رد الحنفية على من ادعى مخالفة أصولهم
في شروط القياس و العلة المؤثرة
الباحث: الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
الرتبة الأكاديمية: الأستاذ المساعد في كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
hmdlain@yahoo.com
جارٍ تحميل الكتاب…
رد الحنفية على من ادعى مخالفة أصولهم
في شروط القياس و العلة المؤثرة
الباحث: الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
الرتبة الأكاديمية: الأستاذ المساعد في كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
hmdlain@yahoo.com
المستخلص
جاء هذا البحث لبيان رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم في شروط القياس والعلة، فقد ادعي أن الحنفية قد غيروا حكم النص بعد تعليله، وبذلك خالفوا شرط عدم تغير حكم النص بعد تعليله، كما في حديث " لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" بإخراج القليل من النص الدال على حرمة الربا في القليل والكثير، فلم يبق حكم النص بعد التعليل في الأصل عما كان قبله، كما اعتراض على الحنفية أنهم غيروا حكم النص بتعليلهم صلاحية الشاة للفقير؛ حال كونها مال صالح لقضاء حوائج الفقير؛ وقيمتها أيضا صالحة كذلك، فأجاب الحنفية على ذلك بأن التغيير جاء من النص نفسه وليس من العلة، فأقل مقدار في المكاييل الشرعية نصف صاع وما دونها هدر، كما بين الحنفية أن إخراج القيمة جاء من النص حيث اعتبر الشارع الكريم إخراج القيمة من غير جنس المال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (في خمس من الإبل شاة)، فكانت الشاة لبيان المقدار لا لبيان الحصر فيها، بالإضافة للعديد من الردود والمسائل المتناولة داخل البحث.
كما وجه نقض من قبل السائل للمعلل في بعض المسائل التي وجهت إلى العلة المؤثرة في القياس، فرفع الحنفية النقض: بالدفع بالوصف، أو بالمعنى الثابت بالوصف، أو بالحكم، أو بالغرض، ثم وجه معارضة على العلة المؤثرة عند الحنفية، فتم دفع المعارضة بالترجيح بين العلتين، بطريقين اثنين: الأول معارضة فيها مناقضة وهي القلب وتقسم إلى نوعين: الأول: قلب العلة حكما والحكم علة، والثاني: قلب الوصف شاهدا على الخصم، والطريقة الثانية: المعارضة الخالصة وتقسم إلى نوعين: أحدهما بالفرع، والثاني في علة الأصل.
وقد بين البحث ردود الحنفية على السائل بالدفع ونقض حججه بالطرق التي ذكرناها آنفا، كما بين أن الحنفية لم يخالفوا شروطهم بالقياس، وبقيت عللهم وفق ضوابطهم مؤثرة تميزت fالعدل والصلاح على ما سنذكره ونناقشه إن شاء الله.
الكلمات المفتاحية: أصول الفقه، الفقه، الشريعة.
Abstract
This research came to demonstrate the response of the Hanafis to those who claimed that they contravened their origins in terms of measurement and reason. You sell food for food except for the same "by giving out a small amount of the text indicating the prohibition of usury in a little and a lot, and you limit the sanctity of usury to a lot only. The text is the number of the explanation, where the tap explained the suitability of the sheep for the poor It is good money to fulfill different needs by selling it to the poor and spending its price on fulfilling his various needs, and its value is also valid as well, so the Hanafis answered that that the change came from the text itself and not from the reason, so there was no change, so the minimum amount in the legal measures is half a saa' (A standard used for comparison - measure) and Less than the minimum amount is a waste, as the Hanafis also indicated that the value output came from the text, where the honorable legislator considered the output of the value without the same type of money because he, may God bless him and grant him peace, said (there is a sheep in five camels). so the sheep was to indicate the amount, not to indicate the limitation in it, and the sheep was not of the same type of camels, in addition to many of the responses and issues discussed within the research ..
Some have also directed their arrows to veto the problem of the Hanafis in building legal rulings by analogy, claiming that they are not realized in building judgments on them, as the Hanafis was known to the people of influence, and the other school was known to the people of the regularity, so the questioner promote the veto in one of four ways: By pushing by description, or in the fixed meaning by description, by ruling, or by purpose, then he directed opposition to the reason influencing the Hanafis, so the opposition was pushed by weighting between the two causes, in two ways: the first is an opposition in which it is contradictory, which is the Reverse, and it is divided into two types: the first is the reversal of the cause by judgment and the judgment is a cause, and the second: Reverse the description is a witness to the opponent. And the second method: pure opposition, and it is divided into two types: the first by the Branch, and the second in the Cause of origination.
The research showed the responses of the Hanafis to the questioner by pushing and refuting his arguments in the ways that we mentioned above, and also showed that the Hanafis did not violate their conditions by analogy, and their Causes
remained according to their influential controls that distinguished by justice and righteousness on what we
Key words: Jurisprudence, Islamic Jurisprudence, shri'ah (Islamic Law)
المقدمة
تعد مدرسة الفقهاء -الحنفية- ومدرسة المتكلمين علمين شامخين في رسوخ علم أصول الفقه، والذي كان له الأثر في ضبط الفروع وحفظ الدين من المتلاعبين وغلبة الأهواء والتشهي، فشكلت المدرستان بنيانا مرصوصا أحاط بالدين من كل جانب.
وبالتدافع تنهض العلوم، فكان للتنافس بين المدرستين أثرا عظيما في إثراء الفقه وتقدمه، وشحذ الهمم في خدمته، فانعكس أثره إيجابا في خدمة علوم الدين، بين ماتن، ومحش، وشارح، وناظم، وكان لاختلاف أصول كل مدرسة عن الأخرى أثره على الفروع، فشرعت كل مدرسة بالدفاع عن أصولها وفروعها بالأدلة والحجة والبرهان.
وسيناقش هذا البحث رد مدرسة الفقهاء الحنفية على ما ادعته مدرسة المتكلمين بمخالفتها الأصول التي وضعت في شروط القياس، والعلل المؤثرة، وبيان الأصول السليمة التي لم يخالفها الحنفية في التفريع والتأصيل في القياس.
مشكلة البحث
يعتبر القياس من المصادر الرئيسة في التشريع الإسلامي، فكان محل اتفاق المذاهب الفقهية الأربع، إلا أنهم اختلفوا بالتأصيل والتقعيد بحسب أصول كل مدرسة، فجاء هذا البحث للرد على من ادعى مخالفة مدرسة الفقهاء الحنفية أصولهم في شروط القياس، وعللهم المؤثرة، فجاء البحث للإجابة عن ما يلي:
1 - ما المقصود بالقياس عند الحنفية؟
2 - ما الرد على من ادعى مخالفة الحنفية شروطهم في القياس؟
3 - ما الرد على من ادعى مخالفة الحنفية عللهم المؤثرة؟
أهمية البحث
تكمن أهمية البحث للدارسين الذين يهتمون بأصول المناظرة بين المدارس الفقهية، كما تكمن أهميته ببيان انعكاس هذه الأصول على الفروع، وإن الاختلاف الناتج بين المدارس ليس اختلاف دليل على وجه الحصر، وإنما هو اختلاف فهم بني على أصول متباينة بين المدرستين الأصوليتين.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى:
يهدف البحث إلى بيان أصول الحنفية في القياس وعدم مخالفتهم لها عبر تحقيق عدة أهداف:
1 - تعريف القياس عند السادة الحنفية.
2 - بيان صحة شروط القياس عند الحنفية واتساقها مع الأصول.
3 - إثبات صحة العلل المؤثرة وبطلان المناقضة لها.
4 - بيان صحة العلل المؤثرة وبطلان المعارضة لها.
محددات البحث
من خلال الدراسة فلا بد من ذكر المحددات التي التزمها الباحث:
1 - اقتصرت الدراسة على رد مدرسة الفقهاء الحنفية.
2 - لم تذكر حجج الخصم بالرد على الرد، إنما اقتصرت بذكر المدعى.
3 - اقتصر الرد على شروط القياس، والعلل المؤثرة فقط
الدراسات السابقة:
- إبراهيم، محمد علي، تحقيق القول في مخالفة بعض فروع الحنفية أصول المذهب، شبكة الألوكة، www.alukah.net/Sharia/o/22491/ ، حيث قام الباحث بتحقيق أقوال الحنفية في بعض فروع الفقه: كالحدود، والكفارات، والتقديرات، والرخص، وبين الباحث إن الحنفية لم يخالفوا أصولهم بذلك. إلا أن الدراسة أطنبت في تعريف القياس وشروطه، كما لم تقم بالمناقشة العميقة للأدلة الأصولية والرد عليها، إنما جاءت بشكل مقتضب، ولم يكن هناك عمق في المسائل الأصولية والتدليل عليها.
ولم أقف على دراسات متخصصة في بيان دفوع المذهب الحنفي عن أصوله على طرق آداب المناظرة التي اعتمدت في كتابة هذا البحث.
منهج البحث
أولا: المنهج الوصفي: من خلال وصف المسألة، وبيان الحجج والبراهين وعرضها وتصورها.
ثانيا: المنهج التحليلي: من خلال عرض المسائل وتحليلها، لمعرفة محل النزاع وتحريره
ثالثا: المنهج المقارن: من خلال مقارنة الأقوال، والأصول والقواعد، ومعرفة نقاط الالتقاء والاختلاف.
رابعا: المنهج الاستنباطي: من خلال استنباط النتائج المبنية على مقدمات التحليل والمقارنة.
خطة البحث
المبحث الأول: تعريف القياس وشروطه وركنه
- المطلب الأول: تعريف القياس لغة
- المطلب الثاني: تعريف القياس اصطلاحا
- المطلب الثالث: شروط القياس
- المطلب الرابع: أركان القياس
المبحث الثاني: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم شروطهم في القياس
- المطلب الأول: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم في الأموال الربوية.
- المطلب الثاني: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم بدفع القيمة في الزكاة.
- المطلب الثالث: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم بتغيير مصارف الزكاة، والتكبير، وإزالة الخبث بالتعليل.
المبحث الثالث: ردود الحنفية على من ادعى نقض عللهم ومعارضتها:
- المطلب الأول: الرد على من ادعى نقض العلة المؤثرة.
- الفرع الأول: الدفع بالوصف
- الفرع الثاني: الدفع بالمعنى الثابت بالوصف
- الفرع الثالث: الدفع بالحكم
- الفرع الرابع: الدفع بالغرض
المطلب الثاني: الرد على من ادعى المعارضة للعلة المؤثرة عند الحنفية.
الفرع الأول: معارضة فيها معنى المناقضة (القلب):
- قلب العلة حكما وقلب الحكم علة.
- قلب الوصف شاهدا.
الفرع الثاني: المعارضة الخالصة عن المناقضة (معارضة بالغير):
- المعارضة في حكم الفرع
- المعارضة في علة الأصل
المبحث الأول: تعريف القياس وشروطه وركنه
المطلب الأول: القياس لغة
الفرع الأول: المعنى في اللغة عند أهل اللغة:
هو التقدير: قاس الشيء بغيره وعلى غيره (فانقاس) قدره على مثاله وبابه باع وقال و (قياسا) أيضا فيهما. ولا يقال: أقاسه. والمقدار (مقياس). و (قايس) بين الأمرين (مقايسة) و (قياسا). و (اقتاس) الشيء بغيره قاسه به. وهو يقتاس بأبيه (اقتياسا) أي يسلك سبيله ويقتدي به .. قيس: من (قاس) الشيء بالشيء قدره على مثاله. ويقال: بينهما (قيس) رمح و (قاس) رمح أي قدر رمح (¬1).
الفرع الثاني: المعنى اللغوي عند الأصوليين:
كان للأصوليين نظر في التدقيق والتمحيص في أصل الوضع اللغوي لمعنى القياس فاق ما بحثه أهل اللغة، حيث بحثوا في سبر المعنى من مظانه، لا سيما أن الأصوليين هم أنفسهم من أهل اللغة ابتداء، بالإضافة إلى تركيزهم على القوالب والمعاني في آن واحد. فقد أظهروا معان للقياس في أصل الوضع أكثر من ما هو موجود عند أهل اللغة، فقد ذكر صاحب الإبهاج (إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها اللغويون، فكلام العرب متسع والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ، ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصول، واستقراء زائد، على استقراء اهل اللغة) (¬2).
فعرف الأصوليين القياس من حيث اللغة بعدة معان وهي: التقدير، والاعتبار، والتسوية، والتمثيل، والتشبيه، والمماثلة، والإصابة (¬3).
¬
(¬1) الرازي، زين الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الحنفي الرازي (ت: 666هـ)، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت، صيدا المكتبة العصرية، الدار النموذجية، (1999)، (د. ط) مادة (قيس)، ج1، ص 263.
(¬2) السبكي، تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (ت:756 هـ)، الإبهاج في شرح المنهاج، لبنان، بيروت، دار الكتب العلمية، (1995م)، (د. ط)، ج4، ص1.
(¬3) ينظر: الآمدي، أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد الثعلبي الآمدي (ت:631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبدالرزاق عفيفي، بيروت، دمشق، المكتب الإسلامي، (1431 هـ)، (د. ط)، ج3، ص183؛ الزركشي، أبو عبدالله بدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، دار الكتبي، (1994م)، (ط1)، ج7، ص6؛ التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني (ت:791 هـ)، شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح المصرية، ج2، ص104.
والكلام في المعنى اللغوي في القياس يطول، ليس المحل هنا للاستطراد به، وإنما كان لا بد من الإشارة في معناه عند الأصوليين لبيان العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي (¬1).
المطلب الثاني: القياس اصطلاحا (¬2):
القياس: (تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة لا تدرك بمجرد اللغة) (¬3) والمراد بالأصل المقيس عليه والفرع المقيس. وقد اعترض على هذا التعريف؛ بأنه يلزم من تعدية حكم الأصل إلى الفرع أن يبقى الأصل بلا حكم، وحكم الأصل وصف، وانتقال الأوصاف من المحال (¬4).
وعرفه الإمام النسفي (¬5): (تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة) (¬6)، والتقدير الإلحاق، والفرع هو المقيس, والأصل المقيس عليه، والحكم هو المعدى، سواء كان وجودي أو عدمي، والعلة ما يضاف الحكم إليها وتكون موجبة له. وهذا التفسير أقرب إلى اللغة بقلة التغيير (¬7). ويرد عليه أن تصور الأصل والفرع لا يمكن بدون معرفة القياس؛ لأن الفرع هو المقيس، والأصل هو المقيس عليه؛ فلزم الدور (¬8).
وعرفه صاحب الميزان: (إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر) (¬9).
¬
(¬1) لمزيد من الاطلاع والمعرفة، ينظر: منون، عيسى منون شيخ رواق الشام، نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول، إدارة المطبعة المنيرية، حقوق الطبع للمؤلف، (ط1)، ص 9 - 13؛ فرغلي، محمد محمود فرغلي، بحوث في القياس، (1983م)، (ط) 1، ص39 - 51
(¬2) وسنقتصر فيه على تعريف الحنفية لأنه محل البحث، ولن يتم الاستطراد في التعريف والمناقشة والاختلافات مع بقية المدارس الأصولية الأخرى
(¬3) المحبوبي، صدر الشريعة عبيدالله بن مسعود المحبوبي (747 هـ)، التوضيح شرح التنقيح، بيروت، لبنان، دار الأرقم بن أبي الأرقم، (1998م)، (ط1)، ج2، ص 120.
(وقيل عليه إن التعدية توجب أن لا يبقى الحكم في الأصل وهذا باطل؛ لأن التعدية في اصطلاح الفقهاء المعنى الذي ذكرنا، وأيضا لا تشعر بعدم بقائه في الأصل بل تشعر ببقائه في الأصل في وضعها اللغوي ألا يرى أن تعدية الفعل هي أن لا يقتصر على التعلق بالفاعل بل يتعلق بالمفعول أيضا كما هو متعلق بالفاعل. فالمراد هنا أن لا يقتصر ذلك النوع من الحكم على الأصل بل يثبت في الفرع أيضا، ولا حاجة إلى أن يقال تعدية الحكم المتحد؛ لأن التعدية لا تمكن إلا وأن يكون الحكم متحدا من حيث النوع، وإنما يكون باعتبار المحل. وقوله لا تدرك بمجرد اللغة احتراز عن دلالة النص، وذكر هذا القيد واجب لاتفاق العلماء على الفرق بين دلالة النص والقياس).
(¬4) ينظر: اللكنوي، عبدالحي بن عبدالحليم اللكنوي (ت:1304هـ)، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، باكستان، كراتشي، مكتبة البشرى، (2011م)، (ط4)، ج2،ص3.
(¬5) صاحب المنار: هو الإمام أبو البركات عبدالله بن أحمد، المعروف بحافظ الدين النسفي الحنفي، صاحب الكنز في الفروع (ت 710هـ)
(¬6) ابن الملك، عبداللطيف الشهير بابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، طبعة مصورة عن نسخة المطبعة النفيسة العثمانية، (2004م)، (ط1)، ص260.
(¬7) ينظر: ملاجيون، الشيخ أحمد المعروف بملاجيون الصديقي (1130 هـ)، نور الأنوار شرح رسالة المنار، كراتشي، باكستان، مكتبة البشرى، (2011م)، (ط4)، ج2، ص3.
(¬8) ينظر: اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار (ج2/ 3)
(¬9) السمرقندي، علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي (ت 540 هـ)، ميزان الأصول في نتائح العقول في أصول الفقه، تحقيق الشيخ الرباني الدكتور عبدالملك بن عبدالرحمن السعدي، عمان، الأردن، دار النور المبين، (2017م)، (د. ط)، ج2، ص787.
ويرى الباحث أن التعريف الأخير هو الأنسب؛ للخروج من الدور، وبذكره (مثل حكم)؛ خرجنا من بقاء الأصل بلا حكم (¬1)، واشتمل على أركان القياس الرئيسة من مذكورين: هما الأصل والفرع، بالإضافة للعلة، والتعدية.
والحاصل أن الأحكام الشرعية بنيت على معان، شكلت عللا، وهذه المعاني متى وجدت في غيرها لزم من ذلك اشتراكها في مثل الحكم، فالاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم (¬2).
وللقياس ركن وشرط وحكم ودفع، ولا شك أن مثل هذه الأركان والعلل قد نوقشت وسبر غورها في كتب الأصول، وسنذكر هنا شروط القياس والعلة عند الحنفية لأنهما محل البحث بشكل مقتضب في المطلبين الآتيين:
المطلب الثالث: ركن القياس
وللقياس أربعة اركان: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم (¬3)، إلا أن العلة هي الركن الرئيس، وهي موضوع بحثنا في ما اعترض على الحنفية فيه، ولذا اقتضى التركيز عليها، لا إهمالا لغيرها، وإنما لأنها من الأهمية بمكان، حيث إن مدار القياس عليها، وسبر غورها تفريعا وتأصيلا وشروطا وتطبيقا فكانت لها الحظ الأوفر في مبحث القياس، فأصبحت علما على القياس، فإنه ما لم تتحقق العلة لا يتحقق أصل، ولا فرع، ولا حكم.
فعرفت العلة بأنها: المعنى؛ أي المناسب الذي إذا عرض على العقل أن يلزم من ترتب الحكم عليه حصول ما هو المقصود منه يقبله (¬4).
وقيل العلة: المعرف (¬5)؛ وقالوا العلل الشرعية كلها معرفات؛ لأنها ليست في الحقيقة بمؤثرة، بل المؤثر هو الله تعالى، قال صاحب روضة الناظر: (علل الشرع لا توجب الحكم لذاتها، بل هي أمارة معرفة للحكم) (¬6)، وذكر الآمدي: (إن العلة في القياس إنما هي بمعنى الأمارة والعلامة على الحكم في الفرع) (¬7)، وذكر الإسنوي: (المراد من العلة في الشرعيات إنما هو المعرف للحكم) (¬8)، ويرد عليه في
¬
(¬1) السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه، ج2، ص788.
(¬2) ينظر، ملاجيون، نور الأنوار شرح رسالة المنار، ج2، ص6.
(¬3) اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص29.
(¬4) التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص128.
ذكره الآمدي في الإحكام أن المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم سواء كان المقصود جلب منفعة أو دفع مفسدة.
(¬5) الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت: 606هـ)، المحصول، تحقيق طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة، (1997م)، (ط3)، ج5، ص 135.
(¬6) ابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، (ت: 620هـ)، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الريّان، (2002م)، (ط2)، ج2، ص 281، ج2، ص 292.
(¬7) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص 19.
(¬8) الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (ت: 772هـ)، نهاية السول شرح منهاج الوصول، بيروت، لبنان، دار الكتب العملية، (1999م)، (ط1)، ص20.
دخول العلامة في تعريف العلة فلا يبقى الفرق بينهما، لكن الفرق ثابت؛ لأن الأحكام بالنسبة إلينا مضافة إلى العلل: كالملك إلى الشراء، والقصاص إلى القتل، وليست الأحكام مضافة إلى العلامات: كالرجم إلى الإحصان فلا بد من الفرق بين العلة والعلامة (¬1).
والحاصل:
إن من قال (العلة معرفة) أراد أن يقول: إن العلة ليست علة حقيقية مؤثرة بذاتها، إنما هي علامة ومعرف، وليست بباعث، إنما يعرف الحكم من خلال هذا الوصف، فمثلا: الإسكار ليس هو العلة في التحريم وليس باعثا، إنما الإسكار علامة نعرف منها أن حكم الخمر موجود هنا فقط، وهذا يرجع إلى خلاف عقدي، وهروبا من كون المصلحة تتحقق لله تعالى، وكونه مضطرا للاستجابة، وهذه المعاني كلها فاسدة، ويكفي العرض في هذا المقام اختصارا للإطناب في غير موضوع البحث.
وقيل العلة: المؤثر (¬2)، وهي في الحقيقة ليست بمؤثرة، فالبعض – وهم المعتزلة - عرفوا العلة بالمؤثر بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين (¬3)، والمراد بالمؤثر ما به وجود الشيء: كالشمس للضوء والنار للإحراق، قال صاحب المعتمد: (وأما العلة في عرف الفقهاء فهي ما أثرت حكما شرعيا ... هذا على قول شيوخنا، وإنما سموا كل واحد من ذلك علة؛ لأن لها تأثير في الإيجاب ... وأما المعلول فهو الذي أثرته العلة وأنتجته وهذا هو الحكم من حيث هو ثابت في الفرع لا من حيث هو ثابت في الأصل) (¬4).
والحاصل:
إن التأثير الذي قصده المعتزلة ليست العلة مؤثرة استقلالا تؤثر بذاتها، بل بما أودعه الله تعالى في المخلوقات فأصبحت تخلق افعالها بنفسها، وهذا المبحث يرجع إلى مسألة التحسين والتقبيح الشرعيين، والخلاف فيها حال كون العقل يحكم على الأشياء بالقبح والحسن من غير مجيء الشرع أو لا، ومحله في مظانه (¬5).
وقيل: الباعث لا على سبيل الإيجاب (¬6)؛ وهذا مبني على أن أفعال الله تعالى معللة بمصالح العباد (¬7)، مع أن الأصلح لا يكون واجبا عليه خلافا للمعتزلة. قال الآمدي: (اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة، والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث، أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم) (¬8).
¬
(¬1) المحبوبي صدر الشريعة، التوضيح على التنقيح، ج2، ص 143
(¬2) المراد بالمؤثرة ما به وجود الشيء، وقد يعبرون عنها تارة بالمؤثر وتارة بالموجب ... وخلاصة مذهب المعتزلة: أن العلل العقلية عندهم مؤثرة بذواتها بال خلق الله تعالى كما أن العلل العية عندهم مؤثرة بذواتها بلا خلق الله تعالى كالنار فإنها مؤثرة بطبعها في الإحراق فكذلك القتل العمد مؤثربوحوب القصاص عقلا. ينظر: منون، عيسى، نبراس العقول، ص218.
(¬3) ابن النجار، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار الحنبلي (ت: 972 هـ)، شرح الكوكب المنير، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، (1997م)، (ط2)، ج4، ص39 - 40.
(¬4) البصري، أبو الحسين محمد بن علي الطيب (ت 436 هـ)، المعتمد في أصول الفقه، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (1403 هـ)، (ط1)، ج2، ص200.
(¬5) ينظر: ابن النجار، شرح الكوكب المنير (ج4/ 39)؛ بركة الله اللكنوي، حاشية بركة الله اللكنوي على أصول الشاشي، دمشق، سوريا، دار ابن كثير، (2017)، (ط1)، ص118 - 119.
(¬6) التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص128.
(¬7) انظر: الشاطبي، أبو اسحق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق الشيخ عبدالله دراز، القاهرة، دار الحديث، (2006م)، (د. ط)، ج2، ص262.
(¬8) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، ج3، ص 202.
والحاصل:
إن المراد من كون العلة باعثا ومعللة بالمصالح لا كونها تعود على الله تعالى بالمصلحة والمنفعة، بل مراعاة لمصالح العباد في أحكامه فضلا وكرما لا وجوبا كما زعم المعتزلة بقولهم يجب على الله الأصلح، فالله لا يجب عليه شيء ولا يلزم بشيء، وإنما التزم بفضله وكرمه أن يكون الحكم الشرعي راجع لمصلحة العباد، وليس المقصود أنه راجع لله تبارك وتعالى (¬1).
وعرفها النسفي: (هو الوصف الذي جعل علما على ثبوت الحكم في الفرع) (¬2)، وهو المعنى الجامع المسمى علة، فسمي علما؛ لأن علل الشرع أمارات ومعرفات للحكم وعلامة عليه، والموجب الحقيقي هو الله تعالى، واختار مشايخ العراق أن العلة تكون علما على الحكم في الفرع لا على الأصل، لأن النص دليل قطعي، وإضافة الحكم إليه في الأصل أولى من إضافته إلى العلة، والنص دليل قطعي والعلة دليل فيه شبهة، وإحالة الحكم إلى القطعي أولى من إضافته إلى المظنون، وأضيف الحكم في الفرع إلى العلة لأنه لا دليل فيه فوقها (¬3).
وما ذهب إلىه الإمام النسفي أولى في التعريف؛ حيث إن القياس مظهر للحكم لا مثبت له، إنما أضيفت الأحكام إلى الأسباب لأنا مبتلون بنسبة الأحكام إلى أسبابها الظاهرة، فيجب القصاص بالقتل، وإن كان في الحقيقة المقتول ميت بأجله، ففي ظاهر الشرع الأحكام مضافة إلى الأسباب، فهذا معنى كونها مؤثرة، لا تأثيرا حقيقيا وإنما مجازا.
وسيتم مناقشة شروط العلة الرئيسة من عدالة وصلاح في مبحث الرد على نواقض العلة المؤثرة في محله في المبحث الثالث.
إلا أن هناك من ادعى مخالفة الحنفية أصولهم في بعض شروط القياس وعلله المؤثرة، وسنبين من خلال هذا البحث ردود الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم، وفق المبحثين الآتيين بعون الله.
المطلب الثالث: شروط القياس عند الحنفية
وللقياس عند الحنفية أربعة شروط:
الأول: أن لا يكون حكم الأصل؛ أي: المقيس عليه مخصوصا به؛ أي: بالأصل بنص آخر (¬4)؛ كشهادة خزيمة (¬5).
أي يشترط أن لا يكون النص المثبت للحكم في المحل المقيس عليه مختصا مع حكمه بذلك المحل بسبب نص آخر يدل على اختصاصه بذلك المحل، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من شهد له خزيمة فهو حسبه) (¬6)، فإنه مختص مع حكمه وهو قبول شهادة الفرد بمحل
¬
(¬1) ينظر: الهندي، صفي الدين محمد بن عبدالرحيم الأرموي الهندي (ت 715 هـ)، نهاية الوصول في دراية الأصول، تحقيق: صالح بن سليمان، سعد الدين سالم، مكة المكرمة، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط2، (2012م)، ج8، ص3318 – ص 3335.
(¬2) السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول، ج2، ص 821
(¬3) ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص 28.
(¬4) المحبوبي صدر الشريعة، التوضيح شرح التنقيح، ج2، ص114؛ ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص266.
(¬5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله} برقم (2807) جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين، ولم يبين القصة.
(¬6) اخرج أبو داوود في سننه، كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، برقم (3607):
حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه، حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومون بالفرس، لا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته. فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي، فقال: " أوليس قد ابتعته منك؟ " قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بلى قد ابتعته منك " فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقول إلا حقا. حتى جاء خزيمة لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا شهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: " بم تشهد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين)، إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عُمارة، فمن رجال السنن، وهو ثقة: ينظر: مسند أحمد، طبعة الرسالة، باب حديث خزيمة بن ثابت، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، ج36، ص 206.
وروده وهو خزيمة رضي الله عنه بسبب نص آخر يدل على اختصاصه به وهو قوله تعالى {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} ... [البقرة/282]، فإنه لما أوجب العدد على الجميع مراعاة العدد لزم منه نفي قبول شهادة الفرد، فإذا ثبت بدليل في موضع كان مختصا به، ولا يعدوه النص إلى غيره (¬1).
الثاني: أن لا يكون معدولا به عن القياس (¬2)
والعدول عن القياس بأحد الأمرين إما بأن لا يدرك العقل حكم الأصل أي: لا يدرك علته وحكمته كأعداد الركعات، أو يكون حكم الأصل مستثنى عن سنن القياس؛ كأكل الناسي فإنه مستثنى عن سنن القياس، وهو تحقق الفطر من كل ما دخل في الجوف، وإذا كان مستثنى عن سننه لا يصح القياس عليه فلا يصح قياس الأكل خطأ على الأكل ناسيا , وكتقوم المنافع في الإجارة؛ فإنه مستثنى عن سنن القياس (لأنه) أي: التقوم يعتمد الإحراز، والإحراز يعتمد البقاء ولا بقاء للأعراض (¬3).
الثالث: أن يتعدى الحكم الشرعي، الثابت بالنص، بعينه إلى الفرع الذي هو نظيره، ولا نص فيه (¬4).
وهذا الشرط يتضمن شروطا أربعة:
- كون الحكم شرعيا لا لغويا؛ فلا يستقيم التعليل لإثبات اسم الزنا للواطة؛ لأنه ليس بحكم شرعي إنما هو قياس في اللغة؛ وإثبات الصاحبين حكم الزنا للواطة ليس من باب القياس باللغة؛ بل عن طريق دلالة النص (¬5) ... .
¬
(¬1) اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار شرح رسالة المنار، ج 2، ص16.
(¬2) الخبازي، جلال الدين أبي محمد عمر بن محمد بن عمر الخبازي (ت 691 هـ)، المغني في أصول الفقه، تحقيق: محمد مصطفى بقا، جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث، (1403 هـ)، (ط1)، ص291
(¬3) المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح ج2، ص 115.
(¬4) ينظر: الإخسيكثي، حسام الدين محمد بن محمد بن عمر (ت:644هـ)، منتخب الحسامي، كراتشي، باكستان، الطبعة الجديدة، مكتبة البشرى، (2014 م)، ص211.
(¬5) ينظر: الفناري، محمد بن حمزة بن محمد، شمس الدين الرومي (ت: 834هـ)، فصول البدائع في أصول الشرائع، تحقيق محمد حسين محمد حسن إسماعيل، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2006م)، (ط1)، ج2، ص 324؛ الطوفي، نجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبدالكريم بن سعيد الطوفي (ت:716 هـ)، شرح مختصر الروضة، تحقيق عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، (2011م)، (ط1)، ج3، ص 302
- والثاني: تعديته بعينه بلا تغيير؛ فلا صحة لظهار الذمي قياسا على وقوع الطلاق؛ لكونه تغييرا للحرمة المتناهية بالكفارة في الأصل؛ لأن ظهار المسلم ينتهي بالكفارة، وظهار الذمي يكون مؤبدا (¬1).
- والثالث: كون الفرع نظيرا للأصل لا أدون منه؛ فلا نعدي حكم الناسي في الفطر في الصوم إلى المكره والخاطئ؛ لأن عذرهما دون عذره؛ فالنسيان منسوب إلى صاحب الحق ويقع بدون اختيار، بعكس المخطئ والمكره ففعلهما من غير صاحب الحق، وفعل المخطئ نتج عن تقصير بالاحتياط وهو ذاكر، والمكره ألجئ على الفعل، فلم يكن عذرهما كعذر الناسي (¬2).
- والرابع: عدم وجود النص في الفرع؛ فالنص المطلق في كفارة الظهار لا ينبغي أن تقاس رقبة كفار القتل الخطأ وتقيده بالإيمان مع وجود النص المطلق (¬3).
الرابع: أن يبقى حكم النص بعد التعليل على ما كان قبله: بحيث لا يتغير حكم النص عما كان عليه، سوى أنه تعدى إلى الفرع فعمّ، أي؛ لا يتغير ما هو المفهوم من النص قبل التعليل به كتعليل الشافعي رحمه الله في قوله تعالى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة/89] فإنه علل؛ أي الشافعي، علل الإطعام بالتمليك، والإطعام لغة جعل الغير طاعما، وكان هذا مفهوم النص قبل التعليل، وهذا قد يحصل بالإباحة، فلما علله بالتمليك قياسا على الكسوة تغير بعد التعليل ما هو المفهوم من النص قبله، حيث لا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة بالإباحة، وهو باطل؛ لأنه لا يجوز التعليل على وجه يتغير حكم الأصل في الفرع (¬4).
المبحث الثاني: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم شروط القياس.
سيعرض من خلال هذا البحث رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم في شروط القياس وفق المطالب الآتية
المطلب الأول: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم في الأموال الربوية.
الشرط الرابع عند الحنفية في القياس أن يبقى حكم النص بعد التعليل على ما كان قبله، ومعنى بقاء حكم النص؛ أن لا يتغير عما كان عليه سوى أنه تعدى إلى الفرع، بحيث يبقى حكم الأصل قبل التعليل كما هو بعد التعليل، إلا أن البعض - وهم الشافعية (¬5) - قد ادعى
¬
(¬1) ينظر: الخبازي، جلال الدين أبي محمد عمر بن محمد بن عمر الخبازي (ت 691 هـ)، المغني في أصول الفقه، تحقيق: محمد مصطفى بقا، جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث، (1403 هـ)، ص 294.
(¬2) ينظر: المرجع السابق، ص296.
(¬3) ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص 18– 19.
(¬4) ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص270.
(¬5) ينظر: النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ)،المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي)، عمان، الأردن، دار الفكر، (د. ط)، ج10، ص 230؛ البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت: 516 هـ)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، بيروت، لنبان، دار الكتب العلمية، (ط1)، ج3، ص 337؛ الزَّنْجاني،، أبو المناقب شهاب الدين الزَّنْجاني (ت: 656هـ)، تخريج الفروع على الأصول، د. محمد أديب صالح، بيروت، لبنان، (1398 هـ)، (ط2)، ص156
أن الحنفية قد خصصوا القليل في قوله عليه الصلاة والسلام " لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" (¬1) وذلك بإخراج القليل من النص الدال على حرمة الربا في القليل والكثير، وأقصرتم حرمة الربا على الكثير فقط (¬2).
الفرع الأولى: تحرير محل النزاع:
هو تقييد الحنفية النص بعد التعليل بزيادة قيد الكثير، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكان القيد مغيرا لحكم النص بعد التعليل، فصار النص، لا تبيعوا الطعام الكثير بالطعام الكثير، فمن أين أتيتم بالكثير؟ وأيضا لم عللتم حرمة الربا بالقدر والجنس وعديتم إلى غير الطعام (¬3)؟ فقد خالفتم أصولكم بتخصيص القليل وقصره على الكثير، فأجزتم بيع الحفنة بالحفنتين (¬4) وإن اتحدا بالجنس والقدر، مع حال كونها من الأموال الربوية التي يجب فيها المساوة من كل وجه (¬5).
الفرع الثاني: رد الحنفية على المُدّعَى
وقد جاء رد السادة الحنفية من عدة أوجه:
1 - إن التخصيص جاء من نفس النص وليس من العلة، وذلك بإشارة النص، فكذا من قال لشخص، لا تقتل حيوانا إلا بالسكين، فلفظ حيوان لفظ عام يشمل جميع الحيوانات، لكن السؤال، هل يشمل ذلك البعوض والذباب؟ هل هناك حاجة لسكين لقتل البعوضة؟! فعمل بالنص بإشارته؛ أي أن المراد لا تقتل حيوانا من شأنه أن يقتل بالسكين إلا بالسكين، فقتل حيوان لا يقتل بالسكين: كالبعوضة والقملة لا يدخل تحت النهي ابتداء (¬6).
¬
(¬1) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، برقم (1592)
حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، ح وحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا النضر، حدثه أن بسر بن سعيد، حدثه، عن معمر بن عبد الله، أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام، فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل»، قال: «وكان طعامنا يومئذ الشعير»، قيل له: فإنه ليس بمثله، قال: «إني أخاف أن يضارع»
(¬2) ينظر: الكَلْوَذَاني، محفوظ بن أحمد بن الحسن أَبُو الخطاب (ت: 510 هـ)، التمهيد في أصول الفقه، تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة ومحمد بن علي بن إبراهيم، ط1، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى 1985 م، ج4، ص 175؛ المازري، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري (ت 536 هـ)، إيضاح المحصول من برهان الأصول، تحقيق عمار الطالبي، دار الغرب الإسلامي، (ط1)، ج1، ص112؛ المحلاوي، محمد عبدالرحمن عيد، تسهيل الوصول إلى علم الأصول، تحقيق محمد إبراهيم حفناوي، دار الحديث، القاهرة، (2010م)، ص385؛ ... ابن الساعاتي، مظفر الدين أحمد بن علي بن الساعاتي، نهاية الوصول إلى علم الأصول، تحقيق سعد بن غرير بن مهدي السلمي، مكة المكرمة، جامعة أم القرى (1985 م)، ج2، ص 576.
(¬3) ينظر:: السمعاني، منصور بن محمد بن عبدالجبار السمعاني (ت:489 هـ)، القواطع في أصول الفقه، تحقيق صالح سهيل علي الحمود، عمان، الأردن، دار الفاروق، (2011م)، (ط1)، ج3، ص973 – ص974؛ الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت: 505 هـ) الكتاب، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تحقيق حمد الكبيسي، بغداد، مطبعة الإرشاد، (1971م)، (ط1)، ص 554.
(¬4) الزَّنْجاني، تخريج الفروع على الأصول، ص156.
(¬5) ينظر: السمعاني، القواطع في أصول الفقه، ج3، ص912؛ الزركشي، البحر المحيط ج7،ص 196، ج7، ص420؛: البرماوي، شمس الدين محمد بن عبد الدائم (ت: 831 هـ)، الفوائد السنية في شرح الألفية، تحقيق عبد الله رمضان موسى، الجيزة، مصر، مكتبة التوعية الإسلامية، ج4، ص 193.
(¬6) ينظر: المحبوبي صدر الشريعة، التوضيح شرح التنقيح، ج2، ص137؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص270؛ابن الحلبي (978هـ)، أنوار الحلك على شرح منار الأنوار، القاهرة، دار ركابي للنشر، (د. ط)، ص778.
والشاهد من هذا، أن المراد بالمعنى لا تبيعوا الطعام الذي من شأنه أن يكال ويوزن إلا بالكيل والوزن، فلم يستفد من التعليل وإنما استفيد من النص.
2 - إن التسوية المعتبرة شرعا في المطعومات التسوية بالكيل والوزن، وهي لا تتصور إلا بالكثير، والمراد بالفضل ربا؛ أي الفضل على القدر دون نفس الفضل؛ حتى جاز بيع حفنة بحفنتين، وهكذا إلى أن يبلغ نصف صاع؛ لأن اقل القدر الشرعي نصف صاع، فلا يدخل ما دون النصف صاع تحت المسمى الشرعي، فلا يعتبر كيلا معتبرا شرعا، والمعتبر في الكيل هو ما اعتبره الشرع لا ما لا يعتبره (¬1)، لذا تضمن الحفنة والحفنتان عندنا بالقيمة (¬2).
3 - إن المساواة مصدر، وقد وقع مستثنى من الطعام في حديثه صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" (¬3)، لكن في الحقيقة لا يصلح أن يكون مستثنى منه في الحقيقة؛ لأن المستثنى لا يكون إلا جزءا من نفس المستثنى منه، إلا بحمله على الاستثناء المنقطع، لكن حمله على الاستثناء المنقطع مجاز؛ و المجاز خلاف الأصل، فلا بد من التأويل (¬4).
فقد ذهب الشافعية (¬5) إلى التأويل في المستثنى بقولهم أن المعنى هو: لا تبيعوا الطعام بالطعام ألا طعاما مساويا بطعام متساو، فالطعام المساوي بالمساوي هو الحلال، وبخلاف ذلك يبقى حراما، فيكون بيع الحفنة بالحفنتين داخل تحت الحرام، يقول الشافعي: (وصف الكيل ملغى بإيماء قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا سواء بسواء (¬6) " فإنه يدل على التحريم على هذه الصفة، وترتيب الحكم على الوصف المشتق يدل على كونه علة مستقلة) (¬7)، وذكر ابن السمعاني في القواطع: (قوله عليه الصلاة والسلام " كيلا بكيل (¬8) " فهو منه عليه السلام إشارة إلى علة الخلاص عن الربا .. قوله عليه السلام " لا تبيعوا الطعام بالطعام" (¬9) يدل ذكر الطعام أن الطعم علة) (¬10).
أما الحنفية قالوا: إن الاستثناء (سواء بسواء) حال؛ أي شرط، والطعام لا يكون من الأحوال؛ بل هو من الأعيان، فكيف يصح استثناء الحال من العين، فلا بد من التأويل، حيث أولنا في المستثنى منه، فيكون التقدير: لا تبيعوا الطعام بالطعام في حال من الأحوال إلا في حال المساواة، فيكون المستثنى من جنس المستثنى منه، والأحوال ثلاثة: المساواة، والمفاضلة، والمجازفة، وكلها أحوال الكثير، فتحل المساواة وتحرم المفاضلة والمجازفة، والقليل غير متعرض له أصلا، لا في المستثنى ولا المستثنى منه، فبقي القليل (الحفنة بحفنتين)
¬
(¬1) ينظر: الرّهاوي، يحيى الرهاوي المصري، حاشية الرّهاوي على شرح منار الأنوار، القاهرة، دار ركابي للنشر، (د. ط)، ص755؛ ملاجيون، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص9
(¬2) ينظر: الرّهاوي، حاشية الرّهاوي على شرح منار الأنوار ص 755.
(¬3) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، برقم (1592).
(¬4) ينظر: الخبازي، المغني في أصول الفقه، ص 297.
(¬5) ينظر: الجويني، نهاية المطلب في دراية المذهب، ج 5، ص72، الهندي، نهاية الوصول إلى دراية الأصول ج 5، ص 1763؛ الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، ص156
(¬6) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، برقم (1592).
(¬7) الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، ج7، ص 420.
(¬8) سبق تخريجه
(¬9) سبق تخريجه
(¬10) السمعاني، القواطع في أصول الفقه، ج 3، ص973 - ص974.
على أصله وهو الإباحة، أما القليل حال بعيد غير متداول وهذا جواب على من اعتبر القليل من الأحوال التي يجب أن يشملها النص، فكان التغيير بالنص لا بالتعليل (¬1).
4 - إن المستثنى إن لم يكن مذكورا يقدر وفق المستثنى، وها هنا استثنى الحال بقوله: إلا سواء بسواء إذ المراد منه حال تساويهما في الكيل، والمذكور في صدر الكلام هو العين واستثناء الحال من الأعيان باطل في الحقيقة وإن كان يحتمل الصحة بطريق المجاز بأن يجعل الاستثناء منقطعا، لكن المجاز خلاف الأصل، فدل على أن الاستثناء لم يقع على ظاهر اللفظ، بل عما يضمن اللفظ من أحوال البيع، فوجب أن يثبت عموم صدر الكلام بدلالة استثناء الحال كما بينا في النقطة السابقة، فكان التغيير حاصلا بالنص بتحويل عموم الكلام إلى الخصوص موافقا للتعليل ومصاحبا له (¬2).
5 - أما تعدية الحكم إلى كل مكيل وموزون، وبناء علة الربا على القدر والجنس فمن نفس النص لا من العلة، وذلك لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم " الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلا بمثل بدا بيد، والفضل ربا" (¬3)؛ أي بيعوا الحنطة بالحنطة، والحنطة مكيل قوبل بجنسه، وقوله: "مثلا بمثل" حال لما سبق، كأنه قيل: بيعوا الحنطة بالحنطة حال كونهما متماثلين، والأحوال شروط (¬4)، والأمر للإيجاب، والبيع مباح، فينصرف الأمر إلى الحال التي هي شرط، فيكون المعنى وجوب البيع بشرط التسوية والمماثلة، لا وجوب نفس البيع (¬5)
6 - و استدلوا أيضا بالنص: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان يعني ابن بلال، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، أنه سمع سعيد بن المسيب، يحدث أن أبا هريرة، وأبا سعيد فعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال صلى الله
¬
(¬1) ينظر: ابن أمير حاج، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أمير حاج ويقال له ابن الموقت الحنفي (ت: 879هـ)، التقرير والتحبير، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية (1983م)، (ط1)،ج1، ص263؛ الرّهاوي، حاشية الرّهاوي على شرح منار الأنوار (ص 777 – 778)؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2، ص22 - 25.
(¬2) ينظر: البخاري، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت 730 هـ)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2009م)، (ط2)، ج3، ص 488؛ الكواكبي، محمد بن حسين بن أحمد (ت:1096 هـ)، إرشاد الطالب إلى منظومة الكواكب في علم الأصول، مصر، الطبعة الأميرية في بولاق، ص 195، جاء فيها:
(شرط فما تخصيصنا القليلا .. فما أتى به النهي منقولا) (من بيعنا الطعام بالطعام .. إلا بالاستثناء في الكلام)
(إذ قوله إلا سواء فيه .. كما الحديث ها هنا يحويه) ... (دل على عموم ذاك الصدر .. لكل حال كان فيه يجري)
(وما التساوي في سوى الكثير .. فالنص قد دل على التغيير) (مصاحب التعليل لا التعيل .. وفي الذكاة أثبت التبديل)
(¬3) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق برقم (1484) بلفظ:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن مسلم العبدي، حدثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء»،
(¬4) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج3، ص286؛ الرّهاوي، حاشية الرّهاوي على المنار، ص 754.
(¬5) ينظر: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، شركة ومطبعة مصطفي بابي الحلبي وأولاده بمصر، (1997م)، (ط2،)، ص212؛ ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص 9 - 10.
عليه وسلم: "لا تفعلوا ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان" فهذا نص في أن علة الربا في المكيل و الموزون) (¬1)
والمراد بالمثل القدر؛ أي الكيل في المكيلات، والوزن بالموزونات؛ لأن المماثلة تقوم بالصورة والمعنى، والصورة بالكيل، والمعنى بالجنس، ولا تتصور المماثلة إلا فيما يمكن ضبطه في المساواة ومعرفة المتفاضل منه من غيره، ولا يكون ذلك إلا بالمكيلات والموزونات، ومتى عرفت المعاني التي بني عليها النص من النص لا من العلة، فيتم تعديتها إلى غيره في كل ما يكال ويوزن، فكان موافقا للنص لا مغيرا (¬2).
والحاصل:
إن التغيير بالنص لا بالتعليل، فلم يعد التعليل بالنقض أو الزيادة أو التغيير على حكم الأصل، لأن ذلك مبطل للقياس ابتداء والذي هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، فكيف تكون العلة المستنبطة من الأصل ناقضة له، أو مقيدة، أو مغيرة في حكمه، وإنما التغيير حصل بدلالة النص لا بالتعليل.
المطلب الثاني: رد الحنفية على من ادعى مخالفتهم أصولهم بدفع القيمة في الزكاة.
لا شك أن الأموال الزكاة ضوابط ومقادير محددة شرعا لا حظ للإنسان الاجتهاد فيها، لأنها مقادير لا يتوصل العقل مستقلا للوصول إليها، فلا بد من النقل لدركها ومعرفتها، ومنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم في زكاة السوائم حيث قال: " في خمس من الإبل شاة" (¬3)، وقد جوّز الحنفية إخراج القيمة في الزكاة؛ فاعتبر ذلك مغيرا للنص (¬4).
الفرع الأول: تحرير محل النزاع
إن الله تعالى أوجب الصدقة للفقراء مجملة، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " في خمس من الإبل شاة" (¬5)، فصار كأن الله تعالى قال: إنما الشاة للفقراء، فصارت الشاة مستحقة بصورتها (¬6)؛ فيورد على الحنفية أنكم غيرتم حكم النص، حيث عللتم صلاحية الشاة للفقير؛ بأنها مال صالح لقضاء الحوائج المختلفة بأن يبيعها الفقير وينفق ثمنها في قضاء حوائجه المختلفة، وقيمتها أيضا صالحة كذلك؛ أي في قضاء حوائجه المختلفة، فالاشتراك في المعنى يوجب الاشتراك في الحكم، فكل ما جاز أداؤه يجوز أداء القيمة أيضا فيه،
¬
(¬1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام بالطعام،، برقم (1593)
(¬2) ينظر: الدبويس، تقويم الأدلة، ص 266؛ البخاري، كشف الأسرار، ج3، ص 286؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2،ص23.
(¬3) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، في باب في زكاة السائمة، برقم: (1593) وأخرجه الإمام الترمذي، كتاب أبواب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، برقم (621). حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف، سفيان بن حسين ضعيف في روايته عن الزهري، ثقة في غيره، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين وأخرجه قال الترمذي بإثر الحديث: حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء .. انظر: مسند الإمام أحمد، مسند عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، تحقيق الشيخ شعيب، طبعة الرسالة: ج2، ص253
(¬4) ينظر: الرزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، ج7، ص193؛ العمراني، البيان في مذهب الإمام الشافعي.
(¬5) سبق تخريجه
(¬6) أورد صاحب المحيط: إن استنباط القيمة ألغى تعلق الزكاة بالعين ابتداء الذي عليه الدليل، وهذا معنى الإبطال أي إبطال التعلق و أنه ألغى تعيينها، من بنت المخاض أو بنت اللبون أو حقة أو جذعة، وصير الواجب جائزا؛ لأنه إن كانت القيمة هي الواجب لم تكن الشاة واجبة ولا يلزم وجوبها ولا قائل به. ينظر: البحر المحيط، للزركشي ج7، ص193؛ العمراني، البيان في مذهب الإمام الشافعي، ج3، ص207
فأبطلتم قيد الشاة المفهومة من النص صريحا، حيث جاز إخراج قيمتها، فأصبح الحديث: في خمس من الإبل قيمة شاة، فأبطلنا عين الشاة، فقد غيرتم النص الدال على دفع عين الشاة دون القيمة (¬1).
الفرع الثاني: رد الحنفية على المُدّعَى
وقد أجاب الحنفية عن زعم الشافعية (¬2) بسقوط حق الفقير بصور الشاة أو في ذات الشاة بالقيمة إنما جاء من النص لا بالتعليل، من عدة أوجه:
1 - لم يتم إبطال الحق المستحق عن عين الشاة لأنه لا حق للفقير في صورة الشاة؛ إنما حقه في ماليتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإبل ظرفا للشاة بقوله " في خمس من الإبل شاة"، وعينها لا توجد في الإبل، وإنما يوجد فيها مالية الشاة، فعرفنا أنه أرد بالشاة ماليتها، إلا إن المالية بعض الشاة، فكنّى بذكر الكل عن البعض، فلم يكن في التعليل إبطال حق الفقير عن صورة الشاة، ألا ترى أنه لو أخرج واحدا من الأبل جاز بالإجماع، فلو كان الحق متعلقا بالصورة لما جاز ذلك، فلم يكن التغيير بالتعليل وإنما من النص (¬3).
2 - إن الله تعالى وعد بأرزاق العباد (¬4)، قال تعالى {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون} [الأنعام:38]، وقسم طرق المعاش بين عباده، فمنهم من يرزق بالتجارة، أو الزراعة وآخر بالصناعة وغيرها، وآخر يرزق بالصدقة، فأوجب الله مالا مقدرا على الأغنياء لنفسه وهو الشاة؛ لأن الصدقة تقع في كفّ الرحمن قبل أن تقع في كف الفقير، فأمر الله تعالى الأغنياء بقضاء وإنجاز حاجات الفقراء المختلفة من ذلك القدر أو المسمى بقوله جلا جلاله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:60] لأن الله تعالى يملكها أولا، ثم يعطيها الفقراء من عند نفسه كما يعطي الفقراء؛ وحتى لا يُتوَهم أن الذي رزق الفقراء هم الأغنياء، إنما الأغنياء كانوا سببا أو وكلاء للدفع، فلا يكون هناك لبس بأن الله تعالى لم يوف بمواعيده للفقراء ولم يوف بوعده. وحوائج الناس مختلفة ومتعددة، والشاة لا تف بإنجاز تلك المواعيد لكثرتها، فالشاة لا تفي إلا بالإدام فقط، ولا تف باللباس والحطب وغيره، فكان إذن بالاستبدال دلالة من النص، بأن تستبدل الشاة بالنقدين. فكان ذكر الشاة لأنها معيار لمقدار الواجب فبها تعرف القيمة، لا المراد عين الشاة وذاتها (¬5).
3 - لم يتم إلغاء عين الشاة في الإيفاء؛ ,وإنما ثبت عندنا حكمان: الأول جواز الاستبدال، والثاني: صلاحية عين الشاة لأن تكون مصروفة إلى الفقير، فالحكم الأول ثبت بدلالة النص، والحكم الثاني ثبت من ظاهر النص بجواز إخراج عين الشاة؛ فإذا كانت عين الشاة صالحة للصرف إلى الفقير للحاجة، فتكون قيمتها صالحة أيضا بهذه العلة (¬6).
¬
(¬1) ينطر: السمعاني، أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت: 489 هـ)، الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، تحقيق د. نايف بن نافع العمري، دار المنار، (1992م)، (ط1)، ج2، ص86.
(¬2) ينظر: الرزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، ج7، ص193.
(¬3) ينظر: البخاري، كشف الأسرار (ج2/ 489)؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص271؛ الرّهاوي، حاشية الرّهاوي على شرح منار الأنوار ص781.
(¬4) ينظر منظومة الكواكبي، إرشاد الطالب إلى منظومة الكواكب في علم الأصول، ص 196:
(بالنص لا التعليل الله وعد .. أرزاق أهل الفقر وهي لا تعد) (وأوجب الذي يسمى .. لنفسه على الغني حتما) (لكن بإنجاز الوعود قد أمر .. من الذي سمى فمنه قد ظهر) (الأذن هنا بالاستبدال .. لكثرة الحاجات والأحوال) (ومالكها المسمى يتسع .. من أجل ذا الإبدال فيها قد شرع)
(¬5) ينظر: ابن الساعاتي، نهاية الوصول الى علم الأصول، ج2، ص577؛ البخاري، كشف الأسرار، ج3، ص 490 - 491؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص271)؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2، ص 25 - 27
(¬6) ينظر: المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح، ج2، ص139.
والحاصل:
إن التعليل وقع في هذا الحكم وليس تغييرا للنص، بل يكون التغيير في الحكم الأول وهو ثابت بالنص لا بالتعليل، فيكون تغيير النص بالنص مجتمعا مع التعليل في حكم آخر ليس فيه تغيير للنص، فصار التغيير مجامعا للتعليل بالنص لا بالتعليل.
4 - قول الله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء/23]، قام الدليل إنه نهي لإكرام الأبوين بكف الأذى عنهما وذلك جنس الأذى لا في الأذى بهذه الكلمة (أف)، فسقط اعتبار الاسم، وبقيت العبرة للأذى المطلق، فثبت بدلالة النص أن حقه جل جلاله في مطلق المال لا في عين الشاة، فأمكنه أخذ غير الشاة لثبوت حق الله تعالى فيه بالدلالة وتعدية الصلاحية إليه بالتعليل (¬1).
5 - دل على جواز أداء القيمة نص معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: "ائتوني بعرض ثياب خميص - أو لبيس - في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة " (¬2) ومعنى خير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أنفع لهم، فلم يخراج القيمة إلا لأنه أنفع لحاجة الفقير (¬3).
6 - كتاب أبي بكر رضي الله عنه في الزكاة يدل على أخذ القيمة، حيث كتب فيه: " من بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له، أو عشرين درهما .. "، فدل ذلك أن ذكر الشاة لتعيين مالية الواجب لا أن الواجب صورة الشاة (¬4).
المطلب الثالث: رد الحنفية على من ادعى مخالفة الحنفية أصولهم بتغيير مصارف الزكاة والتكبير وإزالة الخبث بالتعليل.
الفرع الأول: الرد على من ادعى مخالفة الأصول بتغيير مصارف الزكاة بالتعليل:
بيّن الله تعالى مصارف الزكاة في سورة التوبة بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:60]، فادعي (¬5) أن الحنفية قد غيروا حكم النص بعد التعليل.
- تحرير محل النزاع:
إن الآية تدل على إن الصدقات يجب صرفها إلى جميع الأصناف المذكورة في الآية تمليكا (¬6)، وقد غير الحنفية النص بتعليلهم بالحاجة؛ أي إن العلة عد الأصناف لبيان مواقع الحاجة، والعلة هي دفع الحاجة، فيجوز الصرف إلى صنف واحد، وليس إلى
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج3، ص493.
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة، ج2،ص116.
(¬3) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج3، ص 334.
(¬4) ينظر: المحلاوي، تسهيل الوصول إلى علم الأصول، ص386 – 387.
(¬5): الشيرازي، أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: 476هـ)، المهذب في فقه الإمام الشافعي، لبنان، بيروت، دار الكتب العلمية، (د. ط)، ج1،ص313.
(¬6) ينظر: ابن الملقن، سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (ت: 804هـ)، التذكرة في الفقه الشافعي، تحقيق: محمد حسن بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2006 م)، (ط1)، ج1، ص 50
جميع الأصناف، فكان تغيرا للنص الدال على الصرف والتمليك للجميع بالتعليل وذلك بقصره على صنف واحد من المصارف الثمانية، فأجزتم إخراجها إليه دون غيره (¬1).
- الرد على المدعى:
ويجاب على ذلك:
- إن اللام في الآية هي لام العاقبة وليست لام التمليك، إنما يلزم تغيير النص لو كانت اللام للتمليك، فكانت اللام للعاقبة؛ أي إن عاقبة الصدقة للفقير، فلا يمكن أن يراد بهم جميعا؛ لأن حرف التعريف إذا دخل على الجمع أبطل الجمعية وأريد به الجنس (¬2).
- اللام لام الجنس أو لام الماهية أو النوع، فليس المراد جميع الصدقات لجميع الفقراء والمساكين فلا يمكن أن يكون ذلك المراد، فإذا لم يكن الجمع مرادا، ولا الاستغراق فكان المراد جنس الصدقة لجنس الفقير، فكان المراد عد المصارف الصالحة للصرف، وعدم جواز صرفها إلى غيرها من المصارف، فلو صرفت إلى البعض دون البعض جاز (¬3).
الفرع الثاني: الرد على من ادعى مخالفة الأصول في التكبير بالتعليل:
بيّن الله تعالى التكبير في افتتاح الصلاة بقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّر} [المدثر:3]، فادعي (¬4) ان الحنفية قد غيروا النص بالافتتاح بغير لفظ التكبير.
- تحرير محل النزاع:
ومن خلال المدعى يتبين لنا أن محل النزاع حول معنى قول الله تعالى {وَرَبَّكَ فَكَبِّر} [المدثر:3]، يدل على إن الافتتاح للصلاة لا يصح إلا بلفظ مخصوص وهو التكبير لا غير، إلا إنكم غيرتم النص بالتعليل بقولكم إن المراد هو التعظيم لله عز وجل فيجوز الافتتاح بأي لفظ فيه تعظيم لله عز وجل، كقول: ألله أجل، فكان تغييرا للمعنى الصريح للنص (¬5).
- الرد على المُدّعَى
¬
(¬1) ينظر: الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، ج5، ص 55 - 56؛ المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح ج2، ص 136؛ ابن الملقن، التذكرة في الفقه الشافعي، ج1، ص50.
(¬2) ينطر: المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح، ج2، ص137.
(¬3) ينظر: التفتازاني، التلويح إلى كشف حقائق التنقيح، ج2، ص140.
(¬4) الشربيني، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، (ت:977)، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (1994م)، (ط1)، ج1، ص344؛ السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت: 771هـ)، الأشباه والنظائر، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (1991م)، (ط1)، ج2، ص107.
(¬5) ينظر: المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح، ج2، ص136؛ البخاري، كشف الأسرار، ج3، ص 492.
ويجاب على ذلك فيما يتعلق بجواز لفظ التعظيم لافتتاح الصلاة إنما جاء من معنى النص؛ فمعنى قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّر} [المدثر:3]، لا يراد به، قل: الله أكبر؛ لأنه لو قيل: وربك قل الله أكبر (¬1)، لا يفيد معنى، ومن هنا يظهر المراد من النص أن المقصود وربك فعظم، أي قل وافعل ما فيه تعظيم الله، فكل لفظ فيه التعظيم يكون في معنى الله أكبر (¬2).
الفرع الثالث: الرد على من ادعى مخالفة الأصول في إزالة الخبث بالتعليل:
نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إزالة الخبث بقوله عليه الصلاة والسلام: " حتيه واقرصيه ثم اغسليه بالماء" (¬3)، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام: " الماء طهور" (¬4) نص على ان النجاسة لا تزال إلا بالماء (¬5)، فادعي أن الحنفية قد غيروا النص بالتعليل (¬6).
- تحرير محل النزاع
لا خلاف في كون الماء هو الرافع الوحيد للحدث سواء الأكبر منه أو الأصغر؛ لأنه أمر حكمي معنوي لا يعقل معناه من كل وجه، إلا إن الخلاف حاصل في إزالة النحاسة الحسية الحقيقية، فقال الحنفية أنه يجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر؛ لأنه يحقق المقصود ومعقول المعنى، فادعي أن الحنفية خالفوا النص بقول النبي صلى الله عليه وسلم {الماء طهور} فيدل بمنطوقه على أن الماء هو الطهور المزيل للخبث، وقد غيرتم النص بعد التعليل بأن جعلتم إزالة الخبث تجوز بكل منق مزيل لعين النجاسة ولو من غير الماء (¬7).
- الرد على المدعى:
ويجاب على ذلك: إن استعمال الماء لإزالة النجاسة يجوز بكل ما يصلح لها، لأن التنصيص في قوله صلى الله عليه سلم " الماء طهور" (¬8)، لا يدل على التخصيص، فلا يدل على أن غير الماء ليس بطهور، فإن استعمال الماء ليس بمقصود بالذات؛ فإن من قطع
¬
(¬1) ينظر: الفناري، فصول البدائع في أصول الشرائع، ج2، ص 334
(¬2) ينظر: ابن الساعاتي، نهاية الوصول على علم الأصول، ج2، ص 578؛ المحبوبي صدر الشريعة، التوضيح شرح التنقيح، ج2،ص 141.
(¬3) اخرج مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله برقم (291):
حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به، قال: «تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه»
(¬4) أخرج أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة برقم (67)، قول النبي صلى الله عليه وسلم (الماء طهور لا ينجسه شيء)، حديث صحيح بطرقه وشواهده ... ينظر: مسند الإمام أحمد، مسند أبي سعيد الخدري طبعة الرسالة ج17، ص 357.
(¬5) ينظر: السمعاني، الاصطلام بين الشافعي وأبي حنيفة، ج 1، ص42
(¬6) الإبياري، علي بن إسماعيل الأبياري (ت: 616 هـ)، والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه، تحقيق: علي بن عبد الرحمن بسام الجزائري، الكويت، دار الضياء، (2013 م)، (ط1)، ج3، ص 486؛ العطار (ت: 1250هـ)،، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (د. ط)، ج1، ص334.
(¬7) ينظر: النووي، المجموع شرح المهذب، ج1، ص93؛ السمعاني، القواطع في أصول الفقه ج3، ص927؛ الإبياري، البيان في شرح البرهان في أصول الفقه، ج3، ص486؛ ينظر: المحبوبي، المصدر السابق ج2، ص 136.
(¬8) سبق تخريجه
موضع النجاسة في الثوب سقط عنه استعمال الماء، فكان الواجب إزالة العين النجسة، فإزالتها معقولة المعنى يجوز بكل قالع يزول به الخبث (¬1).
المبحث الثالث: رد الحنفية على من ادعى نقض عللهم ومعارضتها:
تعد العلة هي الركن الرئيس في عملية القياس؛ لأن القياس يدور عليها، وهذا لا يعني عدم افتقارها إلى غيرها من الأركان؛ إنما للأهمية التي تميزها عن غيرها من بقية الأركان، فلصحة القياس لا بد من وجود أصل معلول معقول المعنى بنص أو إجماع؛ ليعرف الحكم فيه، ولا بد من وصف مؤثر في ثبوت ذلك الحكم، ولا بد من وجود فرع وجد فيه مثل ذلك الوصف؛ لأن القياس ما يكون بين شيئين بينهما مشابهة في الوصف المؤثر، ولا وجود له إلا عند وجود الأصل والفرع والوصف الذي هو ركن العلة (¬2).
فاشترط الحنفية أن تكون العلة مؤثرة لا أن تكون طردية فقط؛ فأهل الاطراد يعرفون العلة الطردية بأنها: دوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما عند البعض، ووجودا عند البعض الآخر، أي اختلفوا في ذلك فقيل: وجود الحكم عند وجوده وعدمه عند عدمه، وقيل وجوده عند وجوده ولا يشترط عدمه (¬3).
أما أهل التأثير فيشترطون الصلاح والعدالة حتى يكون الوصف مؤثرا، لأن الوصف المطرد بدورانه قد يكون اتفاقيا وليس احترازيا، فحتى تكون العلة مؤثرة لا بد من سلامتها من الموانع والمعارضة، وأن لا ينفك الحكم عن العلة عند وجوده، وإلا لزم تخصيص العلة، فيقول القائل عند تخلف العلة عن الحكم وعدم دورانها معه بأن علتي مخصوصة، وهذا مسلك فاسد عند الحنفية، إذا لا تخصيص للعلة على الراجح عند الحنفية؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب كل مجتهد، فتخلف العلة عن الحكم يدل على إنها غير صحيحة (¬4).
فالعلة المؤثرة عند الحنفية هي التي يتوفر فيها شرطان رئيسان: الصلاح والعدالة، فالصلاح: هو الوصف الملائم المناسب الذي يصح إضافة الحكم إليه، ولا يكون نائبا عنه بحيث يكون موافقا للعلل المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالح، بحيث تكون فكانوا يعللون بأوصاف مناسبة للأحكام، فلا بد للمجتهد من أن تكون علته المستنبطة موافقة لما كان يعللون به السلف من مناسبة وملاءمة، فإذا كانت العلة مناسبة جاز التعليل بها. أما العدالة بأن يظهر أثره في جنس الحكم المعلل به أو بعينه؛ بحيث تكون العلة مثبتة شرعا بالنص أو بالإجماع، فعند ثبوت العدالة يجب تعدية العلة للحكم؛ لأنها بذلك أصبحت علة مؤثرة فالتعدية لازمة للعة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: ابن الساعاتي، نهاية الوصول على علم الأصول، ج2، ص578؛ المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح ج2، ص 142.
(¬2) ينظر: السمرقندي، علاء الدين شمس النظر أبو بكر محمد نب أحمد السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه، تحقيق الأستاذ الدكتور العالم الرباني عبدالملك بن عبدالرحمن السعدي، عمن، الأردن،، دار النور المبين، (2017م)، (ط2)، ج2، ص 875.
(¬3) ينظر: الحقاني، أبو محمد عبدالحق الحقاني، النامي على شرح منتخب الحسامي للشيخ الإمام حسام الدين محمد بن محمد بن عمر الأخسيكثي (ت 644 هـ)، كراتشي، باكستان، مكتبة البشرى، (2014م)، ص 235؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2، ص36.
(¬4) ينظر ملاجيون، نور الأنوار ج2،ص64.
(¬5) ينظر: ملاجيون، نور الأنوار ج2،ص33 – ص40.
قال صاحب التقويم: (لا بد من صلاح الشاهد للشهادة، كما في شهود المعاملات صلاحهم للشهادة بالحرية والعقل والبلوغ، كذا الأصل يجبأن يكون صالحا للتعليل، ولا بد من اعتبار الوصف صالحا، كما يعتبر لفظ الشاهد، ولا بد من اعتبار العدالة كما في الشاهد ... فمثال المتناظرين مثال المتخاصمين في حقوق الناس، فالمجيب بمنزلة المدعي، والسائل بمنزلة المنكر، والقياس شهادة، والأصل شاهد، والمجيب مستشهد، والحكم مشهود به، والسائل بلسانه وبدنه مشهود عليه، والقلب منه حاكم عليه، وتأثير الوصف عدالة ظاهرة) (¬1).
ومن هنا ظهر بما يسمى بآداب المناظرة بين المدرستين: مدرسة الاطراد والتأثر بحيث يحاول كل من المدرستين نقض علة الآخر، ونحن في بحثنا هذا لن نتعرض لنقض العلة الطردية، بل سنتعرض للرد على من ادعى مخالفة الحنفية عللهم المؤثرة، وبيان أدلة الحنفية وحججهم في انسجامهم مع أصولهم وعللهم.
المطلب الأول: الرد على من ادعى نقض (¬2) العلة المؤثرة.
لما كانت العلة المؤثرة قد دل على صلاحها الشرع، فلا تقبل النقض حقيقة (¬3)، إنما قد تقبل النقض صورة، لأن أثرها ظهر بالكتاب والسنة والإجماع، وهؤلاء الثلاث لا تحتمل النقض وفساد الوضع؛ فكذا العلة المثبتَة بها والمستنبطة منها، لذا قلنا إن المناقضة تتجه عليها صورة لا حقيقة، وفي حال تصور المناقضة فإنه يدفع بأحد طرق أربعة (¬4):
1 - الدفع بالوصف: أي بعدم تحقق وصف العلة في مادة التخلف (¬5).
2 - الدفع بالمعنى الثابت بالوصف: أي بعدم تحقق المعنى الثابت بالوصف دلالة له دخل في عليه الوصف في مادة النقض، فكأنه لم يوجد العلة، فإن الوصف ليس علة بدون ذلك المعنى (¬6)، ما يسمى علة العلة.
3 - الدفع بالحكم: وهو أن تمنع تخلف الحكم عن العلة في صورة النقض (¬7).
4 - الدفع بالغرض: أي بوجود الغرض المطلوب من العلة في مادة النقض (¬8).
¬
(¬1) ينظر: الدبوسي، أبوزيد عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي (430 هـ)، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق خليل محي الدين الميس، بيروت، لنبان، (2011م)، (ط1)، ص300.
(¬2) المناقضة: هو إدعاء السائل بطلان دليل المعلل مع استدلاله على دعوى البطلان بتخلف الدليل عن المدلول بسبب جريانه على مدعى آخر غير هذا المدعى. ينظر: السعدي، الإمام الرباني عبدالملك بن عبدالرحمن السعدي، حسن المحاورة في آداب البحث والمناظرة، عمان، الأردن، دار النور المبين، (2014م)، (ط1)، ص10.
(¬3) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص44
(¬4) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص 62؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص295.
(¬5) ينظر: الفناري، فصول البدائع في أصول الشرائع، (ج2،384)؛ اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2/ 76.
(¬6) 5 المصدر السابق
(¬7) المصدر السابق
(¬8) ينظر: السنبهلي، حاشية السنبهلي على نور الأنوار، ج2، ص76
فليس المراد أن الحنفية يدفعون بهذه الأربعة مجتمعة بل يجب دفع بعض النقوض ببعض الطرق، فعند إيراد النقض الصوري على العلل المؤثرة لدى الحنفية من قبل السائل (¬1) فإنه يتم دفعه ببعضها. والسائل: هو من نصب نفسه لنفي الحكم، والمعلل: من نصب نفسه لإثباته بالدليل، وقيل: السائل هو الهادم للوضع بالمنع والمعارضة، والمعلل هو الحافظ في الموضع بإقامة الحجة (¬2)
وسنورد أمثلة على كل منها:
إن علة نقض الوضوء عند الحنفية هو خروج مطلق النجاسة وانتقالها من داخل الجسم إلى خارجه، إلا أنهم فرقوا بين السبيلين وغيرهما في الانتقال حيث اشترطوا البدو؛ أي مجرد الظهور على رأس المخرج لنقض الوضوء في السبيلين، بينما اشترطوا السيلان للنجاسة في غير مخرج السبيلين حتى تكون ناقضة (¬3).
من هنا أورد الشافعية (¬4) نقضا فكما نقول في الخارج من غير السبيلين كالدم وغيره إنه نجس خارج من بدن الإنسان فكان حدثا كالبول، فيورد عليه نقضا أي على هذا التعليل ما إذا لم يسل فإنه نجس خارج وليس بحدث؛ فنقض السائل علة المستدل (¬5).
فدفع الحنفية النقض بالفروع الآتية:
الفرع الأول: الدفع بالوصف:
وذلك بدفع مدعى السائل بعدم تحقق الوصف في مادة التخلف، وهو أن الدم ليس بخارج بل هو باد، أي أن الدم مستقر في موضعه، إنما زايله الجلد فظهر الدم الذي تحت الجلد؛ لأن تحت كل جلدة دما، فإذا زالت الجلدة ظهر الدم في مكانه ولم يخرج (¬6)، ولم تتحقق العلة في انتقاله من موضعه إلى موضع آخر، بخلاف الدم السائل، فهو دم في العروق انتقل إلى فوق الجلد، وخرج من موضعه غلى موضع آخر، فالسيلان غير البدو، فالوصف الذي هو الخروج لم يتحقق؛ لأن تحققه بالدم لا يكون إلا بالسيلان، لذا النقض الذي أورده السائل بأن الدم إذا لم يسل بأنه نجس خارج، نقول إنه ليس بخارج بل هو باد (¬7).
قال الرهاوي في حاشيته: (إنما يسمى باد لا خارجا؛ لأن تحت كل جلدة رطوبة، وفي كل دم يظهران عند زوال الحائل، كمن كان في خيمة مستترا، فإذا رفعت كان ظاهرا وباديا لا خارجا، إنما يكون خارجا إذا فارق الخيمة) (¬8)، و ذكر ابن الملك في شرحه: (فندفعه أولا بالوصف وهو أنه ليس بخارج؛ لأن الخروج هو الانتقال من باطن إلى ظاهر، وحيث لم ينتقل من مكانه لا يصير
¬
(¬1) السائل: هو الذي يعارض ادعاء المدعي بالمعارضة أو بالنقض أو بالمنع، كأن يقول: العالم قديم؛ لأنه أثر من آثار القديم، وكل ما هو أثر من آثار القديم فهو قديم. انظر: السعدي، عبدالملك، حسن المحاورة في آداب البحث والمناظرة، ص9.
(¬2) ينظر: الرّهاوي، حاشية الرهاوي على منار الأنوار، ص847.
(¬3) ينظر: الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه المخيل ومسالك التعليل، ص 465؛ السمرقندي، محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر علاء الدين السمرقندي (ت: نحو 540هـ)، تحفة الفقهاء، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، (1994 م)، (ط2)، ج1، ص18 - 19.
(¬4) ينظر: السمعاني، الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، ج1، ص113 - ص 121؛ السمعاني، القواطع في أصول الفقه، ج3، ص1054 – 1056
(¬5) ينظر: المصدر السابق
(¬6) ينظر: الرهاوي، حاشية الرهاوي على منار الأنوار، ص852.
(¬7) ينظر: أمير بادشاه، محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير بادشاه الحنفي (ت: 972 هـ)، تيسير التحرير، مصر، مصطفى البابي الْحلَبِي – مصر، (1932 م) وصورته: دار الكتب العلمية - بيروت (1983 م)، ودار الفكر - بيروت (1996 م)، ج4، ص143.
(¬8) الرهاوي، حاشية الرهاوي على منار الأنوار، ص852.
خارجا، فلا يرد نقضا علينا لعدم وجود العلة فيه) (¬1)، وقول ابن الملك أنه ليس بخارج بيّنه صاحب أنوار الحلك: (أراد أنه ليس بنجس خارج، لأن الدفع بالوصف هو منع وجود العلة في صورة النقض بأن يقول ما ذكرته علة ليس بموجود في صورة النقض، والعلة إنما هي كونه نجسا خارجا لا مجرد كونه خارجا) (¬2).
وفي معرض الكلام عن اعتراض الشافعية (¬3) على علة الحنفية في اعتبار الخارج النجس من غير السبيلين ينقض الوضوء أجاب صاحب الفصول الإمام الجصاص بأن المجيب إذا اعتل بعلة منصوص عليها، فعارضه السائل بعلة مستنبطة، كان له أن يقول: علتي أولى؛ لأنها منصوص عليها، وعلتك مستنبطة، ولا حظ للاستنباط مع النص، وذلك نحو معارضة المخالف لنا على علة نقض الطهارة بظهور النجاسة. فإن قليل القيء لا ينقضها، والمعنى فيه: أنه نجاسة خارجة من غير السبيل، ويحتج على صحة اعتلاله بأن النجاسة إذا خرجت من السبيل أوجبت نقض الطهارة، وهو البول، وإذا خرجت من غير السبيل لم توجبه، وهو يسير القيء. فيقال: إن اعتلالنا أولى؛ لأنه مبني على علة منصوص عليها، وهو قوله - عليه السلام - في دم الاستحاضة: " إنها دم عرق" (¬4)، فهو أولى مما ذكرت فتسقط معارضته (¬5).
وتعليله صلى الله عليه وسلم دم الاستحاضة بأنها دم عرق، ليعتبر في نظائره. ولولا أنه أراد ذلك ما كان لقوله (إنها دم عرق) معنى، ولا فائدة مع قوله: إنها ليست الحيضة، فلما ذكر الأمرين، علمنا أنه أراد بقوله إنها دم عرق، التنبيه على العلة. وأيضا: فإن ما خرج مخرج الاعتلال فظاهره أنه علة يجب القياس عليها، ورد نظائرها إليها، حتى يقوم الدلالة على غير ذلك، وقوله: إنها دم عرق، خارج مخرج الاعتلال (¬6).
الفرع الثاني: الدفع بالمعنى الثابت بالوصف:
هو المعنى الذي صار الوصف لأجله علة (علة العلة)، أي ندفعه بعدم المعنى الثابت بالوصف وهو الخروج، فلو سلمنا أنه وجد وصف الخروج؛ لكنه لم يوجد المعنى الثابت بالخروج دلالة وهو وجوب غسل ذلك الموضع.
والحاصل: أن نسأل أنفسنا، لماذا كان البول ناقضا للوضوء؟، الجواب: لأنه نجس خارج، ثم نسأل أنفسنا: لماذا الخارج النجس اعتبر علة؟ فيبحث عن المعنى وهو المسمى (بعلة العلة).
¬
(¬1) ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص296.
(¬2) ينظر: ابن الحلبي، حاشية أنوار الحلك على متن منار الأنوار، ص 850.
(¬3) ينظر: السمعاني، الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، ج1، ص113 - ص 121؛: الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه المخيل ومسالك التعليل، ص 465
(¬4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب غسل الدم برقم (228):
عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» - قال: وقال أبي: - «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت»
قال السندي: قولها: ترى ما يريبها، بفتح الياء، أي: يوقعها في الريبة أنها طاهرة أو حائضة، والمراد به الدم، أي إذا رأت الدم بعد الطهر وانقطاع الحيض فذاك دم عرق، وليس بحيض. ينظر: مسند الإمام أحمد، مسند الصديقة عائشة بنت الصديق، طيعة الرسالة ج40، ص490
(¬5) الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي (ت 370 هـ)، الفصول في الأصول، وزارة الأوقاف الكويتية، (1994م) (ط2)، ج4،ص208
(¬6) المصدر السابق (4/ 157)
ويجاب على ذلك:
لما وجب غسل المكان الذي ظهرت فيه النجاسة وجب غسل المكان الذي ظهرت فيه النجاسة، فوجب غسل سائر أعضاء للوضوء. ثم نأتي لمسألتنا، جرح طهر ولم يسل، هل يجب غسله؟ الجواب: لا، فيجاب: طالما أن المكان الذي وجد فيه النجاسة ولم يسل لا يجب غسله، فمن باب أولى عدم غسل بقية أعضاء الوضوء، فهذه علة العلة، فأوجب فرقا بين البول وبين ظهور الدم وخروجه، فعدم الحكم لعدم العلة فكأنه لم يوجد خروج (¬1). وقد ذكر الرهاوي في حاشيته) أنه قد ثبت بالدليل أن الحدث باعتبار النجس، فإن قيام النجاسة بالمحل أثر في اتصافه بها عقلا، وذلك لا يتصور فيما يكون من بدن الإنسان إلا بالخروج، فعرفنا أن المؤثر في إيجاب التطهير هو النجس ثم بعد ذلك دير الحكم على الخارج النجس) (¬2).
الفرع الثالث: الدفع بوجود الحكم وعدم تخلفه:
ويرد عليه من جهة الشافعية صاحب الجرح السائل أنه دم سائل خارج من البدن وليس بحدث عندكم ينقض الوضوء ما دام الوقت باقيا، فإذا مضى الوقت صار حدثا فينقض الوضوء، والصورة أن صاحب الجرح السائل ينزل منه دم سائل باستمرار، ويصلي من دون طهارة، فتخلف الحكم عن العلة فأوجب نقضا لعلتكم بتخلفها (¬3).
والجواب: أن الجرح حدث، ويوجب نقضا للطهارة؛ لكن هذا النقض تراخى إلى آخر الوقت للضرورة، فعند خروج الوقت ظهر أثر الحدث، فالخروج نقض، لكن ظهر أثره عند خروج الوقت فهو ثابت وليس بمنتف، قال ابن الملك في شرحه على المنار: (لا نسلم أنه ليس بحدث بل هو حدث ولكن تأخر حكمه إلى ما بعد خروج الوقت، ولهذا لم يجز له المسح على الخفين بعد خروج الوقت إذا لبسهما بعد السيلان) (¬4).
والحكم قد يتصل بالسبب وقد يتأخر عنه لمانع كالبيع بشرط الخيار (¬5)، فالحكم قد يتصل بالسبب وقد يتأخر عنه لمانع: كالبيع بشرط الخيار (¬6)؛ لأن الأصل في البيع أن يترتب أثره مباشرة بعد العقد، فتتم المبادلة بين الطرفين تمليكا وتملكا، فعلة الملك البيع، إلا أنه بخيار الشرط لمدة ثلاثة أيام تأخر حكم البيع بلزوم أثره نتيجة تعليقه بالخيار، وتأخر الحكم عن العلة لا يكون مناقضة (¬7).
الفرع الرابع: الدفع بوجود الغرض وحصوله:
أي الدفع بالغرض من هذا التعليل، على نفس المثال المذكور آنفا في صاحب الجرح السائل الذي يسيل منه الدم، فإن غرضنا التسوية بين الدم السائل والبول السائل فيمن معه سلس بول، فكلاهما معذور، فإن البول حدث في ذاته، فإذا لزم واستمر صار عفوا لقيام الوقت، أي لأجل قيام وقت الأداء، فهو مخاطب بالأداء؛ فيلزم أن يكون قادرا عليه ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث في هذ الحالة، فكذا في مسألة صاحب الجرح السائل المستمر، فهو حدث في ذاته، فإذا استمر ولزم أصبح معذورا كصاحب سلسل
¬
(¬1) ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص296؛ الخبازي، المغني في أصول الفقه، ص321.
(¬2) الرّهاوي، حاشية الرّهاوي على منار الأنوار، ص 851.
(¬3) السمعاني، القواطع في أصول الفقه، ج3، ص1056.
(¬4) ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص296.
(¬5) عزمي زاده، حاشية عزمي زاده على منار الأنوار، 852.
(¬6) خيار الشرط: أن يشترط أحد المتعاقدين أو كلاهما أن يكون له حق فسخ العقد إلى مدة معينة. ينظر: معجم لغة الفقهاء، ص202.
(¬7) الرهاوي، حاشية الرهاوي على منار الأنوار، ص852.
البول ومعفو عنه ليساوي البول المقيس عليه، فإذا لم يساويه في الحكم ولم يجعل عفوا في الفرع (سيلان الدم) لخالف الفرع الأصل، وذلك لا يجوز، فالتسوية المقصودة من التعليل حاصل (¬1).
المطلب الثاني: الرد على من ادعى المعارضة (¬2) للعلة المؤثرة عند الحنفية.
المعارضة هي: إقامة الدليل على خلاف ما أقام المعلل عليه الدليل، وذلك بقوله: ما ذكرت من الوصف وإن دل على الحكم لكن عندي ما يدل على خلافه (¬3).
فإن قيل: كيف يصح الجمع بين المعارضة والمناقضة وبينهما تناف؛ فالمعارضة تستلزم دليل المعلل وصحة دلالته على الحكم، والمناقضة تتضمن بطلان دليله وفساد دلالته على الحكم؟
فأجاب صاحب الكشف بقوله: (لا نسلم أن المعارضة تسليم الدليل مطلقا بل هو ممانعة في الحكم صورة وممانعة للدليل معنى، بدعوى عدم سلامته عن المعارضة فلا يكون بينهما تناف، فمقصود كل واحد منهما الإبطال، كما أن المناقضة تثبت في ضمن المعارضة، فلا تمنع القبول، فالاعتبار للمتضمن لا للمتضَمن) (¬4).
وأما الرد على من ادعى معارضة الحنفية عللهم المؤثرة فيتم الرد عليه بطريقين (¬5) من خلال الفرعين الآتيين:
الفرع الأول: معارضة فيها معنى المناقضة (¬6) وهي القلب: وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: قلب العلة حكما وقلب الحكم علة، أي ما كان علة جعلناه حكما، وما كان حكما جعلناه علة (¬7):
وهو أن يجعل المعلول علة، والعلة معلولا، وهو مبطل للتعليل، لأن العلة موجبة، والمعلول هو حكمه الواجب به كالفرع من الأصل، فلم يجز أن يكون الحكم علة، والعلة حكما، فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل (¬8).
¬
(¬1) ينظر: ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص76 - 77؛ اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص76 - 77؛ السنبهلي، حاشية على حاشية نور الأنوار، ج2، ص76 - 77.
(¬2) المعارضة: هي إبطال السائل ما ادعاه المعلل، واستدل عليه بإثبات نقيض هذا المدعى. انظر: السعدي، عبدالملك، حسن المحاورة في آداب البحث والمحاورة، ص9.
(¬3) ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص297.
(¬4) البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص75.
(¬5) قال: ابن الملك: (اعلم ان في هذا القول أمرين أحدهما كونه معارضة فيها مناقضة، والثاني: تقديم المعارضة وجعلها أصلا، أما الأول فلأنه ذو حظ من كل واحد منهما، فإن فيه إبداء علة أخرى، وهذا خاصة المعارضة، وفيه إبطال دليل المعلل أيضا هذا خاصة المناقضة، والأمر الثاني: هو جعل المعارضة أصلا فلأن المعارضة قصدية؛ لأن المصنف رحمه الله تعالى نفى المناقضة عن العلل المؤثرة بقوله لأنها لا تحتمل المناقضة فصار الكلام في المعارضة قصدا وفي المناقضة ضمنا)؛ ص297.
(¬6) النقض: لغة: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء أو عهد، ويأتي بمعنى الهدم، فيقال: نقض البناء أي: هدمه. انظر: المصباح المنير ص 621، مادة نقض)
(¬7) ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص298.
(¬8) السمعاني، أبو المظفر السمعاني المروزي (ت 489 هـ)، القواطع في أصول الفقه، دار الفاروق، عمان، الأردن 2011م، ج3، 1096.
ومثاله: قول الشافعية (¬1): إن الكفار جنس يجلد بكرههم مائة، فيرجم ثيبهم كالمسلمين، فالشافعية أرادوا تعليل رجم الثيب الكافر كما يرجم المسلم الثيب، فقالوا: إن ثيبهم يرجم كالمسلم؛ لأن بكرهم أي بكر الكفار يجلد كما يجلد البكر المسلم؛ فيجلد ثيبهم، فجعلوا العلة بكون الكفار جنس يجلد بكرهم مائة، والحكم فيرجم ثيبهم كالمسلمين، فجعل جلد المائة علة لرجم الثيب بالقياس على المسلمين (¬2).
لكن في الواقع جلد المائة الذي جعل علة هو حكم شرعي، فيعارض بالقلب، بأن نجعل الحكم علة والعلة حكما، فقلنا إنما يجلد بكرهم مائة؛ لأنه يرجم ثيبهم، فلا نسلم أن الجلد علة للرجم في المسلمين بل الرجم علة للجلد، فالدليل لما احتمل الانقلاب فسد الأصل وبطل القياس؛ لأنه إنما يصح إذا كان مثل علة الأصل موجودا في الفرع، وبعد الانقلاب لم يبق علة المجيب في الأصل علة، وهذا هو معنى المعارضة، وأيضا فيها معنى المناقضة حيث جعل العلة حكما، فليس المراد بالمناقضة بيان تخلف الحكم عن الدليل، بل المراد إبطال دليل المعلل (¬3).
فالعلة والأثر الناتج عنها يتعين أن يكون أحدهما علة والآخر معلولا، فالقلب يظهره، لأن العلة مثبتة، فلا يجوز أن يكون كل واحد منهما مثبتا للآخر؛ لأن العلة سابقة على المعلول رتبة؛ لأن معلول الشيء لا يكون علة له، فيلزم سبق كل واحد منهما على الآخر بالقلب وهذا محال (¬4)، فهذا قلب مبطل لعلته، فإن ما جعل علة لما صار حكما في الأصل فسد الأصل فيبقى القياس بلا مقيس عليه (¬5).
القسم الثاني: قلب الوصف شاهدا على الخصم بعد أن كان شاهدا له:
فالوصف الذي جعلته دليلا لك، أجعله دليلا وحجة لي، فهو معارضة من حيث أنه يدل على خلاف مدعى الخصم، وفيه مناقضة من حيث إن دليله لم يدل على مدعاه، ففيه إبطال التعليل الأول، وهذا ما يسمى بالمعارضة بالقلب (¬6).
أي؛ تجعل العلة شاهدا لك على خصمك، وهو من قلب الجراب، فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرا، فانقلبت وصارت لك على خصمك، وقد كان ظهرها إليك، فصار وجهها إليك؛ لأن العلة لما شهدت لك وعليك في حكم واحد، فصار أحدهما يعارض الآخر، ونقض كل واحد منهما صاحبه، فبطلا جميعا (¬7).
¬
(¬1) ينظر: الرافعي، عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)، العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، تحقيق: علي محمد عوض - عادل أحمد عبد الموجود، بيروت، لبنان (1997م)، (ط1)، ج11، ص138.
(¬2) ينظر: القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت 684هـ)، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقييق عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز (1995م)، (ط1)، ج8، ص 363؛ ابن الدهان، محمد بن علي بن شعيب، أبو شجاع، فخر الدين، ابن الدَّهَّان (ت: 592هـ)، تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة ونبذ مذهبية نافعة، تحقيق: صالح بن ناصر بن صالح الخزيم، الرياض، السعودية، مكتبة الرشد، (2001م)، (ط1) ج2، ص 472.
(¬3) ينظر: الدبوسي، تقويم الأدلة، ص 331؛ ابن الساعاتي، بديع النظام، ج2، ص 637؛ الفناري، البدائع في أصول الشرائع، ج2، ص 408؛ ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص79 – 81
(¬4) السنبهلي، حاشية السنبهلي على نور الأنوار، ج2/ 79 – 81.
(¬5) ابن العيني، زين الدين عبدالرحمن بن أبي بكر المعروف بابن العني ت (893 هـ)، شرح متن المنار في أصول الفقه، تحقيق سمير الطواف، دمشق، دار البيروتي، (2010م)، ص 325؛ الرهاوي، حاشية الرهاوي على نور الأنوار، ص855.
(¬6) ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص299؛ ابن العيني، شرح متن المنار، ص326؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2، ص82 - 83).
(¬7) السمعاني، القواطع في أصول الفقه، ج3، 1070.
ومثاله: قول الشافعية (¬1) في صوم رمضان إنه صوم فرض، فلا يتأدى إلا بتعيين النية كصوم قضاء رمضان، فجعلت الفرضية علة لتعيين وصف الصيام، فشبه صوم رمضان بالقضاء، فكما صوم القضاء لا بد له من تعيين النية فكذا صوم رمضان بجامع إن كلا منهما فرض (¬2).
فنقوم بجعل نفس الدليل الذي أتى به المدعي حجة لنا وهي المعارضة بالقلب، فنقول إن رمضان لما كان صوما فرضا ومعنيا من الشارع الكريم استغنى عن النية بعد تعينه كصوم القضاء، أي إن القضاء بعدما تم تعيينه في أول لحظة وشرعت بالصيام، فهل يجب استحضار النية طول فترة النهار؟ الجواب: لا، بعد أن تعين هذا اليوم قضاء لا يحتاج إلى النية بعد ذلك، أذن: فالقضاء لا يحتاج إلى النية بعدما تعين، فكذلك رمضان لا يجب التعيين بعدما تعين، فقد عينه الشارع الكريم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا انسلخ شعبان فلا صوم إلا عن رمضان) (¬3)، لكن رمضان ما كان معينا قبل الشروع فلا يحتاج إلى تعيين العبد، وصوم القضاء لما لم يكن متعينا قبل الشروع احتاج إلى تعيين العبد مرة واحدة (¬4).
وهناك أيضا قلبا آخر للعلة ويسمى شبيها بالعكس (¬5) لكنه ضعيف: ومثاله قول الشافعية (¬6) في النوافل بأنها لا تلزم بالشروع ولا تقضى بالإفساد، كالوضوء فإنه لا يلزم بالشروع، فكما أنه لم يمض في فاسده لم يلزم بالشروع؛ أي إن الصلاة لا يمضى بفاسدها فلا تجب بالشروع، مثل الوضوء اذا انتقض أثناء الوضوء هل نكمله؟ الجواب: لا، فكذلك الصلاة مثل الوضوء لو شرعت بها لا يلزم إتمامها (¬7).
ويجاب عنه: إن الصلاة لو نذرتها تلزمك، لكن الوضوء لو نذرته لا يلزمك، وبناء على ما قلتم بالمساواة بين الصلاة والوضوء يلزمكم أن تقولوا كما إن الوضوء لا يلزم بالنذر، فكذلك الصلاة لا تلزم بالنذر، فالوصف الذي جعله الشافعي دليلا على عدم اللزوم بالشروع في النفل وهو عدم الامضاء في الفساد، جعلناه علة لاستواء النذر والشروع، ويلزم منه اللزوم بالشروع، وهذا نقيض حكم المعلل (¬8).
وكذا أمر الشارع بحفظ العهد؛ فالناذر عهد أن يطيع الله تعالى، قال تعالى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد} [المائدة:1] فلزمه الوفاء بالإبقاء على ما أدى، كما أمر الشارع الكريم بحفظ ما أدى من العبادة ونهى عن البطلان قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا
¬
(¬1) السمعاني، القواطع في أصول الفقه ج3، ص1061، ج3، 1070.
(¬2) ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص299؛ ابن العيني، شرح متن المنار، ص326؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2، ص 82، -83).
(¬3) لم أقف عليه في كتب الحديث، والمتن موجود في كتب الأصول بنصه.
(¬4) ينظر: الدبوسي، تقويم الأدلة، ص 299؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص 299)؛ ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص3.
(¬5) العكس ليس من باب المعارضة، لكنه لما استعمل في مقابلة القلب ألحق بهذا الباب .. وهذا النوع من القلب ليس بعكس حقيقة لأنه لا يصدق عليه تعريف العكس، لذلك ذكره عامة الأصوليين في أقسام القلب ولم يذكروه في العكس، لكنه لما كان يشبه العكس من حيث أنه رد للحكم الذي اطرد وإن كان على خلاف سننه أورده فخر الإسلام في هذا القسم وتابعه المصنف. انظر: ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن تنوير الأبصار، ص232 – 233.
(¬6) السمعاني، القواطع في أصول الفقه، ج3/ 1061.
(¬7) ينظر: ملاجيون، نور الأنوار، ج2/ 84 - 85.
(¬8) ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص300؛ ملاجيون، نور الأنوار، ج2،ص 84 - 85.
أَعْمَالَكُم} [محمد:33]، ولا يتصور بقاء ما أدى إلا بانضمام سائر لأجزاء إليه فوجب عليه الضم صيانة لما أدى عن البطلان، ثم إبطال ما أدى فوق ترك الأداء وقد وجب عليه الأداء تحقيقا للوفاء بالعهد؛ فلأن يزمه إتمام ما أدى وإبقاؤه عبادة بعد الأداء تحقيقا للوفاء كان أحرى وأولى، هذا من وجه، ومن جهة أخرى نقول النذر والشروع معلول علة واحدة وهو الوفاء بالعهد؛ لأن العهد ثمة بالقول والفعل، وههنا بالفعل، والفعل أي بالشروع أقوى من القول، فمن نذر بالقول عليه الأداء، فمن باب أولى من شرع بالعبادة (¬1)
الفرع الثاني: المعارضة الخالصة عن المناقضة (معارضة بالغير) وهي نوعان (¬2):
المعارضة الخالصة عن معنى المناقضة والذي يسمى في علم المناظرة معارضة بالغير انقسمت إلى نوعين:
النوع الأول: المعارضة في حكم الفرع:
فإذا ذكر المعلل علة في إثبات حكم في الفرع أو نفي حكم، فيعارضه خصمه بعلة أخرى توجب ضد ما توجبه علة المعلل، فتتعارض العلتان، فيمتنعان عن العمل، إلا أن تترجح إحدى العلتين على الأخرى، فحينئذ يعمل بالعلة الراجحة، وهذه العلة تأتي على كل علة يذكرها المعلل، وحاصله أن يقول المعترض للسائل: يوجد لنا دليل على خلاف حكمك في المقيس، وفي ذلك خمسة أقسام:
1 - المعارضة بضد ذلك الحكم بلا زيادة:
أي يثبت ضد الحكم الذي أثبته المعلل في المقيس وبلا زيادة؛ أي في الحكم الأول الذي قال به المعلل وبلا تغيير فيه، و يكون ما أثبته صحيح؛ لما فيه من إثبات حكم مخالف للحكم الأول للسائل بإثبات علة أخرى في ذلك المحل بعينه، بحيث يذكر علة داله على نقيض حكم المعلل صريحا من غير زيادة أو نقصان، فبذلك يقع في محض المقابلة من غير تعرض لإبطال علة الخصم، فيمتنع العمل بهما بمدافعة كل واحد منهما ما يقابلهما، فينسد طريق العمل بهما إلا بترجيح إحدى العلتين على الأخرى، فحينئذ يجب العمل بالراجحة (¬3).
ومثاله: ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله في إن المسح ركن في الوضوء؛ فيسن تثليثه كالغسل (¬4).
والجواب من جهة المعارضة الخالصة بلا زيادة أو نقصان: المسح بالرأس مسح، فلا يسن تثليثه كمسح الخف
والملاحظ أن المعارض معارضة خالصة ذكر نفس علة السائل (المسح) بلا زيادة أو نقصان، فكما أن المسح علة للتثليث بزعمك، فلم أقم بإبطال علتك، وإنما استخدمت العلة لإثبات حكم نقيض لحكمك الذي اثبتت (¬5).
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص79؛ الرهاوي، حاشية الرهاوي على منار الأنوار، ص 857.
(¬2) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص 61؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، جج3، ص 281؛ ابن الساعاتي، بديع النظام، ج2، ص 639؛ ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص85.
(¬3) ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص85؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار ص 301 (هو أن يعارض السائل بما يخالف حكم المعلل بأن يذكر علة أخرى توجب خلاف حكمه من غير زيادة وتغيير فيه فيقع بإيراد الضد المحض مقابلة محضة بلا تعرض لإبطال علة الخصم .. وهي أن يقول السائل للمعلل دليلك وإن دل على مدعاك لكن عندي ما ينفيه).
(¬4) ينظر: السمعاني، القواطع في الأدلة، ج2، ص162؛ الطوفي، نجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبدالكريم بن سعيد الطوفي (ت:716 هـ)، شرح مختصر الروضة، تحقيق عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، (2011م)، (ط1)، ج3، ص 479 – 480، ج3، ص521؛ المحلاوي، تسهيل الوصول في علم الأصول، ص436.
(¬5) اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص85: ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص300 – 301؛ ابن العيني، شرح متن المنار، ص 327 – 328.
وقد أجاب الجصاص في فصوله حول هذ الجزئية حيث قال: (إذا كانت إحدى العلتين موجبة لرد الحكم إلى ما قرب منها وهو من جنسها، والأخرى توجب ردها إلى ما بعد منها وما ليس من جنسها، فإن ما يوجب حمله على ما هو من جنسها وما قرب منها أولى من الأخرى، على ما حكينا عن أبي الحسن، ويكون هذا ضربا من الترجيح، نحو حملنا لمسح الرأس مرة واحدة على سائر الممسوحات، بعلة أنه مسح، وموضوعه التخفيف، فهذا أولى من رده إلى الغسل؛ لأن المسح من باب المسح، ومن جنسه وما قرب منه) (¬1).
2 - المعارضة بضد ذلك الحكم بزيادة هي تفسير:
هي تفسير؛ بمعنى أنها تقرر الحكم الأول من السائل، ففي المثال السابق، قال الإمام الشافعي (¬2). المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه، فيجيب المعترض بتأكيد الحكم الأول بأن المسح ركن في الوضوء؛ فلا يسن تثليثه بعد إكماله، فجملة (بعد إكماله) فيها زيادة تفسيرية على قدر المعارضة، حيث إن السنة عند السادة الحنفية هي إكمال الفرض في محله، فكان المسح في الربع الفرض، ومسح كل الرأس السنة، فهذا هو المقصود بإكمال الفرض في محله؛ أي مسح كل الرأس، أما التثليث فيسن عند إكمال الفرض في محله، فلا يبقى إلا تثليث الغسل كما في غسل الوجه (¬3).
وهي معارضة صحيحة فيجب المصير إليها، لكنها دون الأولى؛ لأن الأولى تصح بلا زيادة، وهذه لا تصح بدون زيادة تفسيرية (¬4)؛ أي في المسألة السابقة ذكر (المسح) في الرد ولم يزد عليه فكانت أكمل في الجواب، أما هنا فزيد (بعد إكماله) فكانت أدون من الأولى.
3 - المعارضة بضد ذلك الحكم بزيادة هي تغيير:
ويكون ذلك بالتغيير بنفي لما أثبته الأول المستدل، أو بإثبات لما لم ينفه الأول، فيكون فيه معارضة في الفصلين.
ومثاله: قول الحنفية في اليتيمة أنها صغيرة عاجزة عن القيام بمصالحها فيولى عليها لأجل علة الصغر (¬5)، فكان الولي لها الجد أو غيره بحسب الترتيب في الولاية، فقال الشافعي (¬6) رحمه الله: هذه صغيرة فلا يولى عليها بولاية النكاح الإخوة قياسا على المال، إذ لا ولاية للأخ على مال الصغيرة بالاتفاق (¬7).
¬
(¬1) الجصاص، الفصول في الأصول، ج4، ص209
(¬2) ينظر: الطوفي، شرح مختصر الروضة ج3، ص 479 – 480، ج3، ص521؛ المحلاوي، تسهيل الوصول في علم الأصول، ص436
(¬3) اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص85.
(¬4) ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص302.
(¬5) ينظر: الرازي، الفصول في الأصول، ج4، ص161.
(واستدللنا على صحة علتنا: بأنا وجدنا البلوغ معنى يستحق به الولاية، بدلالة أن البكر والثيب لا يختلفان في استحقاق الولاية على أنفسهما في الشراء والبيع، ولم نجد للبكارة تأثيرا في استحقاق الولاية عليها في موضع متفق عليه، فكانت علتنا أولى بالصحة، لما لها من التأثير في الأصول وتعلق الأحكام بها، وكان رد البكر البالغة إلى الثيب البالغة، أولى من ردها إلى البكر الصغيرة).
(¬6) ينظر: الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، ص112، نهاية المطلب في دراية المذهب، ج12، ص 148.
(¬7) ينظر: الدبوسي، أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدّبوسيّ الحنفي (المتوفى: 430هـ)، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق خليل محيي الدين الميس، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2001م)، (ط1)، ص339؛ السغناقي، الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (ت: 711 هـ)، الكافي شرح البزودي، تحقيق: فخر الدين سيد محمد قانت، مكتبة الرشد، (2002م)، (ط1)، ج4، ص188؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير (ج3/ 281)؛ ابن الساعاتي، نهاية الوصول الى علم الأصول، ج2، ص540؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص302.
فيجاب: إن تعيين الأخ زيادة توجب تغير الحكم الأول الذي وقع فيه النزاع؛ لأن النزاع في إثبات أصل الولاية على اليتيمة لا في تعيين الولي، فنحن أثبتنا أصل الولاية، والخصم بهذه المعارضة نفى ولاية الأخ على التعيين، وهذا ليس نفيا لما هو المتنازع فيه، فهذا الحكم غير الحكم الأول؛ فالمعين غير المطلق، فهذا التغيير يقتضي الخلل في المعارضة، لكنها مستلزمة لنفي الحكم الأول، وهو إثبات الولاية على الصغيرة بغير الاب والجد من الأولياء، فنحن لم نثبت في التعليل ولاية الأخوة؛ بل مطلق الولاية حتى ينفي المعارض ولاية النكاح (¬1).
فالمعارضة التي فيها زيادة هي تغيير مع نفي ما أثبته الأول بأن ينفي ما أثبته الأول، فبالمثال السابق في الصغيرة، فإن الأول أثبت الولاية مطلقا ومنها ولاية الأخ، والمعارض نفى ولاية الأخ، ومن جهة أخرى فيه زيادة هي تغيير وفيها نفي لما لم يثبته الأول، فإن المعارض نفى ولاية الأخ، ولم يثبته المستدل صراحة (¬2).
4 - المعارضة في المحل المتنازع فيه:
ويكون ذلك بما لم يكن نفيا لما أثبته المعلل، أو إثباتا لما نفاه، بل يكون نفيا لما يثبته المعلل، أو إثباتا لما لم ينفه، لكن يكون تحته معارضة لحكم المعلل بأن يكون حكم الثابت بمها مستلزما لانتفاء الحكم الذي أثبته المعل، فيظهر وجه الصحة من هذا الوجه (¬3).
ومثاله: إن الكافر يملك شراء العبد المسلم؛ لأنه يملك بيعه؛ أي بيع العبد المسلم، فيملك شراءه، فكما أن المسلم يملك بيع العبد المسلم وشراءه، فكذا الكافر. فعارضه أصحاب الشافعي (¬4). رحمه الله فقالوا: إن الكافر لما ملك بيع العبد المسلم وجب أن يستوي فيه ابتداء الملك وبقاءه كالمسلم، ولكن الكافر لا يملك القرار على ملك العبد المسلم شرعا؛ بل يجبر على إخراج العبد المسلم عن ملكه، فكذلك لا يملك ابتداء ملكه تحقيقا للاستواء (¬5).
و الجواب: أن هذه المعارضة زيادة هي تغيير، وهو قوله: وجب أن يستوي، وفيه إثبات لما لم ينفه الأول؛ لأنا ما نفينا الاستواء بين الابتداء والبقاء في التعليل حتى يثبته الخصم في المعارضة، وإنما أثبتنا الاستواء بين البيع والشراء، فكان إثباتا لما لم ينفه الأول، فلا يكون المعارضة متصلة بمحل النزاع، فتكون فاسدة، ولكن نقول أن تحته معارضة للأول، وعلى هذا يصح البيع دون الشراء؛ لأن بقاء ملك الكافر في العبد المسلم ممنوع بالاتفاق، فيؤمر بإخراجه عن ملكه بالبيع من مسلم أو الاعتاق.، فلما استوى الابتداء والبقاء فيمتنع الابتداء، فيتصل بموضوع النزاع من هذا الوجه (¬6).
5 - المعارضة في حكم غير الأول فيه نفي الأول:
¬
(¬1) ينظر: السنبهلي، حاشية السنبهلي على نور الأنوار، ج2، ص86؛ ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص302.
(¬2) ينظر: اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص86.
(¬3) ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص303.
(¬4) ينظر: ابن المحاملي،: أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي، أبو الحسن ابن المحاملي الشافعيّ (ت: 415هـ)، اللباب في الفقه الشافعي، تحقيق عبد الكريم بن صنيتان، المدينة المنورة، دار البخاري، (1416 هـ)، (ط1)، ص235 – 236؛ العمراني، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (ت: 558هـ)، البيان في مذهب الإمام الشافعي، تحقيق قاسم محمد الن، جده، دارالمنهاج، (2000م)، (ط1)، ج8، ص401؛ النووي، المجموع شرح المهذب، ج9، ص 355.
(¬5) المرجع السابق.
(¬6) ينظر: الدبوسي، تقويم الأدلة، ص337)؛ البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص162؛ الفناري، فصول البدائع في أصول الشرائع ج2، ص406؛ ابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، ص 303؛ ملاجيون، نور الأنوار ج2، ص87؛ اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار (ج2/ 87)
أي لا يعارضه بضد الحكم الأول بل يعارضه في حكم آخر غير الأول، لكن فيه نفي للأول، أي لا يخالف الحكم الذي أتى به السائل الحكم الذي أثبت المعلل صورة، بل حكمه حكم آخر في محل آخر بعلة أخرى، لكن فيه أي فيما ثبت بهذه المعارضة من الحكم نفي الأول من حيث المعنى، فبثبوت أحدهما لم يثبت الآخر (¬1).
نظيره ما قاله أبو حنيفة رحمه الله في المرأة التي نُعي إليها زوجها، أي أخبرت بموته، فاعتدت وتزوجت بزوج آخر، فجاءت بولد، ثم جاء الزوج الأول حيا أن الولد للزوج الأول؛ لأنه صاحب فراش صحيح قوي لقيام النكاح بينهما؛ أي بين الزوجة والزوج الأول، فإن عارضه الخصم بأن الزوج الثاني صاحب فراش فاسد فيستوجب به النسب كما لو تزوج امرأة بغير شهود وولدت منه يثبت النسب من الزوج حتى لو كان الفراش فاسدا (¬2).
والحاصل أن هذه المعارضة لم تكن لنفي النسب عن الأول بل لإثبات النسب من الثاني، لكن فيه نفي الأول؛ لأنه إذا ثبت من الثاني ينتفي عن الأول لعدم تصور النسب من شخصين، فيحتاج حينئذ إلى الترجيح، فنقول: الأول صاحب فراش صحيح والثاني صاحب فراش فاسد، والصحيح أولى من الفاسد، فيعارضه الخصم بقوله: إن الثاني حاضر والماء ماؤه، وهو أولى من الغائب؛ فيظهر هنا الفرق وهو إن الملك والصحة أحق بالاعتبار من الحضرة والماء، فإن الفاسد يوجب شبهة في النسب، والصحيح يوجب الحقيقة، والحقيقة أولى من الشبهة (¬3).
والحاصل: أن المعلل علل للإثبات النسب من الأول، والسائل من الثاني، وينبغي أن يعلل لنفيه عن الأول، إلا أن النسب إذا ثبت من زيد لم يصح إثباته من غيره لعدم تصور ثبوته من شخصين، فتضمنت هذه المعارضة نفي النسب، وقد وجد ما يصلح سببا لاستحقاق النسب في حق الثاني وهو الفراش الفاسد، فاحتاج الإمام إلى الترجيح، وهو كون الأول صاحب فراش صحيح أولى بالاعتبار من كون الثاني حاضرا من فساد الفراش، لأن صحة الفراش توجب حقيقة النسب، والفاسد شبهته، وحقيقة الشيء أولى بالاعتبار من شبهته (¬4).
النوع الثاني في بيان المعارضة: المعارضة في علة الأصل:
أي النوع الثاني من المعارضة الخالصة: المعارضة في علة المقيس عليه، وذلك بأن يقول: عندي دليل يدل على العلة في المقيس عليه، اي غير العلة التي قالها المعلل لم توجد في الفرع، ويقول: إن الحكم في الأصل يثبت بهذه العلة التي ذكرتها أنا، لا بالعة التي ذكرتها أنت (¬5).
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام وجميعها باطلة:
القسم الأول: ذكر علة في المقيس عليه (الأصل) لا تتعدى إلى الفرع:
كالتعليل بالعلة القاصرة التي لا يتصور وجودها إلا بالأصل، كما إذا عللنا بالوزن عند بيع الحديد بأن موزون قوبل بجنسه، فلا يجوز بيعه متفاضلا كما الذهب والفضة، فيعارضه السائل بأن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، والثمنية
¬
(¬1) ينظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص303)؛ اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، ج2، ص89.
(¬2) ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص89.
(¬3) المرجع السابق
(¬4) ابن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار، ص334.
(¬5) السمعاني، القواطع في أصول الفقه ج3، ص 1071.
علة عندهم لا تتعدى إلى غيرهما (¬1)، وبطلان هذا القسم لعدم حكمه؛ أي أن حكم التعليل التعدية بل هي لازمة للقياس فبطل التعليل بالعلة القاصرة (¬2).
القسم الثاني: ذكر علة في المقيس عليه تتعدى إلى فرع مجمع عليه:
حيث يأتي السائل بعلة تتعدى إلى المجمع عليه من قبل السائل والمعارض، كما في تعليل حرمة بيع الجص بجنسه متفاضلا بالكيل والجنس كالحنطة مع الشعير، فيعارضه السائل بأن العلة في الأصل المقيس عليه بالحنطة والشعير ليست القدر والجنس، إنما هي الاقتيات والادخار (¬3)، وهو معدوم في الفرع (الجص)، وإن كان يتعدى إلى فرع مجمع عليه وهو الأرز (¬4).
القسم الثالث: ذكر علة في المقيس عليه تتعدى إلى فرع مختلف:
أي تكون العلة مختلف فيها بين المعلل والمعارض السائل، ففي المسألة السابقة في الجص، فلو عارض السائل بأن العلة في الأصل هو الطعم وليس القدر والجنس، ولم يوجد في الجص، والطعم يتعدى إلى فرع مختلف فيه وهي الفواكه وما دون الكيل، فإن الفواكه وما دون الكيل الشرعي أي ما دون نصف الصاع كالحفنة والحفنتين ليس فيهما ربا عند الحنفية لأنها ليست بمكيلة ولا موزونة.
والجواب: إن هذا باطل؛ لأن الوصف الذي يدعيه السائل وهو الطعم – بغض النظر عن كونه متعديا أو غير متعد- لا ينافي الوصف الذي يدعيه المعلل، إذ الحكم يثبت بعلل شتى، فبعد فساد تلك العلة تبقى علة أخرى تكفي (¬5)، لأن الحكم يجوز أن يثبت بعلل شتى على طريق البدلية: كالملك يثبت بالشراء وبالإرث وبقبول الهبة (¬6).
والحاصل: أن الوجوه التي ذكروها السائل فاسدة،؛ لأن ذكر علة أخرى في الأصل لا ينفي تعليل المعلل؛ لجواز اجتماعهما علتين في الأصل، وإذا جاز الاجتماع بلا تدافع لم يقع بينهما معارضة، ولأن ما ذكره المعارض إن لم يتعد إلى فرع هو فاسد لما مر أن حكم التعليل التعدية، وإذا بطل التعليل بطل المعارضة، وإن تعدى كانت المعارضة فاسدة أيضا، سواء تعدى إلى فرع مجمع عليه أو مختلف فيه؛ لعدم اتصالهما بموضع النزاع، إلا من حيث أنه تنعدم تلك العلة في هذا الموضع، وذلك لا يوجب عدم الحكم، ولا يصلح دليلا عند عدم حجة أخرى، فكيف يكون عند مقابلة حجة (¬7).
¬
(¬1) الثمنية لازمة للذهب والفضة لا تنفك عنهما بحال من الأحوال، فجعلناها علة لوجوب الزكاة في الحلي، فتجب الزكاة في الذهب والفضة سواء صيغ صياغة كحلي النساء أو كالأواني كما تجب في غير المصوغ منهما بعلة الثمنية بأصل الخلقة، خلافا للشافعية بكون الزكاة لا تتعلق بكونهما ثمنا بل بكونهما مالا للتجارة. ينظر: المحلاوي، تسهيل الوصول في علم الأصول، ص401.
(¬2) ينظر: ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص89؛ اللكنوي، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار ج2، ص90؛ السنبهلي، حاشية السنبهلي على قمر الأقمار ج2، ص89.
(¬3) الاقتتيات: من قوت، ما يصلح أن يكون قوتا، والقوت ما به قوام بدن الانسان من الطعام. ومنه قولهم: علة تحريم ربا الفضل في الاصناف الاربعة: الاقتيات والادخار، ينظر: قلعجي، معجم لغة الفقهاء، ص83.
(¬4) ملاجيون، نور الأنوار، ج2، ص89.
(¬5) السنبهلي، حاشية السنبهلي على نور الأنوار ج2، ص 99.
(¬6) السغناقي، الكافي على شرح البزدوي، ج4، ص733.
(¬7) ابن عابدين، حشاية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار، ص234.
النتائج:
من خلال الدراسة توصل الباحث إلى النتائج الآتية:
1 - لم يخص الحنفية القليل في قوله عليه الصلاة والسلام " لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء (¬1) " من نفس النص وليس من العلة بإشارته الدالة على ذلك.
2 - إن تعدية الحكم إلى كل مكيل وموزون في علة الربا جاء من نفس النص لا من العلة، وذلك لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم " الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلا بمثل بدا بيد، والفضل ربا"؛ أي بيعوا الحنطة بالحنطة، والحنطة مكيل قوبل بجنسه، وقوله: "مثلا بمثل" حال لما سبق، كأنه قيل: بيعوا الحنطة بالحنطة حال كونهما متماثلين، والأحوال شروط، والأمر للإيجاب، والبيع مباح، فينصرف الأمر إلى الحال التي هي شرط، فيكون المعنى وجوب البيع بشرط التسوية والمماثلة، ولا تتصور المماثلة إلا فيما يمكن ضبطه في المساواة ومعرفة المتفاضل منه من غيره ولا يكون ذلك إلا بالمكيلات؛ لأن المماثلة تقوم بالصورة والمعنى، والصورة بالكيل، والمعنى بالجنس،
3 - سقوط حق الفقير بصور الشاة أو في ذات الشاة بالقيمة في اخراج الزكاة إنما جاء من النص لا بالتعليل؛ فلم يتم إبطال الحق المستحق عن عين الشاة لأنه لا حق للفقير في صورة الشاة؛ إنما حقه في ماليتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإبل ظرفا للشاة بقوله " في خمس من الإبل شاة" (¬2)، وعينها لا توجد في الإبل، وإنما يوجد فيها مالية الشاة، فكان ذكر الشاة معيارا للواجب، وإن حوائج الناس مختلفة ومتعددة، والشاة لا تف بإنجاز تلك المواعيد لكثرتها، فكان ذكر الشاة لأنها معيار لمقدار الواجب فبها تعرف القيمة، لا المراد عين الشاة وذاتها، فاستفيد الحكم من دلالة النص لا من التعليل، كما لم يبطل جواز صلاحية عين الشاة، فالقيمة ثبتت بإشارة النص، وعين الشاة بظاهره.
4 - إن اللام في الآية {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:60]، هي لام العاقبة وليست لام التمليك، إنما يلزم تغيير النص لو كانت اللام للتمليك، فكانت اللام للعاقبة؛ أي إن عاقبة الصدقة للفقير، فلا يمكن أن يراد بهم جميعا؛ لأن حرف التعريف إذا دخل على الجمع أبطل الجمعية وأريد به الجنس، فليس المراد جميع الصدقات لجميع الفقراء والمساكين فلا يمكن أن يكون ذلك المراد، فإذا لم يكن الجمع مرادا، ولا الاستغراق فكان المراد جنس الصدقة لجنس الفقير، فكان المراد عد المصارف الصالحة للصرف، وعدم جواز صرفها إلى غيرها من المصارف، فلو صرفت إلى البعض دون البعض جاز.
5 - جواز لفظ التعظيم لافتتاح الصلاة إنما جاء من معنى النص؛ فمعنى قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّر} [المدثر:3]، المراد من النص أن المقصود وربك فعظم، أي قل وافعل ما فيه تعظيم الله، فكل لفظ فيه التعظيم يكون في معنى الله أكبر.
6 - استعمال الماء لإزالة النجاسة فيجوز بكل ما يصلح لها، لأن التنصيص في قوله صلى الله عليه سلم " الماء طهور" (¬3)، لا يدل على التخصيص، فلا يدل على أن غير الماء ليس بطهور.
7 - الدفع بالوصف يكون بدفع مدعى السائل بعدم تحقق الوصف في مادة التخلف فالدم البادي ليس بخارج بل هو باد.
¬
(¬1) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، برقم (1592).
(¬2) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، في باب في زكاة السائمة، برقم: (1593) وأخرجه الإمام الترمذي، كتاب أبواب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، برقم (621). حديث صحيح
(¬3) أخرج أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة برقم (67)، قول النبي صلى الله عليه وسلم (الماء طهور لا ينجسه شيء)، حديث صحيح بطرقه وشواهده
8 - الدفع بالمعنى الثابت بالوصف؛ ندفعه بعدم المعنى الثابت بالوصف وهو الخروج، فلو سلمنا أنه وجد وصف الخروج؛ لكنه لم يوجد المعنى الثابت بالخروج دلالة وهو وجوب غسل ذلك الموضع.
9 - الدفع بوجود الحكم وعدم تخلفه، (في مسألة صاحب الجرح السائل) أجيب عليه بأن الجرح حدث، ويوجب نقضا للطهارة؛ لكن هذا النقض تراخى إلى آخر الوقت للضرورة، فعند خروج الوقت ظهر أثر الحدث، فالخروج نقض، لكن ظهر أثره عند خروج الوقت فهو ثابت وليس بمنتف.
10 - الدفع بوجود الغرض وحصوله: على نفس مثال صاحب الجرح السائل الذي يسيل منه الدم، فأن غرضنا التسوية بين الدم السائل والبول السائل فيمن معه سلس بول، فكلاهما معذور، فكذا في مسألة صاحب الجرح السائل المستمر، فهو حدث في ذاته، فإذا استمر ولزم أصبح معذورا كصاحب سلسل البول ومعفو عنه ليساوي البول المقيس عليه.
11 - المعارضة التي فيها معنى المناقضة وهي القلب: وتنقسم إلى قسمين: الأول: قلب العلة حكما وقلب الحكم علة، أي ما كان علة جعلناه حكما، وما كان حكما جعلناه علة، والثاني: قلب الوصف شاهدا على الخصم بعد أن كان شاهدا له: فالوصف الذي جعلته دليلا لك، أجعله دليلا وحجة لي، فهو معارضة من حيث أنه يدل على خلاف مدعى الخصم، وفيه مناقضة من حيث إن دليله لم يدل على مدعاه، ففيه إبطال التعليل الأول.
12 - المعارضة الخالصة عن المناقضة (معارضة بالغير) وهي نوعان:
- المعارضة في حكم الفرع: فإذا ذكر المعلل علة في إثبات حكم في الفرع أو نفي حكم، فيعارضه خصمه بعلة أخرى توجب ضد ما توجبه علة المعلل، فتتعارض العلتان، فيمتنعان عن العمل، إلا أن تترجح إحدى العلتين على الأخرى، فحينئذ يعمل بالعلة الراجحة، وهذه العلة تأتي على كل علة يذكرها المعلل.
- المعارضة في علة الأصل: وهي المعارضة في علة المقيس عليه، وذلك بأن يقول: عندي دليل يدل على العلة في المقيس عليه، اي غير العلة التي قالها المعلل لم توجد في الفرع، ويقول: إن الحكم في الأصل يثبت بهذه العلة التي ذكرتها أنا، لا بالعة التي ذكرتها أنت. وتقسم الى: ذكر علة في المقيس عليه (الأصل) لا تتعدى.
المراجع:
- القرآن الكريم
- الإبياري، علي بن إسماعيل الأبياري (ت: 616 هـ)، والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه، 618، تحقيق: علي بن عبد الرحمن بسام الجزائري، الكويت، دار الضياء، (2013 م).
- الإخسيكثي، حسام الدين محمد بن محمد بن عمر (ت:644هـ)، منتخب الحسامي، كراتشي، باكستان، الطبعة الجديدة، مكتبة البشرى، (2014 م).
- الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (ت: 772هـ)، نهاية السول شرح منهاج الوصول، بيروت، لبنان، دار الكتب العملية، (1999م)، (ط1).
- الآمدي، أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد الثعلبي الآمدي (ت:631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبدالرزاق عفيفي، بيروت، دمشق، المكتب الإسلامي، (1431 هـ)، (د. ط).
- ابن أمير حاج، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أمير حاج ويقال له ابن الموقت الحنفي (ت: 879هـ)، التقرير والتحبير، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية (1983م)، (ط1).
- البخاري، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت 730 هـ)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2009م)، (ط2).
- البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة أبو عبد الله البخاري (ت: 256 هـ)، لجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (1422هـ)، (ط1).
- البصري، أبو الحسين محمد بن علي الطيب (ت 436 هـ)، المعتمد في أصول الفقه، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (1403 هـ)، (ط1).
- البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت: 516 هـ)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، بيروت، لنبان، دار الكتب العلمية، (ط1).
- البرماوي، شمس الدين محمد بن عبد الدائم (ت: 831 هـ)، الفوائد السنية في شرح الألفية، تحقيق عبد الله رمضان موسى، الجيزة، مصر، مكتبة التوعية الإسلامية.
- الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت: 279هـ)، الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل، تحقيق وتعليق، أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، (1975م)، (ط2).
- التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني (ت:791 هـ)، شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح المصري.
- الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي (ت 370 هـ)، الفصول في الأصول، وزارة الأوقاف الكويتية، (1994م) (ط2)، ج4،ص208
- الحقاني، أبو محمد عبدالحق الحقاني، النامي على شرح منتخب الحسامي للشيخ الإمام حسام الدين محمد بن محمد بن عمر الأخسيكثي (ت 644 هـ)، كراتشي، باكستان، مكتبة البشرى، (2014م.
- ابن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، (2001م)، (ط1).
- ابن الحلبي (978هـ)، أنوار الحلك على شرح منار الأنوار، القاهرة، دار ركابي للنشر، (د. ط).
- الخبازي، جلال الدين أبي محمد عمر بن محمد بن عمر الخبازي (ت 691 هـ)، المغني في أصول الفقه، تحقيق: محمد مصطفى بقا، جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث، (1403 هـ)، (ط1).
- أبو داود، سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجِسْتاني (ت: 275 هـ)، سنن أبي داوود، تحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط، و محَمَّد كامِل قره بللي، دار الرسالة العالمية، (2009م)، (ط1).
- الدبوسي، أبوزيد عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي (430 هـ)، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق خليل محي الدين الميس، بيروت، لنبان، (2011م)، (ط1).
- ابن الدهان، محمد بن علي بن شعيب، أبو شجاع، فخر الدين، ابن الدَّهَّان (ت: 592هـ)، تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة ونبذ مذهبية نافعة، تحقيق: صالح بن ناصر بن صالح الخزيم، الرياض، السعودية، مكتبة الرشد، (2001م).
- الرازي، زين الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الحنفي الرازي (ت: 666هـ)، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت، صيدا المكتبة العصرية، الدار النموذجية، (1999)، (د. ط).
- الرازي، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين أبو عبد الله التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، المحصول، تحقيق طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة، (1997م)، (ط3).
- الرافعي، عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ)، العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، تحقيق: علي محمد عوض - عادل أحمد عبد الموجود، بيروت، لبنان (1997م)، (ط1).
- الرّهاوي، يحيى الرهاوي المصري، حاشية الرّهاوي على شرح منار الأنوار، القاهرة، دار ركابي للنشر، (د. ط).
- الزركشي، أبو عبدالله بدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، دار الكتبي، (1994م)، (ط) 1.
- ابن الساعاتي، مظفر الدين أحمد بن علي بن الساعاتي، نهاية الوصول إلى علم الأصول، تحقيق سعد بن غرير بن مهدي السلمي، مكة المكرمة، جامعة أم القرى (1985 م).
- الزَّنْجاني،، أبو المناقب شهاب الدين الزَّنْجاني (ت: 656هـ)، تخريج الفروع على الأصول، محمد أديب صالح، بيروت، لبنان، (1398 هـ)، (ط2).
- السبكي، تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (ت:756 هـ)، الإبهاج في شرح المنهاج، لبنان، بيروت، دار الكتب العلمية، (1995م)، (د. ط).
- السبكي، عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت: 771هـ)، الأشباه والنظائر، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (1991م)، (ط1).
- السمرقندي، محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر علاء الدين السمرقندي (ت: نحو 540هـ)، تحفة الفقهاء، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، (1994 م)، (ط2).
- السمرقندي، محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر علاء الدين السمرقندي (ت 540 هـ)، ميزان الأصول في نتائح العقول في أصول الفقه، تحقيق الشيخ الرباني الدكتور عبدالملك بن عبدالرحمن السعدي، عمان، الأردن، دار النور المبين، (2017م)، (ط2).
- السمعاني، منصور بن محمد بن عبدالجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت:489 هـ)، القواطع في أصول الفقه، تحقيق صالح سهيل علي الحمود، عمان، الأردن، دار الفاروق، (2011م)، (ط1).
- السمعاني، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت: 489 هـ)، الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، تحقيق د. نايف بن نافع العمري، دار المنار، (1992م)، (ط1).
- السغناقي، الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (ت: 711 هـ)، الكافي شرح البزودي، تحقيق: فخر الدين سيد محمد قانت، مكتبة الرشد، (2002م)، (ط1).
- الشاطبي، أبو اسحق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق الشيخ عبدالله دراز، القاهرة، دار الحديث، (2006م)، (د. ط).
- الشربيني، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، (ت:977)، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (1994م)، (ط1).
- الشيرازي، أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: 476هـ)، المهذب في فقه الإمام الشافعي، لبنان، بيروت، دار الكتب العلمية، (د. ط).
- الطوفي، نجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبدالكريم بن سعيد الطوفي (ت:716 هـ)، شرح مختصر الروضة، تحقيق عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، (2011م)، (ط1).
- ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عابدين، حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، شركة ومطبعة مصطفي بابي الحلبي وأولاده بمصر، (1997م)، (ط2،).
- العمراني، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (ت: 558هـ)، البيان في مذهب الإمام الشافعي، تحقيق قاسم محمد الن، جده، دارالمنهاج، (2000م)، (ط1).
- ابن العيني، زين الدين عبدالرحمن بن أبي بكر المعروف بابن العني ت (893 هـ)، شرح متن المنار في أصول الفقه، تحقيق سمير الطواف، دمشق، دار البيروتي، (2010م)
- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت: 505 هـ) الكتاب، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تحقيق حمد الكبيسي، بغداد، مطبعة الإرشاد، (1971م)، (ط1).
- فرغلي، محمد محمود فرغلي، بحوث في القياس، (1983م)، (ط1).
- الفناري، محمد بن حمزة بن محمد، شمس الدين الرومي (ت: 834هـ)، فصول البدائع في أصول الشرائع، تحقيق محمد حسين محمد حسن إسماعيل، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2006م)، (ط1).
- ابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، (ت: 620هـ)، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الريّان، (2002م)، (ط2).
- القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت 684هـ)، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز (1995م)، (ط1).
- الكَلْوَذَاني، محفوظ بن أحمد بن الحسن أَبُو الخطاب (ت: 510 هـ)، التمهيد في أصول الفقه، تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة ومحمد بن علي بن إبراهيم، ط1، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى 1985 م.
- اللكنوي، عبدالحي بن عبدالحليم اللكنوي (ت:1304هـ)، حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار، باكستان، كراتشي، مكتبة البشرى، (2011م)، (ط 4).
- اللكنوي، بركة الله، حاشية بركة الله اللكنوي على أصول الشاشي، دمشق، سوريا، دار ابن كثير، (2017)، (ط1).
- المازري، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري (ت 536 هـ)، إيضاح المحصول من برهان الأصول، تحقيق عمار الطالبي، دار الغرب الإسلامي، (ط1).
- ابن المحاملي،: أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي، أبو الحسن ابن المحاملي الشافعيّ (ت: 415هـ)، اللباب في الفقه الشافعي، تحقيق عبد الكريم بن صنيتان، المدينة المنورة، دار البخاري، (1416 هـ)، (ط1).
- المحبوبي، صدر الشريعة عبيدالله بن مسعود المحبوبي (747 هـ)، التوضيح شرح التنقيح، بيروت، لبنان، دار الأرقم بن أبي الأرقم، (1998م)، (ط1).
- المحلاوي، محمد عبدالرحمن عيد، تسهيل الوصول إلى علم الأصول، تحقيق محمد إبراهيم حفناوي، دار الحديث، القاهرة، (2010م
-: ابن الملقن، سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (ت: 804هـ)، التذكرة في الفقه الشافعي، تحقيق: محمد حسن بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، (2006 م)، (ط1).
- ابن الملك، عبداللطيف الشهير بابن الملك، شرح منار الأنوار في أصول الفقه، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، طبعة مصورة عن نسخة المطبعة النفيسة العثمانية، (2004م)، (ط1).
- منون، عيسى منون شيخ رواق الشام، نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول، إدارة المطبعة المنيرية، حقوق الطبع للمؤلف، (ط1).
- ملاجيون، الشيخ أحمد المعروف بملاجيون الصديقي (1130 هـ)، نور الأنوار شرح رسالة المنار، كراتشي، باكستان، مكتبة البشرى، (2011م)، (ط4).
- ابن النجار، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار الحنبلي (ت: 972 هـ)، شرح الكوكب المنير، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، (1997م)، (ط2).
- النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ)،المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي)، عمان، الأردن، دار الفكر، (د. ط)
- الهندي، صفي الدين محمد بن عبدالرحيم الأرموي الهندي (ت 715 هـ)، نهاية الوصول في دراية الأصول، تحقيق: صالح بن سليمان، سعد الدين سالم، مكة المكرمة، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط2، (2012م).