الجزء 1 · صفحة 5
زاد الفقير
الإمام الكمال ابن الهمام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله أجمعين، قال الشيخ الإمام العلامة كمال الدين أبو عبد الله بن عبد الواحد بن الشيخ زين الدين عبد الحميد المشتهر بابن الهمام رحمه الله:
سألني بعض أصدقاء الفقراء من طلبة العلم وأنا على جناح سفر أن أكتب له مقدمة في الصلاة وشروطها، سهلة الانقياد، واضحة المراد، ليستفيد منها كل مرتاد، فأجبته إلى بغيته معترفاً بالعجز والتقصير، وسميتها بزاد الفقير، وأوردت فيها من المسائل ما يكثر وقوعه، وربما وقع قليل من النوادر انساق القلم إليه.
باب المياه:
إما ماء بئر أو جار أو راكد، فماء البئر ينجس بوقوع النجاسة فيه قلت أو كثرت كقطرة بول ولو من صبي لم يطعم، وكذا وقوع رجل لم يستنج بالماء، أو خرقة أو خشبة نجسة فإنه ينجسها، أو قليل روث، أو أخثاء البقر.
أما بعر المعز والإبل والغنم فلا يتنجس البئر بوقوعه إلا إذا استكثره الناظر ولو منكسراً.
وينجس البئر: بموت الآدمي فيها وما يقاربه في الجثة كالشاة.
وتطهيرها: بنزح جميع ما فيها فيما ذكرنا، وكذا إذا انتفخ الميتة فيها ولو صغيراً، أما إذا لم ينتفخ وهو صغير فطهارتها: إن كان الواقع فيها فأرةً أو ما يقاربها في الجثة مما له دم سائل بنزح عشرين أو ثلاثين دلواً بالدلو المعتاد، والفأرتان والثلاث كالواحدة، وفي الخمس إلى التسع: أربعون إلى خمسين كما في الهرة والدجاجة وما يقاربها.
والأربع: كالثلاث في قول أبي يوسف، وكالخمس في قول محمد فلا تطهر إلا بنزح أربعين دلواً وإذا طهرت بالنزح طهر الدلو والحبل والبكرة ويد النازح.
أما إذا لم يكن الواقع ذا دم سائل: كالسمكة والسرطان والضفدع برية أو بحرية وكل ما يعيش في الماء فلا يتنجس البئر بموته، كما لا يتنجس ما في الأواني من ماء أو غيره.
الجزء 1 · صفحة 6
واعلم أن الواجب إخراج مقدار ما عيناه وقت الوقوع حتى لو نزح بعض الواجب ثم ذهب وجاء في اليوم الثاني لينزح الباقي فوجد ماءها زاد على ما تركه عليه بأن كان البئر معينةً لا يجب نزح جميع ما وجب على الصحيح بل مقدار ما تركه.
ولو وقع فيها خرء ما يؤكل لحمه من الطيور: لا يفسد الماء لأنه ليس بنجس، فلا ينجس الثوب أيضاً به فاعلمه، إلا الدجاج والبط والإوز، وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطير نجس خفيف، فلا يمنع حتى يفحش على قول أبي حنيفة، وعلى قول طاهر عنده، لا ينجس الماء وعلى هذا حال الثوب، وغلّظه محمد.
الماء الجاري:
لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا إذا ظهر فيه لونها أو ريحها أو طعمها، حتى لو اغترف من جرية النهر المتحملة القذرة مما يقرب منها جاز، فالماء طاهر ما لم يتغير، ولو جرى على جيفةٍ أو فيها إن كان ما يلاقي الجيفة أكثر الجرية أو الملاقى وغيره سواء فالماء نجس وإلا فطاهر.
والماء الراكد:
إن كان محله عشرة أذرع في عشرة أذرع بذراع الكرباس جاز الاغتسال والوضوء فيه، ولا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، ويعتبر في عمقه أن يكون بحيث لا ينكشف ما تحت الماء إذا رفع الماء بيده، هذا إن كان مربعاً.
فإن كان مدوراً: قدر بثمانية وأربعين ذراعاً، وإن كان الماء محله عشرة أذرع مسقفاً وله ثقب فتوضأ فيه إنسان: إن كان الماء متصلاً بالثقب لا يجوز وإلا جاز، وقيل يجوز مطلقاً.
وإن كان مقدار محله أقل من عشرة: ينجس بوقوع النجاسة فيه قليلةً كانت أو كثيرةً، ولو زاد على قلتين فامتنع الوضوء والغسل فيه، وينجسه كل ما ينجس البئر.
والسؤر من سباع البهائم: كالأسد والضبع نجس، لا سباع الطير كالبازي، والصقر، وسواكن البيوت كالحية، والفأرة، فإنه مكروه وكذا الهرة، والدجاجة المخلاة.
ومن البغل والحمار: مشكوك، فيجب الجمع بينه وبين التيمم والله أعلم.
باب إزالة الحدث والخبث:
الجزء 1 · صفحة 7
إذا أراد الصلاة وهو محدث وجب عليه رفع الحدث الأصغر والأكبر بالماء أو الصعيد.
أما الماء: فلا بد بعد كونه طاهراً من كونه طهوراً، وذلك بعدم كونه مستعملاً، ويثبت الاستعمال بأمور:
الأول: بإسقاط الفرض، وذلك بالانفصال عن العضو في غير قصد اغتراف، وإخراج شيء من الماء ككوز من بئر.
الثاني: رفع حدث بنية أو بغير نية، بأن يكون الاستعمال لغيره وهو محدث، فإنه يرتفع بذلك الحدث، وبسبب عدم اشتراط النية في ارتفاع الحدث، وعدم ثبوت الاستعمال قبل الانفصال، كان أوفق الروايات عن أبي حنيفة في الجنب المنغمس في البئر لطلب الدلو أنه طاهر والماء مستعمل.
الثالث: استعماله للتقرب بأن يكون طاهراً يريد زيادة النور، وكذا لو غسل اليد الطاهرة قبل الأكل، ويجوز استعمال المستعمل في غير الوضوء كالشرب، وتطهير الثوب مثلاً لأنه طاهر في المختار من الروايات.
وفروض رفع التي لا تصح الصلاة مع ترك شيء منها أربعة:
غسل الوجه من قصاص الشعر في العادة إلى أسفل الذقن: حتى لو كان أصلع لا يجب أن يبلغ الماء قصاص شعره، ومن شحمة الأذن ولو بعد نبات العارض، ولا يجب إيصال الماء إلى داخل اللحية إن كانت كثيفة، ففي الخفيفة يجب إن كانت بحيث يرى منابتها، وإلا صح افتراض غسل ما يلاقي البشرة من اللحية وقيل مسحه.
وغسل اليدين مع المرفقين: ويجب غسل النابت في محل الفرض بأن كانت له إصبع زائدة.
ومسح مقدار ربع الرأس: لا بإصبع أو إصبعين إلا إذا مسح بجوانبها الأربع.
وغسل الرجلين مع الكعبين: فإن كانت رجلاه مستورتين بالخف والجورب الثخين المتمسك بنفسه قام المسح على الحائل مقام الغسل بشرط أن يكون لبسهما على طهارة كملت قبل الحدث الموجود بعد اللبس، وأن لا يكون في الحائل خرق ويظهر منه ثلاث أصابع من الرجل أصغرها، وإن كان أقل من ذلك جاز.
الجزء 1 · صفحة 8
وإن تعددت الخروق جمعت في خف واحدة لا خفين، وله أن يمسح إن كان مقيماً يوماً وليلة، وإن كان مسافراً ثلاثة أيام ولياليها.
وأول المدتين يحتسب من الحدث بعد اللبس فإذا كملت ليس له أن يمسح بعدها حتى ينزع ويغسل رجليه، وهذا إذا لم يكن معذوراً، فإن كان صاحب جرح لا يرقأ ونحوه ليس له المسح إلا في وقت الصلاة، فإذا خرج وقت الصلاة ودخل آخر وجب النزع إن كان توضأ ولبس على السيلان وإلا فلا، إلا أن يستكمل المدة كغيره.
وصفة المسح:
أن يبدأ من رؤوس الأصابع إلى الساق خطوطاً بالأصابع.
والفرض منه: قدر ثلاث أصابع من اليد، ولا يجوز المسح إلا على محل وجوب الغسل، ثم ينتقض هذا المسح ويجب النزع والغسل إذا خرج ظهر القدم إلى الساق، وإن بقي من ظهره شيء في الخف فعند أبي حنيفة رحمه الله: إن زال العقب من موضعه انتقض وإلا فلا، وعند أبي يوسف رحمه الله: إن خرج أكثر القدم انتقض وإلا فلا وصححه في الإيضاح، وعند محمد: إن بقي مقدار محل الفرض لم ينتقض وإلا ينتقض، ولو كان صدر القدم في محله والعقب يدخل ويخرج لا ينتقض.
ولا يجوز المسح على شيء وجب غسله إلا إذا كان فيه جراحة فليمسح على جبيرتها إن ضره حلها وغسل ما تحتها، ويمسح المنفصل على جميع العصابة إن ضره حلها، وإن سقطت الجبيرة من غير برء فهو على طهارته، وإن سقطت عن برء وجب غسل ما تحتها.
وسنن الوضوء:
النية، وغسل اليدين ثلاثاً في الابتداء إلى الكوعين، والتسمية، والسواك، وتخليل اللحية، وأصابع اليدين والرجلين، ومسح جميع الرأس، والمضمضة، والاستنشاق كل مرة بماء جديد ثلاثاً ثلاثاً، والتثليث إلا في مسح الرأس، ومسح الأذنين بماء الرأس، والترتيب: بأن يوقع الفرض على الترتيب الذي أوقعناه، والتيامن، والدلك، والموالاة، والبداية بغسل أصابع الرجل عند غسل الرجلين، وتحريك الخاتم إن كان واسعاً وإلا فتحريكه فرض، ومسح الرقبة مستحب.
الجزء 1 · صفحة 9
ومن آداب الوضوء:
عدم الإسراف والتقتير في الماء، وأن يشرب فضل الوضوء أو بعضه، قائماً مستقبل القبلة، واستقبال القبلة في توضيه، وأن يملأ الإناء بعد فراغه استعداداً لصلاة أخرى، والتسمية عند غسل كل عضو، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن لا يكلم الناس في الوضوء، وأن يستر عورته فيه، وأن يتولى أمر وضوئه بنفسه، ويقول عقب الفراغ قائماً: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
وأنواع الوضوء:
الفرض والواجب كالوضوء للطواف، والمندوب كالوضوء عقب الغيبة، والكذب، والضحك قهقهة، وإنشاد الشعر كلها على السواء.
فرائض رفع الحدث الأكبر بالماء والصعيد:
أما بالماء: ففرضه: غسل الفم والأنف وسائر البدن، وسنته: النية والبداية بغسل اليدين إلى الكوعين، والفرج، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ إلا رجليه إن كانتا في مجتمع الماء المستعمل وإلا فلا يؤخرهما، وتثليث الصب المستوعب، ولا يجب على المرأة نقض ذوائبها بل يكفيها إيصال الماء إلى أصولها، وينقضها الرجل إن كانت له.
ويحرم على المحدث: مس المصحف، والصلاة.
وبالأكبر: دخول المسجد والتلاوة مع ذلك.
فرائض التيمم:
وأما الطهارة بالصعيد ففي الأكبر والأصغر على السواء.
وفرضه: أن يضرب بيديه ضربة يمسح بها وجهه وأخرى يمسح بها بيديه إلى المرفقين مع الاستيعاب، فينزع الخاتم ويخلل الأصابع، ومحل ضربه ما كان من أجزاء الأرض مما لا ينطبع: كالتراب، والرمل، والحجر الصلت، والحائط من المدر والنورة، والكحل، والزرنيخ، والكيزان، والجفان إذا لم يكن مطلياً إلا أن يكون غبار فيجوز عنده، والأرض منتدية برش الماء لا الطين.
وطريق التيمم به: أن يتلطخ جسده أو ثوبه منه، فإذا جف ضرب عليه.
الجزء 1 · صفحة 10
ولا يجوز بالمنطبع كالمعادن إلا أن يكون عليه غبار، ولا بالملح المائي، والمختار الجواز بالملح الجبلي.
ولو أصاب وجهه وذراعيه غبار عند مهب الريح أو مسقط حائط و مسح به وجهه وذراعيه مع النية جاز عند الإمام، ولو اختلط بالتراب غيره فالحكم للغالب.
وشروطه ثلاثة:
الأول: النية: ويكفي للحدثين أن ينوي الطهارة في المختار، فقد روي عن محمد أن من تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة، وكذا إذا أراد به استباحة الصلاة.
الثاني: العجز من الماء إما لمرض يزيد أو يبطأ باستعماله، أو بالتحرك للاستعمال، وإما لعدم الماء، حقيقة: بأن كان بينه وبين الماء ميل لا أقل، منه إلا أن يخاف من الذهاب إليه انقطاعه عن الرفقة وشِبْهَهُ، أو حكماً: كما إذا خاف سبعاً أو لصاً عنده أو فقد آلة الاستسقاء.
والقدرة على ثمنه بمنزلة القدرة عليه إلا إذا كان غبن فاحش وهو في ضعف القيمة. الثالث: طهارة الصعيد، حتى لو تنجس الأرض ثم جفت طهرت في حق الصلاة لا في حق التيمم، ولا يتيمم مع القدرة على الماء إلا إذا خاف فوت صلاة جنازة لا ينتظر فيها، أو فوت صلاة العيد فإنه يتيمم للبناء سواء شرع فيها بالوضوء أو بالتيمم.
باب انتقاض الوضوء:
الجزء 1 · صفحة 11
ينتقض الصغرى: بكل ما يخرج من السبيلين ولو دودة أو حصاة، وكل خارج نجس من غيرهما كالدم والقيح والصديد إذا جاوز موضع خروجه، والمباشرة الفاحشة، والقيء ملء الفم لا دونه، إلا أن يكون دماً مائعاً، أما لو كان غير مائع فملء الفم أو بلغماً لا ينتقض، ولو قاء متفرقاً قليلاً قليلاً بحيث لو جمع يصير ملء الفم فعند أبي يوسف رحمه ال: له إن كان في محل واحد نقض وإلا فلا، والاعتبار عند محمد رحمه الله: لاتحاد الباعث وهو الغثيان، وكذا لو ظهر الدم على رأس الجرح فأخذه وهو بحيث لو تركه جاوز نقض وإلا فلا، وينقضه الجنون، والإغماء، والنوم المزيل للمسكة، فلهذا لم ينقض نوم القائم والقاعد والراكع والساجد لبقاء الاستمساك، ولو سقط النائم ولم يستيقظ عند اتصاله بالأرض نقض وإلا فلا، وينقضه القهقهة إذا كانت في الصلاة المطلقة إلا إذا كان نائماً في صلاته، وقهقهته في النوم لا ينقض لكن يفسد صلاته في المختار وهذه المسألة أحجية، وضحك الصبي والبالغ سواء.
وينتقض الكبرى: بخروج المني بعد انفصاله على وجه الدفق، والشهوة، والإيلاج في قبل آدمي حي ودبره، ويجب على مفعول به الغسل أيضاً، ولو أصبح فوجد ماء رقيقاً وشك في كونه منياً أو غيره ولم يتذكر احتلاماً وجب الغسل، وإن علم أنه غير مني فلا، وإن تذكر احتلاماً ولم ير ماء فلا.
باب رفع الخبث:
رفعه عن بدنه وثوبه ومكان الصلاة:
من شروط الصلاة كرفع الحدثين والنجاسة خفيفة: وهي بول ما يؤكل لحمه وبول الفرس، وأما الأخثاء والأرواث فعنده غليظة، وعندهما خفيفة، وغليظة: كالدم وبول ما لا يؤكل، والخمر ولحم الميتة والقذرات، وسؤر الكلب وبعض ما تقدم من الأسأر، فيجب تطهير البدن والثوب من الغليظة إذا بلغت أكثر من قدر درهم وزناً في الكثيفة، وبسطاً قدر عرض باطن الكف في المائعة إلا ما اتصل بالسبيلين من الخارج فإن إزالته غير واجبة.
الجزء 1 · صفحة 12
وهذا الاستنجاء سنة بالحجر والمدر ونحوه كخرقة وقطنةٍ، والأفضل اتباع الماء وغيره مما يزيل، وينبغي أن يرخي موضع الاستنجاء كل الإرخاء، ويستنج بباطن إصبع أو إصبعين أو ثلاثة ويحترز عن رأس الإصبع، وينشف المحل إن كان صائماً قبل أن يقوم كيلا يفسد صومه إذا بلغ الماء موضع الحقنة وقلما يكون، وإذا زاد على المخرج وجب غسله بالماء، وكذا إن تلوث منه الثوب أكثر من قدر الدرهم وجب غسل الثوب ويستنج بشماله إلا لعذر.
والمني: نجس يجب غسله رطباً ويكفي فركه يابساً، وما دون الدرهم تكره الصلاة معه وإن صحت، كما تكره في مكان تقربه النجاسة.
ويجب من الخفيفة إذا فحشت والأوجه إيكاله إلى رأي المبتلى به إن استفحشه منع وإلا فلا، وإن تفرقت النجاسة في ثوبه أو ثوبيه أو أثوابه أو بدنه جمعت.
وتطهير البدن: بغسله ثلاثاً، والثوب: بغسله ثلاثاً بمياه طاهرة وعصره في كل مرة، وكذا تطهيره في الإجانة، والمياه الثلاثة نجسة، وقيل في النجاسة المرئية يكفي زوالها ولو بمرة.
وتطهير الأرض: إن كانت رخوة بصب الماء ثلاثاً، وإن كانت صلبية قالوا يصب عليها ثم ينشف بخرقة أو نحوها يفعل ذلك ثلاثاً، وإن صب عليها كثيراً حتى تفرقت النجاسة ولم يبق ريحها ولا لونها وتركت حتى جفت طهرت.
وتطهير النعل: بدلكه في الأرض حتى تزول ما اتصل به إن كان كثيفاً، وإن كان رقيقاً فما يتصل به من الرمل والتراب جرم له، وما فيه صقالة: كالسيف والسكين والمرآة يطهر بالمسح والمتصدئ من ذلك بالغسل.
كتاب الصلاة:
للصلاة شروط، وأركان، وواجبات، وسنن، ومفسدات، ومكروهات.
شروط الصلاة:
طهارة البدن والثوب عن النجاستين ومكان الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 13
والمفروض طهارة موضع القدمين والسجود في المختار من الروايتين لا غير، وقال في فتاوى قاضيخان: وكذا لو كانت النجاسة في موضع الركبتين واليدين يعني تجمع وتمنع، ولا يجعل كأنه لم يضع العضو على النجاسة كما لو صلى رافعاً إحدى قدميه جازت صلاته ولو وضع القدم على النجاسة لا يجوز، ولا يجعل كأنه لم يضع، ولو خلع نعليه ووضعهما على النجاسة وقام عليهما جاز، وإن كان ما يلي الأرض نجساً كثوب ذي طاقين أسفله نجس فقام على الطاهر جاز، ولو بسط كمه أو ذيله عليها لا يجوز فإن لم يجد ما يزيل النجاسة وجب أن يصلي فيه، ويجوز أن يصلي معها إلا إذا عمت أكثر من ثلاثة أرباع ثوبه فالأفضل أن يصلي فيه، ويجوز أن يصلي عرياناً، ومنعه محمد رحمه الله وقال في الأسرار بعد ذكر الوجه: ولكن قول محمد أحسن، وكذا إن كان على بدنه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بإبداء عورته للناس تسقط إزالتها، ولو أبداها للإزالة فسق، وستر العورة وهي من الرجال: من السرة إلى الركبة والركبة منها.
ومن الحرة: ما سوى الوجه والكفين، ففي القدم روايتان والصحيح أن انكشاف ربعه مانع، وقيل: الصحيح أنه في الصلاة غير عورة وخارجها عورة، وقيل: الأصح أنه ليس بعورة، ولو انكشف ظهر قدمها لم يفسد، وفي الاختيار: أنه يجوز صلاتها مع انكشاف الذراعين، وهو خلاف رواية الظاهرة، وفي المبسوط: في ذراعها روايتان، والأصح أنه عورة، وفي الفتاوى: ذراعها كبطنها في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه ليس بعورة حتى لو صلت الحرة وهما مكشوفان جازت صلاتها، وشعرها عورة، وفي المسترسل روايتان والأصح أنه عورة، وفي الفتاوى: الصحيح أن المعتبر في فساد الصلاة انكشاف ما فوق الأذنين، وفي حرمة النظر يستوي ما يليها أي: ما فوق الأذنين وما تحتهما.
الجزء 1 · صفحة 14
وعورة الأمة: العورة من الرجل مع بطنها وظهرها، وإذا انكشف ما دون الربع من العضو كالفخذ والذكر والأنثيين جازت الصلاة معه، وثديها بانفرادها عضو إن كانت كبيرة، وإن كانت ناهدة فثديها تبع لصدرها ولا يفسد، والربع لا يجوز معه الصلاة، وإذا لم يجد ثوباً ولا ما يستر به العورة من حشيش أو طين يلطخ به عورته ونحو ذلك صلى عرياناً، والأفضل أن يصلي قاعداً حينئذ.
واستقبال عين عرصة الكعبة إن كان بمكة، وللغائب عنها جهتها تحقيقاً، وذلك كما لو فرض خروج خط من تلقاء وجهه على زاوية قائمة يكون ماراً على الكعبة أو هوائها أو تقريباً: بأن يكون الخط منحرفاً عنها أو عن هوائها انحرافاً لا تزول به المسامتة بالكلية، وذلك يختلف باختلاف القرب والبعد، وقيل إن كان بينه وبين الكعبة حائل وهو بمكة فالأصح أنه كالغائب، ولو كان الحائل أصلياً كالجبل فله أن يجتهد والأولى أن يصعد الجبل ولا يشترط أن يصعد الجبل، ولا يشترط نية الاستقبال في المختار، ولا يسقط الاستقبال إلا لعذر كمريض لا يقدر على التوجه وليس عنده من يوجهه، أو يخاف إن تحرك للتوجه فظن به السبع أو العدو، ولو انكسرت السفينة وبقي على لوح فيصلي حينئذ قائماً أو قاعداً يومئ أو مضطجعاً إلى أي جهة قدر عليها، أو لعدم العلم بها وليس بحضرته من يسأله عنها من المكلف أو العالم بها، ولا عبرة بغيرهما، وليس عليه أن يطلب من يسأله إذا لم ير أحداً، فيجتهد ويصلي ولا يجوز صلاته قبل التحري ولو أصاب القبلة، ولو تحرى ولم يقع تحريه على شيء يؤخر الصلاة، وقيل: يصلي إلى أربع جهات، وقيل: يتخير، ولا يتحرى مع محاريب بلدة دخلها.
الجزء 1 · صفحة 15
وأن ينوي أي صلاة يصلي، فإن كانت نافلة كفاه نية الصلاة، أو سنة فالأحوط تعينها كسنة الظهر مثلاً أو فرضاً فلا بد من تعينه، والأحسن أن ينوي ظهر اليوم مثلاً، وإن كان مقتدياً احتاج مع ذلك إلى نية المتابعة والاقتداء في الأصح، والأحسن أن لا يعين الإمام عند كثرة المقتديين، ولو عينه فقال: بزيد هذا وهو عمرو لا يصح إلا إن كان يراه فقال: بزيد هذا وهو عمرو فيجوز، ومثله الميت في الصلاة عليه، ثم إنه إذا صح الاقتداء لا يقرأ خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية شيئاً من القرآن، ولو قرأ فعل مكروهاً على ما هو الحق، والأولى أن يجمع بين اللسان والقلب بالنية، وفي المجتبى: لو عجز عن إحضار القلب يكفيه اللسان؛ لأن التكليف بحسب الوسع.
والتحريمة تنعقد بكل اسم الله سبحانه مشتمل على التعظيم غير مشوب بدعاء نحو: الله أكبر، الرحمن أعظم، لا إله إلا الله، الحمد لله ونحوه، ولو مد بهمزة الجلالة أو أكبر أو باءه لم يصر شارعاً، ومد اللام صواب، ومد الهاء خطأ لغة وكذا الراء وجزم الهاء.
أركان الصلاة:
القيام وقراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة عندهما وعنده آية، فإن كانت كلمتين اتفق المشائخ على الصحة بها عنده، وإن كانت كلمة أو حرفاً على قول بعض القراء في نحو "ق" اختلفوا، ولاخلاف في استحقاق العذاب لأنه ترك الواجب، والركوع والسجود، ويكفي فيه وضع الجبهة بالاتفاق، وكذا الأنف عنده، وعندهما لا يكفي إلا من عذر، وروي عنه قولهما وعليه الفتوى، ولا يجوز غير ذلك كوضع الخد والذقن، ويتم السجدة بالوضع عند أبي يوسف رحمه الله فلا يقدر على الإصلاح، والقعدة الأخيرة قدر التشهد.
واجبات الصلاة:
الجزء 1 · صفحة 16
تعيين الفاتحة مطلقاً، ولو ترك ساهياً وقرأ السورة ثم ذكر أعاد ما لم يسجد ولو بعد الركوع، فيقرأها ويرتفض ما بعدها فيعيد السورة والركوع ويسجد للسهو، والسورة أو ما يقوم مقامها في غير الركعتين الأخيرتين من الفرائض الرباعية والركعة الأخيرة من المغرب، ولو تركها عاد ما لم يسجد على ما في الفاتحة، وتعيين القراءة في الركعتين الأوليين من الفرائض، وتعديل الأركان، والقعدة الأولى، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة وفي الأولى على الأصح، والقنوت في الوتر، والواجب قراءة دعاء إما: اللهم إنا نستعينك اه، أو اللهم اهدنا فيمن هديت اه، أو دعاء آخر، والأولى: اللهم إنا نستعينك.
والجهر في الجهر إماماً، والمخافة في السرية إماماً كان أو منفرداً، ومراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال، والسلام، وتكبيرات صلاة العيدين.
سنن الصلاة:
الجزء 1 · صفحة 17
أن يرفع يديه عند تكبير الافتتاح إلى شحمتي أذنيه، وكذا المرأة في رواية الحسن رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله، والأقرب إلى الستر ما ذكر ابن المقاتل من أنها ترفع إلى منكبيها ثم لا يرفع بعد ذلك إلا في تكبيرات العيدين، ووضع اليمين على اليسرى تحت السرة في كل قيام فيه ذكر مسنون، فلا يرسل حالة الثناء، وبين تكبيرات الجنازة لا بين تكبيرات العيدين، وفي القومة من الركوع، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، لا يزيد عليه إلا في التهجد فيقول فيه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من غير ذلك، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم للقراءة لا تبعاً للثناء كما عند أبي يوسف رحمه الله، ومنهم من اختار قوله فيأتي به المسبوق دون المقتدي ويؤخر عن تكبيرات العيد وعنده بالقلب، وقراءة التسمية مع إسرارها حتى في الجهرية في كل ركعة، لا بين الفاتحة والسورة، وقوله آمين للإمام مخافة وللمأموم كذلك في الجهرية عقيب تأمين الإمام، أما لو سمعها من الإمام في السرية اختلفوا هل يؤمنوا أو لا فظاهر النص أنه يؤمن، ولا يشدد الميم فيفسد على رأي والفتوى أن لا يفسد، والقصر والمد لغتان، والتكبير مع خفض ورفع، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع مفرجاً أصابعهما ويضمها في السجود، وفيما سوى الركوع والسجود لا يتكلف التفريج ولا الضم ونصب الساقين وبسط الظهر ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، وقول سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود ثلاثاً ثلاثاً، والأفضل أن يزيد ما شاء بعد أن يختم بالوتر غير ممل للقوم إن كان إماماً، وقول سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع للإمام، وربنا لك الحمد للمأموم ويجمع بينهما المنفرد، والقومة، والجلسة بين السجدتين، وعند أبي يوسف رحمه الله فرض كالطمأنينة عنده، وأما الاعتدال في نفس الانتقال فسنة اتفاقاً، ووضع يديه في السجود حذاء وجهه، ومجافاة بطنه عن
الجزء 1 · صفحة 18
فخذيه، وإبداء ضبعيه إلا المرأة فلا تفعل، وتوجيه أصابع رجليه إلى القبلة، ووضع الركبتين واختلفوا في القدمين، والجلوس على رجله اليسرى في القعدتين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيهما في النفل، وفي الأخيرة فقط في الفرض، ومقتضى الدليل افتراضها مرة في العمر وإيجابها كلما ذكر إلا أن يتحد المجلس فيستحب التكرار بالتكرار فعليك به وافقت الأقوال أو خالفت، ونية الإمام في التسليمتين الرجال والحفظة، والمأموم إمامه أيضاً إن في جهته، وإن حاذى نواه فيهما، والمنفرد الحفظة، واتخاذ سترة قريبة منه مثل مؤخرة الرحل بغلظ الإصبع فصاعداً على حاجبه الأيمن أو الأيسر إذا صلى في الصحراء، وسترة الإمام سترة المأموم، ولها سنن أخر وواجبات تعرف عند معرفة ما يكره في الصلاة، إذا علم في كراهة أنها ليست تحريمة علم أن ضدها ما ثبت به سنة، وإذا علمت تحريماً فواجب.
مفسدات الصلاة:
مفسدها: قول، وفعل.
القول:
الكلام عمده وسهوه قبل أن يقعد قدر التشهد إلا السلام ساهياً، وليس معناه السلام على إنسان إذ صرحوا أنه إذا سلم على إنسان ساهياً فقال: السلام ثم علم فسكت يفسد صلاته، بل المراد السلام للخروج من الصلاة ساهياً قبل إتمامها، ومعنى المسألة: أنه يظن أنه أكمل، أما إذا سلم في الرباعية مثلاً ساهياً بعد الركعتين على ظن أنها ترويحة ونحو ذلك فتفسد صلاته فليحفظ هذا.
ونفخ التراب أو غيره، والأنين، والبكاء بصوت ذي حروف، والتأوه للدغ عقرب أو شيء غير الذكر فإن كان للذكر والخشوع فلا، وعن محمد رحمه الله: أنه إذا كان به مرض لا يمكنه الامتناع عنه بسببه يكون عفواً كما لو عطس وحصل به حروف أو تجشى أو تثاءب فارتفع صوته فحصل به حروف لم تفسد صلاته.
والتنحنح بغير عذر: بأن لم يكن مدفوعاً له إذا حصل به الحروف، واختلف هل من عذر تحسين الإمام صوته، واختار شيخ الإسلام فيه عدم الفساد، وعليه كثير من المشايخ.
الجزء 1 · صفحة 19
وقول سبحان الله والحمد لله والتهليل: إذا أراد به جواب الخبر بالعجب وبما يسره أو بما هو يهول يفسد، وإذا أراد به غير ذلك كإعلام أنه في الصلاة لا، وكذا الاسترجاع في جواب الإخبار بالمصيبة، وإن أراد به قراءة القرآن فلا، وجنس هذه على هذا التفصيل.
وقولك: "يرحمك الله" في جواب عاطس، وكذا لو قال: "آمين" في جواب من قال له: يرحمك الله إذا كان هو العاطس، بخلاف ما لو أمن مصل غير العاطس على الدعاء للمصلي العاطس، أو قال هو الحمد لله فإنه لا يفسد، والأولى أن يسكت إذا عطس في الصلاة.
ولو أذن فيها أو لبى وهو حاج يفسد صلاته، بخلاف ما لو كان في أيام التشريق فكبر تكبير التشريق، وقال أبو يوسف في الأذان: لا يفسد إلا عند الحيعلة، وقول المقتدي: "صدق الله تعالى" وبلغت رسله عند سماع ما يناسبه إساءة غير مفسد.
وقوله: "نعم": إن كان معتاداً له ذلك كما يجري على ألسنة بعض الطلبة مفسد وإن لم يكن معتاداً له لا يفسد، وهو مقيد بما إذا جرى على لسانه للعادة، أما إذا كان جواباً يفسد.
ولا يفسدها الدعاء بما لا يشبه كلام الناس وبالأدعية المأثورة، وسؤال المغفرة لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات لا يفسد، ولو قال: "لأخي" اختلف فيه، و"لعمي" أو"لخالتي" تفسد، "وارزقني" مختلف إلا أن يقول: رؤيتك، أو جنتك، أو الحج فلا تفسد، وكذا: "اقض ديني"، ولو فتح على غير إمامه تفسد إذا لم يرد به قراءة القرآن، وكذا على إمامه إن انتقل إلى آية أخرى ولم يرد القراءة، ولو أراد فلا لكنه فعل مكروهاً في الصلاة الثانية، ولو أخذ الإمام فتحه بعد انتقاله اختلف في فساد صلاته، ولو فتح على المصلي من هو خارج الصلاة فأخذ به فسدت.
والقراءة من المصحف مفسدة عنده خلافاً لهما.
الجزء 1 · صفحة 20
ومن المفسدات القولية زلة القارئ: ففي الإعراب إن لم يتغير المعنى ككسر قِواماً مكان فتحها وفتح باء نعبَد مكان ضمتها لا تفسد، وإن غيّر كما لو نصب همزة العلماء وضم هاء الجلالة من قوله تعالى: (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ) تفسد على قول المتقدمين، واختلف المتأخرون: فذهب محمد بن مقاتل، وابن الفضل، والفقيه أبو جعفر الحلواني، وابن سلام، والإمام إسماعيل الزاهد إلى أنه لا تفسد، وقول المتقدمين وأتباعهم أحوط، وقول هؤلاء أوسع.
وإن كان بوضع حرف مكان حرف ولم يتغير به المعنى كإياب مكان أواب لم يفسد، وعن أبي يوسف رحمه الله تفسد، وكثيراً ما يقع في قراءة بعض قرويين والأتراك والمبردان وياك نعبد بواو مكان الهمزة، والصراط الذين بزيادة الألف واللام، وصرحوا في الصورتين بعدم الفساد، وإن غير فإن لم يكن الفصل بين الحرفين مع غير مشقة كالضاد والطاء اختلفوا وأكثرهم لم يفسدها، ويخرج من هذا الباب كثير من تعالج مخارج الحروف.
وفي زيادة الحرف: إن لم تغير نحو: "راددوه إليك" لم تفسد وإلا فسدت نحو: "يس والقرآن الحكيم، وإنك لمن المرسلين"؛ لأنه جعل جواب القسم قسماً كذا ذكروه والله أعلم بصحته.
وفي نقصه نحو: "فجاءهم" في "فجاءتهم" لا تفسد، إلا أن يكون الحرف من الكلمة كما لو قال: "ربيّاً" أو"عرياً" فيفسد، إما لتغير المعنى أو لأنه يصير لغواً، إلا أن يكون آخراً يصح حذفه ترخيماً نحو: يا مالك.
وفي تقديم الحرف: إن تغير فسدت وإلا فلا، وقيل فسدت لأنه لا يخلو عن تغير، وفيه ما لا يخفى.
وفي ذكر كلمة مكان كلمة: فإما أن يوجد مثل التي بها الخطأ في القرآن أو لا، وعلى التقديرين: إما أن يخالف التي جعلها موضعها معنى أو لا فهذه أربعة:
ففي الأول: تفسد، كما لو قرأ: "إنا كنا غافلين" مكان "فاعلين".
الجزء 1 · صفحة 21
والثاني: لا تفسد، كما لو قرأ: "الحكيم" مكان "العليم"، وليفهم من هذا معنى الموافقة، وفي الثالث: تفسد، كما لو قرأ: "إن الفجار لفي خيام".
وفي الرابع: لا تفسد، بأن قرأ: "طعام الفاجر" مكان "طعام الأثيم".
الثاني: الفعل:
كالحدث العمد من بول ونحوه، والمتعمد سببه منه: بأن غمز دمله فانفجر، أو من غيره: بأن ضربه إنسان أو مشى على سقف فسقط منه فأسال دم المصلي تحته، أو غير المتعمد: بأن كان تحت شيء فسقط عليه فأسال دمه.
وتفسد لو تعمم أو ضرب دابة ثلاثاً في ركعة، لا تسوية عمامته مرة أو مرتين، ولا ضربة أو ضربتين ولا ثلاثاً في ركعتين، أو تخمرت المرأة، أو فتح الباب لا أن غلقه، وليس المقصود مجرد رده وعدمه، وزر القميص لا حله، والوجه يقتضي أنه لو زره بيد لا يفسد، وضرب إنسان بيد أو سوط، لا إذا دفعه للمرور بين يديه، ولا لبس النعلين، وتقلد سيفه ونزعه، وحمل شيء خفيف يحمل بيد واحدة، والأصل في جنسها: إن ما كان كثيراً يفسد وما لا فلا.
واختلف في الكثير: فقيل ما يقام باليدين كثير وهو فاسد، العكس في مسائل لم ينقل فيها خلاف يعرف في المطولات، وقيل: ما كان بحال لو رآه إنسان غلب على ظنه أنه ليس في الصلاة، وإن شك فيسير وهو اختيار العامة، وقيل: يفوض إلى رأي المبتلى به وهو أقرب إلى مذهب الإمام.
وتحويل الوجه عن القبلة بغير عذر، والتقدم على الإمام من غير عذر، أما بعذر فحكمها مع نظائرها كالمكث بعد سبق الحدث من غير تعمد، وكما إذا أصابته نجاسة أكثر من قدر الدرهم من غيره، أو طرح للزحمة أمام الإمام أو في صف النساء، أو مكان نجس، أو حولوه عن القبلة، أو طرحوا إزاره، وفيها إذا تعمد ذلك فسدت صلاته قل أو كثر، وإلا فإن أدى ركناً فسدت علم أو لم يعلم، وإن لم يؤد ومكث فإن كان بعذر لا يفسد وإلا اختلف الروايات، وظاهر الرواية عن محمد رحمه الله أنها يفسد هو قول أبي حنيفة رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 22
وتأخره في الصحراء عن موضع قيامه مطلقاً، وقيل مقدار ما بينه وبين سجوده وهو المختار، وكذا عن يمينه وعن يساره، وإن تقدم فالحد السترة وإن لم يكن فمكان سجوده، وتأخر المرأة عن مصلاها في بيتها كتأخره في الصحراء، لا تأخره في المسجد، وقيل: البيت لها كالمسجد له.
ومحاذاة المرأة التي جاوزت عن حد الشهوة من النساء وإن لم يكن مشتهاة في الحال أجنبية أو محرمة في صلاة مشتركة تحريمة وأداءً حتى لا تفسد المحاذاة في أداء ما سبقا فيه، وسواء اتحد الفرضان أو النفلان أو كانت متنفلة وهو مفترض إذا لم يكن حائل، ولو قامت وسط الصف فسدت صلاة واحد عن يمينها وآخر عن يسارها وآخر عن خلفها، وإن كانتا اثنتين فسدت صلاة الاثنين خلفهما، ولو ثلاثاً فسدت صلاة ثلاثة ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف، وعليه الفتوى وكثيراً ما تفسد الصلاة بهذا السبب في المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وتثبت المحاذاة ولو بعضو حتى لو صلت على الظلة وهو أسفل يفسد صلاته إذا حاذا منها شيء.
ويفسد بالأكل والشرب عامداً أو ناسياً، قل أو كثر، وقيل: ما يفسد الصوم هو المفسد، وقيل: ما دون ملء الفم لا يفسد، ومنه ذوب سكرة كانت في فيه.
ويفسدها رؤية المتيمم ماءً يقدر على استعماله، وانقضاء مدة المسح وخلع الخف برفق، ووجدان العاري ساتراً، وقدرة المومئ على الركوع والسجود، وخروج وقت المستحاضة، وتذكر فائتة، واستخلاف قارئ أمياً، وطلوع الشمس في الفجر، ودخول وقت العصر في الجمعة، وسقوط الجبيرة عن برء، وتعلم ما تصح به الصلاة إن كان في أثناء الصلاة اتفاقاً، وإن كان في القعدة الأخيرة بعد مقدار التشهد فكذلك عنده خلافاً لهما.
مكروهات الصلاة:
الجزء 1 · صفحة 23
يكره العبث بالثوب والجسد وهذا لا يخص المصلي، وتقليب الحصى إلا لعذر، والسجود على مجرد الأنف من غير عذر على الرواية الظاهرة عنه، وفرقعة الأصابع، ووضع اليدين على الخاصرة، والسدل: بأن يضع الثوب على رأسه أو كتفه ويرسل أطرافه من جانبيه، وأن يصلي معقوص الشعر، وكف الثوب، والإقعاء: وهو أن يضع إليتيه على الأرض ويقيم ركبتيه في الصحيح، وقيل: أن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه كما ذكرنا أولاً بقيد ضم ركبتيه إلى صدره، ووضع يديه على الأرض، والالتفات لا الملاحظة مع عدم لي العنق، والتربع بغير عذر، وعد آي أو تسبيح باليد، وتغميض العين، والأدب: أن لا يجاوز بصره عن موضع سجوده في القيام، ولا موضع قدميه في الركوع، ولا أرنبة أنفه في السجود، ولا حجره في القعود.
ويكره أن ينظر إلى جهة السماء، وقيام الإمام وحده في الطاق إلا لعذر ككثرة القوم، فإن كان خارجها وحده وسجد فيها فلا، وقيامه على مكان مرتفع وهو ما يقع به التميز ظاهراً وحده، وكذا على القلب في ظاهر الرواية، وفي كراهة الصلاة إلى ظهر رجل يتحدث خلاف، والمختار عدمها، وينبغي أن يقيده بما إذا لم يشوش عليه ذلك إما لقوته أو لخفاء صوت المتكلم، وفي موضع كثير الأصوات واللغط أو فيه نائم قريب منه، ويكره في قوارع الطريق، ومعاطن الإبل والمزبلة، والمجزرة، والمخرج، والمغتسل، والحمام، فإن غسل مكاناً في الحمام وصلى فيه فلا بأس، وكذا موضع جلوس الحمامي، ويكره أيضاً في المقبرة إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ولا قبر فيه، وعلى سطح الكعبة.
باب الإمامة:
الجزء 1 · صفحة 24
لا يصح الاقتداء بالمجنون المطبق فإن كان يجن ويفيق يصح في حال إفاقته، ولا بالسكران، ولا بالصبي إلا على قول أئمة البلخ في التراويح والسنن، ولا القارئ بالأمي أو الأخرس، ولا الأمي بالأخرس، ويجوز اقتداء الأخرس بالأمي، ولا الكاسي بالعريان، ولا الصحيح بالمعذور كصاحب سلس البول ونحوه، ولا المسافر بالمقيم في الفائتة حتى لو غربت الشمس بعدما صلى المقيم مثلاً ركعتين من العصر لا يجوز للمسافر أن يبتدئ الاقتداء به عند ذلك فيها، ولا المفترض بالمتنفل، ولا مع اختلاف الفرضين، ومن ذلك ظهر الأمس مع ظهر اليوم، والظهر مع الجمعة، ولا الناذر بالحالف ويجوز على قلبه، ولا الناذر بالناذر إلا أن يقول أحدهما: نذرت صلاة ركعتين فيقول آخر: نذرت تلك المنذورة ونحوه، ولا من يصلي ركعتي الطواف خلف من يصليها، ويجوز الحالف بالحالف، ولا المرأة في حق الرجل، ولا في قضاء ما أفسد من نفل خلف مثله إلا فيمن تطوع خلف متطوع فأفسد الإمام، ولا المسبوق في قضاء ما سبق بأحد، وكذا اللاحق.
الجزء 1 · صفحة 25
ويجوز القائم بالقاعد، والمتوضئ بالمتيمم، والغاسل بالماسح، وصاحب الجرح بمثله، والأمي بمثله ولا يجوز صلاة الأخرس إذا اقتدى به أمي أو قارئ كالأمي إذا اقتدى به قارئ، ولا الحنفي بشافعي علم منه ما يزعم به فساد صلاته في مذهبه كالفصد ومسحه أقل من الربع، ولو علم منه ما يزعم به فساد صلاته في زعم الإمام لا المقتدي كمس الذكر اختلف فيه، وكثير على الجواز، ومن المحققين من حقق عدم الجواز، ولو لم يعلم من حاله شيئاً جاز، ولا من بينه وبين الإمام طريق واسع وهو ما تمر فيه العجلة، والضيق لا يمنع، ولهذا لو قام المقتدي في عرض الطريق واقتدى جازت إذا لم يبق بينه وبين الإمام ثمة ما تمر فيه العجلة، ومع ذلك تكره حتى لو اقتدى آخر خلفه وراء الطريق لا يجوز لأنه لكراهة صلاته صار وجوده وعدمه في حق من خلفه سواء، إلا أن يكون من في الطريق ثلاثة فتصح صلاة من خلفهم، والاثنان كالثلاثة عند أبي يوسف رحمه الله لا عند محمد رحمه الله، ولو قام الإمام في الطريق واصطفوا خلفه في طول الطريق إن لم يكن بين الإمام وبين من خلفه في الطريق مقدار ما تمر فيه العجلة جازت، وكذا فيما بين الصف الأول والثاني إلى آخر الصفوف وإلا فلا، ويمنع الاقتداء حيلولة نهر يسع الزورق وإلا فلا يمنع، والحائط ذكر في الأصل أنه لا يمنع، وروى الحسن رحمه الله عن الإمام أنه يمنع فحملوا ما في الأصل على ما إذا كان قصيراً؟ 54 مقدار ذراع أو ذراعين، والأخرى على ما كان أكثر و؟ 54 لو كان عليه باب مفتوح أو ثقب لو أراد الوصول إلى إمامه أمكنه ولا يشتبه حاله عليه بسماع أو رؤية صح، وإن كان الباب مسدوداً أو الثقب لا يمكن فيه ما ذكرنا لكن لا يشتبه عليه حال الإمام قيل يمنع، وقيل العبرة في هذا للاشتباه وعدمه، واختاره جماعة من المتأخرين، وعلى هذا الاقتداء من السطح أو المئذنة بمن في المسجد إن كان لهما باب في المسجد ولا اشتباه فلا اشتباه، وإن لم يكن
الجزء 1 · صفحة 26
ولا اشتباه يصح، وإلا فلا.
وإذا عدمت موانع الاقتداء وكان بحيث يصح فالسنة أن يقدموا أعلمهم، والمراد أعلمهم بمسائل الصلاة، وإن كان غير متبحر في بقية العلوم، وهو أولى من المتبحر في بقية العلوم، ذكر معناه في شرح الإرشاد.
فإن تساووا فأقرأهم، وإن تساووا فأورعهم، وإن تساووا فأسنهم وإن تساووا فأحسنهم خلقاً، وإن تساووا فأحسنهم وجهاً، وفسره في الكافي بمن يصلي بالليل، فإن تساووا فأصبحهم وجهاً، فإن تساووا فأشرفهم نسباً، وإن تساووا لكن أحدهم أقدم وربما قدم صرحوا به، وقياسه يقتضي مثله في سائر الخصال وعلى هذا فقل ما يحتاج إلى القرعة المذكورة عند التساوي أو تخير القوم، ولو اختار البعض واحداً والبعض آخر فالعبرة للأكثر، ولو قدموا غير الأولى أساءوا، ويكره الاقتداء بالفاسق، والعبد، وولد الزنا، وأعرابي، والأعمى، إلا إذا لم يكن هناك أفضل منه، وبصاحب الهوى إلا أن يغلو حتى يحكم بكفره كالجهي؟ 55، والقدرية، والقائل بخلق القرآن، والمشبهة، والرافضي العالي الذي ينكر خلافة أبي بكر، وإذا اقتدى بعد وجود الشرائط وانتفاء الكراهة فإن وحده قام عن يمينه لا يتأخر عنه، والمعتبر في ذلك العقب، وإن كانا اثنين تقدم عليهما الإمام إلا لعذر كضيق المكان.
ومن سنن الاقتداء:
الجزء 1 · صفحة 27
أن يحاذي الإمام وسط الصف، ويكره أن يقوم في جهة طرفه، ويصف الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء، ثم المراهقات، وعلى هذا وضع جنائزهم، وفي القبر يوضع الرجال مما يلي القبلة، ثم سائرهم، ويجعل بين كل والآخر حاجزاً من تراب، ولو شرع في الفرض وحده ثم شرع الإمام فيه إن لم يقيد الركعة بسجدة رجع وشاركه وإلا أتم ركعتين ثم سلم وشارك الإمام، ولو كان في السنة قبل الظهر أو الجمعة فشرع الإمام في الظهر أو الخطبة يتم ركعتين، وإن لم يكن قيّد ركعة بسجدة، ولو صلى ثلاثاً يتمها لأن للأكثر حكم الكل، وإذا أتمها وحده أعاد في الجماعة، وكذا كل فرض أداه وحده إلا الفجر والعصر وفي المغرب خلاف، فعلى قول من يعيدها وهو الأحسن إذا سلم الإمام يقوم فيأتي بركعة لأن المعاد نفل، وإذا أذن في المسجد هو فيه كره له الخروج منه قبل الصلاة إن كان مسجد حيه، وإن لم يكن هو لكن صلى إمام مسجد حيه، وإن لم يصل إن خرج إلى مسجد حيه لا بأس، والأفضل عدم الخروج إلا أن يخرج لحاجة بعزم أن يجيء فيدرك.
ولو جاء والإمام في الفجر إن لم يخف فوت الكل يصلي ركعتي الفجر في غير مكان الإمام غير مخالط للصف، وإن خافه تركهما ثم لايصليهما بعد ذلك إلا عند محمد رحمه الله بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ولو كانت هذه الصورة والإمام في الظهر لا يشتغل بسنة، وإن كان لم يخف إلا فوت البعض لأنها تقضى بعد ذلك، فعند أبي يوسف رحمه الله يقضيها بعد الركعتين وهو الذي يظهر وجهه، وعند محمد رحمه الله قبلهما.
باب في العوارض:
الجزء 1 · صفحة 28
تعرض عوارض توجب زيادة حالة على ما ذكرنا أو تبديلها وذلك كسبق حدث، أو سهو، أو سفر، أو مرض، أو كسوف، أو جدب، سبق الحدث تقدم أن تعمده يفسد، والقياس في سبقه ذلك أيضاً إلا أن النص أطلق له البناء، والاستقبال أفضل، ويشترط له أن لا يكون الحدث موجباً للغسل، ولا قهقهة، أو جنوناً، أو كلاماً، أو إغماء، أو أكل حتى لو قاء ملء الفم ثم ابتلعه وهو يقدر على مجه لا يصح البناء.
ولا بفعل الغير: كأن ضربه الغير فشجه، وأن لا يكون منه قصد إلى سبب الحدث كما في غمز الدمل، وأن لا يوجد بعد ذلك منه ما يفسد من كشف عورة، حتى لو احتاج إلى ذلك فكشف فسدت، وكذا المشي بلا ضرورة كأن جاوز الماء المباح وذهب إلى أبعد منه، وأن لا يقف على مكانه بعد سبق الحدث؟ 59 هو إما إمام أو غيره، مقتدي أو منفرد، فالمنفرد إن شاء أتم في مكان طهارته وإن شاء عاد إلى مكانه، والمقتدي يعود إلى مكانه إلا أن يكون إمامه فرغ أو لا يكون بينهما ما يمنع.
الجزء 1 · صفحة 29
والإمام يستخلف غير المسبوق، وإن استخلف المسبوق ابتدأ من حيث انتهى إليه الإمام، فإن انتهى إلى السلام يقدم مدركاً يسلم بالقوم، ولو أفسدها بتعمد حدث أو نحوه لم تفسد صلاة الذين أدركوا صلاة الإمام، والإمام الأول إن كان فرغ لم تفسد صلاته وإلا فسدت على الأصح لأنه صار مؤتماً به، ولهذا لو لم يكن معه حين سبقه الحدث إلا من لا يصح الاقتداء به كالصبي والمرأة فسدت صلاته، وإن لم يستخلف على أحد القولين بناء على أنه يصير إماماً له، كما لو كان رجلاً فإنه يصير إمامه نوى أو لم ينو، أما لو استخلفه فسدت اتفاقاً، وإن كانت الخليفة لا يدري ما صنع الإمام ولا كم بقي عليه يصلي أربع ركعات، ويقعد في كل ركعة، ولو استخلف هو رجلاً والقوم آخر فالإمام من قدمه الإمام، وإن خرج من المسجد ولم يستخلف فسدت صلاة القوم، ولهذا لو تقدم رجل من غير تقديم قبل أن يخرج الإمام من المسجد جاز، وإن خرج قبل أن يصل الرجل إلى المحراب فسدت صلاة القوم إلا الإمام الذي سبقه الحدث، ولهذا لو صلى برجل فأحدثا وخرجا معاً فسدت صلاة المقتدي وحده، ولهذا أيضاً لو استخلف رجلاً من آخر الصفوف وخرج قبل أن يصل إلى مكان الإمام فسدت صلاة القوم.
والخليفة لو كان نوى أنه يصيرإماماً إذا قام مقام الأول، أما لونوى إمامتهم في مكانه والمسألة بحالها تصح صلاته وصلاة من خلفه وعن يمينه وعن شماله، وتفسد صلاة من كان متقدماً عليه من الصفوف.
والحاصل: أن خلو مكان الإمام بعد الخروج من المسجد في هذه المسائل مفسد لصلاة القوم، وقبل الخروج لا يفسد كأنه في مكانه، وعلى هذا تجري الصور، ولو توهم أنه أحدث فانصرف ثم تبين أنه لم يحدث إن كان خرج من المسجد فسدت وإلا أتم.
الجزء 1 · صفحة 30
وبيتها كالمسجد، وكذا لو كان في الصحراء فاتخذ السترة فإن لم تكن السترة فإن كان إماماً فمقدار الصفوف خلفه، وإن كان منفرداً فمقدار موضع سجوده من كل جانب، فلو أنه استخلف فيما نحن فيه ثم ظهر أنه لم يحدث فإن كان الخليفة أدى ركناً لم يكن له أن يأخذ الإمامة منه بل يقتدي به، وإن لم يؤد لكنه قام في المحراب كان له أخذها منه.
أما لو انصرف على أنه افتتح بلا طهارة ثم تبين خلافه فإنه يستقبل خرج أو لم يخرج، والأصل أنه إذا توهم فانصرف فإن كان ما توهمه بحيث لو تحققه أمكن معه البناء لم تفسد صلاته بالانصراف، إلا أن يخرج وإلا فسدت مطلقاً.
بيان السهو:
يسجد سجدتين بعد التسليمتين، واختار شيخ الإسلام كونهما بعد تسليمة ثم يتشهد ويسلم، ويجب بترك واجب مما ذكرنا كما إذا خافت فيما يجهر فيه وهو إمام، والقدر الموجب من ذلك ما تصح به الصلاة على الخلاف بينهم، ومن ترك الواجب زيادة ركوع أو سجود ساهياً وتأخير ركن عن محله كسجدة تركها ساهيا ثم تذكرها في ركعة أخرى، وكذا قراءة الفاتحة مرتين متواليتين في ركعة من الأوليين، أما إذا كررها في الأخريين فلا يجب، ولو قرأ الفاتحة ثم السورة ثم الفاتحة فلا سجود عليه، ولو زاد على التشهد في الأولى، وقدر بعضهم الزيادة بتمام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجب بقراءة القرآن في ركوعه، وسجوده أو تشهده، ولو ترك القنوت ثم تذكره بعد الرفع من الركوع لا يعود ولكن يسجد، بخلاف ما إذا تذكر بعد الرفع أنه ترك الفاتحة أو السورة على ما تقدم فإنه يعود ما لم يسجد، ويرتفض ما محله قبلها فيعيد، ولو تذكر حالة الركوع ففي عوده روايتان، ويسجد على كلا التقديرين، وكذا لو أخر السلام بأن ظن أنه سلم واستمر قاعداً ثم علم أنه لم يسلم فسلم.
الجزء 1 · صفحة 31
ولو خافت المنفرد فيما يجهر به لا سهو عليه، وكذا إذا جهر في السرية في ظاهر الرواية، ورواية ابن مالك رحمه الله عن أبي يوسف رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله أن عليه سجود السهو، وسهو الإمام يوجب السجود على المأموم إذا سجد ولو كان مسبوقاً عليه أ ن يسجد مع إمامه، ولو ظن الأمام أن عليه سهواً فسجد وتابعه المسبوق ثم علم أن الإمام لم يكن عليه سهو فيه روايتان، وأشهرهما أن صلاة المسبوق تفسد، وإن لم يعلم حال الإمام لا تفسد صلاة المسبوق، ولا سهو على المأموم إذا سهى، ولو قام إلى الثالثة من غير قعود فتذكر: إن كان إلى قعود أقرب عاد ولا سجود عليه، وإلا لم يعد وسجد.
بخلاف الخامسة إن قام إليها من غير قعود فإنه يجب أن يعود ما لم يسجد فيها، فإن سجد بطل فرضه بنفس الوضع عند أبي يوسف، وبالرفع عند محمد حتى يمكنه الإصلاح لو سبقه الحدث في السجود على ما سبق.
وإذا بطل الفرض فعليه أن يضم سادسة فتصير ستاً نفلاً، وعن محمد لا حاجة إلى الضم لأنه كلما بطل وصف الصلاة عنده بطل أصلها، وعندهما لا بل يصير نفلاً، ولو كان قعد بعد الرابعة لا يبطل الفرض بالسجود في الخامسة بل يضم أخرى فيكون الركعتان نافلة له، ثم لا تنوبان عن سنة الظهر والعشاء في الصحيح، ولو شك في صلاته أنه كم صلى وهو أول ما عرض له من الشك في تلك الصلاة أو مطلقاً على خلاف بين المشايخ فسدت صلاته، وإلا: فإن تحرى ولم يقع تحريه على شيء أخذ بالمتيقن، وإن وقع أخذ بما وقع عليه.
وإذا بالمتيقن يقعد في كل موضع يتوهم أنه موضع جلوس، مثاله: شك في الظهر وهو قائم أنها الأولى أو الثانية يتم الركعة ويقعد، ثم يأتي بأخرى ويقعد، ثم يأتي بأخرى ويقعد، ثم يأتي بأخرى ويقعد.
الجزء 1 · صفحة 32
ولا تأثير للشك بعد السلام، ولو شك بعد الفراغ من التشهد روي عن محمد رحمه الله أنه يتم صلاته ولا شئ عليه، وكذا في الوضوء كإن شك في مسح رأسه إن كان قبل الفراغ يمسح، وإن كان بعده لا يجب عليه، ولو أخبره مخبر بعد الفراغ أنه نقص من صلاته ركعة وعند المصلي أنه أتم لا يلتفت إلى إخباره، وإن شك في صدقه وكذبه فعن محمد رحمه الله أنه يعيد احتياطاً.
وإن أخبره عدلان لا يعتبر شكه ويجب الأخذ بقولهما، وإن لم يكن المخبر عدلاً لا يقبل قوله، وإن اختلف الإمام والمأموم فقالوا: ثلاثاً، وقال: أربعاً إن كان على يقين لا يأخذ بقولهم وإلا أخذ بقولهم.
وإن اختلف القوم والإمام مع أحد الفريقين أخذ بقوله ولو كان معه واحد، ولو استيقن واحد بالتمام وآخر بالنقصان وشك الإمام والقوم لا إعادة على أحد إلا على مستيقن النقصان، أما لو استيقن واحد بالنقصان ولم يستيقن واحد بالتمام بل هم واقفون فإن كان ذلك في الوقت أعادوها احتياطاً لعدم المعارضة ههنا، بخلاف ما قبلها وهذه الإعادة على وجه الأولى منه.
بيان السفر المؤثر:
بيان في الرخصة أن يقصد الإنسان مسيرة ثلاثة أيام وسطاً في الطريق الذي يأخذ فيه إن بحراً، أو براً، أو جبلاً، أو سهلاً، فلو لم يقصد لا رخصة له كالسائح، ويثبت الرخصة بمفارقة بيوت المصر من الجانب الذي يخرج منه، فيقصر الصلاة على سبيل الوجوب، إلا إذا اقتدى بمقيم في وقته فإنه يتم، بخلاف الإفطار بل إن كان لا يضره الصوم فالصوم له أفضل وإلا كره، ولا يزال على هذا حتى يتحقق أحد الأمرين:
الجزء 1 · صفحة 33
الأول: نية الإقامة خمسة عشر يوماً في موضع يصح فيه نية الإقامة كبيوت المدر والوبر من أهل البادية، فلهذا لا يصير مقيماً بالنية في المفازة إلا إذا لم يكن أتم ثلاثة أيام، لأن السفر لا يتم؟ 69 علة فنية الإقامة تمنع عن انعقاده سبباً لا رفعاً لحكمه بعد الانعقاد، ويعرف تمامه في العوارض المكتسبة من أصول فخر الإسلام، وكذا العسكر في أبنية من يحاصرونهم، ولا إذا لم يتوفى البيوت بل يرقب السفرغداً فبقي سنين فإنه يقصر، ولا إذا نوى أقل من خمسة عشر يوماً.
الثاني: أن يدخل وطنه الأصلي، ولو بنية السفر فيتم حتى لو خرج عنه فتذكر حاجة قبل أن يسير ثلاثة أيام فرجع لها لزمه الإتمام من حين توجه راجعاً.
والوطن الأصلي: هو ما ولد فيه ونشأ أو استوطنه بعد الذي نشأ فيه حتى انتقض ذلك به فلو دخل الأول بعد ذلك لا يتم إلا بالنية، ولو نوى الإقامة في موضعين قصر إلا إذا جعل بنية في أحدهما، وإن فاتته رباعية في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ولو فاتته في الحضر قضاها في السفر أربعاً.
ولو فارق وفي الوقت ما يسع التحريمة صلاها ركعتين، ولا يجوز اقتداء المسافر بالمقيم في الفائتة، ويجوز اقتداء المقيم بالمسافر، ويستحب له إذا سلم أن يعلمهم بسفر فيتموا ولا يقرأ المقيم فيما يتم.
المرض:
الجزء 1 · صفحة 34
إذا عجز المريض عن القيام أو كان يضعف ضعفاً شديداً أو يجد وجعاً أو يخاف بطأ برء صلى قاعداً، ولو منعه العذر عن بعض القيام لا كله قال الفقيه أبو جعفر: يقوم ما قدر ولو مجرد التحريمة، فإذا عجز قعد، ولو قدر على القيام متكئاً، قال الحلوائي: الصحيح أنه يصلي قائماً متكئاً لا يجزيه غيره، وكذا لو قدر على الاعتماد على عصا، أو حائط، أو كان له خادم لو توكأ عليه قدر على القيام، فإن لم يقدر على القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومى برأسه للركوع، وللسجود أخفض منه إلا إذا قدر عليه متكئاً أو مستنداً إلى حائط، أو إنسان ونحو ذلك فيصلي كذلك.
ومعنى هذا الاستلقاء: أن يمد رجليه إلى القبلة ويستند ظهره إلى شيء، وإلا فتمام الاستلقاء لا يقدر الصحيح معه على الإيماء بالرأس فضلاً عن السقيم، أشار إليه الشيخ حسام الدين رحمه الله، وإنما يتأدى الركن بتحريك الرأس، ولا عبرة بما يرفع برفعه إليه، ولو استلقى على جنبه أو وجهه إلى القبلة وأومى جاز، فإن لم يقدر على الإيماء برأسه أخر الصلاة، فإن صح ففي وجوب القضاء مع ثبوت العقل خلاف مبني على خلاف في أن العجز عن الإيماء بالرأس يسقط الصلاة أولاَ كما في الصحيح واختلفوا في الصحيح، والأحوط القضاء فلو أغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا أفاق، فإن كان أكثر من ذلك لم يقض شيئاً.
وكما يسقط القيام بالمرض يسقط في السفينة السائرة بعذر اتفاقاً، وبلا عذر عنده، ويكون مسيئاً.
والمربوطة في اللجة: إن كانت الريح تحركها تحريكاً شديداً كالسائرة، ولا يجوز فيها إلا قائماً، أما إذا كانت مربوطة بالشط وهي مستقرة على الأرض فهي كالأرض يصلي فيها قائماً، فإن لم تكن مستقرة على الأرض فظاهر ألفاظ بعضهم منع الصلاة فيها أصلاً، بل يخرج إلى الأرض لأنها كالدابة، وظاهر ألفاظ بعضهم الجواز قائماًَ.
الكسوف:
الجزء 1 · صفحة 35
يسن في كسوف الشمس أن يستوعب وقته بالصلاة والدعاء، فيصلي الإمام ركعتين كل ركعة بركوع واحد ويدعو بعدها حتى ينجلي الشمس، طوّل أحدهما وقصّر الأخرى، والأفضل أن يطيل الصلاة فيقرأ بنحو البقرة ويخفي، وإن لم يحضر الإمام صلى الناس فرادى.
وليس في الخسوف إلا الانفراد ولا خطبة فيهما، وهكذا يفعل في ظلمة شديدة، أو ريح عاصف، وصلى ابن عباس رضي الله عنه لزلزلة بالبصرة.
بيان الاستسقاء:
يخرج الناس للاستسقاء إلى ثلاثة أيام ولم ينقل أكثر من ذلك، يقدمون قبل ذلك صدقة في ثياب بذلة متذللين، خاشعين، مستغفرين، تائبين، يدعون الله سبحانه لا إله غيره، ولا مرجو إلا خيره، مستقبلين القبلة لدفع ما نزل بهم من الجدب، ولا يخرج أهل الذمة، ولو صلى الإمام بهم لم يكن سنة ولا مكروهاً عند الإمام، بل هو أمر جائز وعندهما سنة.
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.