الجزء 1 · صفحة 5
عيسى بن أبان وأثره الأصولي في باب السنة عند الحنفية - دراسة أصولية تطبيقية -
Issa bin Aban and his fundamentalist impact on the Sunnah chapter of the Hanafi jurisprudence Individuals an Usuli Applied Study
د. أحمد سلامة الشروش
Dr.Ahmadsalamehalshroosh
أستاذ مساعد، كلية الفقه الحنفي، جامعة العلوم الإسلامية، الأردن
Ahmad.shroosh93@yahoo.com
الجزء 1 · صفحة 6
عيسى بن أبان وأثره الأصولي باب السنة عند الحنفية – دراسة أصولية تطبيقية -
الملخص
يهدف هذا البحث إلى بيان أثر عيسى بن أبان في استقرار جملة من القواعد الأصولية في باب السنة عند الحنفية، من خلال بيان أبرز جوانب سيرته العلمية، ومنزلته في المذهب، والكشف عن أهم القواعد الأصولية التي جاءت عنه في باب السنة مما نقله الأصوليون. واعتمد الباحث المنهج الاستقرائي والتحليلي؛ لبيان الأثر الأصولي الذي أنتجه ابن أبان في باب السنة، وتقديم نماذج تطبيقية عليها.
وكان من أبرز نتائج البحث: أن الفقيه الأصولي عيسى بن أبان من أوائل من ألف في أصول فقه الحنفية، وهو أول من كشف عن منهج الحنفية في التعامل مع السنة من حيث العمل والترك، كما أن له أثراً كبيراً في استقرار جملة من أهم القواعد الأصولية في باب السنة في أصول الحنفية، كان من أبرزها: تقسيم السنة باعتبارات، من حيث الطريق الناقل، والإنقطاع الظاهر والباطن، وأن الحديث المرسل أقوى من المسند، وأن للحنفية منهجاً خاصاً في باب السنة، يختلف عن منهج المحدثين، ولا يحاكم منهج بأصول منهج آخر.
الكلمات المفتاحية: عيسى بن أبان. ... القواعد الأصولية. ... السنة. ... المذهب الحنفي.
الجزء 1 · صفحة 7
Issa bin Aban and his fundamentalist impact on the Sunnah chapter of the Hanafi jurisprudence Individuals an Usuli Applied Study
Abstract
This research aims to show the impact of Issa bin Aban in the stability of several fundamentalist rules in the chapter of the Sunnah when the Hanafi, through the statement of the most prominent aspects of his scientific biography, and his status in the doctrine, and to reveal the most important fundamentalist rules that came from him in the chapter of the Sunnah of what was transmitted by the fundamentalists. The research is based on method of induction and analysis to show fundamentalist impact produced by Ibn Aban in the chapter of Sunnah, and to provide applied models on them. One of the most prominent results of research: that the fundamentalist jurist Issa bin Aban of the first to write in the origins of Hanafi jurisprudence, which is the first to reveal Hanafi approach in dealing with Sunnah in terms of acceptance and response, and it also has a significant impact on the stability of a number of the most important fundamentalist rules in the chapter of Sunnah in the origins of Hanafi, the most prominent of which was: the division of the Sunnah considerations, in terms of the carrier route, and the apparent and internal interruption, and that the hadith sent is stronger than the Musnad, and that the tap has a special approach In chapter on Sunnah, it differs from the approach of the modernists, and one approach is not judged by the origins of another method.
Key words: Issa bin Aban. ... Usuli fundamentalist. ... The Sunnah. The Hanafi Jurisprudence
الجزء 1 · صفحة 8
المقدمة
الحمد الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فجعله نوراً وعلماً بعد ظلمة وجهالة، والصلاة والسلام على خير الورى، وآله وخلفاءه والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وبعد،
قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 83)، فقد أولى الأصوليون باب السنة اهتماماً كبيراً في دراساتهم؛ إذ إنها الأصل الثاني من أصول الشرع التي يرجع إليها المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية.
والعلم بالسنة وأقسامها وما يعد منها من أحاديث الأحكام شرطاً للمجتهد الذي ينظر فيها لاستنباط الأحكام، وهذا ما كان من الإمام أبي حنيفة – رحمه الله -، وسار من بعده مجتهدو المذهب، فصار بذلك منهجاً مستقلاً يختلف عن منهج المحدثين من بعده، مع العلم بأن كل منهج بالنظر إلى أصوله وقواعده صحيحٌ لا يُحاكمُ بمنهج الآخر.
ونظراً لأهمية السنة في أصول المذهب الحنفي، وكثرة الاتهامات التي تثار عليهم، تصدى الإمام عيسى بن أبان لذلك ببيان منهج الحنفية في باب السنة، بإظهار القواعد الأصولية التي تعامل من خلالها الحنفية مع أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
لذا رغب الباحث في إفراد هذا الموضوع بدراسة خاصة، تظهر أثر عيسى بن أبان في باب السنة في أصول المذهب الحنفي.
أهمية البحث:
تكمن أهمية البحث في الأمور الآتية:
1 - إعانة طلبة العلم الشرعي على معرفة منهج الحنفية في باب السنة، وأن لهم أصولاً خاصة في قبول الأحاديث وردها، تختلف عن منهج وطريقة المحدثين.
2 - بيانه مجموعة من القواعد الأصولية التي جاءت عن عيسى بن أبان في باب السنة، وقد استقر عليها المذهب الحنفي في أصوله.
3 - يعالج مشاكل كثيرة قديمة جديدة، وهي الدعاوى التي يشيعها من لم يطلع على منهج الحنفية في باب السنة.
4 - مساعدة المختصين بعلم أصول فقه المذهب الحنفي في باب السنة بإثراء مكتبة أصول الفقه.
مشكلة البحث:
تتلخص مشكلة البحث في الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1 - ما منزلة عيسى بن أبان في المذهب الحنفي؟
2 - ما القواعد الأصولية التي نقلت عن عيسى بن أبان في باب السنة؟
الجزء 1 · صفحة 9
3 - ما الأثر الذي أنتجه عيسى بن أبان في باب السنة في المذهب الحنفي؟
أهداف البحث:
يلتمس الباحث من خلال هذا البحث تحقيق الأهداف الآتية:
1 - إبراز سيرة عيسى بن أبان وفضله وأسباب تفقهه.
2 - بيان الآراء الأصولية التي جاءت عن عيسى بن أبان في باب السنة.
3 - بيان منهج الحنفية في باب السنة من حيث تقسيم السنة، وأسباب قبول ورد بعض الأحاديث.
4 - الكشف عن أهم القواعد الأصولية التي نقلت عن عيسى بن أبان واستقرت عليها أصول المذهب الحنفي في باب السنة.
الدراسات السابقة:
في حدود تقصي الباحث حول المواضيع ذات الصلة بموضوع البحث، فإنه لم يقف على دراسة خاصة تناولت أثر عيسى بن أبان في باب السنة خاصة، وإنما تناول بعض الباحثين جزءاً يسيراً مما جاء عنه في المذهب الحنفي بشكل عام، والدراسات التي لها صلة بهذا البحث:
1. دراسة: خزنة، هيثم عبد الحميد علي، (الاختلافات الأصولية بين مدرستي العراق وسمرقند وأثرها في أصول الفقه الحنفي)، رسالة دكتوراة، الأردن، الجامعة الأردنية، (2004م).
فقد تناول الباحث في دراسته الاختلافات الأصولية بين مدرستي العراق وسمرقند، ومما تناوله في دراسته عند بيان أثر مدرسة العراق الأصولية أثر عيسى بن أبان، ولكنه لم يخصص مبحثاً مستقلاً يبين من خلاله سيرته وآثاره الأصولية التي نقلت عنه.
2. دراسة: خليفة، كيلاني محمد، (منهج الحنفية في نقد الحديث بين النظرية والتطبيق)، رسالة ماجستير، القاهرة، كلية دار العلوم، ط1 (1431هـ، 2010م)، دار السلام للنشر والتوزيع والترجمة.
وقد خصص الباحث دراسته في بيان منهج الحنفية في قبول ورد الحديث، من خلال عرض أصولهم وأصول المحدثين في التعامل مع الأحاديث النبوية، والكشف عن الاختلافات الأصولية بين المدرستين في باب السنة؛ بذكر ما استند إليه الحنفية في نقد الحديث، مبيناً ذلك بشواهد كثيرة على منهجهم في قبول ورد بعض الأحاديث.
ومما تناوله الباحث أيضاً مما له صلة بموضوع البحث: الانقطاع الظاهر والباطن في الفصل الثاني والثالث من دراسته، إلا أنه لم يتعرض خلال الفصلين إلى منشأ القواعد الأصولية في باب الانقطاع الذي يعد سبباً في وصف الحديث بالشذوذ، وهذا ما يظهره موضوع البحث، بكونه منقولاً عن عيسى بن أبان.
3. الهواري، يوسي، (جهود عيسى بن أبان الحنفي الأصولية)، مجلة الحضارة الإسلامية، كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، جامعة وهران، تاريخ النشر (2010م-1431ه)، العدد (14).
الجزء 1 · صفحة 10
تناول الباحث خلال بحثه نماذج من جهود عيسى بن أبان الأصولية في المذهب الحنفي، وقد جعل بحثه عاماً يشمل جميع القواعد الأصولية، كما لم يتناول في بحثه سيرة عيسى بن أبان ومنزلته في المذهب الحنفي.
4. دراسة: الكبيسي، صهيب عباس عودة، (منهج الأصوليين الحنفية في الاستدلال بالسنة النبوية)، رسالة دكتوارة، 1435هـ-2014م، ط1، مكتبة الرشد، ناشرون، المملكة العربية السعودية، الرياض.
خصص الباحث دراسته في بيان المنهج الأصولي الذي سار عليه أصوليو الحنفية في الاستدلال، وقد ضمّن دراسته جميع القواعد الأصولية في تفسير النصوص، من مثل: دلالات النصوص وما يتعلق بها من مسائل، والقواعد الأصولية في باب تعارض الأدلة. وقد خصص الباحث الفصل الثالث من الباب الأول في دراسته ببيان الخبر عند أصوليي الحنفية، واشتمل على أقسام الخبر، وشروط قبول خبر الواحد والمرسل من الأخبار، دون التعرض إلى سبب استقرار المذهب على بعض هذه القواعد.
واستكمالاً لما بذله الباحثون في الدراسات السابقة، جاء هذا البحث متمايزاً عنها بما يأتي:
1 - بيان سيرة الإمام عيسى بن أبان، وفضله واظهار أسباب تمذهبه وتفقهه.
2 - الكشف عن القواعدالأصولية التي جاءت عن عيسى بن أبان في باب السنة واستقر المذهب عليها.
3 - بيان منهج الحنفية في باب السنة، واظهار الاختلافات الأصولية بين مدرسة الحنفية والمحدثين.
4 - بيان أثر عيسى بن أبان في أصول الحنفية، وحصر الدراسة على باب السنة.
منهج البحث:
استعان الباحث في دراسته بالمنهج الوصفي الإستقرائي، والمنهج التحليلي:
1 - المنهج الوصفي الاستقرائي: لتتبع سيرة عيسى بن أبان من المظان التي اختصت بتراجم الفقهاء، وتتبع عبارات الأصوليين التي بينت أثره في أصول الفقه لا سيما في باب السنة.
2 - المنهج التحليلي: عمدت إلى تحليل عبارات الأصوليين التي نقلوها عن ابن أبان في باب السنة، وبيان منزلتها في أصول المذهب.
خطة البحث:
يحتوي البحث على مقدمة ومبحثين وخاتمة كما يأتي:
المبحث الأول: عيسى بن أبان نسبه وعلمه ومنزلته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عيسى بن أبان أسمه ونسبه ونشأته.
الجزء 1 · صفحة 11
المطلب الثاني: علمه ومصنفاته ومنزلته في المذهب الحنفي.
المبحث الثاني: أثرعيسى بن أبان الأصولية في باب السنة، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تقسيم السنة باعتبار الطريق الناقل.
المطلب الثاني: حجية أخبار الآحاد.
المطلب الثالث: تقسيم السنة باعتبار الإنقطاع.
المطلب الرابع: القواعد الأصولية في باب تعارض الأدلة.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.
الجزء 1 · صفحة 12
المبحث الأول: ترجمة عيسى بن أبان ومنزلته في المذهب الحنفي
المطلب الأول: عيسى بن أبان: اسمه ونسبه ونشأته
هو الشيخ الإمام أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة بن موسى البصري البغدادي (¬1)، ولم يذكر أحد ممن يرجع إليهم في التراجم تاريخ مولده، كان ابن أبان ذكياً سخياً واسع العلم والفطنة (¬2)، فمما جاء عن وصف سخاءه أنه قال:" والله لو أتيت برجل يفعل في ماله كفعلي لحجرت عليه" (¬3).
اشتغل ابن أبان - رحمه الله – بالحديث حفظاً وضبطاً وشرحاً، إلى أن دخل مكة المكرمة في ذي الحجة، ينوي الإقامة فيها شهراً، وقد كان يُتم صلاته حتى جاءه أصحاب أبي حنيفة –رضي الله عنهم-، فقالوا له: أخطأت؛ إنك تخرج إلى منى وعرفات، ثم قصر الصلاة بعد ذلك، فقالوا: أخطأت؛ إنك مقيم بمكة ولست مسافراً، فقال: أخطأت في مسألة في موضعين، ولم ينفعني ما جمعت من الأخبار، فدخل بعد ذلك مجلس محمد بن الحسن، وقد كانت هذه الحادثة من أسباب طلبه الفقه (¬4).
ومما دعا ابن أبان إلى طلب الفقه ما روي عن ابن سماعة –رحمة الله- قال: كان عيسى بن أبان يصلي معنا وأدعوه إلى مجلس محمد بن الحسن فيأبى، ويقول: إنهم يخالفوا حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وقد كان حافظاً ضابطاً لأحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى أن صلّى معنا ذات يوم الصبح، فجلس وسمع من محمد بن الحسن، فقال ابن سماعة: يا إمام هذا ابن أخيك بن أبان بن صدقة ذكي حافظ للحديث، ويقول: إنكم تخالفون حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فقال محمد: ما الذي وجدتنا نخالف به حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فسأله ابن أبان عن خمسة وعشرين باباً من الحديث فأجابه عنها وأظهر له المنسوخ منها والناسخ، مستنداً إلى أدلة وشواهد على نسخها (¬5).
ولما وصل ابن أبان إلى أن الحديث والفقه لا يستقل أحدهما عن الآخر، لزم محمد بن الحسن لزوماً شديداً قارب ستة أشهر، وقال بعد ذلك:" كان بيني وبين النور سترٌ فارتفع عني، ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس " (¬6).
وهذه النتيجة التي توصل إليها ابن أبان من مجالسته الإمام محمد بن الحسن، أن الحديث والفقه لا يستقل أحدهما عن الآخر، متقررة عند الأصوليين والمحدثين، فكما جاء عن الأعمش – رضي الله عنه- عندما كان يسأل الإمام أبا حنيفة – رضي الله عنه- عن مسائل، فيجيبه، فقال بعد ذلك:" يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة" (¬7).
وعليه: فإن معرفة أصول الحنفية في باب السنة، ونظرتهم لها من حيث التقسيم والعمل والترك، ينبغي أن يتنبه إليها؛ إذ بمعرفتها تنتفي الدعاوى التي تثار من قبل من لا يعرف بها، كما كان من
¬
(¬1) عمر بن رضا بن محمد راغب بن عبد الغني كحالة الدمشقي (ت: 1408ه)، معجم المؤلفين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مكتبة المثنى، ج8، ص18. مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني المعروف بحاجي (ت:1067ه)، سلم الوصول إلى طبقات الفحول، تحقيق: محمود عبد القادر الأرناؤوط، تدقيق: صالح سعداوي، تركيا، مكتبة إرسيكا، 2010م، ج2، ص433. أبو الفداء زين الدين أبو العدل قاسم بن قطلوبغا الجمالي الحنفي (ت: 879ه)، تاج التراجم، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دمشق، دار القلم، 1413ه/1992م (ط1)، ص226 - 227. بتصرف يسير.
(¬2) ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، 226 - 227
(¬3) محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني (ت: 855ه)، مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، بيروت، دار الكتب العلمية، 1427ه/2006م (ط1)، ج2، ص432 - 433.
(¬4) ينظر: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت: 483ه)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1414ه/1993م، بدون طبعة، ج1، ص237. علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (ت: 587ه)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، 1406ه/1986م (ط2)، ج1، ص98.
(¬5) ينظر: الحسين بن علي بن محمد بن جعفر أبو عبد الله الصيمري الحنفي (ت: 436ه)، أخبار أبي حنيفة وأصحابه، بيروت، عالم الكتب، 1405ه/1985م (ط2)، ص132.
(¬6) عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي محيي الدين الحنفي (ت: 775ه)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، كراتشي، مير محمد كتب خانه، ج1، ص401. أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ص132.
(¬7) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (ت:463ه)، الفقيه والمتفقه، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، السعودية، دار ابن الجوزي، 1421ه (ط2)، ج2، ص163. عبد المجيد محمود عبد المجيد، الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري، مصر، مكتبة الخانجي، 1399ه/1979م، ص126.
الجزء 1 · صفحة 13
عيسى بن هارون الهاشمي الذي جاء بهذه الدعاوى إلى المأمون (¬1)، أو ممن تأخذه عاطفة خاطئة يظن أن ترك الحنفية لحديث ما يعني القول بالرأي وترك الأحاديث.
وهذا ما بينه الفقيه عيسى بن أبان؛ فقد صنف مصنفات بيّن فيها منهج الحنفية في باب السنة، وأن لهم منهجاً خاصاً في باب السنة؛ وذلك لعدة عوامل، منها: قرب الإمام الأعظم – رضي الله عنه- لزمن النبي – صلى الله عليه وسلم- مما ميزه بوجود أحاديث وحدانيات وثنائيات، أي: يكون بينه وبين النبي – صلى الله عليه وسلم- راوٍ وراويان (¬2)، وهذه المزية كانت السبب في عدم اهتمامه بعلم الرجال من حيث التصحيح كما هو الشأن عند المحدثين (¬3). ومما أضاف له هذه المزية أنه كان في الكوفة التي اشتهر فيها العلم، بأنه علم متوارث ونقل مدرسي نقله جمع عن جمع، وكان من أصوله ترك الحديث الخاص إن كان مخالفاً لما عليه عمل الكافة (¬4).
فما جاء به عيسى بن أبان دليل واضح على أن ثمة فرقاً بين الحنفية والمحدثين، يُستنتج من خلاله أن العدالة تقتضي عدم محاكمة منهج بنى أصولاً خاصة به بمنهج آخر مختلف؛ إذ إن كلا المنهجين صحيح بالنظر إلى أصوله وقواعده التي سار عليها، وهذه اللفتة التي بينها ابن أبان تؤسس إلى فهم عميق بأصول الحنفية في باب السنة، مبيناً ذلك بشواهد وأدلة تثبت حقيقة منهجهم من حيث تقسيم السنة، والقواعد التي من خلالها تركوا العمل بأحاديث معينة.
المطلب الثاني: علمه ومصنفاته ومنزلته في المذهب الحنفي:
تتلمذ الإمام عيسى ابن أبان على الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وروى عن إسماعيل بن جعفر، وهُشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وأخذ عنه بكار بن قتيبة، وأبو خازم القاضي، والحسن بن سلام السّواق وغيرهم (¬5). وقد تولى القضاء بالبصرة بعد أن عُزل إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة سنة إحدى عشرة ومآتين، روى بكار بن قتيبة عن هلال بن يحيى: أنه ما تولى القضاء في الإسلام أفقه من عيسى بن أبان في وقته (¬6). وتوفي – رحمه الله- يوم الأربعاء بعد أن رجع من الحج في محرم سنة إحدى وعشرين ومآتين للهجرة ودفن في البصرة (¬7).
مؤلفاته:
صنف الإمام عيسى بن أبان مصنفات عديدة، منها: إثبات القياس، وخبر الواحد، والحجة الكبير، والحجة الصغير، واجتهاد الرأي، والجامع، والعلل في الفقه، والشهادات (¬8)، وقد كانت محل اهتمام الفقهاء من بعده قرابة قرنين، ثم فقدت ولم يكتب لها البقاء (¬9)، وقد نقل إلينا منها كبار المذهب كالإمام الجصاص –رحمه الله- الشيء الكثير في كتابه الفصول في الأصول (¬10).
وعليه: فإن عيسى بن أبان أصبح فقيهاً بعد أن كان مشتغلاً بالحديث؛ لأنه تفقه على محمد بن الحسن الشيباني بعد أن كان حافظاً ضابطاً لحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (¬11)، ومما يدل على ذلك: سبب تصنيفه كتاب الحجة الصغير، فقد صنفه رداً على من يدعي رد أخبار الآحاد، ويقول بأن الحنفية يخالفون أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وتارة يأخذون بالآحاد وتارة يتركونها، فقد طلب المأمون من فقهاء عصره أن يردوا على دعاوى من ينكر أخبار الآحاد، ويأتي له بالحقيقة حول نظرة فقهاء الحنفية إلى أحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، هل
¬
(¬1) ينظر: الصيمري، أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ص147.
(¬2) ينظر: سراج الدين أبي حفص عمر الغزنوي الحنفي (ت: 773ه)، الغرة المنيفة في ترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة ومعه إعلام الأنام باستيعاب مذهب الإمام أبي حنيفة لأحاديث الأحكام، تحقيق: صلاح محمد أبو الحاج، الأدرن، دار الفاروق، 1441ه/2020م (ط1)، ص96. وهذه الأحاديث بلغت سبعة أحاديث، جمعها أبو المكارم عبد الله بن حسين بن أبي بكر بن أبي القاسم النيسابوري الحنفي، في كتابه: الأحاديث السبعة عن سبعة من الصحابة الذين روى عنهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله، تحقيق: لطيف الرحمن البهرائجي القاسمي، المكتبة الإمدادية، مكتبة الحرمين، 1425هـ/2004م، ط1.
(¬3) ينظر: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي ابن أبي حاتم (ت: 327ه)، الجرح والتعديل، الهند، دائرة المعارف العثمانية، 1271ه/1952م (ط1)، ج1، ص5 - 6. محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي أبو حاتم الدارمي البستي (ت: 354ه)، الثقات، إشراف: محمد عبد المعيد خان، حيدر آباد الهند، دائرة المعارف العثمانية، 1393ه/1973م (ط1)، ج1، ص11 - 12.
(¬4) أحمد بن أبي سعيد الأميتهوي الهندي الحنفي المشهور بملا جيون (ت:1130ه)، نور الأنوار في شرح المنار، تخريج واعتناء: صلاح محمد أبو الحاج، الأردن، دار الفاروق، 1441ه/2020م (ط1)، ص323.
(¬5) ينظر: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (ت: 748ه)، سير أعلام النبلاء، القاهرة، دار الحديث، 1427ه/2006م، ج8، ص471. أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (ت: 476ه)، طبقات الفقهاء، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار الرائد العربي، 1970م (ط1)، ص137.
(¬6) ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص226 - 227. القرشي، الجواهر المضية، ج1، ص401.الصيمري، أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ص149 - 150.
(¬7) ينظر: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (ت: 463ه)، تاريخ بغداد وذيوله، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417ه (ط1)، ج11، ص160. أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زبر الربعي (379ه)، تاريخ مولد العلماء ووفاياتهم، تحقيق: عبد الله أحمد سليمان الحمد، الرياض، دار العاصمة، 1410ه (ط1)، ج2، ص490. أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ص132.
(¬8) ابن قطلوبغا، تاج التراجم، 226 - 227. كحالة، معجم المؤلفين، ج8، ص18.
(¬9) ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص226 - 227.
(¬10) ينظر: هيثم عبد الحميد علي خزنة، الاختلافات الأصولية بين مدرستي العراق وسمرقند وأثرها في أصول الفقه الحنفي، رسالة دكتوراة، الأردن، كلية الشريعة، الجامعة الأردنية، 2004م، ص13. أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (ت:370ه)، الفصول في الأصول، الكويت، وزارة الأوقاف الكويتية، 1414ه،1994م (ط2).
(¬11) ينظر: الشيرازي، طبقات الفقهاء، ص137.
الجزء 1 · صفحة 14
يخالفونها كما قيل، كما ادعى عيسى بن هارون عندما أتى بأحاديث وقال: إن الحنفية يخالفونها (¬1)، فأتى إليه إسماعيل بن حماد ويحيى بن أكثم بكتاب يرد هذه الدعاوى، إلا أنها لم تكن تجيب عن الدعاوى التي نشرها بعض الناس ممن لا يعرفون أصول الحنفية في تقسيمهم السنة والإحتجاج بها، فلما سمع عيسى بن أبان بذلك صنف الحجة الصغير، وبيّن فيه وجوه الأخبار وأقسامها من حيث نقلها، وما يجب قبوله منها وما يترك ويرد، وكيفية المخلص من المتعارض منها، ووضع للأحاديث أبواباً يذكر فيها حجة الإمام أبي حنيفة – رضي الله عنه- ويبين مذهبه فيها، فأحضره إلى المأمون –ولم يسبق له أن دخل مجلسه-، فلما قرأه المأمون أنشأ يقول (¬2):
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم (¬3)
ومما جاء في وصفه ما قاله الإمام الكوثري – رحمه الله-:" وعيسى ابن أبان هذا جبل من جبال العلم ... إلى قوله: والحاصل أن عيسى بن أبان جبلاً من جبال الحجاج في الفقه" (¬4).
ويتبين مما سبق: أن الإمام ابن أبان من أوائل من َصَنف في علم أصول الفقه بعد الإمام الشافعي –رضي الله عنه-؛ وقد ثبت ذلك في مناظراته للشافعي (¬5)، وكذلك في مصنفاته التي صنفها، ولا سيما كتاب الحجة الصغير، وكتاب الحجج الكبير في الرد على قديم الإمام الشافعي، وغيره مما كان موضع اهتمام لمن تبعه من فقهاء المذهب الحنفي (¬6)، ومما يدل على ذلك أيضاً: أن أول شرح لرسالة الإمام الشافعي كانت - للصيرفي رحمه الله-330هـ، في حين أن ابن أبان صنف كتاب الحجة وبين فيه أصول الحنفية في باب السنة خاصة (¬7)، وقد صنف أبو العباس بن سريج البغدادي الشافعي (ت: 306هـ) كتاباً يرد فيه على ما جاء من آراء في كتب عيسى بن أبان (¬8).
وعليه: فإن عيسى بن أبان يعد أول من نقل أصول مدرسة الفقهاء في باب السنة، فقد جاء عن الإمام الشافعي – رضي الله عنه- في كتابه الرسالة وكتاب اختلاف الحديث تقرير أصول مدرسة المحدثين في باب السنة (¬9)، ومن ثم صنف ابن أبان مبيناً نظرة المذهب الحنفي – مدرسة الفقهاء- إلى السنة وتقسيمها، مبيناً الاختلافات الأصولية بين المدرستين.
وقد استقر المذهب الحنفي ونقله أصحاب أبي حنيفة، ونقله عنهم تلاميذهم، وقد برع ابن أبان من بينهم؛ فإنه إضافة إلى كونه من رواة كتب ظاهر الرواية عن محمد بن الحسن، كان مؤسس مدرسة أهل العراق، فقد كان المذهب يقوم على مدرستين في الأصول: مدرسة العراق، ومدرسة سمرقند، كما بين هذا كثير من أصوليي المذهب (¬10)، ومدرسة العراق أسسها ابن أبان، ورسّخ فيها آراءه الأصولية، التي كانت في الغالب نقلاً عن شيخه محمد بن الحسن، ومن ثم جاء بعده الكرخي وتلميذه الجصاص، وكان الجصاص يورد كثيراً من أقوال ابن أبان الأصولية صراحة ومقايسة (¬11).
¬
(¬1) ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص227.
(¬2) ينظر: الصيمري، أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ص148 - 149.
(¬3) ابن قطلوبغا، تاج التراجم، 226 - 227.
(¬4) محمد زاهد بن الحسن الكوثري، (ت:1371ه)، بلوغ الأماني في سيرة الأمام محمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنه، درب الأتراك، المكتبة الأزهرية للتراث، ط (1419ه-1999م)، ص49.
(¬5) ينظر: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (ت: 681ه)، شرح فتح القدير، بيروت، دار الفكر، ج3، ص492. يوسي الهواري، جهود عيسى بن أبان الحنفي الأصولية، مجلة الحضارة، كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، جامعة وهران، العدد: 14، 2010م، ص27.
(¬6) أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (ت: 189ه)، الحجة على أهل المدينة، تحقيق وعناية: مهدي حسن الكيلاني القادري، حيدر آباد، إحياء المعارف النعمانية، ط بيروت، عالم الكتب، ص4.
(¬7) الهواري، جهود عيسى بن أبان الحنفي الأصولية، ص28.
(¬8) ينظر: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت: 676ه)، تهذيب الأسماء واللغات، بيروت، دار الكتب العلمية، ج2، ص252. أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني (ت: 385ه)، المؤتلف والمختلف، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1406ه/1986م (ط1)، ج3، ص1273.
(¬9) ينظر: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب القرشي (ت: 204ه)، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، مصر، مكتبة الحلبي، 1358ه/1940م (ط1). محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204ه)، اختلاف الحديثمطبوع بآخر كتاب الأم، بيروت، دار الفكر، 1403ه/1983م (ط2).
(¬10) ينظر: عبد العزيز بن أحمد بن محمد علاء الدين البخاري (ت: 730ه)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، بدون طبعة، ج1، ص304. سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت: 793ه)، شرح التلويح على التوضيح، مصر، مكتبة صبيح، بدون طبعة، ج1، ص69. خزنة، الاختلافات الأصولية بين مدرستي العراق وسمرقند، ص12.
(¬11) خزنة، الاختلافات الأصولية بين مدرستي العراق وسمرقند، ص12. الجصاص، الفصول في الأصول. الكتاب نفسه.
الجزء 1 · صفحة 15
المبحث الثاني: أثر عيسى بن أبان الأصولية في باب السنة
المطلب الأول: تقسيم السنة باعتبار الطريق الناقل
أولاً: أقسام الخبر في أصول الحنفية:
إن مما جاء عن عيسى بن أبان – رحمه الله- بيان وجوه الأخبار ومراتبها عند الفقهاء، وهذا ما نقله عنه الجصاص، فقد أورد ابن أبان في كتابه " الرد على بشر المريسي " منهج الحنفية في تقسيم السنة، وأن منشأ هذا التقسيم التفريق بين أنواع العلم ابتداءً، فقد بيّن – رحمه الله – أن الأخبار على ثلاث مراتب (¬1):
1 - أخبار يحيط العلم بصدقها، وصدق المخبر بها.
2 - أخبار يحيط العلم بكذبها، وكذب المخبر بها.
3 - أخبار تحتمل الصدق والكذب.
ويستنتج من هذا أن ابن أبان فيما جاء عنه في كتابه الرد على بشر المريسي، أن العلم على نوعين: علم ضروري بدهي، وعلم استدلالي نظري، فما كان من الأخبار وارداً على سبيل لا يشك السامع في صدقه؛ لأنه خبر يفيد علماً يعرفه السامع بالبداهة، كخبر: أن السماء فوقنا، فإنه دليل على صدق المخبر به، أو كذبه إن علم السامع أنه كذب بداهةً، كخبر فرعون بادعاءه الربوبية، وما كان منها وارداً فيما يُحتاج فيه إلى نظر واستدلال فإنه نظري يحتمل الصدق والكذب، كما يجوز أيضاً احتمال الكذب من الذي أخبر به، وهذا حال أخبار الواحد أو من لم يبلغوا حد الاشتهار والتواتر (¬2).
وقد كان هذا التقسيم سبباً في بيان مراتب الأخبار، ووضع معايير منضبطة للحكم على الأخبار من حيث قبولها وردها، فما كان منها في حيز العلم الضروري الذي يحصل بجماعة لا يُشك في صدقهم، فإنه دليل صدقه وصدق المخبر به، وما كان منها في حيز العلم النظري الاستدلالي، فإنه يحتاج حينئذ إلى تمحص في الخبر ومخبره.
وهذا بدوره مَهد للحكم على منكر هذه الأخبار، فما كان منها ضروري بدهي، حكم بكفر منكرها، وما كان منها غير ذلك فيكون شبهة يدرأ بها الحكم بكفر منكرها، وعليه فإن الأخبار عنده إما متواترة أو مشهورة أو آحاد، وعلى هذا التقسيم استقر عليه المذهب (¬3).
ثانياً: تقسيم السنة من حيث الطريق الناقل " سلسلة الرواة ":
تنقسم السنة من حيث الطريق الناقل إلى ثلاثة أقسام: فالخبر إن رواه جمع يؤمن اجتماعهم على الكذب، يكون متواتراً يفيد علماً ضرورياً يكفر جاحده، ودليل المتواتر عنده أنه يفيد علماً ضرورياً، وما كان من الأخبار يفيد العمل دون العلم فيكون مشهوراً؛ لكونه اشتهر في الطبقات
¬
(¬1) الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص35.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، 3/ 35 - 37. محمد بن أحمد بن سهل شمس الأئمة السرخسي (ت: 483ه)، أصولالسرخسي، بيروت، دار المعرفة، ج1، ص292.
(¬3) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص36 - 37. أبو الحسن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم فخر الإسلام البزدوي (ت: 482ه)، أصول البزدوي، كنز الوصول إلى معرفة الأصول، كراتشي، مطبعة جاويد بريس، ص153. أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي (ت: 430ه)، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق: خليل محيي الدين الميس، بيروت، دار الكتب العلمية، 1421ه/2001م (ط1)، ص212 - 213. ملا جيون، نور الأنوارشرح متن المنار للنسفي، ص305.
الجزء 1 · صفحة 16
الثانية والثالثة، فإن منكره يضلل ولا يكفر، وما كان منها يفيد العمل دون العلم ولم يشتهر في أي من الطبقات الثلاثة فإنه يكون آحاداً، وهذه الثلاثة فقط هي أقسام السنة من حيث الطريق الناقل (¬1).
والتقسيم الذي جاء به ابن أبان للسنة، مع أن الجصاص الذي نقله عنه، خالفه وجعل المتواتر على ضربين (¬2)، ولكن المذهب استقر على ما جاء عن ابن أبان (¬3)، ويستفاد منه أيضاً أن ما جاء به من بيان تقسيم الحنفية للسنة، كان يبين من خلاله منهج الحنفية "الفقهاء" في تقسيم السنة، وأن مذهبهم في باب السنة ينطلق من كون الأحاديث إما متواترة وإما مشهورة وإما آحادية، يختلف عما جاء به المحدثون من بيان تقسيم السنة؛ فإن المشهور عندهم لا يعد قسماً مستقلاً إنما قسماً تحت الآحاد (¬4)، وهذا الاختلاف الأصولي بين المدرستين في تقسيم السنة، كان سبباً في اختلافهم في كثير من المسائل (¬5).
ثالثاً: يحكم على الحديث بأنه متواتر أو مشهور أو آحاد بالنظر إلى الطبقات الثلاثة دون غيرها:
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم" (¬6)، وإنما قيد اعتبار التواتر والاشتهار في هذه الطبقات دون غيرها؛ لما تميزت به من العدالة، وكذلك لأن أكثر الأحاديث قد اشتهرت بعد هذه القرون الثلاثة، وتظهر فائدة حصرها في القرون الثلاثة: أن المتواتر والمشهور يزاد بهما على القرآن الكريم، وهذا الأمر لا بد له من ضابط يضبط به؛ حتى لا يزاد على الكتاب بما لا يرقى إلى مرتبته (¬7).
رابعاً: أثر القرائن في معرفة حد التواتر والحكم بقطعية ثبوته:
المتواتر من الأخبار هو: ما يرويه جماعة عن جماعة لا يتصور توافقهم على الكذب؛ لكثرتهم (¬8)، أو هو ما اتصل نقله بلا شبهة (¬9)، ومنهم من قيّد تعريفه بأن يرويه جمع لا يحصى عددهم (¬10)، وقد اختُلف في تحديد العدد الذي يحصل به التواتر، فقد قيل: سبعة، وقيل: عشرون، وأربعون، وسبعون (¬11)، إلا أن المعيار الذي يُعرف به التواتر: تتابع النقل ممن يؤمن تواطئهم على الكذب عادة، فلا يشترط تحديده بعدد معين (¬12)، فمما نقل الجصاص عن ابن ابان:" إنه ليس لما يوجب العلم من هذه الأخبار حد معلوم، ولا عدة محصورة، وقال أيضاً: إن العشرة والعشرين قد لا يتواتر بهم الخبر" (¬13).
وهذا ما استقر عليه المذهب في بيان حد التواتر (¬14)، وهو ما جاء به عيسى بن أبان، فقد بين فيما نقله عنه الجصاص بقوله: إننا إذا أوقفنا الناس راجعين من الحج، وسألناهم، فأجابوا: إننا حججنا ووقفنا بعرفات، علمنا ضرورة بان خبرهم صادق، مع وجود احتمال كذب أحدهم فيما يخبر عن نفسه، وهذه القرينة التي من خلالها عرفنا صدق قولهم دون التفات إلى عددهم (¬15).
¬
(¬1) ينظر: الشاشي، أصول الشاشي، ص272. الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ص212. البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج2، ص368.
(¬2) المتواتر عند الجصاص على ضربين: الأول: يعلم بخبره باضطرار، من غير نظر ولا استدلال، لما يقارنه من الدلائل الموجبة للعلم بصحته. والثاني: لا يوجب العلم. وما لا يوجب العلم منه على قسمين. الأول: يوجب العلم. والثاني: لا يوجبه. ينظر: الجصاص، الفصول في الاصول، 3/ 36 - 37.
(¬3) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص152 - 153. نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي (ت: 344ه)، أصول الشاشي، بيروت، دار الكتاب العربي، ص269. ملا جيون، نور الأنوار شرح متن المنار للنسفي، ص305 - 306.
(¬4) ينظر: البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، 2/ 368. محمد بن محمد بن سويلم أبو شهبة (ت:1403ه)، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، دار الفكر العربي، ص198. أبو حفص محمود بن أحمد بن محمود طحان النعيمي، تيسير مصطلحالحديث، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1425ه/2004م (ط10)، ص30.
(¬5) ينظر: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت: 276ه)، تأويل مختلف الحديث، مؤسسة الإشراق، المكتب الإسلامي، 1419ه/1999م (ط2)، ص14 - 15.
(¬6) محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، (ت: 256ه)، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر، كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، دار: طوق النجاة، 1422ه (ط1)، ج8،ص91، رقم الحديث:6429.
(¬7) ينظر: البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج2، ص368.
(¬8) الشاشي، أصول الشاشي، ص272. الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص37.
(¬9) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص150. ملا جيون، نور الأنوار شرح متن المنار للنسفي، ص304 - 305.
(¬10) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص150. ملا جيون، نور الأنوار شرح متن المنار للنفسي، ص305.
(¬11) ينظر: محمد عبد الحليم بن محمد أمين اللكنوي (ت: 1304ه)، قمر الأقمار لنور الأنوار في شرح المنار، راجعه: محمد عبد السلام شاهين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415ه/1995م (1)، ج2، ص5.
(¬12) ينظر: الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ص22. اللكنوي، قمر الأقمار لنور الأنوار في شرح المنار، ص4 - 5.
(¬13) الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص35.
(¬14) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص282 - 283. ملا جيون، نور الأنوار شرح متن المنار للنسفي، ص305.
(¬15) الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص36 و50.
الجزء 1 · صفحة 17
المطلب الثاني: حجية أخبار الآحاد
أولاً: الاحتجاج بأخبار الآحاد:
صنّف الإمام عيسى ابن أبان كتاباً خاصاً بأخبار الآحاد، وسماه خبر الواحد، كما صنف كتاب الحجة الصغير وكتاب الرد على بشر المريسي، وقد كانت هذه الكتب أول مصنفات تُظهر نظرة الحنفية لأخبار الآحاد، والاحتجاج بها، وأن للحنفية أصولاً وقواعد في قبولها وردها، ويظهر ذلك من سبب تصنيفها، وتعليق الجصاص عليها فيما ينقل عن ابن أبان بخصوص أخبار الآحاد والاحتجاج بها، فقد ردّ فيها ابن أبان على من أنكروا الاحتجاج بها، بقولهم: إنها لا توجب العلم فلا توجب العمل، مستدلين بقوله تعالى:" وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًاً " (الإسراء: 36) (¬1).
فأظهر لهم منهج الحنفية في قبولها، وساق عدداً من الأدلة التي تدل على قبولها، من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول (¬2)، ومنها على سبيل الذكر: قوله تعالى:"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" (آل عمران (187:، وقوله تعالى:" وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" (التوبة:122). وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يرسل رسلاً إلى الملوك، لكل ملك منهم رسولاً يحمله الدعوة إلى الإسلام ويُضمنها جملة من الأحكام (¬3)، وقد أجمع الصدر الأول من الصحابة والتابعين على قبول خبر الواحد (¬4)، وأن الخبر يصير حجة برجحان الصدق على الكذب، والآحاد رواته من الطبقة الأولى وهم عدول، فترجح بذلك صدقه فيكون مقبولاً (¬5).
ثانياً: اشتهار خبر الواحد يقويه لتخصيص عام الكتاب:
ومفاد هذا القول الذي عزاه الجصاص إلى عيسى بن أبان في كتابه الحجج الصغير، أن الخبر الخاص "الآحاد" لا يخصص عام الكتاب ولا ينسخه، ولكنه إن اشتهر وجاء مجيئاً ظاهراً يعرفه الناس دون نكير، فإنه يزاد به على الكتاب ويخصصه (¬6)؛ لأن خبر الواحد عندنا يجوز إثبات المقادير به (¬7)، كقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لا وصية لوارث" (¬8)، ولكن إن كان الحديث خاصاً لم يشتهر بين الناس، فإنه إن حمل على وجه لا يخالف ظاهر الكتاب حمل عليه، وإلا كان شاذاً متروكاً، كما ترك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- حديث فاطمة بنت قيس – رضي الله عنها- (¬9).
وقد أجاب الجصاص عن اعتراضٍ تقديره: أن ما يوجب العلم لا يترك بما لا يوجب العلم، والآحاد لا يوجب العلم، فأجاب - رحمه الله -: إن حديث الآحاد يرقى إلى رتبة المشهور والمتواتر في العمل، إذا اشتهر العمل به عند السلف، مع أنهم اختلفوا في شرائط قبوله، فيكون أخذهم للحديث والعمل به إجماعاً لا ينظر إلى من شذّ عنه (¬10).
¬
(¬1) ينظر: الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ص170.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص75.
(¬3) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص82 - 83. الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ص22.
(¬4) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص85. السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص328.
(¬5) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص154.
(¬6) ينظر: البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج3، ص9 - 10.
(¬7) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج1، ص173.
(¬8) ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت:273ه)، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العلمية- فيصل البابي الحلبي، ج2، ص906، رقم الحديث:2714. سيلمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي أبو القاسم الطبراني (ت:360ه)، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله، وعبد المحسن الحسيني، القاهرة، دار الحرمين، ج8/ص8، رقم الحديث:7791. حديث مرسل يحتج به، الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان (ت:385هـ)، سنن الدارقطني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1424هـ/2004م، ط1، ج5، ص171، رقم الحديث: 4151.
(¬9) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج1، ص156.
(¬10) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج1، ص175.
الجزء 1 · صفحة 18
ومما يبين أن احتجاج العامة بحديث الآحاد يقويه إلى مرتبة يوجب فيها العلم، قول الكوثري – رحمه الله -:" احتجاج الأئمة بحديث تصحيح له منهم، بل جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً به أنه يوجب العلم" (¬1).
وعليه: فإنه ينظر إلى أخبار الآحاد عندنا من حيث المعنى والعمل، فقبول عامة مجتهدي الصحابة والتابعين للحديث يجعله مشهوراً، وتركهم لروايته والعمل به يجعله شاذاً متروكاً، وهذا مما يعد من الاختلافات بين مدرسة الفقهاء والمحدثين في معنى الشذوذ في الحديث (¬2).
والقول بأن أخبار الآحاد إذا انتشرت بين الناس صارت في منزلة المشهور من حيث العمل، وهذا ما نسبه الجصاص إلى عيسى بن أبان، وهذا يعد سبقاً في التصنيف؛ فقد أسند الجصاص هذا القول إلى كتاب ابن أبان الحجج الصغير (¬3)، وما جاء به ابن أبان من قواعد أصولية في باب خبر الواحد كان نتاج التزامه في مجلس محمد بن الحسن الشيباني، فهذه القواعد الأصولية التي نقلها الجصاص وغيره عن ابن أبان هي بذاتها القواعد التي سار عليها أئمة المذهب في الاجتهاد، إلا أن ابن أبان قررها في كتبه، وناظر بها غير الحنفية؛ لبيان منهجهم في التعامل مع السنة النبوية كونها الأصل الثاني من أصول الشرع.
ثالثاً: الاجتهاد لمعرفة الناسخ من الأخبار المتعارضة ظاهراً:
إن مما جاء عن عيسى ابن أبان: أن المجتهد إن حصل عنده تعارض بين خبرين متقابلين، ولم يعلم تاريخهما؛ فإنه يدفع تعارضهما بالاجتهاد والنظر، فإن أخذت الجماعة بأحدهما؛ فإنه يكون ناسخاً للآخر، وإذا سوّغت الاجتهاد فيه، فإن ابن أبان يُجوّز المصير إلى خبر الواحد بالنظر والاستدلال، إلا أنه – رحمه الله – جعل ما أخذت به الجماعة ناسخاً (¬4).
وهذا ما استقر عليه المذهب: كما في الحديثين المتعارضين ظاهراً:
" المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" (¬5)، وقوله – صلى الله عليه وسلم-:" أنها تتوضأ لوقت كل صلاة" (¬6)، فكان الرجحان للخبر الثاني الذي فيه "لوقت كل صلاة"؛ لأنه شهدت له الأصول وعاضدته (¬7)، وكذلك ما أخذت به الجماعة يكون راجحاً على ما تركوه (¬8).
رابعاً: تقديم خبر الواحد على القياس إذا كان راويه فقيهاً:
قسّم ابن أبان طبقات الصحابة –رضي الله عنهم- إلى معروف ومجهول، وتحت المعروف قسمان: معروف بالرواية عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ضابطٌ وفقيه، ومعروف ضابطٌ ليس بفقيه، وبيّن أن فقه الراوي يكون مزيّة على غيره ممن ليس بفقيه؛ فقد كثرت آنذاك الرواية بالمعنى، والمعروف بالضبط والفقه ليس قصوره بفهم مراد النبي – صلى الله عليه وسلم- كقصور من ليس بفقيه (¬9)، ولذلك قدم خبره على القياس مطلقاً، كتقديم خبر عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – السهو بعد السلام على القياس (¬10). وأما من ليس بفقيه فصار في قبول خبره إلى الاجتهاد والتوفيق بينه وبين القياس، خلافاً للكرخي – رحمه الله-، إلا أن ما جاء به ابن أبان سار عليه أصوليو المذهب واستقر عندهم كما هو الحال في رد خبر المصراة (¬11).
¬
(¬1) محمد بن زاهد الكوثري (ت:1378ه)، مقالات الكوثري، مصر، المكتبة الأزهرية للتراث، (1414ه)، ص163.
(¬2) ينظر: صلاح محمد أبو الحاج، تهذيب مسار الوصول إلى علم أصول فقه الحنفية، الأردن، دار الفاروق، 1441ه-2020م (ط1)، ص169.
(¬3) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج1، ص156.
(¬4) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج1، ص415 و ج2، ص313.
(¬5) أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني (ت:275ه) سنن أبي داود، كتاب: الطهارة، باب: من روى أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العصرية، رقم الحديث:292، ج1، ص78. أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني البيهقي (ت:4458ه)، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، كتاب: الحيض، باب: المستحاضة تغسل عنها أثر الدم، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424ه-2003م (ط3)، ج1، ص512، رقم الحديث: 1635.
(¬6) مالك بن انس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت:179ه-795م)، موطأ مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني، باب: المستحاضة، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، المكتبة العلمية، (ط2)، حديث رقم: 82، ص52.
(¬7) ينظر: أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني، (ت:593ه)، الهداية في شرح بداية المبتدي، تحقيق: طلال يوسف، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص34. أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن مازه البخاري (ت:616ه)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424ه-2004م (ط1)، ج1، ص52. محمد بن محمد بن محمود أكمل الدين البابرتي (ت:786ه)، العناية شرح الهداية، دار الفكر، بدون طبعة، ج2، ص441.
(¬8) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج2، ص313 - 314. البابرتي، العناية شرح الهداية، ج2، ص441.
(¬9) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص159. السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص341.
(¬10) ينظر: الشاشي، أصول الشاشي، ص275.
(¬11) ينظر: الشاشي، أصول الشاشي، ص276. البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج2، ص378 - 383.
الجزء 1 · صفحة 19
وإن كان الراوي من القرون الثلاثة الأولى التي ترجح فيها جانب الصدق؛ لعدالتهم، مجهولاً بالرواية، فلا يحتج بروايته إلا أن تتأيد بقبول السلف بجماعتهم أو بعضهم، كما في رد حديث أبا هريرة – رضي الله عنه-" من أصبح جنباً، فلا صيام له" (¬1)، فلم يُعمل به وترك ورجع إلى القياس (¬2)، وإن لم تظهر روايته في السلف وتشتهر فيما بينهم؛ فإنه يجوز العمل بها ولا يجب، إذ الوجوب لا يثبت بطريق ضعيف (¬3)، كما في قول الإمام أبي حنيفة بجواز قبول شهادة المستور (¬4).
وعليه: فإن ما جاء به ابن أبان يبين أن الحنفية يتحرون أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم-، ويظهر ذلك من كونهم يقدمون خبر الواحد على القياس والرأي، لا كما يشاع بأنهم يقدمون الرأي على الحديث.
المطلب الثالث: تقسيم السنة باعتبار الإنقطاع
اتخذ أصوليو المذهب الحنفي منهجاً خاصاً في باب السنة؛ وقد ظهر ذلك في تقسيمهم السنة باعتبارات متعددة، منها: طريقة وصول الحديث إلينا، وهذا التقسيم تحته قسمان: أحدهما: ما كان اتصاله ظاهراً، سواء متواتراً أو مشهوراً، أو آحاداً. والآخر: ما كان منقطعاً، وانقطاعه إما في طريقة وصوله إلينا، وهو المرسل من الأخبار، أو كان متصلاً ولكن حكم بانقطاعه لأمور أخرى، وفي هذا المطلب نتناول أقسام السنة من حيث الإنقطاع، وبيان أهم الآراء الأصولية التي جاءت عن عيسى بن أبان واستقر عليها المذهب الحنفي في أصوله.
أولاً: الحديث المرسل أقوى من المسند:
إن مما تميزت به أصول الحنفية في باب السنة: قبول الحديث المرسل، وهذا ما جاء عن عيسى ابن أبان - رحمه الله – فإن المرسل عنده أقوى درجة من المسند (¬5)؛ لأن الذي يرسل الحديث قد تأكدت عنده صحة الحديث، وكثرت طرقه التي سمعه بها، وهذا ما قاله ابن سيرين – رضي الله عنه -:" ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة، فقال الأعمش قلت لإبراهيم: إذا رويت لي حديثاً عن عبد الله فأسنده لي، فقال: إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله فهو ذاك، وإذا قلت لك قال عبد الله فهو غير واحد " (¬6)، ولهذا كان المرسل أقوى من المسند، والإرسال كان أحد طرق تصحيح الحديث، وكذلك فإن من أرسل فقد استوثق، ومن أسند فقد أحال (¬7).
والحديث إن أرسله الصحابي أو من كان بعده من القرنين الثاني والثالث فمقبول، وإن أرسله من بعد القرون الثلاثة فغير مقبول خلافاً للكرخي، وهذا ما استقر عليه المذهب، وهو ما نقل عن عيسى بن أبان (¬8)؛ وذلك لأسباب منها: أن القرون الثلاثة الأولى كانت زمان عدالة، وأن الحنفية في قبولهم للحديث المرسل كانت نظرتهم إلى أن الذي يرسل ثقة، والثقة يعرف عمن أخذ فلا يروي عن غير ثقة (¬9). ومن الشواهد على قبول مرسل القرنين الثاني والثالث، ما نقل عن سعيد بن المسيب والحسن وغيرهم، أنهم كانوا يرسلون الحديث، وعندما يطلب منهم اسناده يسندونه إلى الثقات (¬10).
¬
(¬1) ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي أبو حاتم (ت: 354هـ)، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، كتاب: الصوم، باب: صوم الجنب، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1408هـ،1988م، ط1، ج8، ص263، رقم الحديث:3488. قال شعيب الارناؤوط: صحيح على شرطهما.
(¬2) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص344.
(¬3) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص344 - 345. ملا جيون، نور الأنوار شرح متن المنار، ص313 - 314.
(¬4) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص344. ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (ت:861هـ)، فتح القدير، دار الفكر، بدون طبعة، ج2، ص323.
(¬5) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص146.
(¬6) السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص361.
(¬7) الغزنوي، الغرة المنيفة في ترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة، ص142.
(¬8) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص363. ملا جيون، نور الأنوار شرح متن المنار، ص321 - 322.
(¬9) ينظر: البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج3، ص7.
(¬10) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص149.
الجزء 1 · صفحة 20
وقد قيّد عيسى بن أبان قبول مرسل من كان بعد القرون الثلاثة الأولى بكونه من أئمة الدين وأخذ عنه أهل العلم، ومن حمل عنه الناس الحديث المسند، وتركوا مرسله؛ فإن مرسله موقوف، يعرض على أهل العلم؛ فإن قبلوه كان تعديلاً، فيقبل، وإلا فلا (¬1)، وصرّح بقوله: "حملوا" دلالة على القبول، إذ السماع جائز في كليهما (¬2).
وقال الجصاص – رحمه الله – في شرح قول ابن أبان السابق:" أن مرسل التابعين وأتباعهم مقبول، ما لم يكن الراوي ممن يرسل الحديث عن غير الثقات، فإن استجاز ذلك لم تقبل روايته مرسلة كانت أو مسندة" (¬3). وقبول مرسل القرنين الثاني والثالث من التابعين وأتباعهم – رضي الله عنهم -، يعد من الاختلافات الأصولية بين الحنفية والمحدثين؛ حيث إن المحدثين لم يقبلوا بمرسل أتباع التابعين ومن تبعهم من العلماء، إذ إنه يعد عندهم معضلاً لا يحتج به (¬4).
ثانياً: أسباب رد أخبار الآحاد:
تقرر أن الإمام عيسى بن أبان بين أن للسنة أقساماً باعتبارات، منها: من حيث الطريق الناقل، ومنها: من حيث الإنقطاع، والإنقطاع على نوعين: ظاهر، وباطن، ويقصد بالإنقطاع الظاهر: الحديث المرسل، وقد ظهرت منزلته عند ابن أبان في القاعدة السابقة، وهذه القاعدة نبين فيها المقصود بالإنقطاع الباطن، والمعايير التي من أجلها ردّ الحنفية بعضاً من أخبار الآحاد.
عرّف الأصوليون الإنقطاع الباطن بأنه: ما كان متصل السند وانقطاعه بحصول نقص في شرائط الراوي المعنوية ومعارضته لما هو أقوى منه (¬5)، فالإنقطاع الباطن بذلك ينقسم إلى قسمين: أولاً: انقطاع الخبر بمعارضته لما هو اقوى منه " الكتاب، السنة المتواترة والمشهورة، ومعارضته لما اشتهر واستفاض بين الناس "أن يرد فيما تعم به البلوى"، أو أعرض عنه الصحابة الكرام – رضي الله عنهم-، ثانياً: حصول نقص في شرائط الراوي المعنوية (¬6)، وهي العقل والإسلام والعدالة والضبط، فلا يقبل خبر فقدت منه هذه الشروط أو أحدها (¬7).
والأمثلة التي ذكرها الأصوليون في بيان رد بعض أخبار الآحاد بسبب الإنقطاع الباطن بقسميه، أو ما سماه بعضهم بالشذوذ كثيرة (¬8)، لا يتسع البحث لحصرها، ومنها على سبيل التمثيل:
1 - يرد خبر الواحد إن كان معارضاً للكتاب، كما في رد خبر الوضوء من مس الذكر: قال -صلى الله عليه وسلم -: " من مس ذكره فليتوضأ" (¬9)؛ لمخالفته صريح قوله تعالى:"فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا " (التوبة: 108)، فقد مدح الله تعالى فعلهم (¬10) ولا يكون إلا بمس الذكر (¬11)، فيكون خبر الواحد بذلك مخالفاً له فيحكم بشذوذه ويترك (¬12). ويُرد كذلك لوروده فيما تعم به البلوى ويحتاجه الناس بعمومهم (¬13).
وكذلك رد خبر " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (¬14)، لمعارضته عموم الكتاب في قوله تعالى:"فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" (المزمل: 20).
2 - رد خبر القضاء بشاهد ويمين: عن ابن عباس –رضي الله عنهما-: "أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قضى بشاهد ويمين" (¬15)؛ بكونه معارضاً لقوله تعالى:" وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ " (البقرة: 282) (¬16)، ومعارضاً للسنة المشهورة (¬17): خبر:" البينة على
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج3، ص7.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص146.
(¬3) الجصاص، الفصول في الأصول، 3/ 146.
(¬4) ينظر: الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم النيسابوري (ت:405هـ)، معرفة علوم الحديث، تحقيق: السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1397هـ،1977م، ط2، ص26.
(¬5) ينظر: ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص322.
(¬6) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص173. السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص364. التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص18.
(¬7) ينظر: أبو الفداء زين الدين قاسم ابن قطلوبغا الجمالي الحنفي (ت: 879ه)، خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار، تحقيق: حافظ ثناء الله الزاهدي، دار ابن حزم، 1424ه/2003م (ط1)، ص135.
(¬8) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص175 - 179. ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص322 - 323.
(¬9) أبو بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي (ت:311ه)، صحيح ابن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمى، كتاب: الوضوء، باب: استحباب الوضوء من مس الذكر، بيروت، المكتب الإسلامي، بدون طبعة، ج1، ص22، رقم الحديث: (33). أبو دواد، سنن أبي داود، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر، ج1، ص46، رقم الحديث: (181). النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني (ت:303ه)، السنن الكبرى، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، كتاب: الطهارة، باب: الأمر بالوضوء من مس الرجل ذكره، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1421ه-2001م (ط1)، ج1، ص137، رقم الحديث: (159). حديث صحيح: الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي المعروف بابن البيع (ت:405ه)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411ه-1990م (ط1)، ج1، ص233.
(¬10) ينظر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري شمس الدين القرطبي (ت:671ه)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: هشام سمير البخاري، الرياض، دار عالم الكتب، ط (1423ه-2003م)، ج8، ص260.
(¬11) ينظر: البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ج3، ص11.
(¬12) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص365.
(¬13) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج2، ص299.
(¬14) البخاري، صحيح البخاري، كتاب: الآذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم الحديث:756، ج1، ص151.
(¬15) مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت:261ه)، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، بيروت، دار إحياء التراث العربي،، حديث رقم:1712، ج3، ص1337.
(¬16) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، 1/ 365.
(¬17) ينظر: ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص323.
الجزء 1 · صفحة 21
المدعي واليمين على المدعى عليه" (¬1)، وكما سبق بيانه: أن خبر الواحد إن لم يشتهر ويعمل به عند العامة فإنه لا يزاد به على الكتاب (¬2).
3 - يحكم على خبر الواحد بالشذوذ إن تركه الصحابة الكرام – رضي الله عنهم-: كما في عدم قبولهم خبر:" البكر بالبكر جلد مآئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مآئة والرجم" (¬3)، فإنهم – رضي الله عنهم- تركوا هذا الخبر، ومما جاء في بيان تركهم له: قول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: "والله لا أنفي أحداً أبداً" (¬4)، وقول علي –رضي الله عنه-:" كفى بالنفي فتنة" (¬5)، فكان تركهم للخبر دليل على علمهم بانتساخه (¬6).
4 - رد خبر الواحد إن كان وارداً فيما تعم به البلوى: إن عدم اشتهار الخبر مع وجود الحاجة الشديدة وعموم البلوى دليل على عدم صحته، وبالتالي يرد ولا يعمل به (¬7)، وهذا أصلٌ كبير في أصول الحنفية في باب السنة، فقد قال عيسى بن أبان – رحمه الله-:" ورد أخبار الآحاد لعلل عليه عمل الناس، وهو مذهب الأئمة من الصحابة، ومن بعدهم " (¬8)، وكذلك صرّح به البزدوي –رحمه الله-: بأن الحادثة إن اشتهرت وكثرت حاجة الناس لها مع خفاء الخبر، كان خفاؤه دليل شذوذه وانقطاعه (¬9)، وهذا خلافاً للمتكلمين؛ فإنهم يوجبوا قبول خبر الواحد بمجرد كون راويه عدلاً (¬10)، والأمثلة على رد أخبار الآحاد لعلة وروده فيما تعم به البلوى كثيرة، منها:
خبر لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب السابق، وخبر الآحاد في رفع اليدين عند القيام من الركوع، وخبر الآحاد في جهر الإمام بالبسملة في الصلاة، وخبر الآحاد في وجوب الاغتسال لمن غسّل ميتاً والوضوء من حمله (¬11)، وقد بيّن الجصاص –رحمه الله– في سياق كلامه عن رد أخبار الأحاد فيما تعم به البلوى بعد ذكر جملة من الأخبار السابقة:" إن لنا أصلاً في قبول الأخبار وشرائط نعتبرها فيه، فمتى خرج الخبر عنها لم نقبله" (¬12)، وهذا الأصل الذي قرره إنما هو نتيجة قول عيسى بن أبان -رحمه الله-، فإنه كما تقرر سابقاً يعد أول من نقل عنه قواعد وأصول الحنفية في التعامل مع أخبار الآحاد.
المطلب الرابع: القواعد الأصولية في باب تعارض الأدلة
أولاً: تساقط المبيح والحاظر إذا تعارضا ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر:
جاء عن عيسى بن أبان أن الخبرين إذا كان أحدهما مبيحاً والآخر حاظراً ولم يعلم تاريخهما، ولا مزيّة لأحدهما على الآخر فإنهما يتساقطان ويرجع في الحكم إلى الإباحة الأصلية (¬13)، وذكر أيضاً: أن دليل الإباحة يقدم؛ لأن دليل الإباحة لا يحتمل المعاني كما يحتملها دليل الحظر، إلا أن المذهب لم يستقر في أصوله على ما ذهب إليه (¬14)، بل جعلوا الخبر الحاظر متأخراً عن المبيح دلالة فيكون ناسخاً له، وبذلك يدفع تعارضهما، وفيه تقليلٌ للنسخ (¬15).
وهذه المسألة تفرعت من الأصل الذي يقتضي أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة، وهو ما اختاره العراقيون، وقد بينه الجصاص في أصوله، وساق عليه أمثلة، منها:" عندما سئل عثمان – رضي الله عنه- عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك " (¬16). كما في التعارض الحاصل بين قوله تعالى:" فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " (الملك: 15)، وقوله:" وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبرى، كتاب: الدعوى والبينات، باب: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، حديث: (21203)، ج10، ص427.
(¬2) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص365.
(¬3) مسلم، صحيح مسلم، كتاب: الحدود، باب: حد الزنا، حديث رقم:1690، ج3، ص1316.
(¬4) البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت:458هـ)، معرفة السنن والآثار، تحقيق: سيد كسوري حسن، باب: جلد البكر ونفيه، دار الكتب العلمية، بيروت، ج6، ص333. ابن قطلوبغا، قاسم بن قطلوبغا الحنفي، (ت:879هـ)، تخريج أحاديث أصول البزدوي، تحقيق: صلاح محمد أبو الحاج، نشر: مركز العلماء العالمي للدراسات، ط1، ص75. ولم أقف على حكم لهذا الأثر.
(¬5) ابن حجر، بو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت:852هـ)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني، كتاب: الحدود، دار المعرفة، بيروت، ج2،ص100، رقم الحديث: 663. وقال عنه: موقوف.
(¬6) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج2، ص7.
(¬7) لأنهم أهل عدالة ولا يتصور تقصيرهم في متابعة السنة. ينظر: الشاشي، أصول الشاشي، ص284.
(¬8) الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص117.
(¬9) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص177.
(¬10) ينظر: الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، ج1، ص362.
(¬11) ينظر: أبو الحاج، تهذيب مسار الوصول إلى علم أصول فقه الحنفية، ص225 - 231.
(¬12) الجصاص، الفصول في الأصول، ج1، ص402.
(¬13) البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص94.
(¬14) الجصاص، الفصول في الأصول، ج2، ص301 - 302.التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص219.
(¬15) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص204. زين الدين بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت:970ه)، فتح الغفار بشرح المنار، المعروف بمشكاة الأنوار في أصول المنار، تعليق: عبد الرحمن البحراوي الحنفي، مصر، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1355ه-1936م (ط1)، ج2، ص125.
(¬16) ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني (ت:606هـ)، جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الحلواني، 1392هـ، 1972م، ط1، ج11، ص496، رقم الحديث: 9059 ..
الجزء 1 · صفحة 22
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف: 31)، فالآية الأولى دليل يبيح الأكل والشرب مطلقاً، والثانية دليل حاظر يمنع الإسراف؛ فيقدم الدليل الحاظر على المبيح (¬1).
ثانياً: تعارض النافي مع المثبت:
إن مما جاء عن عيسى بن أبان – رحمه الله- أن النافي إذا تقوى بدليل غير ظاهر الحال فإنه يتعارض مع المثبت حينئذ ويصار إلى الترجيح بينهما (¬2)، ويقصد بالمثبت: ما يأتي بأمر زائد عارض، والنافي: ما يقوم بنفي الأمر العارض ويبقي الأمر على حاله (¬3)، والنافي على ثلاث درجات: إما أن يكون متقوياً بظاهر بالاستصحاب فقط، وإما أن يكون من جنس ما يعرف بدليله، وإما أن يكون مشتبه حاله (¬4)، وعليه: فالنافي إن كان من درجة ما يعرف بدليله فإنه يصير بقوة المثبت فيتعارض معه عند ابن أبان خلافاً للكرخي – رحمه الله- (¬5)، فالمثبت عنده أولى؛ لأن الدليل المثبت مؤسس، والنافي مؤكد، والمؤسس عنده أقوى من المؤكد، وتقديم النافي يلزم عنه تكرار النسخ (¬6).
وإن كان مشتبه حاله، كما في الإخبار عن نجاسة الماء أو طهوريته؛ فإنهم عملوا بالنافي فيها دون المثبت (¬7)، وتقديم النافي على المثبت كان واجباً في مثل هذه الحالة؛ لتساوي المخبرين في العدالة، وكان الترجيح بالأصل " الاستصحاب"، فإنه لا يصلح علة، ويصلح مرجحاً، خلافاً لمن قال بالترجيح بعدد الرواة (¬8).
وقد اختلف الأئمة المتقدمون في تعارض المثبت والنافي، فمنهم من عمل بالمثبت ومنهم من عمل بالنافي، ففي مسائل عملوا بالمثبت، وفي مسائل أخرى علموا بالنافي (¬9)، وما جاء عن ابن أبان من تفصيل تعارضهما أو عدمه كان منهجاً بيّن من خلاله القاعدة الأصولية التي يحتكم إليها هذا الباب.
وقال ابن أبان – رحمه الله- بأنه يزال تعارضهما بالترجيح بينهما؛ لأن ما يستدل به على صدق راوي الخبر المثبت من شرائط الراوي "العقل والضبط والعدالة والإسلام"، متحققة في راوي الخبر النافي، لذا صير إلى الترجيح بوجه آخر خارجي (¬10).
وقد ذكر الأصوليون مسائل كثيرة في باب تعارض المثبت والنافي، سواء كان مقتضاها تقديم المثبت، أو القول بتعارضهما والترجيح بينهما (¬11)، ولا يسع البحث لحصرها، ويمكن للباحث أن يورد هنا أشهرها، لا سيما ما كان فيه النافي من جنس ما يعرف بدليله. ومثاله:
ما جاء في حكم نكاح المحرم، فقد تعارضت الروايات فيها، فأحدها مثبت والآخر نافٍ كما يأتي:
الحديث الأول: ما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما-:" أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرم " (¬12).
الحديث الثاني: ما رواه يزيد بن الأصم – رضي الله عنه -:" أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو حلال" (¬13).
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج2، ص296 - 297 ..
(¬2) البزدوي، أصول البزدوي، ص204.
(¬3) ينظر: البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص97.
(¬4) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص208. ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص346 - 349.
(¬5) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص204. التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص219.
(¬6) ينظر: التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص219.
(¬7) البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص98.
(¬8) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص208.
(¬9) ينظر: البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص97.
(¬10) ينظر: البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص97.
(¬11) السرخسي، أصول السرخسي، ج2، ص23 - 24. ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص346. البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص98 - 99.
(¬12) البخاري، صحيح البخاري، كتاب: الحج، باب: تزويج المحرم، حديث رقم: 1837، ج3، ص15.
(¬13) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك أبو عيسى الترمذي (ت:279ه)، الجامع الكبير "سنن الترمذي"، تحقيق: بشار عواد معروف، كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط (1998م)، حديث رقم: 845، ج2، ص195.
الجزء 1 · صفحة 23
فما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما- يعد نافياً لما جاء في رواية ابن الأصم – رضي الله عنه- من كونه يثبت فيها أنه كان حلالاً، وقد جعل خبر ابن الأصم – رضي الله عنه – مثبتاً؛ لأن الروايات بمجموعها اتفقت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان محرماً، فصار بذلك الأصل أنه كان محرماً (¬1).
ومثل هذا التعارض بين الخبرين يدفع بترجيح أحدهما على الآخر، كما بين ذلك الجصاص – رحمه الله-: بأن تعارض الخبرين يكون على ثلاثة صور؛ منها: ما يدفع بالترجيح، ومنها: ما يدفع بالنسخ، ومنها: ما يكون حكمه الجمع بينهما، وهذه المسألة من جنس النوع الأول، الذي يدفع بالترجيح؛ لأن سبب تعارضهما غلط الراوي (¬2).
وما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما- يعد النافي، كما ظهر آنفاً، وهو من جنس ما يعرف بدليله (¬3)، وكان راجحاً على ما رواه ابن الأصم – رضي الله عنه-؛ لأن ابن عباس - رضي الله عنهما- معروف بالرواية والضبط، وابن الأصم ليس بفقيه؛ ومعلوم أن رواية من ليس بفقيه لا تتقدم على رواية من كان فقيهاً، وكذلك كان ترجيح الخبر النافي، ولأنه فسر قصة زواجه – صلى الله عليه وسلم-، فكانت روايته أولى، وهذا من قبيل ما تجعل فيه رواية من اختص بالضبط والإتقان أولى (¬4)، وهذا ما مر بيانه سابقاً – كون اشتهار الراوي بالضبط والفقه أعلى درجة من رواية غيره- (¬5) فكان الترجيح بحال الراوي (¬6)، ولا مزية هنا لكثرة عدد الراوة في أحدهما (¬7).
¬
(¬1) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص204. البخاري، كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، ج3، ص98.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص161.
(¬3) ينظر: ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص349.
(¬4) ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، ص208.
(¬5) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص349.
(¬6) ينظر: ملا جيون، نور الأنوار في شرح المنار، ص348 - 349.
(¬7) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ج3، ص172 - 173.
الجزء 1 · صفحة 24
الخاتمة وأهم النتائج والتوصيات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله في بدء وفي ختم، وفي نهاية البحث يمكن للباحث عرض أهم النتائج والتوصيات التي تمخض عنها البحث: وذلك على النحو الآتي:
أولاً: نتائج البحث: تتمثل أبرز نتائج البحث، في النقاط الآتية:
1 - إن الفقيه عيسى بن أبان من مؤسسي مذهب الحنفية؛ إذ إن منزلته بين مجتهدي المذهب في مرحلة تلاميذ الأصحاب، فهو تلميذ المجتهد المطلق محمد بن الحسن الشيباني، وهذه المرحلة تعد بداية تصنيف علم أصول فقه الحنفية، كما أنه من مؤوسسي مدرسة العراق الأصولية.
2 - إن عيسى بن أبان من أوائل من ناظر في أصول الحنفية، كما ظهر في مصنفاته التي بيّن من خلالها منهج الحنفية في باب السنة، ورد فيها على دعاوى وجّهت لهم، وأظهر من خلالها أهم الفروق الأصولية بين مدرسة الفقهاء والمحدثين في باب السنة وأقسامها.
3 - إن للفقيه عيسى بن أبان دوراً كبيراً في استقرار أصول الحنفية في باب السنة، لا سيما وقد استقر المذهب على كثير من القواعد الأصولية التي جاءت عنه، منها:
أ) تقسيم السنة باعتبار الطريق الناقل، والإنقطاع الظاهر والباطن.
ب) أن الإرسال يعد طريقة من طرق تصحيح الحديث عند الحنفية.
ت) أن للحنفية منهجاً خاصاً في قبول ورد الأحاديث، بالسير على قواعد أصولية يحكتمون إليها، وليس أخذاً بالرأي والتشهي.
ث) أن فقه الراوي يعد مزيّة ترجّح روايته على القياس، وهذا يكشف عن أهتمام الحنفية في أصولهم بأحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم -، كما ظهر في تقسيم الرواة من الصحابة – رضي الله عنهم – إلى معروف بالفقه والعدالة، أو بالعدالة دون الفقه.
ج) إن ما جاء به عيسى بن أبان من قواعد أصولية في باب تعارض الأخبار الواردة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، كما في تعارض المبيح والحاظر، والمثبت والنافي، يكشف عن حاجة الاجتهاد إلى النص والرأي، فالتعارض الظاهري بين النصوص يُدفع بقواعد أصولية يحتكم إليها المجتهد في دفع التعارض، وليس كما يثار بأن النصوص تتعارض كما في تعارض الكتاب والسنة الذي يتكئ عليه من يقول بترك السنة، وبذلك يكون ما جاء به ابن أبان رداً على مثل هذه الشبهات.
الجزء 1 · صفحة 25
ثانياً: التوصيات:
1 - قيام الباحثين بالدراسات الاستقرائية والتحليلية، التي توضح منهج الأصوليين في اجتهادهم في باب السنة، والقواعد التي ساروا عليها في استنباط الأحكام، وأن قبول الحديث أو رده يقوم على أصول وقواعد منضبطة.
2 - توجيه الدراسين المتخصصين في أصول الفقه إلى الدراسة عن منزلة السنة في بناء الأحكام، ونقد الأفكار التي يثيرها أصحاب الشبهات حول السنة المطهرة.
3 - عقد المؤتمرات والندوات العلمية التي تبين المنهج الذي تسير عليه المذاهب الفقهية المعتبرة في باب السنة، ومدى أهميتها في الاجتهاد كونها الأصل الثاني من أصول الشرع.