الجزء 1 · صفحة 5
رسالة أبي داود السجستان فى وصف تأليفه لكتاب السنن
رواية أبى الحسين بن جميع عن محمد بن عبد العزيز الهاشمي
بتقدمة وتعليق
للإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثرى الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن سنن ابي داود ورسالته في وصف سننه
الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه وكل من سار على نور هداه.
وبعد:
فان كتاب السنن للإمام الحافظ الحجة أبى داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة 275هـ رحمه الله من أنفع كتب الحديث لمن يعنى بأحاديث الأحكام في الحلال والحرام حتى قال بعض الأصوليين بكفايته للمجتهد في الأحاديث، ولذا ترى الإمام أبا بكر أحمد بن على الرازي الجصاص عظيم الاهتمام به وجيد الاستحضار لأحاديثه خاصة في شرحيه على نسختي الجامع الكبير وشرحيه على مختصر الطحاوى ومختصر الكرخي وفى أحكام القرآن وغيرها من مؤلفاته بحيث تجد أحاديثه على طرف لسانه؛ يسوقها بسنده فيها كلما لزم مع سعة دائرة روايته فى أحاديث الأحكام من سائر دواوين الحديث.
ولسنن أبى داود نحو سبعة من الرواة عنه ف للؤلؤى وابن داسة منهم متقاربان في الرواية إلا في بعض التقديم والتأخير، وقد سقط من رواية ابن داسة من كتاب الأدب من قوله: (باب ما يقول إذا أصبح) إلى (باب الرجل ينتمى إلى
الجزء 1 · صفحة 7
غير مواليه) في بعض النسخ. وأما رواية ابن الأعرابي فتنقص عنهما كثيراً وقد سقط منها كتاب الفتن والملاحم وكتاب الحروف وكتاب الخاتم ونصف كتاب اللباس، وفاته من كتاب الطهارة والصلاة والنكاح أوراق كثيرة كما ذكره ابن حجر في (المعجم المفهرس) وابن طولون في (الفهرس الأوسط). وفي رواية أبى الحسن على بن الحسن بن العبد بعض زيادات تنفع في نقد الأحاديث، وكذا رواية اسحاق بن موسى الرملى وقد اختلفت الأنظار فى مراتب أحاديثه، وقد ذكر الذهبي في سير النبلاء:
ان أعلى ما في سنن أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة وشذوذ، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالباً، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالباً وقد يسكت عنه بحسب شهرة نكارته اهـ.
هذا في نقد الذهبي وفيها بعض ما ينافي ما نص عليه أبو داود في رسالته
ورسالته إلى أهل مكة فى وصف سننه مما لا يستغنى عنه باحث في مراتب أحاديث كتاب أبى داود فأسوقها هنا من خط الحافظ عبد الغني المقدسي لما فيها من الفوائد الجزيلة، وسندى فيها اجازة إلى ابن طولون بسماعه على ناصر الدين أبى البقاء بن زريق الحافظ سماعا من لفظ ابن ناصر الدين الدمشقى الحافظ سماعا من أبي هريرة بن الذهبي قراءة على أبي نصر محمد بن محمد بن
الجزء 1 · صفحة 8
الشيرازي عن أبي عبد الله عمر بن محمد السهروردى الزاهد عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطى عن ابن خيرون عن محمد بن على الصورى عن أبي الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغساني عن محمد بن عبد العزيز الهاشمى عن أبي داود رضى الله عنهم أجمعين.
ومن أحسن شروح سنن أبي داود شرح الشهاب بن رسلان أحمد بن محمد المقدمي تلميذ المزى، وهو محفوظ فى مكتبة (لاله لى) في الآستانة في أربعة مجلدات تحت رقم (498 - 501) وفي شروح المتأخرين مجازفات توجب التحرى البالغ والتحرز الشديد. وأما سندى إلى ابن طولون فمذكور في (التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز). وفيما علقت على (شروط الأئمة الستة لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي) وعلى (شروط الأئمة الخمسة للحازمي) بحوث تتعلق بشروط أبي داود لم أر إعادة ذكرها هنا اكتفاء بما هنالك. والله سبحانه هو ولى النفع.
محمد زاهد الكوثرى
الجزء 1 · صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة أبي داود
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم
أخبرنا الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن أحمد بن سلمان المعروف بابن البطى اجازة ان لم أكن سمعته منه، قال أنبأنا الشيخ أبو الفضل أحمد ابن الحسن بن خيرون المعدل قراءة عليه وأنا حاضر أسمع، قيل له أقرأت على أبي عبد الله محمد بن على بن عبد الله الصورى الحافظ قال سمعت أبا الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني بصيداً فأقربه، قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عون ابن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي بمكة يقول: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن اسحاق بن بشير بن شداد السجستاني، وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً هم فأملى علينا: سلام عليكم فتى أحمد إليكم الله الذي لا إله الا هو وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كلما ذكر.
أما بعد:
عنوان الله وإياكم عافية لا مكروه معها ولا عقاب بعدها دنكم سأنتم
الجزء 1 · صفحة 10
أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب ووقفت على جميع ما ذكرتم ه - سوا انه كذلك كنه إلا أن يكون قد روى من وجهين صحيحين فأحدهما أقدم إسناداً والآخر صاحبه قدم في الحفظ فربما كتبت ذلك ولا أرى فى كتابي من هذا عشرة أحاديث ولم أكتب فى الباب إلا حديثاً أو حديثين وان كان في الباب أحاديث صحاح لأنه يكتر.
وانما أردت قرب منفعته، واذا أعدت حديث في الباب من وجهين وثلاثة فانما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زيادة على الاحاديث وربما اختصرت الحديث الطويل لأنى لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك
وأما المرسل فقد كان يحتج به العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك ابن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعى فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد. حنبل وغيره رضوان الله عليهم، فاذا لم يكن مسند ضد المرسل ولم يوجد مسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة.
وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث (¬1) شيء وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره. وهذه
¬
(¬1) نكن دوافع انه أخرج من " ن عمرو بن واند الدمشقى، ومحمد عبد الرحمن البيلماني، وأي جناب سكني رسليمان بن أرقم، واسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهم في عداد المتروكين عند بعضهم، فلابد من تقييد كلام أبي داود هذا. ولذا قال ابن رجب في شرح عد الترمذي: مراده أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ماطهر له، أو المتروك منفق على تركه، فأنه قد أخرج لمن قد قيل فيه إنه متروك ولمن قد قيل فيه انه متهم بالكدب.
الجزء 1 · صفحة 11
الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك ولا كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، وعامته فى كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك من مصنفات حماد بن سلمة وعبد الرزاق.
وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه فى كتب جميعهم أعنى مصنفات مالك ابن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزاق.
وقد ألفته نسقا على ما وقع عندى، فن ذكر لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة نيس مما خرجته - عم أنه حديث واه إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر فنى لم أخرج الطرف لأنه يكتر على المتعلم.
ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيرى، وكان الحسن بن على الخلال د جمع منه قدر تسعمانة حديث، وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو تسعمائة حديث فقيل له إن أبا يوسف قال هي ألف ومائة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ يتلك الهنات (¬1) من هنا وهنا نحو
¬
(¬1) استكثار ابن المبارك ما ذكره أبو يوسف من أن عدد السنن ألف ومائة باعتبار ما عليه هو، لكن لمثل أبي يوسف من أئمة الاجتهاد المكثرين من الحديث نظر خاص في الرواة الذين عاشر وهم وفي عدد السنن غير نظر أمثال ابن المبارك من المجاهدين غير المتفرغين لاستنباط الأحكام. تطلب أحاديث الأحكام ومثل أبي يوسف يكون أدرى بشيوخه من منا يذيهم، وأنت تعلم قولهم في الحسن ابن عمارة وقول الرامهرمزى فيه فى (المحدث الفاصل) ومراد أبى داود من حكاية قول ابن المبارك هنا أنه زاد عليهما ما تراه عنده من عدد السنن؛ لكن السنة عند السلم هي الطريقة المسلوكة للمسلمين خلفا عن سلف الى حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم جماعة عن جماعة، وهذا أضيق من إطلاق السنة عند المتأخرين على ما يشمل خبر الآحاد (ز).
الجزء 1 · صفحة 12
الأحاديث الضعيفة.
وما كان في كتابي من حديث فيه ومن شديد فقد بينته (¬1)، وفيه ما لا يصح سنده، ومالم أذكر فيه شيئا فهو صالح (¬2)، وبعضها أصبح من بعض. وهذا لو وضعه غيرى لقلبت أنا فيه أكثر، وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم باسناد صالح الا (وهى) فيه إلا أن يكون (كلاماً) استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا.
ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب. ولا يضر رجلا أن لا يكتب شيئاً من العلم بعدما يكتب هذه الكتب. وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره.
¬
(¬1) وشهرة نكارة الخبر بين أهل الحديث تغنى عن البيان لظهور أمره بينهم في نظر الذهبي كحديث الأوعال (ز).
(¬2) أي للاعتبار أو للحجة وتعيين أحدهما تابع للقرينة القائمة كما هو شأن المشترك، وادعاء أنه صاخ للحجة تقويل لأبي داود مالم يقله، قال النووى: في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها فلا بد من تأويله اه ثم ناقض النووى نفسه في شرح المهذب واحتج فيه بما سكت عليه أبو داود إطلاقا وهذا ليس بجيد، وقد روى أبو داود عن أمثال ابن لهيعة وصالح مولى التوأمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان وسلمة ابن الفضل، ودلهم إن صالح وغيرهم من لضعفاء ساكتا عنهم وسكوته إنما يتبين بعد استقصاء الروايات المختلفة من كتاب السنن لأن في بعضها ماليس في الآخر (ز)
الجزء 1 · صفحة 13
وأما هذه المسائل مسائل الثورى ومالك والشافعي فهذه الأحاديث أصولها. ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان الثورى فانه أحسن ما وضع الناس في الجوامع
والأحاديث التي وضعتها فى كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهى عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير ذانه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى ابن سعيد والثقات من أئمة العلم، ونو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذى قد احتج به إذ كان الحديث غريبا شاذاً، فأما الحديث المشهور استصل الصحيح فيس يقدر أن يرده عليك أحد، وقال إبراهيم النخعى: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد ابن أبي حبيب إذا شبعت الحديث ذ نشده كما ننشد الضالة من عرف والا فدعه. وان من الأحاديث في كتابي السنن ماليس بمتصل وهو مرسل ومدلس وهو إذا لم توجد الصحاح عند عينة أمل الذين على معى أنه متصل وهو متل احسن عن جابر. والحسن عن أبي هريرة، والحكم من مقسم من ابن عباس، وليس بمتصل. وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث. وأما أبو اسحاق عن الحارث عن على علم يسمع أبو اسحاق من الحارث الا أربعة حاديث ليس فيها مسند واحد.
وأما ما فى كتاب السنن من هذا النحو فقليل والله ليس للحارث الأعور في كتاب السنن الاحداث واحد من كتبته أعرة وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يعني ذك على فربما تركت الحديث ادا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته وربما لم أنف عليه وربما أتوقف عن مثل هذه لانه ضرر على العامة أن
الجزء 1 · صفحة 14
يكشف لهم كل ماكان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث لان علم العامة يقصر عن مثل هذا السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل منها جزء واحد مراسيل. وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من المراسيل منها ما لا يصح ومنها ما هو مسند عن غيره وهو متصل صحيح ولعل عدد الذي في كتبي من الاحاديث قدر أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل
فمن أحب أن يميز هذه الاحاديث مع الالفاظ فربما يحييء حديث من طريق وهو عند العامة من طريق الاتمة الذين هم مشهورون غير أنه ربما طلب اللفظة التي يكون لها معان كثيرة. وممن عرفت نقل فى (¬1). هذه جميع الكتب فربما يجىء الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه غير متصل، ولا يتبينه السامع الا بأن يعلم الاحاديث ويكون له فيه معرفة فيقف عليه مثل ما يروى عن ابن جريج قال أخبرت عن الزهري. ويرويه البرسانى (¬2) عن ابن جريج عن الزهري، فالذي يسمع يظن أنه متصل، ولا يصح عنه، فانما تركناه لذلك، لأن أصل الحديث غير متصل ولا يصح وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير، والذى لا يعلم يقول قد ترك حديثاً صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول.
ولم أصنف في كتاب السنن إلا الاحكام ولم أصنف كتب الزهد وفضائل
¬
(¬1) وفى الأصل «من» (ز)
(¬2) محمد بن بكر الي معافي (3) (?) وفي آخر نسخة عبد الغني المقدى: (إن أما الحسن على بن الحسن - العيد سمع كتاب السنن من أبي داود ست مرار. وان في كتاب أبي داود ... ة آلاف حديث وأن أربعة آلاف حديث منها أصل وألفين مكرر، والبصرى يزيد على البغدادى ستمائة حديث و نيف وستين حديثا والف كلمة ونيفاً). وهذا يخالف ماهنا فليحرر (ز)
الجزء 1 · صفحة 15
الاعمال وغيرها فهذه الاربعة الآلاف والتمانمائة " كلها في الاحكام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما وحسبنا الله ونعم الوكيل.
منقولة من النسخة المحفوظة بظاهرية دمشق: حديث 348 (188) وفي الاصل بعض وقفات مع كونه بخط الحافظ عبد الغنى المقدسي. والحمد لله أولا وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.