الجزء 1 · صفحة 5
أسطورة قتل مرتدة شر قتلة في عهد الصديق
رضي الله عنه
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ورد إلىّ من أستاذ بحاثة له مقام إجلال في نفوس عارفي فضله خطاب يسألني فيه عن حديث ورد فى الناسخ والمنسوخ لابن شاهين في مكتبة الأسكوريال، وإليك نصّه ... ورد فى الكتاب أثناء الحديث عن المثلة والنهى عنها، والناسخ والمنسوخ فيما يتصل بها ما يأتي ورقة 48 .... وروى أن أبا بكر الصديق مثل بامرأة حيث ارتدت عن الإسلام كذلك حدثناه أحمد بن إسحاق بن البهلول: قال نا أبي، قال: نا محمد بن عيسى عن الوليد بن مسلم قال: حدثني سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر قتل أم ورقة الفزارية في ردتها قتلة مثلة: شدّ رجليها بفرسين ثمّ صاح بهما فشقاها، ولا يعلم أن أبا بكر مثل بغيرها، ونهى أبو بكر عن حديث المثلة، ونخس حديث المثلة، اهـ.
ونفسى يا سيدى لا تطمئن إلى هذا الخبر، ولم أقرأه من قبل، إلا أن مثل هذه الأمور لا يحكم فيها الهوى وإنما يرجع فيها إلى أهل الذكر والراسخين فى العلم. ولا شك أن فى النفس صورة عن رحمة أبي بكر تجعلني أتردد في قبول هذا الخبر، ولكنني لا أنسى أن الحكم على حادثة مر عليها أكثر من ألف وثلاثمائة عام ليس بالأمر الهين، خاصة وأنا لا أعلم الظروف والملابسات التي وقعت فيها فما رأى سيدى في هذا الخبر؟ وهل ورد فى مصادر أخر، وما مدى الثقة بناقليه ورواته؟ والكتاب قد سقطت من أوله أوراق ولكن يظهر أن المفقود قليل، وأنه لا يزيد عن المقدمة وصفحة من متن الكتاب - والله أعلم.
وللمؤلف تعليقات قليلة على ما يورده من ناسخ ومنسوخ، ولكنها
الجزء 1 · صفحة 7
تعليقات دقيقة طريفة، مثال ذلك ما ورد في ورقة 59 ب عن شرب الماء وهأنذا ناقله لفضيلتكم مع تعليق المؤلف عليه:
عن عبد بن محمد حديث آخر في الشرب حدثنا محمد بن على بن حمزة الأنطاكي، قال: نا أبو أمية الطرسوسي، قال: نا عبيد الله بن موسى، قال: نا أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد» الخلاف في ذلك: حدثنا عبد الله البغوي:قال نا محمد بن جعفر الوركاني: قال نا سعيد بن ميسرة البكري الموصلي، عن أنس بن مالك أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يشرب جرعة ثم قطع، ثم سمى ثم جرعة ثم قطع، ثم سمى الثالثة ثم جرع ثم مضى حتى فرغ منه، فلما شرب حمدا لله».
قال الشيخ: والذي يجمل أن يكون هذا ناسخاً للأول لأنه أشبه بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان إسناد الأول أجود، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا شرب أحدكم فليتنفس ثلاثا فإنه أهنأ وأمرأ أو كما قال».اهـ. فتعليق المؤلف هنا يرد قول بعض المحدثين أن المحدثين القدماء لم يكونوا يلتفتون لمتن الحديث، وأنهم لم يعنوا بغير الإسناد ورجاله انتهى ما كتبه الأستاذ السائل.
وهذا نص ما كتبته إليه جوابًا عن سؤاله بعد التحية والسلام:
ومن المعلوم عند سيادتكم أن نقاد الحديث: لا يقبلون خبراً ما لم يتصل سنده ويعرف رجاله بالثقة والضبط، وأحدوثة ابن شاهين لا مغمز فيها من جهة
الجزء 1 · صفحة 8
شيخه وشيخ شيخه وإن كانا حنفيين وقد وثقا حتى عند الخطيب إلا أن ابن شاهين نفسه على كثرة مؤلفاته وسعة دائرة رواياته وكونه معدوداً من الثقات يقع فى مروياته ما لا يرضاه أهل النقد من زيادة ونقص واستبدال لفظ بلفظ؛ وقد شاركه عصريه الدارقطنى فى رواية تلك الأحدوثة بسنده في السنن 336 لكن بلفظ ... نا محمد بن عيسى عن الوليد بن مسلم عن سعيد ابن عبد العزيز أن أبا بكر قتل أم قرفة الفزارية ... وانتهت رواية الدارقطني عند فشقاها وزاد ابن شاهين بعد ذلك: «ولا يعلم أن أبا بكر الصديق مثل بغيرها، ونهى أبو بكر عن المثلة» ونسخ حديث المثلة کيسه!.
وإنما كان نسخ المثلة بحديث بريدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مسلم وغيره، ولا يتصوَّر أن يكون نسخ المثلة إلى أبي بكر – رضي الله عنه - فيكون هذا المزيد من ابن شاهين مختل العيار وذكر ابن شاهين أم ورقة بدل أم قرفة و حدثني سعيد ... بدل عن سعيد .. » عند الدارقطني. فسعيد بن عبد العزيز ولد سنة تسعين، وتوفى سنة 167 هـ. فيكون من تبع التابعين، فيكون الساقط من رجال السند من سعيد إلى أبي بكر نحو ثلاثة رجال ليكون الخبر موصول السند، والخبر المقطوع لا خير فيه عندهم: على أن سعيداً وإن كان ومن رجال الأئمة الستة، لكنه ما كان يكتب الحديث تحويلا على حفظه، ورواية مثله لا بد أن تقع فيها أخطاء. لأن الحافظة كثيراً ما تخون. ثم إنه ممن اختلط قبل وفاته والاختلاط يدعو إلى التروى فى قبول رواية صاحبه، فيكون من الرجال الذين ينتقى بعض حديثهم عند الجماعة، فلا تكون هذه من نقاوة رواياته.
وأما الوليد بن مسلم فمدلس مشهور من رجال الجماعة أيضاً، وقد طال فيه الكلام، وقد عنعن في لفظ الدارقطني كما ترى وعنعنة المدلس مردودة عندهم
الجزء 1 · صفحة 9
وابن شاهين دون الدارقطنى فى الضبط والإتقان. وكثير من الرواة يقع في استبدال عن بالتحديث وبالعكس فيستفحل الشر عندما يكون الراوى مدلساً كما هنا.
ومحمد بن عيسى الأموى الدمشقى مدلس أيضاً، وقد عنعن عند الدارقطني وابن شاهين معاً كما ترى ثم ابن شاهين كان يرتعش خوفاً من الدارقطني، فيلازم السكوت فى مجلسه خوفًا من الافتضاح في علمه الذي هو الحديث، فماذا يفيد أن يكون مثله ألف ألف جزء من التفسير؟ هو كان يدعى أنه محمدى المذهب عند كلامه فى مسائل الفقه ستراً لجهله وجه الجواب فيها على مذهب من المذاهب المعروفة، كما نجد على هذا النمط لا مذهبية هذا العصر!.
وأبو بكر الصديق الذي شهرت سيرته فى قتل المرتدين وسبى نسائهم أن يمثل بالمرتدة مع شهرة حديث النهي عن المثلة عند جماهير الصحابة رواية قتل مرتدة فى عصره قتلا عاديا رواية فيها مغامز، ولو لم يكن فيها غير خالد بن يزيد بن أبي مالك مؤلف كتاب الديات لكفي في سقوط الخبر، وإن كان قتل المرتدة قتلا عاديا مما اختلف فيه الصحابة – رضي الله عنهم -، وأدلة الحنفية في الاكتفاء بحبسها ناهضة رغم كل متهور، فأجارك الله حملات الحنفية على القائلين بقتل المرتدة فضلا عن أن يمثل بها.
ولسنا نعذر الدارقطنى فى تدوين تلك الرواية في سننه السكوت عما فيها من المغامز. وبعض مَن ضاق أفق تفكيره من شيوخ العلم يهيئون فرصاً لأمثال غولد زيهير في الطعن فى الإسلام وتاريخ الإسلام بسكوتهم عما يحملونه من الروايات التالفة التى لا يجوز تدوينها إلا مع ذكر آفاتها، والله الأمر من قبل ومن
الجزء 1 · صفحة 10
بعد.
وقد وصفتم كتاب الناسخ والمنسوخ لابن شاهين وصفا دقيقا مشكوراً، لكن حيث أعد مؤلفه من مشاهير الجامعين من غير تمييز بين الغث والسمين لست راغباً في الاطلاع عليه وإن لم أره في مكتبة ما في الشرق.
وأبو أمية الطرسوسى فى خبر الشرب بنفس واحد يذكر بكثرة الأوهام، فلا: يصح خبره وإن كان من شيوخ الطحاوى. وكذا الخبر الذى بعده؛ لأن فيه سعيد بن ميسرة، فالعمدة فى هذا الباب هى الحديث الأخير من غير تصور نسخ في المسألة.
والواقع أن المحدثين يقتصرون في الغالب على نقد الحديث من جهة السند فلا يعنون بالاضطراب في متن الحديث قدر عنايتهم باضطراب السند والنقد في المتن الذى يسميه أصحاب غولد زيهير نقدا داخليا يقوم به أهل الفقه والاستنباط، والفريقان تقاسما وجوه نقد الحديث. ونكتفى بهذا القدر في هذا البحث المتشعب.
إكمالة بحث أم قرفة بعد الانتهاء من كتابة خطابي رأيت أن أشير إلى حكاية معروفة فى كتب السير عن أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر العجوز عزيزة بنى فزارة فقد ذكر أصحاب السير فى أنباء سنة ست من الهجرة قصد زيد بن حارثة إلى الشام فى تجارة فى رجب، وتعرض بني فزارة له في طريقه حتى جردوه من أمواله وجرحوه جرحًا بليغاً ولما التأم جرحه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوهم فأذن له حتى غزاهم فى شهر رمضان وانتصر عليهم في سرية، قيل إنهم قتلوا أم قرفة وبنيها الثلاثين الفرسان الذين كانت أمهم جهزتهم، وكانت تحضهم
الجزء 1 · صفحة 11
على اغتيال محمد عليه الصلاة والسلام، وكانت العرب تضرب المثل بعزتها على بني فزارة.
لكن اختلف أهل السير فيمن قتلها مباشرة، والمشهور عندهم أنه قيس ابن مالك بن المحسر وإن لم يثبت قتلها في تلك الغزوة عند أهل الحديث وفى عيون الأثر لابن سيد الناس ???/? بعنوان «وعن ابن إسحاق من طريق يونس بن بكير: قال حدثني عبد الله بن أبي بكر». ذكر قيس بن مالك بن المحسر لأم قرفة وقتله إياها بأمر زيد بن حارثة قتلا عنيفا بربط رجليها ببعيرين حتى شقاها، لكن ليس في رواية ابن هشام ذكر للبعيرين.
وفي هذه الأقصوصة وقفات من جهة أن الراوى عن ابن إسحاق هو يونس بن بكير، وعنه يقول أبو داود: ليس بحجة عندى كان يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالحديث، وقد ضعفه العجلى والنسائي، وأخرج له البخارى ومسلم لكن في الشواهد لا فى الأصول، فانفراد مثله يكون موضع ريبة، بل لا يصعب على مثله ذكر حدثني بدل عن فيجعل المنقطع موصولا .. بل وقع في تاريخ ابن جرير عنعنة ابن إسحاق لهذا الخبر عن ابن أبي بكر، فتعين الرد لكونه مدلسا وشيخ ابن جرير ابن حميد وشيخه: سلمة بن الفضل الراوى عن ابن إسحاق لا يحتج بهما عند كثيرين؛ وقد أخرج ابن جرير حديث سلمة بن الأكوع الموصول عن الحسن بن يحيى - يعنى العبدى- نا أبو عامر - يعنى العقدى - ثنا عكرمة ابن عمار عن إياس بن سلمة عن ابن الأكوع، فيكون عليه التعويل للاتصال وثقة رجاله وعدم معارضة ما هو أقوى منه.
ثم إن عبد الله بن أبى بكر توفى سنة 135 هـ عن 70 سنة، فإسناده لنبأ
الجزء 1 · صفحة 12
مفروض وقوعه سنة ست في حاجة إلى روايين ثقتين على الأقل فوقه، فأين يكون التعويل على مثل هذه الرواية المقطوعة المخالفة لرواية مسلم وأحمد وأبى داود وليس فيها ذكر لمثل ذلك القتل الفظيع على اتصال أسانيدهم وثقة رجالهم، بل فيها مجرد ذكر أن تلك السرية كانت تحت إمرة أبي بكر – رضي الله عنه -، وأنه نفل بنت أم قرفة لسلمة بن الأكوع واستوهبها منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فبعثها إلى قريش استخلاصاً للأسرى من المسلمين عندهم بدلها وكانت عزيزة على المشركين فيضرب بتلك الرواية رواية ابن اسحاق عرض الحائط كما فعل ابن كثير في البداية والنهاية اعتمادا على الرواية الصحيحة لأحمد ومسلم وأبى داود فقط.
على أن الواقدى يذكر أن قتلها كان فى بزاخة ولم يذكر أحد بسند يعتمد عليه قتلها في تلك الغزوة، وزد على ذلك أن ابن حجر قال في الإصابة وذكر ابن الكلبي أن قيسا هو الذي باشر قتلها، قال: وقتلها قتلا شنيعا، فيكون مصدر التشنيع هو ابن الكلبي المعروف ثم إنه على تقدير تهور قيس وقتله إياها هذه القتلة يكون ذلك منه لا من أبي بكر الصديق – رضي الله عنه -، ولا من حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه لو فرض ثبوت هذا القتل الفظيع .. مع أن دعائم الثبوت لم تتحقق فى الرواية كما أوضحناه كيف والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن المثلة نهيًا باتا فى كثير من الأحاديث المخرجة في الصحاح والسنن، فلا يتصور أن يرضى بفعل ما نهى عنه بل كان ينهى نهياً باتا عن قتل النساء في الحروب وكانت أم قرفة مشركة أصلية فلا يباح قتلها في شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا كانت محاربة فلا يتصور أن يقره، ولم تكن مرتدة بعد الإسلام حتى يتصور الاختلاف في النهي عن قتلها.
الجزء 1 · صفحة 13
وبهذا يظهر مبلغ التخبط فى رواية ابن شاهين كما يتبين سقوط محاولة البرنس كيتانو فى حولياته استغلال الأقصوصة المروى وقوعها سنة ست في النيل من تاريخ العهد النبوى، ولعل فى هذا القدر من الاستطراد كفاية والله ولى الهداية.
هذا ما كتبته إلى ذلك الأستاذ البحاثة قبل مدة، والآن سنح لى نشر السؤال والجواب بنصهما لما في ذلك من إزالة شبه والله سبحانه ولى النفع.