطلاق؛ والتكلم بالفظ ثلاثاً بعده لغو، كمالا يقال) ص 48 (بعث ثلاثا على قصد إلى إيجاد عقد البيع وإنشائه، وهذا الذى (ص 49 (قلنا كله بديهى لا يعارض فيه أحد فكر ودفق وتحقق من المعنى وأنصف اه.).
أقول هذا هو الذى يقوله في مواضع من رسالته بشأن الطلاق الثلاث، فإذا لم تقبل كل ذلك من غير مطالبة بحجة، فأنت لست بمنصف، فيا للفقه وياللاسلام!؟ يتكلم في الدين مثله بهذا التهور، فى مثل هذا البلد الطيب قبلة العلم للعالم الاسلامي، ولا تعرك أذنه، يتخيل المؤلف خلافا بين الصحابة والتابعين في أمر الطلاق الثلاث، ولا خلاف بينهم أصلا إلا في خياله ولا الطلاق (بأنت طالق ثلا) بمجهول عندهم، بل يعرفه الصحابة والتابعون وتعرفه العرب، ولم يجهله إلا هذا المتمجهد، وقوله هذا المعنى قد بدالى منذ أكثر من عشرين سنة يدل على أن التخريف كان يلازمه من عهد طفولته. ولم يفرق أحد في ذلك بين الخبر والإنشاء، والطلبي وغيره؛ بل عد فقهاء الملة لفظ) طالق ثلاثا) نصا فى البينونة الكبرى، بخلاف البتة التي يقول عنها عمر بن عبد العزيز ما يقوله، وقولهم في مثل البتة من جملة ما يدل على وقوع الثلاث مجموعة.
ومن الأدلة الظاهرة على ما قلنا ما أخرجه البيهقي في سننه والطبراني وغيرهما. عن إبراهيم بن عبد ا بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة. قال: كانت عائشة بنت الفضل عند الحسن بن على، فلما بويع بالخلافة هنأته، فقال الحسن: أتظهرين الشماتة بقتل أمير المؤمنين، أنت طالق ثلاثا. - ومتعها بعشرة آلاف. ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جدى، أو سمعت أبي يحدث عن جدى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا عند الأقراء أو طلقها ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره الراجعتها اهـ. وإسناده صحيح. قاله ابن رجب الحنبلى الحافظ: بعد أن ساق هذا الحديث في كتابه «بيان مشكل الأحاديث الواردة، في أن الطلاق الثلاث واحدة).
الجزء 1 · صفحة 22
ومما كتب عمر رضى الله عنه إلى أبي موسى الأشعرى رضى الله عنه (من قال أنت طالق ثلاثا، فهى ثلاث) كما أخرجه أبو نعيم.
وقد روى محمد بن الحسن في الآثار بسنده، عن إبراهيم بن يزيد النخعي في الذي يطلق واحدة وهو ينوى ثلاثا، أو يطلق ثلاثا وهو ينوى واحدة، قال: إن تكلم بواحدة فهى واحدة، وليست نيته بشيء، وإن تكلم بثلاث كانت ثلاثا، الم وليست نيته بشيء، قال محمد بهذا كله نأخذ، وهو قول أبي حنيفة اه.
وقال عمر بن عبد العزيز كما في الموطأ: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة في منها شيئاً، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى اه. هذا رأيه في لفظ البتة فضلا عن لفظ الثلاث.
وقال الشافعى في الأم (ص 247 ج 5): ولو رأى امرأة من نسائه مطلعة. فقال «أنت طالق ثلاثا» .. وقال لواحدة منهن هي هذه وقع عليها الطلاق اه.
وأم عمرو طالق ثلاثاً
وقال الشاعر العربي: مطلقاً لامرأته حينما استعصت عليه قافية الثاء في مباراته مع صاحبيه وكذلك
قال الشاعر العربى الآخر:
وأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاث، ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنت غير رفيقة ... وما لامرئ بعد الثلاث تندم
حتى سأل الكسائي محمد بن الحسن عن ذلك، فأجابه بما استحسنه الكسائي على ما في مبسوط شمس الأئمة السرخسى وغيره، بل أطال النحاة الكلام فيه.
وليس في استطاعة أحد من المتهوسين أن ينقل شيئاً ينافي إرسال الثلاث. بلفظ واحد عن أحد من أئمة النحو والعربية، فدونك كتاب سيبويه، وإيضاح أبي على الفارسي، وخصائص ابن جني، وشرح المفصل لابن يعيش، وارتشاف أبي حيان ونحوها من أمهات الكتب، فلن تجد فيها مهما بحثت كلمة تنافي ما ذكرنا فكيف تتحكم يا متمجهد العصر، وتقول إن الطلاق الثلاث بلفظ واحد به لم يعرفه الصحابة، ولا التابعون، ولا الفقهاء،، ولا عرفته العرب، ولم يكن إيقاع الثلاث عندهم إلا بتكرير لفظ
الجزء 1 · صفحة 23
الطلاق، وكل ذلك افتراء على الصحابة والتابعين وتابعيهم، وفقهاء الدين والعرب والعلوم العربية، فهاهو قد عرفه الحسن السبط، وهو صحابى عربى، وعرفه أبوه وجده عليهم السلام، وعرفه عمر وأبو موسى رضى الله عنهما.
وعرفه إبراهيم النخعى الذى يقول عنه الشعبي: ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه لا الحسن ولا ابن سيرين ولا من أهل البصرة، ولا من أهل الكوفة، ولا من أهل الحجاز، والشام. ويقول عنه ابن عبد البر في التمهيد ما يقوله عند ذكر الاحتجاج بمراسيله. وعرفه عمر بن عبد العزيز وهو هو. وعرفه أبو حنيفة وهو الامام الوحيد الذى نشأ فى مهد العلوم العربية. وعرفه محمد بن الحسن الذي اتفقت كلمات الموافقين والمخالفين على أنه حجة فى العربية. وعرفه الشافعي وهو الامام القرشي الوحيد بين الأئمة. وعرفه قبلها مالك عالم دار الهجرة. وعرفه هذا الشاعر العربي وذاك الشاعر العربي، فياترى هل يندى بعد هذا البيان جبينه ويتحول يقينه.
و إلغاء العدد في الإنشاء لعله رؤيا رآها في المنام، وحاول أن يبنى عليها الأحكام، وأما إن كان انتبه إلى إلغاء العدد من قول طائفة من حذاق الأصوليين بأن العدد لا مفهوم له، وما لا مفهوم له يكون لغواً، فذلك انتباه لا يمكن أن يجاريه فيه أحد، نعوذ بالله من مثل هذه اليقظة.
فالواهب والمقر والمطلق والبائع والمعتق كلهم يوقعون ما شاءوا من العدد في الإنشاء، فالواهب يقول بلفظ واحد وهبت هؤلاء العبيد لفلان فتقع الهبة على كل واحد منهم، ويقول المطلق انتن طلاق لنسوته الأربع، فيقع على كل منهن كما فعل المغيرة بن شعبة. ويقول البائع أو المعتق أو المقر بعت تلك الدور أو أقررت بها لفلان أو أعتقت هؤلاء العبيد فلفظ واحد كفى في كل منها من غير حاجة إلى التكرار، ولا شك أن المصدر الذي تضمنه تلك الأفعال الإنشائية لو كنا أردنا الإفادة ع عنه مفعول مطلق لأفدنا ذلك بذكر عدد يوافق عدد العبيد الذين تم إعتاقهم، وكذا النساء والدور إلا أن ذكر المفعول في تلك الأمثلة أغنى عن ذكر المفعول المطلق العددى.
وكون الزوج يملك زوجته بثلاث تطليقات إنما أتى من الشرع لا علاقة لذلك بلغة دون لغة بل اللغات كلها في ذلك سواء فقوله: إن التطليق بلفظ) أنت طالق ثلاثا) باطل لغة وإنما دخل فى كلام من ينطق به من العجمة، كلام لا محصل له وكان لهذا الكلام معنى لو كان فى شرع الأعجمين ملك الرجل لزوجته بثلاث تطليقات مجموعة على خلاف شرع المسلمين، مع أن شرع المسلمين هو الذى يملك
الجزء 1 · صفحة 24
الرجل امرأته بثلاث تطليقات مجموعة كانت أو مفرقة، وليس كلامنا في شرع غير شرع الإسلام ولا فى طلاق غير طلاق الإخوان المسلمين من أى عنصر كانوا.
فالمسلم إذا أراد أن يطلق امرأته فإما أن يطلقها ثلاثا بلفظ واحد في طهر أو حيض على خلاف السنة أو يفرقها على الأطهار كما هو السنة بأي لغة كان التطليق سواء كان بالعربي أو الفارسي أو الهندى أو النوبى بدون أي فرق بين تلك اللغات فله أن يريد الواحدة أو الاثنتين أو الثلاث ثم يذكر لفظا يحتمل مواده فيقع ما أراد واحداً كان أو اثنين أو ثلاثة فطابق لفظ الإنشاء لما أراد
ودعوى إلغاء العدد في الإنشاء من الدعاوى التي أولادها أدعياء إذ تبين مما سبق بيانه أنه لا فرق بين الخبر والانشاء ولا بين الطلبي وغيره في صحة مجىء المفعول المطلق العددى بعدها عند مساس الحاجة إلى ذكرها لالغة ولا نحواً وإنما الأمر في ذلك إلى الشرع فقط كما أسلفنا.
ومحاولة القياس فى مورد النص سخف على أن التسبيح والتحميد والتكبير والتلاوة والصلاة ونحوها عبادات يكون أجرها على قدر التعب، وأما الإقرار بالزنا والحلف في اللعان والقسامة، فالعدد فيها للتأكيد، ولا يحصل ذلك إلا بإتيان العدد المنصوص، بخلاف ماهنا فإن الطلاق ليس من العبادات، ولا العدد فيه للتأكيد حتى يقاس على تلك أو هذه، وكذلك كيف يقاس عدد يصح أن يكتفى بأقل منه بما لا يصح أن يكتفى بأقل منه، والقياس مع وجود فارق أسخف.
يقول المؤلف فى حديث محمود بن لبيد فى غضب الرسول على رجل جمع بين الثلاث: وأغلب ظنى أن هذا هو ركانة. دعنا من ظنك فإن يقينك خاطي، فضلا عن ظنك، وحديث محمود بن لبيد على تقدير صحته لا يدل على بية عدم الوقوع بوجه من الوجوه المعتبرة عند أهل الاستنباط بل على الإثم على خلاف رأي الشافعى وابن حزم ولسنا في صدد المناقشة في ذلك بل روى إمضاء الثلاث عليه أبو بكر بن العربي وهو من التوسع في الروايات على ما يعلمه أهل العلم، ة ولابن حجر شغف غريب بنقل كل ماقيل في كل شيء وقد يحقق في كتاب ويرسل الكلام على عواهنه فى كتاب آخر وهذا من معايب كتبه. واختلاف قوله في محمود بن لبيد من هذا القبيل، والتحقيق أن محمود بن لبيد لم يسمع كما في فتح البارى، وهو من الكتب المرضية عنده بخلاف الإصابة وما في الإصابة، ن نقل لما في بعض نسخ المسند، والمسند مع انفراد مثل ابن المذهب والقطيعي بروايته لا يكون موضع تعويل فى كل شىء.
وسيأتي الكلام على حديث ابن إسحق في مسند أحمد عن تطليق ركانة ثلاثاً وتصحيح الضياء
الجزء 1 · صفحة 25
ماذا يجدى مع مثول السند والضياء يصحح مثل حديث الخنصر، ومن الغلاة من يصحح جميع ما في مسند أحمد. وقد نقلنا ما يفند عن ابن طولون فيما علقناه على خصائص المسند، فدعنا من هؤلاء وانتظر الكلام على حديث ركانة في البحث الآتى.
ومن الدليل على وقوع الثلاث بلفظ واحد حديث الملاعنة المخرج في صحيح
البخارى؛ حيث قال عويمر العجلانى فى مجلس الملاعنة: كذبت عليها إن أمسكتها. يا رسول الله، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد في رواية من الروايات أنه عليه السلام أنكر عليه ذلك، فدل على وقوع الثلاث مجموعة. لأن الرسول ولعل الله لم يكن ليدع الناس يفهمون وقوع الثلاث بلفظ واحد لولم يكن هذا الفهم صحيحاً، وقد فهم منه ذلك الأمة جمعاء حتى ابن حزم حيث قال: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته، ولولا وقوع الثلاث مجموعة لأنكر ذلك عليه، وفهم البخارى أيضاً من الحديث ما فهمه الأمة جمعاء من الوقوع حيث ساق هذا الحديث في صحيحه في باب من أجاز طلاق الثلاث، ثم حديث العسيلة، ثم حديث عائشة فيمن طلق ثلاثاً، ومراده بالجواز عدم الإثم في الجمع كما هو رأى الشافعى وابن حزم. والأكثرون على أن وقوع الثلاث مجموعة مقرون بالإثم كما بسط ابن عبد البر في الاستذكار ولسنا في صدد تحقيقه.
وليس المراد أن هناك اختلافا في ذات الوقوع، لأنه على مخالفته للفظ البخاري يخالف الحق، لأن وقوع الثلاث مجموعة موضع اتفاق بين جميع من يعتد بقولهم، كما قاله ابن التين ولم ينقل الخلاف إلا عن غالط، أو عمن لا يعتد مخلافه كما سيأتي تحقيقه، وابن حجر سها هنا فى تجويز شموله لهذا المعنى تعويلا منه على مثل ابن مغيث، وليس للمحدث أن يعول على مثله بدون أن. الخلاف بأسانيد صحيحة عمن يعول عليهم فانتظر البحث في موضعه.
والأحاديث كثيرة جداً فيمن طلق ألفاً أو مائة أو تسعاً وتسعين أو عدد النجوم أو ثمانية ونحوها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه الفقهاء، والتابعين ومن بعدهم في الموطأ، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن البيهقي وغيرها كل ذلك يدل على وقوع الثلاث بلفظ واحد لأن من البعيد جداً أن يوجد بين الصحابة من لا يعرف انحصار عدد الطلاق في ثلاث حتى يوقع الطلاق مرة بعد أخرى إلى أن يبلغ العدد ألفاً، أو مائة أو تسعا وتسعين من غير أن يرشدهم طول هذه الطلقات، فقهاء الصحابة لعدد الطلاق في الشرع، ومحال أن يتصور على الصحابة مثل هذا الإهمال فإذن هى ألفاظ المطلقين عند
الجزء 1 · صفحة 26
تطليقهم لنسائهم، فأحدهم قال: هي طالق ألفاً. والآخر قال: هي طالق مائة. وثالث قال: هي طالق تسعاً وتسمين قصداً منهم إلى إيقاع ما تحصل به البينونة الكبرى وهو ظاهر لا يحتمل التشغيب بوجه من الوجوه.
و في رواية يحيى الليثى عن مالك أنه بلغه أن رجلا قال لعبد الله بن عباس:
إلى طلقت امرأتى مائة تطليقة فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسمون اتخذت بها آيات الله هزوا. وأسنده عبد البر في التمهيد.
وأخرج ابن حزم في المحلى بطريق عبد الرازق عن سفيان الثورى عن سلمة بن كهيل نا زيد بن وهب أنه رفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت؟ فقال إنما كنت ألعب فعلاه بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث ومثله في سنن البيهقي بطريق شعبة.
وأخرج ابن حزم أيضا بطريق وكيع عن جعفر بن برقان عن معاوية بن أبي يحيى أنه قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتى ألفا، فقال: بانت منك بثلاث، ومن طريق عبد الرزاق عن الثورى عن عمر وبن مرة عن سعيد ابن جبير أن ابن عباس قال لرجل طلق ألفا: ثلاث تحرمها عليك وبقيتها وزر عليك اتخذت آيات الله هزوا، ومثله في سنن البيهقى.
وأخرج ابن حزم أيضا بطريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن على كرم الله وجهه أنه قال لمن طلق ألفا: ثلاث تحرمها عليك .. الحديث ومثله في سنن البيهقي.
وأخرج الطبراني عن عبادة عن النبي علم الاول في رجل طلق ألفا، أما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. ومثله في مسند عبد الرزاق عن جد عبادة إلا أن فى رواية عبد الرزاق عللا.
وأخرج البيهقي بطريق شعبة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال لمن طلق امرأته مائة تطليقه: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا ثم قرأ (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لمدتهن) وأخرج أيضا بطريق شعبة عن الأعمش عن مسروق عن عبد الله يعنى ابن مسعود - أنه قال لمن طلق امرأته مائة: بانت بثلاث، وسائر ذلك عدوان.
وأخرج ابن حزم بطريق عبد الرزاق عن معمر عن ا عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال لرجل
الجزء 1 · صفحة 27
طلق امرأته تسما وتسمين: ثلاث تبينها وسائرهن عدوان اهـ.
وأخرج ابن حزم أيضا بطريق وكيع عن إسمعيل بن أبي خالد عن الشعبي أنه قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتى مائة. فقال شريح بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية اه.
وصح عن على وزيد بن ثابت وابن عمر رضى الله عنهم أن لفظ حرام والبتة ثلاث تطليقات كما في محلى ابن حزم ومنتقى الباجى وغيرهما وذلك جمع للثلاث بلفظ واحد.
وأخرج البيهقي عن مسلمة بن جعفر أنه قال الجعفر بن محمد الصادق إن قوما
يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة، ويجعلونها واحدة يروونها عنكم: قال معاذ الله، ما هذا من قولنا! من طلق ثلاثا فهو كما قال.
وفى المجموع الفقهى عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن على عليهم السلام: أن رجلا من قريش طلق امرأته مائة تطليقة، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: بانت منه بثلاث، وسبع وتسعون معصية في عنقه.
وأخرج مالك والشافعى والبيهقي عن عبد الله بن الزبير أن أبا هريرة قال الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك في رجل من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها. ومثل ذلك عن عبد الله بن عمر.
وأسند عبد الرزاق عن ابن مسعود فيمن طلق تسعا وتسعين: ثلاث تبينها وسائرهن عدوان.
وقال محمد بن الحسن فى الآثار: أخبرنا أبو حنيفة عن عبد الله بن عبدالرحمن ابن أبي حسين عن عمر وبن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال: أتاه رجل فقال إنى طلقت امرأتي ثلاثا، قال يذهب أحدكم يتلطخ بالنتن، ثم يأتينا، اذهب فقد عصيت ربك، وقد حرمت عليك امرأتك، لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك، قال محمد وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة، وقول العامة لا اختلاف فيه.
قال محمد بن الحسن أيضاً: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الذى يطلق واحدة وهو ينوى ثلاثاً، أو يطلق ثلاثاً وهو ينوى واحدة. قال: إن تكلم بواحدة فهي واحدة وليست نيته بشيء، وإن تكلم بثلاث كانت ثلاثا وليست نيته بشيء. قال محمد بهذا كله نأخذ، وهو قول أبى حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 28
قال الحسين بن على الكرابيسى فى أدب القضاء: أخبرنا على بن عبد الله (وهو ابن المدينى (عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن طاوس أنه قال: من حدثك عن طاوس أنه كان يروى طلاق الثلاث واحدة كذبه.
و روي ابن جريج. قال قلت لعطاء أسمعت ابن عباس يقول طلاق البكر الثلاث واحدة؟ قال: لا بلغنى ذلك عنه، و، وعطاء أعلم الناس بابن عباس اهـ.
قال أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن بعد أن سرد ما يدل على وقوع الثلاث من الآيات والأحاديث وأقوال السلف: فالكتاب، والسنة، وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث معاً، وإن كان معصية اهـ.
وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى: فمن أوقع الثلاث بالنفظة واحدة لزمهما أوقعه من الثلاث وبه قال جماعة الفقهاء، والدليل على ما نقوله إجماع الصحابة لأن هذا مروى عن ابن عمر، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبى هريرة، وعائشة رضى الله عنهم ولا مخالف لهم اهـ.
وقال أبو بكر العربى عند الكلام في حديث ابن عباس في إمضاء الثلاث هذا حديث مختلف فى صحته، فكيف يقدم على الإجماع ويعارضه حديث محمود ابن لبيد؟ فإن فيه التصريح، بأن الرجل طلق ثلاثا مجموعة ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بل أمضاه اه لعله يريد رواية غير رواية النسائي. وأبو بكر بن العربي حافظ واسم الرواية جداً، أو أراد أنه لو كان رده لذكر في الحديث، وغضبه عليه السلام أيضاً يدل على وقوعها، وكفى هذا فيما يريده، وابن عبد البر توسع في التمهيد والاستذكار في سرد الأدلة على المسألة، وإثبات الإجماع فيها.
وقال ابن الهمام في فتح القدير: لا تبلغ عدة المجتهدين الفقهاء من الصحابة أكثر من عشرين كالخلفاء، والعبادلة وزيد بن ثابت، ومعاذبن جبل، وأنس، وأبي هريرة رضى الله عنهم وقليل سواهم والباقون يرجعون إليهم ويستفتون، نهم، وقد أثبتنا النقل عن أكثرهم صريحاً بإيقاع الثلاث، ولم يظهر لهم مخالف، فما ذا بعد الحق إلا الضلال، وعن هذا قلنا لو حكم حاكم بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه، لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلاف، والرواية عن أنس بأنها ثلاث أسندها الطحاوى وغيره اهـ.
ومن أحاط خبراً بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة رضوان
الجزء 1 · صفحة 29
الله عليهم أجمعين، يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهمام في المسألة وفى عدة المجتهدين من الصحابة، وإن سعى ابن حزم في تكثير عددهم جداً في أحكامه بأن حشر في عدادهم كل من روى عنه مسألة أو مسألتان في الفقه لا إجلالا لمنزلة الصحابة فى العلم بل ليتمكن من معاكسة الجمهور في مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كل منهم، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه، أوحديث أو حديثان في السنة أن يعد فى المجتهدين كائناً من كان وإن كانت منزلة الصحابة امن في الصحبة عظيمة القدر جداً وهو ظاهر، وسيأتى بعض بسط لذلك، ومن تخيل اشتراط النقل عن مائة ألف صحابى مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في صحة الإجماع على شيء غرق في بحر الخيال، وسبق ابن حزم في معاكسة الجمهور في حجية الإجماع ومثله وإن تحنبل لا يكون إلا متبعا سبيل غير المؤمنين.
وكان الحافظ ابن رجب الحنبلى من أتبع الحنابلة منذ صغره لابن القيم وشيخه ثم تيقن ضلالهما في كثير من المسائل ورد على قولهما في هذه المسألة في كتاب سماه «بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الطلاق واحدة» وفي ذلك عبرة بالغة لمن انخدع بتشغيبهما من غير أن يعرف مداخل الأحاديث ومخارجها، ومن جملة مايقول ابن رجب في كتابه المذكور: «اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح فى أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد وعن الأعمش أنه قال كان بالكوفة شيخ يقول سمعت على بن أبي طالب يقول إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد ترد إلى واحدة، والناس عنق واحد إلى ذلك يأتون ويستمعون منه، فأتيته وقلت له: هل سمعت على بن أبى طالب يقول؟ قال سمعته يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فإنها ترد إلى واحدة، فقلت أين سمعت هذا من على؟
فقال أخرج إليك كتابى، فأخرج كتابه، فإذا فيه. بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما سمعت على بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قلت ويحك هذا غير الذي تقول. قال الصحيح هو هذا ولكن هؤلاء أرادونى على ذلك اه. ثم ساق ابن رجب حديث الحسن بن على عليهما السلام السابق ذكره بسنده، وقال إسناده صحيح.
وقد نقل الحافظ جمال الدين بن عبد الهادى الحنبلي نصوصا جيدة في المسألة عن كتاب ابن رجب هذا بخطه فى كتابه (السير الحاث يريد الحثيث - إلى علم الطلاق الثلاث وهو من محفوظات الظاهرية بدمشق تحت رقم 99 من قسم المجاميع.
الجزء 1 · صفحة 30
ومن جملة ما يقول الجمال بن عبد الهادى فيه: الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهذا القول مجزوم في أكثر كتب أصحاب الامام أحمد كالخرقى، والمقنع، والمحرر، والهداية، وغيرها. قال الأثرم سألت أبا عبد الله) يعنى أحمد بن حنبل) عن حديث ابن عباس كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، واحدة بأي شيء تدفعه، فقال: برواية الناس عن ابن عباس أنها ثلاث، وقدمه في الفروع» وجزم به فى المغنى وأكثرهم لم يحك غيره اهـ. وقوله أكثر كتب أصحاب أحمد، إنما هو بالنظر إلى من بعد أحمد بن تيمية من المتأخرين كبني مفلح والمرادوة، وهم اغتروا بابن تيمية فلا يعد أقوالهم قولا في المذهب، وصاحب الفروع من بنى مفلح ممن انخدع بابن تيمية، وذكر اسحق بن منصور شيخ الترمذي في مسائله عن أحمد - وهي محفوظة تحت رقم 83 من فقه الحنابلة بظاهرية دمشق - مثل ما ذكره الأثرم.
بل عد أحمد بن حنبل مخالفة ذلك خروجا عن السنة، حيث قال في جواب كتبه إلى مسدد بن مسرهد عن السنة: ومن طلق ثلاثا في لفظ واحد، فقد جهل وحرمت عليه زوجته، ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجا غيره اه. وهذا الجواب أسنده القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة عند ترجمة مسدد بن مسرهد وسنده مما يعول عليه الحنابلة، وإنما عده من السنة لأن الروافض كانوا يخالفون ذلك تلاعبا منهم بأنكحة المسلمين.
وفي التذكرة للامام الكبير أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي " وإذا قال أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين وقعت الثلاث لأنه استثناء الأكثر فلم يصح الاستثناء).
وقال أبو البركات مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي مؤلف «منتقى الأخبار» فى كتابه المحرر: ولو طلقها اثنتين أو ثلاثا بكلمة أو كلمات في طهر فما فوق من غير مراجعة وقع وكان للسنة، وعنه للبدعة وعنه الجمع في الطهر بدعة، والتفريق فى الأطهار سنة اهـ. وأحمد بن تيمية يروى عن جده هذا، أنه كان يفتي سراً برد الثلاث إلى واحدة وأنت ترى نص قوله في المحرر ونبرى. جده من أن يكون يبيت من القول خلاف ما يصرح به في كتبه، وإنما ذلك شأن المنافقين والزنادقة، وقد بلونا الكذب كثيراً فيما ينقله ابن تيمة فإذا كذب على جده هذا الكذب المكشوف لا يصعب عليه أن يكذب على الآخرين نسأل الله السلامة.
ومذهب الشافعية في المسألة أشهر من نار على علم، وقد أنف أبو الحسن السبكى والكمال
الجزء 1 · صفحة 31
الزملكانى وابن جبيل وابن الفركاح والعز بن جماعة والتقى الحصنى وغيرهم مؤلفات فى الرد عليه فى هذه المسألة وغيرها من المسائل وأكثرها بمتناول الأيدى.
وابن حزم الظاهرى على افتتانه بالشذوذ في المسائل لم يسعه ألا يسلك سبيل الجمهور، بل أفاض في المحلى فى التدليل على وقوع الثلاث بلفظ واحد بتوسع يجب الاطلاع عليه ليعلم مبلغ زيغ من يزعم خلاف ذلك من الأظفاء المتهمين.
وبهذا البيان الواسع استبان قول الأمة جمعاء في المسألة من الصحابة والتابعين وغيرهم، والأحاديث التي سقناها لا تدع قولا لقائل في وقوع الثلاث بلفظ واحد.
ودلالة الكتاب على ذلك ظاهرة لا تقبل التشغيب فقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) أمر بالطلاق لقبل العدة من غير أن يفيد بطلان الطلاق في غير العدة بل يدل ما في نسق الخطاب على الوقوع فى غير العدة حيث قال تعالى (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع لما كان ظالماً لنفسه بإيقاعه فى غير العدة، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) يريد والله أعلم أنه إذا أوقع الطلاق على ما أمره الله وفرق الطلقات على الأطهار كان له مخرج مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة؛ وبهذا تأول الآية عمر وابن مسعود وابن عباس كما سبق ومن مثلهم في الفهم وإدراك التأويل؟
وقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته. وهو إشارة إلى ذلك ومن مثل مدينة العلم في إدراك أسرار التنزيل؟.
وقوله تعالى (الطلاق مرتان (يدل على صحة الجمع بين الاثنتين إذا حملت كلمة (مرتان) على الاثنتين كما في قوله تعالى (نوتها أجرها مرتين) والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وهكذا فهم البخارى معنى الآية حتى ذكرها في باب من أجاز الثلاث بلفظ واحد وكذا ابن حزم وأيده الكرماني لأنه لا يوجد من يفرق بين الاثنتين والثلاث في صحة الوقوع وإليه ميل الشافعية، وابن حجر فقهه تكاف وليس له اتساع فى اللغة وقوله أمام قول الكرماني فيما يتعلق بالنظر واللغة ليس بشيء، وإذا حملت تلك الكلمة على أنها من قبيل التثاني المكررة تدل على صحة وقوع الثلاث إذا كان إيقاعها بتكرار اللفظ سواء كان في حيض أو طهر أو أطهار أو في مجلس أو فى مجالس فإذا صح الطلاق في طهر أو حيض بالتكرير صح فيه الطلاق أيضاً بلفظ واحد حيث لا يوجد من يفرق بين هذا وذاك وإنما ينازع من ينازع فيما لم يفرق على الاطهار
الجزء 1 · صفحة 32
وهذا ظاهر.
والشوكاني حاول التمسك بكونها من قبيل التثاني المكررة كما يقول الزمخشري وظن به أنه بهذا القول ابتعد عن مذهبه في المسألة وأنى يكون هذا وأين يجد الشوكاني ما يتمسك به في الآية وهى كما شرحنا لكن الفريق يحاول أن يتمسك بكل حشيش.
وهذا على فرض أن في الآية ما يدل على القصر وأن المراد بالطلاق هو الشرعى الذي يلغو خلافه كما يزعم الشوكاني فكيف أن هذا وذاك بعيدان عن التسليم لظهور أن الطلقة الواحدة الرجعية تعتبر طلقة شرعية تقع بها البينونة عند انقضاء العدة مع عدم كونها طلقة بعدها طلقة.
وقد بسط الامام أبو بكر الرازي الجصاص وجه دلالة الكتاب على قول الجمهور بأوسع مما هنا، فمن أراد الاستزادة فعليه بأحكام القرآن له.
وتشير الآيات فى نسق الخطاب إلى أن الأمر بتفريق الطلاق على الأطهار لأجل مصلحة دنيوية ترجع إلى المطلقين، وهى صياتهم عن التسرع في طلاق يفضي إلى الندم. لكن كثيراً ما يكون المطلق بحيث لا يندم لأحوال خاصة، فالندم جائز الانفكاك عن «الطلاق فى غير العدة» لأن المفرق على الأطهار قد يندم، والجامع بين الطلقات في الحيض أو فى طهر جامع فيه قد لايندم لأحوال خاصة كما قلنا فيكون الندم مجاوراً للطلاق المذكور لا وصفاً لازما له حتى يفيد الأمر هنا تحريم ضده عند القائلين به فيتبين بذلك مبلغ قيمة كلام الشوكاني هنا. والحاصل أن الآيات فى نسق الخطاب، وقوله تعالى «الطلاق مرتان» على التفسيرين والأحاديث التي سبقت تدل كلها على وقوع الطلاق في غير العدة مع الإثم فهى تغنى عن القياس، لأنه لا حاجة إليه في مورد النص.
وأما ما يذكر من أن الظهار يترتب عليه حكمه مع أنه منكر من القول وزور، فلمجرد التنظير لا القياس. وحيث توهم الشوكاني أن ذكره لأجل القياس بادر إلى التشغيب بقوله: عقد البيع أو النكاح على المحرمات، منكر من القول وزور، لكنه باطل لا يترتب عليه أثره فلا يصح القياس. وفاته أن الفارق في البيع والنكاح ظاهر مكشوف، فإنهما عقدان ابتدائيان لا طارئان على العقدين القائمين بخلاف الظهار والطلاق فإنهما طارئان على العقدين القائمين، فيصح قياس الطلاق فى غير العدة على الظهار رغم أنف الشوكاني لو كان إلى القياس حاجة، وغريب جداً كيف لا يسأم الشوكاني من المشاغبات الفارغة.
الجزء 1 · صفحة 33
ولا بد هنا من الإشارة إلى دقيقة، وهى أن الطحاوى كثيراً ما يذكر في الأبواب في صدد الكلام على أحاديث من أخبار الآحاد (والنظر هنا يقتضى كيت وكيت) ويظن من ذلك من لا خبرة عنده، أنه يريد القياس بذلك في المسألة، وليس كذلك، بل هو تطبيق منه لقاعدة أهل العراق في خبر الآحاد من عرضه على الأصول المجتمعة عندهم من البحث في الكتاب والسنة، فإن كان الخبر مخالفاً لتلك الأصول يعتبرونه شاذاً خارجا على نظائره، فيتوقفون في أمره، ويضاعفون النظر حتى يهتدوا إلى أدلة أخرى، وهي من الأصول الدقيقة عندهم يحتاج تطبيقها إلى مجتهد دقيق النظر واسع العلم كالطحاوى فكتبه في غاية من النفع في أمثال تلك القواعد المهجورة عند ضعفة المتأخرين، وهو لاشك ممن بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، وإن حافظ على انتسابه بأبي حنيفة، وقوله والبدء في العقود لا يصح إلا بما أمر الله به بخلاف ما يطرأ على العقود القائمة، من تلك الأصول التي يعرض عليها الخبر، والخروج من الصلاة تنظير كما أسلفناه، والحاصل أن ما يسوقه الطحاوى من الأنظار ليس لأجل القياس في مورد النص بل لأجل تصحيح خبر أو ترجيحه على خبر على أصلهم المذكور، وإن صح القياس فيما يذكره.
وهاهو الكتاب والسنة وفقهاء الأمة على توافق تام في المسألة، فمن خرج بعد هذا كله، على كل ذلك يكاد يكون خارجا على الإسلام، إلا إذا كان غالطا يجهل المسألة جهلا بسيطا فيمكن إيقاظه بخلاف من كان جهله مركبا أو مكعباً، بأن يكون جاهلا بجهله فقط، أو معتقداً مع هذا الجهل أنه أعلم الخليقة بتلك المسألة المجهولة عنده، والله سبحانه هو الهادى.
حديث ابن عباس في إمضاء عمر للثلاث
قال مؤلف الرسالة بعد أن ادعى أن إمضاء عمر للثلاث على المطلقين ثلاثا كان عقوبة منه لا حكماً شرعيا (ص ?? - ??: وكانت هذه العقوبة من عمر زاجرة للناس عن العبث بالطلاق، وكانت عقوبة لوقتها، ثم اضطرب الامر واسترسل الناس في الميت وأكثر الصحابة حاضرون يرون أمر الذي أقروه؛ ويرهبون خلاف تحرزاً من الخروج على رأى الاكثرين؛ وبعضهم يفهم أن هذا الامر تعزير وزجر؛ فيفتي تارة باعضاء الثلاث التطليقات، وتارة بعدم إمضائها، وباعتبار العالمفتين الاخريين في العدة بالالتين لا تقعان كما ثبت عن ابن عباس الافتاء بهذا وبذاك ... ثم جاء عصر التابعين فاختفوا أيضاً، واختفت عن كثير منهم الروايات فى الفتيا، وكانت العجمة دخلت على الالسنة وسمعوا الروايات على الوجه العربي) طلق فلان ثلاثاً) فظنه من لا يحسن العربية ولم يتأمل الفرق بين الانشاء والخبر، أن قول القائل: أنت طالق ثلاثاً. ونحوه بقصد الانشاء. (وحمل حديث عمر على التكرار في
الجزء 1 · صفحة 34
مجلس بعد أن كان يعتبر تأكيداً على ما يراه النووى والقرطبي)، تأويل لا يعتد به (س ??) ويهدمه حديث ابن عباس في ركانة) في مسند أحمد وسياتي أنه متهدم فكيف يهدم)، وقال ابن حجر (وهذا الحديث نص فى المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره) - وهو معلول عند ابن حجر كما في تخريج أحاديث الرافعي له فماذا يفيد عدم احتماله التأويل -.
أقول إلى أتعجب جدا كيف لا يوجد فى كلام هذا المتمجهد رأى واحد عليه أثر بعض إصابة ولعل الله سبحانه قضى أن يفضح الخارجين على الأمة جمعاء ولا مرد لقضائه وهو الحكيم الخبير.
فيا سبحان الله أمثل عمر رضى الله عنه يكره الناس على خلاف ما ثبت في الشرع ويتهيبه الصحابة فيجارونه وفيهم من يقيم بسيفه اعوجاج من يعوج؟ وما هذا إلا من نزغات الروافض يحاول أهل الفساد إخفاء هذه النزعة تحت كلمات مطاطة.
ولن يجد أى زائغ رواية تصبح عن أى صحابي في الافتاء بأن الثلاث واحدة وغاية ما يجده لا يتعدى أن يكون من قبيل ما نقله ابن رجب عن الأعمش وقد سبق، أو من قبيل رواية أبي الصهباء التي أبدى أهل العلم مافيها من العلل القادحة على فرض احتمال حملها على ما يقوله أهل الزيغ وسيأتى، أو من قبيل رواية أبي الزبير المنكرة وقد سبق التدليل على وجوه الانكار فيها (ص ?? - ??)، أو من قبيل ما وقع فى بعض روايات طلاق ركانة وسيأتي تفنيده، أو من قبيل ما كان ابن سيرين يسمعه عشرين سنة ممن يعده من الصادقين ثم استبان له خلافه كما في صحيح مسلم، أو من قبيل نقل ابن مغيث المتهدم.
أفلم يكن عمر رضى الله عنه يعلم أن اكراه الناس على خلاف شرعهم حرام وأى حرام، وخروج على الشرع وأى خروج، وعلى فرض أنه أكره فما هي قيمة الإكراه على ترك الرجعة أو منع التزويج فوق قيمة الإكراه على النكاح والطلاق عند الأكثرين. أليس في استطاعة هؤلاء المطلقين أن يراجعوا مطلقاتهم من غير علمه، أو أن يتزوجوا بغير علمه فمن الذى يستطيع أن يمنع الناس عما يملكونه إلى أن تختلط الأنساب، ويفتح للشرور كل باب؟؟؟
وقد توهم ابن القيم أن يتمكن من تغطية كلامه الفاسد بأن يقول إن عمل عمر هذا كان من قبيل التعزير المشروع له، فكيف يتصور أن يقدم أى شخص على إلغاء حكم شرعى تعزيراً؟ وأين هذا من التعزير المعروف في الشرع المعترف به عند فقهاء الأمة؟ وليس لذلك نظير واحد فيما أطال ابن القيم
الجزء 1 · صفحة 35
الكلام به بل فتح هذا الباب، فتح لباب إلغاء الشرع كله بمثل هذه التعليلات الواهية - كما استرسل الطوفي الحنبلى فى المصلحة المرسلة فتحا لمثل هذا الباب - فلا ينطوى مثل هذا التعليل إلا على خبث نحو سيدنا عمر ونحو جمهور الأصحاب الذين وافقوه ونحو الشرع الأغر نفسه كما لا يخفى على من غاص في المسألة وقتلها بحثا من جميع نواحيها من غير أن يكتفى بتقليد الشذاذ أو استطراف طرف من البحث فقط.
وقد ذكر ابن رجب فائدة نفيسة فى أقضية عمر في كتابه المذكور ولا يمكنني أن أفوتها من غير أن أشير إليها وهى) أن ما قضى به عمر على قسمين أحدها مالم يعلم النبي الله فيه قضاء بالكلية وهذا على نوعين أحدهما ماجمع فيه عمر الصحابة وشاورهم فيه وأجمعوا معه عليه فهذا لا يشك فيه أحد أنه الحق كالعمرتين وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أن يمضى فى نسكه وعليه القضاء والهدى ومسائل كثيرة، والثانى مالم يجمع الصحابة فيه مع عمر بل بقوا مختلفين فيه في زمنه وهذا يسوغ فيه الاختلاف كمسائل الجد مع الإخوة والقسم الثاني ماروي عن النبي ما فيه قضاء بخلاف قضاء عمر وهو على أربعة أنواع أحدها مارجع فيه عمر إلى قضاء النبي وهذا لا عبرة فيه بقول عمر الأول. والثانى ماروى عن النبي ما فيه حكمان: أحدهما وافق لقضاء عمر فإن الناسخ من النصين ماعمل به عمر؛ والثالث ماصح عن النبي أنه رخص فى أنواع من جنس العبادات فيختار عمر للناس، ماهو الأفضل والأصلح ويلزمهم فهذا لا يمنع العمل بغير ما اختاره عمر، والرابع ما كان قضاء النبي العلة فزالت العلة فزال الحكم بزوالها (كالمؤلفة) أو وجد مانع يمنع من ذلك) اه.
ولا يخفى على المتبصر مرجع هذه المسألة من تلك الأقسام والأنواع. فنحن نتكلم الآن على حديث ابن عباس في إمضاء عمر الثلاث، وحديث ركانة حتى يتبين أنه ليس لأحد من الزائغين وجه تمسك في الحديثين جميعا بل فيهما ما يزيد الجمهور حجة إلى حججهم.
أما حديث ابن عباس الذى يدندن حوله هؤلاء الشذاذ على أمل أنهم يجدون فيه بعض متمسك لهم في خروجهم على الأمة فهو ماروى عن ابن عباس رضى الله عنها أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. وفي لفظ عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس فى الطلاق فأجازه عليهم. وفي لفظ عن
الجزء 1 · صفحة 36
طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنهما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر فقال ابن عباس: نعم. وتلك الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم في صحيحه.
وأما لفظ (يرددن) في مستدرك الحاكم فمن رواية عبد الله بن المؤمل وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن عدى وقال أبو داود منكر الحديث ولفظ ابن أبي مليكة في الحديث لفظ انقطاع ولولا تشيع الحاكم الأبى تخريج الحديث في مستدركه فكم بين الشيعة من ينخدع بتلبيسات الروافض وتسترهم بمذهب الشيعة من غير أن يعلموا مغزاهم بأمثال تلك المسألة.
فلننظر أولا فى لفظ الثلاث هل هو كل ثلاث من أنواع الطلاق بحمل اللام على الاستغراق أم المراد ماهو معهود منها فالحمل على العموم متعذر لأن الثلاث المفرقة على الأطهار لا يتصور توحيدها سواء كان قبل حصر عدد الطلاق في الثلاث أو بعده فإن الناس كانوا يطلقون ماشاءوا قبل الحصر بدون اعتبار أن تكون الثلاث واحدة فلا يكون لتوحيدها معنى قبل الحصر في الثلاث وأما بعده فلا يتصور توحيدها أيضا لأن قوله تعالى (الطلاق مرتان ... ) نص على أن عدد الطلاق اثنتان تصح المراجعة بعدهما فثالثة لا تحل المرأة بعدها للرجل حتى تنكح زوجا غيره، فأنى يمكن توحيدها بعد نزول هذه الآية فلم يبق إلا احتمال أن يكون المراد بالثلاث الثلاث غير المفرقة على الأطهار التي لاوطء فيها دائراً هذا الاحتمال بين أن يكون إيقاعها بلفظ واحد أو بألفاظ فإذا كان إيقاعها بألفاظ فإما أن يكون الإيقاع بها على التعاقب فى المدخول بها أو غير المدخول بها فبأول لفظ تبين غير المدخول بها من غير أن تبقى محلا للثاني والثالث وأما المدخول بها فإن أراد المطلق بها واحدة وأتى بالثانى والثالث على التعاقب لأجل التأكيد يقبل قوله ديانة، وأما إذا كان إيقاعها بألفاظ غير متعاقبة أو بلفظ واحد فيدور أمره بين أن يكون بمعنى أن الثلاث الجارى إيقاعها الآن كان يجرى إيقاع واحدة بدلها في عهد الرسالة وعهد أبى بكر وأوائل عهد عمر رضى الله عنهم وكان الناس يراعون السنة في تفريق التطليقات على الأطهار في تلك العهود ثم تتابعوا في إيقاعها جميعاً في حيض أو طهر واحد بلفظ واحد أو بألفاظ غير متعاقبة، وبين أن يكون بمعنى أن الثلاث الجارى إيقاعها اليوم بلفظ واحد أو الفاظ غير متتابعة في طهر واحد أو حيض كان كذلك في تلك العهود وكانوا يعدونها واحدة فهل تخالفهم في ذلك ونعتبرها ثلاثا على خلاف ما كان يعد فى تلك العهود؟ فالاحتمال الأول من الاحتمالين اللذين انتهى إليها السبر والتقسيم ليس هناك شيء يضاده أو يخالفه.
الجزء 1 · صفحة 37
واما الاحتمال الثانى منهما ففيه مخالفة لرأى الراوى الصحابي فكم رد النقاد أحاديث بمخالفتها لآراء رواتها كما بسط ابن رجب في شرح علل الترمذى وهو مذهب يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وابن المديني وإن رأى بعض أهل العلم الاعتداد بالمروى دون رأى الراوى ولكن هذا فيما إذا كان نصا أو احتمل احتمالا غير مرجوح فأنى يعتد باحتمال مصطنع على هذا الرأى أيضا، ومن اقتصر نظره على كتب المصطلح للمتأخرين فقد غطى على بصره افق نظره، وقد تواتر عن ابن عباس انه يرى ان الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثا وقد سبق رواية ذلك عنه بطريق عطاء وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم بل بطريق طاوس نفسه.
وفيه أيضاً انفراد طاوس على خلاف رواية الآخرين وهذا شذوذ يرد به الحديث كما يرد بالأول.
وفيه أيضاً أنه سبق من تخريج الكرابيسي، أن ابن طاوس راوى هذا الخبر عن أبيه كذب من نسب إلى والده أن الثلاث واحدة. المان وفيه أيضاً أن لفظ طاوس) إن أبا الصهباء قال) لفظ انقطاع، وفي صحيح مسلم بعض أحاديث منقطعة.
وفيه أيضاً أن أبا الصهباء إن كان مولى ابن عباس فهو ضعيف على ما ذكره النسائي، وإن كان غيره فهو مجهول.
وفيه أيضاً أن فى بعض طرق الحديث) هات من هناتك) وجل مقدار ابن عباس أن يواجهه أحد من الصحابة في طبقته فضلا عن مولاه بمثل هذا الخطاب ولا يرد عليه بما يجب.
وفيه أيضاً أنه على تقدير إجابته من غير أن يرد عليه يكون الجواب من هناته المردودة باعترافه، وقد شهر حكم رخص ابن عباس بين السلف والخلف، وعادة مسلم أن يحشر طرق الحديث في صعيد واحد تسهيلا للحكم في الحديث، وهى طريقة بديعة في تعريف مرتبة الحديث.
وفيه أيضاً خروج عمر على الشرع بالرأى، وجل مقدار عمر رضي الله عنه عن مثل ذلك.
وفيه أيضا وصم جمهور الصحابة بأنهم لا يحكمون النبي فيما شجر بينهم، الله بل يحكمون الرأى، وهذه شناعة لا يرتضيها للصحابة رضى الله عنهم إلا الروافض ومصدر هذا الشذوذ الروافض عند أهل التحقيق.
وأما عد ذلك عملا سياسيا يسوغ لعمر عمله تعزيراً، فحاشاه عن ذلك، فمن الذي يبيح الخروج على الشرع سياسة؟ فتلك عشرة كاملة، تقضى على الأخذ بالاحتمال الثاني من الاحتمالين
الجزء 1 · صفحة 38
الأخيرين، فإذن تعين الاحتمال الأول منهما على تقدير صحة الحديث (¬1)، وكنت عللت هذا الحديث فيما علقته على ذيول طبقات الحفاظ بما يقرب من هذا البيان على أن القول بأن الثلاثة واحد ليس من قول المسلمين في شيء.
جعلوا الثلاثة واحداً. لو أنصفوا لم يجعلوا العدد الكثير قليلا
وقال ابن رجب فى كتابه السابق عند ما شرع في الكلام على حديث ابن عباس هذا: فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان أحدهما مسلك الأمام ومن وافقه وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث بشذوذه وانفراد طاوس به وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوى بالحديث (مخالفا للاكثرين) وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه وأن يكون شاذا ومنكرا إذا لم ير ومعناه من وجه يصح وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين كالامام أحمد ويحيى بن معين ويحيى بن القطان وعلى بن المدينى وغيرهم، وهذا الحديث ما يرويه عن ابن عباس غير طاوس، قال الامام أحمد في رواية ابن منصور (وقد أشرنا إليه فيما سبق) كل أصحاب ابن عباس روى عنه خلاف ما روى طاوس. (ومثله فيما نقلناه عن الأثرم) وقال الجوزجانى (صاحب الجرح) هو حديث شاذ، وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا اهـ. ثم قال ابن رجب ومتى أجمع الأمة على أطراح العمل بحديث وجب اطراحه وترك العمل به. وقال عبد الرحمن ابن مهدى لا يكون إماما في العلم، من يحدث بالشاذ من العلم، وقال إبراهيم النخعى كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف وإلا فدعه، وعن مالك: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذى قد رواه الناس، وفى هذا الباب شيء كثير (¬2).
ثم قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس وهو راوى الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث
¬
(¬1) ولو لم اتعرض لاحتمال النسخ أنه احتمال ضعيف جدا وإنما تعرض له الشافعي ومن تابعه ارخاء للعنان إلى حد أضعف الاحتمالات حتى يتم الاجهاز على التمسك بهذا الحديث من كل النواحي والكلام في هذا طويل الذيل متشعب.
(¬2) قال ابراهيم بن أبي عبلة من حمل شاذ العلم حمل شراً كبيراً، وقال شعبية لا يجيبك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ ذكره ان رجب في شرح علل الترمذي.
الجزء 1 · صفحة 39
ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره (الموفق بن قدامة) فى المغنى وهذه أيضا علة فى الحديث بانفرادها، فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ والإنكار وإجماع الأمة على خلافه، وقال القاضى إسماعيل في أحكام القرآن طاوس مع فضله وصلاحه، يروى أشياء منكرة، منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يتعجب من كثرة خطأ طاوس وقال ابن عبد البر شذ طاوس فى هذا الحديث، ثم قال ابن رجب: وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل اهـ. وقال الكرابيسي في أدب القضاء، إن طاوسا يروى عن ابن عباس أخبار آمنكرة ونراه والله أعلم أنه أخذها عن عكرمة، وعكرمة توقاه سعيد بن المسيب، وعطاء، وجماعة، وكان قدم على طاوس، وأخذ طاوس عن عكرمة عامة ما يرويه عن ابن عباس اهـ. وقال أبو الحسن السبكي، فالحملة على عكرمة، لا على طاوس اهـ. وسبق أن سقنا رواية الكرابيسي عن ابن طاوس ما ينفى ذلك عن أبيه، هذا ما يتعلق بالمسلك الأول (¬1).
وعن الطريق الثانى يقول أيضا ابن رجب: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها، نقله ابن منصور عن اسحق بن راهويه وأشار إليه الحوفى في الجامع وبوب عليه أبو بكر الأثرم فى سفنه وأبو بكر الخلال يدل عليه، وفي سنن أبي داود من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس عن ابن عباس، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدر من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال أجيز وهن عليهن وأيوب إمام كبير، فإن قيل تلك الرواية مطلقة، قلنا نجمع بين الدليلين، ونقول هذا قبل الدخول اهـ. ما ذكره ابن رجب في المسلك الثاني.
وحاول الشوكانى أن يجعل هذا من قبيل التنصيص على بعض أفراد العام في جزئه في الطلاق الثلاث، وقد ذكرنا ما ينافى حمل اللام في الثلاث على الاستغراق فلا يكون من هذا القبيل، وإنما كلام الشوكاني هذا لمجرد أن يبقى وهو يتكلم تفع كلامه أم لم ينفع، شأن من قال عنه زفر بن الهذيل ما سبق
¬
(¬1) ورواية ابن القيم عن عمر قدمه على ما فعل في الطلاق أخلوقة باطلة وفى سند هذه الرواية خلد بن يزيد بن أبي مالك يقول عنه ابن معين لم يرتض أن يكذب على أبيه فقط حتى كذب على الصحابة وكتاب الديات له حقه أن يدفن اهـ: ونقطة الخاء سالت على ميل إلى طرف - من كثرة الحبر على طرف القلم فرسم زواية حادة فصحفه من رآه إلى مجالد وخالد بن يزيد هذا لين له أخ باسم مجالد أصلا وأبوه لم يدرك عمر قطعا.
الجزء 1 · صفحة 40
ذكره، ثم قال الشوكاني إن الطلاق قبل الدخول نادر فكيف يتتابع الناس حتى يغضب منه عمر أقول ما يعد نادراً فى بلد أو زمن كثيراً ما يكون غير نادر بل كثير الوقوع في زمن. آخر وفي بلد آخر فيكون كلامه هذا غير وارد، على أن هذا الكلام من الشوكاني محاولة منه لإبطال حكم الحديث المروي في سنن أبي داود بالرأى، ولعل هذا القدر من البيان يكفى لتبيين أنه لا متمسك لهم في حديث ابن عباس أصلا.
وأما حديث ركانة الذى يريدون أن يتمسكوا به فهو ما أخرجه أحمد في مسنده، حيث قال حدثنا سعد بن إبراهيم قال: أنبأنا أبى عن محمد ابن إسحاق، قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: طلق ركانة بن عبد يزيد زوجته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديداً، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثافي مجلس واحد. قال: إنما تلك واحدة فراجعها إن شئت. قال: فراجعها اه
و إنى أستغرب جداً ممن يزعم أن الطلاق ثلاثا لم يكن في زمن الصحابة بلفظ (أنت طالق ثلاثا) كيف يحاول الاستدلال بهذا الحديث على رد الثلاث إلى واحدة فما يقع في مجلس واحد إن لم يكن بلفظ (أنت طالق ثلاثا) يكون بتكرير اللفظ، وهو يحتمل تأكيد الواحدة وإنشاء الثلاث فإذا علم أنه ما أراد إلا واحدة يقبل قوله ديانة ويكون قوله (طلقتها ثلاثاً) بمعنى أنه كرر لفظ الطلاق ويكون الراوى اختصر الحديث وروى بالمعنى.
على أن هذا الحديث منكر كما يقول الجصاص وابن الهمام لمخالفته لرواية الثقات الأثبات. ومعلول كما يقول ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي.
و في تخريج الرافعي له (حديث إن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول الله فقال: إنى طلقت امرأتى سهيمة البتة ووالله ما أردت إلا واحدة فردها على). أخرجه الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه، واختلفوا. هل هو مسند إلى ركانة أو مرسل عنه؟ وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم وأعله البخارى بالاضطراب، وقال ابن عبد البر فى التمهيد ضعفوه وفى الباب عن ابن عباس (يعني بلفظ ثلاث كما سقنا) رواه أحمد والحاكم وهو معلول ?هـ. بل صوب ابن حجر في الفتح رأي من رأى أن الثلاث من تغيير بعض الرواة حيث كانت البتة شائعة في إيقاع الثلاث بها، وأقوال أهل العلم في (بتة) مشهورة.
فلنتكلم الآن على حديث ابن اسحق في مسند أحمد ليتبين وجوه الإنكار والإعلال فيه. أما محمد
الجزء 1 · صفحة 41
بن إسحق فقد كذبه مالك وهشام بن عروة وغيرهما بقلم عريض وكان يدلس عن الضعفاء وينقل من كتب أهل الكتاب من غير أن يبين يرمى بالقدر ويتهم بإدخال أحاديث الناس في حديثه وليس هو ممن يقبل قوله في الصفات ولا فيما تتابعت الروايات على ضد ماير ويه هو في أحاديث الأحكام ولو صرح بالسماع وقواه من قواه فى المغازى، وداود من الحصين من الدعاة إلى مذهب الخوارج الشراة ولولا أن مالك بن أنس روى عنه لترك حديثه كما قال أبو حاتم. وقال ابن المدينى: مارواه ابن الحصين عن عكرمة فمنكر وكلام أهل الجرح والتعديل فيه طويل الذيل ومن قبل روايته إنما قبل ماسلم من النكارة من مروياته فكيف تقبل رواية مثله ضد الأثبات الثقات، وعكرمة يرمى بغير واحدة من البدع وتحاماه مثل ابن المسيب وعطاء فكيف يقبل قوله ضد روايات الثقات عن ابن عباس فأصاب جداً من قال إنه منكر ولا يصح عن أحمد تحسين هذا المتن بمثل هذا السند وهو القائل بأن خبر طاوس عن ابن عباس في الثلاث شاذ مردود كما أسلفنا عن اسحق بن منصور وأبى بكر الأثرم.
وقال ابن الهمام، والأصح ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه أن ركانة طلق زوجته البتة، فخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه ما أراد إلا واحدة، فردها إليه، فطلقها الثانية فى زمن عمر رضى الله عنه، والثالثة في زمن عثمان رضى الله عنه، ومثله في مسند الشافعي، ففى سند أبي داود نافع بن عجير بن عبد يزيد فنافع ذكره ابن حبان في الثقات وإن جهله بعض من يكثر جهله بالرجال وأبوه يكفيه أن يكون تابعياً كبيراً لم يذكر بجرح، وعبد الله بن على بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد أبى ركانة في سند الشافعي وثقه الشافعي، وأما عبدالله بن علي بن يزيد بن ركانة الذي يذكره ابن حزم فقد وثقه ابن حبان على أنه يكفى في التابعين ألا يذكر وا بجرح ليخرجوا عن الجهالة وصفا، وفي الصحيحين من هذا الصنف كثير من الرجال على ما ذكره الذهبي في مواضع من الميزان وعلى هذا الحديث عول أبو داود قائلا إن ولد الرجل وأهله أعلم به.
وقال ابن رجب بعد أن ساق حديث ابن جريج الذى يقول فيه: أخبرنى بعض بني أبي رافع مولى النبي الله عن عكرمة عن ابن عباس بمعنى ما في مسند أحمد: إن في إسناده مجهولا، والذى لم يسم هو محمد بن عبد الله بن أبي رافع وهو رجل ضعيف الحديث وأحاديثه منكرة، وقيل إنه متروك فسقط هذا الحديث حينئذ، وفى رواية محمد بن ثور الصنعاني إني طلقتها. بدون ذكر (ثلاثا) وهو ثقة كبير ويعارضه أيضا ما رواه ولد ركانة أنه طلق امرأته البتة اه. وبه يعلم فساد قول ابن القيم في هذا الحديث.
وعلى القول بصحة خبر (البتة (يزداد به الجمهور حجة إلى حججهم، وعلى دعوى الاضطراب
الجزء 1 · صفحة 42
في حديث ركانة كما رواه الترمذى عن البخارى وعلى تضعيف أحمد الطرقه كلها ومتابعة ابن عبد البر له في التضعيف يسقط الاحتجاج. بأي لفظ من ألفاظ رواية حديث ركانة.
ومن جملة اضطرابات هذا الحديث روايته مرة بأن المطلق هو أبو ركانة وأخرى بأنه ابنه ركانة لا أبوه، ويدفع أن هذا الاضطراب في رواية الثلاث دون رواية البتة وهى سالمة من العلل متنا وسنداً ولو فرضنا وجود علة فيها يبقى سائر الأدلة بدون معارض ..
وقال ابن رجب: لا نعلم من الأمة أحداً خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكما، ولا قضاء، ولا علما، ولا إفتاء، ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جداً، وقد أنكره عليهم من عاصرهم غاية الإنكار، وكان أكثرهم يستخفى بذلك ولا يظهره فكيف يكون إجماع الأمة على إخفاء دين الله الذي شرعه على لسان رسوله، واتباع اجتهاد من خالفه برأيه فى ذلك هذا لا يحل اعتقاده البتة اهـ.
ولعله ظهر بهذا البيان أن إمضاء عمر للثلاث حكم شرعي مستمد من الكتاب والسنة مقارنا لإجماع فقهاء الصحابة فضلا عن التابعين ومن بعدهم، وليس بعقوبة سياسية ضد حكم شرعى، فالخارج على إمضاء عمر خارج على ذلك كله.
***تعليق الطلاق والحلف به
وقال (فى ص 114: والطلاق المعلق كله غير صحيح ولا واقع ... وفى ص ?? وقوى أمرهم في ذلك أهواء الملوك والامراء وخاصة في أمر البيعة ... ) أقول أما مازعمه المؤلف من بطلان التعليق بنوعيه واتهامه الفقهاء الصدر الأول بمسايرة أهواء الملوك والأمراء في أيمان البيعة فمن التجرؤ البالغ عند من اطلع على نصوص الفقهاء في المسألة وعرف أحوال هؤلاء الفقهاء من التفاني في سبيل الحق وكنت أظن أن الدرة المضية وما معها من الرسائل لأبي الحسن السبكى المنشورة قبل سنين لم تدع وجه ارتياب فى مسألة التعليق لمن اطلع عليها من الذين لا يتسع لهم وقت لتقليب أوراق الكتب المبسوطة فى فقه المذاهب ولعل المؤلف لم يطلع عليها أو اختط لنفسه خطة اللجاج في المسألة
ومذهب فقهاء الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وقوع الطلاق المعلق عند حصول الشرط سواء كان الشرط من قبيل اليمين باعتبار إفادته الحث أو المنع أو التصديق أو لم يكن من قبيل اليمين لعدم إفادته أحد تلك المعاني وخالفهم ابن تيمية بأن يقول لا يقع الطلاق الذى هو من قبيل اليمين بل تجب الكفارة عند
الجزء 1 · صفحة 43
الصفحة 59
1661
الحنث وهذا مالم يقل به أحد قبله، وخالفهم الروافض أيضا فى النوعين جميع وتابعهم بعض الظاهرية ومنهم ابن حزم وهم محجوجون جميعاً بالإجماع السابق وممن حكى الإجماع في ذلك: الشافعى وأبو عبيد وأبو ثور وابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزى وابن عبد البر فى التمهيد والاستذكار وابن رشد الفقيه في المقدمات وأبو الوليد الباجي في المنتقى وهؤلاء في سعة العلم بالآثار بحيث لو عطس أحدهم لتناثر من معطسه عشرات من أمثال الشوكاني ومحمد بن إسماعيل الأمير والقنوجي. وعن محمد بن نصر وحده يقول ابن حزم: فلو قال قائل ليس لرسول الله
حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر لما بعد عن الصدق اهـ. وهؤلاء العلماء أمناء في نقل الإجماع، وفى صحيح البخارى فتوى ابن عمر بالإيقاع. قال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت. فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء، وظاهر هذه الفتوى في هذه المسألة، فمن يشك في علم ابن عمر وتحريه في فتاويه؟ ولا يعرف أحد من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى ولا أنكرها عليه.
وقد قضى على كرم الله وجهه في يمين بالطلاق بما يقتضى الإيقاع فإنهم رفعوا الحالف إليه ليفرقوا بينه وبين الزوحة بحنثه فى اليمين فاعتبر القضية فرأى فيها ما يقتضى الإكراه حيث قال (اضطهد تموه» فرد الزوجة عليه لأجل الإكراه وهو ظاهر في أنه يرى الايقاع لولا الاكراه ومن مثل أبي الحسن في القضاء؟ وتكلف ابن حزم إخراج هذا القضاء عن صوابه وسعى في إخراج القضية عن ظاهرها عن هوى كما إن قوله في قضاء شريح من هذا القبيل
(1)
(?) وقول الراوي (لم يره حدثا) دليل ظاهر على أنه لو عد ما عمله الحالف حدثاً لأوقع عليه الطلاق، وجب تعليقه.
الجزء 1 · صفحة 44
الصفحة 60
1071
وفى سنن البيهقى بسند صحيح عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته قال: هي واحدة. وهو كثيف ملىء علما فمن مثله في صحة فتاويه؟ ويروى عن أبي ذر تعليق بمثل ذلك وكذا عن الزبير، والآثار في هذا الصدد كثيرة، وفى الكتاب إيقاع اللعنة على تقدير الكذب. وقد قالت عائشة رضى الله عنها) كل يمين وإن عظمت ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين (وهذا الأثر نقله ابن عبد البر بهذا اللفظ في التمهيد والاستذكار مسنداً وإن حذف أحمد بن تيمية الاستثناء حينما نقل هذا الأثر خيانة منه في النقل هكذا قال أبو الحسن السبكي. فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه إلا الإفتاء بالوقوع.
وأما التابعون فأئمة العلم منهم معدودون معر وفون وكلهم أوقعوا الطلاق بالحنث. قال أبو الحسن السبكى فى الدرة المضية التي لخصنا غالب هذا البحث منها: وقد نقلنا من الكتب المعروفة الصحيحة كجامع عبد الرزاق ومصنف بن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور والسنن الكبرى للبيهقى وغيرها فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد، وكل ذلك بالأسانيد الصحيحة أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين ولم يقضوا بالكفارة وهم: سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعطاء والشعبى وشريح وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وقتادة والزهرى وأبو مخلد والفقهاء السبعة فقهاء المدينة وهم عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود وخارجة من زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدما على غيرهم، وأصحاب ابن مسعود السادات وهم: علقمة بن قيس، والأسود، ومسروق، وعبيدة السلماني،
الصفحة 61
- ov-
وأبو وائل شقيق بن سلمة وطارق بن شهاب، وزر بن حبيش، وغير هؤلاء من التابعين مثل ابن
الجزء 1 · صفحة 45
شبرمة وأبي عمر والشيباني وأبي الأحوص، وزيد بن وهب والحكم بن عتيبة وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمر وكل هؤلاء نقلت فتاويهم بالإيقاع ولم يختلفوا في ذلك ومن هم علماء التابعين غير هؤلاء؟ فهذا عصر الصحابة وعصر التابعين كلهم قائلون بالايقاع ولم يقل أحد منهم إن هذا مما يجزىء به
الكفارة.
وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة كلها تشهد بصحة هذا القول كأني حنيفة والثورى ومالك والشافعي وأحمد وإسحق بن راهويه وأبي عبيد وأبى ثور وابن المنذر وابن جرير لم يختلفوا في هذه المسألة. ولم يتمكن ابن تيمية من أن ينسب الافتاء بعدم الوقوع إلى أحد من التابعين، سوى طاوس تبعا لا بن حزم وهو غالط فى الرواية عنه، وتابعه أغلط وإنما فتواه فى حق المسكره كما يظهر من كتاب عبد الرزاق نفسه وإليه يعزو ابن حزم الرواية. وقد صح النقل عن طاوس بالايقاع فى سنن سعيد بن منصور ومصنف عبدالرزاق وغيرهما. ومخالفة بعض الظاهرية لهذا الحكم في زمن متأخر محجوجة بالاجماع السابق، وليس الاجماع كما يريد ابن حزم أن يصوره تملصا من أقوال الصحابة الذين هم أمناء في نقل الدين إلينا، على أن الظاهرية نفاة القياس ليسوا ممن يعتد بكلامهم في الاجماع عند أهل التحقيق وإن كان لكل ساقطة لاقطة. قال أبو بكر الرازي الجصاص في أصوله: لا يعتد بخلاف من لا يعرف أصول
الشريعة ولم يرتض بطرق المقاييس ووجوه اجتهاد الرأى كداود الأصبهاني والكرابيسي وأضرابهما من السخفاء الجهال لأن هؤلاء إنما كتبوا شيئا من الحديث ولا معرفة لهم
بوجوه النظر ورد الفروع والحوادث إلى الأصول فهم بمنزلة العامى الذي لا يعتد
الصفحة 62
-??-
بخلافه الجهله ببناء الحوادث على أصولها من النصوص، وقد كان داود ينفى حجج العقول، ومشهور عنه أنه كان يقول: ليس فى السموات والأرض ولا في أنفسنا دلائل على الله تعالى وعلى توحيده وزعم أنه إنما عرف الله عز وجل بالخبر ولم يدر
الجزء 1 · صفحة 46
الجاهل أن الطريق إلى معرفة صحة خبر النبي الهلال والفرق بين خبره وخبر مسيلمة وسائر المتنبئين والعلم بكذبهم إنما هو العقل والنظر في المعجزات والأعلام والدلائل التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى فإنه لا يمكن أحدا أن يعرف النبي ع قبل أن يعرف الله تعالى. فمن كان هذا مقدار عقله ومبلغ علمه كيف يجوز أن يعد من أهل العلم وممن كان يعتد بخلافه. وهو معترف مع ذلك أنه لا يعرف الله تعالى لأن قوله إلى ما أعرف الله تعالى من جهة الدلائل اعتراف منه بأنه لا يعرفه فهو أجهل من العامي وأسقط من البهيمة فمثله لا يعتد بخلافه على أهل عصره إذا قال قولا يخالفهم به فكيف بخلافه على من تقدمه، ونقول أيضاً في كل من لم يعرف أصول السمع وطرق الاجتهاد والمقاييس الفقهية إنه لا يعتد بخلافه وإن كان ذا حظ من المعرفة بالعلوم العقلية بل يكون هو أيضا بمنزلة العامي في عدم الاعتداد بخلافه اهـ. جزي الله الجصاص عن العلم خيراً قد أبان عن هذه الفئة السخيفة وإن أبدى فيهم بعض قسوة وهو من أعرف الناس بهم لقرب عهده من زمن إمامهم ومعاصرته لكبار دعاته وإنما ذلك منه حيث يغار على دين الله من أن يعبث به الجاهلون وهم ممن أمر الله سبحانه بالقول البليغ فيهم ومن تساهل معهم فقد ضر الدين من غير أن ينفعهم، وتابعه فى هذه الشدة إمام الحرمين ومن ظن أن قول إمام الحرمين في ابن حزم وأتباعه فقد جهل التاريخ لأنه لم يكن مذهب ابن حزم في عصر إمام الحرمين ذائعاً في الشرق حتى يتكلم عنه باسم الظاهرية.
الصفحة 63
-09 -
وأما الذي أطال النفس في الرد على ابن حزم فهو أبو بكر بن العربي فإنه قال في «القواصم والعواصم - ج ? ص 67 - 98، عن الظاهرية: (وهى أمة سخيفة تسورت على مرتبة ليست لها، وتكامت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكم على رضى الله عنه يوم صفين فقالت لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل»، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي، القول بالباطن
الله
الله
فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من بادية أشبيلية يعرف بابن
الجزء 1 · صفحة 47
حزم نشأ وتعلق بمذهب الشافعي ثم انتسب إلى داود ثم خلع الكل واستقل بنفسه وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع ويحكم ويشرع وينسب إلى دين ماليس فيه ويقول عن العلماء مالم يقولوا تنفيرا للقلوب عنهم وتشنيعاً عليهم اه.) ثم ذكر هناك كثيراً من مخازيه مما فيه عبرة لمن أولى التبصر، ولا يجهل مقدار أبي بكر بن العربي هذا في سعة العلم ومتانة الدين والأمانة في النقل إلا الجهلة الأغمار وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن أبى الحجاج يوسف اللبلى الأندلسي في فهرسته عن ابن حزم: (ولا يشك فى أن الرجل حافظ إلا أنه إذا شرع في تفقه ما يحفظه لم يوفق فيما يفهمه لأنه قائل بجميع ما يهجس في صدره ومما يدل على صحة ما أقوله أن من عنده أدنى مسكة من عقل لا يقول بما يقول هو به من أن القدرة القديمة تتعلق بالمحال اهـ). وما هذى به ابن حزم المسكين في «الفصل» من تعلق القدرة بالمحال شناعة لاتتصور فوقها شناعة وقد رد على هذا الهذيان الحافظ اللبلى في فهرسته أوضح رد ثم قال: (والذى يغلب على الظن أن ما يصدر من ابن حزم: من هذا الكفر العظيم وما يقوله من الهذيان والتخرص والبهتان لا يكون صدورها منه في حال السلامة من عقله والصحة من ذهنه وأنه ربما يهيج عليه أخلاط يعجز عن مداواتها سقراط وبقراط فيصدر منه هذه الحماقات ويهذى بهذه المحالات ..
الصفحة 64
--
جنونك مجنون ولست بواجد طبيباً يداوى من جنون جنون اه). ثم أفاض اللبلى في نقض ما يقوله ابن حزم في الأشعرى وأصحابه. وصرح غير واحد من أهل العلم أن أصل ابن حزم من أعلاج بادية أشبيلية تم انتسب فارسياً من موالى بني أمية تزلفا إليهم، ومن لا يصدق في نسب نفسه كيف ينتظر منه الصدق فيما سواه وأول من أوقفه عند حده في العلم هو أبو الوليد الباجي بمناظراته المعروفة، ومن الكتب المؤلفة في الرد على ابن حزم كتاب النواهي عن الدواهي» لأبى بكر بن العربي مهم جدا وهو من الكتب التي
6
انتقلت إلى الغرب قبل سنوات يسيرة والغرة فى الرد على الدرة» له أيضاً، وه المعلى في الرد على المحلى» لأبي الحسين محمد بن زرقون الأشبيلي، و «القدح المعلى في الكلام على بعض أحاديث المحلى،
الجزء 1 · صفحة 48
للحافظ قطب الدين الحلبي. ومما يؤسف له جد الأسف أن تطبع كتب مثل ابن حزم من غير يہ تم بطبع الكتب المؤلفة لنقد أباطيله وهذا لا يستساغ في بلد لم يحرم الإشراف العلمي على شئون العلم ولم يفقد حراسة الشرع من أن يعبث به الجهلة الأعمار فهل تفريق كلمة المسلمين وتشتيت اتجاههم في مصلحة أحد سوى أعدائهم؟ وليس بين المبتدعة والشذاذ من لا يهول ولا يغالط بملء شدقيه فى مزاعمه فأنى للعامة بل لكثير من الخاصة أن يميزوا الحق من الباطل من بين أقوالهم؟ ألهم الله أهل الشأن السهر على شرع المسلمين ومعتقدهم.
وقد روى كثير عن داود أنه كان يقول ما معناه: هذا القرآن الذي بين أيدينا محدث أما الذى فى اللوح المحفوظ فهو القديم .. وهذا دليل على مبلغ علمه بأصول الدين
وابن حزم كان من هذا الطراز إلا أنه تحسنت حالته يسير نحو العقل بمطالعة كتب الجصاص حتى خص فى أحكامه باباً لحجج العقول مستمداً من مثل هذا الباب في أصول الجصاص كما يظهر ذلك من المقارنة بين البابين ولولا تشدد الجصاص على داود في ابتعاده عن حجج العقول لبقى ابن حزم في غفوة دائمة، وإن كان ابن حزم يكثر الوقيعة فى الجصاص انتقاماً منه لإمامه من غير جدوى. ولولا قول ابن حزم في تعلق قدرة الله ما قال مما صار به بين أهل العلم مضرب مثل كما سبق لقلنا إنه أصلح من شأنه كثيراً فى أصول الدين (¬1) (1). وأما في الفروع فليس بأحسن حالا من داود، ومسألة البائل فى الماء الدائم معروفة. على أنه أحسن بكثير من ابن تيمية وأصحابه في باب الاعتقاد والله سبحانه هو الهادى.
فمن أحاط خبراً بما فى مجموعة الرسائل للسبكي في هذه المسألة فضلا عن الكتب المبسوطة من الجوامع والمصنفات لا يمكنه أن يقول ببطلان قسمى الطلاق المعلق جميعا ولا ببطلان أحدهما وإنما ذكرنا ماسردناه هنا لفتا للأنظار إلى مصادر البحث المذكور لمن يريد الحق ولا يحب المجازفة في دين الله وقول المؤلف (ص ??: وقوى أمرهم فى ذلك أهواء الملوك والأمراء) كلمة كبيرة جداً نحو أئمة السلف وفرية عظيمة عليهم وكم بينهم من كتف وسجن، وجلد وسم، وأشخص وقتل من غير أن
¬
(¬1) يشير المؤلف إلى قول ابن حزم إن قدرة الله تتعلق بكل شيء حتى المستحيل وهو قول متناقض غير معقول. فانه لا معنى المستحيل إلا عدم إمكان وجوده وإلا لم يكن مستحيلا.
الجزء 1 · صفحة 49
تلين لهم قناة فى دين الله، والدفاع عن الحق في سبيل الله، وقياس الغائب على الشاهد، والغابر على الحاضر، مضلة في أمثال هذه المسائل نسأل الله السلامة.
هل وقوع الطلاق البدعى مسألة خلافية
بين الصحابة والتابعين كما يزعم المتمجهد
أما قول مؤلف الرسالة (فى ص ??: إن الخلاف في وقوع الطلاق البدعى والطلاق ثلاث مرات جميعاً ثابت من عهد الصحابة فمن بعدهم في كل عمـ عصر وكان أئمة أهل البيت رضي الله عنهم يفتون بعدم الوقوع .. وكان العلماء المصلحون المجتهدون في كل عصر (ص ??) يفتون الناس بالقول الصحيح الراجح من بطلان الطلاق البدعى ومن وقوع الثلاث مجتمعة، طلقة واحدة فبعضهم يجاهر بفتياه ويصدع بالحق وبعضهم يفتى بحذر خشية العامة والدهماء حتى قام المجدد العظيم ... أحمد بن تيمية وتلميذه على الاضطهاد والبلاء فى سبيل الله ولسان حال كل منهم يقول: الجرىء .. ابن القيم .. وصبر على الاضطهاد والبلاء في سبيل الله ولسان حال كل منهم يقول:
ولست أبالى حينما أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعى
وتبعهما على ذلك كثير .. إلى العصر الذي نحن فيه اهـ).
أقول: واحتساب الطلقة فى الحيض منصوص في أحاديث سبق ذكرها وزيادة أبي الزبير التي يحاول أذيال الخوارج والروافض التمسك بهاز يادة منكرة وقد قال أبو داود وأحاديثهم على خلاف ما قال أبو الزبير وقال ابن عبد البر منكر لم يقله غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه (وما يعزى إلى التمهيد من المتابعات فبأسانيد باطلة عن أناس هلكي) وليس ابن عبد البر ممن يتناقض، وقال الخطابي قال أهل الحديث لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا وقال أبو بكر الجصاص غلط فأنى يمكن لهم التمسك بمثل هذه الزيادة المنكرة باتفاق من يعى ما يقول على أن الزيادة المذكورة أعنى (ولم يرها شيئاً) على تقدير ثبوتها بعيدة عن الدلالة على ما يزعمون لأنها تحتمل لما ذكره الشافعي والخطابي وابن عبد البر نحو شيئاً مستقيما أو صوابا إلى آخر تلك الاحتمالات المسرودة في موضعها فإن من نطق بالطلاق فقد تكيف به الهواء فلفظه شيء موجود فلا يصح نفيه إلا بملاحظة صفة كما ذكر وقول الشوكاني إنه نص يدل على أنه لا يفكر فيما يقول.
ومن أحاط بما ذكرناه سابقاً ولا حقاً لا يتردد لحظة في بطلان قول مؤلف الرسالة برمته لكن لا
الجزء 1 · صفحة 50
بأس باعادة الكلام بمناسبة أشخاص يشير إلى خلافهم في المسألة ليتم الإجهاز عليه وقد روينا الافتاء بوقوع ما أوقع من الطلاق في الحيض والطهر بدون أي فرق بين الواحدة والاثنتين والثلاث في وقوعها فيهما إلا من جهة الأئم عن عمر في سنن سعيد بن منصور، وعثمان بن عفان في محلى بن حزم، وعلى، وابن مسعود في سنن البيهقى، وابن عباس وأبى هريرة، وابن الزبير، وعائشة، وابن عمر في موطأ مالك وغيره، ومغيرة بن شعبة، والحسن بن على في سنن البيهقى وعمران بن حصين فى منتقى الباجي وفتح ابن الهمام، وأنس في آثار الطحاوى وغيرهم بدون أن تصح مخالفة أحد من الصحابة لهم، قال الخطابي القول بعدم وقوع الطلاق البدعى قول الخوارج والروافض وقال ابن عبد البر لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال.
وقال ابن حجر فى آخر كلامه على الطلاق الثلاث في فتح البارى فالمخالف بعد هذا الإجماع نابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق) فوصل إلى نتيجة أن وقوع الثلاث مجموعة على المدخول بها مسألة إجماعية كتحريم المتعة على حد سواء وكلامه هذا يدل على أنه لا يرى أن هناك خلافا يعتد به وإلا لما أمكنه أن يدعى الإجماع في المسألة عند ما يختتم تحقيقه فاعتراضه فيما سبق على قول ابن التين (لا خلاف فى الوقوع وإنما الخلاف في الأئم) بأن الخلاف في الوقوع نقله ابن مغيث فى الوثائق عن على وابن مسعود وعبد الرحمن ابن عوف والزبير وعزاه لمحمد بن وضاح ... ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمر وبن دينار اهـ، إنماهو اعتراض صورى وكيف لا وهو يعلم جيداً أنه لن يثبت عن هؤلاء الأربعة من الصحابة ولا عن هؤلاء الثلاثة من أصحاب ابن عباس شيء ينافي ما عليه الجمهور من وقوع الثلاث مجموعة على المدخول بها ولولا رغبته الشديدة في جمع كل ما قيل، في كتابه لما أباح لنفسه أن ينقل مثل هذه النقول الزائفة وإذا لم يربأ العالم بنفسه عن أن ينقل عن مثل ابن مغيث كل غث وسمين بدون خطام ولا زمام يسود وجه نفسه قبل أن يسود على أهل العلم بكثرة الاطلاع بل يعرض نفسه لأن يعد حاطب ليل، وقد سبق الأبي ابن حجر في نقل ذلك عن ابن مغيث فى شرح مسلم لكن بواسطة طرر ابن عات وطرر ابن عات مما عرف بالضعف عند المالكية فيكون هذا بمنزلة النص منه على توهين تلك الروايات. وقد نقل قبل الأبى وابن حجر ابن فرح في جامع أحكام القرآن الجارى طبعه - عن وثائق ابن مغيث مباشرة ما يتعلق بهذا البحث في نحو صفحة ومنه كان ابن القيم وأذنابه تناقلوا تلك الروايات الكاذبة وجامع أحكام القرآن هذا يمتاز بالإكثار من النقل النصوص كتب ليست بمتناول الأيدى اليوم وأما الدقة في التفكير والإجادة في البحث والتصرف
الجزء 1 · صفحة 51
في العلم فليست من صناعة مؤلفه الصالح وإنما غاية ما يعمله هو التمسك بمذهبه بنوع من القسوة وإن شئت فقل بنوع من التعصب، وفي جامع أحكام القرآن هذا وفى شرح الأبى على صحيح مسلم تصحيفات في الأعلام المذكورة في هذا البحث.
وأما ابن مغيث فهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي المتوفى سنة 459 عن 53 سنة وليس هو ممن عرف بالأمانة في النقل ولا بجودة الفهم في تفقهاته وقوله في تعليل الرأى الشاذ) وقوله ثلاثاً لا معنى له لأنه أخبر ... ) من الدليل على أنه ماشم رائحة الفقه والفهم، وكان يعاني عمل كل مفت ماجن، وقد عزا تلك الروايات لمحمد بن وضاح بدون ذكر سند، مع أن بينهما مفاوز، وأنى يعول على
مثل ابن مغيث هذا؟. وليس ابن مغيث صاحب الوثائق سوى مضرب مثل للجهل والسقوط العلمى فى الغرب بين نقاد أهل العلم من الأندلسيين، فكيف يذكر مثله في صدد النقل عن الأصحاب بدون إسناد.
قال أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصم بعد أن شرح كيف تعاطت المبتدعة فى الغرب منصب الفقهاء حتى اتخذ الناس رءوساً جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وذكر كيف فسد التعليم: (ثم يقال قال فلان الطليطلي وفلان المجريطى وابن مغيث لا أغاث الله نداءه، ولا أنا له رجاءه، فيرجع القهقرى ولا يزال إلى ورا، ولولا أن الله تعالى من بطائفة نفرت إلى ديار العلم، فجاءت بلباب منه كالأصيلي والباجى فرشت من ماء العلم على هذه القلوب الميتة، وعطرت أنفاس الأمة الزفرة لكان الدين قد ذهب اهـ. وذكر لبعض كبار المالكية ماينقل عن ابن مغيث هذا فقال ما ذبحت دجاجة فى عمرى ولكن أرى ذبح من يخالف الجمهور في هذه المسألة، يعنى ابن مغيث هذا.
وأما موضع التعويل على النقل عن الأصحاب فإنما هو مثل الأصول السنة وباقى السنن والجوامع والمسانيد والمعاجم والمصنفات ونحوها. مما لا يذكر فيه نقل عن أحد إلا ومعه إسناده، وأين فيها نقل خلاف ما عليه الجمهور في المسألة عن هؤلاء وقد صح النقل عن على بن أبي طالب كرم الله وجه أنه قال لمن طلق ألفاً (ثلاث تحرمها عليك (الحديث أخرجه البيهقى فى السنن وابن حزم في المحلى بطريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عنه كرم الله وجهه كما روى عنه ابنه الحسن فيمن طلق ثلاثاً مبهمة بإسناد صحيح كما قال ابن رجب وصح عنه أيضاً بطرق قوله في كل من: حرام،
الجزء 1 · صفحة 52
والبتة: إنه ثلاث تطليقات. وأما من نسب إليه خلاف ذلك فإنما نسبه إليه للتوصل بذلك إلى الطعن فى عمر بن الخطاب في أمر الطلاق وفيما رواه ابن رجب عن الأعمش عبرة كما سبق، وكذلك صح النقل عن ابن مسعود أنه قال بمثل ذلك كما فى مصنف عبدالرزاق وسنن البيهقي وغيرها وقد سبق ذكر كل ذلك، وفقهاء العراق والعترة الطاهرة من أصحاب زيد بن على عليهم السلام من أتبع أهل العلم لهما، ومذاهب الفريقين في المسألة على طبق ما نقل عنهما فيما سبق.
وأنى يصح عن عبد الرحمن بن عوف خلاف ما فعله هو في طلاق امرأته الكابية في مرض موته، وقد ذكر ابن الهمام أنه كان طلقها ثلاثا في مرض موته وقد ورد ذكر تطليقه ثلاثا في مرض موته فى لفظ حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه (المحلى ?? / ???) وفى لفظ عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، وفي لفظ أبي عبيد عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير (المحلى 10 /223) وفي لفظ معلى ابن منصور عن الحجاج بن ارطاة عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير (المحلى 10 / 229) وابن أرطاة لم يشذ ولم يخالف هنا بل له متابع في لفظ (ثلاثاً)، ومسلم يروى عنه بمتابع وليس هذا من قبيل ما سيأتى، وما وقع في الموطأ وغيره من لفظ البتة ونحوه فمحمول على الثلاث بتلك النصوص، ولو لم يرد النص على الثلاث بطرق صحيحة كما ذكرنا لكانت رواية البتة دائرة بين احتمال الثلاث واحتمال أن تكون آخر ثلاث تطليقات كما ارتاه ربيعة بعد أن ذكر ما بلغه من أن طلاقها كان بطلب منها، لكن لم يكن الجمع بين الاحتمالين في قصد المطلق ممكناً لتنافيهما، فلا بد منه من حملها على الأقل وهو كونها آخر ثلاث تطليقات كما فعل ذلك نافع رأياً. لارواية، وذلك منهما حيث لم يبلغهما النصوص التي ذكرنا وبهذا يظهر الخلل في كلام الزرقاني وكلام عبد الحى اللكنوى، ولو فرضنا أن قول نافع رواية فأنى تصح هذه الرواية المقطوعة وهو لم يدرك عبد الرحمن بن عوف، لأن نافعاً توفى سنة مائة وعشرين، وابن عوف توفى سنة اثنتين وثلاثين ورواية أنه طلقها ثلاثاً ثابتة برجال كالجبال كما سبق، وليس أحد يعزو بسند إلى عبد الرحمن بن عوف خلاف ما عليه جمهور الصحابة وهو وقوع الثلاث، حتى إن من يرى أنه لا إثم في الجمع بين الثلاث يستدل بفعل ابن عوف هذا كما في فتح ابن الهمام، فتبين من هذا التحقيق أنه مع الجمهور حتما في إيقاع الثلاث مجموعة.
وأما الزبير فأنى يصح منه خلاف ما عليه جمهور الصحابة وابنه عبد ا أعلم الناس به، وهو حينما سئل عن طلاق البكر ثلاثاً، قال للسائل: ما لنا فيه قول فاذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة فسلهما ثم
الجزء 1 · صفحة 53
انتنا. فأجابا بأن الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، كما فى موطأ مالك عند ذكر طلاق البكر فلو كان عنده عن أبيه أن الثلاث واحدة فى المدخول بها لما تأخر عن ذكر ما عنده لأن غير المدخول بها أولى بذلك الحكم، والخلاف بين أهل العلم في طلاق غير المدخول بها معروف. وأما ما ينسب إلى محمد بن وضاح الأندلسي من الشذوذ في هذه المسألة فما ذا تكون قيمته على تقدير صحة هذه النسبة إليه، وهو الذي يقول عنه الحافظ أبو الوليد بن الفرضى إنه كان جاهلا بالفقه وبالعربية ينفي كثير من الأحاديث الصحيحة. فمثله يكون بمنزلة العامى وإن كثرت روايته. والاشتغال برأى هذا الطليطلي وذاك المجريطى من المهملين شغل من لا شغل عنده. فلا نشتغل بكل ما يحكى، وقد سبق ما يكذب ما ينسب إلى النخعى. ومحمد بن مقاتل الرازي من أبعد أهل العلم عن هذا الشذوذ.
وأما ما عزاه ابن حجر إلى ابن المنذر من أنه نقله عن عطاء وطاوس وعمر وابن دينار فسهو مكشوف، فإن كلام هؤلاء الثلاثة في حق غير المدخول بها كما في منتقى الباجي (4 / 83) ومحلى ابن حزم (10 / 175) وليس كلامنا في حق غير المدخول بها، وقد أخرج سعيد بن منصور في سننه عن ابن عيينة عن عمرو ابن دينار عن عطاء وجابر بن زيد أنه إذا طلقت البكر ثلاثا فهي واحدة، وأما قولهم في إيقاع الثلاث مجموعة على المدخول بها فكقول الجمهور على حد سواء وقد سبق أن روينا عن ابن عباس الإفتاء بوقوع الثلاث مجموعة بطريق عطاء وعمرو بن دينار فى الآثار للامام محمد بن الحسن الشيباني، وفي مسائل إسحاق بن منصور كما روينا تكذيب القول بأن الثلاث واحدة عن ابن طاوس عن أبيه بطريق الكرائيسي، ثم ابن المنذر نفسه يعد المسألة من مسائل الإجماع في كتابه الذي ألفه فى الإجماع، فكيف يصح أن يذكر خلافا في المسألة، ولا نود أن نذكر القارىء الكريم بقول العقيلي ومسلمة بن القاسم الأندلسي في ابن المنذر لأن المسألة جلية ظاهرة مستغنية عن التوسع في الكلام.
وابن حجر توسع فى الفتح بعض توسع فى مسألة الطلاق الثلاث بالتماس بعض أصحابه، لكن لم ينشط لإعطاء الموضوع حقه من التمحيص الذي ينتظر من مثله بل يبدو الخلل في كلامه من نواح وهو معذور فى ذلك، لأن تمحيص مثل هذا البحث الذي طالما شاغب فيه مشاغبون، يحتاج إلى تفرغ له في وقت نشاط بتأليف كتاب خاص فى هذا الموضوع، وقد أشرنا إلى بعض ما وقع فيه من الخلل وكفى أنه قال فى آخر بحثه) فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق (فعد المسألة الجماعية كتحريم المتعة على حد سواء، ونتيجة بحثه تصلح الخلل الواقع فيما تقدم.
الجزء 1 · صفحة 54
ومن الغريب أن مؤلف الرسالة يقول: (ص ??: إنه أمر أن يكتب في الرد على ابن تيمية وأنصاره فلم بسعه إلا طاعة الأمر، والإشارة إلى ذلك بدهاء سياسي قدير، فقال في ختام بحثه: وقد أطلت فى هذا الموضوع لا لتماس من التمس ذلك منى والله المستعان (هـ) فجعله يميل إلى القول الآخر، لكنه يخشى أن يجهر به وعده أنه كان يتلقى أوامر من الأمراء في القضاء والإفتاء فيداجيهم، وهذا إساءة إليه وإليهم جميعا وجهل بالتاريخ، وقد كان رأى ابن تيمية قبر بأيدى علماء أهل الحق قبل ابن حجر بمدة، وهو الذى قرض كتاب الرد الوافر كما شاء من غير ممانع ولم يكن الأمراء يتدخلون فى مسائل القضاء والإفتاء، فلو لاحظ سير الملوك في عصر اشتغال ابن حجر بالتأليف لأدرك مبلغ خطئه في تسكينه، ودرجة انتكاس رأيه، نسأل الله العافية، وكم ألف ابن حجر وتوسع في الشرح بطلب أصحابه وهو يقول: ألفت وشرحت لا لتماس من التمس كما لا يخفى على من درس كتبه، ولو كان ذلك بأمر أحد الأمراء لقال توسعت فيه لأمر من طاعته غنم، وإشارته حتم، إلى آخر تلك الكلمات المعتادة في تلك القرون.
وأما رأى ابن إسحق ورأى ابن أرطاة فليسا من الآراء المعتد بها، لأن ابن إسحق ليس من أئمة الفقه، وإنما هو راوية يقبل قوله في المغازى بشروط، وسبق قول أهل النقد فيه على أن اللفظ المعزو إليه ليس بصريح في الرأي الذي يراد أن ينسب إليه
وأما ابن أرطاة فقد قال عنه عبد الله بن إدريس: كنت أراه يغلى ثيابه، هم خرج إلى المهدى وقدم ومعه أربعون راحلة عليها أحمالها كما في كامل ابن عدى يقال إنه أول من ارتشى من قضاة البصرة، وقد أثرى جداً بعد أن ولي القضاء في عهد المهدى، وكان قبل ذلك يعضه فقر مدقع، وكان عنده كبر وتيه عجيبان، يتيه على مثل داود الطائى يدلس عن الضعفاء، وكلام أهل الجرح فيه كثير ومثله إذا قبلت روايته، فانما تقبل فيما لا يخالف الثقات الأثبات، بمقارن ومتابع.
وأما رأيه فلا يكون من الآراء المعتد بها للشروط المقررة في الاعتداد بالرأى مع أن القول المنسوب إليه مجمل ليس بصريح فيما يراد أن يعزى إليه من الرأى بل ربما يريد بهذا أنه ليس بشيء يوافق السنة، ولم ينقل عن ابن إسحق ولا عن ابن أرطاة كلمة صريحة في ذلك.
على أن ابن حزم كثيراً مايروى حديثا في المحلى بطريق الحجاج بن أرطاة، ثم يقول وهذا لا يصح لأن في سنده ابن أرطاة، بل قال في موضع إن الحجاج بن أرطاة هالك ساقط، ولا يعترض بروايته إلا
الجزء 1 · صفحة 55
جاهل أو مجاهر بالباطل يجادل به ليدحض به الحق وهيهات له من ذلك وما يزيد من فعل هذا على عن عواره وجهله أو قلة ورعه، ونعوذ بالله من الضلال اهـ.
ومع افتتان مؤلف الرسالة بابن حزم يجعل ابن أرطاة هذا في صف من يؤخذ بقوله من الفقهاء المجتهدين نسأل الله السلامة، وقد ذكر بعضهم أسماء أناس سواهم يعزى إليهم القول بمثل ذلك القول كذبا بدون إسناد، وتساهل آخرون في نقل ذلك لكنا في غنية فى تفنيد ماذكر بدون سند.
وليس معنى الإجماع أن لا يوجد في الأمة من غلط، وقال شيئاً يخالف قول الجمهور، بل المراد بالإجماع إجماع المجتهدين المعترف بإمامتهم في الفقه، وأمانتهم في الدين وأما نفاة القياس فلا يكونون من أهل الاستنباط حتى يعتد بخلافهم فلا شأن للظاهرية في المسائل الإجماعية عند المحققين كما سبق.
وأما الروافض ومن انخدع بهم من الإمامية فليسوا ممن يعتد بخلافهم أيضاً وسيأتى عند الكلام على الإجماع بعض بسط لذلك، وأما الشيعة الذين يدعون اتباع مذهب جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، فإنهم محجوجون بقول هذا الإمام الجليل نفسه فى وقوع الثلاث بلفظ واحد، وسبق أن سقناه من سنن البيهقي، ومن نسب إلى جمهرة أهل البيت ما يخالف ذلك فهو مختلق أثيم، وإن، كان لابد من النقل عن الكتب المدونة في فقه العترة الطاهرة رضى الله عنهم فدونك (الروض النضير، فى شرح المجموع الفقهي الكبير) وهو أحق بالتعويل من كتب أمثال النجم الحلى للفرق العظيم الماثل أمام أعيننا بين كتب هؤلا وكتب هؤلاء، ومن اتسع صدره لقبول ما يراه (في منهج المقال) و (روضات الجنات) و (الاستقصاء) ونحوها من الكلام فى رجال الجمهور، فلينقل ماشاء عنهم من غير أن يلتفت أحد من أهل السنة إلى نقله، والكلام في المنقول فرع الكلام في الرجال، والله سبحانه هو الهادى.
ففي الروض النظير (ج 4 ص (???: إن وقوع الثلاث بلفظ واحد هو مذهب جمهور أهل البيت، كما حكاه محمد بن منصور في الأمالي بأسانيده عنهم، وروى فى الجامع الكافى عن الحسن بن يحيى أنه قال: رويناه عن النبي الله وعن على عليه السلام، وعلى بن الحسين، وزيد بن على، ومحمد بن على الباقر، ومحمد بن عمر بن على، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله، وخيار آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال الحسن أيضاً: أجمع آل الرسول على أن الذى يطلق ثلاثاً في كلمة واحدة أنها قد حرمت عليه سواء كان قد دخل بها الزوج أو لم يدخل، ورواه فى البحر عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي هريرة وعن على كرم الله وجهه والناصر والمؤيد ويحيى ومالك
الجزء 1 · صفحة 56
وبعض الامامية اهـ.
فلا تصح نسبة الإفتاء بعدم الوقوع إليهم بعد هذا البيان الصريح. وأما إن كان يريد أن يبعث بمصر مذهب الاسماعيلية من مقبره فلسنا في حاجة إلى مناقشة معه، فليجرب حظه بعد أن يصف العبيديين مدة بطهر.
وأما كلامه عن أحمد بن تيمية وتلميذه الجرىء بأنهما جاهدا في سبيل الله بالجهر بهذه المسألة، فقول كنا نود أن لا نطرقه لو لم يتعرض لذكرهما بتنويه شأنهما فلا بأس في الاشارة إلى بعض ما فيهما من صنوف الزيغ، ليعلم جليا أنهما ليسا بتقام القدوة في مثل هذه المسائل، وأنهما ليسا من المجاهدين في سبيل الله في إثارتها فتنا في مسائل اعتقادية وعملية خطرة، ولا يكون الجهاد في سبيله بتفريق كلمة المسلمين وإثارة الفتن بينهم بباطل، ولم يكن (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) له سوى خطوة تمهيد لنفسه مخادعة منه كما لا يخفى على من درس حياته.
ولو قلنا لم يبل الاسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود والنصارى يقول عن كتبهم: إنها لم تحرف تحريفاً لفظياً. فاكتسب بذلك إطراء المستشرقين له، شديد غليظ الحملات على فرق المسلمين لا سيما الشيعة كان يتعثر في أذياله سعياً وراء إقناع والى الشام أقوش الأفرم لمحاربة الكسروانيين حتى تم له ما أراد وهو في صفوف المحاربين ولولا هذا التشدد معهم ومع شيعة الجبل لما بقى في أرض الشام غلو فى التشيع، ولكان أهل الجبال كلهم مع إخوانهم السنيين على سرر متقابلين، ولو لا شدة ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاجه إلى أن بلغ به الأمر إلى أن يتعرض لعلى بن أبي طالب كرم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه بطريق يأباه كثير من أقحاح الخوارج مع توهين الأحاديث الجيدة فى هذا السبيل لما قامت دولة الغلاة من الشيعة في بلاد فارس، والعراق، وشرقي الآسيا الصغرى، وأذربيجان، من عهد الملك المغولي خر بنده. وابن المطهر الحلى لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا. قال: كنت أجاو به لو كان يفهم كلامي ولكن جوابي يكون بالفعل حتى سعى سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية في تلك الأقطار إلى دولة غالية فى التشيع بحمل خر بنده الملك الشعوب علي التذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع متغلغلا في تلك البلاد منذ عمل ابن تيمية هذا، ولو كان يسعى بحكمة لما بعدت شقة الخلاف بين الاخوان المسلمين على الوجه الذي نراه.
الجزء 1 · صفحة 57
وكم لابن تيمية من فتن مشروحة في كتب التاريخ وفي كتب خاصة، وهو ليس بثقة في نقله كما تبين مما أسلفناه في كلامنا على تعليق الطلاق من حذفه الاستثناء في أثر عائشة رضى الله عنها، وكم له من هذا القبيل، مع زيغه عن معتقد أهل السنة
يقول ابن تيمية بقيام الحوادث بالله سبحانه في (ج 2 ص 75) من معقوله بهامش منهاجه، ويثبت الجهة له تعالى حيث يقول في منهاجه بعد كلام طويل (ج 1 ص 264): فثبت أنه فى الجهة على التقديرين. والجهة لم ترد في الكتاب والسنة فالقائل بها خارج عليهما - وكلام ابن رشد الفيلسوف، على اعتبار أن العرش محدد الجهات مع الفرق عنده بين العامى وصاحب البرهان ومغزاه شيء آخر - وكذلك يثبت الحركة الله جل جلاله حيث يقول مصدقا لما نقله عن بعض قادته، في معقوله (ج ? ص 26): الحى القيوم يفعل مايشاء، ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحى والميت التحرك، فكل حى متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة ا هـ. وفي (ج ? ص ??) .. يتكلم ويتحرك ... اه، وفى (ج 2 ص 30 الله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره ولمكانه أيضا حداه، ويقول أيضاً عند الكلام فى الاستواء فيما رد به على أساس التقديس للرازي – وهو ضمن المجلد 24 و25 من الكواكب الدرارى لابن زكنون الحنبلي بظاهرية دمشق (ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته فكيف على عرش عظيم اه) مصدقا لما نقله عن بعض أعمته، فمن هو أضل سبيلا ممن يجوز في معبوده أن يستقر على ظهر بعوضة، واستنيب ابن تيمية عما بدر منه في حق عمر رضى الله عنه يد الشيخ أبي إسحق إبراهيم ابن أحمد الرقى الحنبلي كما ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة، وفيها كيفية استتابته عند قضاة مصر، وخطوطهم في حقه مسجلة في (نجم المهندى، ورجم المعتدى) للمحدث محمد بن المعلم الشافعي، وهو من محفوظات دار الكتب المصرية، وفى ذخائر القصر للحافظ شمس الدين بن طولون نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي تحت عنوان ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع (فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف الراجح من المذاهب، فمن ذلك يمين الطلاق قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه، بل عليه فيها كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة، ودام إفتاؤه بذلك زمناً طويلا، وعظم الخطب ووقع في تقليده جم غفير من العوام، وعم البلاء، وأن طلاق الحائض لا يقع، وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك، وأن من خالفه فقد كفر، ثم إنه أفتى بخلافه وأوقع خلقاً كثيراً من الناس فيه (
الجزء 1 · صفحة 58
وقد استقصى فيه ذكر شواذه فيجب الاطلاع عليها ليعلم من هو هذا الرجل ومقدار الصلاح العلائى فى الحديث والفقه وسائر العلوم وكمال ثقته وترويه فيما ينقله إلا من لا يعنى برجال السنة
ومع هذا كله إن كان هو لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام وزيع ابن زفيل الزرعى المعروف بابن القيم ظاهر من نونيته وغزوه، وهو يثبت المكان والجهة والثقل الله سبحانه من غير تهيب، ويدافع عن إقعاد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش في جنبه تعالى، تعالى عما يأفكون منشد ما ينسب إلى الدار قطني من الأبيات منها:
ولا تجحدوا أنه قاعد ... ولا تنكروا أنه يقعده
في (ج 4 ص (39) من بدائع الفوائد له فإن كان مثله لا يزال قدوة لأهل العلم، فعلى العلم السلام، راجع (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل) للتقى السبكي.
والشوكاني لم يكتف بأن يفسد مذهب العترة الطاهرة حتى تطاول على مذاهب الأئمة المتبوعين، بل أكفر أتباعهم جميعاً في غير مواربة، وهذا إكفار للأمة جمعاء على طول القرون؛ وقد انتبه إلى غايته بعض علماء اليمن، وهو العلامة ابن حريوة محمد بن صالح الصنعاني، وألف فى الرد عليه (الغطمطم الزخار في اكتساح السيل الجرار أغلظ فى الرد عليه ونسب فيه الشوكاني إلى الجهل البالغ إلى أن قال إنه يهودى مندس بين المسلمين لإفساد دينهم، والشوكاني لما ألف، (البدر الطالع) لم يكتف بذكر نحو سبعة أو ثمانية من أجداده، بل رفع نسب نفسه إلى آدم عليه السلام كأنه يريد به مجاوبة ابن حريوة فى نسبه، ثم لما سنحت له فرصة الفتك بابن حريوة لم يتأخر عن السعى في قطع رقبته، حتى استشهد سنة 1241، وتجد كثيراً من شواذه المخزية التي تابعه فيها القنوجى فى (إبراز الغي) للشيخ عبد الحي اللكنوى، وتذكرة الراشد له، وهو قد أحسن الرد عليها في شواذها المردية، ولم يجهر الشوكاني في نيل الأوطار بكل ماعنده من المخازى، وهذا سبب اغترار بعضهم به، ولا قدوة لمن يتخذ مثله قدوة.
ومحمد بن إسماعيل الأمير، كم له من فتن قبله، تجتلى أحواله من أجوبة القضاة من بني العنسى لأهل حوث المدونة فى كتب التاريخ، وميله إلى الروافض يظهر من طريق كلامه في صلاة التراويح، ولا يكفى فى تكفير ذنوبه كتابه المسمى (إرشاد ذوى الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب) وهو يشرح فيه قصيدته التي مطلعها:
رجعت عن القول الذي قلت فى النجدى ... فقد صح لى عنه خلاف الذي عندى
الجزء 1 · صفحة 59
وأما حسن صديق خان القنوجي، فهو من المصرحين بإثبات الجهة لله سبحانه في شرحه على الاعتقاد الصحيح، وهو أتبع للشوكانى من ظله، حاول في كتابه (ظفر اللاضى فيما يجب على القاضى) تبعاً للشوكاني، ألا يجعل حداً محدوداً لما يجوز جمعه نكاحا من النساء، وفى تذكرة الراشد للعلامة عبد الحى اللكنوى بعض ما يكشف الستار عن علمهما، ومبلغ غوايتهما. والقنوجى هذا جمع حوله علماء يحملهم على أن يؤلفوا كتابا باسمه، ثم يقوم هو بطبعها، وهو سبب فساد الحال في بعض بلاد الهند، فتباً لمن اتخذ أمثال هؤلاء قدوة فيما يتعلق بأمر دينه نابذا علماء الأمة كلهم وراء ظهره، فهؤلاء ليسوا بموضع ثقة لا في دينهم ولا في علهم، بالنظر إلى سيرهم المعلومة، وتآليفهم المشهودة، ولهم سعي حثيث في تفرقة كلمة المسلمين، وإذاعة أقوال الشذاذ بينهم، فإذا قلنا إن الإجماع انعقد في تلك المسائل فإنما نريد إجماع غير المتهمين في أمانتهم من العلماء الفقهاء، وإلا فنحن نعلم أنه يوجد في جميع الطبقات بعد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، أناس غالطون، وأناس متهمون، يقولون خلاف قول الجماعة غلطا أو زيغا، والتاريخ شاهد عدل على ما قلنا.
سامح الله الوزير العثماني المغفور له خير الدين باشا الصدر الأعظم، فإنه جر الويلات إلى بلاد آمنة مطمئنة من حيث المذاهب والنحل من غير أن يقصد ذلك، حيث بعث بخطاب فارسى إلى صديق خان القنوجي يستحثه على الدعوة إلى مساعدة الدولة بمناسبة الحرب الكبرى الواقعة بين روسيا والدولة العثمانية؛ فقام القنوجى بذلك وألف رسالة سماها العبرة في أحكام الغزوة والهجرة، ثم لم يرض أن تمر الفرصة السانحة من غير أن ينتهزها، فالتمس أن يسمح له في طبع ما يشاء من الكتب فى مطبعة الجوائب فى الآستانة، ومطبعة بولاق بمصر، فسمحوا له بذلك مجاملة معه بدون تقدير للعواقب، وبدون اشتراط شروط وقيود فبدأ ينشر كتبه، وكتب هؤلاء الشذاذ هنا وهنالك مع مراعاة مراحل الدعاية، وكان العلماء في غفوة عما يحاك حول مذاهب أهل السنة من تشغيبات وتلبيسات، حتى هان أمر المعتقد، وأحكام الفقه على كثير من الناس بين المد والجزر بين أهواء شرقية شاذة غربت، وخيالات غربية الحادية شرقت بدون أن نرى من يقيم سياجا حول مذاهب أهل السنة لحراستها بالعلم، بل نرى الاستسلام للفريقين هو السائد في الجمهور بدون وازع يزعهم ولله عاقبة الأمر كله
وما ذا ينتظر من الغيرة فى المحافظة على أحكام الشرع من أناس يظهرون في زى العلماء لكنهم لا يأنفون من أن يغشوا محافل لا يمتون إليها بأي صلة لا من ناحية القضاء، ولا من جهة الإفتاء، وهم بهذا الإنتساب يفقدون آخر غيرة وإرادة عندهم، حيث اتخذوا بطانة من دونهم لا يألونهم خبالا، فتباً
الجزء 1 · صفحة 60
لعالم يكون شمعا يقبل كل صورة فى أيدى العابثين، وينتمى إلى كل طائفة دينيين أو لا دينيين، ولا يغار على دينه ولا على مسلكه فيهم بلاؤه، حيث يفتح صدره لكل ما يوحى إليه خلطاؤه، ويجعل الشرع هيولى مثله، فياويحه ما أضله. وهذه هي بدعة البدع، وأين سائر البدع من هذه.
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه مالا يرى
ألهمنا الله سبحانه التوبة والانابة.
الاجماع الذي يقول به الفقهاء
أما قول المؤلف (فيس ???: إن الاجماع الذى يدعيه الاصوليون ما هو إلا خيال ... وفى ص ?? ... ولا استفر رأى العلماء على قول مقبول في معنى الاجماع - في نفسه - وكيف يحتج به ومتى؟.)
فكلام لا يصدر ممن يعقل مايقول، وإن دل هذا الكلام منه على شيء فإنما دل على أنه مادرس شيئاً من أصول الفقه، ولو نحو مرآة الأصول أو التحرير على واحد من المبرزين في العلم فضلا عن كتاب البزدوى وشروحه، ولا هو اطلع على بحر البدر الزركشي، ولا شامل الاتقانى، فضلا عن تقويم الدبوسي، وميزان السمرقندى، وفصول أبي بكر الرازي، ولم يطلع أيضا على فصول الباجي، ولا محصول أبي بكر بن العربى؛ بل ولا تنقيح القرافي، ولا رسالة الشافعي؛ وبرهان ابن الجوينى، وقواطع ابن السمعانى، ومستصفى الغزالى، ولا على تمهيد أبي الخطاب، وروضة الموفق ومختصرها للطوفى، ولا عمد القاضي عبد الجبار، ومعتمد أبي الحسين البصرى، بل اكتفى في هذا العلم الخطير بتقليب صفحات كتيب للشوكاني أو القنوجى شيخى التخبطات في المسائل في الدور الأخير، ومثله يحيل على ما ارتاه هو فى الإجماع في تعليقه على أحكام ابن حزم. ولو كان هذا المؤلف الجرىء تذوق شيئا من كتب هذا العلم لعلم أن من يدوس تلك الكتب مم تحت رجله العرجاء ليس له إلا أن يخبط خبط عشواء.
ألم يعلم هذا المتقول أن حجية الإجماع مما اتفق عليه فقهاء الأمة جميعاً وعدوه ثالث الأدلة، حتى إن الظاهرية على بعدهم عن الفقه يعترفون بحجية إجماع الصحابة ولهذا لم يتمكن ابن حزم من إنكار وقوع الثلاث مجموعة، بل تابع الجمهور في ذلك، بل قد أطلق كثير من العلماء، القول بأن مخالف إجماع ا كافر، حتى شرط للمفتى أن لا يفتى بقول يخالف أقوال جماعة العلماء المتقدمين، ولهذا كان لأهل العلم عناية خاصة بمثل مصنف ابن أبي شيبة، وإجماع ابن المنذر ونحوهما من الكتب التى يتبين بها مواطن الاتفاق، والاختلاف في المسائل بين الصحابة والتابعين وتابعيهم رضى الله عنهم.
الجزء 1 · صفحة 61
وقد دل الدليل على أن هذه الأمة محفوظة من الخطأ وأنهم عدول شهداء على الناس. قال الشاعر:
هم وسط يرضى الأنام بقولهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعضل
وأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأن. تابعهم تابع سبيل من أناب، ومن خالفهم سلك غير سبيل المؤمنين، وناهض علماء الدين.
ولا أدرى من أين أتت هذه الفوضى في التفكير، ومن أين تسربت هذه السموم الفاتكة إلى أذهان بعض المتفقهين في هذا العصر؟
كنت اجتمعت بمنزل العلامة شيخ الفقهاء في عصره الشيخ محمد بخيت المطيعي المتوفى بعد العصر من يوم الجمعة ?? رجب سنة 1354 عن 83 سنة رحمه الله قبل وفاته بمدة يسيرة، بواحد من العلماء فأخذنا نتحدث والأستاذ الكبير لم ينزل بعد إلى أن أنجر الكلام معه إلى الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فأخذت أسرد ما صح عن الصحابة في ذلك مع بيان أنه لم يثبت عن أحد منهم مخالفة لا صح عنهم فأورد هذا العالم على حديث طاوس فشرعت أذكر علله المعروفة، فقال هذا تمسك في المسألة بالإجماع وفى الإجماع كلام من جهة حجيته، وإمكانه، ووقوعه وإمكان العلم به، وإمكان نقله، فقلت يوجد من يقول هذا حرفا بحرف، ولكن أود أن أعرف رأى محدثى فى الإجماع حتى أتمكن من الكلام معه، في جمج وتغير وقال أمامنا كتاب الله وهو يغنينا عما سواه، فأخذ يتلو قوله تعالى: (الطلاق مرتان) قلت سبحان الله كيف تحاول الاستدلال بهذه الآية على دعواك، وبها يستدل البخارى على صحة الجمع بين الثلاث، حيث يعتبر لفظ (مرتان) بمعنى (اثنتين) كما في قوله تعالى (نوتها أجرها مرتين) وكذا ابن حزم وكثير من شراح البخارى كالكرماني ونحوه ممن لهم اتساع في العربية، فإذا صح الجمع بين الاثنتين صح الجمع بين الثلاث حيث لا فارق بينهما، وأنت تتخذها دليلا على ضد ما اتخذوه حجة عليه فياترى هل يقل هؤلاء فى الذوق العربي من صاحبي فتغير وقال هذه الآية تفيد أن كل طلاق معتبر في الشرع هو مايكون إيقاعه مرة بعد أخرى، فقلت لعلك حملت اللام على الاستغراق وقدرت ماشئت لتتمكن من حصر الطلاق المعتبر، في ذلك كما فعل الشوكاني لكن ما قولك فى طلقة واحدة ليس بعدها طلقة؟ أما تعتبر في الشرع طلقة ينحل بها عقد النكاح إذا انقضت العدة فأين الحصر مع هذا، فاضطرب فقلت إذا فرضنا حمل) مرتان (على المعنى الثاني فالآية إنما تدل على إيقاع الطلاق مرة بعد أخرى من
الجزء 1 · صفحة 62
غير أن يكون هناك مايدل على التقييد بالأطهار فيقع الثلاث بمجرد التكرار سواء كان الايقاع في طهر أو حيض وهذا ليس بمقصود لكم ولا مرضي عندكم، وإذا أخذت تستدل بآثار الصحابة عاد البحث إلى أوله من غير أن تستغنى عما سوى الكتاب.
وفى أثناء هذا الكلام حضر الأستاذ الكبير، فقطعنا الكلام عند هذا الحد مخافة أن يشارك البحث فيتعب، لأنه قلما يرضى ألا يشارك أمثال هذا البحث إذا استمرت وهو حاضر.
ثم طال تفكيرى فى هذا التجرؤ على مخالفة الجماعة مع تخبط ملموس في المسائل ممن يدعون الانتماء إلى الفقه، فعلمت أن علة العلل، أن أمثال هؤلاء المتفقهين كانوا يحاولون تكوين أنفسهم بأنفسهم، يحضرون فى أى درس شاءوا ويهجرون أى كتاب أرادوا - قبل النظام في الأزهر - وأنهم ينخرم عليهم المقرر في العلوم - بعد النظام - فيحصل بقدر هذا وذاك خرم في تفكيرهم وتعقلهم، فلا عجب إذا حدثت فى تفكير هؤلاء، فوضى واضطراب واختلال عند أول صدمة تصدمهم من مطالعة كتب يصدرها الناشرون لدعاية خاصة غير مكشوفة بادى، بدء، فيكون هؤلاء أول ضحية لتلك الدعايات الصادرة لتفريق كلمة المسلمين باسم العلم، حيث لا يوجد عندهم وازع يزعهم عن التورط فيما ليس لهم به علم، ولا عدة تحميهم من مسايرة الجهل، بل يعدون أنفسهم علماء بمجرد أن حذقوا لغة أمهاتهم بدون أن يتم تكوينهم العلمى تحت حراسة نظام دقيق أن الواجب على من يعد نفسه من صنف العلماء أن تربأ بنفسه في التفقيه، مع أن يظهر بمظهر الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، كما يقول على كرم الله وجهه، فعار على من يدعى العلم أن يكون بهذه الحالة المنكرة.
فمن يجترى، على أن يقول هذا في إجماع الأصوليين، يحتاج قبل كل شيء إلى التفقه، بأن يدرس بعض كتب الأصول والفروع على بعض المبرزين، قبل أن يخوض في مثل هذه الابحاث، حتى يتمكن من فهم ما في فصول أبي بكر الرازي ونحوه من دقائق هذا العلم، ويتكلم إذا تكلم عن فهم.
تراه يثني على كلام ابن رشد الفيلسوف فى الاجماع لكنه لا يوافقه على قوله (بخلاف ما عرض فى العمليات فإن الناس كلهم يرون إفشاءها لجميع الناس على السواء ويكفى فى حصول الاجماع فيها أن تنتشر المسألة فلا ينقل إلينا فيها خلاف فإن هذا كاف في حصول الاجماع فى العمليات بخلاف الأمر في العالميات) بل ينبذه نبذاً من غير أن يذكر أى دليل على دحض هذا الكلام المتين؛ وابن رشد الحفيد وإن لم يكن من العلم بالأثار بحيث يتحاكم إليه في مسائل الفقه وأدلتها كما فعل مؤلف الرسالة فى (ص
الجزء 1 · صفحة 63
584 حتى إنه كثيرا ما يغلط في «بداية المجتهد في عز والمسائل إلى إمامه فضلاً عن سائر الأئمة لكن كلامه في الاجماع قوى جداً موافق لتحقيق أهل الشأن.
وأما قول محمد بن إبراهيم الوزير اليماني فبعيد عما يفقه الفقهاء وهو لين الملمس في كتبه بالنسبة إلى أمثال المقبلى ومحمد بن اسمعيل الأمير والشوكاني من أذياله الهدامين لكن مع هذا اللين تحمل كتبه سماً ناقعاً وهو أول من شوش فقه العترة ببلاد اليمن وكلامه يرمى إلى إسقاط الاجماع من الحجية وإن لم يصرح تصريح الشوكاني في جزء الطلاق الثلاث حيث قال (إن الحق عدم حجية الاجماع بل عدم وقوعه بل عدم إمكانه بل عدم إمكان العلم به وعدم إمكان نقله) فمن لا يعترف بعدد محدود فى نكاح النساء على خلاف الكتاب والسنة كما فعله في كتابه «وبل الغمام» على خلاف مافى نيل الاوطار وفنده عبد الحي في «تذكرة الراشد» فى «ص 479» كما يجب - يقول ما يشاء في إجماع المسلمين، ومن تابعه ونبذ الأئمة المتبوعين وعلومهم وراء ظهره فهو أسوء منه حالا وأضل سبيلاً.
ولا يمنعنى هذا المظهر من هؤلاء من أن أشير إلى بعض فوائد تتعلق بالاجماع فلعل ذلك تدعو القراء إلى الاستزادة من ينابيعها الصافية
فاذا ذكر أهل العلم الاجماع فانما يريدون به إجماع من بلغ رتبة الاجتهاد من بين العلماء باعترافهم مع ورع يحجزه عن محارم الله ليمكن بقاؤه بين الشهداء على الناس فمن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد باعتراف العلماء فهو خارج من أن يعتد بكلامه فى الاجماع ولو كان من الصالحين الورعين، وكذلك من ثبت فسقه أو خروجه على معتقد أهل السنة لا يتصور أن يعتد بكلامه في الاجماع لسقوطه من مرتبة الشهداء على الناس، على أن المبتدع كالخوارج وغيرهم لا يعتدون بروايات ثقات أهل السنة في جميع ا الطبقات فكيف يتصور أن يوجد فيهم من العلم بالآثار ما يؤهلهم لدرجة الاجتهاد.
ثم أقل ما يجب على المجتهد المستجمع لشروط الاجتهاد باعتراف العلماء، أن يدلى بحجته ويصارح الجمهور بما يراه حقا تعليما وتدوينا إذا رأى أهل العلم على خطأ في مسألة من المسائل حسب مايراه هو، لا أن ينقبع في داره أو ينزوى في رأس جبل بعيد عن أمصار المسلمين ساكتاً عن إبانة الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس. ناكنا عهد الله وميثاقه ومن نكث فإنما ينكث على فسه فبمجرد ذلك يلتحق بالفاسقين الساقطين عن مرتبة قبول الشهادة فضلا عن مرتبة الاجتهاد.
ومن المحال فى جارى العادة بين هذه الأمة نظراً إلى نشاط علماء المسلمين ومن في جميع الطبقات
الجزء 1 · صفحة 64
لتدوين أحوال من له شأن في العلم، وتسابقهم في كتابة العلوم وتسجيلها وإفشاء ما يلزم الجمهور علمه في أمر دينهم ودنياهم امتثالا منهم لأمر الشاهد للغائب ووفاء بميثاق تبيين الحق، ألا تكون جماعة العلماء في كل عصر يعلمون من هم مجتهدو ذلك العصر الحائزون لتلك المرتبة العالية، القائمون بواجبهم.
فاذا ذاع رأى راه جمهرة الفقهاء فى أى قرن من القرون من غير أن يعلم أهل الشأن، مخالفة أحد من الفقهاء لهذا الرأى فالعاقل لايشك في أن هذا الرأى مجمع عليه. وهو الذى يعول عليه المحققون من أئمة الأصول. وهذا مما لا يمكن أن تجرى حوله الثرثرة بأن فى الاجماع كلاما من جهة حجيته، وإمكانه، ووقوعه وإمكان العلم به، وإمكان نقله كما لا يخفى
وليس معنى الإجماع أن يدون فى كل مسألة مجلدات تحتوى على أسماء مائة ألف صحابي، مات عنهم النبي ع الا الله بالرواية عن كل واحد منهم فيها، بل يكفى في الإجماع على حكم صحة الرواية فيه عن جمع من المجتهدين من الصحابة، وهم نحو عشرين صحابيا فقط في التحقيق، بدون أن تصح مخالفة أحد منهم لذلك الحكم، بل قد لا تضر مخالفة واحد أو إثنين منهم في مواضع فصلها أئمة هذا الشأن في محله. وهكذا في عهد التابعين وتابعيهم ..
ومن أحسن من أوضح هذا البحث بحيث لا يدع وجه شك لمتشكك ذلك الامام الكبير أبو بكر الرازي الجصاص فى كتابه - (الفصول في الأصول) وخص فيه لبحث الاجماع محو عشرين ورقة من القطع الكبير وهو كتاب لا يستغنى عنه من يرغب فى العلم للعلم، وكذا العلامة الاتقاني في الشامل شرح أصول البزدوى وهو في نحو عشرة مجلدات يذكر فيه نصوص الأقدمين بحر وفهائم يناقشهم فيما تجب المناقشة فيه مناقشة من له غوص، فنحو ستة مجلدات من أواخر هذا الكتاب موجود بدار الكتب المصرية، والمجلدات الأوائل منه في مكتبة جار الله ولى الدين باسطنبول، ولا أعلم في الأصول مايقار به فى البسط مع الافادة، والبحر المحيط للبدر الزركشى على تأخره يكاد يكون مجموعة نقول فقط بالنظر إلى الشامل
ومن الاجماع مايشترك فيه العامة مع الخاصة لعموم بلواهم كاجماعهم على أن الفجر ركعتان والظاهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات، وم ه ماينفرديه الخاصة وهم المجتهدون كاجماعهم على الحق الواجب في الزروع والثمار، وتحريم الجمع بين العمة وبنت الأخ فلا تنزل مرتبة هذا الاجماع عن
الجزء 1 · صفحة 65
ذاك لأن المجتهدين لا يزدادون حجة إلى حججهم بانضمام العوام اليهم فمن ادعى أن من الاجماع ماهو قطعى يستغنى عنه بالكتاب المتواتر والسنة المتواترة، وما دونه يتسكع في "ظن فقد حاول رد حجية الاجماع واتبع غير سبيل المؤمنين، وشرح ذلك في الكتب المبسوطة ولا يتحمل هذا الموضع للافاضة فيه. وماذا على الاجماع من كون بعض أنواعه ظنيا؟ وجحد ماهو يقينى منه كفر، وانكار ماجرى مجرى الخبر المشهور منه ضلال وابتداع، وجاحد مادون ذلك كجاحد ماصح من أخبار الآحاد على حد سواء.
والدليل الظنى مما يحتج به في الأحكام العملية عند جمهور الفقهاء لأدلة قامت على ذلك، وان أدى قول بعض الأئمة بتجويز الزيادة على الكتاب بخبر الآحاد بطائفة الظاهرية الى القول بأن خبر الآحاد يفيد العلم مطلقا وبأنه لا حجة في الظن أصلاً، كما أن قوله فى الإجماع السكوتى بأن الساكت لا ينسب اليه قول - مع أن الشرع ينسب إليه القول في كثير من المواضع كالبكر، والمأموم، والسكوت، في معرض البيان ونحوها - أدى بهم إلى التوسع في نفي الاحتجاج بالإجماع، وكذلك قوله في قول الصحابى والحديث المرسل شجعهم على الاعراض عن أقوال الصحابة - فى غير الإجماع - وعن الأحاديث المرسلة بالمرة ففاتهم شطر الشرع. ثم ما أورده على الاستحسان جرأهم أيضاً على الإعراض من القياس باعتبار أن ما أورده على الاستحسان إن كان وارداً عليه فهو وارد على القياس أيضاً على حد سواء كما قال ابن جابر أحد قدماء الشافعية حينما سئل عن سبب انتقاله إلى مذهب الظاهرية. ولكن أين ملمح الإمام الشافعي رضي الله عنه من مزاعم هؤلاء.
ولما شاهد نبهاء الشافعية اتخاذ هؤلاء مذهب الشافعية قنطرة إلى ضلالهم ساءهم ذلك جداً، وصار وا من أشد العلماء رد عليهم. (و ينكشف كثير من الحقائق بالمقارنة بين أصول المذاهب. وأما المقارنة بين الفروع فقط فقليلة الجدوى في التفقه والتفقيه، لأن كلا منها مطرد التفريع على أصوله، ووزن هذا بمعيار ذاك إخسار في الميزان).
وزد على ذلك تشكيك إبراهيم بن سيار النظام في الإجماع والقياس فإنه أول من قام بنفيهما، وسرعان ما تابعه حشوية الرواة، والداودية، والحزمية، وطوائف من الشيعة والخوارج فى نفى الاحتجاج بها، فهؤلاء وأذنابهم من نفاة الإجماع والقياس، إنما تراهم يرددون مدى القرون في نفيهما كلام النظام فحسب المدون في كتب الأقدمين.
وياليتهم حينما حاولوا أن يتابعوا أحد المعتزلة تابعوا من لا يتهم منهم في دينه لكن الطير على
الجزء 1 · صفحة 66
أشكالها تقع. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النظام كان في الباطن على مذهب البراهمة الذين ينكرون النبوة، وأنه لم يظهر ذلك خوفا من السيف فكفره معظم العلماء بل كفره جماعة من المعتزلة: كأبي الهذيل، والاسكافي، وجعفر بن حرب، وصنف كل منهم كتابا فى تكفيره. وكان مع ذلك فاسة مدمنا على الخمر. قال ابن أبى الدم، فى الملل والنحل: كان فى حداثة سنه يصحب الثنوية، وفى كهولته يصحب ملاحدة الفلاسفة، كما في عيون التواريخ، وهذا هو إمام نفاة الإجماع والقياس، نسأل الله السلامة. فمن أصابه بعض شظايا من تشكيكهم فى الإجماع، والقياس، فليراجع أصول الجصاص إن كان له حظ من النظر أو إلى الفقيه والمتفقه للخطيب إن كان ميله إلى الرواية فقط ففيهما ما يشفى غلته.
وأما القول الشاذ إزاء القول المجمع عليه فكالقراءة الشاذة في جنب القرآن المتواتر، بل هو أنزل من القراءة الشاذة، فان القراءة الشاذة قد تعلم بها صحة التأويل في الكتاب بخلاف القول الشاذ فإنه لا يصلح لغير الهجر.
ولعل هذا المقدار من البيان يكفى للفت النظر إلى مبلغ خطورة مازعمه المتمجيد من أن ما يدعيه الأصوليون في الإجماع خيال.
الطلاق والرجعة يصحان بدون إشهاد
أما اقتراح المؤلف اشتراط الاشهاد على الطلاق والرجعة في صحتهما جميعاً لقوله تعالى (فاذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم) استناداً على ماروى فى تفسير هذه الآية عن ابن عباس وعطاء والسدى بأنه الإشهاد على الطلاق والرجعة، فقول محدث يغضب جماعة السنة
من غير أن يرضى جميع الامامية، ولا شك أن آية الإشهاد ذكرت بعد الأمر بالتخيير بين الإمساك والمفارقة، فسيل الأمر بالإشهاد كسبيل الأمر بالإمساك والمفارقة، ولو كان الأمر للوجوب لذكر الإشهاد قبل قوله تعالى: (وتلك حدود الله .. على أنه لا يوجد رأى أسخف من جعل الاشهاد شرطاً في صحة الطلاق على تقدير القول ببطلان الطلاق فى حالة الحيض لأن الشهود لا يمكنهم أن يشهدوا بأن الطلاق وقع فى حالة الطهر من حيث أنه لا يعرف إلا من جهة المرأة وأما إذا اكتفى فى الشهادة بمجرد الشهادة على إيقاع الطلاق فقول المرأة (إن الطلاق كان في الحيض) يهدر قول المطلق وشهادة الشهود جميعاً فيعيد الرجل الطلاق إلى أن تعترف المرأة بأن الطلاق وقع فى الطهر، فيطول أمد
الجزء 1 · صفحة 67
النفقة على الرجل وهو مصمم على الطلاق وفى ذلك عدوان وأى عدوان، وإذا عاشرها وهو يعلم أنه كان طلقها في ثلاثة أطهار، عاشرها معاشرة غير شرعية لا يثبت معها نسب ولا إرث في في نفس الأمر، وقبول قول المرأة فيما لا يعرف إلا من جهتها مقصور على ما يخصها فتعدية ذلك للآخرين تعد يأباه الشرع، وجعل القول للرجل فيما لا يعرف إلا من جهة المرأة تفقه طريف في صدد التخلص من تلك الشناعة وأين موضع استنباط ذلك من المكتاب والسنة؟ يا من لا يزداد إلا تمسكا بهما في زعمه كلما ازداد بعداً عنهما في الحقيقة!
فالإمساك هو الرجعة، والمفارقة تركها وشأنها حتى تنقضى عدتها لا الطلاق نفسه حتى يلاحظ الاشهاد عليه ولم يذكر الاشهاد إلا عند ذكر الإمساك والمفارقة فبالنظر إلى أن الرجعة إليها، وتركها وشأنها حتى تنقضى عدتها، حقان متمحضان للزوج فقط لا يشترط فى صحتهما الإشهاد كما لا يشترط الاشهاد في صحة الطلاق بل لو كان المراد الاشهاد على الطلاق مباشرة لذكر الاشهاد عقب (فطلقوهن) قبل المضى فيما يترتب على الطلاق من إحصاء العدة وإقامة المطلقة في البيت إلى آخر ماذكر فيكون حمل الآية على الإشهاد على الطلاق إقحاما للشيء في غير محله، وهذا مما تأباه بلاغة القرآن
وما يروى عن هؤلاء فى تفسير الآية ليس فيه مايدل على الاشتراط مع مافى أسانيده من الكلام كما أنه ليس فى الآية ما يدل على الاشتراط بإحدى الدلالات المعتبرة عند أهل الاستنباط، ومجرد ذكر آية الإشهاد بعد آية الإمساك والمفارقة - لا الطلاق - بعيد عن الدلالة على اشتراط الإشهاد في شيء منها، بل فيها إرشاد إلى طريق إبانة الحجة فيما يمكن أن يكون عرضة للإنكار من تلك الأمور، بل الذي يظهر لمن تبصر في الآية ولاحظ سباقها وسياقها أنها تشير إلى الإشهاد على أداء ماعلى الزوج من حق مطلقته عند انتهاء العدة لأن المفارقة بمعروف هي أداء حقها قبله عند انقضاء العدة ويكون الإشهاد على هذا بمنزلة الاشهاد على الطلاق لأن هذا مترتب على ذاك وهو ظاهر ويكون الأمر بالاشهاد لمجرد التمسكين من إثبات أنه أدى ماعليه ولا دخل له في صحة الطلاق أصلا ..
فتبين مما ذكرناه أن القول بالاشتراط رأى محض من غير كتاب، ولاسنة، ولا إجماع، ولا قياس، وليس أحد يقول في الوصية فى السفر أو المداينة أو المبايعة أو رد الأموال إلى اليتامى، أنها تبطل إذا أهمل الاشهاد فيها بتصادق أهل الشأن فيها مع قيام نصوص الاشهاد فيها، بل عد الأمر بالاشهاد عليها لمجرد الإرشاد إلى طريق إقامة الحجة عند التجاحد.
الجزء 1 · صفحة 68
ولم يرد في القرآن ذكر لاشتراط الإشهاد في النكاح مع خطورة أمره، فكيف يعد الطلاق والرجعة أخطر منه!! وإنما جرى أكثر الأئمة على الاشهاد في النكاح لورود الاشتراط في السنة.
أما الطلاق فلم يشترط أحد منهم الاشهاد وإن روى اشتراط الاشهاد في صحة الرجعة عن بعضهم، على أنه قلما يتصور التجاحد في الرجعة. قال أبو بكر الرازي الجصاص: ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا شيئاً يروى عن عطاء، فإن سفيان روى عن ابن جريح عن: عطاء أنه قال الطلاق، والنكاح، والرجعة، بالبينة (وهذا محمول على أنه مأمور بالاشهاد على ذلك احتياطا، وحذراً من التجاحد، لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها، ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة، وقد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء، والحكم أنهما قالا: إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة اهـ. وقد دل قوله تعالى (فإمساك بمعروف) على أن الجماع رجعة وهو ظاهر من الإمساك، فكيف يمكن الاشهاد على الغشيان لولم يرد عطاء ما ذكره الجصاص. وأما ما يروى عن بعضهم من الاشهاد على المراجعة، فإنما هو إشهاد على الاقرار بالمراجعة لا على المراجعة نفسها كما يظهر بالتأمل.
فإذا قرر من غير حجة عدم الاعتداد بالطلاق الذي لم يقع الاشهاد عليه عند القاضي أو نائبه أو الشهود، فهناك اختلاط أنساب، وقضاء على جميع أنواع الطلاق السابق ذكرها من سنى وبدعى ومجموع ومفرق، نسأل الله السلامة.
دعوى بطلان الرجعة عند قصد المضارة
وأما اقتراح مؤلف الرسالة: الحكم ببطلان الرجعة إذا كانت للمضارة فقول بما لم يقله أحد من الأئمة المتبوعين لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، على أنه من أين يهتدى الحاكم إلى أن من راجع أراد بمراجعته المضارة يحكم على مراجعته بالبطلان إلا إذا كان يشق قلبه أو يستند في حكمه على
الخطرات والوساوس ..
والكتاب ينطق بصحة المراجعة مع قصد المضارة، حيث يقول: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) ولولم تصح المراجعة مع قصد الاعتداء لما كان متصوراً أن يكون الزوج ظالماً لنفسه بهذا العمل الذي لم يترتب عليه أثر. ومؤلف الرسالة كثيراً ما يلهج في رسالته، بأن
الجزء 1 · صفحة 69
الطلاق قد جعل بيد الرجل، مع أن حكم التعاقد، يستلزم أن يكون إنهاء العقد بيديها جميعاً، وهو يحاول أن يبنى على ذلك قصوراً وعلالى أو يمهد السبيل لما يدور في خلده أن يقترحه، وقد سبق منافى صدر الكتاب هد هذا الأساس الواهن: وتخييب آمال بناء شيء عليه. ولم أنشط لتعقب باقى سفاسفه لقلة خطرها، وظهور سقوطها.
كلمة ختام
و آخر ما ألفت إليه النظر عند اختتام هذه الأبحاث، أن التجديد في أحكام النكاح والطلاق وسائر أحكام الشرع بين حين وآخر أمر ميسور جداً لمن توفرت عنده ثلاثه شروط وهى انسحاب واعظ الله من القلب، والجهل بمدارك الأئمة وبأدلتهم في أحكام الشرع، ومناطحة السحاب غطرسة وإعجابا بالنفس. لكن هذا التجديد ليس مما يرقى الأمة إلى مستوى الأمم الراقية الرشيدة، ولا هو مما يجعل للأمة طيارات، ولا سيارات، ولا أساطيل، ولا غواصات، ولا متاجر ولا دور صناعات. وإنما التجديد النافع في إرقاء الأمة هو السباق مع الأمم الرشيدة في اكتشاف أسرار هذا الكون، وتعرف القوى الكامنة التي أودعها الله سبحانه في المعادن، والنباتات، والحيوانات وغيرها، ومعرفة طرق استخدامها في إعلاء كلمة الله، وفى مصالح الأمة، والذود عن كيانها وما إلى ذلك، ومثل هذا التجديد لا يعارضه أحد أصلا. وأما التجديد فى أحكام الطلاق ونحوها فليس كذلك، فيجب أن يترك شرع الله مراعى الجانب مرعى الحدود، بعيداً عن التلبيس بهوى. ووصيتي إلى جميع المسلمين في أقطار الأرض إذا أريد تنفيذ أحكام بينهم على خلاف ما شرعه الله أن يبقوا متمسكين بشرع الله سبحانه في خاصة أنفسهم بدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وإن أفتاهم المفتون (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم).
وهنا انتهى ما قصدت تدوينه فى هذه الأوراق، مما يتعلق بأحكام الطلاق أسأل الله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وينفع به المسلمين، ربنا لا تزغ قلو بنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. وصلى الله على سيدنا ومنقذنا محمدسيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين)
قد فرغ الفلم من تسطير ما رقم ضحوة يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الثاني من
سنة 1355 بيد مؤلفه الفقير إليه سبحانه وتعالى محمد زاهد من الشيخ حسن بن على الكوثرى عنى عنهم وعن سائر المسلمين.
الجزء 1 · صفحة 70
كلمة في الافتاء
ذكر للامام سفيان بن سعيد الثورى رضى الله عنه كثرة المحدثين في عصره فقال: إذا كثر الملاحون غرقت السفينة، وقل أنت كذلك عن كثرة المفتين في هذه الأيام.
والصحابة رضى الله عنهم الذين شاهدوا التنزيل وتلقوا علم الدين من النبي. مباشرة، كانوا يتهيبون الإفتاء ويحيل بعضهم على بعض الإجابة عن مسألة يسأل هو عنها خوفا من الزال، وفي صحيح مسلم من حديث أبي المنهال أنه سأل زيد بن أرقم عن الصرف فقال سل البراء بن عازب فسأل البراء فقال سل زيداً ه الحديث) وأخرج أبو محمد الرامهرمزي صاحب المحدث الفاصل عن عبدالرحمن ابن أبي ليلى أنه قال: لقد أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الأنصار ما منهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا، وأخرج أيضا عن الشعبى أنه سئل كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير سقطت. كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول وقال أحد كبار الأئمة: لولا الفرق من الله من ضياع العلم لما أفتيت أحداً، يكون له الهناء وعلى الوزر ..
ولولا خوف السلف من إثم كتم العلم لما كانوا يتصدون للافتاء بالمرة، وفى هذا الصدد روايات كثيرة عن رجال الصدر الأول تدل على مبلغ احترازهم من تبعة الإفتاء، ولكن نرى الناس اليوم على خلاف ذلك يتزاحمون على الفتيا ويتسابقون في حمل التبعة فما من مجلة أو صحيفة في البلد إلا وفيها فتاوى عن مسائل، وكذلك ليس لطائفة اللامذهبية مجلس وعظ وتذكير إلا وفيه افتئات (1) سبق نشرها في العدد 26 سنة 1355 من مجلة الإسلام على الفتوى في التوحيد والفقه حتى إن الكاتب البسيط لا يرى بأساً في أن يفتى الناس في أعوص المسائل وأكثرها تشعباً، وكفى أن تكون عنده فتاوى فرج الله الكردستاني أو الشيخ الحراني، فينقل منها صفحتين من بحث تعليق الطلاق مثلا ويذيع ما فيهما في الصحف والمجلات بدون أن يشعر بحاجة إلى التأكد من مبلغ أمانة الطابع، ومن عدم تصرفه فى نصوص الكتاب زيادة ونقصا أو تصحيحا على زعمه أو تصحيفا أو متابعة للهوى، ولا إلى التحقق من درجة مطابقة مافى الكتاب للواقع وصدق مؤلفه وبعده عن الزيغ والزلل فيما شذ به عن الجماعة.
وتلك أمور قد يغلط في تحقيقها كبار أهل العلم فضلا عن صغار أرباب القلم على أن اختلاف
الجزء 1 · صفحة 71
الفتيا من تلك المصادر المختلفة في مسألة واحدة باسم الشرع تصحيحاً وإبطالا وتحليلا وتحر بما يؤدى إلى تفرقة كلمة الشعب المتحد الآمن المعلمين بل إلى تهاونهم بأمر الشرع إلى أن تزول من قلوب الأمة مهابة الإفتاء وجلال الشرع وحرمة العلماء حتى إذا شاهد المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها استمرار هذه الفوضى ربما يزول من صدورهم ما كانوا يحملونه بين جوانحهم نحو علماء مصر من الإجلال والإكبار والثقة والاعتماد. ويعز علينا أن نسمع هنا وهناك من أناس فى حق أهل العلم: هؤلاء لا نسمع لهم ركزا إلا عند قبض المرتب؛ أو مسايرة كل من هب ودب، لا فى توحيد كلمة المسلمين والحيلولة دون تفرقهم شيعاً وطوائف يتناحرون ويتنابذون بدل أن يكونوا إخوانا متعاضدين متناصرين متحابين
والله يعلم ماذا فقدت مصر من سمعتها العلمية في الخارج منذ مات شيخ فقهاء عصره الشيخ محمد بخيت رحمه الله وكان مرجع القضاة والعلماء في أقطار الأرض في حل مشكلاتهم فأى قاض أو فقيه إذا راجعه في مشكلة كان يجد الجواب بما يحل مشكلاته على مذهبه حاضراً واصلا إليه فيمضى القاضي القضاء، ويعمل المستفتى بالفتيا، لأنه كان إذا نقض أوجع، وإذا أبرم أقنع، لسعة دائرة بحثه في فقه المذاهب وطول ممارسته المدارسة والقضاء والافتاء، ومقدار ذلك العالم العالمي كان عندهم عظيما.
و إنى أعرف من أفاضل القضاة من كان يراجعه فيما يستشكله من المسائل مع كونه ممن له غوص فى الفقه ليتأكد مما فهمه من كتب الفقه، فيجد الجواب عن مسألته يصل إليه فى مدة يسيرة، وبعد وفاته رحمه الله راجع ذلك القاضى، مصر على ماتعود في عهد الشيح بخيت رحمه الله، فانتظر شهراً وشهرين وثلاثة أشهر إلى ستة أشهر بدون أن يصل إليه جواب عن مسألته، وكان يرجىء القضية إلى ورود الجواب إليه فى قطر سوى قطر مصر، أهكذا يحافظ على زعامة العالم الإسلامي؟!!
بل رأينا إفتاء صادراً من مصدر حقه أن يكون ملماً بوجوه الاختلاف في المسأله وبأدلة الجمهور فيها وبوجه سقوط تشغيب من شذ فيها، ينسب في ذلك الإفتاء، القول بخلاف ما عليه الجمهور إلى كثير من الصحابة والتابعين وفقهاء السلف اغترار بالفتاوى المذكورة، وتساهلا فى النقل، م ما مع أن ذلك القول لا يثبت عن صحابي واحد ولا تابعى واحد ولا فقيه واحد من فقهاء السلف، فضلا عن أن يثبت عن جمع منهم، بل المسألة إجماعية سلفاً وخلفاً، وجميع ما في الأمر أن ابن حزم حول في القرن الخامس قضاء على كرم الله وجه بسبب الاكراه والاضطهاد إلى صورة الحنث بدون إكراه بقلة ورع، كما عمل مثل ذلك فيما يرويه عن طاوس خيانة في النقل، وكما حرف الكلم عن مواضعه في قضاء شريح مع
الجزء 1 · صفحة 72
أن نص الرواية (فلم يره حدثاً) يدل على أنه كان يحكم بالوقوع لوعد ما فعله المعلق حدثاً
ففتيا ابن عمر، وقضاء على وهو يقول) اضطهد تموه) وقول ابن مسعود، وعمل أبي ذر، وعمل الزبير رضى الله عنهم من غير أن يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، والإجماع المنقول عن فقهاء التابعين وتابعيهم بالنظر إلى فتاويهم المدونة فى مصنف عبد الرزاق، ومصنف وكيع، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، وسنن البيهقى، وتمهيد ابن عبد البر واستذكاره وغيرها، كل ذلك يقضى على تقولات الشذاذ من الظاهرية وأذنابهم في المسألة، ولا ينبغي عالم أن يتكلم في مثل هذه المسألة بدون إطلاع على أمثال تلك الكتب. (ومصنف ابن أبي شيبة فى ثمانية مجلدات بمكتبة مراد ملا بالآستانة، وبها أيضاً مصنف عبد الرازق. وأما التمهيد ثمانية مجلدات منه فى مكتبة كوير يلى بالآستانة أيضاً، وبها تتم نسخة دار الكتب المصرية).
وقد فضح أبو الحسن التقى السبكى فى الدرة المضية خيانة صاحب الفتاوى المذكورة في نقوله من تلك الكتب، وفى مطالعة الدرة المضية فوائد ومتعة
ومصدر أقوال الصحابة والتابعين إنما هو أمثال تلك الكتب فمن عزا شيئا إلى الصحابة والتابعين بدون أن يطلع على تلك الكتب يضع نفسه في موقف الخجل عند أهل العلم والسقوط من نظرهم، وما يجر ذلك من الويلات ظاهر مكشوف.
فإذا تحداه أحد من أهل العلم، وقال: إنما السؤال عن الحكم الشرعى في المسألة على ما يراه الأئمة المجتهدون المعترف بإمامتهم عند الأمة لا عن القانون رقم كذا، ولا النظام تاريخ كذا، وإن كان من الضروري ذكر الصحابة والتابعين في المسألة فأثبت عن صحابي واحد أو تابعى واحد رواية صحيحة صريحة توافق الرأى الشاذ، من أحد كتب السنة، وقد أعفاك الله عن إثبات الرواية عن جمع الأصحاب أو التابعين أو الفقهاء من بعدهم حتى تعذر بعض عذر عند الناس لا عند الله - في تأييد ما يخالف الإجماع المنقول في كتاب ابن المنذر وغيره، فيا ترى ماذا يكون جوابه سوى أن يعترف بالحق ويرجع عن فتياه، أو يغالط ويزداد سقوطا أو ما ذا كان يصنع؟
وأما المستفتى فلا يخلو من أن يكون من أتباع أحد الأئمة المتبوعين عند أهل السنة أو من فريق اللامذهبية، فإن كان من أتباع الأئمة المتبوعين، فإن كان مالكياً، أو شافعياً، مثلا فإنما يفتى بالقول الصحيح المفتى به فى مذهبه قولا واحداً، بدون ذكر اختلاف، لأن من المعلوم أن بيان الخلاف في جواب
الجزء 1 · صفحة 73
المستفتى لا يفيده سوى الحيرة، مع أن الافتاء لأجل التخليص من الحيرة، لا لأجل الايقاع في زيادة الحيرة، كما نص على ذلك علماء الذاهب في كتب رسم المفتى وأدب القضاء، فلا يجوز للمفتى أن يقول له: فيه قولان عن الشافعي، وفيه قول قديم وقول حديث، أو فيه ست روايات عن مالك بطريق ابن القاسم، وأشهب، وابن الماجشون، والليثى، وعبد الملك بن حبيب، والعتبي مثلا، أو فيه خمسة أقوال في مذهب أبي حنيفة ظاهر الرواية، وغير ظاهر الرواية، وقول أبي يوسف، وقول محمد، وقول زفر، أو فيه عشر روايات عن أحمد في الرعاية الكبرى، فإن أصحاب هؤلاء الأئمة قد محصوا الصحيح فى مذاهبهم مدى القرون، وعينوا قولا واحداً للافتاء في كل مذهب، فليس للمفتى المقلد إلا أن يراجع الكتب المعتمدة عندهم، فيفتى بالقول الصحيح في المسألة.
وأما القول بأن فى) على الطلاق إن فعلت كذا) قولين في مذهب الحنفية مثلا إغتراراً بمثل قول أبي السعود العمادى ومن تابعه من المتأخرين الذين لا تلحق أقوالهم بالمذهب باعتبار طبقتهم، فليس من شأن الفقيه الباحث، وإن غلط الشيخ بخيت رحمه الله فى تأييد هذا القول الذى ليس من المذهب في شيء حتى ألف رسالة فيه لكن قوله هذا كقوله فى التصوير الشمسى مغمور في زاخر صوابه سامحه الله وأى عربى لا يفهم من) على الطلاق) طلاق امرأة المتكلم ولا يعتبر اللام تغنى غناء الإضافة النحوية؟. وهذا على بعده عن الذوق العربي بعيد عن النقل بعيد عن المذهب. وأين هذا فى كتب ظاهر الرواية، أو النوادر أو النوازل التي أفتى فيها مشايخ المذهب؟
ولسنا في حاجة الآن إلى بيان أنواع الضعف الموجودة في معروضات أبى السعود أو فتاويه المستضعفة مدى القرون عند فقهاء دار الإفتاء التي كان هو تولى رياستها في حين من الدهر.
وأما إن كان المستفتى من طائفة اللامذهبية فلهم طوائف شتي في البلد منهم من ينشر الاباحة باسم التصوف، ومنهم من يذيع التجسيم باسم السلف، ومنهم من يحاول بعث المذهب الاسماعيلى من مقبره باسم الحديث، ومنهم من يتوقع إلى حد أن يحاول مزاحمة النبي له في وحيه بإسم السنة، وكل هؤلاء اتفقوا على ألا يتفقوا في شيء إلا فى الخروج على الأئمة ونبذ المذهب، فلا أظن أن مذاهبهم من المذاهب المعترف بها حتى يعتبر لهم مصدر إفتاء خاص بل إذا لم يستأصل أهل الشأن شأفتهم قبل أن يكون قطرهم سيلا، وتركوهم وشأنهم إلى أن يستفحل أمرهم، ويستشرى شرهم فلا شك أن القطر الآمن - لاقدر الله يكون عرضة لما لا تحمد عقباه إلا إذا قامت كبار العلماء بواجبهم من الآن ومنعوا المتطفلين على الافتاء من الافتاء، وأرجعوا بحكمتهم دعاة تلك النحل الحديثة الممجوجة إلى صوابهم
الجزء 1 · صفحة 74
وقطعوا قول القائلين: أما لهذه الفوضى فى الافتاء، ولهذا التغاضى عن إحداث نحل جديدة في الاسلام من آخر؟؟ محمد زاهد الكوثري