دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في دلالة الخاص
دراسة أصولية نقدية
الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
الفقه الحنفي وأصوله، الفقه الحنفي، العلوم الإسلامية العالمية، عمان، الأردن
hmdlain@yahoo.com
جارٍ تحميل الكتاب…
دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في دلالة الخاص
دراسة أصولية نقدية
الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
الفقه الحنفي وأصوله، الفقه الحنفي، العلوم الإسلامية العالمية، عمان، الأردن
hmdlain@yahoo.com
The Claim Against Hanafis' Contradiction of Their Fundamentals Regarding Indications of Specific Terms
Fundamental Critique Study
Dr. Husni Mabrouk Faraj Al-Dlain
Hanfi Fiqh and Fundamentals, Hanafi Fiqh, World Islamic Sciences and Education University, Amman, Jordan
hmdlain@yahoo.com
ABSTRACT
Objectives
The study attempts to clarify the importance of Hanafi's commitment to the indications of specific terms and to expound the branches of jurisprudence that are based on Fundamentalists' controversies. It also elucidates the indications of obligations and prohibitions, performance and making up, the unrestricted verses the restricted, meaningful particles with their importance and standards, and the claim that they contradict the Fiqh rulings.
Method
The study adopts three methods; namely: the descriptive method, the analytical method and the deductive method. It presents how fundamental matters characterize the indications of specific terms with reference to fundamentalists' writings; knowing and documenting their mathhabs in each and every matter under research. Their sayings are then analyzed and scrutinized for deducing results related to topic under research.
Results
The study shows a number of results; most important of which: Hanafis are committed to the indications of specific terms to their meanings since they are obvious in themselves with no need for further clarification. It also shows that solely reported sayings and analogy are not to be added to the specific term. Furthermore, the making up is as affirmed as the performance, the unrestricted is not to referred to the restricted unless under necessity, and the indications of meaningful particles are meaningfully definite.
Conclusions
The study recommends: not locking oneself to reading only books of branches of Fiqh and only reasoning patrial evidences; instead, commitment to studying fundamental maxims when scrutinizing Fiqh controversial matters.
Key words: Fiqh, Fundamentals of Fiqh, indication of specific terms
الملخص
الأهداف:
هدفت هذه الدراسة إلى بيان أهمية مدى التزام الحنفية بدلالة الخاص، وبيان الفروع الفقهية المبنية على اختلاف الأصوليين، وتوضيح دلالة الأمر والنهي، والأداء والقضاء والمطلق والمقيد، وحروف المعاني، وأهميتها، وضوابطها، ودعوى مخالفتها للأحكام الفقهية.
المنهجية:
اتبعت الدراسة ثلاثة مناهج وهي: المنهج الوصفي، والمنهج التحليلي، والمنهج الاستنباطي، وذلك من خلال وصف المسائل الأصولية لدلالة الخاص من كتب الأصوليين ومعرفة مذاهبهم في كل مسألة من مسائل البحث مع توثيقها، من ثم تحليل الأقوال وتحريرها، واستنباط النتائج المتعلقة بموضوع الدراسة.
النتائج:
توصلت الدراسة الى جملة من النتائج أهمها: التزم الحنفية بدلالة الخاص على مدلوله كونه واضح في نفسه لا يحتاج إلى بيان، وإن الخاص لا يزاد عليه بخبر الواحد ولا بالقياس، والقضاء ثبت بما ثبت به الأداء، والمطلق لا يحمل على المقيد إلا للضرورة، وإن دلالة أحرف المعاني قطعية على مرادها.
التوصيات:
تمخضت الدراسة عن توصيات من أبرزها: عدم الاكتفاء بالنظر في كتب الفروع الفقهية والاستدلال بالأدلة الجزئية فقط، والالتزام بدراسة القواعد الأصولية عند النظر في محل الخلاف الفقهي.
الكلمات المفتاحية: الفقه، أصول الفقه، دلالة الخاص
- المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تعد الأصول هي القواعد الرئيسة التي تبنى عليها الأحكام والفروع، فهي الميزان الدقيق التي تحفظ للدين استقامته وللأحكام اتزانها، ولمّا كانت المدارس الأصولية متشبعة المشارب، تميزت كل مدرسة فقهية أصولية بقواعد وأصول بنوا عليها أحكامهم، والتزموا فيها في مناظراتهم فكان بينهما مساجلات ماتعة في الأصول والفروع، وهذ الدراسة تشكل إحداها، راجيا من الله العلي العظيم أن يوفقنا في عرضها عبر هذا الجهد المتواضع.
- مشكلة البحث:
ومن خلال ما تقدم، تشكل عند الباحث سؤالا حول دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في دلالة الخاص، تفرع عنه عدة أسئلة وهي:
1. ما المقصود بالخاص عند الحنفية؟
2. ما دعوى مخالفة دلالة الأمر عند الحنفية؟
3. ما دعوى مخالفة الأمر بالقضاء عند الحنفية؟
4. ما دعوى مخالفة النهي في الأحكام الشرعية عند الحنفية؟
5. ما دعوى مخالفة حمل المطلق على المقيد عند الحنفية؟
6. ما دعوى مخالفة الدلالة في أحرف المعاني عند الحنفية؟
- أهمية البحث:
ترجع أهمية البحث للطلاب والباحثين عن الأسباب الرئيسة في الاختلاف في الفروع الفقهية، حيث تقدم جانبا لبيان أصل الخلاف في الفروع، كما توفر مرجعا لبيان أصول الخلاف بين المدارس الأصولية بشكل دقيق.
- أهداف البحث:
ويهدف الباحث من خلال هذا البحث عند الحنفية إلى:
1. التعريف بالخاص مع بيان حكمه.
2. بيان دلالة الأمر والتزام الفروع بمدلوله
3. التأكد من كون القضاء ثبت بما ثبت به الأداء.
4. بيان النهي في الأحكام الشرعية كونه لغيره لا لعينه.
5. التأكيد على أن المطلق لا يحمل على المقيد إلا للضرورة.
6. إظهار الدلالة في أحرف المعاني بما يتسق مع الفروع الفقهية.
- محددات البحث
من خلال الدراسة فلا بد من ذكر المحددات التي التزمها الباحث:
1. اقتصرت الدراسة على بيان راي الحنفية في الدعوى من مظان كتبهم.
2. اكتفت الدراسة بأخذ نماذج معدودة خشية الإطناب.
- الدراسات السابقة:
- إبراهيم، محمد علي، تحقيق القول في مخالفة بعض فروع الحنفية أصول المذهب، شبكة الألوكة، www.alukah.net/Sharia/o/22491/، حيث قام الباحث بتحقيق أقوال الحنفية في بعض فروع الفقه كالحدود والكفارات والتقديرات والرخص، إلا أن الدراسة لم تقم بالمناقشة العميقة للأدلة الأصولية والرد عليها، إنما جاءت بشكل مقتضب، ولم يكن هناك عمق في المسائل الأصولية والتدليل عليها.
- د. جابر، مأمون مجلي، دعوى تعديل الحنفية للقاعدة الأصولية لتناسب الفروع المتعارضة، مجلة البحوث جامعة أم درمان الإسلامية، العدد (23)، 2013م، حيث ناقش الباحث دعوى تعديل الحنفية قواعدهم الأصولية لتناسب الفروع الفقهية. إلا أنها ركزت على القواعد الأصولية والفقهية ومدى انضواء الفروع تحتها، فجاءت عامة.
- منهج البحث
أولا: المنهج الوصفي: من خلال وصف المسألة، وبيان الأصل التي بنيت عليه.
ثانيا: المنهج التحليلي: بفرز المسائل وتحليلها، ومعرفة محل الدعوى، وتحريره.
ثالثا: المنهج الاستنباطي: من خلال عمل الباحث وموازنة الأدلة والخروج بنتائج.
- خطة البحث
المبحث الأول: تعريف الخاص وحكمه عند الحنفية:
- المطلب الأول: تعريف الخاص عند الحنفية
- المطلب الثاني: حكم الخاص عند الحنفية
المبحث الثاني: دعوى مخالفة دلالة الأمر عند الحنفية
- لمطلب الأول: دعوى الزيادة على دلالة الأمر بخبر الواحد عند الحنفية
- المطلب الثاني: دعوى دلالة الأمر على التكرار واحتماله عند الحنفية
المبحث الثالث: دعوى مخالفة الحنفية سبب الأمر بالقضاء وتعديته
- المطلب الأول: دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في سبب الأمر بالقضاء
- المطلب الثاني: دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في تعدية غير المعقول لغيره.
المبحث الرابع: دعوى مخالفة النهي في الأحكام الشرعية عند الحنفية.
- المطلب الأول: تعريف النهي عند الحنفية
- المطلب الثاني: دعوى مخالفة (النهي لغيره) عند الحنفية
المبحث الخامس: دعوى مخالفة حمل المطلق على المقيد عند الحنفية.
- المطلب الأول: تعريف المطلق والمقيد عند الحنفية
- المطلب الثاني: دعوى مخالفة حمل المطلق على المقيد عند الحنفية
المبحث السادس: دعوى مخالفة دلالة أحرف المعاني عند الحنفية
- المطلب الأول: تعريف حروف المعاني
- المطلب الثاني: دعوى مخالفة دلالة أحرف الغاية عند الحنفية
- المطلب الثالث: دعوى مخالفة دلالة أحرف العطف عند الحنفية
الخاتمة
المبحث الأول: تعريف الخاص وحكمه عند الحنفية:
المطلب الأول: تعريف الخاص عند الحنفية
- الفرع الأول: الخاص لغة
خص: "الخاء والصاد أصل مطرد .. ومن الباب خصصت فلانا بشيء خصوصية، بفتح الخاء، وهو القياس لأنه إذا أفرد واحد فقد أوقع فرجة بينه وبين غيره، والعموم بخلاف ذلك (ابن فارس، مقاييس اللغة 2/ 153). وهو عبارة عن التفرد يقال: "فلان خص بكذا، أي أفرد به ولا شركة للغير فيه" (الجرجاني، التعريفات، ص99).
- الفرع الثاني: الخاص اصطلاحا
هو: "كل لفظ وضع لمعنى واحد معلوم على الانفراد" (ابن الملك، منار الأنوار، ص13). فقوله (كل لفظ) ينزل منزلة الجنس، والباقي كالفصل، (وضع لمعنى واحد) خرج المهمل والمشترك؛ و (معلوم) بحيث يعلمه السامع إذا أطلق أنه يراد به هذا المعنى حصرا، فيخرج به العام والمشترك جميعا؛ فيكون اللفظ متناول له مع قطع النظر أن يكون له أفراد. والخاص إما أن يكون خاص الجنس كالإنسان، أو خاص النوع كرجل، أو خاص العين كزيد، (ملاجيون، نور الأنوار،1/ 37).
والملاحظ أن للمعنى اللغوي علاقة بالمعنى الاصطلاحي الذي، من حيث الاختصاص والانفراد وعدم قبوله الشركة في المعنى.
المطلب الثاني: حكم الخاص عند الحنفية
أما حكم الخاص والأثر المترتب عليه من حيث الدلالة عند الحنفية سنوجزه فيما يلي:
1. يتناول الخاص المخصوص قطعا، بحيث يقطع احتمال الغير، وهذا ما عليه مشايخ العراق من الحنفية (السمرقندي، ميزان الأصول،1/ 459)، والقاضي أبو زيد الدبوسي (الدبوسي، تقويم الأدلة، ص100)، والبزدوي (البخاري، كشف الأسرار، 1/ 131)، وهو مدار المتون الأصولية عند الحنفية، مستدلين بأن الغرض من وضع اللفظ الدلالة عند الإطلاق، وإلا لما كان للوضع فائدة، وقال مشايخ سمرقند من الحنفية (السمرقندي، ميزان الأصول،1/ 459)، وأصحاب الإمام الشافعي رحمه الله إنه لا يتناول المدلول قطعا؛ لاحتمال المجاز (الغزالي، السمتصفى،2/ 48).
ويجاب على ذلك:
القطع يطلق على معنيين: الأول نفي احتمال الغير مطلقا، والثاني نفي احتمال الغير احتمالا ناشئا عن دليل، وهذا الثاني هو المراد هنا؛ لأنه المعنى الأعم، واحتمال المجاز بدون قرينة دالة عليه ليس احتمالا ناشئا عن دليل فلا يضر القطعية (المحبوبي، التوضيح، 1/ 84).
2. الخاص بيّنٌ في نفسه لا يلحقه بيان ولا يحتمله (منلا خسرو، مرقاة الوصول، ص24):
فلا يزاد عليه بخبر الواحد ولا بالقياس؛ لأن الزيادة نسخ؛ ولا ينسخ القطعيُ الظنيَّ، فما جاء مطلقا في القرآن الكريم لا
يقيد بخبر الواحد ولا بالقياس؛ لأنه نسخ للإطلاق (ابن العيني، شرح متن المنار، ص44).
3. الأمر المطلق عند الحنفية لا يدل على التكرار ولا يحتمله (التفتازاني، التلويح، 1/ 349).
الأمر المطلق عند الحنفية لا يدل على التكرار والعدد ولا يحتمله وإن نواه؛ لأن صيغة الأمر مختصرة من طلب الفعل بالمصدر الذي هو فرد، كقولك: " اضرب"، مختصر من: "أطلب منك فعل الضرب والمصدر لا يدل على العدد ولا يحتمله (المحبوبي، التوضيح، 1/ 348؛ الغرايبة، موقف الأصوليين من دلالة الأمر على التكرار دراسة تطبيقية: 270)
وذهب الشافعية أنه لا يوجب العموم والتكرار، ولكن يحتمله (المحلي، البدر الطالع، 2/ 105).
4. الأمر بالقضاء يجب بما وجب به الأداء عند المحققين من الحنفية (الدبوسي، تقويم الأدلة ص 141، السرخسي، أصول السرخسي، 1/ 46)؛ لأن نص الأداء دل على أن ذمة المكلف مشغولة بلزوم الأداء، ومن لوازمه الإتيان بالقضاء ليحصل تفريغ الذمة، فدل نص الأداء دلالة التزامية على وجوب القضاء (اللكنوي، حاشية قمر الأقمار،1/ 24).
5. النهي يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي، والقبح إما أن يكون قبيحا لعينة: وضعا كالكفر، أو شرعا: كبيع الحر، أو قبيحا لغيره وصفا: كصوم يوم النحر، أو مجاورا: كالبيع وقت النداء (الإخسيكثي، منتخب الحسامي، ص107).
والنهي عن الأفعال الشرعية يقع على الذي اتصل به وصفا، فالأمور الشرعية هي ما تغيرت معانيها الأصلية بعد ورود الشرع: كالصلاة والصوم، وهذا التقسيم كان له الأثر العظيم بين مدرسة الحنفية والشافعية في الأحكام الفرعية، فالقبح عند الشافعية ذاتي (المحلي، البدر الطالع،2/ 577)، بينما عند الحنفية لذاته ولغيره، فعند الحنفية قد تجتمع الصحة مع الحرمة عند الحنفية بلا تنافي، كصيام يوم النحر والبيع الفاسد، فيترتب الأثر مع الحرمة، بينما عند من يرى القبح ذاتيا لا غير، فلا يرتب أثرا ألبته على مثل هذه الأفعال لأنه القبح عنده ذاتي فقط (الإخسيكثي، منتخب الحسامي، ص107).
فهذه الأحكام الرئيسة لدلالة الخاص عند الحنفية، عرضت تمهيدا لنقاش دعوى مخالفة الحنفية أصولهم، لتكون إضاءة على سنشرع ببحثه بعون الله تعالى.
المبحث الثاني: دعوى مخالفة دلالة الأمر عند الحنفية.
الأمر هو: " قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء افعل" (القاري، توضيح المباني، 1/ 217)، يدل على معنى معلوم وهو الطلب، وهو بيّن في نفسه لا يلحقه بيان، فلا يزاد عليه بخبر الواحد ولا بالقياس، ودلالته قطعية على مراده (الشاشي، أصول الشاشي، ص 24).
المطلب الأول: دعوى الزيادة على دلالة الأمر بخبر الواحد عند الحنفية:
وأصل المسألة يرجع إلى كون فعل الأمر في آية السرقة (اقطعوا) دلالته قطعية على مراد الشارع، فلا يزاد عليه بخبر الواحد ولا بالقياس، ويأتي الإيراد على الحنفية بأنكم خالفتم أصولكم بالزيادة عليه بخبر الواحد وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا غرم على السارق بعد قطع يمينه" (نصب الراية،3/ 375؛ الداراقطني، كتاب الحدود والديات،4/ 241؛ نحوه: النسائي، تعليق يد السارق، 8/ 92)، وتاليا بيان محل الدعوى وتحريرها.
قال تعالى: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا " (المائدة:38)، فالقطع مساو للسرقة اتفاقا بين الحنفية (ابن عابدين، رد المحتار، 4/ 110)، والشافعية (النووي، المجموع 20/ 99)، فمن سرق تقطع يده، وإذا كان المال موجودا يرد بالاتفاق إلى يد المالك؛ ولكن الإشكال يرد في حال كان المال هالكا فهل يضمن السارق ما سرق بعد قطع يده أم لا؟
فعند الشافعي يجب الضمان عليه في حال هلك في يد السارق (النووي، المجموع 20/ 99)، وعند الحنفية القطع والضمان لا يجتمعان، فلا يجب على السارق الضمان حال هلاك المسروق (ابن عابدين، رد المحتار، 4/ 110).
فالدعوى التي ترد على الحنفية مخالفة ما التزموا به وذلك بالزيادة على الخاص بخبر الواحد، قال الله تعالى "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا " (المائدة:38)، و (القطع) لفظ خاص وضع لمعنى معلوم هو الإبانة من الرسغ، و زدتم على الخاص بخبر الواحد بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا غرم على السارق بعد قطع يمينه" (نصب الراية،3/ 375؛ الداراقطني، كتاب الحدود والديات،4/ 241؛ نحوه: النسائي، تعليق يد السارق، 8/ 92) فقد زدتم عدم الضمان من الحديث، وهذا مخالف لأصولكم حيث لا يزاد على الخاص بخبر الآحاد، وجعلتم عصمة المال المسروق من يد المالك مالا غير متقوم بحيث تحولت عصمته إلى الله تعالى؛ والله مستغن عن المال، و (اقطعوا) هو لفظ خاص، لا دلالة له على تحول العصمة من المالك إلى الله تعالى، فالقول ببطلان العصمة زيادة على خاص الكتاب (ابن الملك، منار الأنوار، ص 20).
فوجه قول الشافعية باجتماع القطع والضمان:
أنهما مختلفان حكما ومحلا وسببا واستحقاقا، أما حكما؛ فالضمان لجبر المحل، والقطع للزجر، فسبب القطع الجناية على حق الله، وسبب الضمان الجناية على حق العبد، ومختلفان محلا؛ فحق الله محله اليد، وحق العبد محله الذمة. ومختلفان سببا؛ لأن أحدهما جناية على حق الله تعالى، والسبب الآخر جناية على حق العبد، ومختلفان استحقاقا؛ فإن مستحق القطع هو حق الله تعالى ومستحق الضمان هو العبد؛ فإذا اختلفا من كل وجه لا يقتضي ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ولا انتفاءه، فحق الله محله اليد، وحق العبد محله الذمة، فلم ينتف الضمان لا صريحا ولا دلالة (النووي، المجموع 20/ 99).
ويجاب على ذلك:
1. عدم الضمان لم يستفد حكمه من حديث الآحاد؛ إنما جاء من النص نفسه، وتحولُ العصمةِ وسقوطهُا ثبتت بإشارة النص، فـ (جزاء) لفظ مطلق وقع في سياق الإثبات، والمطلق يحمل على الفرد الكامل، والجزاء له فردان: حق العبد وحق الله تعالى، فيحمل الجزاء على أحدهما، فيكون حق الله تعالى هو الأكمل، فيكون كامل الجزاء القطع، والله غني عن المال، فالمجني عليه هو الشرع (ابن الملك، منار الأنوار، ص20).
2. كلمة الجزاء في الإطلاقات الشرعية إذا استعملت في العقوبات يراد بها ما يجب حقا لله تعالى في مقابلة فعل العبد، وجزى مصدر بمعنى كفى، فيدل على أنه جزاء كامل، والجناية الكاملة تكون على حق الله تعالى، والجناية في حق العبد جناية من وجه، لأنه مباح نظرا إلى ذاته وإنما حرم حفظا له على المالك، فوجب نقل العصمة إلى الله تعالى ليكون حراما لعينه (البخاري، كشف الأسرار،1/ 147)
3. الجزاء إشارة إلى الكمال، فلو أوجبنا الضمان معه لم يكن القطع جميع موجب الفعل، فكان نسخا لما هو ثابت بالنص، وأن سقوط الضمان في القضاء، أما بينه وبين الله تعالى فيقضى بالضمان، فيضمن ديانة لا قضاء احترازا عن شبهة الخلاف (السرخسي، المبسوط،9/ 157 - 159).
4. (ما) في قوله تعالى: "جزَاء بِمَا كَسَبَا" (المائدة/38)، عامّة، تتناول جميع ما وجد من السارق، فيكون القطع جزاء جميع ما اكتسبه السارق، وبتقدير الضمان على السارق يكون القطع جزاء بعض أفعال السارق، فكان ترك العمل بالعام من الكتاب بالقياس وذلك لا يجوز (الشاشي، أصول الشاشي، ص29).
5. العصمة ثابتة للمال المسروق قبل السرقة حقا للعبد المالك، فكان المال قبل السرقة محترما لحق العبد لا لحق الله تعالى، إلا أنه قبيل السرقة بطلت العصمة في يد المالك، وصار من جملة ما لا يتقوم، فلا يجب الضمان بعد الهلاك؛ وتحولت العصمة إلى الله تعالى، فصار المال محترما لحق الله تعالى، وأصبحت الجناية هتك هذه العصمة فتحولت العصمة الى الله تعالى، والله مستغن عن ضمان المال، فكان كامل جزائه القطع؛ فلأجل رعاية صورة المال وجب رد المال حال وجوده، وبعدم الضمان إن كان فائتا (اللكنوي، حاشية قمر الأقمار، 1/ 55).
والحاصل:
إن الحنفية لم يجعلوا من خبر الآحاد زيادة على النص في عدم الضمان، بل عدم الضمان جاء من كلمة (جزاء)، وفعل الأمر (اقطعوا) قطعي المراد على مدلوله، لا يزاد عليه بخبر الآحاد ولا بالقياس. (أبو الحاج، اختلاف الفقهاء أصولي: 1857)
المطلب الثاني: دعوى دلالة الأمر على التكرار واحتماله عند الحنفية:
الأمر عند الحنفية لا يقتضي التكرار ولا يحتمله؛ أي ليس من موجبه التكرار؛ والموجب للشيء يثبت من غير نية، والمحتمل بالشيء يثبت بالنية (الخبازي، المغني، ص34)، فما لا يكون من مقتضى لمعنى ولا من محتملاته لا يقع وإن نواه، وهذا هو الأصل عند الحنفية (الإخسيكثي، منتخب الحسامي، 75).
واحتُجَ على الحنفية بأنهم خالفوا أصولهم في دلالة الأمر، باحتماله العدد والتكرار، فيمن قال لزوجته: "طلقي نفسك"، فقالت: "طلقت"؛ ونوى ثلاثا، وقعن، وبذلك يتبين أن الحنفية قد خالفوا أصلهم بإيقاع الطلاق ثلاثا باحتمال الأمر للعدد، فوقع محتمل كلامه، وصحت نية الثلاث.
ويجاب على ذلك:
1. كلمة: " طلقي" أي؛ "أطلب منك فعل الطلاق"، والمختصر منه فرد أي مصدر، والمصدر لا يحتمل العدد ولا التكرار، ومعنى التوحد مراعى في ألفاظ الوحدان (ملاجيون، نور الأنوار،1/ 84)، فيقع الأمر على أقل جنسه وهو الفرد الحقيقي المتيقن بلا نية، ويحتمل كل الجنس وهو الفرد الحكمي (الخبازي، المغني، ص36)
فمن قال لامرأته طلقي نفسك، فإنه يقع واحدة بلا نية؛ لأنه أقل جنسه فيقع على الواحد المتيقن، إلا إذا نوى ثلاثا، فيقع ثلاثا ليس لأنه يحتمل العدد، بل لأن الواحد فرد حقيقي متيقن والثلاث فرد حكمي محتمل، ولو نوى ثنتين، أي طلقتين، لا يقعان؛ لأنه نوى ما لا يقتضيه كلامه ولا يحتمله؛ لأنه عدد محض ليس بفرد حقيقي ولا حكمي وليس مدلولا للفظ ولا محتملا له (الرّهاوي، حاشية الرّهاوي على المنار، ص140).
2. "الطلقات الثلاث ليست بفرد حقيقة بل هي أجزاء متعددة ولكنها فرد حكما؛ لأنها جنس واحد فصارت من طريق الجنس واحدا .. فصار الاسم الفرد واقعا على الكل بصفة أنه واحد، لكن على الأقل فرد حقيقي، وحكما من كل وجه، فكان أولى بالاسم الفرد (الحقيقي) عند إطلاقه، والآخر (الحكمي) محتملا، فأما ما بين الأقل والكل فعدد محض ليس بفرد حقيقة ولا حكما ولا صورة ولا معنى فلم يحتمله الفرد، وكذلك سائر أسماء الأجناس فردا صيغة أو دلالة" (البزدوي، كشف الأسرار، 1/ 193 – 194).
المبحث الثالث: دعوى مخالفة الحنفية سبب الأمر بالقضاء وتعديته.
حكم الواجب بالأمر عند الحنفية نوعان: الأداء: وهو: تسليم عين الواجب بالأمر، وقضاء: تسليم مثل الواجب (ابن الساعاتي،
بديع النظام، ص163).
والأداء أنواع: أداء كامل يؤدى على الوجه الذي شرع عليه، وأداء قاصر: وهو بخلاف الكامل في نقصانه للكمال في الأداء، وأداء أشبه القضاء، وينقسم كل نوع بحسب تعلقه إلى أداء حقين: الأول ما كان من جهة حقوق الله، والآخر ما كان من جهة العبد (ابن الساعاتي، بديع النظام، ص164). والقضاء أنواع: قضاء بمثل معقول كقضاء الصيام بالصيام، وقضاء بمثل غير معقول كالفدية مقابل الصيام، وقضاء أشبه الأداء، وكل يقسم بحسب تعلقه إلى فرعين: ما تعلق بحقوق الله، والآخر ما تعلق بحقوق العباد (المحلاوي، تسهيل الوصول، ص92). والتفصيل في المطولات يراجع في مكانه واقتصرنا على الجانب المهم في هذا البحث (البخاري، كشف الأسرار، 1/ 201).
المطلب الأول: دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في سبب الأمر بالقضاء.
المطلب مبناه في حال لم يتم تفريغ الذمة من الواجب في الأداء في وقته ولم يمتثل المكلف بأدائه؛ لكونه نائما أو ساهيا أو لسبب غيره، فهل يثبت القضاء بما ثبت به الأداء، أم بحاجة لأمر جديد للقضاء؟ (الحصكفي، إفاضة الأنوار، ص36)، هل سبب القضاء هو الذي كان سببا للأداء، أم لا بد له من سبب وخطاب جديد؟ (السمرقندي، ميزان الأصول، 1/ 369)، فهل من فاتته صلاة أو صيام، وأراد قضاءها، هل يقضيها من غير افتقار إلى نص جديد، أم لا بد من نص لقضاء ما فات؟.
فالمحققون من الحنفية خلافا للعراقيين من مشايخهم (ملاجيون، نور الأنوار 1/ 94) قالوا: القضاء يجب بما وجب به الأداء ولا يفتقر إلى نص جديد (السرخسي، أصول السرخسي، 1/ 30)، وقال الشافعية: إن القضاء لا بد له من سبب جديد يثبت به الأداء (المحصول، الرازي، ص114)، فقوله تعالى " فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أخر " (البقرة/184)، وحديثه صلى الله عليه وسلم: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم (684))، مؤكد عند الحنفية للقضاء (البخاري، كشف الأسرار،1/ 139) ومؤسس للحكم عند الشافعية (النووي، المجموع،2/ 355).
وتأتي دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في سبب القضاء فيمن نذر أن يعتكف في شهر رمضان، فصام ولم يعتكف لمرض منع من الاعتكاف، لا يقضي اعتكافه في رمضان آخر، بل يقضيه في ضمن صوم مقصود وهو صوم النفل، ولو كان القضاء واجبا بالسبب الذي أوجب الأداء في قوله تعالى "ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق" (الحج/29)، لوجب أن يصح القضاء في الرمضان الثاني كما صح الأداء في رمضان الأول؛ لأن القضاء يشابه القضاء في الأداء فمن ثبتت في ذمته صلاة ظهر في السفر، يقضيها في الحضر ركعتين، ولو ثبتت في ذمته في الحضر يقضيها في السفر أربعا، فكذا هنا، فلماذا لا يقضي الصيام كهيئة الأداء
التي كان سيؤديها؟
ويجاب على ذلك:
1. إن القضاء وجب بصوم مقصود لعود شرطه إلى الكمال لا لأن القضاء وجب بسبب أخر وهو التفويت (ابن عابدين، نسمات الأسحار، ص37).
2. إن الاعتكاف لا يصح إلا بالصوم، فإذا نذر الاعتكاف فقد نذر الصوم، فينبغي أن يجب الصوم المقصود ابتداء بمجرد نذر الاعتكاف، لكن لشرف رمضان الحاضر عارضه، فانتقلنا من الصوم الأصلي المقصود (صوم النذر) إلى صوم رمضان العارض الحاضر، فلما فات شرف رمضان عاد الصوم إلى كماله، وهو الصوم المقصود الأصلي، وهو صوم الاعتكاف الذي لا يصح إلا به، وبعد عود الاعتكاف إلى الكمال لا يعود إلى النقصان، كمن أخر صلاة العصر إلى وقتها صحت أداء، ولو أنه لم يؤدها صارت قضاء، ولا يصح قضاؤها في الوقت الناقص بعد أن عادت إلى الكمال، فلا تعود إلى النقصان مرة أخرى (ابن الملك، شرح منار الأنوار، ص37 - ص38).
3. الأصل في الشروط وجودها لا إيجادها، أي؛ كمن نذر بالصلاة وهو متوضئ لا يجب عليه وضوء آخر، ثم لما انفصل الاعتكاف عن الصوم الذي هو شرطه، بأن صام ولم يعتكف فات ما ثبت من الفضيلة بشرف الوقت، بحيث لا يتمكن من اكتساب مثله إلا بالحياة إلى رمضان أخر وهو وقت مديد يحتمل فيه الحياة والموت فلم يثبت القدرة على اكتساب ما فات من زيادة الفضيلة الثابتة بشرف الوقت فيسقط، فيبقى الاعتكاف مضمونا بإطلاقه في ذمته بذلك السبب، وصار ذلك النذر بمنزلة نذر مطلق فيظهر أثره في إيجاب الصوم لزوال العارض، فكان الصوم المقصود واجبا بذلك السبب لا بسبب أخر، كما إذا لم يؤد تلك الصلاة حتى انتقض وضوءه فيجب عليه وضوء أخر بذلك النذر لا بسبب أخر، وهذا معنى فعاد إلى الكمال (الرهاوي، حاشية الرهاوي، ص162).
المطلب الثاني: دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في تعدية غير المعقول لغيره
يقسم القضاء إلى:
- قضاء بمثل معقول: كقضاء الصوم للصوم فهو معقول، لأن القضاء من جنس الأداء (ابن نجيم الحنفي، فتح الغفار، ص58).
- قضاء بمثل غير معقول: كالفدية مقابل الصوم، لاختلاف جنس القضاء عن الأداء، فلا مماثلة بين الصوم والفدية صورة ولا معنى (ابن نجيم الحنفي، فتح الغفار، ص58).
- قضاء أشبه الأداء: كقضاء تكبيرات العيد في الركوع، فهو قضاء من حيث الذات فمحل التكبيرات هو القيام، لكنه يشبه
الأداء لقيام النصف الأسفل من البدن فأشبه القيام (الخبازي، المغني، ص60).
وتأتي الدعوى التي هي عنوان المطلب في مخالفة الحنفية أصولهم في تعدية غير المعقول إلى غير محله، والمعروف أن التعدية لازمة لما عقل معناه، فكيف يعدى من لا يعرف الوقوف على علته التي أضيفت إليه، وتأتي الدعوى في سياق من توفي وعليه صلوات لم يقضها هل يمكن القضاء عنه وتدارك ما فاته؟ فأجاب الحنفية بجواز إخراج الفدية عن الصلوات الفائتة (ابن نجيم، فتح الغفار، ص58).
فمحل الدعوى في تعدية حكم غير المعقول وهو الفداء في الصيام إلى من توفي وعليه قضاء في الصلوات، وكما المتفق عليه أن ما لا يدرك علته لا يجوز تعديته، وكما تقرر في مذهب الحنفية من كون الفداء في قضاء الصيام أمر غير معقول، فبذلك يظهر مخالفة الحنفية أصولهم في تعدية غير المعقول الذي لا تدرك علته إلى فرع غير منصوص فيه (ابن عابدين، نسمات الأسحار، ص41).
ويجاب على ذلك:
1. إن وجوب الفدية على من مات وفي ذمته صلوات ثبت احتياطا وليس قياسا (المحبوبي، التوضيح، 1/ 363)؛ فإن كفت الفدية فبها يكون الميت قد استدرك ما فاته، وإلا فيكون للميت ثواب الصدقة، ولهذا قال محمد بن الحسن الشيباني: (تجزئه إن شاء الله)، والمسائل التي تتعلق بالقياس لا تتعلق بالمشيئة، فدل ذلك على أن إخراج الفدية عن الصلاة ثبت احتياطا لا قياسا (ابن عابدين، رد المحتار،1/ 354)
2. إن النص في إخراج الفدية بدل الصيام له احتمالان:
الأول: أن تكون الفدية تعبدية لا تدرك علتها فلا نقيس غيرها عليها وهذا متفق عليه (ابن الملك، منار الأنوار، ص42)
الثاني: أن يكون الحكم في الفدية معلولا بالعجز، فكما الصوم عبادة بدنية مقصودة كذا الصلوات عبادة مقصودة، فعند العجز عن أداء الصلاة – كما الحال في الميت – جعل الشرع الفدية خلفا، والجامع العجز في كل، والصلاة لا تقل في الأهمية عن الصوم (اللكنوي، حاشية قمر الأقمار، 1/ 110).
والحاصل:
- إن دعوى تعدية غير المعقول إلى فرع آخر ليست على ظاهرها فالحكم ثبت احتياطا لا قياسا.
- لم يجزم الحنفية بإجزاء الفدية عن الصلاة؛ إنما كانت استدراكا لعلها تنفع الميت وإلا وقعت عنه صدقة.
المبحث الرابع: دعوى مخالفة النهي في الأحكام الشرعية عند الحنفية.
المطلب الأول: تعريف النهي عند الحنفية: لغة وشرعا
الفرع الأول: النهي لغة
"النون والهاء والياء أصل صحيح يدل على غاية وبلوغ. ومنه أنهيت إليه الخبر: بلغته إياه. ونهاية كل شيء: غايته. ومنه نهيته عنه وذلك لأمر يفعله. فإذا نهيته فانتهى عنك فتلك غاية ما كان وآخره .. " (ابن فارس، مقاييس اللغة،5/ 359).
الفرع الثاني: النهي شرعا
النهي له معنى معلوم وبين في نفسه، ودلالته على مدلوله قطعية، لذا عرف النهي بأنه" قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء لا تفعل" (ملاجيون، نور الأنوار، 1/ 369) والنهي:" اقتضاء كف عن فعل على جهة الاستعلاء" (البخاري، كشف الأسرار، 1/ 376).
ولا شك أن للمعنى اللغوي علاقة اصيلة ووطيدة بالمعنى الشرعي من حيث المنع عن الفعل.
ويقسم النهي إلى نوعين اثنين:
أ - قبيح لعينه:
أي ما كانت ذاته قبيحة بقطع النظر عن الأوصاف اللازمة أو العوارض المجاورة ويقسم إلى:
1 - قبيح لعينه وضعا: وهو القبيح العقلي الذي يدركه العقل بقطع النظر عن ورود الشرع، وإن كان الشرع كشف عن قبحه أيضا (الإزميري، حاشية الإزميري، 1/ 323).
2 - القبيح شرعا: أي أن العقل قاصر عن إدراك قبحه ولكن الشرع كشف قبحه، وإلا فالعقل يجوزه (الشاشي، أصول الشاشي، ص134).
ب قبيح لغيره:
والقبح للغير يكون المنهي عنه قبيحا لا في ذات الأمر وأصله ويقسم إلى:
1. القبيح لغيره وصفا: فهو ما يكون فيه القبيح وصفا للمنهي عنه ولازما له غير منفك، ومثاله صيام يوم النحر؛ فالصوم في نفسه عبادة وإمساك لله تعالى؛ إنما يحرم لأجل الإعراض عن ضيافة الله تعالى، وهو وصف لازم لا
ينفك (البخاري، كشف الأسرار، 1/ 377).
2. القبيح لغيرة مجاورة: وهو ما يكون القبيح فيه مجاورا للمنهي عنه في بعض الأحيان ومنفكا عنه في بعض أخر، ومثاله: البيع وقت النداء (السمرقندي، ميزان الأصول، 1/ 377).
وأما أثر هذا التقسيم على الأحكام فيمكن إيجازه بالآتي:
المطلب الثاني: دعوى مخالفة (النهي لغيره) عند الحنفية
إن مما قرره الحنفية إن النهي عن الأفعال الشرعية يكون حسنا بنفسه قبيحا لغيره، فالنهي عن الصلاة والصوم والبيع يقع على هذا القسم؛ فيكون القبح فيه لغيره متصلا فيه وصفا حتى يبقى المنهي عنه بعد النهي مشروعا بأصله وإن لم يكن مشروعا بوصفه.
فالمباشر لهذه الأفعال يكون مرتكبا للحرام لغيره لا لعينه، فنشأت القاعدة الأصولية المشهورة عند الحنفية: إن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي تقريرها، فحرمة الفعل لا تنافي ترتب أثر الحكم، لتعلق النهي بالوصف لا بالأصل، لأن المنهي عنه يجب أن يكون متصور الوجود، لأن النهي عما لا يمكن تصوره وفعله لغو، إذ لا يقال للأعمى لا تبصر. (بركة الله اللكنوي، حاشية اللكنوي على الشاشي، ص 134).
وهنا يكمن محل الدعوى عند من يرى مخالفة الحنفية أصولهم، فالنهي عن الأفعال الشرعية من قسم القبيح لغيره لا لعينه، ومحل الدعوى هو ما نصه الحنفية على بطلان البيع في الحر، والملاقيح والمضامين ونكاح المحارم (المضامين: هي ما في أصلاب الآباء، والملاقيح: ما في أرحام الأمهات، اللكنوي، زبدة النهاية لعمدة الرعاية5/ 123)، والبطلان ما لا يكون صحيحا بأصله وبوصفه، فلا يترتب عليه أثر (اللكنوي، شرح الوقاية،5/ 113 - 123). وبما أن البيع باطل، والبيع من الأحكام الشرعية، ولم يترتب عليه أي أثر، فانصب على عينه لا على وصفه، إذ أنه لو كان لغيره كما المقرر في أصول الحنفية؛ لكان فاسدا وليس باطلا، والفاسد ما كان صحيحا بأصله لا بوصفه، فتبين أن النهي عن الأحكام الشرعية لم يكون قبيحا لغيره كما القاعدة التي التزمها الحنفية، إنما قبيح لعينه، وهذا مخالف لما هو مقرر في الأصول (الرُّهاوي، حاشية الرُّهاوي، ص 276).
ويجاب على ذلك:
1. إن النهي يكون عن الأفعال التي هي متصورة الوجود، وما مر ذكره من بيع الملاقيح والمضامين ونكاح المحارم غير متصور الوجود أصلا حتى يتم النهي عنه، فليس المراد إمكانية الوجود؛ إنما المراد أنه غير متصور وجوده أصلا (ملاجيون، نور الأنوار (1/ 180).
2. إن النهي عن بيع الملاقيح والمضامين ونكاح المحارم لم يكن المراد النهي؛ إنما المراد النفي، فالنهي عن بيع
الحر؛ بمعنى أن الحر لا يباع، وحرمة نكاح الأم؛ بمعنى أن الأم لا تنكح، فالمراد النفي لا النهي، فكان النهي مجازا عن النفي، فاستعملت صيغة الإنشاء (النهي) في الإخبار (النفي)، فكان النهي نسخا وإبطالا لمشروعيتها لعدم محله القابل لحقيقته، فالحر ليس محلا للبيع، وكذا الأم ليست محلا للنكاح، فينعدم به الصحة والمشروعية كما تنعدمان بحقيقة النسخ بجامع أن الحرمة تثبت في كل منهما (المحبوبي، التوضيح، /467).
3. هي " بيوع أضيفت إلى غير محلها إذ المعدوم لا يصلح محلا للبيع، ولا بد للانعقاد من المحل فبطلت؛ لعدم المحل، وصار النهي عنها مستعارا للنفي بهذه القرينة، واستعارة النهي للنفي صحيحة لما بينهما من المشابهة وهي استواؤهما في نفس الرفع، فأحدهما يرفع الأصل والأخر يرفع الصفة، أو لأن كل واحد منهما عبارة عن العدم، أو لأن كل واحد منهما محرم، ولهذا صحت استعارة النفي للنهي في قوله تعالى " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" (البقرة: 197) (البخاري، كشف الأسرار، 1/ 411).
والحاصل:
إن الحنفية استعملوا صيغة الإنشاء (النهي) في الإخبار (النفي)، وهذا أسلوب متبع وموجود واستعمله الشارع الكريم في العديد من الأحكام، تأكيدا على امتثال المخاطب باستجابته للأمر وامتثاله بالإخبار عنه، فيكون محل الدعوى في غير محله على مر.
المبحث الخامس: دعوى مخالفة حمل المطلق على المقيد عند الحنفية.
وقبل الحديث عن المطلق والمقيد، لا بد من تعريف المطلق والمقيد والوقوف على أحكامهما عند الحنفية.
المطلب الأول: تعريف المطلق والمقيد عند الحنفية: لغة واصطلاحا
- الفرع الأول: المطلق والمقيد لغة
"الطاء واللام والقاف أصل صحيح مطرد واحد، وهو يدل على التخلية والإرسال. يقال: انطلق الرجل ينطلق انطلاقا ". والمقيد: "القاف والياء والدال كلمة واحدة، وهي القيد، " (ابن فارس، مقاييس اللغة، 3/ 423)
- الفرع الثاني: المطلق والمقيد اصطلاحا:
المطلق: هو اللفظ الدال على الماهية، متعرضا للذات دون الصفات، لا بالنفي ولا بالإثبات (السمرقندي، ميزان الأصول، 1/ 575)، ونظيره، قوله تعالى: " فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ " (المجادلة/3)، والمقيد: هو اللفظ الدال على الماهية مع قيد، متعرضا للذات بصفة، ونظيره قوله تعالى: " فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة " (النساء/92)، (السمرقندي، ميزان الأصول، 1/ 575) ... .
و حكم المطلق: يجب العمل بإطلاقه، لأنه غير متعرض للأوصاف المختلفة، إنما هو اسم للذات؛ فلا يحتاج إلى بيان، أما المقيد: فيعمل بالقيد وجوبا، ولا يحمل كل منهما على الآخر (السنبهلي، سر الأسرار،1/ 450)
والمطلق لا يحمل على المقيد عند الحنفية إلا للضرورة التي يتعذر فيها العمل بالمطلق على إطلاقه، ويكون ذلك عند اتحاد الحكم والحادثة، كما في قوله تعالى: "فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثلاثة أيام" (البقرة/196)، فقد وردت مطلقة من غير تقييد، بينما وردت في قراءة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه " فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (ينظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (6/ 283) مقيدة بالتتابع، وقراءة ابن مسعود تعامل معاملة المشهور عند الحنفية فيقيد فيها النص، وحيث لا يمكن العمل بالمطلق على إطلاقه وبالمقيد على تقييده؛ لأن الصوم لا يقبل وصفين متضادين؛ فإذا ثبت تقييده بطل إطلاقه، فَشُرط التتابع، وحمل المطلق على المقيد، وأما في غيرها من الحالات فلا يحمل المطلق على المقيد؛ بل يعمل بالمطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، على تفصيل ليس المقام لذكره خشية الإطناب وسيقتصر على موضع الشاهد فقط. (التفتازاني، التلويح 1/ 148؛ ابن نجيم، فتح الغفار، ص244؛ ينظر: تعليق الشيخ المحقق الرباني عبد الملك السعدي على ميزان الأصول للسمرقندي علاء الدين الحنفي، 1/ 595).
وموضوع الدعوى التي خالف الحنفية أصولهم بها في حمل المطلق على المقيد وعدم الالتزام بأصولهم تأتي بالمطالب التي سنبينها بإذن الله تعالى.
المطلب الثاني: دعوى مخالفة حمل المطلق على المقيد عند الحنفية
- الفرع الأول: دعوى المخالفة في صدقة الفطر
المعروف عند الحنفية إن سبب صدقة الفطر رأس يمونه؛ أي احتمل مؤونته وقام بكفايته، ومان الرجل أهله: كفاهم وأنفق عليهم وعالهم، (ابن منظور، لسان العرب (13/ 425، ويلي عليه، ولا يشترط الإسلام فيمن يلي عليه أو يمونه كما هو مقرر في الكتب المعتبرة. ويرجع محل النزاع في المسألة إلى جواز إخراج صدقة الفطر عند الحنفية عن العبد المسلم وعن العبد الكافر أيضا (ابن عابدين، نسمات الأسحار، ص157)
ولبيان المسألة فإن الحنفية عند اتحاد الحادثة والحكم يحملون المطلق على المقيد كما مر في مسألة التتابع في الصيام في حكم المطلق في المطلب السابق، وفي إخراج صدقة الفطر عن العبد المسلم والعبد الكافر لم يحمل المطلق على المقيد عند الحنفية مع أن الحادثة واحدة والحكم واحد، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أدّوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر عن كل صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد" (أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب زكاة الفطر، 2118؛ وأخرج أحمد في مسنده ج13 / ص 157 ط الرسالة .. رجاله ثقات رجال الشيخين)، وقوله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي
الله عنهما: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين" (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، 1504) فينبغي حمل المطلق في الحديث الأول على المقيد في الحديث الثاني لاتحاد الحادثة وهي صدقة الفطر، والحكم واحد وهو أداء الصاع أو نصفه (ملاجيون، نور الأنور، 1/ 454)
ويجاب على ذلك:
1. إن المطلق يبقى على إطلاقه ولا يحمل على المقيد؛ لأنه ورد في السبب وليس في الحكم؛ فالسبب رأس يمونه ويلي عليه، فالعبد هو سبب وجوب الصدقة وليس هو الحكم (السمرقندي، ميزان الأصول،1/ 601).
2. النص المطلق شمل العبد المسلم والعبد الكافر كلاهما، وفي النص المقيد شمل العبد المسلم وحده، وورود الوجوب بالإخراج عن العبد الكافر برواية الإطلاق، وعن والعبد المسلم بروايتين ليس فيه تناف حتى يحمل المطلق على المقيد، فلا تنافي بالأسباب (السمرقندي، ميزان الأصول،1/ 601).
3. ليس من مانع أن يكون للحكم الواحد دليلان، فلا مزاحمة في الأسباب، ولا تضاد، فيمكن أن يكون المطلق سببا بإطلاقه، والمقيد سببا بتقييده، وإنما يحمل المطلق على المقيد في الحادثة والحكم الواحد إذا كانا متضادين (ابن نجيم، فتح الغفار، ص244).
- الفرع الثاني: دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في قيد السوم في الزكاة والعدالة في الشهود.
- المسألة الأولى:
تأتي الدعوى في مخالفة الحنفية أصولهم في حمل المطلق على المقيد، حيث حملوا الإطلاق من قوله صلى الله عليه وسلم في الزكاة: "في خمس من الإبل شاة" (أبو داود، باب في زكاة السائمة 1593، و الترمذي، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم 621، قال الترمذي حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء)، على المقيد بالسوم من قوله صلى الله عليه وسلم: " في خمس من الإبل السائمة شاة" (أخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الزكاة، 1447)، وقد ورد الحديثان في الأسباب ومع ذلك تم حمل المطلق عن السوم في الحديث الأول على المقيد بالسوم في الحديث الآخر، مع أن القاعدة عند الحنفية إذا ورد الإطلاق والقيد في السبب لا يحمل أحدهما على الآخر كما المسألة في الفرع الأول من المطلب، وهنا تم حمل المطلق على المقيد (المحبوبي، التوضيح شرح التنقيح 1/ 154).
ويجاب على ذلك:
1. إن وجوب الزكاة في الإبل السائمة يستفاد من منطوق الحديث، وعدم وجوبها في المعلوفة لم يؤخذ من حمل
المطلق على المقيد، وإنما بنص ثالث من حديث آخر صرح بانتفاء الزكاة عن المعلوفة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في العوامل والحوامل والعلوفة" (بنحوه أخرج الدارقطني في كتاب الزكاة، باب ليس في العوامل صدقة،1938، قال صلى الله عليه وسلم: " ليس في الإبل العوامل صدقة"؛ وبنحوه أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة،1572 قال صلى الله عليه وسلم: " لَيسَ على العوامل شيءٌ". قال الملا علي قاري: هذا الحديث وإن لم يرو بهذا اللفظ عن المحدثين فقد روته الفقهاء واحتجوا به، فلا يضرهم عدم اطلاع غيرهم عليه، انظر، إشراق الأبصار، ص15).
2. لم يعمل بحمل المطلق على المقيد، وإنما عمل بمنطوق الحديث الآخر فكانت دلالته نسخا للإطلاق (المحبوبي، التوضيح 1/ 154؛ ابن نجيم، فتح الغفار، ص245).
- المسألة الثانية: دعوى مخالفة الحنفية أصولهم في اشتراط عدالة الشهود.
العدالة هي من الشروط الأساسية في الشهود لقوله تعالى: "وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ" (الطلاق/2)، وكما هي أصول الحنفية فلا يحمل المطلق على المقيد إذا اختلفت الحادثتان (ملاجيون، نور الأنوار 1/ 452).
ويرجع محل الإيراد في مخالفة الحنفية أصولهم إلى قوله تعالى: "واسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ" (البقرة/282) في إثبات الحقوق في الدًّين، وقوله تعالى "وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ" (الطلاق/2)، في باب النكاح، فكل من الشهداء ورد مطلقا كما المعاوضات ومقيدا كما النكاح، فشرطت العدالة في الإشهاد مطلقا، سواء كان في الدَّين أو في باب الرجعة في الطلاق، فحمل المطلق على المقيد مع أن الحادثتين مختلفتان (ابن نجيم، فتح الغفار، ص245)
ويجاب على ذلك:
إن اشتراط العدالة المطلقة لم يأت من حمل المطلق على المقيد؛ وإنما جاء من نص ثالث وهو قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين" (الحجرات/6)، فكان خبر الفاسق واجب التوقف، فلا بد من اشتراط العدالة في المخبر، فلم يأت الحكم من حمل المطلق على المقيد، وإنما جاء بمنطوق نص الآية الكريمة (ابن نجيم، فتح الغفار، ص245).
والحاصل: لم يتم حمل المطلق على المقيد كما مر، وإنما كان الحمل والتقييد والتأكد من نص آخر؛ لأجل حفظ الحقوق والتثبت مع اختلاف الزمان وذمم الناس.
المبحث السادس: دعوى مخالفة دلالة أحرف المعاني عند الحنفية
وقبل عرض الدعوى ومناقشتها لا بد من التعريف بحروف المعاني لتمهيد فحوى النقاش.
المطلب الأول: تعريف حروف المعاني
حرف المعنى: ما دل على معنى في غيره، نحو: (إلى، على .. )، فلا يدل على معنى ما دام منفردا بنفسه، ولكن بوضعه في سياق الكلام يظهر معناه (هاني، التسهيل، ص 23).
فحروف المعاني ما دلت على معنى في غيرها، فلا يعرف المراد بتمامه إلى مع اتصالها بغيرها، كأحرف العطف والجر وغيرها مما يجري مجراها (عبد الحميد، التحفة السنية، ص39).
ولحروف المعاني الأهمية بمكان، حيث تختلف المعاني والأحكام باستعمال أحدها مكان الآخر، فتستعار الأدوات بعضها من بعض، وتصرف عن معناها الحقيقي إلى آخر وفق قرائن موجودة في المطولات، ولا يخفى على دارس في اللغة العربية أن لهذه الأحرف معان حقيقية وأخر مجازية تحمل عليها يكون لها بالغ الأثر في الأصول وانعكاسها على الفروع.
وسنستعرض من خلال المطلبين المآخذ التي وجهت إلى الحنفية في مخالفتهم دلالة الخاص في بعض أحرف المعاني التي نص الحنفية على دلالتها وبنوا عليها الأحكام في فروعهم.
المطلب الثاني: دعوى مخالفة دلالة أحرف الغاية عند الحنفية
يعد الحرف (حتى) من حروف المعاني التي تفيد الغاية والنهاية، فهو بيّن في نفسه لا يحتاج إلى بيان، فهو لفظ خاص وضع لمعنى الغاية والنهاية، وهو قطعي المراد على مدلوله كما هو حكم الخاص.
وقد اعترض على الحنفية بمخالفة أصلهم بحمله على غير معناه في آية المطلقة التي طلقت ثلاثا في قوله تعالى "فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" (البقرة/230)، فيفهم من الآية أن الزوج غاية للحرمة الغليظة الثابتة في الطلقات الثلاث، ولا تأثير للغاية فيما بعدها، فلم يفهم أن بعد النكاح يحدث حلا جديدا للزوج الأول (الحصكفي، إفاضة الأنوار، ص21).
ولمزيد من البيان لا بد من توضيح الآتي لبيان دعوى المقابل:
يرى الشافعية أن الزوج الثاني في الآية غاية للحرمة المغلظة فلا يعمل إلا عند الحرمة المغلظة بعد التطليق ثلاثا، وليس غاية لعدم العود، بدليل الحرف (حتى) فهو بيّن في نفسه لا يحتاج لبيان (الشربيني، مغني المحتاج،4/ 477)، وقد خالف الحنفية أصلهم بجعل الزوج الثاني في الآية مثبتا لحل جديد. ويظهر أثر محل النزاع فيما لو طلق الرجل زوجته طلقة واحدة أو طلقتين، وتزوجت زوجا ثانيا، ثم عادت للزوج الأول، فكم يملك عليها من الطلقات؟
فعند الشافعي يملك عليها ما بقي من طلقات (الشربيني، مغني المحتاج،4/ 477)، وعند الحنفية يهدم الزوج الثاني الطلقات وتعود المرأة بحل جديد ويملك عليها ثلاث طلقات أخر (العيني، البناية شرح الهداية،5/ 483).
وهنا يكمن محل الدعوى في مخالفة الحنفية أصولهم في دلالة الخاص القطعي المراد على مدلوله في إن الحنفية قد خالفوا أصولهم بدلالة الخاص، حيث أثبتوا حلا جديدا من خلال الآية، مع أن حرف (حتى) لفظ خاص وضع لمعنى معلوم وهو الغاية ولا يفيد العود بحل جديد، فلما لم يكن الزوج الثاني محللا فيما وجد فيه المُغيّا وهو الطلقات الثلاث، فمن باب أولى أن لا يكون محللا حلا جديدا فيما دون الثلاث (الخبازي، المغني، ص 97).
فمبنى المسألة على أن الزوج الثاني هل هو مثبت حلا جديدا أم هو غاية للحرمة الثابتة بها فقط؟
ويجاب على ذلك:
1. لم يخالف الحنفية أصلهم في دلالة (حتى) كون الزوج الثاني غاية للحرمة المغلظة، فيعمل بالآية عند وجود الحرمة المغلظة عند الطلقات الثلاث، فلا خلاف بين الحنفية والشافعية في دلالة الخاص في الآية (الطرسوسي، حاشية الطرسوسي على مرآة الأصول، ص61 - 63). إنما إثبات الحل الجديد للمرأة، وكون الزوج الثاني محللا إياها للزوج الأول إنما ثبت بحديث العُسيلة لا بقوله تعالى "حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" (البقرة/230)، وبيانه؛ كون امرأة رفاعة رضي الله عنهما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن رفاعة طلقني ثلاث فنكحت عبدالرحمن بن الزَبير رضي الله عنه، فما وجدته إلا كهدبة ثوبي هذا – تعني وجدته عنينا- فقال صلى الله عليه وسلم: " أتريدين أن تعودي إلى رفاعة"، قالت: نعم، فقال: " لا، حتى تذوقي من عسيلته ويذوق هو من عسيلتك" (أخرجه البخاري في صحيحه، باب من جوز الطلاق الثلاث برقم 5260)، فهذا الحديث دل بعبارة النص على اشتراط الوطء، وكذا دل على محللية الزوج الثاني بإشارة النص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: أتريدين أن تعودي إلى رفاعة، ولم يقل أتريدين أن تنتهي حرمتك، والعود هو الرجوع إلى الحالة الأولى؛ فيعود الحل وتجدد باستقلاله كأنها امرأة جديدة (البخاري، كشف الأسرار،1/ 134).
2. حديث العسيلة حديث مشهور يجوز بمثله الزيادة على الكتاب، فيخص به عام القرآن الكريم، ويقيد المطلق، فهو فوق الآحاد ودون المتواتر (السنبهلي، حاشية سر الأسرار، 1/ 52).
3. ثبتت الحل الجديد بحديث العسيلة وليس بالآية لمن طلق امرأته ثلاث تطليقات، فمن باب أولى أنه يعمل فيمن طلق زوجته ما دون الثلاث (ابن نجيم، فتح الغفار، ص 26).
والحاصل:
لم يخالف الحنفية أصلهم في دلالة الخاص حال كونه وضع لمعنى معلوم ودلالته قطعية (البدارين، نظرية الفرض والواجب عند الحنفية:497)، إنما جاءت الآية لتبين الغاية في عدم الحل (الحرمة المغلظة)، أما غاية عدم العود فجاء من الحديث المشهور، وبه يزاد على النص وتثبت فيه الأحكام، فالحديث لا تعودي؛ أي (عدم العود)، والآية في (عدم الحل)، فبالآية لا يعمل الزوج إلا عند وجود الحرمة المغلظة، وبالحديث ترجع إلى الحالة السابقة كونها امرأة جديدة كالتي كانت عليها فيملك ثلاث تطليقات جدد، فالزوج الثاني مثبت حلا جديدا مطلقا لا غاية للثلاث فقط (منلا خسرو، مرآة الأصول، ص134).
المطلب الثالث: دعوى مخالفة دلالة أحرف العطف عند الحنفية.
(الواو): تفيد مطلق الاشتراك والجمع لا غير، فلا تفيد الدلالة على ترتيب زمني بين المتعاطفين وقت وقوع المعنى، ولا المصاحبة، ولا على تعقيب أو مهلة في حال كون المتعاطفين مفردين ليسا بجملة ولا شبه جملة (هاني، التسهيل، ص 182)، وهذا هو المعنى الذي استخدمه الأصوليون من الحنفية بجعل الواو لمطلق العطف من غير مقارنة ولا ترتيب (الخبازي، المغني، ص 407).
ويكمن محل الدعوى في المسألتين التاليتين:
- المسألة الأولى:
دلالة (الواو) لمطلق الجمع من غير دلالة على مقارنة وترتيب، وتكمن المسألة فيمن قال لزجته غير الموطوءة: " إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق و طالق" فقد أوقع الإمام أبو حنيفة طلقة واحدة، وأوقع الصاحبان عليها ثلاث طلقات (الفناري، فصول البدائع في أصول الشرائع1/ 138) و مرد محل الدعوى بأن الحنفية قد خالفوا أصلهم الذي التزموه، وهو أن حرف العطف (الواو) لا يدل على الترتيب ولا المقارنة، فبإيقاع الإمام طلقة واحدة على غير المدخول بها دل على الترتيب، وبإيقاع الطلاق عليها ثلاثا من قبل الصاحبين دل على المقارنة، فبذلك خرم الحنفية أصلهم (الفناري، البدائع في أصول الشرائع، 1/ 139).
وبجاب على ذلك:
إن حكم الإمام في أيقاع طلقة واحدة، وحكم الصاحبين في إيقاع الطلاق ثلاثا لا يعود حال كونه دالا على الترتيب عند الإمام بحيث أنها أصبحت أجنبية بعد إيقاع الطلاق الأول، فلم يقع غيرها من طلقات فدل ذلك على الترتيب، أو يقعن ثلاثا بحسب أصل الصاحبين فيقع الكل دفعة واحدة فدل على المقارنة، بل يرجع إلى أمر آخر:
- وجه قول الإمام أبي حنيفة:
إن موجب الكلام الافتراق عند التكلم؛ فهي تقع على التعاقب، فبانت بالأولى فلم تعد محلا بالثانية والثالثة، فالطلقات لا تقع إلا عند وقوع الشرط، فتعلقت الأولى بالشرط بقوله (إن دخلت الدار فأنت طالق) فهي جملة تامة، فكانت الجملة الأولى متعلقة بالشرط من غير واسطة، ثم تعلقت الجملة الثانية بواسطة الأولى، ثم تعلقت الجملة الثالثة بواسطتين، فإذا وجد الشرط ينزلن بالترتيب بأن تقع الأولى أولا ثم الثانية، فإذا وقعت الأولى لم يبق المحل للثانية والثالثة، لكونها غير مدخول بها فتبين بواحدة (الإزميري، حاشية الإزميري على مرآة الأصول 2/ 4).
- وجه قول الصاحبين:
إن الكلام موجبه على الاجتماع والاشتراك في الشرط؛ فلم يأت من دلالة حرف العطف الواو، فساوت الجملة الثانية والثالثة الجملة الأولى في التعليق بالشرط بلا واسطة، صار كأنه كرر الشرط بأنه قال: " إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق" فإذا وجد الشرط وقعن جملة واحدة (المحبوبي، التوضيح 2/ 225).
والحاصل:
إن الحنفية لم يخالفوا دلالة المعنى الخاص الذي وضع للواو أصولا ولغة، إنما جاءت دلالة وقوع الأثر للطلقات من أصلين آخرين للإمام والصاحبين، حيث يرى الإمام أن مبنى الكلام على الافتراق، فالملفوظ أولا يقع أولا، ويرى الصاحبان أن مبنى الكلام على الاجتماع والاشتراك في الشرط، فلم تكن الدعوى في مخالفة الحنفية بمكانها.
- المسألة الثانية:
فيما إذا زوج رجل أختين في عقدين بغير إذن الزوج، فبلغ الزوج خبر النكاح، فإن أجازهما بكلام موصول بقوله: " أجزت نكاح هذه، وهذه" بطل النكاحان، والشاهد فيها أن بطلان نكاح الأختين في قوله: " أجزت نكاح هذه، وهذه" بكلام متصل دل على المقارنة، وأن هذه المقارنة جاءت من حرف (الواو)، فبذلك يبطل القول بأن الواو لا تفيد المقارنة بالزمان (الخبازي، المغني، ص 407).
ويجاب على ذلك:
إن بطلان النكاح من الأختين لم يدل عليه حرف (الواو)، إنما الذي دل عليه الكلام؛ لأن صدر الكلام يتوقف على أخره إذا كان في آخره ما يغير أوله، كالشرط والاستثناء، والمعنى أن صدر الكلام وهو إجازة نكاح الأولى لم يؤثر ولم يفد حكما ونفاذا بل يتوقف على آخره وهو إجازة نكاح الثانية؛ لأنه مغير للأول، فلا جرم أنهما يقترنان؛ لأنه لما توقف صدر
الكلام على الأخر، فلا يثبت الحكم إلا معا، فلزم إجازة النكاحين معا، وهو جمعٌ بين الأختين، فلذا يبطل النكاحان (ابن عابدين، نسمات الأسحار، ص177).
الخاتمة
من خلال ما تم استعراضه خلصت الدراسة إلى:
1. لم يخالف الحنفية أصولهم في دلالة الخاص حال كونه بَيّنٌ في نفسه لا يلحقه بيان
2. لم يخالف الحنفية أصولهم في دلالة الخاص فلا يزاد عليه بخبر الأحاد ولا القياس.
3. لم يخالف الحنفية أصولهم في قطعية الخاص على مدلوله.
4. لم يخالف الحنفية أصولهم حال كون الأمر لا يقتضي التكرار ولا يحتمله.
5. لم يخالف الحنفية أصولهم في جعل القضاء ثابت بما ثبت به الأداء.
6. لم يخالف الحنفية أصولهم في جواز إخراج الفدية عن الصلاة للميت حيث ثبت احتياطا لا قياسا.
7. لم يخالف الحنفية أصلهم في أحرف المعاني ودلالتها القطعية على مدلولها، وما تم بناؤه من الأحكام تم على أصول أخرى تم بيانها في مكانها في البحث.
المراجع
القرآن الكريم
الإخسيكثي، ح. (2014). منتخب الحسامي. (ط1). باكستان: مكتبة البشرى.
الإسنوي، ع. (1999). نهاية السول شرح منهاج الوصول. (ط1). بيروت: دار الكتب العلمية.
الآمدي، ع. (2008). الإحكام في أصول الأحكام. (ط1). بيروت: دار ابن حزم.
ابن أمير حاج، م. (1983). التقرير والتحبير. (ط1). بيروت: دار الكتب العلمية.
البدارين، أ. (2019). نظرية الفرض والواجب عند الحنفية دراسة أصولية تطبيقية. مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون الجامعة الأردنية، 46 (4). 490 - 518.
البخاري، ع. (2009). كشف الأسرار. (ط2). بيروت: دار الكتب العلمية.
البخاري، م. (1422). الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه. (ط1). دار طوق النجاة.
البصري، م. (1403). المعتمد في أصول الفقه. (ط1). بيروت: دار الكتب العلمية.
الترمذي، م. (1975). الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. (ط2). مصر: مكتبة مصطفى البابي الحلبي.
التفتازاني، س. (1998). شرح التلويح على التوضيح. (ط1). بيروت: دار الأرقم بن أبي الأرقم.
الجصاص، أ. (1994). الفصول في الأصول. (ط2). الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية.
أبو الحاج، ص. (2016). اختلاف الفقهاء أصولي. مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون الجامعة الأردنية، 43 (3)، 1855 - 1870.
الحقاني، ع. (2014). النامي على شرح منتخب الحسامي. (ط1). باكستان: مكتبة البشرى.
ابن حنبل، أ. . (2011) مسند الإمام أحمد بن حنبل. (ط1). بيروت: مؤسسة الرسالة.
الخبازي، ع. (1403). المغني في أصول الفقه. (ط1). مكة: جامعة أم القرى. مركز البحث العلمي وإحياء التراث.
أبو داود، س. (2009). سنن أبي داوود. (ط1). بيروت: دار الرسالة العالمية.
الدارقطني، ع. (2004). سنن الدارقطني. (ط1). بيروت: الرسالة.
الدبوسي، ع. (2006). تقويم الأدلة في أصول الفقه. (ط 1). بيروت: المكتبة العصرية.
الرازي، م. (1997). المحصول، (ط3). بيروت: مؤسسة الرسالة.
الرّهاوي، ي. حاشية الرّهاوي على شرح منار الأنوار. (ط1). القاهرة: دار ركابي للنشر،.
الزركشي، ب. (1994). البحر المحيط في أصول الفقه. (ط1). بيروت: دار الكتبي.
ابن الساعاتي، أ. (1418). بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام. (ط1). مكة المكرمة: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي.
السمرقندي، م. (2017). ميزان الأصول في نتائح العقول. (ط2). عمان: دار النور المبين.
الشربيني، م. (1994). مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج. (ط1). بيروت: دار الكتب العلمية.
ابن عابدين، م. (1979). نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار. (ط2). مصر: مطبعة مصطفي بابي الحلبي.
عبد الحميد، م. (2009). التحفة السنية بشرج الآجرومية. (ط1). بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون
ابن العيني، ع. (2010). شرح متن المنار في أصول الفقه. (ط1). دمشق: دار البيروتي.
الغرايبة، إ. (2019). موقف الأصوليين من دلالة الأمر على التكرار دراسة تطبيقية، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون الجامعة الأردنية، 46 (4). 257 - 279.
ابن فارس، أ. (1979). معجم مقاييس اللغة. بيروت: دار الفكر.
الفناري، م. (2006). فصول البدائع في أصول الشرائع. (ط1) بيروت: دار الكتب العلمية.
ابن قدامة، م. (2002). روضة الناظر وجنة المناظر. (ط2). مؤسسة الريّان.
اللكنوي، ع. (2011). حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار. (ط4). باكستان: مكتبة البشرى.
اللكنوي، ب. (2017). حاشية بركة الله اللكنوي على أصول الشاشي. (ط1). دمشق: دار ابن كثير.
المحبوبي، ع. (1998)، التوضيح شرح التنقيح. (ط1). بيروت: دار الأرقم.
المحلاوي، م. (2010). تسهيل الوصول إلى علم الأصول. (ط1). القاهرة: دار الحديث.
ابن الملك، ع. (2004). شرح منار الأنوار في أصول الفقه. (ط1). بيروت: دار الكتب العلمية.
مسلم، م. (1955). صحيح مسلم. (ط1). القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي.
ملاجيون، أ. (2011). نور الأنوار شرح رسالة المنار. (ط4). باكستان: مكتبة البشرى.
النسائي، أ. (1986). السنن الصغرى للنسائي. (ط2). حلب: مكتبة المطبوعات الإسلامية.
النووي، ي. (بدون). المجموع شرح المهذب. عمان: دار الفكر.
هاني، ع. (2015). التسهيل لمعاني الآجرومية. (ط1). عمان: دار الفتح.
References
Al-akhskethi, H. (2014). Selection of Hussami. (1st ed.). Pakistan: Al-Bushra Library.
Al-asnawi, A. (1999). The end of Sol explain the access platform. (1st ed.). Beirut: Scientific Books House.
Al-amidi, A. (2008). Judgment in the origins of judgments. (1st ed.). Beirut: Ibn Hazm House.
Ibn- amir Haj, M. (1983). Report and write. (1st ed.).Beirut: Scientific Books House.
Al-badarin, A. (2019). The theory of imposition and duty according to the Hanafi school of applied fundamentalism. Journal of Sharia and Law Studies University of Jordan, 46 (4). 490 - 518.
Al-bukhari, A. (2009). Secrets revealed. (1st ed.). Beirut: Scientific Books House.
Al-bukhari, M. (1422). Correct Al-bukhari . (1st ed.). Lifeline House.
Basri, M. (1403). Certified in the principles of jurisprudence. (1st ed.). Beirut: Scientific Books House.
Al-tirmidhi, M. (1975). The abbreviated collection of Sunan . (2nd ed.). Egypt: Mustafa Al-Babi Al-Halabi Library.
Taftazani, S. (1998). Waving explanation on illustration. (1st ed.). Beirut: Dar Al-Arqam bin Abi Al-Arqam.
Al-jassas, A. (1994). chapters in assets. (2nd ed.). Kuwait: The Kuwaiti Ministry of Awqaf.
Abu alhajj, S. (2016). The difference of jurists is fundamental. Journal of Sharia and Law Studies University of Jordan, 43 (3), 1855 - 1870.
Al-haqqani, A. (2014). Developing to explain the team Hussami. (1st ed.). Pakistan: Al-Bushra Library.
Ibn hanbal, A. (2011) The Musnad of Imam Ahmad bin Hanbal. (1st ed.). Beirut: Al-Resala Foundation.
Khabbazi, A. (1403). The singer in the principles of jurisprudence. (1st ed.). Mecca: Umm Al-Qura University. Center for Scientific Research and Heritage Revival.
Abu dawood, S. (2009). Sunan Abi Dawood. (1st ed.). Beirut: International Message House.
Al-daraqutni, A. (2004). Sunan Al-Daraqutni. (1st ed.). Beirut: The Message.
Al-dabousi, A. (2006). Evaluation of evidence in the principles of jurisprudence. (1st ed.). Beirut: Modern Library.
Al-razi, M. (1997). The crop, (3rd ed.). Beirut: Al-Resala Foundation.
Al-rahawi, Y. Al-Rahawi's Commentary on the Explanation of Manar Al-Anwar. (1st ed.). Cairo: Rakabi Publishing House.
Al-zarkashi, B. (1994). The ocean in the principles of jurisprudence. (1st ed.). Beirut: Dar Al Ketbi.
Ibn al-Saati, A. (1418). Adorable system which combines the book Al-bazdawi and ahkam. (1st ed.). Makkah Al-Mukarramah: Institute for Scientific Research and Revival of Islamic Heritage.
Al-samarqandi, M. (2017). The balance of assets in the results of minds. (2nd ed.). Amman: Dar Al Noor Al Mubin.
El-sherbiny, M. (1994). A singer who needs to know the vocabulary of the curriculum. (1st ed.) Beirut: Scientific Books House.
Ibn abdeen, m. (1979). Breezes of magic to explain the flooding of lights. (2nd ed.). Egypt: Mustafa Bab Al-Halabi Press.
Abdul hamid, M. (2009). Masterpiece dental anus ajroma. (1st ed.) Beirut: Al-Risala Foundation Publishers
Ibn alayni, P. (2010). Explanation of Al-Manar in the principles of jurisprudence. (1st ed.) Damascus: Dar Al-Bayrouti.
Gharaibeh, E. (2019). The position of the fundamentalists on the significance of the matter on repetition, an applied study, Journal of Studies in Sharia and Law Sciences University of Jordan, 46 (4). 257 - 279.
Ibn Faris, A. (1979). A Dictionary of Language Standards. Beirut: Alfikr House.
Al Fanari, M. (2006). The merits in the arrangement of the laws. (1st ed.). Beirut: House of Scientific Books.
Ibn Qudamah, m. (2002). Kindergarten of the beholder and the paradise of the scenery. (2nd ed.). Al Rayyan Foundation.
Al-Laknoi, A. (2011). A retinue moon moons on the light of lights. (4th ed.). Pakistan: Al-Bushra Library.
Lucknow, B. (2017). Barakat Allah Allknoi footnote on the origins of Shashi. (1st ed.). Damascus: Ibn Kathir House.
Mahboubi, A. (1998), Illustration Explanation of Revision. (1st ed.). Beirut: Dar Al-Arqam.
Al-Mahlawi, m. (2010). Facilitating access to the knowledge of assets. (1st ed.). Cairo: House of Hadith.
Ibn malak, P. (2004). Explanation of Manar lights in the origins of jurisprudence. (1st ed.). Beirut: Scientific Books House.
Muslim, M. (1955). Correct Muslim. (1st ed.). Cairo: Issa Al-Babi Al-Halabi Press.
Malagion, A. (2011). Noor Al-Anwar explaining the message of Al-Manar. (4th ed.). Pakistan: Al-Bushra Library.
Alnasayiyi, A. (1986). Sunan alnasayiyi. (2nd ed.). Aleppo: Library of Islamic Publications.
Al-Nawawi, J. Total Al-Mohadeeb explanation. Amman: Dar Al-Fikr.
Hani, A. (2015). The facilitation of the meanings of the aj?r?m?ya. (1st ed.). Amman: Dar Al-Fath.