أثر العرف والمصلحة في الأحكام
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
أثر العرف والمصلحة في الأحكام
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
كم قلت ولم أزل أقول بتوفيق الله وتسديده - رغم كل لصيق بالإسلام من سدنة اللات والعزى ومن لف لفهم - إن أحكام الشرع هي ما فهمه الله الصحابة والتابعون وتابعوهم رحمهم الكتاب والسنة بموجب اللسان العربي المبين وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة وليس الأحد سوى صاحب الشرع دخل فى التشريع مطلقا، فمن عد الفقهاء کكمشرعين وجعلهم أصحاب شأن فى التشريع فقد جهل الشرع والفقه في آن واحد، وفتح من جهله باب التقول لأعداء الدين كما هو مشهود.
وأما المتأخرون من الفقهاء فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة لا أن يبدوا آراء فى الشرع على خلاف ما فهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان المطلعون على لغة التخاطب بين الصحابة قبل أن يعتورها تغيير وتحوير والمتلقون للعلم من الذين شهدوا الوحى، فما فهموه من الشرع فهو المفهوم، وما أبعدوه عن أن يكون دليلا بعيد عن أن يتمسك به، وإنما يكون الكلام فيما لم يتكلموا فيه أو اختلفوا في حكمه.
ومن تخيل حاجة الإسلام إلى تغيير في أحكامه، أو إلى مصلح مثل ذلك المصلح الألمانى فى النصرانية؛ فقد أساء المقارنة بين الإسلام الذي نصوصه محفوظة كما بلغه الرسول -- وبين النصرانية التي تاريخ كتبها المحرفة لايدع مجالا
للترقيع؛ فمن يلهج بالإصلاح في الإسلام من أغمار هذا فقد جمع إلى تلك الإساءة الجهل بتارخ الدين الإسلامي وتاريخ الكنيسة، وقد صدق الصادق المصدوق - حيث قال: «لتتبعن سنن من العصر قبلكم .. ».
ويأسف المسلم كل الأسف من وجود أناس بين المسلمين تحملهم شهوة الظهور على التظاهر بمظهر الاستدراك على فقهاء الصدر الأول، وعلى محاولة ابتداع أساليب بها يحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون الشرع الواضح المنهاج الصريح الأحكام يتقلب مع الزمن لأجل التقرب إلى الذين لا يضمرون للإسلام خيرا.
فتراهم يقولون: «عندنا العرف وهو قاض على النص»، وعندنا وهي أيضا قاضية على النص، فنحن مع العرف والمصلحة ندور معهما حيثما دارا وبهما كم تتغير الأحكام حتى المنصوصة!! وكم لنا من أسس من هذا القبيل!!.
يريدون بذلك أن يجعلوا شرع الله متقلبا مع الزمن ومع الظروف كأدمغتهم المتميعة القابلة لكل شكل مع كل ظرف غير مكتفين بتغير الأحكام التى ناطها الشرع بالعرف أو المصلحة التي نعرفها عند تغير ذلك أو هذه، نعم يوجد فى فلاسفة الغربيين اللادينيين من يبغى دينا يتقلب مع الزمن ولكن بغيته هذه ليست إلا شبكة يريد أن يوقع فيها مقلدتهم من أبناء الشرق الأغرار المتفلسفين، ليقضى على الإسلام بأيدى أبنائه، لكن لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
وليس للعرف في الشرع إلا ما بينه علماء المذاهب في كتب القواعد وكتب الأصول والفروع من مثل حمل الدرهم في العقود على الدرهم المتعارف فى موضع العقد وكذا الرطل، فالعقد بمصر مثلا على الرطل يكون بالرطل المصرى
وهو ثلث الأقة تقريبا، والعقد بالشام على الرطل يكون بالرطل الشامي وهو أقتان وهكذا.
وكون المشروط عرفا كالمشروط لفظا وزوال خيار الرؤية برؤية المشترى إحدى غرف الدار عندما كان العرف جاريا بين الناس ببناء دورهم متساوية الغرف، وعدم زوال الخيار المذكور عند تغير العرف المذكور، والاكتفاء بظاهر الإسلام في العدالة فى زمن يكون الغالب فيه موافقة المظهر للمخبر، بخلاف ما إذا تغير هذا فلا يكتفى في العدالة بظاهر الإسلام واعتبار اللفظ صريحا في معنى تعورف فيه بخلاف ما إذا نقل إلى معنى آخر وتنوسى المعنى الأول، وكون لفظ يلزمنى الطلاق» و «على الطلاق يفيد مجرد الالتزام في بلد ليس في عرفهم إيقاع الطلاق بهما وعدهما صريحين في إيقاع في مثل مصر والبلاد الشامية للعرف وحمل الطعام واللحم على البر ولحم الضأن في بلد تعورف فيه تخصيصهما بهما .. إلى غير ذلك مما هو مذكور في «التحقيق الباهر فى شرح الأشباه والنظائر» - في خمسة مجلدات للشيخ محمد هبة الله البعلى التاجى، وفى قواعد العز بن عبد السلام والأحكام للقرافى والفروق له، وغير ذلك من كتب القواعد في المذاهب ففيها شرح حكم ما إذا كان العرف عرفا عاما متوارثا أو عرفا خاصا غير متوارث كما أشرت إلى ذلك فى المقال السابق وليس في شيء منها أنه إذا تعورف في بلد التعامل بالربا أو غشيان الحانات أو الترخيص للبغايا، أو احتساء الشاي البارد! بدون نكير يتخذ ذلك ذريعة إلى استباحة ذلك كله فحاشا ثم حاشا أن يجعل للعرف شأن ضد النصوص القائمة عند فقيه من الفقهاء.
وتوهم إلغاء الوزن فى التعامل بالذهب والفضة بالعرف على خلاف النص؛ ذهول عن قيام الرقابة الساهرة على أوزان النقود كل السهر بحيث يجزم كل من
المتعاملين بالمعدنين بوزن النقد الذى يتبادلانه، بل لو فرض تصرف الناس فى التبر بدون وزن وجرى عرفهم على ذلك لا يؤثر ذلك في حكم الشرع أصلا.
ومن جملة أساليبهم الزائفة في تغيير الشرع بمقتضى أهوائهم قول بعضهم: إن مبنى التشريع فى المعاملات ونحوها المصلحة، فإذا خالف النص المصلحة يترك النص ويؤخذ بالمصلحة! فياللعار والشنار على من ينطق لسانه بمثل هذه الكلمة ويجعلها أصلا يبنى عليه شرعه الجديد، فسله وقل له ماذا تريد بالمصلحة التي تبغى بناء شرعك عليها؟ فإن كنت تريد المصلحة الشرعية فليس لمعرفتها طريق غير الوحى حتى عند المعتزلة الذين يقال عنهم إنهم يحكمون العقل.
قال أبو الحسين البصرى المعتزلى فى المعتمد شرح العمد للقاضي عبد الجبار الهمذاني: إن ما يعلم بالدليل ثلاثة أقسام: إما أن يصح أن يعلم بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل أما المعلوم بالعقل فكل ما كان فى العقل دليل عليه وكان العلم بصحة الشرع موقوفا على العلم به كالمعرفة بالله سبحانه وبصفاته وأنه غنى لا يفعل القبيح وإنما قلنا إن العلم بصحة الشرع موقوف على العلم بذلك لأنا إنما نعلم صحة الشرع إذا علمنا صدق الأنبياء عليهم السلام، وإنما نعلم صدقهم بالمعجزات إذا علمنا أنه يجوز أن يظهرها الله تعالى على كذاب وإنما نعلم ذلك إذا علمنا أنه عالم بقبح القبيح عالم باستغنائه عنه، والعلم بذلك فرع على المعرفة به، عز وجل فيجب تقدم هذه المعارف على المعرفة بالشرع فلم يجز كون الشرع طريقا لا إليها.
وأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل فهو كل ما كان في العقل دليل عليه ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به كوجوب رد الوديعة
والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد، وأما ما يعلم بالشرع وحده فهو ما كان في السمع دليل عليه دون العقل كالمصالح الشرعية والمفاسد الشرعية وماله تعلق بهما، وأما المصالح الشرعية فهى الأفعال التى تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة، نحو كون الصلاة واجبة وشرب الخمر حراما وغير ذلك، إذ ليس في العقل دليل على ذلك.
وأما ماله تعلق بالمصالح الشرعية والمفاسد الشرعية فهي طرق الأحكام الشرعية كالأدلة والأمارات وأسباب هذه الأحكام وعللها وشروطها، أما الأدلة
فككون الإجماع حجة وأما الأمارات فككون القياس وخبر الواحد حجتين على قول من قال لا يعلم ذلك بالعقل، وأما الأسباب فككون زوال الشمس سببا للصلاة، وأما العلل فكالكيل الذى هو علة الربا، وأما الشروط فضربان أحدهما شروط فى أحكام معلومة بالعقل كالشروط التي شرطتها الشريعة في البياعات لأن وقوع التمليك بالبيع معلوم بالعقل والآخر شروط في أحكام شرعية كستر العورة فى الصلاة والطهارة وغير ذلك اهـ.
ومن هنا يعلم أن المعتزلة الذين نرميهم بتحكيم العقل لا يجترئون على بناء الأحكام على المصالح والمفاسد في فهمهم بل بنوا معرفـ رفة المصالح والمفاسد الشرعيتين وما له تعلق بهما من أسباب وشروط وعلل على الشرع فقط كما ترى وفى بيانه أنظار ليس هذا موضع شرحها، وقصدنا لفت النظر إلى قوله في المصالح والمفاسد.