مقدمة
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران [102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ} النساء [1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} الأحزاب [70 - 71].
أما بعد:
فإن أولى ما صرفت إليه نفائس الأيام، وأغلى ما خص بمزيد من الاهتمام؛ الاشتغال بالعلوم الشرعية.
وإن من نعمة الله تعالى على العبد أن يسلك به سبيل الفقه في الدين، وأن يجعله داعياً إليه، منافحاً عن جنابه، جندياً في صفوف أهل الحق الداعين إلى سبيل الله والناهجين منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد حثت شريعتنا على التفقه في الدين، قال تعالى: { .. فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة [122]
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة إرادة الخير بالمسلم أن يتفقه في الدين حيث قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) متفق عليه (¬1).
¬
(¬1) () أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً، حديث/17 (ج 1، ص 164 مع فتح الباري)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، (ج 7، ص 128 مع شرح النووي).
لذا حرص العلماء على تعلم الفقه وتعليمه حيث لقي رواجاً واسعاً، ونشأت عنه مدارس متعددة.
وقد مر فقهنا الإسلامي الشامخ بمراحل متعددة من التدوين، وحاز قصب السبق في هذا الميدان مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان (¬1) على يد
¬
(¬1) () هو: النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة، وُلِدَ عام 80 هـ. بالكوفة في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، ونشأ في أسرة صالحة غنية، وهو فارسي الأصل، أسلم جده زُوطى في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، حفظ القرآن في صغره، كان حسن الوجه، حسن الثياب، حسن المنطق، حلو النغمة، قوي الحجة، شديد الذكاء، شديد الكرم، طويل الصمت، دائم الفكر، جهوري الصوت، وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، أخذ العلم عن مائتي شيخ أشهرهم"حماد بن أبي سليمان"، وقد بدأ بدراسة علم أصول الدين ومناقشة أهل الإلحاد والضلال، ثم لازم حماد بن أبي سليمان ليدرس الفقه على يديه، يقول أبو حنيفة:" قدمت البصرة، وظننت أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبت فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي ألا أفارق حماداً حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة"، رأى وسمع أربعة من الصحابة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة بمكة، رضي الله عنهم جميعًا، وقد زعم بعض رجال الحديث أنه ضعيف الحفظ، ولكن عدَّلَه أئمة هذا العلم، كابن معين وأبي داود، وابن المديني، وشعبة، وردوا على الزاعمين مقولتهم ووَثَّقُوه، روى عن عطاء بن أبي رباح، وهو شيخه الأول وعن الشعبي وعمرو بن دينار، وروى عنه إبراهيم بن طهمان عالم خراسان، وإسحاق الأزرق وحمزة الزيات، ثم انقطع للتدريس والإفتاء، قال عنه ابن المبارك: "كان أبو حنيفة آية، وما رأيت مثله في الفقه". وقال الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة فقيها معروفاً بالفقه مشهوراً بالورع، وسيع المال معروفاً بالإفضال، صبوراً على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصمت قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام". وقال الإمام مالك يصفه: "رأيت رجلاً لو كلمته في السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته". وعن الإمام الشافعي: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة". وقال يزيد بن هارون: "ما رأيت أحدًا أحلم من أبي حنيفة". سَبَّه رجل يومًا وهو في درسه وأكثر من الشتم، فلم يلتفت إليه أبو حنيفة ولم يقطع حديثه، ونهى أصحابه عن مخاطبته، فلما فرغ وقام تبعه الرجل إلى باب داره فقام على بابه وقال للرجل: "هذه داري، إن كان بقي معك شيء فأتمَّه حتى لا يبقى في نفسك شيء"، فاستحى الرجل وانصرف مخذولاً. وقد لخص منهجه الفقهي في قوله: "آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم". وهو منهج يعتمد الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ولا يأخذ بما قاله التابعون، إضافة إلى أنه كان يلجأ إلى الإجماع والقياس والاستحسان والعرف، وفق ما تدل على ذلك آراؤه الفقهية، بما فيها التي خالف فيها غيره من الفقهاء؛ علماً أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه. وأراده عمر بن هبيرة (أمير العراقين) على القضاء، فامتنع ورعاً، وحلف عليه الخليفة أبو جعفر المنصور أن يَلِيَ القضاء وحلف أبو حنيفة ألا يفعل، وقال: "إن أمير المؤمنين أقدر مني على كفارة أيمانه"، فأمر بحسبه حتى مات في السجن ببغداد، سنة 150 هـ. وعمره 70 سنة. انظر: مناقب أبي حنيفة، للموفق بن أحمد المكي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1401 هـ) ج 1، ص 9 وما بعدها؛ سير أعلام النبلاء، للإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الطبعة التاسعة، تحقيق: شعيب الأناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413 هـ) ج 6، ص 390؛ الجواهر المضية، محيي الدين عبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي، الطبعة الثانية، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413 هـ) ج 1، ص 49 - 63.
تلميذه الإمام محمد بن الحسن الشيباني (¬1) مدوّن المذهب وناشره رحمهما الله
¬
(¬1) () هو: محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله الشيباني، إمام بالفقه والأصول، أصله من قرية حرستا في غوطة دمشق، وولد بواسط سنة 131 هـ. ونشأ بالكوفة، وسمع الحديث من أبي حنيفة ومالك والأوزاعي والثوري والقاضي أبي يوسف، ورُوي الحديث عنه، صحب أبا حنيفة إلى آخر حياته،، وأخذ عنه الفقه، وصنف الكتب، منها: ((الجامع الكبير)) و ((الجامع الصغير))، و ((الآثار))، و ((السير الكبير)) و ((الأمالي)) و ((الحجة على أهل المدينة)) وغيرها، ونشر علم أبي حنيفة، وانتقل إلى بغداد، فولاه الرشيد القضاء بالرقة ثم عزله، ولما خرج الرشيد إلى خراسان صحبه، فمات في الري سنة 189 هـ. قال الشافعي: ((أخذت من محمد بن الحسن وقر-أي حمل- بعير من علم، وما رأيت أعقل منه، وما رأيت رجلاً سميناً أخفَّ روحاً منه، ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته))، ونعته الخطيب البغدادي بإمام أهل الرأي. الجواهر المضية 3/ 122 - 126؛ تاج التراجم، لأبي الفداء زين الدين قاسم بن قطلوبغا، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف (دمشق: دار القلم،1413 هـ) ص 237؛ الفوائد البهية، لمحمد عبد الحي اللكنوي (القاهرة: مطبعة السعادة،1324 هـ) ص 163.
تعالى.
ولقد حظي التأليف في المذهب الحنفي بعناية كبيرة من علماء المذهب القدامى والمتأخرين، حيث خلفوا وراءهم ثروة علمية ضخمة شملت الفقه والأصول والقواعد وغيرها، وألفوا فيها كتباً لا تكاد تحصى كثرة، منها ما وصل إلينا مطبوعاً أو مخطوطاً، ومنها ما تلف وضاع، فعفي رسمه وبقي اسمه، لا نعرف عنه إلا ما حملته إلينا في طياتها المؤلفات الموجودة بين أيدينا.
وقد تنوعت طرق التأليف في الفقه بين متون وشروح ومختصرات وحواشي، وإن عمدة المذهب الفقهي الحنفي في نقل المذهب: الكتب المعتمدة وهي:
أولاً: كتب ظاهر الرواية: الكتب الستة التي ألفها الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
وهذه الكتب بمثابة أصول المذهب، وجمعت هذه الكتب في كتاب (الكافي) للحاكم الشهيد (¬1).
ومن ثمَّ لقي الكافي الكثير من التقدير والاعتماد تبعاً لأصوله، ومن شروحه التي نالت الثقة والاعتماد كتاب (المبسوط) للإمام أبي بكر محمد بن أحمد السرخسي (¬2).
ثانياً: كتب ((المتون المعتمدة)): وهي المختصرات التي ألفها الحذاق
¬
(¬1) () هو: محمد بن محمد بن أحمد، أبو الفضل المروزي السلمي البلخي، الشهير بالحاكم الشهيد، قاض وزير، كان عالم (مرو) وإمام الحنفية في عصره، ولى قضاء بخارى، ثم ولاه الأمير الحميد (صاحب خراسان) وزارته، وقتل شهيدا في الري سنة 334 ه. الجواهر المضية 3/ 313؛ تاج التراجم 272؛، الأعلام، لخير الدين الزركلي، الطبعة الثانية عشرة (بيروت: دار العلم للملايين، 1997 م) ج 7، ص 19.
(¬2) () هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي، المعروف بشمس الأئمة، كان عالماً أصولياً مناظراً، له ((المبسوط))، وغيره من الكتب، توفي سنة 483 هـ. الجواهر المضيئة 3/ 78 - 82؛ تاج التراجم 234 - 235؛ الفوائد البهية 158 - 159.
من علماء المذهب الكبار، المشتهرين بالتمحيص والتدقيق، حيث شملت هذه المتون جل الأبواب الفقهية.
وما صححته هذه المتون هو قمة الآراء المعتمدة الراجحة عندهم، قال العلامة ابن عابدين (¬1): ((إن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب فلا يعدل عما فيها)) (¬2).
وحصل هذا الاعتماد والتعويل على المتون المعتمدة، إذ كان ((مصنفوها يميزون بين الراجح والمرجوح، والمقبول والمردود، والقوي والضعيف، فلا يوردون في متونهم إلا الراجح المقبول القوي)) (¬3).
ومن ثمَّ اهتم فقهاء الحنفية قديماً وحديثاً بتلقين النشء وتحفيظهم تلك المتون التي نالت من الثقة والتقدير ما نالت.
وكان من أدقِّ تلك المتون نقلاً للمذهب تخريجاً وتلخيصاً وتحقيقاً وتمحيصاً كتاب:
(مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان) للعلامة إبراهيم بن موسى الطرابلسي المتوفى سنة 922 هـ.
ولما كان هذا الكتاب من كنوز الفقه الحنفي المخطوط، ومن أنفس كتب المتأخرين، تقدَّمت به إلى كلية الدراسات العليا -كلية الشريعة والقانون -قسم الفقه المقارن- بجامعة أم درمان الإسلامية؛ ليكون موضوع بحثي لمرحلة الماجستير؛ لأنفض الغبار عن صفحاته وأوراقه، وليأخذ مكانه بين كتب ومصادر المذهب الحنفي.
سائلاً المولى جل وعلا أن ينفعني به والمسلمين أجمعين.
¬
(¬1) () هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره، ولد في دمشق سنة 1198 هـ وتوفي بها سنة 1252 هـ. الأعلام 6/ 42.
(¬2) () حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، لمحمد أمين الشهير بابن عابدين، الطبعة الثانية (بيروت: دار الفكر، 1386 هـ) ج 4، ص 209.
(¬3) () الفوائد البهية 107.
سبب اختيار الموضوع
من الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع:
1 - أن علم الفقه مصب أحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية، لا تستغني عنه الأمة مطلقاً، إذ به تنتظم شؤونهم وتقوم أمورهم، ((وهو علم الأئمة المجتهدين، وأغلب ما يحتاج إليه العاملون)) (¬1)، والفقهاء: ((قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون المعاملات، وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الخراج والديات، وبينوا معاني الأيمان والنذور، وفصلوا الأحكام في الدعاوى؛ فهم في الدين بمنزلة الوكلاء المتصرفين في الأموال)) (¬2).
قال الخطابي رحمه الله: ((الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب)) (¬3).
2 - رغبتي الشديدة في التعمق في دراسة الفقه عموماً والفقه الحنفي خصوصاً، ومن أهم تلك الوسائل تحقيق كتب هذا الفن، حتى يقف على خفاياه ودقائقه فتنمو عنده الملكة الفقهية، ويتعود على فهم وضبط عبارات الفقهاء ومصطلحاتهم.
3 - قلة كتب الحنفية التي حققت تحقيقاً علمياً، فأكثر تراثهم إما مخطوط
¬
(¬1) () ترتيب العلوم، لساجقلي زاده، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد السيد (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1408 هـ/ 1988 م) ص 160.
(¬2) () العواصم من القواصم، لابن العربي، تحقيق: محب الدين الخطيب (الرياض: الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، 1404 هـ/ 1984 م) ص 191.
(¬3) () معالم السنن للخطابي، تحقيق: محمد الفقي، (بيروت: دار المعرفة، مع مختصر سنن أبي داود للمنذري) ج 1، ص 5.
أو مفقود أو مطبوع بدون تحقيق.
4 - قيمة الكتاب العلمية، حيث يعتبر هذا الكتاب مرجعاً مهماً في معرفة الراجح من روايات المذهب في كثير من المسائل، حيث نقل منه وأحال عليه أكثر المتأخرين في كتبهم. وسأبين ذلك بالتفصيل في مبحث قيمة الكتاب
5 - مكانة مؤلفه العلمية، واطلاعه الواسع خاصة فيما يتعلق بمذهبه، فقد كان من كبار علماء الحنفية في الفقه وفروعه، فقد اعتمد ترجيحاته واختياراته جلُّ من أتى بعده من المحققين.
6 - الإسهام في نشر التراث الفقهي الدفين، وإخراج هذا الكتاب إلى المستفيدين.
فهذه الأسباب منضمة بعضها إلى بعض، واكتساباً للخبرة في التحقيق، كل ذلك حدا بي إلى تقديم هذا المخطوط كرسالة لأطروحة الماجستير لدراسته وتحقيقه وإظهاره للنور والذي لا يزال حبيس خزائن المخطوطات.
وحيث إن عدد أوراق المخطوطة كثيرة، فإنني سأقوم بتحقيق قسم العبادات منه في مرحلة الماجستير بإذن الله تعالى، على أن أتم باقي الكتاب في مرحلة الدكتوراه إن شاء الله تعالى.
منهجي في التحقيق
اتبعت في التحقيق منهج الاستقراء والتتبع والوصف والتحليل، واعتمدت في التحقيق على ثلاث نسخ مخطوطة للكتاب ونسخة رابعة ضمن شرحه البرهان للمؤلف، وكان المنهج كالتالي:
1 - نسخت نسخة (أ) من المخطوطة لما لها من مميزات علمية، سأبينها في وصف النسخ، وجعلتها النسخة الأصل.
2 - ألتزم ـ في التحقيق ـ بقواعد الرسم الإملائي المعاصر، مراعياً علامات الترقيم.
3 - أثبت الفروق الواقعة بين النسخ في الحاشية، مع إغفال الفروق التالية:
أـ الأخطاء الإملائية.
ب ـ عبارات المدح والثناء.
ج ـ التصحيفات المعروف تصحيحها بداهة.
4 - إذا كان الاختلاف أو السقط في كلمة وضعت الرقم عليها، ثم بينت ذلك في الحاشية، وإذا كان في أكثر من كلمة وضعت العبارة بين قوسين في الهامش، ثم بينت الفرق.
5 - أكملت بعض السقطات الواقعة في نسخة (أ) من النسخ الأخرى، وجعلت ذلك بين [ ... ] معقوفين مع التوضيح في الهامش، علماً بأن السقط في موضعين فقط بمعدل نصف ورقة لكل موضع.
6 - أضفت الكلمات الزائدة على نسخة (أ) من النسخة الأخرى في المتن إذا كانت الجملة تحتاج إليها، وأشرت إلى ذلك في الهامش.
7 - صحَّحت بعض الأخطاء الواضحة في نسخة (أ) من باقي النسخ، وأشرت إلى ذلك في الهامش.
8 - اعتمدت في إثبات الرقوم - أي الأحرف التي وضعها المؤلف علامة على أصحاب الأقوال- على النسخ الثلاثة (أ، م، ب)، دون الإشارة إلى النسخة التي أثبت منها الرقم، وذلك للأسباب التالية:
- أن جميع النسخ التي بين يدي لم تلتزم بوضع جميع الرقوم، لذا لم أتمكن من الاعتماد على نسخة دون أخرى، خاصة أن نسخة الأصل قد أهملت هذه الرقوم بصورة كبيرة.
- أن المؤلف لم يضع الرقوم في نسخة الشرح، اعتماداً على بيانه لأصحاب الأقوال التي يشير إليهم فيها باصطلاحاته، وحيث إنني أشير في الهامش إلى صاحب القول نقلاً عن المؤلف، فلم يبق للرقوم كبير اهتمام.
- حتى لا تكثر الهوامش من غير فائدة.
9 - أضع الرقوم فوق الكلمة التي عليها الرمز كما في المخطوط.
10 - أشير إلى نهاية كل جهة (أ ـ ب) من اللوحة في المخطوطة التي اعتمدتها الأصل بوضع خط مائل داخل النص، ثم أضع على يسار الصفحة الرقم.
11 - وضَّحت معاني بعض الألفاظ الغربية الواردة في الكتاب.
12 - علَّقت على أكثر مسائل الكتاب نقلاً من كتاب البرهان والذي شرح فيه المؤلف كتابه، أو من شرح الفتني (¬1) لمواهب الرحمن، أو من كتب الحنفية الموسعة، حيث إن كثيراً من العبارات لا يسهل فهمها دون شرح، وقد أشرت إلى ما أنقله من الشرحين في نهاية الجملة المنقولة بوضع لفظ [البرهان] بين معقوقتين إشارة إلى شرح المؤلف، و [الفتني] إشارة إلى شرح الفتني.
13 - وثَّقت أقوال أئمة المذهب من مظانها المعتمدة، وأوضح اسم القائل حيث إن المؤلف يشير إلى القائل بأسلوب مختلف بيَّنَه في مقدمة كتابه، وشرحته في مبحث منهج المؤلف.
14 - وثَّقت أقوال المذاهب الأخرى التي أشار إليها من مصادرهم، وعلَّقت على بعض
¬
(¬1) () هو: عبد اللطيف بن جمال بن حميد الفتني. (لم أجد ترجمته).
ذلك.
15 - ترجمت للأعلام الواردة في الكتاب، وهي قليلة جداً.
16 - وضعت فهارس للأحاديث الشريفة، والأعلام، والبلدان والأماكن، والمقادير الشرعية، والمعادن والجواهر، والحيوانات، والنباتات، والمصادر والمراجع، والموضوعات.
خطة الرسالة
وتتكون من مقدمة وقسمين:
أما المقدمة، فتشمل ما يلي:
- خطبة الحاجة.
- سبب اختياري للموضوع.
- منهجي في التحقيق.
- عرض إجمالي لخطة البحث.
أما القسمان: فالقسم الأول: قسم الدراسة.
والقسم الثاني: قسم التحقيق.
القسم الأول
قسم الدراسة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دراسة عصر المؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية لعصر المؤلف.
المبحث الثالث: الحياة العلمية في عصر المؤلف.
الفصل الثاني: التعريف بالمؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حياة المؤلف الشخصية.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اسم المؤلف، ونسبه، وكنيته، ولقبه.
المطلب الثاني: مولد المؤلف، ونشأته.
المبحث الثاني: حياة المؤلف العلمية.
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: شيوخ المؤلف.
المطلب الثاني: تلاميذ المؤلف.
المطلب الثالث: رحلات المؤلف.
المطلب الرابع: وظائف المؤلف.
المطلب الخامس: ثقافة المؤلف.
المطلب السادس: مكانة المؤلف العلمية.
المطلب السابع: ثناء العلماء على المؤلف.
المطلب الثامن: آثار المؤلف العلمية.
المبحث الثالث: وفاة المؤلف.
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب.
المطلب الثاني: إثبات نسبة الكتاب للمؤلف.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب وترتيبه.
المبحث الثاني: منهج المؤلف في الكتاب، والملاحظات عليه.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: منهج المؤلف في الكتاب.
المطلب الثاني: الفرق بين منهجي ابن الساعاتي والمصنف.
المطلب الثالث: الملاحظات على الكتاب.
المبحث الثالث: أهمية الكتاب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قيمة الكتاب.
المطلب الثاني: شروح الكتاب.
المبحث الرابع: وصف النسخ الخطية للكتاب
القسم الثاني
قسم التحقيق
وفيه النص المحقق (قسم العبادات)، وعدد ورقاته (73) ورقة.
ويشمل الكتب التالية:
كتاب الطهارة -كتاب الصلاة - كتاب الزكاة - كتاب الصوم - كتاب الحج.
القسم الأول
قسم الدراسة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دراسة عصر المؤلف.
الفصل الثاني: التعريف بالمؤلف.
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب.
الفصل الأول
دراسة عصر المؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية لعصر المؤلف.
المبحث الثالث: الحياة العلمية في عصر المؤلف.
المبحث الأول
الحالة السياسية لعصر المؤلف
لقد عاش المؤلف - رحمه الله تعالى- في الشام ومصر في منتصف القرن التاسع الهجري تقريباً، حتى ربع القرن العاشر.
وفي هذه الفترة كانت الشام ومصر تحت حكم المماليك الذي استمر قريباً من ثلاثة قرون من سنة (648 هـ-923 هـ) (¬1).
وقد ظهرت دولة المماليك بعد انتصار السلطان الظاهر بيبرس (¬2) على المغول في عين جالوت سنة 658 هـ.، حيث بسطوا نفوذهم على مصر وبلاد الشام، وذلك إثر سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد سنة 656 هـ. على أيدي المغول.
وظهرت أهمية القاهرة في تلك الفترة بعد أن قصدها أحد أبناء الخلفاء السابقين ببغداد وهو المستنصر بالله أحمد العباسي (¬3)، حيث تلقاه السلطان الظاهر بيبرس، واستقبله العلماء والجند أروع استقبال؛ فرحاً بإحياء الخلافة الإسلامية، حيث أصبحت مستقر الخلافة الإسلامية وازدهرت ازدهاراً عظيماً، نظراً للاستقرار السياسي والقوة العسكرية، كما استمرت القاهرة
¬
(¬1) () التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، الطبعة الرابعة (دمشق: المكتب الإسلامي،1411 هـ) ج 7، ص 36 - 71.
(¬2) () هو: الظاهر بيبرس العلائي البندقداري الصالحي، ركن الدين، الملك الظاهر، ولد بأرض القپچاق سنة 625 هـ. وتولى سلطنة مصر والشام سنة 658 ه، وكان شجاعا جباراً، وله الوقائع الهائلة مع التتار والصليبيين، وله الفتوحات العظيمة، وفي أيامه انتقلت الخلافة إلى الديار المصرية سنة 659 ه، وتوفي في دمشق سنة 676 هـ. الأعلام 2/ 79.
(¬3) () هو: أحمد بن محمد الظاهر ابن الناصر المستضئ، أبو القاسم العباسي، أول الخلفاء العباسيين بمصر، دخلها بعد ثلاث سنين من انقراض عباسية العراق، فأثبت نسبه قي مجلس الملك الظاهر بيبرس البندقداري أمام جمع من العلماء، توفي سنة 660 هـ. الأعلام 1/ 219.
رمزاً دينياً وسياسياً حتى آخر عصر المماليك واستيلاء الحكم العثماني سنة 923 هـ. على السلطة.
ويصف السيوطي (¬1) رحمه الله في كتابه حسن المحاضرة (¬2) هذا الاستقرار فقال:
((اعلم أن مصر من حين صارت دار الخلافة عظم أمرها، وكثر شعائر الإسلام فيها، وحلت فيها السنة وعفت منها البدعة، وصارت محل سكن العلماء، ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب)).
والمماليك أصلهم من الأرقاء الذين جلبوا - في عصر الأيوبيين- إلى ديار الإسلام من أماكن مختلفة (¬3)، وبطرق شتى، ولأغراض متنوعة؛ أهمها: حماية السلطة، فكانت سياسة السلاطين - في هذا العصر- تقوم على الإكثار من شراء هؤلاء المماليك، حتى يكونوا عوناً لهم، ولأولادهم من بعدهم في تثبيت حكمهم، بعد أن يعلموهم الإسلام، وفنون الحرب والقتال، فيترقى من برع منهم في مناصب الدولة، حتى يصل إلى أماكن مرموقة.
ثم استطاع هؤلاء المماليك - بعد أن رأوا في أنفسهم المقدرة والكفاءة الحربية - أن يؤسسوا دولة على أنقاض الدولة الأيوبية بعد القضاء عليها سنة 648 هـ. ولطول فترة حكمهم فقد قسم المؤرخون دولتهم قسمين:
¬
(¬1) () هو: عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، جلال الدين، إمام حافظ مؤرخ، أديب، ولد سنة 849 هـ. له نحو 600 مصنف، منها الكتاب الكبير، والرسالة الصغيرة، نشأ في القاهرة يتيماً، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، فألف أكثر كتبه، توفي سنة 911 هـ. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (إحياء الكتب العربية، 1967 م) ج 1، ص 335 - 344؛ الأعلام 3/ 301.
(¬2) () 2/ 58.
(¬3) () كالترك، والجركس- جورجيا- ومغوليا، والصين، وأسبانيا، واليونان، وألمانيا، وغيرها. التاريخ الإسلامي 7/ 21.
1 - دولة المماليك البحرية من سنة (648 هـ - 792 هـ) وقد تعاقب على الحكم في هذه الفترة من المماليك (29) حاكماً.
2 - دولة المماليك (الجركسية (¬1)) من سنة (792 هـ) إلى سقوط الدولة على يد العثمانيين سنة (923 هـ)، وقد حكم المماليك الجراكسة مصر والشام والحجاز مدة تزيد على (131) سنة، وتعاقب على الحكم منهم في هذه الفترة أكثر من (27) حاكماً (¬2).
وقد عاصر المؤلف عدداً من سلاطين المماليك الجراكسة في مصر، وهم:
*السلطان الأشرف أبي النصر قايتباي المحمودي (872 - 901 هـ) (¬3):
تولى السلطنة في رجب سنة 872 هـ. بعد خلع تمربغا (¬4)، وكانت مدة
¬
(¬1) () سموا بـ (الجركسية) نسبة إلى أصولهم التي ينتمون إليها من بلاد الشركس، وهي بعض بلاد (جورجيا) بين بحر قزوين، والبحر الأسود، وهي جزء من أقاليم الاتحاد السوفيتي في العصر. المرجع السابق 7/ 71 - 96.
(¬2) () انظر: خطط الشام، لمحمد علي كردي (دمشق: مطبعة الترقي، 1345 هـ) ج 2، ص 101؛ التاريخ الإسلامي 7/ 21 - 22.
(¬3) () هو: السلطان أبو النصر قايتباي الملك الأشرف الجركسي، الظاهري، المحمودي نسبة إلى جالبه الخواجا محمود، من ملوك الترك، ولد سنة 826 هـ بويع بالسلطنة يوم الاثنين من رجب سنة 872 هـ، وسافر إلى الحج سنة 884 هـ ولم يحج أحد من ملوك الجراكسة غيره، وتوفي سنة 901 هـ. تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك النواب. ليوسف الملواني الشهير بابن الوكيل. تحقيق: د/ عبد الرحيم عبد الرحمن السديس. ص 87؛ صدق الأخبار المعروف بتاريخ ابن سباط، لحمزة بن أحمد بن عمر المعروف بابن سباط الغزي، الطبعة الأولى، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري (لنبان: طرابلس، جروس برس،1413 هـ) ج 2، ص 909؛ شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، الطبعة الثانية (بيروت: دار المسيرة، 1399 هـ) ج 8، ص 6 - 7.
(¬4) () هو: الظاهر تمربغا الظاهري، تولى السلطنة بعد خلع يلباي وكان له فضل وتودد للناس، فلم يكد يستقر بالسلطنة حتى ثارت عليه المماليك فخلعوه، وولوا قايتباي، وكان مدة سلطنته 85 يوماً، وسجن في الإسكندرية إلى أن توفي سنة 879 هـ. تاريخ ابن سباط 2/ 812؛ شذرات الذهب 7/ 315.
ولايته تسع وعشرين سنة وثلاثة أشهر، فسار في الناس بسيرة حسنة، مع الشهامة والهيبة، وامتدحه كثير من المؤرخين فأشادوا بحسن تدبيره، وحبه للخير، وتعففه عن الشهوات وكثرة حسناته، فضلاً عما قام به من إنشاءات وإصلاحات، حتى قيل: إنه المجدد من الملوك على رأس القرن العاشر.
وقد تميزت هذه الفترة باستقرار الأوضاع السياسية الداخلية نسبياً مقارنة بالفترات السابقة واللاحقة (¬1).
*السلطان الناصر محمد ابن السلطان قايتباي (902 - 904 هـ) (¬2):
تولى السلطنة بعد أبيه، وكان له من العمر أربع عشرة سنة وأشهراً، فأقام ستة أشهر ويومين، ثم خلع في جمادى الأول سنة 902 هـ. عندما ثار عليه الملك الأشرف قانصوه مملوك قايتباي، ولم يلبث طويلاً حيث تحرك عليه العسكر فهرب، ثم عاد الملك الناصر بعد ثبوت رشده فأقام سنة وستة أشهر ونصف شهر، ثم انغمس في اللهو والفساد وارتكاب الفواحش فقتل في ربيع الأول سنة 904 هـ (¬3).
* السلطان الملك الظاهر قانصوه الأشرفي (904 - 905 هـ) (¬4):
¬
(¬1) () الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة، لنجم الدين محمد بن محمد الغزي، الطبعة الثانية (بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، 1979 م) ج 1، ص 300؛ شذرات الذهب 8/ 6 - 9؛ سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، لعبد الملك بن حسن بن عبد الملك العصامي المكي، (القاهرة: المكتبة السلفية) ج 4، ص 43؛ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للإمام محمد بن علي الشوكاني، الطبعة الأولى، تحقيق: خليل المنصور (بيروت: دار الكتب العلمية، 1418 هـ) ج 2، ص 55 - 56.
(¬2) () هو: الملك الناصر أبو السعادات محمد بن قايتباي المحمودي، من ملوك الترك ولد سنة 887 هـ. وقتل بالقاهرة سنة 904 هـ. شذرات الذهب 8/ 22.
(¬3) () المرجع السابق 8/ 22 - 23؛ سمط النجوم العوالي 4/ 48؛ تحفة الأحباب 88.
(¬4) () هو: الملك الظاهر أبو سعيد قانصوه ابن قانصوه الأشرفي الجركسي - خال الناصر- ولد سنة 870 هـ. وكان أمياً لا يعرف إلا بلسان الجركس؛ لأنه جلب من بلاده وهو كبير، وهو الملك الثالث والأربعون من ملوك الترك، توفي سنة 906 هـ. نزهة الأساطين فيمن ولي مصر من السلاطين، لعبد الباسط بن خليل بن شاهين الملطى، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد كمال الدين عز الدين علي (مصر: القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، 1407 هـ) ص 150؛ تحفة الأحباب 88؛ البدر الطالع 1/ 389.
كانت مدة حكمه سنة وثمانية أشهر، وخلع من السلطنة سنة 905 هـ. إثر فتنة أثارها عليه طومان باي الذي اجتمع بجان بلاط -السلطان بعده- واتفقا على خلع الظاهر، فقبض عليه، وسجن بالإسكندرية، وحبس بها سبع عشرة سنة (¬1).
*السلطان الملك الأشرف جان بلاط (905 - 906 هـ) (¬2):
تولي السلطنة في ذي الحجة سنة 905 هـ. وهو الذي تعصب له طومان باي، وولاه السلطنة بعدما خلع قانصوه، فأقام ستة أشهر، ثم خلعه في جمادى الآخرة سنة 906 هـ. وأرسل مقيداً إلى سجن الإسكندرية، فسجن بها إلى أن مات خنقاً في شعبان سنة 906 هـ (¬3).
*السلطان طومان باي (906 هـ) (¬4):
¬
(¬1) () نزهة الأساطين 150؛ سمط النجوم العوالي 4/ 49؛ تحفة الأحباب 88.
(¬2) () هو: جان بلاط من يشبك، الأشرفي، الجركسي، الملك الأشرف سيف الدين، أبو النصر، المعروف بالناظر. نزهة الأساطين 152.
(¬3) () نزهة الأساطين 153؛ شذرات الذهب 8/ 27؛ سمط النجوم العوالي 4/ 49؛ تحفة الأحباب 88.
(¬4) () هو: أبو النصر سيف الدين طومان باي بن قانصوه، كان من أعيان مماليك قايتباي، بويع بالسلطنة في دمشق، وتلقب بالملك العادل، وعاد إلى مصر فحاصر جانبلاط بالقلعة وقبض عليه، وسجنه بالاسكندرية، ثم أمر بخنقه، وجددت له البيعة سنة 906 هـ. وساءت سيرته بعد توليه السلطنة، فقتل بعض أنصاره خنقاً، فوثب عليه أمراء الجيش، فاختبأ فخلعوه، واستمر مختفيا مدة، ثم ظهر وقبض عليه وقطع رأسه، في أوائل سلطنة قانصوه الغوري. بدائع الزهور في وقائع الدهور، لمحمد بن أحمد بن إياس الحنفي، الطبعة الثالثة, تحقيق: محمد مصطفى (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1404 هـ -1984 م) ج 3، ص 463؛ شذرات الذهب 8/ 27.
تولى السلطنة في جمادى الآخرة سنة 906 هـ، كان مهيبا وافر العقل، إلا أنه سفاك للدماء ظالم، خُلع في شوال من نفس السنة، وكانت مدته مائة يوم، كلها شرور وفتن مع قصرها ثم هرب واختفى حتى قبض عليه، ثم قتل خنقاً (¬1).
*الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري (906 - 922 هـ) (¬2):
تولى السلطنة مستهل شوال سنة 906 هـ. بعد أن رفضها خوفاً من أن يقتل كسابقيه، وكان كثير الدهاء ذا رأي وفطنة وتيقظ، إلا أنه كان شديد الطمع كثير الظلم والفسق، وقد أقام في السلطنة ستة عشر سنة وأربع أشهر، وقد عمل الغوري على إعادة الاستقرار إلى البلاد بعدما مرت به من فوضى وعدم استقرار وفتن في الحقبة الماضية، ووطد أركان ملكه، وما زال يحتال بمنافسيه حتى قضى عليهم، ولم تحدث قلاقل وثورات وفتن في الفترة الأولى من حكم الغوري، باستثناء بعض ثورات المماليك، ولكن الخطر الحقيقي الذي هدد كيان الدولة كان آتياً من ناحية البحر، حيث اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح، وتحول مرور السفن التجارية بين الشرق والغرب.
ولم يكن هذا الخطر بأكبر من خطر بني عثمان، الذي قويت دولتهم وعلا شأنهم منذ أن استولوا على القسطنطينية، وقد حدثت منازعات بينهم وبين السلطان قايتباي ولم يكن هذه الأحداث ذات نتيجة حاسمة، حتى
¬
(¬1) () بدائع الزهور 3/ 477؛ نزهة الأساطين 154؛ تحفة الأحباب 89؛ سمط النجوم العوالي 4/ 49.
(¬2) () هو: قانصوه بن عبد الله الظاهري --نسبة إلى الظاهر خشقدم- الأشرفي -نسبة إلى الأشرف قايتباوي- الغوري، أبو النصر، سيف الدين، الملقب بالملك الأشرف، سلطان مصر، جركسي الأصل، مستعرب، خدم السلاطين، ثم بويع بالسلطنة في القاهرة سنة 906 هـ. وبنى الآثار الكثيرة، ولد سنة 850 هـ.، وتوفي سنة 922 هـ. أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، لأحمد بن يوسف القرماني، الطبعة الأولى، تحقيق: د/ أحمد حطيط، وفهمي سعد (بيروت: عالم الكتب، 1412 هـ.) ج 3، ص 45؛ الأعلام 5/ 187.
كانت أيام السلطان سليم العثماني (¬1) المعاصر للغوري، وانتهى النزاع بينهما إلى قتل الغوري وانتصار الأتراك العثمانيين في الشام سنة 922 هـ (¬2).
*السلطان طومان باي (922 - 923 هـ) (¬3):
بعد أن سقطت الشام أجمع الجراكسة أن يولوا عليهم سلطاناً بعد الغوري فبايعوا السلطان طومان باي غصباً، ثم خرجوا معه لملاقاة السلطان سليم، فانهزم طومان باي، وفر، فطلبه السلطان سليم، وأحضره ثم صلبه، وانقرضت دولة الجراكسة، وأصحبت مصر تابعة للدولة العثمانية (¬4).
فهؤلاء هم سلاطين دولة المماليك الذين عاصرهم الإمام الطرابلسي- رحمه الله- وكانت فترات حكمهم في الغالب مملوءة بالاضطرابات السياسية، فإن المماليك لم يتيحوا لسلطان أن ينعم باستدامة ملكه، وكان تسلط الأمراء على السلاطين قوياً، حين يختارونهم صغاراً حتى إذا قوي عود السلطان وأحسوا منه استقلالاً بالحكم، خلعوه أو قتلوه.
وكان مصير السلاطين من المماليك القتل أو الخلع ثم الخنق، أو بعد لبثه في السجن أو مطاردته حين يهرب وقتله.
¬
(¬1) () هو: السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان، ولد بمدينة أماسيه سنة 872 هـ بتركيا، تولى السلطنة في سنة 918 هـ وعمره 46 سنة، وتوفي سنة 926 هـ. أخبار الدول وآثار الأول 3/ 42.
(¬2) () نزهة الأساطين 155؛ سمط النجوم العوالي 4/ 50؛ تحفة الأحباب 89؛ التاريخ الإسلامي 7/ 73.
(¬3) () هو: طومان باي، أبو النصر، الملقب بالملك الأشرف، من ملوك الجراكسة بمصر، ولد سنة 879 هـ اشتراه قانصوه الغوري، فترقى في الدولة، وجاء الخبر بمقتل قانصوه بحلب، فاتفق الأمراء على تولية طومان باي، فبويع بالقاهرة سنة 922 ه، وكان محمود السيرة في سياسته مع الرعية، أبطل كثيراً من المظالم، ومدة سلطنته ثلاثة أشهر و 14 يوماً، وبمقتله سنة 923 هدخلت مصر في حكم الدولة العثمانية. الأعلام 3/ 223.
(¬4) () مفاكهة الخلان 343 - 349؛ شذرات الذهب 8/ 114 - 115؛ سمط النجوم العوالي 4/ 53 - 54؛ تحفة الأحباب 89.
المبحث الثاني
الحالة الاجتماعية لعصر المؤلف
عاش العلامة الطرابلسي في أواخر القرن التاسع الهجري والذي يعتبر فترة انتقال بين العهدين في عهد القوة وعهد الضعف في دولة المماليك وعهد الحضارة والعلم والتقدم وعهد التقهقر والانحطاط والجمود في الحضارة الإسلامية.
ذلك أن أغلب الملوك الذين أتوا في هذه الفترة يغلب عليهم الجهل، وعدم المقدرة على تدبير شئون الشعب، والتجارة، والزراعة، وتسلط الجيش على الشعب، وسادت الأمية، فتدهورت أحوال البلاد في جميع المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية.
أضف إلى ذلك الاضطراب السياسي والعسكري المستمر الناتج عن ثورة الحكام ضد بعضهم بعضاً من أجل السلطة والقوة، وكانت السلطة لمن غلب، ولم يكن للشعب شأن في هذا المعترك، وإنما عليه أن يدفع ثمن هذه الحروب باهظاً، ويتمثل في المصادرة والنهب والضرائب الثقيلة، وويلات الحروب، ولذلك فلا عجب أن انحطت الحضارة واضمحلت الحياة الاقتصادية، مما مهد الطريق أمام العثمانيين للاستيلاء على بلاد الشام ومصر وإنهاء حكم المماليك سنة 923 هـ (¬1).
وقد كانت الفروق في هذا العصر واضحة بين طبقاته، إذ كان مجتمعاً طبقياً، وأكثر فئات المجتمع تميزاً عن غيرها فئة المماليك التي كانت تمثل طبقة عسكرية ممتازة تستأثر بالحكم وشئون الحرب.
وبسبب الاضطرابات السياسية بالغ كثير من السلاطين في شراء المماليك وإعدادهم واهتموا بتربيتهم اهتماماً كبيراً، وتمتعوا بحظ وافر من
¬
(¬1) () السلوك لمعرفة دول الملوك، لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، 1418 هـ) ج 1، ص 361؛ الوثائق السياسية والإدارية للعصر المملوكي، لمحمد ماهر حمادة، الطبعة الثانية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1403 هـ) ص 10 - 11؛ التاريخ الإسلامي 7/ 91.
الثراء عن طريق الأموال والإقطاعات الكبيرة التي تصلهم من الدولة (¬1).
وقد تعوَّد المماليك طلب نفقة البيعة عند بداية عهد كل سلطان حيث يمثلون القوة والمنعة له.
كما أدت الاضطرابات السياسية أيضاً إلى عدم استقرار الحالة الاقتصادية بسبب كثرة المنازعات والفتن وتعرض الأسواق لهجمات السلب والنهب مما كان يترتب عليه إغلاق المتاجر وتوقف النشاط الاقتصادي داخل السواق (¬2).
أما المجاعات والأوبئة: فقد أصيبت مصر بذلك عدة مرات، وانتشر فيها الطاعون الذي أودى بحياة خلق كثير شملت حتى الأمراء والأعلام، واشتد الغلاء في نفس الوقت، وعزت الأقوات، وتفاقمت الأرزاء، نتيجة لانخفاض النيل أو نتيجة لنهب المماليك أقوات الناس لاسيما في أوقات الإعداد للحملات الحربية كما حدث في عام 890 هـ. وسادت السكينة والعبوس على شعب مصر الصاخب المرح، وارتفع عدد الموتى حتى بلغ في كل يوم عدة آلاف في القاهرة وحدها (¬3).
المبحث الثالث
الحياة العلمية في عصر المؤلف
بالرغم من الضعف والتفكك والوهن الذي أصاب الخلافة الإسلامية
¬
(¬1) () سمط النجوم العوالي 4/ 51.
(¬2) () تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام، لمحمد سهيل طقوش، الطبعة الثانية (بيروت: دار النفاس، 1420 هـ) ص 566 - 567.
(¬3) () حسن المحاضرة 2/ 309؛ مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية، لمحمد عبد الله عنان، الطبعة الثانية (القاهرة: مكتبة الخانجي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1388 هـ) ص 155 - 157،188 - 194؛ تاريخ مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي، لسحر السيد عبد العزيز سالم (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة) ص 508.
غير أن الحركة العلمية ازدهرت في مصر والشام في عصر سلاطين المماليك ازدهاراً واسعاً، فغدت البلاد محوراً لنشاط علمي متعدد الأطراف، وكان عصراً حافلاً بالعلم والعلماء، زاخراً بالمدارس والمكتبات، والمنشآت الدينية، ويرجع سبب ذلك إلى عدة أسباب، أهمها سببان:
الأول: سقوط بغداد سنة (656 هـ) على يد التتار، وما تبع ذلك من اندراس قسم كبير من التراث الإسلامي، وإلقائه في نهر دجلة، واضطهاد العلماء وقتلهم، مما اضطرهم إلى الرحيل عنها إلى مصر والشام، فأكسبت هذين القطرين مركزاً علمياً جديداً ومجتمعاً لعدد كبير من الفقهاء والمحدثين والمؤرخين واللغويين وغيرهم، وقد تنبه هؤلاء العلماء لخطر ما حدث في بغداد، فبدؤوا يؤلفون الكتب لتعويض ما اندرس على يد التتار، يدل عليه ذلك التراث الضخم الذي خلفوه في العلوم الدينية وموسوعات أدبية وكتب تاريخية وغيرها (¬1).
الثاني: اهتمام الحكام بالعلم والعلماء، فقد أولت السلاطين اهتماماً بالغاً بالعلم والعلماء، حتى إنه وجد من هؤلاء السلاطين والأمراء أنفسهم من اشتغل بالتاريخ والفقه والحديث واللغة العربية بل تصدى بعضهم للإقراء والتدريس، ولا أدل على رعاية سلاطين المماليك للنشاط العلمي من حرصهم وتنافسهم في إنشاء المدارس والمعاهد وتخصيص دخل لعلمائها وطلابها ثم تزويد هذه المدارس والمعاهد بمكتبات ضخمة تحوي أهم المراجع في مختلف الفنون (¬2).
ومع هذا الازدهار العلمي فإن جلَّ من تحدث عنه في القرن السابع والثامن والتاسع قد وصفوه بعصر الانحطاط والجمود الفكري والتقليد.
¬
(¬1) () التاريخ الإسلامي 7/ 17 - 18؛ الوثائق السياسية والإدارية للعصر المملوكي 8.
(¬2) () مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك 292 - 299؛ التاريخ الإسلامي 7/ 15 - 16؛ الوثائق السياسية للعصر المملوكي 9.
قال في خطط الشام (¬1): ((بدأت طلائع الانحطاط في القرن التاسع فلم ينبغ رجل أحدث عملاً علمياً عظيماً، أو دل على نبوغ في فرع من فروع العلم، وكثر الجمَّاعون والمختصرون والشارحون من المؤلفين)).
وقال الشيخ مصطفى الزرقاء (¬2): ((في هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره إلى الجمود وإن كان في بحر هذا الدور الواسع - يعني: من منتصف القرن السابع إلى ظهور المجلة العدلية سنة 1286 هـ.-قد برز بعض الفحول اللامعين من الفقهاء والأصوليين، ففي هذا العصر ساد الفكر التقليدي المغلق وانصرفت الأفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف والاكتفاء بتقبل كل ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلا من خلال سطوره بعد أن كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنة وأصول الشرع ومقاصده، وقد أصبحت المؤلفات الفقهية - إلا القليل- أواخر هدا العصر اختصاراً لما وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً لها (¬3))).
ونجد في المقابل من الدارسين من لم يقبل بوصف هذه الفترة بالركود والجمود والانحطاط، ويرى أن هذا الحكم فيه سطحية وتسرع وتعميم، وأن من الخطأ جداً وصف القرن السابع والذي بعده بالانحطاط والتأخر وعدم التجديد والابتكار، إذ نظرة واسعة إلى كتب الطبقات والتراجم تبين لك ما
¬
(¬1) () خطط الشام 4/ 55.
(¬2) () هو: مصطفى أحمد الزرقاء، فقيه، مجتهد، خبير في الاقتصاد الإسلامي، من حلب، مات في الرياض سنة 1420 هـ. معجم المؤلفين المعاصرين، لمحمد خير رمضان يوسف (الرياض: مطابع الناشر العربي، 1425 هـ) ج 2، ص 771.
(¬3) () المدخل الفقهي العام، لمصطفى أحمد الزرقا، الطبعة الأولى (دمشق: دار القلم، 1418 هـ.) ج 1، ص 186.
أنتجه القرن السابع من علماء أعلام في مختلف العلوم والفنون، أمثال: العز بن عبد السلام وابن الحاجب والرافعي والنووي وابن دقيق العيد وابن الصلاح ... ويكفي للقرن الثامن أيضاً أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قد ذكر من أعيانه خمسة آلاف ومائتين وأربعة، كما أن الحافظ الشوكاني قد ألف كتاباً خاصاً في محاسن من بعد القرن السابع.
ولعل من وصف هذا العصر بالجمود والانحطاط إنما قصد السمة البارزة لهذا العصر مع تميزه بوجود علماء مبرزين ظهروا في فترات مختلفة من هذا العصر تميزوا بفنونهم وعلومهم سواء كانوا في مصر أو الشام أو غيرها من البلاد الإسلامية كان لهم الأثر العظيم في إثراء الثقافة الإسلامية كابن حجر العسقلاني والسخاوي والسيوطي والقسطلاني وبدر الدين العيني ومن قرأ كتب التراجم علم صدق ذلك.
الفصل الثاني
التعريف بالمؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حياة المؤلف الشخصية.
المبحث الثاني: حياة المؤلف العلمية.
المبحث الثالث: وفاة المؤلف.
المبحث الأول
حياة المؤلف الشخصية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اسم المؤلف، ونسبه، وكنيته، ولقبه.
المطلب الثاني: مولد المؤلف، ونشأته.
المطلب الأول
اسم المؤلف، ونسبه، وكنيته، ولقبه (¬1)
¬
(¬1) () مصادر ترجمته:
- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (بيروت: دار مكتبة الحياة) ج 1، ص 178.
- الإسعاف في أحكام الأوقاف، لإبراهيم بن موسى الطرابلسي (بيروت: دار الرائد العربي، 1401 هـ 1981 م) ص 149.
- الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة 1/ 112.
- تاريخ النور السافر عن أخبار القرن العاشر، لمحي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي، الطبعة الأولى (بيروت: دار الكتب العلمية، 1405 هـ) ص 104.
- الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي، الطبعة الأولى، تحقيق: د/ عبد الفتاح محمد الحلو (الرياض: دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع، 1403 هـ) ج 1، ص 243 - 244.
- تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، لمحمد بن عمر الطيب بافقيه من أعيان القرن الحادي عشر، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله محمد الحبشي (بيروت: عالم الكتب، 1419 هـ) ص 122.
- كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة (بيروت: دار أحياء التراث العربي) ج 2، ص 1895.
- هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لإسماعيل باشا البغدادي (بيروت: دار إحياء التراث العربي) ج 1، ص 25.
- شذرات الذهب 8/ 105.
- تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان، ترجمة: د. محمود فهمي حجازي بالتعاون، وحسن محمود إسماعيل (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995 م) ج 11، ص 326.
- معجم المصنفين، لمحمود حسن التونكي (بيروت: مطبعة وزنكوغراف طباره) ج 4، ص 454 - 455.
- الأعلام 1/ 71.
- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، الطبعة الأولى (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1414 هـ) ج 1، ص 76.
- موسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان الإسلامي، القسم الثاني، للدكتور عمر عبد السلام تدمري، الطبعة الأولى (بيروت: المركز الإسلامي للإعلام والإنماء، 1411 هـ) ج 1، ص 255 - 256.
* اسمه ونسبه:
هو العلامة إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي، الحنفي (¬1).
* كنيته ولقبه وشهرته:
يكنى بأبي إسحاق (¬2)، ويلقب ((ببرهان الدين)) (¬3)، أو ((البرهان)) (¬4)، واشتهر بالطرابلسي (¬5)، ثم الدمشقي (¬6)، ثم القاهري (¬7)، والمصري الحنفي (¬8).
المطلب الثاني
مولد المؤلف، ونشأته
* مولده:
ولد الطرابلسي بمدينة طرابلس من بلاد الشام سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة للهجرة (¬9)، وقيل: سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة (¬10).
¬
(¬1) () الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 1/ 178؛ الإسعاف في أحكام الأوقاف 149؛ الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة 1/ 112.
(¬2) () معجم المصنفين 4/ 454.
(¬3) () الكواكب السائرة 1/ 112؛ شذرات الذهب 8/ 105؛ الأعلام 1/ 71.
(¬4) () الكواكب السائرة 2/ 128،228؛ الأعلام 1/ 76.
(¬5) () الكواكب السائرة 1/ 112؛ شذرات الذهب 8/ 105.
(¬6) () المرجعين السابقين.
(¬7) () هدية العارفين 1/ 25.
(¬8) () الكواكب السائرة 1/ 257.
(¬9) () النور السافر 104؛ الأعلام 1/ 71؛ موسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان الإسلامي القسم الثاني 1/ 255.
(¬10) () معجم المؤلفين 1/ 76.
* نشأته:
نشأ العلامة الطرابلسي في طرابلس من بلاد الشام، ثم انتقل إلى دمشق (¬1)، ولم تحدد المصادر والمراجع التاريخية التي ترجمت للمؤلف للسنوات التي مكثها في طرابلس أو دمشق، والموجود فيها سرد لذلك بدون تحديد.
¬
(¬1) () الضوء اللامع 1/ 178؛ الكواكب السائرة 1/ 112.
المبحث الثاني
حياة المؤلف العلمية
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: شيوخ المؤلف.
المطلب الثاني: تلاميذ المؤلف.
المطلب الثالث: رحلات المؤلف.
المطلب الرابع: وظائف المؤلف.
المطلب الخامس: ثقافة المؤلف.
المطلب السادس: مكانة المؤلف العلمية.
المطلب السابع: ثناء العلماء على المؤلف.
المطلب الثامن: آثار المؤلف العلمية.
المطلب الأول
شيوخ المؤلف
تتلمذ العلامة إبراهيم الطرابلسي على عدد من علماء عصره، لكن كتب المصادر والتراجم لم تنقل لنا بالتفصيل جميع شيوخه الذين أخذ عنهم، لذا فإنه من الصعوبة بمكان الوقوف على كل من أخذ عنهم.
ويمكن تقسيم شيوخه المذكورين إلى قسمين:
- شيوخ المؤلف بالشام:
أخذ بالشام عن جماعة منهم: الشرف بن عيد، وقدم معه القاهرة حين طلب لقضائها (¬1).
والشرف بن عيد: هو شرف الدين موسى بن عيد، أقام بدمشق، ثم رحل إلى القاهرة حين طلب لقضائها، فأقام دون الشهرين، ومات من واقع وقع عليه من الزلزلة بالمدرسة الصالحية (¬2) في المحرم سنة 886 هـ. ذكره السيوطي رحمه الله ضمن قضاة الحنفية بمصر في كتابه حسن المحاضرة (¬3)، وقال عنه: ((كان من خيار عباد الله)) (¬4).
- شيوخ المؤلف بمصر:
1 - العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، وهو على رأس الشيوخ الذين أخذ عنهم المؤلف بمصر، فقد سمع منه شرح معاني الآثار، والآثار لمحمد بن الحسن، وغيرهما، وعلق عنه بعض التأليف (¬5).
والسخاوي: هو العلامة محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عثمان بن
¬
(¬1) () الضوء اللامع 1/ 178؛ الطبقات السنية 1/ 244؛ كشف الظنون 1/ 1895.
(¬2) () الصالحية: مدرسة من مدارس القاهرة، وهي تاج المدارس وأعظمها، بناها صلاح الدين الأيوبي سنة 572 هـ. حسن المحاضرة 2/ 257.
(¬3) () المرجع السابق 2/ 187.
(¬4) () المرجع السابق 2/ 51.
(¬5) () الضوء اللامع 1/ 178؛ الكواكب السائرة 1/ 260، 2/ 161.
محمد السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، شمس الدين، فقيه، مقرئ، محدث، مؤرخ، ولد في ربيع الأول سنة 831 هـ. صاحب المؤلفات الجليلة، أخذ الكثيرون عنه، وهم يزيدون على أربعمائة نفس، توفي بالمدينة المنورة سنة 902 هـ (¬1).
2 - العلامة عثمان بن محمد الأزهري، المحدث، الحافظ، شيخ السنة، أبو عمرو فخر الدين الديمي، الأزهري، الشافعي، ولد سنة 819 هـ. وتوفي سنة 908 هـ (¬2). وقد أخذ عنه الطرابلسي شرح ألفية العراقي للناظم (¬3).
3 - شمس الدين أبو السعود محمد بن محمد بن محمد بن علي الغرَّاقي (¬4)، المولود سنة 801 هـ. بالغراقة، حفظ القرآن والعمدة سمع السنن الكبرى للنسائي ومعظم مسلم، وحدث بالصحيح والنسائي والشفا والعمدة، مات سنة 889 هـ (¬5).
4 - العلامة محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عز الدين الرضى بن المحب القاهري، ثم المصري، المعروف بابن الأوجاقي، المولود في ربيع الأول سنة 799 هـ. حفظ القرآن والعمدة والتنبيه وألفية النحو، وسمع منه الفضلاء، مات في ربيع الأول سنة 889 هـ (¬6).
¬
(¬1) () الضوء اللامع 8/ 1 - 32؛ شذرات الذهب 8/ 15؛ الكواكب السائرة 1/ 53.
(¬2) () الضوء اللامع 5/ 140 - 142؛ الكواكب السائرة 1/ 259 - 260.
(¬3) () ألفية العراقي في أصول الحديث، للشيخ الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة 806 هـ وشرحها كذلك، وسماها فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. كشف الظنون 1/ 156.
(¬4) () الغراق: بفتح الغين وتشديد الراء، نسبة إلى الغراقة بلدة بقرب الحوف من الوجه البحري من الشرقية. الضوء اللامع 9/ 253.
(¬5) () المرجع السابق 9/ 255؛ المنجم في المعجم، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الطبعة الأولى، تحقيق: إبراهيم باجس عبد المجيد (دار ابن حزم، 1415 هـ) ص 214.
(¬6) () الضوء اللامع 9/ 199؛ المنجم في المعجم 201؛ الطبقات السنية 1/ 244.
5 - العلامة صلاح الدين محمد بن محمد بن يوسف الطرابلسي، الحنفي، ولد في رجب سنة 833 هـ. بطرابلس، كان عالماً فاضلاً مفتياً بارعاً، صار مدار الفتوى في مذهب الحنفية عليه، تولى مشيخة الأشرفية، توفي في رجب سنة 899 هـ (¬1). وقد لازمه برهان الدين الطرابلسي، ورغب له عن تصوفه بالمؤيدية (¬2) لما أعطي مشيخة الأشرفية كما قال السخاوي (¬3).
المطلب الثاني
تلاميذ المؤلف
تتلمذ على العلامة الطرابلسي جماعة من العلماء في الفقه الحنفي وأخذوا عنه كتابه المواهب وغيره، ومنهم (¬4):
1 - الشيخ محب الدين محمد التركماني الأصل، من جبال طرابلس، الحلبي، الحنفي، إمام السلطان الغوري، وشيخ قبة بعد العصر، ورد القاهرة غريباً فقيراً فانضم إلى الشيخ برهان الدين الطرابلسي شيخ القجماسية (¬5)، وكان يختلف إلى الحافظ فخر الدين عثمان الديمي، وكان حسن الصورة معتداً لها، عارفاً باللغة التركية، توفي في ربيع الأول سنة 922 هـ. بمصر (¬6).
2 - تاج الدين عبد الوهاب بن أحمد السيد الشريف ابن السيد شهاب الدين نقيب الأشراف، أخذ الفقه عن برهان الدين الطرابلسي، ثم
¬
(¬1) () الضوء اللامع 10/ 28 - 29؛ نظم العقيان في أعيان الأعيان، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (بيروت: المكتبة العلمية) ص 172؛ موسوعة علماء لبنان 4/ 158.
(¬2) () المدرسة المؤيدية، بنيت سنة 819 ه، في القاهرة. حسن المحاضرة 2/ 272.
(¬3) () الضوء اللامع 1/ 178.
(¬4) () موسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان الإسلامي، القسم الثاني 1/ 256.
(¬5) () القجماسية: مدرسة من مدارس مصر بالقاهرة. الضوء اللامع 7/ 258؛ الكواكب السائرة 3/ 308.
(¬6) () الكواكب السائرة 1/ 86 - 87.
المصري بها، وقرأ عليه مصنفه في الفقه على طريقة المجمع، توفي ليلة السبت ربيع الأول بصالحية دمشق سنة 925 هـ (¬1).
3 - شهاب الدين أحمد بن يونس المصري، الحنفي، المعروف بابن الشلبي، الإمام العالم العلامة، الأوحد المحقق، المدقق، الفهامة، أخذ الفقه عن الشيخ العلامة برهان الدين الطرابلسي، ثم المصري، توفي بالقاهرة سنة 947 هـ. وله من العمر بضع وستون سنة (¬2).
4 - زين الدين عمر الصعيدي (¬3)، الحنفي، الإمام العلامة، إمام الصخرة المعظمة بالقدس الشريف، كان من أهل العلم والعمل، قرأ بمصر على جماعة منهم البرهان الطرابلسي، مات في جمادى الأولى سنة 938 هـ. وصلى عليه غائباً بجامع دمشق يوم الجمعة 13 جمادى الآخرة (¬4).
5 - بشر المصري الحنفي، الشيخ الإمام، العلامة، أخذ الفقه عن البرهان الطرابلسي، توفي سنة 961 هـ (¬5).
المطلب الثالث
رحلات المؤلف
بعد نشأته في طرابلس رحل العلامة الطرابلسي إلى دمشق، ولم تذكر كتب التراجم السنة التي رحل بها إلى دمشق، ومكث بدمشق حتى سنة 886 هـ. ثم رحل إلى القاهرة مع الشرف بن عيد حين طلب لقضائها (¬6)، واستقر بها.
¬
(¬1) () المرجع السابق 1/ 257؛ شذرات الذهب 8/ 136.
(¬2) () الكواكب السائرة 2/ 115؛ شذرات الذهب 8/ 267 - 268.
(¬3) () في شذرات الذهب 8/ 229: (الصعتري).
(¬4) () الكواكب السائرة 2/ 228؛ شذرات الذهب 8/ 229.
(¬5) () الكواكب السائرة 2/ 128؛ شذرات الذهب 8/ 329.
(¬6) () الضوء اللامع 1/ 178؛ الكواكب السائرة 1/ 112؛ النور السافر 104.
ثم رجع إلى دمشق ومكث بها فترة، يدل على ذلك صورة لمخطوطة من خط الطرابلسي في كتاب الأعلام (¬1) وفيها: ((علَّقها لنفسه إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ الطرابلسي في دمشق المحروسة في زاوية الشيخ تقي الدين الحصني نفع الله به وبأسلافه في الدنيا والآخرة في سابع عشر ربيع الأول من شهور سنة تسعين وثمانمائة))، ثم عاد إلى القاهرة، حيث كان فيها سنة 894 هـ. على ما أفاده السخاوي في الضوء اللامع (¬2).
ثم رحل إلى مكة، وجاور بها، وأقرأ في سنة خمس عشرة وتسعمائة، ثم عاد إلى القاهرة (¬3).
المطلب الرابع
وظائف المؤلف
تولى مشيخة القجماسية بالقاهرة بعد أن ترقى مقامه عند الأتراك بواسطة اللسان (¬4).
قال السخاوي: ((وفي أثناء سنة أربع وتسعين وثمانمائة كان ممن حضر بين يدي السلطان بالقبة الدوادارية، وعلم بحاله وفضله فأنعم عليه بشيء، ثم قرره في الجوالي المصرية عن الكوراني ونعم الصنع (¬5))).
المطلب الخامس
ثقافة المؤلف
لقد لازم برهانُ الدين الطرابلسي العلامةَ صلاح الدين الطرابلسي مفتي الحنفية في زمانه، إلا أن المصادر لم تبين شيوخه الذين أخذ عنهم الفقه، مع
¬
(¬1) () الأعلام 1/ 76.
(¬2) () الضوء اللامع 1/ 178.
(¬3) () النور السافر 104؛ تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر 122.
(¬4) () الكواكب السائرة 1/ 112.
(¬5) () الضوء اللامع 1/ 178.
أنه بلغ مرتبة عالية بين علماء الحنفية، ولكن من خلال النظر في كتبه التي ألفها العلامة الطرابلسي نجد سعة علمه، وعظيم إطلاعه على الكتب التي سبقته في التأليف، حيث إني لاحظت في أثناء تحقيقي لمتن مواهب الرحمن ورجوعي لشرحه البرهان أنه على دراية وافرة بكتب الحنفية السابقة، والمذاهب المخالفة، مما جعلت له هذه القدرة الفائقة، على صياغة كتابه المواهب، وجمعه لمسائل الخلاف بين المذاهب، وهو الملاحظ من خلال الكلام عن تلاميذه الذين أخذوا الفقه عنه.
وفي فن الحديث وعلومه، ومن خلال الكلام على شيوخه، تبين لنا الكتب التي قرأها ودرسها على أيدي أولئك العلماء، فقد قرأ شرح معاني الآثار للطحاوي (¬1)، والآثار لمحمد بن الحسن الشيباني على العلامة السخاوي، وكذلك أخذ عن العلامة فخر الدين الديمي الأزهري شرح ألفية العراقي للناظم المسماة ((فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)).
وقد ظهرت هذه العلوم في كتبه ظهوراً جليلاً، وذلك من خلال اعتماده في الاستدلال بالسنة، وإيراد الأحاديث والآثار في المسائل الفقهية، وبيان رواياتها وطرقها وألفاظها المختلفة، والحكم على رجال الحديث، ونقل كلام علماء الجرح والتعديل فيهم، والتنبيه على ما في الأحاديث من علل توجب الرد، مما جعل كتابه البرهان يفوق كثيراً من كتب الحنفية في هذا الجانب، ويمتاز عنهم بذلك.
¬
(¬1) () هو: أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، الفقيه، الإمام، الحافظ، ولد سنة 239 هـ. في قرية طحا، كان جريئاً بالحق، متواضعاً، طيب العشرة، لين الجانب، صحب المزني وتفقه به، ثم ترك مذهبه وصار حنفي المذهب، صنف كتباً كثيرة منها: ((اختلاف العلماء)) و ((شرح معاني الآثار))، ومات سنة 321 هـ. الجواهر المضية 1/ 271؛ تاج التراجم 100.
المطلب السادس
مكانة المؤلف العلمية
تظهر شخصية العلامة إبراهيم الطرابلسي العلمية من خلال كتبه الثلاثة، والتي اعتمد عليها جلُّ من أتى بعده من كبار الأئمة والمحققين، فقد أكثروا الإحالة إلى كتبه، والإشارة إلى اختياراته، وتعضيد ما ذهبوا إليه بترجيحاته، حتى عدُّوه من كبار فقهاء المذهب الحنفي في الاختيار والترجيح.
وسأورد هنا بعضاً من أسماء العلماء الذين نقَولوا عنه، ومقتطفات من إحالاتهم إلى كتب الإمام الطرابلسي، والتي تُظِهر لك جلياً مكانته وقدْره عند من جاء بعده من العلماء والمحققين، فمن هؤلاء:
1 - العلامة زين الدين ابن نجيم (¬1) في كتابه (البحر الرائق شرح كنز الدقائق). حيث أحال إلى كتاب الإسعاف فقط.
قال في البحر الرائق (5/ 218):
((وقال محمد: يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات، واختاره أَكثر فقهاء الأمصار، وهو الصَّحيح، كما في الإسعاف، وهو قول عامّة المشايخ كما في الظّهِيريةِ)).
2 - العلامة حسن بن عمار الشرنبلالي (¬2) في كتابه (غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام)، حيث نقل من كتاب مواهب الرحمن، وأحال كثيراً إلى شرحه البرهان، كما أشار إلى ترجيحاته واختياراته.
قال في غنية ذوي الأحكام (4/ 76):
((قوله: وفي قوله الآخر: وهو قول محمد لا يسعه الوطء) هو المفتى به كما
¬
(¬1) () هو: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نجيم، فقيه حنفي، من العلماء، مصري، له تصانيف، منها: ((الأشباه والنظائر في أصول الفقه))، و ((البحر الرائق في شرح كنز الدقائق)) في الفقه، توفي سنة 970 هـ. الأعلام 3/ 64.
(¬2) () هو: حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي، المصري، فقيه، حنفي، مكثر من التصانيف، ولد سنة 994 هـ. نشأ بالقاهرة ودرس بالأزهر، وأصبح المعول عليه في الفتوى، من كتبه: ((مراقي الفلاح))، و ((غنية ذوي الأحكام))، توفي في القاهرة سنة 1069 هـ. الأعلام 2/ 208
في مواهب الرحمن)).
3 - العلامة عليُّ بن سلطان محمد القاري الحنفي (¬1) في كتابه (فتح باب العناية بشرح النقاية).
قال في فتح العناية (1/ 143):
((وفي مواهب الرحمن: إلا أن تغتسل أو تصير الصلاة ديناً في ذمتها بخروج وقتها)).
4 - العلامة عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي المشهور بشيخي زاده (¬2) في كتابه (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر).
قال في مجمع الأنهر (2/ 579):
((وأبو يوسف معه، أي: مع محمد في وقف السلاح والكراع والخيل والإبل في سبيل الله، وما سوى الكراع والسلاح لا يجوز وقفه عند أبي يوسف؛ لأن القياس إنما يترك بالنص والنص ورد فيهما فيقتصر عليه، وبه، أي: بقول محمد يفتي؛ لوجود التعامل في هذه الأشياء، واختاره أكثر فقهاء الأمصار، وهو الصحيح كما في الإسعاف)).
- وفي (1/ 552):
((فإن كانت الولادة في أول شهر يعتبر بالأهلة، وإن كانت في أثنائها يعتبر كل شهر ثلاثون يوماً، وقيل: يثبت الرضاع إلى خمس عشرة سنة، وقيل: إلى أربعين سنة، وقيل: إلى جميع العمر، وعند زفر ثلاثة أحوال، وعندهما
¬
(¬1) () هو: علي بن سلطان محمد، نور الدين الملا الهروي القاري، فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره، ولد في هراة، وسكن مكة، وتوفي بها سنة 1014 هـ. قيل: كان يكتب في كل عام مصحفاً وعليه طرر من القراءات والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام، صنف كتباً كثيرة. الأعلام 5/ 12.
(¬2) () هو: عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي، المعروف بشيخي زاده ويقال له الداماد، فقيه حنفي، من أهل كليبولي (بتركيا) من قضاة الجيش، توفي سنة 1078 هـ. هدية العارفين 1/ 549؛ الأعلام 3/ 332.
حولان، وهو قول الشافعي، وعليه الفتوى كما في المواهب، وبه أخذ الطحاوي)).
5 - العلامة محمد علاء الدين الحصكفي (¬1) في كتابه (الدر المختار شرح تنوير الأبصار).
- قال في الدر المختار (4/ 475):
((ومن أحوجه حوادث زمانه إلى ما خفي من مسائل الأوقاف فلينظر إلى كتاب الإسعاف المخصوص بأحكام الأوقاف الملخص من كتاب هلال والخصاف)).
- وفي (6/ 316):
(((ويضحي عن ولده الصغير من ماله) صححه في الهداية (وقيل: لا) صححه في الكافي، قال: وليس للأب أن يفعله من مال طفله، ورجحه ابن الشحنة، قلت: وهو المعتمد لما في متن مواهب الرحمن من أنه أصح ما يفتى به)).
- وفي (2/ 367):
(((وجاز دفع كل شخص فطرته إلى) مسكين أو (مسكين على) ما عليه الأكثر، وبه جزم في الولوالجية، و الخانية، و البدائع، و المحيط، وتبعهم الزيلعي في الظهار من غير ذكر خلاف، وصححه في البرهان فكان هو (المذهب))).
6 - العلامة أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد مكي (¬2) في كتابه (غمز
¬
(¬1) () هو محمد بن علي بن محمد الحصني المعروف بعلاء الدين الحصكفي، مفتي الحنفية في دمشق، ولد سنه 1025 هـ. كان فاضلاً عالي الهمة، عاكفاً على التدريس والإفادة، من كتبه: ((الدر المختار في شرح تنوير الأبصار))، توفي في دمشق سنة 1088 هـ. الأعلام 6/ 294.
(¬2) () هو: أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين الحسيني الحموي، مدرس، من علماء الحنفية، حموي الأصل، مصري، كان مدرساً بالمدرسة السليمانية بالقاهرة، وتولى إفتاء الحنفية، وصنف كتباً كثيرة، توفي سنة 1098 ه. البدر الطالع 1/ 98؛ هدية العارفين 1/ 164؛ الأعلام 1/ 239.
عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر).
قال فيه (2/ 234):
((وفي مواهب الرحمن بعد أن ذكر أن الإجارة تفسد بالشروط الفاسدة كالبيع قال: وكاستئجار رحى ماء على أنه إن انقطع الماء فالأجرة عليه؛ لأن هذا شرط مخالف لمقتضى العقد، إذ موجبه أن لا يجب الأجر إلا بالتمكن من استيفاء المعقود عليه، وكل شرط مخالف موجب العقد يفسده انتهى)).
7 - العلامة أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي (¬1) في (حاشيته على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح).
- قال في حاشيته (ص 216):
((وظاهر عبارة مواهب الرحمن اختياره حيث قال مقتصراً عليه: ويبيح أي: أبو يوسف للرجل معانقة مثله، وتقبيله للمبرة بلا شهوة، كالمصافحة وتقبيل يد العالم والسلطان العادل للتبرك)).
- وفي (ص 47):
((قال في الهداية: وما يروي من التثليث محمول عليه بماء واحد، وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه، ورجح في البرهان رواية الأفراد على التثليث)).
- وفي (ص 198):
((قوله: (وصح اقتداء قائم بقاعد) أي: يركع ويسجد، وهذا عندهما خلافاً لمحمد، وقوله أحوط كما في البرهان))
8 - العلامة محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين في كتابه (حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار)
¬
(¬1) () هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل الطهطاوي، نسبة إلى طهطا، وربما قيل: طحطا، بالقرب من أسيوط، بمصر، حيث ولد بها، وتعلم بالأزهر، فقيه حنفي، تقلد مشيخة الحنفية، وخلعه بعض المشايخ، وأعيد إليها، فاستمر إلى أن توفي بالقاهرة سنة 1231 ه. ومن كتبه: ((حاشية الدر المختار)) و ((حاشية على شرح مراقي الفلاح)). الأعلام 1/ 245.
- قال في حاشيته على الدر (2/ 153):
((قوله: (ورجح في البحر الخ) هو ما استحسنه في البدائع، وصحح في مواهب الرحمن قول أبي يوسف بوجوبها على من كان داخل حد الإقامة، أي: الذي من فارقه يصير مسافراً، وإذا وصل إليه يصير مقيماً، وعلله في شرحه المسمى بالبرهان: بأن وجوبها مختص بأهل المصر، والخارج عن هذا الحد ليس أهله اهـ. قلت: وهو ظاهر المتون)).
- وقال في (1/ 403):
((قلت: وصححه في متن المواهب ونور الإيضاح والمنية وغيرها فكان عليه المعول، وقال في شرح المنية: وهو الصحيح؛ لأن اتصال العضو بالنجاسة بمنزلة حملها، وإن كان وضع ذلك العضو ليس بفرض)).
- وقال في (2/ 448):
((واعتمده صاحب البرهان حيث اقتصر عليه في متنه مواهب الرحمن، وتبعهم المصنف أيضاً، وكذا العلامة المقدسي في شرحه، وإن خالف فيه الشرنبلالي، فافهم)).
9 - العلامة أبو الحسنات اللكنوي (¬1) في كتابه النافع الكبير شرح الجامع الصغير.
قال في النافع الكبير (ص 107):
((قوله: كما يوضع في اللحد، وفي البرهان شرح مواهب الرحمن يوجه في القبر إلى القبلة على جنبه الأيمن)).
10 - الفتاوى الهندية.
¬
(¬1) () هو: أبو الحسنات محمد عبد الحي بن الحافظ محمد اللكنوي، ولد سنة 1264 هـ. في بلدة باندة حسن، حفظ القرآن الكريم، وعمره عشر سنوات، وتلقى العلم على والده، له مصنفات كثيرة، توفي سنة 1304 هـ. الفوائد البهية 248 - 249؛ الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية، لزكي محمد مجاهد، الطبعة الثانية (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994 م) ج 1، ص 87.
- قال في الفتاوى (2/ 360):
((كذا في الذخيرة وفي الإسعاف لو شرط نفقتهم من غلتها ثم مرض بعضهم يستحق النفقة إن شرط أن تجرى عليهم نفقاتهم من غلتها أبدًا ما كانوا أَحياء)).
11 - علي حيدر (¬1) في كتابه (درر الحكام شرح مجلة الأحكام).
- قال في درر الحكام (1/ 71):
((أَي: أنه لم يقيد عدم اختلال الحكم بما إذا قبض المحكوم له به أَم لا، مع أَنّ هذه المسألة موضع لاختلاف العلماء، فالزازِيّة، وخزانة المفتين، والبحر، تقول بالضمان سواء أقبض المحكوم به أم لم يقبض، أَما الكنز، والدرر، وملتقى الأبحر، والهداية، والمختار، والإصلاح، ومواهب الرَّحمن، فكلها يشترط القبض في ذلك، ولكنّ الدّر المنتقى يرى أنه إذا حصل قبض أو لم يحصل فالحكم موجب للضمان، وحتى لو شهدت الشهود في عقار ثم رجعت فيجب ضمان قيمة العقار للمحكوم عليه)).
12 - العلامة عبد الغني بن طالب الغنيمي الشهير بالميداني (¬2) في كتابه اللباب شرح الكتاب، فقد أحال كثيراً إلى المواهب والبرهان، تبعاً لشيخه ابن عابدين.
قال في اللباب (1/ 73):
¬
(¬1) () هو: علي حيدر، الرئيس الأول لمحكمة التمييز، وأمين الفتيا، ووزير العدلية في الدولة العثمانية. مقدمة درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر، تعريب: فهمي الحسيني (بيروت: دار الكتب العلمية) ص 1.
(¬2) () هو: عبد الغني بن طالب بن حمادة الغنيمي الدمشقي الحنفي، الشهير بالميداني، فقيه أصولي، ولد بدمشق سنة 1222 هـ. وأخذ عن العلامة محمد أمين عابدين، له: ((اللباب في شرح الكتاب))، وشرح على المراح في الصرف، و ((كشف الالتباس فيما أورده البخاري على الناس))، وشرح على العقيدة الطحاوية، توفي سنة 1298 هـ. مقدمة اللباب شرح الكتاب، للشيخ عبد الغني بن طالب الغنيمي الشهير بالميداني، تحقيق: عبد الرزاق المهدي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1425 هـ) ج 1، ص 7.
((قال شيخنا: لكن تعالم الناس اليوم في عامة البلاد على قولهما، وقد أيده في النهر تبعاً للنقاية والوقاية والدر والإصلاح ودرر البحار والإمداد والمواهب وشرح البرهان وغيرهم مصرحين بأن عليه الفتوى)).
13 - العلامة محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (¬1) في كتابه (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي).
قال في تحفة الأحوذي (5/ 328):
((قال في شرح مواهب الرحمن: وعصب الميتة نجس في الصحيح من الرواية؛ لأن فيه حياة بدليل تألمه بالقطع وقيل: طاهر؛ فإنه عظم غير متصل)).
المطلب السابع
ثناء العلماء على المؤلف
- قال السخاوي في الضوء اللامع (¬2): ((وهو فاضلٌ ساكنٌ ديِّن)).
- وقال الشيخ نجم الدين الغزي (¬3) في الكواكب السائرة (¬4) بعد ذكر نسبه: ((الشيخ الصالح العلامة برهان الدين الطرابلسي)).
¬
(¬1) () هو: محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، أبو العلى، الإمام، الحافظ، المحدث، ولد سنة 1283 هـ. بقرية مباركفور، من بيت شرف ومجد وديانة، وهو أول من أظهر العمل بالحديث في مباركفور، له مصنفات عدة، توفي سنة 1353 هـ. مقدمة تحفة الأحوذي، للعلامة محمد عبد الرحمن المباركفوري، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1419 هـ) ص 615 - 634.
(¬2) () الضوء اللامع 1/ 178.
(¬3) () هو: محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد نجم الدين الغزي، العامري، الدمشقي، الشافعي، محدث مسند، مؤرخ، أديب، ناظم، نحوي، شارك في بعض العلوم، ولد بدمشق سنة 987 هـ وتوفي بها سنة 1061 هـ. معجم المؤلفين 11/ 288.
(¬4) () 1/ 112.
- وقال الشيخ جار الله بن فهد (¬1) في ترجمة العلامة الطرابلسي: ((وصار من أكابر الحنفية، وتولى مشيخة المدرسة القجماسية، وفصل كل قضية؛ لإجماعهم على علمه وخيره وصلاحه (¬2))).
- ووصفه أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد مكي في كتابه: غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر (¬3)، بأنه من أفاضل الحنفية حيث قال: ((وقد أفتى في نظير هذه الواقعة أفاضل الحنفية والشافعية، وذكر منهم: الشيخ برهان الدين الطرابلسي)).
- كما وصفه بذلك ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار (¬4) حيث قال: ((وقد أفتى بذلك جماعة من أفاضل الحنفية والشافعية، وذكر منهم: برهان الدين الطرابلسي)).
- وقال التونكي (¬5) في معجم المصنفين (¬6): ((الشيخ، الفقيه، المحدث، الإمام ... كان عالماً، فقيهاً، محدثاً، واسع الرواية، كثير الحفظ)).
المطلب الثامن
آثار المؤلف العلمية
¬
(¬1) () هو: محمد بن عبد العزيز بن عمر بن محمد ابن فهد، الهاشمي، من سلالة محمد بن الحنفية، أبو الفضل، محب الدين، جار الله: مؤرخ، من أهل مكة، ولد سنة 891 هـ بمكة، رحل إلى مصر والشام وبيت المقدس وغيرها، وأخذ عن أهلها، وتوفي سنة 954 هـ. شذرات الذهب 8/ 301؛ الأعلام 6/ 209.
(¬2) () النور السافر 104.
(¬3) () غمز عيون البصائر، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحموي، الطبعة الأولى (بيروت: دار الكتب العلمية، 1405 هـ) ج 1، ص 418.
(¬4) () حاشية ابن عابدين 4/ 466.
(¬5) () هو: محمود حسن خان التونكى المولوي، عالم بالتراجم، من فقهاء الحنفية في الهند، مولده ووفاته في تونك، له: ((معجم المصنفين))، توفي نحو 1366 ه. الأعلام 7/ 167.
(¬6) () 4/ 454،455.
للعلامة إبراهيم الطرابلسي ثلاثة كتب فقهية، وهي كالتالي:
1 - مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان (¬1)، وهو الكتاب الذي بصدد تحقيق قسم العبادات منه.
2 - البرهان شرح مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان (¬2)، وهو كتاب شرح فيه الطرابلسي كتابه مواهب الرحمن، وقد بين المؤلف رحمه الله سبب تأليف هذا الكتاب في مقدمة كتابه حيث قال:
((فإن كتاب مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، أسكنه الله أعلى الجنان، لما كان مبنياً على قاعدة مجمع البحرين، مع زيادات تقر بها العين، أردت أن أكتب عليه شرحاً يهدي المبتدئ إلى مصطلحه ومبانيه، ويذكر المنتهي بمسائله ومعانيه، مبنياً على الدليل المنقول، وقواعد الأصول، ومذيلاً ببيان وجهة المعقول، معتمداً على الله صون البيان والبنان فيما نقول ونجول ... (¬3))).
وكتاب البرهان كتاب فقهي مقارن، اهتم المؤلف فيه بإيراد المسائل الفقهية المختلفة، مع بيان أقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين في المذهب الحنفي، أو المذاهب الفقهية الأخرى، مع الاستدلال لكل قول، والنص في كثير من المسائل على الراجح من الأقوال.
ويمكن تشبيهه بكتاب فتح القدير للكمال ابن الهمام، من حيث إيراد الأقوال والاستدلال والترجيح بين الأقوال.
وامتاز عن كتب الحنفية الأخرى باعتماده على الاستدلال بالمنقول خصوصاً من السنة النبوية.
¬
(¬1) () الطبقات السنية 1/ 244؛ هدية العارفين 1/ 25؛ كشف الظنون 2/ 1895؛ الأعلام 1/ 71؛ تاريخ الأدب العربي 11/ 326؛ معجم المؤلفين 1/ 76.
(¬2) () المراجع السابقة.
(¬3) () البرهان شرح مواهب الرحمن (1/أ).
وقد أثنى العلامة أنور شاه الكشميري (¬1) على كتاب البرهان فقال: ((البرهان شرح مواهب الرحمن للشيخ إبراهيم الطرابلسي المتوفى سنة 922 هـ. كتاب جيد يستدل لمذهب الإمام بأحاديث صحيحة (¬2))).
وكتاب البرهان: كتاب مخطوط، وتوجد له نسخ عدة في مكتبات مختلفة، وقد حقق الطالب/ أحمد حسن محي الدين كتابي الطهارة والصلاة منه، في رسالة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عام 1416 هـ.
وقد أورد عمر رضا كحالة (¬3) في معجم المؤلفين في ترجمة إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي ثم القاهري الشافعي المتوفى سنة 802 هـ. أن له كتاب (البرهان شرح مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان)، وقد تتبعت المصادر التي أحال إليها في ترجمته فلم أجد أحداً نسب هذا الكتاب إليه، مع أن كحالة ذكر في ترجمة الطرابلسي أن له كتاب مواهب الرحمن في مذهب النعمان ثم شرحه وسماه البرهان (¬4).
قلت: ولعل هذا الخطأ من الناسخ، لأن ترجمة الأبناسي قبل
¬
(¬1) () هو: أنور شاه بن معظم شاه الحسيني الحنفي الكشميري، إمام، فقه، محدث، ولد في ودوان في كشمير سنة 1292 هـ. وتوفي سنة 1352 هـ. نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر 8/ 90 - 93.
(¬2) () معارف السنن شرح سنن الترمذي، لمحمد يوسف البنوري (كراتشي: المكتبة البنورية) ج 2، ص 162.
(¬3) () هو: عمر رضا كحالة، ولد سنة 1323 هـ. أحد أبرز أعلام دمشق، وواحد من المؤرخين المسلمين الذين صنفوا مؤلفات عديدة ساهمت في توثيق وثبت العديد من جوانب التاريخ الإسلامي، كان مديراً للمكتبة الظاهرية، توفي سنة 1408 هـ. تكملة معجم المؤلفين، لمحمد خير رمضان يوسف، الطبعة الأولى (بيروت: دار ابن حزم، 1418 هـ) ص 397 - 399.
(¬4) () معجم المؤلفين 1/ 76.
ترجمة الطرابلسي مباشرة، والكتاب في الفقه الحنفي، والأبناسي شافعي، كما أن اسم الكتاب ذكر في طبعة مؤسسة الرسالة لمعجم المؤلفين (1/ 76)، ولم يذكر في طبعة دار إحياء التراث العربي (1/ 117).
3 - الإسعاف في أحكام الأوقاف (¬1)، وهو كتاب مطبوع بدون تحقيق، طبع لأول مرة في بولاق سنة 1292 هـ. وفي القاهرة سنة 1902 م (¬2)، ويقع في 146 ورقة من الحجم المتوسط، ثم تعددت طبعاته.
وقد بين المؤلف رحمه الله في مقدمة كتابه سبب تأليفه له فقال: ((وإن كتاب أحكام الأوقاف للإمام الهمام أبي بكر أحمد بن عمرو الخصاف (¬3)، بوأه الله دار السلام، لما كان العمدة في هذا الفن من تأليف الأوائل، وكان مكرر الصور والمسائل، مشحوناً بجعل أحكام الوصايا له دلائل، وكان كثير الأبواب غير خال من الإطناب، اختصرته إلى كتاب احتوى على ما فيه من المقاصد، وعلى ما في كتاب هلال بن يحيى (¬4) من الزوائد، وضممت إليه كثيراً من المسائل والأصول، ورتبته على أبواب وفصول، ليسهل
¬
(¬1) () الطبقات السنية 1/ 244؛ هدية العارفين 1/ 25؛ كشف الظنون 2/ 1895؛ الأعلام 1/ 71؛ معجم المؤلفين 1/ 76.
(¬2) () تاريخ الأدب العربي 11/ 326.
(¬3) () هو: أحمد بن عمرو بن مهير الخصاف، أخذ عن أبيه عمرو بن مهير عن الحسن عن أبي حنيفة، وكان فرضياً حاسباً عارفاً بمذهب أبي حنيفة، مات سنة 261 هـ وقد قارب الثمانين. الجواهر المضية 1/ 230 - 232؛ تاج التراجم 97؛ الفوائد البهية 29 - 30.
(¬4) () هو: هلال بن يحيى بن مسلم البصري، فقيه من أعيان الحنفية، من أهل البصرة، أخذ عن أبي يوسف وزفر، لقب بالرأي؛ لسعة علمه وكثرة أخذه بالقياس، له: كتاب في ((الشروط)) وكتاب ((أحكام الوقف)) توفي سنة 245 هـ. الجواهر المضية 3/ 572 - 573؛ تاج التراجم 312 - 313؛ الفوائد البهية 223.
بها الوصول إلى ما فيه من نقول، وسميته (الإسعاف في أحكام الأوقاف) وبالغت في تصريح الكلام حتى صارت مسائله على طرف التمام ... (¬1))).
وصرح في نهايته بأنه وقع الفراغ منه في يوم الخميس خامس عشر المحرم سنة خمس وتسعمائة على يد جامعه إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي الحنفي، نزيل القاهرة المحروسة.
المبحث الثالث
وفاة المؤلف
توفي العلامة الطرابلسي رحمه الله تعالى في يوم الأحد 14 ذي القعدة سنة 922 هـ. وصلي عليه بالقاهرة، ودفن بالقرافة (¬2).
وفي يوم الأربعاء 24 من ربيع الآخر سنة 923 هـ. صليت بدمشق صلاة الغائب بالجامع الأموي على جماعة من العلماء ماتوا بالقاهرة، وكان منهم: العلامة برهان الدين الطرابلسي (¬3).
¬
(¬1) () الإسعاف في أحكام الأوقاف 5 - 6.
(¬2) () النور السافر 104؛ تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر 122؛ الكواكب السائرة 1/ 112؛ شذرات الذهب 8/ 105؛ الأعلام 6/ 71؛ معجم المؤلفين 1/ 76.
(¬3) () مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، لشمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي، الطبعة الأولى، تحقيق: خليل المنصور (بيروت: دار الكتب العلمية، 1418 هـ.) ص 363؛ الكواكب السائرة 1/ 105،112.
الفصل الثالث
التعريف بالكتاب
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب.
المبحث الثاني: منهج المؤلف في الكتاب، والملاحظات عليه.
المبحث الثالث: أهمية الكتاب.
المبحث الرابع: وصف النسخ الخطية للكتاب.
المبحث الأول
التعريف بالكتاب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب.
المطلب الثاني: إثبات نسبة الكتاب للمؤلف.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب وترتيبه.
المطلب الأول
اسم الكتاب
ذكر المؤلف في مقدمة كتابه اسم الكتاب فقال: وسميته: "مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان"، وقد ورد ذلك في جميع النسخ المخطوطة التي اطلعت عليها.
وكذا في مخطوطة كتاب البرهان شرح مواهب الرحمن، وهي نسخة بخط المؤلف حيث قال في مقدمته: ((فإن كتاب مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، أسكنه الله أعلى الجنان، لما كان مبنياً على قاعدة مجمع البحرين مع زيادات تقر بها العين، أردت أن أكتب عليه شرحاً ... )) (¬1)، وكذا ورد الاسم في مقدمة شرح مواهب الرحمن للفتني (¬2).
لكن كتب التراجم التي أوردت هذا الكتاب من مؤلفاته كالطبقات السنية في تراجم الحنفية (1/ 243)، وكشف الظنون (2/ 1895)، وهدية العارفين (1/ 25)، ومعجم المؤلفين (1/ 76) فإنها ذكرت اسم الكتاب مختصراً هكذا: ((مواهب الرحمن في مذهب النعمان)).
المطلب الثاني
إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف
ذكرت كتب التراجم أن كتاب مواهب الرحمن وشرحه البرهان للعلامة إبراهيم بن موسى الطرابلسي، كما تدلنا النقول المثبتة في الكتب الفقهية على ذلك أيضاً، وإليك بعض الأقوال:
1 - قال صاحب الطبقات السنية (1/ 243) في ترجمة الطرابلسي: ((ورأيت بخط الشيخ العلامة علي بن غانم المقدسي (¬3) مفتي الديار
¬
(¬1) () البرهان شرح مواهب الرحمن، مخطوط (2/أ).
(¬2) () شرح مواهب الرحمن للفتني، مخطوط (3/أ).
(¬3) () هو: علي بن محمد بن علي، المشهور بابن غانم المقدسي، أحد أكابر الحنفية في عصره، أصله من بيت المقدسي، ولد سنة 920 هـ في القاهرة، وتوفي بها سنة 1004 هـ. الأعلام 5/ 12.
المصرية أن من تآليف صاحب الترجمة: كتاب الإسعاف في أحكام الأوقاف، وكتاب مواهب الرحمن في مذهب النعمان، وشرحه سمّاه البرهان)).
2 - قال صاحب كشف الظنون (2/ 1895): ((مواهب الرحمن في مذهب النعمان لإبراهيم بن موسى الطرابلسي، نزيل القاهرة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة في ذي القعدة، ثم شرحه وسماه البرهان، أوله: الحمد لله الذي احكم شريعته الغراء، وأول المتن: الحمد لله الذي جعل مواهب الفقه .. ألخ، قال: وقد صنفت هذا الكتاب على نحو القاعدة التي اخترعها صاحب مجمع البحرين، وهو في مجلدين)).
3 - ذكر صاحب هدية العارفين (1/ 25) أن من مصنفات الطرابلسي مواهب الرحمن في مذهب النعمان.
4 - كما ذكر صاحب تاريخ الأدب العربي (11/ 326) أن من آثار الطرابلسي: مواهب الرحمن في الفروع.
5 - قال صاحب معجم المؤلفين (1/ 76) في ترجمة الطرابلسي: ((له: مواهب الرحمن في مذهب النعمان، ثم شرحه وسماه البرهان)).
6 - قال العلامة حسن بن عمار الشرنبلالي في كتابه غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (3/ 289): (( .. كما في مواهب الرحمن للطرابلسي صاحب الإسعاف)).
7 - قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار (4/ 467):
((قوله: (وعبارة المواهب) أي: مواهب الرحمن للعلامة برهان الدين إبراهيم الطرابلسي، صاحب الإسعاف))
وقال أيضاً في الحاشية (4/ 475):
((كذا في البرهان شرح مواهب الرحمن للشيخ إبراهيم بن موسى بن أبي بكر الطرابلسي الحنفي، نزيل القاهرة بعد دمشق، المتوفى في أوائل القرن العاشر، سنة اثنين وعشرين وتسعمائة، وهو أيضاً صاحب الإسعاف))
8 - ذكر البركتي (¬1) في كتابه قواعد الفقه (1/ 573) الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي، وعدَّ منها مواهب الرحمن حيث قال: (( ... ومواهب الرحمن وشرحه البرهان لإبراهيم الطرابلسي المتوفي سنة 922 هـ ... )).
المطلب الثالث
موضوع الكتاب وترتيبه
كتاب ((مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان)) أحد متون الفقه الحنفي، وقد تناول مؤلفه عامة أبواب الفقه المعروفة بادئاً بالعبادات من: الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فالمعاملات وما يتبعها من: البيوع، والشفعة، والإجارة، وإحياء الموات، والشركة، والمضاربة، والقسمة، والهبة، والوقف، والوكالة، والكفالة، والحوالة، والرهن، فأحكام الأسرة من: النكاح، والرضاع، والطلاق، فسائر الأبواب بدءاًَ بالإعتاق، فالإيمان، فالعارية، فاللقيط، فاللقطة، فالمفقود، فالإباق، فالحجر، فالمأذون، فالغصب، فالإكراه، فالجنايات، فالديات، فالحدود، فالسرقة، فالصيد، فالذبائح، فالأضحية، فالشهادة، فالقضاء، فالدعوى، فالإقرار، فالصلح، فالسير، فالحظر والإباحة، فالوصايا، فالفرائض، فخاتمة
¬
(¬1) () هو: محمد عميم الإحسان بن السيد عبد المنان المجددي البركتي، الحنفي، الشهير بالمفتي، من أهل دكه في باكستان الشرقية، المفتي بجامع بكلكته، ورئيس الأساتذة بالمدرسة العالية بدكة، فقيه معاصر. قواعد الفقه، لمحمد عميم الإحسان البركتي، الطبعة الأولى (كراتشي: الصدف ببلشرز،1407 هـ) ص 559،564.
أبواب الكتاب (¬1).
¬
(¬1) () المذهب الحنفي، لأحمد بن محمد نصير الدين النقيب، الطبعة الأولى (الرياض. مكتبة الرشد، 1422 هـ) ج 2، ص 488 - 489.
المبحث الثاني
منهج المؤلف في الكتاب، والملاحظات عليه
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: منهج المؤلف في الكتاب.
المطلب الثاني: الفرق بين منهجي ابن الساعاتي والمصنف.
المطلب الثالث: الملاحظات على الكتاب.
المطلب الأول
منهج المؤلف في الكتاب
نهج المؤلف رحمه الله تعالى في تأليفه لهذا الكتاب منهج المتون الفقهية، لذا حرص على ذكر المسائل بدون الدليل، روماً للاختصار، واعتماداً في ذلك على الأسفار الكبار.
كما حرص على ذكر أقوال وروايات أئمة مذهب الحنفية الأربعة: أبي حنيفة، وأبي يوسف (¬1)، ومحمد، وزفر (¬2)، وينص كثيراً على الراجح منها معتمداً في ذلك على أقوال وترجيحات محققي الروايات من أهل الترجيح، كشمس الأئمة السرخسي، وصاحب الهداية (¬3)، والكافي (¬4)، وقاضي خان (¬5)
¬
(¬1) () هو: يعقوب بن إبراهيم البجلي الأنصاري، قاضي القضاة، ولد بالكوفة سنة 113 هـ. صاحب أبي حنيفة، أخذ الفقه عنه، ولازمه 29 سنة، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه علي مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، حتى قيل: لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة، وقد ألف كتباً كثيرة طبع منها كتاب ((الآثار)) و ((الرد على سير الأوزاعي)) و ((اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى)) وكتاب ((الخراج)) وهو رسالته إلى الخليفة الرشيد في أحكام الأموال، وحسبك أن تقرأه لترى سمو إمامته في العلم، ورجاحة عقله، ومتانة دينه وورعه، مات بغداد سنة 182 هـ. رحمه الله تعالى. الجواهر المضية 3/ 611 - 613؛ تاج التراجم 315 - 317؛ الفوائد البهية 225.
(¬2) () هو: زفر بن الهذيل بن قيس العنبري، البصري، ولد في أصبهان سنة 110 هـ. ثم دخل الكوفة وحضر مسجدها، وشاهد فيه حلق أصحاب الحديث والأدب والنحو والشعر والكلام وحلقة الفقه لأبي حنيفة فاختاره وجلس إليه، لزمه أكثر من عشرين سنة، حتى غدا أحد الأكابر العشرة من أصحابه الذين دونوا الفقه معه، وكان أقدمهم صحبة، وأحدَّهم قياساً، وأذكاهم فؤاداً، وأدقهم تفريعاً، وأجودهم نظراً، وكان أبو حنيفة يبجِّله ويفضِّله، ويقول: هو أقيس أصحابي، ولما مات الإمام أبو حنيفة خلَفَه في حلقته، ومات بالبصرة سنة 158 هـ وله 48 سنة، رحمه الله تعالى. الجواهر المضية 2/ 207 - 209؛ تاج التراجم 169 - 170؛ الفوائد البهية 75.
(¬3) () هو: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، برهان الدين المرغيناني، صاحب الهداية، كان إماماً، فقهياً، جامعاً للعلوم، عد من المجتهدين في المذهب، وكتابه الهداية شرح على متن له سماه بداية المبتدئ، توفي سنة 593 هـ. الجوهر المضية 2/ 627 - 629؛ تاج التراجم 206 - 207؛ الفوائد البهية 141 - 144.
(¬4) () هو: عبد الله أحمد بن محمود أبو البركات، حافظ الدين النسفي، نسبة إلى نسف، من بلاد السند، صاحب التصانيف المفيدة في الفقه، منها: الكافي شرح الوافي، وكنز الدقائق، توفي سنة 710 هـ. الجواهر المضية 2/ 294 - 295؛ تاج التراجم 174 - 175؛ الفوائد البهية 101 - 102.
(¬5) () هو: الحسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، الفرغاني، المعروف بقاضي خان، له ((الفتاوى))، و ((شرح الجامع الصغير))، توفي سنة 592 هـ. الجواهر المضيئة 2/ 93؛ تاج التراجم 151؛ الطبقات السنية 3/ 116.
وغيرهم.
كما أنه يشير إلى خلاف الإمامين الشافعي (¬1) ومالك (¬2) في كثير من المسائل، ويقدم الإمام الشافعي على الإمام مالك في الإشارة إلى قوله، لذا سرت على منهجه، كما أنه لم يشر إلى خلاف الإمام أحمد أو أهل الظاهر.
وقد نهج في نسبة الأقوال في المسائل الخلافية لأئمة المذهب الحنفي ومذهب الإمامين الشافعي ومالك منهج ابن الساعاتي (¬3) في مجمع البحرين (¬4)،
¬
(¬1) () هو: الإمام: محمد بن إدريس بن العباس، أبو عبد الله القرشي المطلبي، الشافعي، المكي، أحد الأئمة الأربعة المجتهدين، ولد سنة 150 هـ. وتعلم بمكة والمدينة، حيث أخذ العلم عن مالك بن أنس، كما جلس إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولازمه مدة طويلة في العراق، له: ((كتاب الأم))، و ((الرسالة))، و ((اختلاف الحديث))، نزل مصر، وتوفي بها سنة 204 هـ. وله أربع وخمسون سنة. طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، الطبعة الثانية، تحقيق: محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو (هجر للطباعة والنشر.1413 هـ) ج 1، ص 192؛ سير أعلام النبلاء 10/ 5.
(¬2) () هو: الإمام: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة المجتهدين، ولد بالمدينة سنة 93 هـ وتوفي بها سنة 179 هـ. قال الشافعي: ((إذا ذكر العلماء فمالك النجم))، وقال ابن عيينة: ((مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه)). الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي (بيروت: دار الكتب العلمية) ص 10 وما بعدها؛ سير أعلام النبلاء 8/ 48.
(¬3) () هو: أحمد بن علي بن ثعلب بن أبي الضياء بن مظفر الدين، الشامي الأصل، البغدادي، المنعوت بمظفر الدين، المعروف بابن الساعاتي، أبو العباس، كان إماماً كبيراً عالماً عاملاً، من تصانيفه: ((مجمع البحرين وملتقى النيرين)) في الفقه، جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي، و ((شرح مجمع البحرين))، و ((نهاية الوصول إلى علم الأصول))، و ((الدر المنضود في الرد على فيلسوف اليهود))، توفي سنة 694 هـ. الجواهر المضية 1/ 208؛ تاج التراجم 95؛ الطبقات السنية 1/ 400؛ الفوائد البهية 26 - 27.
(¬4) () كتاب (مجمع البحرين وملتقى النيرين) من أهم كتب الحنفية، ومن المتون المعتمدة، قال العلامة الإمام محمد عبد الحي اللكنوي في الفوائد البهية في تراجم الحنفية (106 - 107): ((قد كثر اعتماد المتأخرين على الكتب الأربعة: المختار، والكنز، والوقاية، ومجمع البحرين، سموها المتون الأربعة المعتبرة)). وقد طبع الكتاب بتحقيق: إلياس قبلان سنة 1426 هـ
وسار في ذلك على قاعدة تضمن له البقاء في دائرة المتون، وتجنبه الإطالة والتفصيل، وهي ما وضحه في مقدمة الكتاب حيث قال:
((وضعت هذا الكتاب على نحو القاعدة التي اخترعها صاحب مجمع البحرين بحيث يستفيد منه قارئ كل مسألة من مسائلها أنها تشير إلى خلاف أو لا تشير إليه، وإذا أشارت المسألة إلى خلاف يعلم قارئ تلك المسألة ما فيها من المذاهب على التفصيل بأتم وجوه التحصيل بمجرد قراءتها من غير تلويح برقم أو تصريح باسم، والرقوم الموضوعة عليها إنما هي كحاشية ينفع وجودها ولا يضر عدمها، فدللنا على قول أبي حنيفة إذا خالفه صاحباه بجملة إسمية ... ألخ)).
فقد أشار إلى المسائل التي فيها الخلاف بطريقتين:
الطريقة الأولى: استعمال صياغة الجمل والأفعال، للدلالة على أصحاب الأقوال.
الطريقة الثانية: استعمال الحروف، حيث رمز لكل إمام بحرف من الحروف، ويضع هذا الحرف فوق المسألة التي فيها الخلاف إشارة إلى صاحبها.
وقد شرح المؤلف الطريقتين في مقدمة كتابه، وسأبينها هنا؛ لغموضها وغرابتها وعدم شهرتها وذلك بشيء من التفصيل، فأقول:
الطريقة الأولى: استعمال صياغة الجمل والأفعال، للدلالة على أصحاب الأقوال.
أولاً: يدلل على قول أبي حنيفة إذا خالفه صاحباه: بالجملة الاسمية، وإن كان خبرها جملة نحو: ((والجنب المقيم إذا خاف أن يقتله البرد أو يمرضه يتيمم- يعني عند أبي حنيفة- كالمسافر، ومنعاه- أي الصاحبان- كالمحدث على الصحيح)).
أو كان خبرها مقدماً نحو: ((وللعجائز حضور الجماعة)).
*ويستثنى من الجملة الاسمية التي تدل على خلاف الإمام أبي حنيفة لصاحبيه ما إذا وقعت:
- تعريفاً لمعاني الكتب، كقوله في تعريف الصوم: ((هو ترك الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى الغروب)).
- أو تعريفاً لحقيقة من الحقائق، كقوله: ((وهو البياض المنتشر في الأفق)). بشرط أن تكون خالية من الإرداف الدال على الخلاف.
- أو وقعت حالاً معترضة، كقوله: ((وطهَّرها -أي طهر محمد البئر- والدلو الأخير تقطر)). فقوله: ((والدلو الأخير تقطر)) جملة اسمية لكنها حال معترضة.
- أو ذكر فيها لفظ "عندنا" بلا إرداف وضع أحد أئمة المذهب، فإنها تدل على خلاف الشافعي ومالك للحنفية، كقوله: ((جلد الميتة مدبوغاً، وقرنها، وظفرها، طاهر عندنا)). فإن أردف صيغة أحد أئمة المذهب دل على أن قوله كقول الشافعي ومالك، نحو ((وصلاته به ناسياً للماء في رحله جائز عندنا، ويؤمر بإعادتها)). أي: يأمر أبو يوسف بإعادتها.
- أو تضمنت الجملة الاسمية نسبة رواية إلى أبي حنيفة، فلا تدل حينئذ على خلاف صاحبيه، كقوله: ((ووجوب غسل ظاهر اللحية الكثة أصح ما يفتى به)).
* ويقتصر على الجملة الاسمية، ويجعل ما فيها من الحكم دالا على ضده إذا كان قول أبي حنيفة مثبتاً وقولهما نافياً أو العكس، كقوله: ((سجدة الشكر غير مشروعة))، فيفهم منه: أنها مشروعة عندهما.
إلا أن يكون لتشبيه أو توضيح، كقوله: ((والوعد بالثوب أو السقاء يوجب التأخير ما لم يخف القضاء، وأطلقاه كالوعد بالماء)).
* وأما إذا كان قولهما لا يعرف من قول أبي حنيفة عند إطلاقه إما لتفصيل أو غيره فلا بد من بيانه فيتبع الجملة الاسمية بتعريف مذهبهما بضمير التثنية بأي الجمل شاء لأمن اللبس، مثل قوله: ((والفصل في المغرب بسكتة، وقالا: بجلسة)) فإن الفصل بالجلسة لا يفهم من السكتة؛ لكونه أعم، وأما الأمن من اللبس؛ فلأن ضمير التثنية راجع إلى أبي يوسف ومحمد بحكم الاصطلاح؛ لأن الجملة السابقة على الضمير اسمية يدل على قوله مع خلافهما.
ثانياً: يدلِّل على قول أبي يوسف إذا خالفه صاحباه: بمضارع استتر فاعله الغائب، نحو: ((وقيل: يخرج ما وراء العِذَار منه)). أي: يخرج أبو يوسف العذار من الوجه، والضمير المستتر الغائب كناية عن أبي يوسف، وإنما شرط استتار الفاعل؛ لأن ظهوره أو استتاره مع العلم به لا يدل على خلاف أبي يوسف.
ثالثاً: يدلِّل على قول محمد إذا خالف شيخيه: بفعل ماضٍ استتر فاعله الغائب، نحو: ((ومنعه بالمباشرة الفاحشة)) فالضمير المستكن في الفعل كناية عن محمد.
* والإرداف وعدمه في وضع قول أبي يوسف ومحمد كما مر في وضع أبي حنيفة، من أنه إن فهم قول أبي حنيفة ومحمد من إطلاق الفعل المضارع لم يحتج إلى إرداف، نحو: ((وقيل: يخرج ما وراء العذار))، يعني: أن أبا يوسف يخرج ما وراء العذار من الوجه في الوضوء، ولا يخرجه أبو حنيفة ومحمد، والإرداف بضمير التثنية لبيان قولهما، نحو: ((ويسن تخليل اللحية كالأصابع، ويفضلانه)). وإن فهم قول أبي حنيفة وأبي يوسف من إطلاق الفعل الماضي، لم نحتج إليه، نحو: ((وطهَّرها قبل انفصال الأخير عن فم البئر)) والإرداف لبيان قولهما، نحو: ((وجعل الفيل نجس العين كالخنزير،
وألحقاه بالسباع)).
* إذا كان الخلاف في المسألة بين أبي حنيفة وأبي يوسف وليس لمحمد فيها قول، فإنه يستخدم الجملة الاسمية ويردفها بالفعل المضارع؛ ليدل على أن الخلاف بينهما فقط.
* وإذا كان الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد، وليس لأبي يوسف فيها قول، فإنه يستخدم الجملة الاسمية ويردفها بالفعل الماضي.
* وإذا كان الخلاف بين الصاحبين، ولا قول لأبي حنيفة فبطريقتين:
1 - بفعليهما، نحو: ((ويعتبر الغلبة من حيث الأجزاء ... واعتبر اللون)). أي: اعتبر أبو يوسف الأجزاء، واعتبر محمد اللون.
2 - بفعل أحدهما ونفي قول الآخر، نحو: ((واعتبر لجمع المتفرق اتحاد السبب لا المجلس)). أي: اعتبر محمد لجمع المتفرق اتحاد السبب، واعتبر أبو يوسف المجلس.
وهنا يذكر ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار أن من منهج الطرابلسي في متن المواهب إذا جزم بقولٍ في مسألة بفعل صاحبه ونفى قول الآخر أفاد ضعف المنفي، فقال: ((وجزم في المواهب بقول محمد ونفى الثاني فأفاد ضعفه (¬1))) يشير بذلك إلى مسألة سقوط عدد من الفئران في البئر. هل يأخذ حكم الهرة أم الكلب؟ حيث قال المؤلف في المواهب: ((وألحق الثلاث منها إلى الخمس بالهرة، والست بالكلب، لا الخمس إلى التسع بها، والعشرة به)). يعني: ألحق محمد الثلاث من الفأر إلى الخمس بالهرة في الحكم لمساواتها في الجثة، والست بالكلب، لا كما قال أبو يوسف حيث ألحق الخمس إلى التسع بالهرة، والعشرة بالكلب.
*وإذا كان الخلاف بين الأئمة الثلاثة فبأحد الطرق الثلاثة:
1 - بأوضاعهم، فأبو حنيفة بالجملة الاسمية، وأبو يوسف بالفعل
¬
(¬1) () حاشية ابن عابدين 1/ 218.
المضارع، ومحمد بالفعل الماضي، نحو: ((فهي قرى يجنى خراجها مع المصر، ويوجبها على من كان داخل حد الإقامة، وشرط سماع النداء)).
2 - بوضعين، يعني الجملة الاسمية، وأحد الفعلين، ونفي قول الآخر، نحو: ((والمصر كل بلد فيها سكك وأسواق .... ويحده بكل موضع له أمير وقاض لا بكل موضع مصره الإمام)).
3 - بأحكام ثلاثة مرتبة على ترتيبهم، أولها: للإمام، وثانيها: لأبي يوسف، وثالثها: لمحمد. نحو: ((وهو مغلظ النجاسة، ومخففها، وطاهر وغير طهور)).
* إذا أردف الجملة لفظ (بلا تردد) أو (بلا اضطراب) كان إشارة إلى روايتين عمن أردف له، نحو: ((وخرء طيور محرمة مخفف النجاسة في الأصح، أو طاهر، وغلظها بلا تردد)).
رابعاً: يدلِّل على خلاف زفر للحنفية: بفعل ماض ألحق به نون الجماعة، نفياً، نحو: ((وما اعتبرنا قربه بالوصول إليه قبل خروج الوقت))، أي: واعتبر زفر ذلك. أو إثباتاً، نحو: ((وفرضنا النية فيه)). أي: ولم يفرض زفر النية فيه.
* وإذا كان زفر مع أبي يوسف أو مع محمد ذكر وضعيهما، نحو: ((وجعلنا النفاس من أول التوأمين، وقال: من آخرهما)).
خامساً: يدلِّل على خلاف الشافعي، ومالكٌ مع الحنفية: بفعل مضارع مصدّر بنون، نفياً، نحو: ((ولم نستثن المني))، أي: واستثنى الشافعي المني، أو إثباتاً، نحو: ((ونوحده، أي المسح)).
سادساً: يدلِّل على خلاف مالك، والشافعي مع الحنفية: بفعل ألحق به واو الجمع، ماضياً كان، نحو: ((ومنعوها التلاوة))، أو مضارعاً، نحو: ((ولم يجيزوه بمستعمل)).
سابعاً: يدلِّل على خلاف الشافعي ومالك لقول الحنفية مع اتفاقهما: بلفظ: (عندنا)، نحو: ((المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات لكل عندنا، لا
بثلاث لهما)).
*وإذا وافق أحد من أئمة الحنفية الشافعيَ ومالكاً، أردف وضعه بفعله، ليدل على موافقته لهما، نحو: ((بكل مائع طاهر مزيل، كالخل، وماء الورد عندنا، وخالفناه، وخصها بالمطلق)).
* جعل كلاً من الأوضاع السابقة الدالة على خلاف زفر والشافعي ومالك مجموعاً؛ ليفهم أن المذكور هو قول الحنفية، وأنهم يخالفونهم فيه.
* يقتصر على هذه الجمل إن كان كل من أقوال زفر والشافعي ومالك مفهوماً من المذكور لكونه ضداً له، فإن لم يكن مفهوماً أردفها بالنفي؛ لأنه مطابق لمضمون تلك الجملة، فإن قوله: ((فنقدر بالربع لا بالأقل)) مطابق للأول في التقدير؛ لأن المعنى: ونقدر الفرض في مسح الرأس بالربع، ولا نقدره بالأقل الذي هو مذهب الشافعي، وكذلك في المذهبين الآخرين فيكوم النفي معرفاً لمذاهبهم المفصلة عند الحاجة إلى تعريفها.
* أما إذا كان في مذهب المخالف تفصيل يحتاج إلى إيضاح أردف تلك الجملة مع قول المخالف كما كان يردف الجمل السابقة بالضمير الدال على قولهما.
ثامناً: يدلِّل على خلاف الشافعي ومالك لقول الحنفية مع اختلافهما فيما بينهما: بطريقتين:
1 - بفعليهما، نحو: ((وإن تجاوزت العادة فقط نجعله حيضاً لا استحاضة، وما أمروها باستظهار ثلاثة أيام على أكثر عادتها))
2 - بنفيين: الأول: للشافعي، والثاني: لمالك، نحو: ((وفرضه يقدر عندنا على أعلى كل خف بثلاثة من أصغر أصابع اليد لا بجزئها، ولا بأكثر الساتر)).
تاسعاً: يشير بكاف التشبيه إلى أن الحكم المشبه به متفق عليه.
نحو: ((ونسن تخليل اللحية كالأصابع)).
عاشراً: يدلِّل على ما لم يشر فيه إلى اختلاف، سواء كانت المسألة
متفق عليها أو مختلف فيها، إلا أنه لم يقصد إيراد الخلاف، وذلك بأوضاع ثلاثة:
1 - الجملة الشرطية، عارية عن الأوضاع السابقة والإرداف بوضع يدل على خلاف، كقوله: ((ولو غلبه إغماء أو جنون أو زالت مسكته لنوم انتقض)).
2 - الفعل الظاهر الفاعل، نحو: ((يتيمم عادم الماء لبعده ميلا)).
3 - الفعل المستتر الفاعل للعلم به، نحو: ((وإذا أراد الدخول في الصلاة كبر)) أي: المصلي.
4 - الفعل الذي لم يسم فاعله، نحو: ((فرض في الوضوء غسل الوجه)).
الطريقة الثانية: استعمال الحروف، حيث رمز لكل إمام بحرف من الحروف، ووضعها فوق الصيغة التي بيَّنها إشارة إليه، وهي كالتالي:
ح: يشير إلى قول أبي حنيفة رحمه الله.
س: يشير إلى قول أبي يوسف رحمه الله.
م ... : يشير إلى قول محمد رحمه الله.
ز: يشير إلى خلاف زفر رحمه الله لأئمة الحنفية.
ف: يشير إلى خلاف الشافعي رحمه الله للحنفية.
ك: يشير إلى خلاف مالك رحمه الله للحنفية.
المطلب الثاني
الفرق بين منهجي ابن الساعاتي والمصنف
مع أن المصنف -رحمه الله تعالى- سار على الطريقة التي سلكها ابن الساعاتي في كتابه إلا أني وجدت بعض الفروق التي تختلف عن منهج الساعاتي، وهي كالتالي:
1 - يذكر المسألة المتفق عليها بكاف التشبيه بعد ذكر المختلف فيه. كقوله: (وننجسف الماء الوارد عليها وإن لم يتغير، كالمورد) أي: وننجس
نحن ومالك الماء الوارد على النجاسة، كتنجس الماء الذي وردت عليه النجاسة اتفاقاً، وقال الشافعي: لا ينجس.
2 - ظهرت شخصية المصنف العلمية في متنه المواهب من خلال ترجيحاته واختياراته، كقوله: (وعليه الفتوى) و (في المختار) و (في الأظهر) و (وبه يفتى) و (أصح ما يفتى به) إلى غير ذلك.
3 - إذا تعددت الروايات عن أحد الأئمة في مسألة فإنه يشير في الغالب إلى ذلك بقوله: (ويتردد) أو (بلا تردد) أو (بلا اضطراب)، كما يشير إلى آخر الأقوال عنه، كقوله: (آخراً).
4 - يشير إلى خلاف الشافعي ومالك للحنفية بقوله: (عندنا).
5 - توسع في ذكر المسائل والفروع، مما لا تجده في كثير من المتون والشروح.
6 - يعرف بعض المصطلحات والتعريفات الفقهية في المتن.
المطلب الثالث
الملاحظات على الكتاب
مع قوة الكتاب وقيمته العلمية إلا أنه لا يخلو كتاب من نقد أو رأي، وسأذكر الملاحظات التي أراها، وهي:
1 - لم يعتمد في منهجه حين يشير إلى المسائل الخلافية مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مع أنه من المذاهب الأربعة المعتمدة والمشتهرة، خاصة أن المؤلف من أهل القرن العاشر، وقد ظهر أئمة كبار، وانتشرت كتب ومؤلفات عظام في هذا المذهب.
2 - صعوبة عباراته وغموضها في بعض الأحيان، فالمعلوم أن الغرض من وضع المتون هو جمع المسائل الأولية البسيطة في متون صغيرة بعبارة سهلة لتكون مبادئ لشداة الفقه، وهذا الغرض يقضي بأن يبقى المتن مختصراً بسيطاً سهلاً للمسائل الأولية، مقصوراً عليها للغاية التعليمية، فلا توضع عليه الشروح الواسعة ولا الحواشي
المعقدة، ولكن متن المواهب خلا من هذه السمة فقد جاءت عباراته معقدة وإشاراته صعبة وضمائره موهمة، مما علم مصنفه بذلك فانبرى لشرحه وبيانه، وقصرت عنه همة المبتدئ في الفقه لصعوبة مقاله، حتى غدا بداية للمجتهد لا بداية للمبتدئ.
3 - بسبب الطريقة التي اختارها المصنف ومن أجل المحافظة على المنهج يضطر المصنف في بعض الأحيان إلى تطويل العبارة مما قد يؤدي إلى فهم غير المراد، فكانت وسيلة البيان سبباً في الإيهام، كقوله: (وجعلناز النفاس من أول التوأمين، وقامل: من آخرهما) أي: وقال محمد وزفر: يبدأ النفاس من وضع آخر التوأمين. فقوله: (وقال) يوهم أن القول لمحمد فقط لكنه أشار إلى قول زفر في بداية الجملة بقوله: (وجعلنا).
4 - يتساهل أحياناً في نقل أقوال المذاهب الأخرى، وخاصة مذهب الإمام مالك، وسأبين تلك المسائل في مواضعها وأعلق عليها.
5 - عدم معرفة القارئ للمفتى به في المذهب، وذلك عند ذكره خلاف أئمة المذهب في المسألة، إلا في المسائل التي يصرح فيها بذلك.
المبحث الثالث
أهمية الكتاب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قيمة الكتاب.
المطلب الثاني: شروح الكتاب.
المطلب الأول
قيمة الكتاب
تظهر قيمة كتاب ((مواهب الرحمن)) من خلال الكتب التي ألفت بعده، حيث اعتمد عليه كبار الأئمة والمحققين، فأكثروا الإحالة إليه، والإشارة إلى اختيارات مؤلفه، وتعضيد ما ذهبوا إليه بترجيحاته، واعتبروا الكتاب من مشاهير متون المذهب، والتي يعتمد عليه في الفتوى والترجيح والاختيار، كما سبق أن بينا ذلك في شخصيته العلمية.
* قال العلامة عبد اللطيف بن جمال بن حميد الفتني في مقدمة شرحه لكتاب مواهب الرحمن:
((لما رأيت كتاب مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، كنزاً جامعاً لجواهر أحكام الدين، بحراً حاوياً لدرر تحقيقات المتقدمين والمتأخرين، علماً كافياً للهداية إلى خزانة كل وجيز وبسيط، نضاباً مغنياً عن ذخيرة جواهر كل محيط، لم يكتحل عين الزمان بثانيه، ولم يكن في مصنفات القوم ما يدانيه، من وجازة لفظه يشابه الألغاز، وفي بادئ لحظه يحاكي الإعجاز، في كل لفظ منه روض من المنى، وفي كل سطر منه عقد من الدرر ... )) (¬1).
*عده العلامة ابن عابدين من مشاهير كتب المذهب الموضوعة للفتوى.
قال في حاشية الدر المختار (2/ 170):
((فأفاد أن الخلاف بين الإمام وصاحبيه في الجهر والإخفاء لا في أصل التكبير، وقد حكي الخلاف كذلك في البدائع و السراج و المجمع و درر البحار و الملتقى و الدرر و الاختيار و المواهب و الإمداد و الإيضاح و التاترخانية والتجنيس والتبيين ومختارات النوازل والكفاية والمعراج، وعزاه في النهاية إلى المبسوط وتحفة الفقهاء وزاد الفقهاء، فهذه مشاهير كتب
¬
(¬1) () شرح مواهب الرحمن للفتني (3/أ).
المذهب مصرحة بخلاف ما في الخلاصة)).
وقال في الحاشية أيضاً (6/ 55):
((قوله: (ويفتى اليوم بصحتها لتعليم القرآن ألخ) قال في الهداية: وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم؛ لظهور التواني في الأمور الدينية، ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى اهـ. وقد اقتصر على استثناء تعليم القرآن أيضاً في متن الكنز ومواهب الرحمن وكثير من الكتب ... وقد نقلت لك ما في مشاهير متون المذهب الموضوعة للفتوى فلا حاجة إلى نقل ما في الشروح والفتاوى وقد اتفقت كلمتهم جميعا على التصريح بأصل المذهب من عدم الجواز ثم استثنوا بعده ما علمته)).
* وذكر الشيخ محمد عميم الإحسان المجددي البركتي في كتابه (قواعد الفقه 1/ 573) الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي وعدَّ منها: مواهب الرحمن وشرحه البرهان لإبراهيم الطرابلسي المتوفي سنة 922 هـ.
* اعتمد العلماء والمحققون تصحيحاته وترجيحاته بين روايات المذهب، فمن ذلك:
- قال في غنية ذوي الأحكام (4/ 76):
(((قوله: وفي قوله الآخر: وهو قول محمد لا يسعه الوطء) هو المفتى به كما في مواهب الرحمن)).
- وفي الدر المختار (6/ 316):
(((ويضحي عن ولده الصغير من ماله) صححه في الهداية (وقيل لا) صححه في الكافي، قال: وليس للأب أن يفعله من مال طفله، ورجحه ابن الشحنة، قلت: وهو المعتمد لما في متن مواهب الرحمن من أنه أصح ما يفتى به)).
- وفي حاشية ابن عابدين (1/ 403):
((قلت: وصححه في متن المواهب ونور الإيضاح والمنية وغيرها فكان
عليه المعول)).
المطلب الثاني
شروح الكتاب
لكتاب (مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان) شرحان وقفت عليهما، وكلاهما مخطوط، وهما:
1 - البرهان شرح مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، وهو شرح المؤلف لمتنه، حيث قال في أوله:
((فإن كتاب مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، أسكنه الله أعلى الجنان، لما كان مبنياً على قاعدة مجمع البحرين مع زيادات تقر بها العين، أردت أن أكتب عليه شرحاً يهدي المبتدئ إلى مصطلحه ومبانيه، ويذكر المنتهي بمسائله ومعانيه، مبنياً على الدليل المنقول، وقواعد الأصول، مذيلاً ببيان وجهة المعقول، ومعتمداً على الله في صون البيان والبنان فيما نقول ونجول .. )).
2 - شرح مواهب الرحمن، للشيخ عبد اللطيف بن جمال بن حميد الفتني، حيث قال في أوله:
((لما رأيت كتاب مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، كنزاً جامعاً لجواهر أحكام الدين، بحراً حاوياً لدرر تحقيقات المتقدمين والمتأخرين، علماً كافياً للهداية إلى خزانة كل وجيز وبسيط، نضاباً مغنياً عن ذخيرة جواهر كل محيط، لم يكتحل عين الزمان بثانيه، ولم يكن في مصنفات القوم ما يدانيه، من وجازة لفظه يشابه الألغاز، وفي بادئ لحظه يحاكي الإعجاز، في كل لفظ منه روض من المنى، وفي كل سطر منه عقد من الدرر، أردت أن أكتب عليه شرحاً يكشف عن وجوه خرائده اللثام، ويظهر أزهاره من وراء الأكمام، ويحلل فوائده
قيوده، ويذلل شوارد صيوده، موفياً حق حلِّ المتن والتركيب، كافياً لذكر الدلائل بالترتيب، متوسطاً بين التفريط والإفراط، فإن خير الأمور الأوساط، وكنت أقدم رجلي وأؤخر أخرى في هذا المرام، ويعوقني قلة البضاعة عن الإقدام؛ لأني سكيت حلبة الرهان، وسكيت نادي البيان، لكن لما توفر رغبتي على تعلم هذا الكتاب وتحصيله، والإحاطة بجمله وتفصيله، شرعت في ذلك متمسكاً بجبل التوفيق، من الهادي سواء الطريق، وأضفت إليه مسائل قد مست الحاجة إليها، عما اشتهر من الكتب المعتمد عليها، والمأمول ممن ينظر فيه أن يسلك طريق الإنصاف، ويحيد عن توغل الاعتساف، وإن عثر على عثار أو غبار يجعل ذلك بعد التدبر بالإصلاح محظوظاً، وبعين العناية ملحوظاً ... (¬1))).
توجد نسخة للمخطوطة في مكتبة مكة المكرمة، برقم 27/فقه حنفي.
عدد أوراقها: (408) ورقة، ومسطرتها: (27) سطراً، مكتوبة بخط نسخي مقبول.
في أولها فهرس بموضوعات الكتاب، وقد وضع فوق عبارات متن المواهب خطاً لتمييزه عن الشرح، نقل الفتني فيه كثيراً من كتاب البرهان.
المبحث الرابع
وصف النسخ الخطية للكتاب
وقفت على ثلاث نسخ خطية من كتاب مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، ونسخة رابعة لكتاب البرهان وهو شرح المؤلف لمتن
¬
(¬1) () المرجع السابق.
المواهب بخط يده، وقد اعتمدت على هذه النسخ في التحقيق، وهي كما يلي:
1 - نسخة الأصل، ورمزت لها بـ (أ):
نسخة مصورة من مكتبة مديرية الأوقاف العامة بغداد، برقم (49) فقه، وعلى الورقة الأولى وقفٌ للكتاب، وأختام غير واضحة، وختم لمديرية الآثار العامة، حيازة المخطوطات، وختم لمكتبة الأوقاف العامة ببغداد.
تاريخ النسخ: 995 هـ. وناسخها: عبد القادر بن عبد اللطيف بن يوسف الملتاني.
عدد أوراقها: (262) ورقة، ومسطرتها: (11) سطراً.
وهي بخط نسخي جيد، كتبت رؤوس الأبواب وبعض الكلمات بالحبر الأحمر.
وعلى هامشها في الورقات الثمانية الأولى تعليقات كثيرة.
وقد كتبت هذه النسخة بعد موت المؤلف بثلاث وستين سنة.
وهذه النسخة كاملة إلا موضعين سقط في كل منها مقدار نصف ورقة.
وهي مصورة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، رقم الفلم (7845/ 3).
ولقدمها ودقتها اتخذتها أصلاً في التحقيق، وقبل هذا الاختيار قمت بمقابلة نسخ المخطوطة مع متن مواهب الرحمن، الموجود ضمن شرحه البرهان، وهي نسخة مخطوطة بخط المؤلف، فوجدت أن هذه النسخة أضبطها وأدقها.
ورمزت لها بـ (أ) بدل كلمة الأصل.
2 - نسخة (م):
مصورة من مكتبة مكة المكرمة، برقم (42) فقه حنفي.
تاريخ النسخ:1020 هـ. وناسخها: سليم بن شاهين الطائي الحنفي.
عدد أوراقها: (164) ورقة، ومسطرتها: (17) سطراً.
وهي بخط نسخي جيد، كتبت بالمدادين الأسود والأحمر، الورقتان الأولى والثانية حديثتان.
ورمزت لها بـ (م) بدل كلمة مكة المكرمة.
3 - نسخة (ب):
مصورة من مكتبة بشير آغا بالمدينة المنورة، برقم (688/ 38) فقه حنفي.
عدد أوراقها: (143) ورقة، ومسطرتها: (19) سطراً، وقياسها: (24.5×14 سم).
نسخت في القرن الحادي عشر.
وهي نسخة جيدة، مصححة، ضبطت بعض كلماتها بالشكل، وضعت خطوط حمراء فوق بعض كلماتها، كتبت رؤوس الأبواب وبعض الكلمات بالحبر الأحمر، عليها هوامش وحواش.
في أولها فهرس بموضوعات الكتاب، ووقف بلغردي لمدرسة آغاي دار السعادة في المدينة المنورة.
وفي آخرها: تملك باسم محمود بن عبد الله.
ورمزت لها بـ (ب) بدل كلمة بشير آغا.
4 - نسخة الشرح للمؤلف ورمزت لها بـ (ش):
هذه النسخة هي لكتاب: البرهان شرح مواهب الرحمن بخط المؤلف، وقد كُتِب متن مواهب الرحمن بالحبر الأحمر، وقد اعتمدتها نسخة مرجحة حين اختلاف النسخ، وشارحة لعبارات المتن.
مصورة من مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، برقم (1147/ 31 - 254).
على الورقة الأولى:)) كتاب البرهان شرح مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان أسكنه الله فسيح الجنان))، وترجمة للمؤلف وخاتم فيه: ((مما وهبه العبد الفقير إلى ربه الغني برحمته عارف حكمة الله بن عصمة الله الحسيني في مدينة الرسول الكريم عليه وعلى آله الصلاة والتسليم، بشرط
أن لا يخرج عن حماه، والمؤمن محمول على أمانته)).اهـ.
عدد أوراقها: (486) ورقة، ومسطرتها: (35) سطراً.
تم نسخها بتاريخ 15/ 5/920 هـ. وهي أول نسخة نقلت من المسودة على يد جامعها إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي ثم المصري ثم الحنفي، كما صرح المؤلف في آخرها بذلك.
وخطها: خط مشرقي معتاد.
وتوجد على هوامشها تعليقات وحواشي وتصحيحات.
ورمزت لها بـ (ش) بدل كلمة البرهان شرح مواهب الرحمن.
الورقة الأولى من نسخة (أ)
الورقة الأخيرة من كتاب الحج من نسخة (أ)
الورقة الأخيرة من نسخة (أ)