الجزء 1
الجامعة المستنصرية
كلية الآداب - قسم اللغة العربية
البحث الدلالي
في كتاب أصول السرخسي (ت490 هـ)
رسالة تقدم بها
نواس محمد علي عبد عون الخفاجي
الى مجلس كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، وهي جزء من متطلبات درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها
بأشراف
الدكتورة ندى عبد الرحمن الشايع
1422هـ ... 2001م
بسم الله الرحمن الرحيم
{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}
صدق الله العظيم
سورة التوبة: 105
اقرار المشرف
اشهد ان اعداد هذه الرسالة الموسومة بـ (البحث الدلالي في كتاب اصول السرخسي) التي اعدها طالب الماجستير (نواس محمد علي عبد عون) قد جرى تحت اشرافي في قسم اللغة العربية في كلية الاداب في الجامعة المستنصرية، وهي جزء من متطلبات درجة الماجستير في اللغة العربية وادابها.
التوقيع:
اسم المشرف: أ. م. د. ندى عبد الرحمن الشايع
التاريخ:
بناء على التوصيات المتوفرة ارشح هذه الرسالة للمناقشة
التوقيع:
الاسم: أ. د: خالد علي مصطفى
رئيس لجنة الدراسات العليا
رئيس قسم اللغة العربية
التاريخ:
المحتويات
الموضوع ... الصفحة
المقدمة ... .. أ -ح
التمهيد ... .. 1 - 6
الفصل الاول: الدلالة الوضعية ... .. 7 - 51
مفهوم الوضع عند السرخسي ... .. ... .7 - 13
الموضوع له ... .. ... .. 14 - 19
دلالة الالفاظ من حيث الوضع ... .. 19 - 51
الخاص ... .. ... 2 - 23
العام ... . ... 23 - 27
صيغ العموم ... . ... .27 - 37
المشترك ... . ... . 37 - 41
المشترك اللفظي عند السرخسي ... . ... . ... 42 - 48
المؤول ... . ... . ... .. 49 - 51
الفصل الثاني: الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية ... .. ... . 52 - 92
الحقيقة ... . ... . 52 - 56
اقسام الحقيقة ... .. ... .. 57 - 61
المجاز ... .. ... .. 62 - 69
بين الحقيقة والمجاز ... .. ... 69 - 73
الاستعارة ... .. 74 - 84
الكناية ... . 85 - 90
الكناية والمجاز ... .. 90 - 92
الفصل الثالث: الدلالة السياقية ... . 93 - 161
مفهوم السياق ... ... 93 - 101
السياق عند المفسرين والاصوليين ... . ... .101 - 108
الموضوع ... الصفحة
السياق ودلالة الامر ... .. ... . 108 - 123
السياق والحقيقة والمجاز ... .. ... .. ... 123 - 129
السياق وطرق الدلالة ... . ... ... 129 - 144
عبارة النص ... . ... . ... . ... . 131 - 133
اشارة النص. ... . ... .. ... .. 133 - 136
دلالة النص ... 136 - 139 ... اقتضاء النص ... . ... 139 - 144
السياق والدلالة من حيث الوضوح والغموض .. ... . ... 144 - 161
الواضح الدلالة ... 147 - 154
الظاهر ... . ... .. ... . 147 - 148
النص ... .. ... . ... 148 - 149
المفسر ... .. 149 - 151
المحكم .. ... 152 - 154
الغامض الدلالة ... .. ... .154 - 161
الخفي ... . ... .. ... 154 - 155
المشكل ... . ... .. 155 - 157
المجمل. ... . ... .. ... 157 - 161
الخاتمة ونتائج البحث. ... . 162 - 166
جريدة المضان ... . ... . 167 - 179
ملخص الرسالة باللغة الانكليزية ... .. 180 - 181
الجزء 1 · صفحة 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى اله وصحبه والذين اتبعوهم باحسان، الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اما بعد
فان علم الدلالة يعد واحدا من العلوم المهمة التي شغلت اهتمام الباحثين من ميادين شتى وتعاون على تجاذب اطرافه علماء اللغة وطوائف من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، وتاتي اهمية هذا العلم من ان موضوعه الاساس هو المعنى ولذلك استقر البحث فيه على ان يختص به علم اللغة كون المعنى هو جوهر الظاهرة اللغوية وخير من يؤدي المعنى هي ادوات اللغة الا ان ارتباط العلوم الاخرى به ياتي من حيث ان دراسة معاني الكلمات لا بد ان يرتبط بالعالم الخارجي.
من هنا تاتي صعوبة البحث الدلالي من حيث تشعب موضوعه وعدم القدرة على ضمه ضمن حدود مميزة الا وهو المعنى، غير ان ما يتصف به موضوعه من انعدام القدرة على تحديد طبيعته هو في الحقيقة السبب في منح جوانب عديدة من الدراسات اللغوية حيوية وتوسعا وتطورا اذا ما ارتبط البحث فيها بدراسة المعنى اذ بفضله ترتبط مقاييس اللغة الثابتة بالدراسة الادبية التي تعتمد على الحركة والايحاء فبوساطته تتفاعل قوانين اللغة مع الادب شعرا ونثرا كما ان مهمة الباحث الدلالي عند تحليل النص اللغوي هي كمهمة الناقد عند دراسته للنص الادبي.
ومن خلال ملاحظتي لهذه الاهمية التي يتمتع بها علم الدلالة كان اختياري لاحد موضوعاته خاصة تلك التي تتعامل مع القران الكريم واقصد بقولي هذا علم اصول الفقه، اذ لا يخفى ما لهذا العلم من صلة بالبحث اللغوي عموما والدلالي خاصة حيث ان مباحث الالفاظ التي حفلت بها مصنفات الاصوليين انما تصب في غاية واحدة هي دراسة المعنى فالبحث في اللغة غايته البحث عن المعنى وليس البحث من اجل اللغة كما هي مهمة اللغويين ولذلك فهي اوثق اتصالا بالبحث الدلالي، وقد وجدت انها جاءت على مستوى عال من الدقة والشمول ومتميزة في بعض مواضعها عما سبقها من دراسات للمعنى وتميز اسلوبها بالاستقراء والتحليل ثم الاستدلال وصولا للمعنى الذي يترتب على ضوئه الحكم الشرعي وهذه الميزات هي ما يقتضيه البحث الدلالي عامة.
الجزء 1 · صفحة 2
وعلى الرغم من هذه الصلة الوثيقة بين البحث الدلالي ومباحث الالفاظ عند الاصوليين فقد وجدت ان هذا الجزء من كنوز تراثنا اللغوي لم يحفل بالدراسة والاطلاع بالقدر الذي حفلت به جهود اللغويين ولا بد ان اشير في هذا الموضع الى فضل استاذي الدكتور عبد الرزاق الحربي الذي ارشدني الى هذا السبيل وكان سببا في اطلاعي على كثير من تراث الاصوليين اللغوي، سواء في محاضرات السنة التحضيرية او في طلبه مني اعداد بحث ضمن السنة نفسها عن الدلالة في كتاب (اصول السرخسي) موضوع الرسالة ولقد كان اعداد هذا البحث فاتحة للاطلاع على البحث الدلالي عند الاصوليين وجهودهم في اللغة.
وقد وجدت ان السرخسي واحدا من اهم الاصوليين الذين تمتاز بحوثهم في اللغة بالدقة والجدة والشمول وهي اقرب الى واقع اللغة، وقد حوى مؤلفه (اصول السرخسي) على كثير من موضوعات علم الدلالة واهم ما وجدته فيه انه يغطي فرعين من فروع البحث الدلالي هما الاهتمام ببيان معاني المفردات ودراسة الصيغ حين ترد متجردة عن القرائن وكذلك الاهتمام ببيان معاني الجمل والعبارات ودراسة المفردات داخل تلك الجمل والعلاقات السياقية لتلك الجمل والعبارات فضلا عن دراسته للحقيقة والمجاز التي تشكل ادراكه لمظاهر التطور الدلالي الذي يصيب مفردات اللغة على مر الزمن.
وعلى بركة الله وتوكلي عليه وبتشجيع من الدكتور عبد الرزاق الحربي عزمت البحث في هذا الكتاب بحثا دلاليا بعد ان وجدت افتقاده لدراسة الجهود الدلالية فيه دراسة مستقلة من قبل الباحثين، فشرعت بالاطلاع على كتب علم الدلالة التي اعتمدت عليها في كتابة هذه الرسالة بغية توسيع الافق امامي ثم اعدت قراءة كتاب اصول السرخسي ولمرات عديدة لرصد ادق الظواهر الدلالية التي جاءت فيه وبعد هذا الاطلاع صار الراي على ان يتضمن هذا البحث ثلاثة فصول يسبقها تمهيد عرضت فيه وبشكل عام للصلة بين المباحث اللغوية وعلم اصول الفقه وتاكيد الاصوليين اهمية هذه المباحث وحجم الدور الذي تؤديه في دراسة المعنى وان الاجتهاد فيها سبيل للاجتهاد في الشريعة، وقد تجنبت الحديث عن امرين الاول هو حياة السرخسي والثاني ان اعرض لكتاب (اصول السرخسي) موضوع البحث فقد
الجزء 1 · صفحة 3
فصل القول فيهما الدكتور محمود النعيمي في رسالته الموسومة (السرخسي ومنهجه في اصول الفقه) وعرض للامرين كليهما بشكل واسع وشامل يجعل من محاولتي الكتابة عنهما ضربا من تكرار القول.
اما بالنسبة الى فصول الرسالة فقد خصصت الفصل الاول للكلام عن الدلالة الوضعية عند السرخسي فعرضت فيه لمفهوم الوضع وما يشكله الوضع من محور دلالة اللغة، ثم مفهوم المعنى لديه هل هو الصورة الذهنية ام الموجود الخارجي وعرضت لمثلث السرخسي الدلالي وبينت فيه كيف ياخذ هذا المثلث مكانته على جميع مستويات الرمز اللغوي الحرف والكلمة والتركيب، ثم تناولت بعد ذلك تقسيمه للالفاظ من حيث الوضع وهو تقسيم يتناول الالفاظ من حيث استغراقها للمسميات فتنقسم الى الخاص والعام والمشترك والمؤول، وفي هذا الفصل تنصب الدراسة على تبادل صيغ الالفاظ حين ترد متجردة عن القرائن وكيفية دلالتها على المعنى وقد بينت فيه نظرة السرخسي الى هذه الصيغ والحدود التي يضعها للتمييز بين كل صيغة والذي يكون وفق معيار دلالي تعتمده كل منها لتتفق مع تسميتها، ويمكن ان نعد نظرة السرخسي هذه احاطته بالفرع الاول من علم الدلالة كما سبقت الاشارة الى ذلك.
وكانت الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية هما محورا اشتغال الفصل الثاني والذي تناولت فيه تعريف السرخسي للحقيقة ومفهومه عنها واشارته الى سمات المعنى الحقيقي وكذلك موقفه من الحقائق العرفية والشرعية وما يشكله هذا الموقف من ادراك لانماط التطور الدلالي وقد اشرت الى ان الحقيقة في مفهوم السرخسي تبدو اهميتها الدلالية من خلال ما تشكله من مفهوم الدلالة الاصل للالفاظ التي يبتنى عليها تحديد العدول والانزياح الذي قد يرد في معنى النص ثم انتقلت الى تعريف المجاز وموقفه منه وادراكه الى ان المجاز يمثل سبيلا لديمومة اداء اللغة لوظيفتها الايصالية بما يوفره من سعة ودقة في التعبير فضلا عن دوره على مستوى الدلالة الفنية بالاضافة الى ادراك السرخسي الى انه على الرغم من خضوع المجاز لطريقة العرب في التجوز الا انه غير مقيد على الاطلاق بصور التجوزات السابقة وانما يمكن ان يشكل حالة ابداعية يرتهن بقاؤها بقبول المجتمع لها وشيوعها فيه.
الجزء 1 · صفحة 4
وبسبب من تفصيل السرخسي في مباحثه للالفاظ فقد عرضت لما ورد فيها من حديث عن الاستعارة والكناية وقد انصبت الدراسة على عرض مفهوم الاستعارة والية عملها وطبيعة الدلالة الاستعارية واشرت الى ظاهرة على درحة كبيرة من الاهمية الا وهي العلاقة الاستعارية التي يراها السرخسي وهي الاتصال وهذا الاتصال ينشا على اساس اتصال في الدلالة المركزية لكل من طرفي الاستعارة وقد بينت كيف يتفق هذا المفهوم مع مفاهيم اللغويين المحدثين عن نشوء العلاقة الاستعارية ولم يختلف عرضي لموضوع الكناية عنها في الاستعارة بتناول مفهومها والية عملها ومدى اختلافها عن الاستعارة ومن ثم بينت موقفه من الكناية وعلاقتها بالحقيقة والمجاز.
اما الفصل الثالث والذي جاء بعنوان الدلالة السياقية والذي ارى انه يمثل اهم فصول الرسالة باعتبار اهمية موضوعه بالنسبة للبحث الدلالي عامة اذ ما من دلالة تتضح او تحدد دون السياق بالاضافة الى ان هذا الفصل يمثل احاطة السرخسي بالفرع الثاني من علم الدلالة فضلا عن ان الدراسة قد جاءت فيه متضمنة لمعظم المظاهر الدلالية التي وردت في الفصلين السابقين مع زيادة بتناول بعض المظاهر التي لم تتعرض لها.
وقد ابتدات الفصل بعرض حاولت ان يكون شاملا لمفهوم السياق واقسامه تناولت فيه بعض مفاهيم علماء الدلالة وموقفهم منه وما هي الوظائف الدلالية التي يمكن ان يؤديها السياق في خدمة المعنى ثم عرضت لمفهوم السياق عند المفسرين والاصوليين ولم اكن جديدا فيما ذكرت الا انني وجدت ان من ضرورات البحث العلمي ان ابدا من حيث ما انتهت اليه جهود السابقين ولم اقصد ان ابين ادراك علمائنا لاثر السياق في تحديد المعنى فقط وانما حاولت ان اعرض الامر على اساس احاطتهم بالجانب النظري كما احاطوا باجانب التطبيقي وهو ما يمكن ان يشير الى ملامح نظرية سياق عربية النشاة ولم يكن من جهد لي اقدمه في ذلك سوى تبويب اقوالهم على وفق الجانب الذي يختص القول به.
اما الموضوعات الاخرى فقد ترتبت دراستها على اساس الوظائف والاغراض التي يؤديها السياق في خدمة المعنى مبتدا بالسياق وعلاقته بدلالة الكلمة وقد تمثل
الجزء 1 · صفحة 5
بموضوع (السياق ودلالة الامر)، ثم السياق والدلالة الاستعمالية من حيث ان معنى الكلمة في السياق هو استعمالها وقد تمثل هذا في موضوع (السياق ودلالة الحقيقة والمجاز) اشرت فيه الى وظيفة السياق في خلق العدول عن المعنى الحقيقي، ثم انتقلت للحديث عن السياق وعلاقته بدلالة الجملة كاملة وتمثل ذلك في موضوع السياق وطرق الدلالة حيث يؤكد السرخسي اهمية السياق ودوره في تحديد دلالة كل مستوى من مستويات طرق الدلالة اما الموضوع الاخير فهو يختص بعلاقة السياق ودوره في ايضاح المعنى وازالة الغموض وتمثل هذا في موضوع (السياق والدلالة من حيث الغموض والوضوح) تناولت فيه تقسيمات السرخسي لدلالة الالفاظ من حيث الوضوح والغموض في مستويات دلالية مختلفة في كل قسم منها ودور السياق في ايضاح المعنى بحسب كل مستوى، وقد اشرت الى ادراك السرخسي كيفية تدرج عمل قرائن السياق ضمن كل مستوى بشكل يختلف عن سابقه.
واوردت بعد ذلك الخاتمة وقد ضمنتها خلاصة البحث والنتائج التي توصل اليها.
لقد حاولت في جميع موضوعات البحث ان اتعامل مع نصوص السرخسي باسلوب تحليلي لما اجده من ان التحليل يمكن ان يكشف لنا عن ادق تفاصيل الامور ويوضح لنا حقيقة العلاقة بين الاشياء خاصة وان المنهج الذي اعتمدته هو المنهج الوصفي ولا يخفى اننا لكي نصف بدقة فعلينا ان نحلل بعمق لتتضح صورة الوصف من خلال رصد ادق ملامحها، ولم تكن غايتي من هذا البحث الا استيعاب الدرس الدلالي الحديث والدرس الدلالي القديم ثم مفهوم الدلالة عند السرخسي ورؤيته وتصوره عنها بحيث يمكن ان نضعها في موضعها الصحيح بين جهود السابقين واللاحقين من علماء الدلالة.
وفي الختام اقول: ان عملي هذا على ما اراه ما هو الا جهد متواضع اقدمه اليوم ولا ادعي له الكمال والبراءة من النقص فالكمال لله وحده واسال الله تعالى ان يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، (واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين)
الجزء 1 · صفحة 6
تمهيد
يمكن تعريف علم الدلالة بأنه: دراسة المعنى، أو العلم الذي يدرس المعنى (¬1). وأهمية هذا العلم تبدو من إن موضوعه الأساس هو المعنى، ولذلك فهو غاية الدراسات اللغوية وقمتها إذ لا يمكن أن تكون هناك لغة بدون المعنى (¬2). فالدلالة هي (جوهر الظاهرة اللغوية وبدونها لا يتأتى للألفاظ والتراكيب وظيفة وفاعلية) (¬3).
وقد شغلت الدلالة حيزا كبيرا من اهتمام الفقهاء لما لها من تعلق وثيق في فهم نصوص القران الكريم والسنة النبوية فهما صحيحا بغية استنباط الأحكام التشريعية منها فقد عنى الأصوليون في سبيل الوصول إلى هذه الغاية بالدراسات اللغوية بعامة، ودراسة المعنى بخاصة (¬4)، وذلك (لتوقف الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحذف، والإظهار، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والإيماء، وغيره مما لا يعرف في غير علم العربية) (¬5) لذا لانجد أثرا أصوليا إلا ويضم بين دفتيه بحثا لغويا في هذه المسائل (¬6) (وقد تناول الأصوليون في دراستهم للمعنى كثيرا من الجوانب
¬
(¬1) ينظر: علم الدلالة (جون لاينز):9، علم الدلالة (بالمر): 3، علم الدلالة (احمد مختار عمر): 11.
(¬2) ينظر: علم الدلالة (عمر):5، علم اللغة (مقدمة للقارئ العربي):261، مناهج البحث في اللغة (تمام حسان):24.
(¬3) التركيب اللغوي للأدب (لطفي عبد البديع):43.
(¬4) ينظر: دراسة المعنى عند الأصوليين: 3.
(¬5) الإحكام في أصول الأحكام (الامدي): 1/ 9.
(¬6) ينظر: المعتمد في أصول الفقه: 14 - 42، والمحصول في علم أصول الفقه:1/ 175 - 418، ونهاية السول:2/ 11 - 325، شرح الكوكب المنير: 1/ 97 - 299، إرشاد الفحول: 1/ 69 - 115.
الجزء 1 · صفحة 7
التي لم يطرقها غيرهم سواء كان ذلك على مستوى الألفاظ المفردة أو التراكيب مقطوعة عن السياق أو موصولة به وهو ما ينبهون عليه دائما) (¬1)، ذلك إن استنباط الأحكام الشرعية غالبا ما يتوقف على تحديد الرأي في فهم المسائل اللغوية بدقة متناهية ولهذا تعد بحوثهم في التراكيب والألفاظ إسهاما كبيرا في تاريخ الفكر اللغوي بعامة والدرس الدلالي بخاصة لما تضمنته بحوثهم من ملاحظات علمية دقيقة في استنباط الأحكام الشرعية (وقد كانت متميزة في عصرها عن دراسة البلاغيين واللغويين لقضايا المعنى ومشكلاته، ومن أهم ما يميزها أنها كانت تحاول الوصول إلى نتائج أو قوانين أو ملاحظات علمية يعتمد عليها في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام بخاصة، كما يعتمد عليها في فهم النصوص اللغوية بعامة) (¬2)، (إن المعنى الذي فيه يبحثون يتساوى عندهم في الدلالة عليه نص الشارع وقول الشاعر) (¬3).
إن الأحكام الشرعية المستنبطة من نصوص القران والسنة كما كانت هي الأساس لتنظيم المجتمع وتعريف المكلف بأمور التكليف الواجبة عليه، استدعى ذلك وجوب الدقة في فهم النص فجاءت اهتمامات الأصوليين باللغة العربية متميزة ودقيقة ومؤسسة على منطق اللغة العربية وهديها (¬4)، وكان هذا الاهتمام واسعا وشاملا لجميع مكونات النص مفردة وتراكيب وأساليب تعبير، والذي دفعهم إلى استقراء الأساليب العربية وعباراتها ومفرداتها واستمدوا من هذا الاستقراء ومما قرره علماء اللغة العربية قواعد وضوابط يتوصل بمراعاتها إلى معرفة (ما يريده المتكلم بأي أسلوب بلاغي من المخاطب أيريد مثلا إفادته مضمون الخطاب فقط، أم يطلب من
¬
(¬1) دراسة المعنى عند الأصوليين: 2.
(¬2) دراسة المعنى:1.
(¬3) البحث النحوي عند الأصوليين: 8.
(¬4) ينظر: التصور اللغوي عند الأصوليين: 9،39.
الجزء 1 · صفحة 8
وراء ذلك فعل شيء أو تركه، على نحو الإلزام بأحدهما أو التخيير، ليستنبطوا من ذلك أحكام الوجوب والحرمة أو الإباحة) (¬1).
كما تناول الأصوليون الألفاظ المفردة متتبعين دلالتها منذ الوضع الأول، وما اعترى تلك الدلالة من تغير أو انتقال (¬2).
ولما كانت عناية الأصوليين بمباحث الدلالة على هذا المستوى من سعة الاستقراء والشمول والتقعيد، فقد عد الأصوليون اكثر الطوائف الإسلامية عناية بمباحث الدلالة إذ توسعوا وكتبوا فيه الشيء الكثير وكانت عنايتهم في ذلك تفوق عناية اللغويين فضلا عما توصلوا إليه من نتائج اتفقت معها كثير من نتائج البحوث اللغوية الحديثة في علم اللغة بالإضافة إلى سبقهم الاهتمام بكثير من القضايا الدلالية التي لم تلق من المحدثين اهتماما كافيا بها (¬3).
لقد حفلت مصنفات الأصوليين بإشارات كثيرة فرضت على الأصولي نمط وحجم الاطلاع والمعرفة بعلوم اللغة العربية، وكانت في كثير منها توكد ضرورة أن لا تقل معرفة الأصولي بهذه العلوم لا سيما الدلالة منها عن معرفة علماء اللغة أنفسهم وان تكون هذه المعرفة متأتية من استقراء كلام العرب وأحوال لسانهم بنفسه لا التابع أراء علماء اللغة دون علم ودراية بكيفية استخلاصها واستنتاجها (¬4)، فدوره في ذلك دور عالم اللغة الأول ومهمته في ذلك مهمة من يسعى إلى الاجتهاد بالفقه عن طريق الاجتهاد باللغة. فالشافعي يرى انه (لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبهة التي دخلت على من جهل لسانها) (¬5)، ويوضح في موضع
¬
(¬1) البحث النحوي عند الأصوليين: 11.
(¬2) ينظر: التصور اللغوي عند الأصوليين: 111.
(¬3) ينظر: ابن قيم الجوزية جهوده في الدرس اللغوي: 171، ودراسة المعنى عند الأصوليين: 1.
(¬4) ينظر: البحث النحوي عند الأصوليين: 48 - 55.
(¬5) الرسالة: 50.
الجزء 1 · صفحة 9
آخر من رسالته مستوى هذه المعرفة بقوله: (وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك) (¬1).
وكذلك يرى السرخسي (إن تمام الفقه لا يكون إلا باجتماع ثلاثة أشياء: العلم بالمشروعات، والإتقان في معرفة ذلك بالوقوف على النصوص بمعانيها وضبط الأحوال بفروعها، ثم العمل بذلك) (¬2)، ثم نستبين في موضع آخر من أصوله إن الوقوف على النصوص بمعانيها هو أمر (من باب اللسان، فطريق معرفته التأمل في كلام العرب وفي الأصول الموضوعة عند أهل اللغة) (¬3)، وهذا التأمل إشارة إلى ضرورة انفراد نظرة الأصوليين إلى اللغة واستقرائهم كلام العرب.
إن تحصيل غاية الاجتهاد في الشريعة كان دافعا وراء انفراد نظرة الأصوليين للغة واستقلال بحوثهم اللغوية عن سابقيهم من علماء اللغة وكانت سببا وراء تطرفهم لكثير من الجوانب اللغوية التي لم يطرقها غيرهم (فان كان ثم علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه فهو بلا بد مضطر إليه، لأنه إذا فرض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة الاجتهاد دونه، فلا بد من تحصيله على تمامه ... والأقرب في العلوم أن يكون هكذا علم اللغة العربية) (¬4).
إن إدراك الأصوليين لأهمية الجانب اللغوي كسبيل لمعرفة طرق دلالة النص على ما يحمله من معنى وعلى هذه الشاكلة من مستوى الاطلاع دفعهم إلى البحث فيما يساعدهم على تناول معنى النص بمستوياته الثلاث، المعنى الحقيقي، أي ما وضع اللفظ بازائه أصالة، وهو ما يتكفل به علم المعجم، والمعنى الاستعمالي وهو استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي وهو من مهمة علم البيان. والمعنى الوظيفي وهو ما تؤديه الكلمة – بما لها من معنى حقيقي أو استعمالي في أثناء تركيبها مع
¬
(¬1) المصدر نفسه: 511.
(¬2) أصول السرخسي: 1/ 10.
(¬3) المصدر نفسه: 1/ 200.
(¬4) الموافقات: 4/ 115.
الجزء 1 · صفحة 10
غيرها من وظيفة وهذا يتكفل به علم النحو (¬1)، وهذا ما جعل لدراساتهم للمعنى متميزة عن سابقيهم ومبكرة في جوانب كثيرة منها.
ويبحث الأصوليون في العلاقة بين اللفظ والمعنى من جانبين نظري وتطبيقي ومحور الأول ثلاثة مسائل رئيسة الأولى اصل اللغة، توقيف أم اصطلاح وهو امتداد لنقاش اللغويين والمتكلمين، والثانية جواز أم عدم جواز القياس في اللغة وما يتصل به من الاستدلال إذ قد ينجم عن القول بثبوت اللغة بالقياس استغناء الفقيه عن استعمال القياس الفقهي في بعض المسائل. أما المسالة الثالثة فهي بحث دلالة الأسماء الشرعية والأسماء الدينية كألفاظ الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك.
أما الجانب التطبيقي فصلته بتفسير الخطاب الشرعي إذ يتناولون في تفسيره أنواع الدلالة ودلالة اللفظ على المعنى كما توصلوا إليها باستقراء كلام العرب والسماع عنهم وهذا يمثل الأساس لبحث الأصوليين في المعنى (¬2).
ويتناول الأصوليون ألفاظ اللغة من حيث أدائها للمعنى بوصفها ضمن مستويات دلالية متعددة تنقسم الألفاظ داخل كل مستوى من هذه المستويات على وفق معيار دلالي تترتب الألفاظ فيه على مراتب متفاضلة من حيث أدائها للمعنى على أساس ذلك المعيار الذي يحدد مقومات اللفظ في تناوله للمسميات وقدرته التعبيرية ويمكن أن يوضح المخطط التالي (¬3) تقسيمات الأصوليين لدلالة الألفاظ على المعنى ومعاييرها الدلالية.
من حيث القصد
من حيث الاستعمال
الوضوح
¬
(¬1) البحث النحوي عند الأصوليين:9.
(¬2) ينظر: بنية العقل العربي (محمد عابد الجابري): 56 - 58.
(¬3) ينظر: الأصول تمام حسان: 51.
الجزء 1 · صفحة 11
متشابه ... مجمل ... مشكل ... خفي ... ظاهر ... نص ... مفسر ... محكم
عبارة، اشارة، دلالة، اقتضاء
وهذه هي تقسيمات الأصوليين الأحناف ولا تختلف عنها تقسيمات الشافعية إلا فيما يخص تقسيمهم للدلالة من حيث القصد فهو عند الشافعية ينقسم إلى دلالة منطوق ودلالة مفهوم، وسنأتي إلى بيان ذلك في موضعه (¬1).
وكتاب أصول السرخسي كواحد من مؤلفات الأصوليين فان مباحث الألفاظ فيه لا تختلف عن مؤلفات الأصوليين الأخرى في طبيعة القضايا اللغوية التي يتناولها مما أشرنا إليه في هذا التمهيد وهذا ما سنهتم ببيانه صفحات هذه الرسالة لاحقا وعلى وفق المخطط السابق الذي يمثل تقسيم السرخسي لدلالة الألفاظ على المعنى أيضا.
¬
(¬1) ينظر من الفصل الثالث.
الجزء 1 · صفحة 12
الفصل الأول
الدلالة الوضعية
مفهوم الوضع عند السرخسي
(تعد نظرية الوضع قمة الدراسات الدلالية عند الاصوليين وهي الاساس الذي بنوا عليه فكرتهم في الالفاظ والمعاني) (¬1).
لذلك شغلت موضوعات قضية الوضع اهتماما كبيرا من فكرهم ومباحثهم اللغوية في مصنفاتهم وقد تنوعت دراستهم بين الشمول لقضية الوضع وما اثارته من اسئلة مثل اصل الوضع والواضع والموضوع له ومنشا الوضع وسببه .. الخ مما استدعى ان يفرد بعضهم فصلا او بابا لتفصيل القول في ذلك وبين من يلمح في بعض نصوصه الى ما يستدل به على مفهومه للوضع وموقفه من المواضعة ومنشاها وسببها (¬2).
ويعني الوضع عندهم (جعل اللفظ دليلا على المعنى) (¬3). فالمراد بالوضع الموضوعات اللغوية وهي: (كل لفظ وضع لمعنى فيخرج ما ليس بلفظ عن الدوال الموضوعة وما ليس بموضوع من المحرفات والمهملات) (¬4). ووضع اللفظ للمعنى هو ارتباط خاص بينهما، وينشا هذا الارتباط باحد سببين (¬5):-
1 - جعل اللفظ وتخصيصه به بحيث اذا استعمل دل عليه بدون قرينة مثل جعل اسم محمد للمولود الجديد ويسمى هذا النوع من الوضع (الوضع التعييني) نظرا الى ان الواضع قد عين لفظا مخصوصا لمعنى محدد.
¬
(¬1) منهج البحث اللغوي (علي زوين):122.
(¬2) ينظر: الوضع والاصطلاح في النظرية اللغوية العربية: 15 - 68.
(¬3) شرح تنقيح الفصول: 20.
(¬4) ارشاد الفحول: 1/ 74.
(¬5) ينظر: مفتاح الوصول الى علم الاصول (احمد البهادلي): 1/ 233.
الجزء 1 · صفحة 13
2 - استعمال لفظ من الالفاظ في معنى معين مع قرينة تدل على ارادة هذا المعنى من اللفظ المستعمل فيه، ويتكرر هذا الاستعمال بحيث تالف الاذهان استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى فتنتفي بعد هذه الالفة بين اللفظ والمعنى حاجة المتكلم الى القرينة مثل استعمال كلمة الصلاة في العبادة المعلومة عند المسلمين مع ان معناها الدعاء باصل الوضع ولكن لكثرة استعمالاتها بدلالتها الجديدة جعلها هذا التكرار غير محتاجة الى قرينة لتدل بها على معنى العبادة ويسمى هذا النوع من الوضع (الوضع التعيني) نظرا الى ان اللفظ متعين للمعنى بدون تعيين من واضع خاص، وانما حصل اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباطه به من كثرة الاستعمال.
ومن خلال ما تقدم فقد تقيد مفهوم الوضع بالتخصيص سواء بوضع الواضع او بالعرف الاستعمالي.
لقد ناقش الاصوليون قضية اصل الوضع (الواضع) نقاشا مستفيضا وكان لهم في ذلك اراء مختلفة سببها الخلاف في اصل اللغة هل ترجع الى المواضعة والاصطلاح ام الى التوقيف والهام وهو امتداد للخلاف بين اصحاب الراي من الفقهاء والمعتزلة وبين اهل السنة فالمعتزلة يقولون بالتوقيف والاصطلاح وهذا يتفق مع قولهم ان القران مخلوق؛ اما اهل السنة والاشاعرة فهم يميلون – في الغالب- الى القول بان اللغة اصلها التوقيف والالهام وهذا يتفق مع قولهم ان القران غير مخلوق (¬1).
ويحدد السرخسي موقفه من قضية خلق القران وعدم خلقه وذلك في محضر تدليله على ان صيغة الامر لطلب المامور باكد الوجوه بقوله تعالى: (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) (¬2) اذ يقول السرخسي: (فالمراد حقيقة هذه الكلمة
¬
(¬1) ينظر: بنية العقل العربي: 42،65.
(¬2) يس 82.
الجزء 1 · صفحة 14
عندنا لا ان يكون مجازا عن التكوين كما زعم بعضهم فانا نستدل على ان كلام الله غير محدث ولا مخلوق، لانه سابق على المحدثات اجمع وحرف الفاء للتعقيب) (¬1).
غير ان السرخسي كان احد الاصوليين الذين اثروا النقاش والخوض في قضية اصل اللغة اذ لا نجد من بين موضوعات كتابه بحثا في هذه القضية او موقفا يصرح فيه بالتزام احد الرايين المواضعة والاصطلاح او التوقيف والالهام ولا حتى تعليلا لتجنبه البحث في هذا الموضوع ولكننا يمكن ان نعلل ذلك على اساس ان السرخسي ربما ايقن ان الخوض في نشاة اللغة (فضول لا اصل له) (¬2) وهذا ما انتهت اليه الدراسات سواء عند بعض الاصوليين (¬3)،او عند المحدثين من عدم جدوى الاستمرار فيه لانه (بطبيعته موضوع يستحيل على الدراسة العلمية والموضوعية وكل ما يقال فيه هو من قبيل الفروض التي لا تستند الى اسس سليمة) (¬4).
ومن خلال ما تقدم من عرض لمفهوم الوضع عند الاصوليين واسباب نشاته فقد تقيد هذا المفهوم بالتخصيص سواء ابوضع الواضع ام بعرف الاستعمال كما ذكرنا، ولا يختلف مفهوم الوضع عند السرخسي عن هذه الحقيقة، غير انه ينظر اليه على انه اكثر من مجرد ان يخصص اللفظ بمعنى خاص به فوظيفة الوضع اللغوية لديه هي كونه محور الدلالة في اللغة فيقول في معرض برهنته على اختصاص صيغة (افعل) بدلالة الامر: (لان العبارات لا تقصر عن المقاصد ولا يتحقق انتفاء القصور الا بعد ان يكون لكل مقصود وعبارة هو مخصوص بها) (¬5) (
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 18.
(¬2) المستصفى:1/ 20.
(¬3) ينظر: المحصول: 1/ 182، ونهاية السول: 2/ 23، جمع الجوامع: 1/ 271، وارشاد الفحول: 1/ 74.
(¬4) علم اللغة (مقدمة للقارئ العربي):53.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 12.
الجزء 1 · صفحة 15
ثم كما ان العبارات لا تقصر عن المعاني فكذلك كل عبارة تكون لمعنى خاص باعتبار اصل الوضع، ولا يثبت الاشتراك فيه الا بعارض) (¬1).
ولما كانت هذه العبارات هي مفردات اللغة فان قضية الوضع عند السرخسي تنتقل من اشكالية البحث في نشاة اللغة الى دورها في منح اللغة قدرتها الابلاغية كجهاز اعلامي يتصف بالسعة والشمول والتماسك عند ذلك تدخل قضية الوضع مجال البحث اللغوي بعامة والدلالي بخاصة اذ تستحيل اللغة كظاهرة مجردة الى اداة دلالية لها كامل القدرة على التعبير بفضل تخصيص المواضعة بجميع مكوناتها بالمقاصد من دون أي قصور في الافهام، فلولا المواضعة لم يصح للغة ان تكون ادلة تفهم بها الاغراض ويقع بها التخاطب، فالمواضعة مصححة للغة بمعنى انها تضفي عليها وجودها الشرعي وهي مخصصة لها باعتبار انها مفتاح العلامة بين الحدث اللساني وشحناته الدلالية (¬2). بفعل تخصيصها للالفاظ بالمعاني وان يكون لكل مقصود عبارة تختص به، وتمثل معاني هذه العبارات دلالتها باصل الوضع أي الدلالة الحقيقية لها فاذا علمنا ان الحقيقة عند السرخسي هي (اسم لكل لفظ هو موضوع في الاصل لشيء معلوم) (¬3) أي لابد من وجود الشيء الذي يخلق المتصور الذهني عنه (المقصود) لدى المتكلم الذي يوضع اللفظ للدلالة عليه، وهذه الالفاظ بمجموعها هي اللغة فتصبح اللغة بفضل المواضعة وعبر هذه الثلاثية التي يضعها السرخسي (اللفظ، الشيء، المعنى) (الموسسة الدلالية المغنية عن حضور الاشياء المسميات، والممكنة من الحديث عما لا يظهر للحس من مسميات مجردات ... فتكون العلامة اللسانية هي الشهادة المثلى على كل غائب) (¬4) فتكتسب اللغة افضليتها بين جميع وسائل التعبير والتواصل.
¬
(¬1) المصدر نفسه: 1/ 16.
(¬2) ينظر: التفكير اللساني في الحضارة العربية: 130.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 170.
(¬4) التفكير اللساني في الحضارة العربية: 130.
الجزء 1 · صفحة 16
ويشير السرخسي الى هذه الافضلية التي تكتسبها اللغة من خلال عرضه لجانب منها كسمات السعة والشمول والتماسك التي تحضى بها اللغة بفضل المواضعة ايضا فيقول: (واما من حيث الوضع لغة فلانهم وضعوا كل حرف ليكون دليلا على معنى مخصوص كما فعلوا في الاسماء والافعال، فالاشتراك لا يكون الا لغفلة من الواضع او لعذر، وتكرار اللفظ لمعنى واحد يوجب اخلاءه عن الفائدة كما قررنا فلا يليق ذلك بالحكمة) (¬1)، ويشير ذلك الى ما اشار اليه القاضي عبد الجبار المعتزلي ت 415هـ من (ان المواضعة لا تصح ان تقع على صيغة واحدة في الفوائد كلها، بل ذلك ينقض اصل المواضعة) (¬2) ومثال ذلك عند السرخسي في ان (صيغة الامر احد تصاريف الكلام فلا بد من ان يكون لمعنى خاص في اصل الوضع ولا يثبت الاشتراك فيه الا بعارض مغير له بمنزلة دليل الخصوص في العام) (¬3).
كما بين ان المواضعة لا تصح كذلك ان تقع على صيغ عديدة في فائدة واحدة فذلك يخرج عن الحكمة من المواضعة ايضا فيقول: (واذا كان المقصود بوضع الاسماء في الاصل اعلام المراد فحمل لفظين على شيء واحد يكون تكرارا واخراجا لاحد اللفظين من ان يكون مفيدا. فان قيل: فائدته التاكيد وتوسيع الكلام، قلنا نعم ولكن هذا في الفائدة دون الفائدة المطلوبة باصل الوضع، والاطلاق يوجب الكمال فاذا حمل كل واحد من اللفظين على فائدة جديدة باعتبار اصل الوضع كان ذلك اولى من ان يحمل على التكرار لتوسعه الكلام) (¬4).
ويبدو من هذا النص ان السرخسي يشير الى ان تنظيم الوظائف اللغوية لجميع مفردات اللغة في مهمتها الدلالية انما هو خاضع لتنظيم قوانين المواضعة لها تحقيقا للغاية الدلالية منها (فيكون ناموس اللغة منصهرا في قانون المواضعة الكلي
¬
(¬1) اصول السرخسي:1/ 201.
(¬2) المغني: 7/ 105 - 106.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 16.
(¬4) المصدر نفسه: 1/ 196.
الجزء 1 · صفحة 17
) (¬1)، كما يبدو من النص ايضا ان الغاية الدلالية من عملية المواضعة تبنى عند السرخسي على اساس من تدبر الامور تقتضيه الحكمة المرافقة لكل عملية خلق يتمثل ذلك في مبدا اقتصادي يدرك محدودية الالفاظ لمحدودية الاصوات المتالفة منها مع كثرة المعاني وعدم محدوديتها لذلك فان عملية تخصيص الالفاظ بالمعاني في المواضعة تشكل قوانينها وتنظيمها على وفق مراعاة تلك الغاية الدلالية التي تمثل ضرورة وجود المواضعة في سبيل شمول وتحقيق النموذج الامثل للتعبير باللغة.
ويمكن القول بعد ذلك ان الغاية الدلالية الناتجة عن عملية المواضعة او (الفائدة المطلوبة باصل الوضع) على حد تعبير السرخسي تتحقق وفق مرحلتين تجريان في وقت واحد وتتوالد احدهما عن الاخرى الاولى هي استدعائها للمواضعة كاقتضاء للدلالة اذ لولا المواضعة لا يمكن للغة ان تكون دالة، والثانية هي استحالتها الى قانون ينظم عملية التخصيص جوهر المواضعة اذ ان (الفائدة المطلوبة باصل الوضع) ستؤول الى وسيلة اختبارية لفحص صحة الاختصاص الحاصل بين الالفاظ والمعاني في اللغة اذ لا يقترن الدال بمدلوله الا وفقا لتحقق الفائدة باصل الوضع.
ان هذا الفهم للعلاقة بين السمة الدلالية للغة وبين المواضعة جعل السرخسي يتخذ من الوضع في بعض مسائله دليلا اصوليا (¬2)، مثل رده لقول بعض اصحاب الشافعي في معنى الجماعة بقوله: (ولما وضعوا للمثنى لفظا على حده، فلو قلنا بان للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع للثلاثة على خلاف الموضوع للمثنى تكرارا محضا، وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة، الا ترى ان بعد الثلاث لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حده لما كانت صيغة الجماعة تجمعها) (¬3).
فالوضع يمثل المعيار الدلالي الاول لتحديد معاني الالفاظ سواء من حيث دلالة الصيغة الوضعية لها او من حيث الاستعمال بدلالتها الحقيقية او خروجها الى المجاز وكذلك في تحديد معانيها ضمن السياق والتركيب الذي ترد فيه بما ينسجم
¬
(¬1) التفكير اللساني في الحضارة العربية: 128.
(¬2) ينظر: الوضع والاصطلاح: 29.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 152، وينظر: 1/ 126، 180 - 183 او 1/ 198.
الجزء 1 · صفحة 18
وقرائن السياق اذ يوفر الوضع له دقة في تحليل النص القراني بالرجوع الى اصوله اللغوية وهو ما تتطلبه طبيعة هذه النصوص من الدقة.
ومن خلال ما تقدم فاننا يمكن ان نضع مفهوم الوضع عند السرخسي في اطارين هما:
1 - الاطار النظري ويتمثل في اتجاهين:
ا- اتجاه عام يمثل حقيقة المواضعة وعلاقتها بالظاهرة اللغوية ودورها في منح اللغة هويتها الوظيفية.
ب- اتجاه خاص تمثل فيما تقوم به المواضعة من تحديد صيغ اللغة ودلالالتها وعلاقة الالفاظ بالمعاني لاستكمال مهمة اللغة لوظيفتها وكان هذا اساس تقسيم الالفاظ بحسب الوضع الى صيغ العام والخاص والمشترك والمؤول، وبفعل هذين الاتجاهين تدخل قضية المواضعة الى سبيل البحث الدلالي من خلال دورها في تحديد المعنى حيث وظف هذا الدور في:
2 - الاطار التطبيقي وتمثل في اتخاذه من المواضعة ونتائجها دليلا اصوليا في بيان معاني الالفاظ والجمل واساسا للرد على اراء مخالفيه وستكون سمات هذا الاتجاه متواجدة ضمنا في جميع موضوعات البحث القادمة وقد انعكست في جملة امور منها:
أ دراسته للظواهر الدلالية كالمشترك واشارته للمترادف وموقفه من كليهما (¬1).
ب بيانه للعلاقة بين الحقيقة والمجاز واثر الوضع فيهما (¬2).
ت تحديد حروف المعاني وعرضه لها في مستويين الاول لغوي والاخر وظيفي (¬3).
ث التزامه بالتقسيمات اللغوية للصيغ كالجمع والمثنى واستدلاله بالوضع على الفرق بينهما.
¬
(¬1) ينظر: اصول السرخسي: 1/ 126، 196.
(¬2) ينظر: اصول السرخسي: 1/ 170 وما بعدها.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 200 - 236.
الجزء 1 · صفحة 19
ج اعتماده على الدلالة الوضعية للالفاظ وتوظيفه لها في عملية تحليل دلالات الالفاظ الى معانيها التكوينية بغية الوصول الى المعنى الاساسي والمعاني الهامشية لها توخيا للدقة في المعنى وهو اسلوب يعتمد عليه كثيرا في دراسته للمعنى (¬1).
الموضوع له (المعنى)
من بين جملة قضايا الوضع التي بحثها الاصوليون شكل السؤال التالي محورا لمدار البحث في قضية الموضوع له (المعنى) وهو: (هل الالفاظ موضوعة بازاء الصورة الذهنية أي الصورة التي تصورها الواضع في ذهنه عند ارادة الوضع، او بازاء الماهيات الخارجية) (¬2). وكان للاصوليين اراء مختلفة في هذه المسالة يمكن اجمالها باختصار فيما ياتي:-
1 - القول بالصورة الذهنية سواء اكانت موجودة في الذهن والخارج ام في الذهن فقط، فدلالة الالفاظ انما تكون على الاحكام الذهنية لا على الاعيان الخارجية (¬3)، أي (ان الوضع للشيء فرع عن تصوره فلا بد من استحضار صورة الانسان – مثلا- في الذهن عند ارادة الوضع له، وهذه الصورة الذهنية هي التي وضع لها لفظ الانسان لا الماهية الخارجية) (¬4)، والى هذا الراي ذهب الامام فخر الدين الرازي (ت 606هـ) واتباعه (فاستدلوا عليه بان اللفظ يتغير بحسب تغير الصورة في الذهن، فان من راى شبحا من بعيد وظنه حجرا اطلق عليه لفظ الحجر، فاذا دنا منه وظنه شجرا اطلق عليه لفظ الشجر ... فبان بهذا ان اطلاق اللفظ دائر مع المعاني الذهنية دون الخارجية، فدل على ان الوضع للمعنى الذهني لا الخارجي) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: موضوع الاستعارة من الفصل الثاني.
(¬2) المزهر:1/ 42.
(¬3) ينظر: ارشاد الفحول:1/ 430.
(¬4) نهاية السول:2/ 16.
(¬5) المزهر:1/ 42.
الجزء 1 · صفحة 20
ويرى سراج الدين الارموي (ت682هـ) بان اللفظ انما دار مع المعاني الذهنية، لاعتقاد انها في الخارج كذلك لالمجرد اختلافها في الذهن (¬1).
2 - القول بالماهيات الخارجية فاللفظ (موضوع للوجود الخارجي، وبه قال ابو اسحاق (ت476 هـ)) (¬2)، أي ان المعنى المعبر عنه باللفظ الموضوع للدلالة عليه هو انعكاس للماهيات الخارجية في الذهن، وهذا المذهب اخذ به معظم الاصوليين. غير ان هذا القول قد ينطبق على المعاني الحسية فهي موجودة بطبيعتها في الخارج ويمكن ان توضع بازائها الفاظ دالة عليها، غير ان كثيرا من الالفاظ ليست دالة على معان حسية، وانما تدل على معان مجردة مثل العقل والشجاعة والحياء والحب وغير ذلك (¬3).
3 - ان اللفظ (موضوع للاعم من الذهني والخارجي ورجحه الاصفهاني " ت 688 هـ) (¬4).
وهذا المذهب يتسم بالتجريد المطلق فكيف لنا ان نتصور شيئا اعم من الذهني والخارجي الا من خلال فكرة مجردة عن التصورات الذهنية والماهيات الخارجية (¬5).
اما السرخسي فيمكن ان نضع رايه الى جانب اصحاب الراي الاول اذ يرى ان (كل موجود متصور تكون له صورة ومعنى) (¬6)، تمثل الصورة الشكل المحسوس لذلك الموجود بينما يمثل المعنى التعبير الذهني عنه (¬7)، وهو ما وضعت الالفاظ للدلالة عليه وليس على الصورة ويؤكد ذلك بقوله (والمعنى يترجح على الصورة
¬
(¬1) ينظر: المزهر: 1/ 42.
(¬2) ارشاد الفحول: 1/ 75، وينظر المزهر: 1/ 42.
(¬3) ينظر منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث: 123.
(¬4) ارشاد الفحول:1/ 75.
(¬5) ينظر منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث:123.
(¬6) اصول السرخسي: 1/ 178.
(¬7) ينظر: اصول السرخسي: 1/ 178، 179.
الجزء 1 · صفحة 21
لانه هو المطلوب) (¬1)، (فالالفاظ مطلوبة للمعاني وثبوت الحكم بالمعنى المطلوب للفظ) (¬2).
كما ان كل لفظ هو موضوع في الاصل لشيء معلوم، وحكمه وجود ما وضع له حقيقة كان ام مجازا امرا كان ام نهيا خاصا كان ام عاما (¬3)، وعليه فالعلم بالشيء الذي لا يتحقق الا من خلال وجود خارجي لذلك الشيء وادراك ذهني له هو امر سابق لوضع اللفظ المعبر عنه وعند ذلك يمكن ان نوضح فهم السرخسي لعملية وضع الالفاظ للمعاني وفقا لترجيحه المعنى على الصورة وكونه غاية الالفاظ من خلال العملية الدلالية بما يسمى بالحافز او المثير وترتبط العلاقات بين الصورة والمعنى واللفظ على النحو الاتي:
الصورة يمكن ان تثير المعنى والمعنى يمكن ان يثير الكلمة، او هو ما عبر عنه الامام الغزالي (ت 505 هـ) بان (للاشياء وجودا في الاعيان ووجودا في اللسان ووجودا في الاذهان ... ولو لم يكن وجود في الاعيان لم تنطبع صورة في الاذهان ولم يشعر به الانسان، لم يعبر عنه باللسان) (¬4).
ويعد هذا العرض الموجز لاراء العلماء ومفهوم السرخسي فمن الجدير بالاشارة ان مقولة الالفاظ الموضوعة بازاء المعاني الذهنية، او الماهيات الخارجية تنطوي على فكرة الايصال الدلالي ان انهم عقدوا علاقة بين اشياء ثلاثة: اللفظ والذهن والخارج، وهي علاقة قريبة من فكرة المثلث الدلالي الذي وضح لنا العلاقات بين الرمز والفكرة والشيء (¬5).
وتعد هذه الفكرة النواة لما يمكن ان يسمى بالنظرية الاشارية التي تطورت على يد اوغدن وريتشاردز في كتابهما المشهور (معنى المعنى) عام 1923 والتي اوضحاها بالمثلث الاتي:
¬
(¬1) اصول السرخسي: 2/ 44.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 241.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 170، 171.
(¬4) المقصد الاسنى: 18، 19.
(¬5) ينظر: منهج البحث اللغوي، 123 - 124.
الجزء 1 · صفحة 22
الشيء الخارجي، المشار اليه
شكل توضيحي
ويوضح هذا المثلث ان العلاقة بين الرمز والشيء ليست علاقة مباشرة ولذلك تم التمثيل لها بالخط المتقطع (¬1).
ويبين هذا المثلث ان الرمز اللغوي او حد الكلمة او الجملة ممثل بالرمز، والمقصود او (الشيء) في العالم الخارجي هو كون الاشياء في واقعها العملي، اما الفكرة او الصلة (المفهوم) فهي تعبر عن مفهوم الشيء في اذهاننا أي في العالم الداخلي. وعن طريقها يرتبط الحد اللغوي بالشيء، أي اللغة بالعالم الخارجي (¬2).
وتتخذ هذه الثلاثية وجودها على جميع مستويات الرمز اللغوي عند السرخسي سواء على مستوى الحرف او الكلمة او التركيب.
فاذا كان قد اعترض على النظرية الاشارية بعدة اعتراضات كان من بينها (انها لا تتضمن كلمات مثل (لا) و (الى) و (لكن) و (او) ... ونحو ذلك من الكلمات التي لاتشير الى شيء موجود. هذه الكلمات لها معنى يفهمه السامع والمتكلم، ولكن الشيء الذي تدل عليه لايمكن ان يتعرف عليه في العالم المادي) (¬3)، فقد كان السرخسي اكثر رصانة في منهجه لدراسة المعنى من النظرية الاشارية بتجاوزه لهذا الماخذ اذ جعل للحرف صورة ومعنى ويبدو ذلك من خلال تحليله للاستخدام الاستعاري لحرف الواو مكان الباء في صلة القسم اذ يعلله بانه (لما كان بينهما
¬
(¬1) ينظر: علم الدلالة (احمد مختار عمر) 55، سيكولوجية اللغة والمرض العقلي: 133، علم الدلالة (بيار غيرو):27.
(¬2) ينظر: منهج البحث اللغوي: 89 - 90.
(¬3) علم الدلالة (احمد مختار عمر): 56.
الجزء 1 · صفحة 23
من المناسبة صورة ومعنى. اما الصورة فلان خروج كل واحد منهما من المخرج الصحيح بضم الشفتين، واما المعنى فلان في العطف الحاق المعطوف بالمعطوف عليه، وحرف الباء للالصاق) (¬1).
ويبدو جليا انه يتخذ من طريقة النطق والهيئة التي يتشكل بها المخرج الصوتي صورة للحرف اما معناه فهو دلالة الوظيفة النحوية التي يؤديها داخل التركيب.
اما على مستوى الكلمة او الجملة (فان للنظم صورة معلومة ومعنى هو المقصود به ... بمنزلة الضرب له صورة معلومة ومعنى هو المطلوب به وهو الايلام) (¬2). (ومثال ما قلناه في قوله تعالى {فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما {(¬3) فان للتافيف صورة معلومة ومعنى لاجله ثبتت الحرمة وهو الاذى ... ثم باعتبار هذا المعنى المعلوم لغة تثبت الحرمة في سائر انواع الكلام التي فيها هذا المعنى كالشتم وغيره وفي الافعال كالضرب ونحوه) (¬4).
ويقول السرخسي في ايجاب حد قطاع الطريق على الردء بدلالة النص (لان عبارة النص المحاربة وصورة ذلك بمباشرة القتال ومعناها لغة قهر العدو والتخويف على وجه ينقطع به الطريق وهذا معنى معلوم بالمحاربة لغة والردء مباشرة لذلك كالمقاتل ولهذا اشتركوا في الغنيمة) (¬5).
ونلاحظ من خلال هذه الامثلة ان السرخسي يتناول الجوانب الثلاثة من المثلث عند اخضاع الكلمة والجملة للتحليل الدقيق في سبيل استخلاص المعنى وهذا يدل على انه انه يرى ان معناه هو العلاقة بين التعبير وما يشير اليه (¬6). ويحرص على ان يكون لكل رمز لغوي صورة كما ان له معنى وهذا الامر يتناسب والمنهج
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 229.
(¬2) المصدر نفسه:1/ 241.
(¬3) الاسراء:23.
(¬4) المصدر نفسه:1/ 241 - 242.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 242.
(¬6) ينظر علم الدلالة (احمد مختار عمر): 55.
الجزء 1 · صفحة 24
التحليلي الذي ينهجه السرخسي لتعيين المعنى بدقة وبحدود مميزة له عما قد يرادفه او يشابهه، اذ يتظافر كل من الصورة والمعنى على ان يجعلا للصورة الذهنية وجودا في الذهن والخارج، فالموجود في الذهن تفسر به المدلولات المعنوية، والموجود في الخارج تفسر به المدلولات المادية. وعلى حد تعبير بيرس فالصورة تمثل (الموضوع المباشر لكل معرفة) (¬1)، كما انه (لن يكون ... للمفهوم احاطة وشمولا منطقيين ما لم يمتلك معنى) (¬2)، (واذا اردنا ان نحقق هذا الشرط لا بد ان نكون على معرفة بحيثيات العلامة من حيث هي علاقة وموضوعها ومؤولتها) (¬3) وكذلك فان تحديد المعنى عند السرخسي يتم عن طريق التفاعل بين حيثيات اللفظ وصورته ومعناه بحيث يصل عبر هذا كله الى معرفة وادراك واضحين لمفهوم العبارة الى درجة يمكن بعدها معرفة وجهة الادلة لاستنباط حكم شرعي سليم.
دلالة الالفاظ من حيث الوضع
لقد مر بنا القول ان تقسيم الالفاظ من حيث دلالتها على المعنى وفق معيار الوضع عند الاصوليين هو تقسيم ثلاثي يضم الخاص والعام والمشترك وشان السرخسي في ذلك شان الاصوليين في هذا التقسيم من حيث الوضع فيفرد له بابا يسميه (باب اسماء صيغة الخطاب في تناوله المسميات واحكامها) (¬4) غير انه يضيف بهذا التقسيم الثلاثي رابعا هو (المؤول) فيقول: (اعلم بان هذه الاسماء اربعة: الخاص والعام والمشترك والمؤول) (¬5) وقد يبدو غريبا ان يعد السرخسي المؤول ضمن تقسيمات الالفاظ بحسب الوضع اذ ليس المؤول من وضع الواضع ولكن ربما يكون ما يبرر ذلك انه يمثل (ما تصير اليه عاقبة المراد بالمشترك
¬
(¬1) نقلا: عن البراجماتية عند بيرس: 113.
(¬2) عن البراجماتية عند بيرس: 155.
(¬3) البراجماتية عند بيرس: 155.
(¬4) اصول السرخسي: 1/ 124.
(¬5) المصدر نفسه: 1/ 124.
الجزء 1 · صفحة 25
بواسطة الراي) (¬1) والمشترك واحد من هذه التقسيمات بحسب الوضع فيكون المؤول دلالة لاحقة بهذا التقسيم.
ويمثل هذا التقسيم للالفاظ محاولة لدراسة الصيغ لبيان الدلالة الاصلية لها اذ يبحث السرخسي كواحد من الاصوليين في هذا الموضع مدى شمول الالفاظ التي وردت في مخاطبة الشارعين من قران وسنة للافراد الذين تستفسر منهم دلالات هذه الالفاظ في اللغة (¬2)، لهذا استدعى ذلك منه تحليلا لدلالات هذه الصيغ التي وضعت لها لغة ولتسليط الضوء على ذلك فساتناول كل صيغة على وفق الترتيب الذي عرضها به السرخسي في كتابه.
الخاص
الخاص في اللغة: المنفرد، يقال فلان خاص بفلان، أي منفرد به، واختص فلان بكذا أي انفرد به وخصصه واختصه: فرد به دون غيره (¬3).
اما اصطلاحا فقد عرفه ابن فارس (ت 395 هـ) بانه (الذي يتخلل فيقع على شيء دون اشياء. وذلك كقوله جل ثناؤه} وامراة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي {(¬4)، وكذلك قوله:} واتقون يا اولي الالباب {(¬5) فخاطب اهل العقل) (¬6).
ومن تعريفات الاصوليين له: هو اللفظ الدال على مسمى واحد، وقيل ما دل على كثرة مخصوصة، وقيل قصر العام على بعض افراده .. ) (¬7).
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 127.
(¬2) ينظر: دراسة المعنى:57 - 58.
(¬3) ينظر لسان العرب: خصص.
(¬4) الاحزاب:50.
(¬5) البقرة: 197.
(¬6) الصاحبي في فقه اللغة (ابن فارس): 344.
(¬7) ينظر: جمع الجوامع (ابن السبكي): 126، وارشاد الفحول: 141.
الجزء 1 · صفحة 26
اما السرخسي فقد عرفه بانه (كل لفظ موضوع لمعنى معلوم على الانفراد، وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد، ... ومعنى الخصوص في الحاصل الانفراد وقطع الاشتراك) (¬1).
فالخاص في مفهوم السرخسي: هو المنفرد عما هو اعم منه (فاذا اريد به خصوص الجنس قيل انسان، واذا اريد به خصوص النوع قيل رجل واذا اريد به خصوص العين قيل زيد) (¬2). فالانسان وان كان عاما باستغراقه لجميع افراد نوعه، الا انه خاص بالنسبة لانفراده عن جنس الحيوان عموما وكذلك رجل فهو عام ... بالنسبة لجميع افراد نوعه من البشر الا انه خاص بالنسبة لانفراده عن جميع افراد الجنس الانساني الشامل للذكور والاناث، اما الشخصي مثل محمد وزيد فهو خاص فقط ولايتصف بالعموم وتكون علاقته بالاجناس والانواع والاصناف فهي عامة بنفسها وخاصة قياسا الى ما فوقها (¬3).
ان كل لفظ من هذه الالفاظ انما مختص بالتعبير عما هو موضوع له لغة وهذا ما عبر عنه ابن فارس بان (للعرب كلاما بالفاظ تختص به معان ولا يجوز نقلها الى غيرها، يكون في الخير والشر والحس والقبح وغيره، وفي الليل والنهار، وغير ذلك) (¬4). وعلى اساس هذا الاختصاص فان هذه الالفاظ تكون واضحة بينة في دلالتها ولذلك فالخاص عند السرخسي قطعي الدلالة على المعنى الذي وضع له اللفظ (¬5)، فيكون حكم الخاص عنده (معرفة المراد باللفظ ووجوب العمل به فيما هو موضوع له لغة فلا يخلو خاص عن ذلك وان كان يحتمل ان يغير اللفظ عن
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 124 - 125.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 125.
(¬3) ينظر: الوجيز في اصول الفقه (عبد الكريم زيدان) 231، ومفتاح الوصول الى علم الاصول: 1/ 347.
(¬4) الصاحبي: 446، وينظر: المزهر (السيوطي) 1/ 435 - 449.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 132.
الجزء 1 · صفحة 27
موضوعه عند قيام الدليل فيصير عبارة عنه مجازا ولكنه غير محتمل للتصرف فيه بيانا فانه مبين في نفسه عامل فيما هو موضوع له بلا شبهة) (¬1).
وحيث ان حكم الخاص ما بيناه عند السرخسي من بيان ووضوح ما يدل عليه الخاص فهو يتخذ من هذا البيان وانفراد اللفظ بمعناه واختصاصه به دليلا وصحة من استنتاج او تحديد المعنى المقصود في النص ومثال ذلك تحديدا لدلالة لفظة (قروء) في قوله تعالى:} والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء {(¬2) من ان المراد بها الحيض وليس الطهر ويعلل ذلك بقوله: (لانا لو حملناه على الاطهار كان الاعتداد بقراين وبعض الثالث، ولو حملناه على الحيض كان التربص بثلاث قروء كوامل، واسم الثلاث موضوع لعدد معلوم لغة لايحتمل النقصان عنه، بمنزلة اسم الفرد فانه لايحتمل العدد، واسم الواحد ليس فيه احتمال المثنى ففي حمله على الاظهار ترك العمل بلفظ الثلاث فيما هو موضوع له لغة ولا وجه للمصير اليه) (¬3).
ان تحديد السرخسي لهذا المعنى للنص انما تم من خلال النظر في العلاقات الدلالية التي تربط بين معنى اللفظ الخاص والفاظ النص الاخرى ومن خلال طبيعة هذه العلاقات والروابط الدلالية بينها يكون المعنى المقصود من هذا اللفظ المشترك هو (الحيض) وهذا الامر يقتضي لدارس المعنى ان يتامل ويحلل معنى اللفظ الخاص للوقوف على طبيعة العلاقة الدلالية التي يجب ان تكون للالفاظ الاخرى للارتباط معه ومن هذا الاجتماع يتادى معنى النص.
وفي مثال اخر يعرضه السرخسي تعالج فيه دلالة اللفظة باكثر مما يلتفت الى شيء اخر فالاشكال متمثل في مدلول اللفظ على اساس ان الحالة المعجمية لها تمثل الصورة الاساسية لمحيطها الدلالي فيقول في قوله تعالى:} اركعوا واسجدوا {(¬4): (ان فرض الركوع يتادى بادنى الانحطاط، لان اللفظ لغة
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 128.
(¬2) البقرة: 228.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 128.
(¬4) الحج: 77.
الجزء 1 · صفحة 28
موضوع للميل عن الاستواء، يقال: ركعت النخلة اذا مالت، وركع البعير اذا طاطا راسه، فالحاق صفة الاعتدال ليكون فرضا ثابتا بهذا النص لايكون عملا بما وضع له هذا الخاص لغة، ولكن انما يثبت بصفة الاعتدال بخبر الواحد فيكون موجبا للعمل ممكنا للنقصان في الصلاة اذا تركه ولايكون مفسدا للصلاة؛ لان ذلك حكم ترك الثابت بالنص) (¬1).
ان مهمة البحث الدلالي هي ان يتقصى (العلاقات الدلالية بين الرموز اللغوية ومدلولاتها وما يترتب عليها من نتائج في سلامة الاداء للغرض المقصود، وفي وضوح الرسالة الموجهة من المتكلم الى المتلقي) (¬2) كذلك انصرف الاهتمام عند السرخسي الى التحليل وشرح المعاني وبسط المساحة الدلالية التي يحددها الرمز الخاص بها وهذا متات من ادراكه لما (قد يكون لتحليل المفردات ثم الافادة من ثمرة هذا التحليل من اثار كبيرة في توجيه الاحكام) (¬3) اذ ان معرفة حدود اللفظة ودلالتها يجعلنا نقدر المعنى المقصود من خطاب الشارع وبالتالي استنباط الحكم الشرعي المناسب له.
العام
العام لغة اسم فاعل مشتق من (العموم) وهو بمعنى الشمول ويستعمل في الاستيعاب يقال عم الشيء عموما شمل الجماعة، ويقال عمهم بالعطية ومطر عام وخصب عام اذا عم الاماكن كلها او كثيرا منها ومنه قيل للفظ الشامل عام (¬4).
اما في الاصطلاح فقد عرفه الاصوليون بتعاريف مختلفة التعابير فعرفه الرازي (ت 606هـ) بانه (اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد، كقوله (الرجال) فانه مستغرق لجميع ما يصلح له، ولاتدخل عليه النكرات كقولهم (رجل)؛ لانه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا، ولايستغرقهم، ولا التثنية، ولا
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 128.
(¬2) علم الدلالة العربي (فايز الداية): 31.
(¬3) المصدر نفسه: 31.
(¬4) القاموس المحيط: ع م م.
الجزء 1 · صفحة 29
الجمع، لان لفظ (رجلان) و (رجال) يصلح لكل اثنين وثلاثة ولا يفيدان الاستغراق، ولا الفاظ العدد كقولنا: خمسة، لانه يصلح لكل خمسة، ولا يستغرقه: وقولنا: بحسب وضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك، والذي له حقيقة ومجاز، فان عمومه لا يقتضي ان يتناول مفهوميه معا) (¬1).
واختاره الشوكاني (ت1250هـ) (لكن مع زيادة قيد (دفعة) فالعام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحده دفعة) (¬2).
اما الامدي (ت631هـ) فقال فيه (هو اللفظ الواحد الدال على قسمين فصاعدا مطلقا معا) (¬3).
وجميع الاصوليين يتفقون في تعاريفهم على مضمون واحد وهو ان العام: لفظ موضوع لمعنى واحد بحيث يشمل جميع ما من شانه ان يندرج تحته من الافراد دفعة واحدة ما لم يقم دليل على خلاف ذلك (¬4).
والظاهر ان معنى العام في الاصطلاح لايختلف عن معناه اللغوي وهو الاستيعاب والشمول وبمثل هذا الادراك. يعرف السرخسي العام بانه: (كل لفظ ينتظم جمعا من الاسماء لفظا او معنى، ونعني بالاسماء هنا المسميات، وقولنا لفظا او معنى تفسير للانتظام: أي ينتظم جمعا من الاسماء لفظا مرة كقولنا زيدون، ومعنى تارة كقولنا من وما وما اشبههما، ... فكل لفظ ينتظم جمعا من الاسماء سمي عاما لمعنى الشمول، وذلك نحو اسم الشيء فانه يعم الموجودات كلها عندنا) (¬5).
وما يقصده السرخسي بقوله (ينتظم) الدلالة على الاستغراق لجميع افراده وهو محور العام اذ ان الانتظام انما يكون في المتشابهات أي المنتظمات في جنس واحد
¬
(¬1) المحصول: 2/ 309 - 310.
(¬2) ارشاد الفحول:1/ 339.
(¬3) الاحكام في اصول الاحكام: 2/ 182 او 2/ 196.
(¬4) ينظر: اصول الفقه الاسلامي في نسيجه الجديد:2/ 137.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 125.
الجزء 1 · صفحة 30
الفاظا او معاني اذ يقول (فان تعدد المعاني لايكون الا بعد التغاير والاختلاف، وعند ذلك اللفظ الواحد لا ينتظمها وانما يحتمل ان يكون كل واحد منهما مرادا باللفظ وهذا يكون مشتركا لا عاما ولا عموم للمشترك عندنا) (¬1).
وعلى الرغم من اتفاق الاصوليين على ان العام هو الشامل لجميع الافراد، الا انهم اختلفوا في الافراد هل هي الالفاظ ام هي المعاني؟ حيث ابتنت تعريفاتهم على خلاف في كون العام حقيقة في الالفاظ ام المعاني ام في كليهما (¬2)، ويذهب السرخسي الى (انه لاعموم للمعاني حقيقة وان كان يوصف به مجازا) (¬3) وهو وصف للفظ.
ان القول بعموم الالفاظ او خصوصها يتعرض لكثير من الخلاف بين الاصوليين، فهم ينقسمون بصفة عامة الى ثلاث طوائف ارباب العموم وهم يرون ان هذه الالفاظ موضوعة للاستغراق الا ان يتجوز بها عن وضعها، والطائفة المقابلة يسمون بارباب الخصوص وهم ينفون وجود العام في اللغة ويرون ان هذه الالفاظ موضوعة للدلالة على اقل الجمع سواء اكان اثنين ام ثلاثة أي اخص الخصوص على حد قول السرخسي لضرورة صدقه على مدلوله بحكم الوضع، والطائفة الثالثة يسمون بالواقفية وهم يرون ان هذه الالفاظ لم توضع لعموم ولا لخصوص فاللفظ صالح للاستغراق للجميع او الاقتصاد على الاقل، او تناول عدد بين الاقل والاستغراق وحكمه الوقف حتى يتبين المراد منه أي ان ذلك يتعين بقرائن السياق (¬4).
وقد عرض السرخسي لاراء الطائفة الثانية والثالثة وجميعهم ورد على كل منهما وذهب الى اثبات الفاظ العموم ودلالتها في الاصل على الاستغراق اذ ان (العموم
¬
(¬1) المصدر نفسه: 1/ 125.
(¬2) ينظر: المعتمد في اصول الفقه: 1/ 203،اصول السرخسي: 1/ 125، المستصفى: 1/ 320، كشف الاسرار: 1/ 26، ارشاد الفحول: 113.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 125 - 126.
(¬4) ينظر: اصول السرخسي: 1/ 132، المستصفى 322، الاحكام للامدي 293 - 323، البرهان للجويني: 1/ 320 –321، دراسة المعنى عند الاصوليين: 29.
الجزء 1 · صفحة 31
معنى مقصود من الكلام عام بمنزلة الخصوص فلا بد ان يكون له لفظ موضوع يعرف المقصود بذلك اللفظ لان الالفاظ لا تقصر على المعاني؛ وبيان هذا ان المتكلم باللفظ الخاص له بذلك مراد لايحصل باللفظ العام وهو تخصيص الفرد بشيء فكان التحصيل مراده لفظ موضوع وهو الخاص، والمتكلم باللفظ العام بمعنى العام له مراد في العموم لا يحصل ذلك باللفظ الخاص ولا يتيسر عليه التنصيص على كل فرد بما هو مراد باللفظ العام، فلا بد من ان يكون لمراده لفظ موضوع لغة وذلك صيغة العموم، فان من اراد عتق جميع عبيده فانما يتمكن من تحصيل هذا المقصود بقوله: عبيدي احرار، وهذا لفظ عام) (¬1).
ويعود بنا راي السرخسي هذا الى قضية المواضعة واهميتها في منح اللغة قدرتها الاستيعابية اذ ان وجود صيغ العام ضرورة تتاتى كنتيجة لضرورة استيفاء اللغة لجميع الرغبات التعبيرية بها بغية النهوض بمهمتها كافضل وسيلة للتواصل بين افراد المجتمع فتعليله ينطلق من تامل عميق لطبيعة اللغة ورايه اقرب الى واقع اللغة، كما يؤكد ما سبق ان اشرنا اليه (¬2) من دور المواضعة لديه على مستوى التطبيق في دراسة المعنى.
ثم يرد السرخسي على من قال بالوقف اذ يقول: (فمن جعل موجبه الوقف فانه يشق على المتكلم بان يحصل مقصوده في العموم باستعمال صيغته، وما قالوا انه قد استعمل العام بمعنى الخاص قلنا وقد استعمل ايضا بمعنى الاحاطة على وجه لا يحتمل غيره، قال تعالى} ان الله بكل شيء عليم {(¬3) وقال تعالى} ان الله لايظلم مثقال ذرة {(¬4) وقال تعالى} وما من دابة في الارض الا على الله رزقها {(¬5) فهذا الاستعمال يمنعهم عن القول بالتوقف بموجب العموم) (¬6). وتبدو
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 136 - 137.
(¬2) ينظر من هذا البحث.
(¬3) الانفال 75، التوبة 115.
(¬4) النساء 40.
(¬5) هود 6.
(¬6) اصول السرخسي 1/ 137.
الجزء 1 · صفحة 32
اهمية هذا الخلاف في تحديد دلالة صيغة العموم وبالتالي الحكم المترتب عليها هل هو موجب للحكم فيما تناوله قطعا ام لا ودلالة العام عند السرخسي دلالة قطعية وحكمه (ان العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعا بمنزلة الخاص موجب للحكم فيما تناوله يستوي في ذلك الامر والنهي والخبر الا فيما لا يمكن اعتبار العموم فيه لانعدام محله، فحينئذ يجب التوقف الى ان يتبين ما هو المراد به ببيان ظاهر بمنزلة المجمل) (¬1).
ويستمد السرخسي دليله على قطيعة دلالة صيغة العموم من الوظيفة الدلالية التي اوكلت بكل صيغة داخل النظام اللغوي والمهمة التي تقع عليها في التعبير فان (المراد بمطلق الكلام ما هو الحقيقة فيه والحقيقة ما كانت الصيغة موضوعة له لغة، وهذه الصيغة موضوعة لمقصود العموم فكانت حقيقة فيه، وحقيقة الشيء ثابت بثبوته قطعا ما لم يقم الدليل على مجازه كما في لفظ الخاص فانما هو حقيقة فيه يكون ثابتا به قطعا حتى يقوم الدليل على صرفه الى المجاز) (¬2).
والواقع ان الخلاف هنا على صيغة العموم ودلالتها مبني على محاولة الاصوليين دراسة الصيغة بمعزل عن القرائن تارة ومحتفة بها تارة اخرى (¬3) بيد ان لهذا التجريد عن القرائن في دراسة الصيغ وهو ما نراه كثيرا عند السرخسي اهمية في تحديد المعنى لان هذه الدلالة هي المرحلة الاولى في دراسة المعنى، تليها مرحلة السياق ودورها في تعميم المعنى اذا كان خاصا او تخصيصه اذا كان عاما.
صيغ العموم
يفهم العموم من الفاظ تدل عليه وهذا ما اتفق عليه الاصوليون، الا انهم يختلفون في دلالة بعض الالفاظ على العموم، ومختلفون ايضا في دلالة بعضها
¬
(¬1) المصدر نفسه: 1/ 132.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 137.
(¬3) ينظر: دراسة المعنى عند الاصوليين: 31 - 32.
الجزء 1 · صفحة 33
اهي بوضع الواضع أي لغوية ام عقلية تستند الى العقل فيحكم على دلالتها بالعموم (¬1).
كما اختلفت تقسيماتهم لصيغ العموم على وفق اعتبارات مختلفة، وبسبب من التزام السرخسي في مباحثه للالفاظ بالاصول اللغوية الضعية فقد اختار ان يقسمها على اساس معيار لغوي هو هياتها فكانت عنده في قسمين (عام بصيغته ومعناه وقسم فرد بصيغته عام بمعناه) (¬2)، وفيما ياتي تفصيل لهذين القسمين:
1 - (فاما ما هو عام بصيغته ومعناه فكل لفظ هو للجمع نحو الرجال والنساء والمسلمين والمشركين والمنافقين فانه عام صيغة؛ لان واضع اللغة وضع هذه الصيغة للجماعة قال رجل ورجلان وامراة وامراتان ونساء، وهو عام بمعناه لانه شامل لكل ما تناوله عند الاطلاق) (¬3)
فالفاظ هذا القسم هي صيغ الجمع سواء كانت جمع مذكر سالم ام جمع مؤنث سالم، ام جمع تكسير بنوعيه جمع القلة وجمع الكثرة وقد تناولها السرخسي على وفق قسمين صيغ جمع منكرة وصيغ جمع معرفة بـ (ال)، ولكن يختلف الاصوليون في ادنى الجمع لصيغ الجمع المنكرة نحو مشركين ومنافقين ورجال ونساء هل هو الاثنين ام الثلاثة ويذهب السرخسي الى الثلاثة (فادنى ما يطلق عليه هذا اللفظ الثلاثة، لان ادنى الجمع الصحيح ثلاثة) (¬4) وحجته في ذلك قول النبي (ص) (الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب) ويرى ايضا انه (يستقيم نفي صيغة الجماعة عن المثنى بان يقول: ما في الدار رجال وانما فيها رجلان، وقد بينا ان اللفظ اذا كان حقيقة في الشيء لايستقيم نفيه عنه، واجماع اهل اللغة يشهد بذلك فانهم يقولون الكلام ثلاثة اقسام وحدان وتثنية وجمع، ثم للوحدان ابنية مختلفة
¬
(¬1) ينظر: اصول السرخسي: 1/ 132 - 144، الاحكام في اصول الاحكام 2/ 407، كشف الاسرار: 1/ 306.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 151.
(¬3) المصدر نفسه: 1/ 151.
(¬4) اصول السرخسي: 1/ 151.
الجزء 1 · صفحة 34
وكذلك للجمع، وليس ذلك للتثنية انما لها علامة مخصوصة فعرفنا ان المثنى غير الجماعة، ولما وضعوا للمثنى لفظا على حدة فلو قلنا بان للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع للثلاثة على خلاف الموضوع للمثنى تكرارا محضا وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة، الا ترى ان بعد الثلاث لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حدة لما كانت صيغة الجماعة تجمعها، وكذلك اللفظ المفرد والتثنية يذكر من غير عدد يقال: رجل ورجلان ثم يذكر مقرونا بالعدد بعد ذلك، فيقال ثلاثة رجال واربعة رجال ولا يقال واحد رجل ولااثنان رجلان) (¬1).
ونلاحظ ان الحجج التي يوردها السرخسي تتنوع لتشكل احاطة بجميع جوانب المعنى ولتوكد حقائق مختلفة تصب جميعها في غاية واحدة هي اثبات خصوصية السمة العددية لكل صيغة من المفرد والمثنى والجمع وجميع هذه الحجج مستمدة من طبيعة اللغة وخصائصها وقوانينها سواء على مستوى الوضع للالفاظ او على مستوى الاستعمال المتمثل بالاداء الكلامي للجماعة اللغوية.
فعلى مستوى الوضع للالفاظ يؤكد السرخسي اصالة المعنى الحقيقي لكل صيغة من خلال الوقوف على سمة من سماته تجسدت في امكان نفي معنى الجماعة عن المثنى واذ يمثل هذا تناولا لجانب الدلالة اللغوية الوضعية من قبل السرخسي فهو لم يغفل عن الالمام بالجانب الصرفي للالفاظ والذي اشار اليه بان دلالة صيغ المثنى تكون بوساطة علامة مقطعية بينما تستقل صيغ المفرد والجمع ببناء صرفي خاص بكل منهما فاحاط بذلك بمستويين من دلالة الالفاظ، الدلالة المعجمية والدلالة الصرفية وليعزز بذلك التوافق من الحكمة من عملية المواضعة في اللغة ويقى ضمن اطار قوانينها اذ يمثل هذا نهج السرخسي في مباحثه اللغوية من الميل الى ارجاع جميع المسائل واقامتها على اصولها الوضعية اللغوية.
اما على مستوى الاداء الكلامي فيبدو ذلك في استشهاده بقول الرسول (ص) ويمثل هذا القول صورة نموذجية للاداء الكلامي للغة حيث يمكن عده اصلا من
¬
(¬1) اصول السرخس ي: 1/ 151.
الجزء 1 · صفحة 35
اصول مستوى الكلام فهو (ص) افصح العرب، وبذلك تتجسد دلالات صيغ المفرد والمثنى والجمع على مستوى التركيب الذي يخضع فيه اللفظ لقوانين العلاقات الدلالية للالفاظ وهو ما اشار اليه من اخضاعها لهذه القوانين في مثال اخر وهو جواز اقتران صيغ الجماعة بالعدد وعدم جواز ذلك في المفرد والمثنى.
اما الفرع الثاني مما كان عاما بصيغة ومعناه فهو صيغ الجمع المعرفة بـ (ال) مثل الرجال والنساء والمؤمنين ويرى السرخسي (انه اذا دخل الالف واللام في هذه الصيغة نجعلها للجنس مجازا؛ لان اللام لتعريف المعهود في الاصل) (¬1). والمعهود هو من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه (قال تعالى} لما ارسلنا الى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول {(¬2) أي ذلك الرسول بعينه، فعرفنا انه المعهود ولكن ليس فيما تناوله صيغة الجماعة معهود ليكون تعريفا لذلك، فلو لم نجعله للجنس لم تبق للالف واللام فائدة، فاذا جعل للجنس كان فيه اعتبار المعنيين جميعا: معنى المعهود من حيث انه يتناول هذا الجنس من اقسام الاجناس فيكون تعريفا له، ومعنى العموم من حيث ان في كل جنس يوجد معنى الجماعة فلاعتبار المعنيين جميعا جعلناه للجنس، ثم تناول الواحد فصاعدا حتى اذا قال ان تزوجت النساء او اشتريت العبيد او كلمت الناس يحنث بالواحد، لان الواحد في الجنس بمنزلة الثلاثة في الجماعة على معنى ان اسم الجنس يتناول الواحد حقيقة ... فالادنى المتيقن به في حقيقة اسم الجنس الواحد كالثلاثة في الجماعة) (¬3)
2 - اما القسم الثاني من صيغ العموم فهو (ما يكون فردا بصيغة عاما بمعناه فهو بمنزلة اسم الجن والانس) (¬4) ويتناول السرخسي الفاظ هذا القسم من جانبين جانب الصيغة او جانب الشكل الذي يسعى للتدليل على فرديتها وجانب المعنى او المحتوى الذي يرى انه ينزل بمنزلة الجنس فاسم الجن والانس (فرد بصيغته، الا ترى انه
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 153.
(¬2) المزمل:16.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 154.
(¬4) المصدر نفسه: 1/ 154.
الجزء 1 · صفحة 36
ليس له وحدان عام بمعناه وان لم يذكر فيه الالف واللام بمنزلة الرجال والنساء وكذلك الرهط والقوم فانه فرد بصيغته اذ لافرق بين قول القائل رهط وقوم وبين قوله زيد وعمر وهو عام بمعناه) (¬1).
اما من ناحية المعنى فقد (جعلوه بمنزلة الجنس بغير حرف اللام كما يكون حرف اللام الذي هو للعهد، وعلى هذا قلنا لو حلف لايشرب ماء يحنث بشرب القليل والكثير سواء قرن به اللام او لم يقرن، لانه لما خلا عن معنى الجماعة صيغة اذ ليس له وحدان كان جنسا، فادخال الالف واللام فيه يكون للتاكيد، كالرجل يقول: رايت قوما وافدين ورايت القوم الوافدين على فلان كان ذلك كتاكيد معنى الجنس) (¬2) لان اللام في مثل هذا النوع جنسية وهي الداخلة على الجنس وهذه اللام تفيد الاستغراق ايضا وهو مذهب اصحاب اللغة واصحاب الاصول (¬3).
ويضع السرخسي ضمن هذا القسم الفاظا مبهمة ولكنها تدل في اصلها على العموم وهي كما ياتي:
1 - من: وكلمة من (مبهمة وهي عبارة عن ذات من يعقل، وهي تحتمل الخصوص والعموم، الا ترى انه اذا قيل من في الدار يستقيم في جوابه فيها فلان وفلان وفلان؟ واذا قال من انت يستقيم في جوابه انا فلان فمتى وصلت هذه الكلمة بمعهود كانت للخصوص واذا وصلت بغير المعهود تحتمل العموم والخصوص والاصل فيها للعموم، قال الله تعالى {ومنهم من يستمع اليك {(¬4) ... وقال تعالى:} فمن شهد منكم الشهر فليصمه {(¬5) والمراد العموم) (¬6) وقد جاءت هنا موصولة مرة وشرطية مرة اخرى.
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 154.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 154 - 155.
(¬3) ينظر: مغني اللبيب:1/ 50، وشرح ابن عقيل: 1/ 178، وتقريب الوصول الى علم الاصول: 68، وتيسير التحرير: 1/ 16.
(¬4) الانعام: 25.
(¬5) البقرة: 185.
(¬6) اصول السرخسي: 1/ 155.
الجزء 1 · صفحة 37
ويمكن القول ان دلالة (من) تترجح بين احتمال الخصوص واحتمال العموم وهو امر لايمكن حسمه الا من خلال القرائن التي تحف بها في سياق معين وان كان الاصل هو العموم كما يرى السرخسي وهذا يدل على ان دراسة هذه الالفاظ لا يمكن ان يكون بمعزل عن قرائن السياق كما هو الحال في صيغ العموم التي سبق عرضها.
2 - ما: وهي نظير كلمة (من) ولكنها (تستعمل في ذات ما لايعقل ووفي صفات ما يعقل، حتى اذا قيل ما زيد يستقيم في جوابه عالم او عاقل، واذا قيل ما في الدار يستقيم في جوابه فرس وكلب وحمار ولا يستقيم في الجواب رجل وامراة فعرفنا انه يستعمل في ذات ما لا يعقل بمنزلة كلمة من في ذات من يعقل ... وقد تاتي كلمة (ما) بمعنى (من)، قال تعالى} وما بناها {(¬1) معناه ومن بناها الا ان الحقيقة في كل كلمة ما بينا) (¬2).
وعلى الرغم من عدم تصريح السرخسي بدلالة (ما) على الخصوص ام العموم الا اننا يمكن ان نستشف تحديده لدلالة (ما) من اعتبارها نظير كلمة (من) فهي ايضا يحتمل العموم والخصوص والعموم هو الاصل فيها ويبقى تحديد دلالتها خاضع لقرائن السياق التي تحف بها داخل التركيب.
3 - الذي: (ونظير هاتين الكلمتين (الذي فانها مبهمة مستعملة فيما يعقل وفيما لايعقل وفيها معنى العموم على نحو ما في الكلمتين، حتى اذا قال: ان كان الذي في بطنك غلاما كان بمنزلة قوله ان كان ما في بطنك غلاما) (¬3).
ودلالة الاسماء الموصولة على العموم مستمدة من ان معانيها لاتعلم منها بالتعيين وانما تعرف معانيها من الصلة (¬4).
¬
(¬1) الشمس: 5.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 156 - 157.
(¬3) المصدر نفسه:1/ 157.
(¬4) ينظر: حاشية العبادي على شرح المحلى: 101.
الجزء 1 · صفحة 38
4 - اين وحيث: وهما (للتعميم في الامكنة قال تعالى} وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره {(¬1) وقال تعالى:} اينما تكونوا يدرككم الموت {(¬2) ولهذا لو قال لامراته: انت طالق اين شئت وحيث شئت يقتصر على المجلس؛ لانه ليس في لفظه ما يوجب تعميم الاوقات) (¬3).
5 - متى: وهي (كلمة مبهمة لتعميم الاوقات؛ ولهذا لو قال: انت طالق متى شئت لم يتوقف ذلك على المجلس) (¬4).
6 - كل: (واما كلمة (كل) فانها توجب الاحاطة على وجه الافراد، قال تعالى:} انا كل شيء خلقناه بقدر {(¬5) ومعنى الافراد ان كل واحد من المسميات التي توصل بها كلمة (كل) تصير مذكورا على سبيل الانفراد كانه ليس معه غيره، لان هذه الكلمة صلة في الاستعمال حتى لايستعمل وحددها لخلوها عن الفائدة، وهي تحتمل الخصوص نحو كلمة من الا ان معنى العموم فيها يخالف معنى العموم في كلمة من، ولهذا استقام وصلها بكلمة من قال تعالى:} كل من عليها فان {(¬6) حتى لو وصلت باسم نكرة تقتضي العموم في ذلك الاسم، فاما اذا قال لعبده: اعط كل رجل من هؤلاء درهما كانت موجبة للعموم منهم) (¬7).
ونلاحظ ان (كل) وان كانت تفيد الاستغراق في الشيء الا ان هذا الاستغراق يعتمد على الاسم الذي تضاف اليه (كل)، فاذا اضيفت الى نكرة افادت استغراق كل فرد من الافراد (الجنس)، واذا اضيفت الى معرفة فان كانت المعرفة عامة استغرقت كل الافراد كما في قولنا (كل البشر محاسب) واذا كانت معهودة استغرقت
¬
(¬1) البقرة: 144.
(¬2) النساء: 78.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 157.
(¬4) المصدر نفسه: 1/ 157.
(¬5) القمر: 49.
(¬6) الرحمن: 26.
(¬7) اصول السرخسي: 1/ 157.
الجزء 1 · صفحة 39
كل الافراد المعهودين نحو (اقبل كل الطلاب) فهو استغراق لطلاب مخصوصين (¬1).
7 - الجميع: (بمنزلة كلمة كل في انها توجب الاحاطة ولكن على وجه الاجتماع لا على الافراد، حتى لو قال جميع من دخل منكم الحصن اولا فله كذا فدخل عشرة معا استحقوا نفلا واحدا، بخلاف قوله كل من دخل لان لفظ الجميع للاحاطة على وجه الاجتماع وهم سابقون بالدخول على سائر الناس، وكلمة كل للاحاطة على وجه الافراد، فكل واحد منهم كالمنفرد بالدخول سابقا على سائر الناس ممن لم يدخل) (¬2).
ان ما سبق عرضه من الفاظ العموم يمثل الالفاظ الدالة على العموم باصل الوضع الا ان السرخسي يضيف الى هذه الالفاظ الفاظا اخرى تخرج عن دلالتها الوضعية للخصوص الى دلالة اخرى هي العموم ضمن سياقات معينة وهي النكرة ويبنى البحث في دلالة النكرة على العموم والخصوص على قول اصحاب العموم: (النكرة في النفي تعم وفي الاثبات تخص) (¬3).
اما السرخسي فالنكرة عنده (من الاسم للخصوص في اصل الوضع لان المقصود به تسمية فرد من الافراد، قال تعالى:} انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون رسولا {(¬4) والمراد رسول واحد) (¬5).
ثم يسعى السرخسي الى تعزيز برهنته على ان الدلالة الوضعية للنكرة تفيد الخصوص بواسطة ابراز الخصائص الدلالية لهذه النكرة من خلال رصد طرق استعمالها داخل الجمل اذ يقول: (المنكر اذا اعيد منكرا فالثاني غير الاول، لان
¬
(¬1) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 193، معاني النحو (فاضل صالح السامرائي)
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 158.
(¬3) المصدر نفسه: 1/ 160، وينظر اللمع في اصول الفقه: 27، البرهان الجويني: 1/ 337، المنخول: 146، الاحكام (الامدي): 2/ 200.
(¬4) المزمل: 16.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 158.
الجزء 1 · صفحة 40
اسم النكرة يتناول فردا غير معين وفي صرف الثاني الى ما يتناوله الاول نوع تعيين فلا يكون نكرة مطلقا، وهو معنى قول ابن عباس (رض): لن يغلب عسر يسرين، فان الله تعالى ذكر اليسر منكرا واعاده منكرا وذكر العسر معرفا بالالف واللام ولو كان اطلاق اسم النكرة يوجب العموم لم يكن الثاني غير الاول، فان العام اذا اعيد بصيغته فالثاني لا يتناول الا ما يتناوله الاول بمنزلة اسم الجنس) (¬1). واختلاف الثاني عن الاول لما اكتسبه الثاني من بعض سمات التعريف كونه اصبح كالمعهود الذي سبق تنكيره ثم تم تعريفه بعد التعيين. وفي هذا الموضع فان السرخسي يفيد من اثر العلاقات النحوية والدلالية للتركيب في تحديد دلالة اللفظ واظهار خصائصه الدلالية.
غير ان النكرة في راي السرخسي يمكن لها ان تخرج عن دلالتها باصل الوضع على الخصوص لتحتمل (معنى العموم اذا اتصل بها دليل العموم) (¬2) ويحدد انواع هذه الادلة بما ياتي:
ا- ان ترد في موضع نفي اذ يقول (النكرة في موضع النفي فانها تعم، قال تعالى:} فلا تدعوا مع الله احدا {(¬3) والرجل يقول: ما رايت رجلا اليوم فانما يفهم منه نفي هذا الجنس على العموم وهذا التعميم ليس بصيغة النكرة بل لمقتضاها؛ وبه تبين معنى الفرق بين النكرة في الاثبات والنكرة في النفي، لان في موضع الاثبات المقصود واثبات المنكر وفي موضع النفي المقصود نفي المنكر، فالصيغة في الموضعين تعمل فيما هو المقصود الا ان في ضرورة نفي رؤية رجل منكر نفي رؤية جنس الرجال ... وليس من ضرورة اثبات رؤية رجل واحد اثبات رؤية غيره) (¬4).
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 159.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 160.
(¬3) الجن: 18.
(¬4) اصول السرخسي: 1/ 160.
الجزء 1 · صفحة 41
وعليه يمكن القول ان دلالة وقوع النكرة في سياق النفي على العموم دلالة اطلاقية لانها تستند الى العقل حيث لم يثبت وضع هذه الهياة للعموم، وانما استفيدت من ادراك العقل بان نفي الطبيعة انما يكون بعدم جميع افرادها (¬1)، وهذا ما اشار اليه السرخسي بان (التعميم ليس بصيغة النكرة بل لمقتضاها)
ب- دخول الالف واللام عليها: حيث يرى السرخسي ان (مما يدل على العموم في النكرة الالف واللام اذا اتصلا بنكرةليس في جنسها معهود، قال تعالى} ان الانسان لفي خسر {(¬2) وقال تعالى:} والسارق والسارقة {(¬3)
وقال تعالى:} الزانية والزاني {(¬4) لما اتصل الالف واللام بنكرة ليس في جنسها معهود اوجب العموم، ... وهذا لان الالف واللام للمعهود وليس هنا معهود فيكون بمعنى الجنس مجازا، كالرجل يقول فلان يحب الدينار ومراده الجنس وفي الجنس معنى العموم كما بينا) (¬5).
ويمكن ان نلاحظ ان افادة النكرة معنى العموم في هذا الموضع انما يعتمد على امرين الاول هو تحديد طبيعة المدلول التي تشير اليه النكرة أي بيان خصائصه هل في جنسه معهود ام لا ويمثل هذه تناولا للفظة متجردة عن القرائن، اما الثاني فهو وظيفة القرينة اللغوية الواردة في السياق والمتصلة بالنكرة والتي تتمثل بالالف واللام، الا ان عمل هذه القرينة في اضفاء معنى العموم على النكرة مرتبط بالامر الاول (طبيعة مدلول النكرة التي ليس في جنسها معهود)، أي ان دلالة النكرة على العموم
¬
(¬1) ينظر: اصول الفقه (المظفر) 1/ 140 - 141.، ومفتاح الوصول الى علم الاصول (البهادلي):346.
(¬2) العصر: 2.
(¬3) المائدة: 38.
(¬4) النور: 2.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 160 - 161.
الجزء 1 · صفحة 42
انما ينشا عن الترابط الوظيفي بين الاول والثاني ودورهما ضمن السياق الذي ترد فيه النكرة.
ج-تقييدها بوصف عام: حيث يرى السرخسي ان (من الدليل على التعميم في النكرة الحاق وصف عام بها حتى اذا قال: والله لا اكلم الا رجلا عالما كان له ان يكلم كل عالم، لان المستثنى نكرة في الاثبات ولكنها موصوفة بصفة عامة، بخلاف ما لو قال الا رجلا فكلم رجلين فانه يحنث ولو قال لا امراتين له والله لا اقربكما الا يوما فالمستثنى يوم واحد، ولو قال الا يوم اقربكما فيه فكل يوم يقربهما فيه يكون مستثنى ولا يحنث به لانه وصف النكرة بصفة عامة) (¬1).
ويمكن ان نلاحظ ان الاهتمام بالخصائص النحوية والدلالية للسياق الذي ترد فيه النكرة يشكل القاسم المشترك بين هذا الموضع والموضع السابق في تحديد دلالة النكرة على العموم غير ان الفرق بينهما يكمن في ان النكرة ليست هي موضع الاهتمام والتحليل في هذا الموضع وانما ينصب اهتمامه على طبيعة القرينة اللغوية المقترنة بها واثرها الدلالي في اضفاء معنى العموم عليها والمتمثلة بالصفة العامة لانه يبحث فيها ان كانت نعتا لها ام لغيرها وصفا عاما ام لا لتضفي بعمومها على دلالة النكرة.
المشترك:
تعد ظاهرة المشترك اللفظي واحدة من اهم اسباب غموض دلالة النصوص، لذلك كان للمشترك اهمية كبيرة في اختلاف العلماء واستنباطهم للاحكام الفقهية (¬2). كما يعد من الحقول المهمة في البحوث والدراسات الدلالية لانه احد ظواهر ما يسمى العلاقات الدلالية في علم الدلالة الحديث (¬3).
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 161.
(¬2) ينظر: اثر الدلالة النحوية واللغوية في استباط الاحكام الشرعية، 53.
(¬3) ينظر: ظاهرة المشترك اللفظي ومشكلة غموض الدلالة (احمد نصيف الجنابي) مجلة المجمع العلمي العراقي م 35 الجزء الرابع:136، وابن جني وعلم الدلالة (نوال كريم): 169.
الجزء 1 · صفحة 43
والاصل في الالفاظ ان يختص كل لفظ منها بمعنى معين لانها وسيلة التفاهم، لذا يجب ان تكون دلالتها على مدلولاتها واضحة مستقلة حتى يتم التفاهم، وتؤدي اللغة وظيفتها الايصالية على اكمل وجه (¬1). غير ان وجد في اللغة ما يسمى بالمشترك اللفظي ويقصد به اتفاق الشكل واختلاف المعنى.
لقد رصد اللغويون القدامى هذه الظاهرة وحفلت لديهم بقدر وفير من بحثهم الدلالي تجلى ذلك في مؤلفات كثيرة، ولعل اشارة سيبويه (ت 180 هـ) اول اشارة لهذه الظاهرة اللغوية اذ قال: (اتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك وجدت عليه من الموجدة، ووجدت اذا اردت وجدان الضالة) (¬2)، كما عبر عنه المبرد (ت 285 هـ) بانه: (اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين) (¬3)، واشار اليه ابن فارس (ت 395 هـ) بقوله: (وتسمى الاشياء الكثيرة بالاسم الواحد؛ نحو عين الماء وعين المال وعين السحاب) (¬4).
كما كانت هذه الظاهرة موضع اهتمام الاصوليين ايضا لما لها من دور في تحديد دلالات النصوص واستنباط الحكم الشرعي منها، وقد اشار الامام الشافعي الى هذه الظاهرة بقوله: (وتسمي (العرب) بالاسم الواحد المعاني الكثيرة) (¬5)
وعرفه الغزالي بانه (اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة بالحد والحقيقة اختلافا متساويا) (¬6).
وعرفه الفخر الرازي بانه (اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين او اكثر وضعا اولا حيث هما كذلك) (¬7)، وهو تعريف الشوكاني ايضا (¬8).
¬
(¬1) ينظر: كلام العرب (د. حسن ظاظا):117.
(¬2) كتاب سيبويه: 1/ 24.
(¬3) ما اتفق لفظه واختلف معناه في القران المجيد: 2.
(¬4) الصاحبي في فقه اللغة: 114.
(¬5) الرسالة: 52.
(¬6) معيار العلم:81.
(¬7) المحصول: 1/ 261.
(¬8) ينظر ارشاد الفحول: 1/ 90.
الجزء 1 · صفحة 44
ونقل السيوطي تعريفا لاهل الاصول فقال: (وقد حده اهل الاصول بانه اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فاكثر دلالة على السواء عند اهل تلك اللغة) (¬1).
ومن يريد المقارنة بين تعاريف الاصوليين وتعاريف اللغويين للمشترك يجد فارقا في نظره لكل منهما له فالمشترك عند كثير من الاصوليين هو اللفظة الواحدة الموضوعة لمعنيين او اكثر باوضاع متعددة، أي وضع كل معنى من معانيه يوضع على حدة سواء كان الواضع واحدا ام متعددا بقصد ام بغير قصد (¬2).أي ان الاشتراك واقع بالوضع.
اما المشترك عند اللغويين فنظرتهم تقوم على اساس انه ظاهرة لغوية وجدت فيها الفاظ تدل على معنيين او اكثر ويكون ذلك لاسباب وعلل معينة وليس باصل الوضع ولا بقصد الى ذلك الاشتراك، فهو يفقد اللغة قدرتها على اداء وظيفتها الايصالية لانه سيؤدي الغموض وسوء الفهم، وهذا ما عبر عنه ابن درستويه (ت347 هـ) بقوله: (انما اللغة موضوعة للابانة عن المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين، او احدهما ضد الاخر لما كان ذلك ابانة بل تعمية وتغطية ولكن قد يجيء الشيء النادر من ذلك لعلل ... وانما يجيء ذلك في لغتين متباينتين، او لحذف واختصار قد وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع) (¬3).
وقد اشار ابو علي الفارسي (ت 377 هـ) الى مثل هذا فيما نقله عنه ابن سيدة (ت 458 هـ) قوله: (واما اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فينبغي الا يكون
¬
(¬1) المزهر: 1/ 369.
(¬2) ينظر: اللمع في اصول الفقه: 49، كشف الاسرار: 1/ 39 - 40، وشرح الاسنوي: 1/ 224، والوجيز في اصول الفقه: 274.
(¬3) تصحيح الفصيح: 1/ 1660167.
الجزء 1 · صفحة 45
قصدا في الوضع ولا اصلا، ولكنه من لغات تداخلت او ان تكون كل لفظة تستعمل بمعنى، ثم تستعار لشيء، فتكثر وتغلب، فتصير بمنزلة الاصل) (¬1).
ويتبين لنا من خلال هذه الاقوال ايضا ادراك علماء اللغة القدامى لاسباب نشوء هذه الظاهرة اللغوية ورصدهم لانماط تلك الاسباب وتعيينها بعد ان رفضوا ان يكون باصل الوضع، فان اتفاق الفاظ في الدلالة على معنيين او معان مختلفة قد يكون من تداخل اللغات او لاسباب صوتية او نتيجة الاستعارة والمجاز ... (¬2).
ويقف الباحثون من ظاهرة المشترك اللفظي مواقف تتباين بين الانكار والاثبات لهذه الظاهرة في اللغة ويذهب اكثر اللغويين القدامى الى القول بوقوعه كالخليل (ت 170 هـ) وسيبويه، وابي عبيدة (ت 210 هـ) والاصمعي (ت216 هـ) وغيرهم معتمدين على ما اوردوه من شواهد نقلية من كلام العرب مما لا سبيل الى الشك فيه (¬3).
ويؤكد الدكتور احمد مختار عمر هذه الحقيقة في اتفاق اللغويين على وقوعه بقوله: (لم يثر أي جدل بين اللغويين العرب حول وجود المشترك اللفظي في اللغة العربية بل انعقد اجماعهم على وجوده ... نعم وجد من اللغويين من ضيق مفهوم المشترك اللفظي واخرج منه كل ما يمكن رد معانيه الى معنى واحد، ومن هؤلاء ابن درستويه) (¬4)، ويقصد بذلك قوله (اذا اتفق البناءان في الكلمة والحروف ثم جاء المعنيين مختلفين لم يكن بد من رجوعهما الى معنى واحد يشتركان فيه فيصيران متفقي اللفظ والمعنى) (¬5) وهذا القول لايدل على انكاره للمشترك اللفظي انكارا تاما وانما ضيق مفهومه، ومن خلال هذا النص والنص السابق لابي درستويه يتبين لنا
¬
(¬1) المخصص: 13/ 259.
(¬2) ينظر في اسباب نشوء المشترك: فصول في فقه اللغة: 326 وما بعدها، فقه اللغة (وافي):185، فقه اللغة (الضامن):68 - 69، المشترك اللفظي في اللغة العربية: 137.
(¬3) ينظر: الدراسات اللغوية عند العرب (آل ياسين): 417.
(¬4) علم الدلالة: 156.
(¬5) تصحيح الفصيح:1/ 240.
الجزء 1 · صفحة 46
انه يحاول ان يحصر سبب وجود هذه الظاهرة بالظروف الاستعمالية للغة وليس باصل الوضع كما يمكن ان نعد موقف ابي علي الفارسي موقفا مشابها لموقف ابن درستويه من تضييق وجود هذه الظاهرة.
ان حصر وجود هذه الظاهرة بالظروف الاستعمالية وليس باصل الوضع يجعل النظر الى دلالات المشترك اللفظي المتعددة نظرة استعمالية وليس تاريخية ترجع كثيرا من هذه الدلالات الى اسباب مجازية دفعت الى العدول عن المعنى الوضعي للفظة. فقد جاء المشترك نتيجة للتطور الدلالي الذي يصيب الالفاظ حيث تكتسب دلالات اضافية في اثناء مسيرتها الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في ازمنة متلاحقة، وكا تردد الدارسين امامه الا لانه موغل في الماضي فبعد الوقوف على العلاقات الرابطة بين المعنى الاصل والمعنى الاضافي ولذلك وجد من علل وجوده باصل الوضع (¬1).
واذ نخلص الى القول باتفاق اللغويين على وجود المشترك اللفظي فان الامر عند الاصوليين مختلف حيث تضاربت الاقوال فيه الى حد الافراط والتفريط (¬2)، ويمكن ايجاز اهم مواقفهم فيما ياتي:
1 - قال بعضهم بوجوب الاشتراك واحتجوا لذلك بان المعاني غير متناهية والالفاظ المركبة من الحروف المتناهية متناهية لذلك لزم الاشتراك كي يغطي وضع الالفاظ جميع المعاني (¬3). ومن بين ما ردت به حجة هذا الراي بان المعاني غير المتناهية هي الجزئيات فيمكن الوضع للكليات ويستغنى عن الاشتراك اللفظي بالاشتراك المعنوي، كما ان في المجاز وسيلة كافية لاستيفاء الالفاظ للمعاني وليس الاشتراك بالسبيل المناسب لما يمكن ان يحدثه من تعمية وتغطية (¬4)، كما ان الالفاظ غير المشتركة اقل من المشتركة وجودا في اللغة.
¬
(¬1) ينظر: علم الدلالة العربي (فايز الداية): 79.
(¬2) ينظر: علم الدلالة (عمر):157، مفتاح الوصول الى علم الاصول:1/ 253.
(¬3) ينظر: المحصول: 1/ 262، نهاية السول:2/ 74، وارشاد الفحول: 1/ 89.
(¬4) ينظر: عناية الاصول في شرح كفاية الاصول: 1/ 107 - 108.
الجزء 1 · صفحة 47
2 - قال اخرون بامتناع وقوع اللفظ المشترك لانه يخل بالتفهيم المقصود من الوضع ويكون منشا للمفاسد في فهم غرض المتكلم (¬1)، وهذا الراي مردود اذ ان (الاخلال بالتفهيم انما يحصل اذا لم يات المستعمل للمشترك بقرينة معينة للمراد – لفظية كانت او حالية- ومع القرينة لا محذور) (¬2) أي ان السياق الذي تكون فيه اللفظة هو المحدد للدلالة المقصودة من اللفظ المشترك.
3 - وذهب اكثر علماء الاصول متفقين مع اهل اللغة الى جواز وقوعه واحتجوا له بحجج كثيرة منها انه قد يكون غرض المتكلم تعريف غيره شيئا على التفصيل، وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الاجمال (¬3).
والذي يبدو لي من هذه الاختلافات ان القول بوقوعه هو الحق (اذ لا ينبغي الاشكال في امكان الترادف والاشتراك، بل في وقوعهما في اللغة العربية، فلا يصغى الى مقالة من انكرهما. وهذه اللغة العربية بين ايدينا وقوعهما فيها واضح لا يحتاج الى بيان) (¬4)، كما ان (دراسة المعنى القائمة على التفاوت الدلالي للالفاظ في سياقاتها المختلفة، والتفريق بين المعنى المعجمي المتعدد، والمعنى السياقي الموحد خير دليل على ظاهرة المشترك التي لم تقتصر على العربية وحدها، بل شملت معظم اللغات) (¬5).
المشترك اللفظي عند السرخسي:
يعرف السرخسي المشترك اللفظي بانه (كل لفظ يشترك فيه معان او اسام لا على سبيل الانتظام بل على احتمال ان يكون كل واحد هو المراد به على الانفراد،
¬
(¬1) ينظر: نهاية السول:2/ 118، والاحكام في اصول الاحكام (الامدي): 1/ 22، ارشاد الفحول: 1/ 90.
(¬2) مفتاح الوصول الى علم الاصول: 1/ 254.
(¬3) ينظر: المعتمد في اصول الفقه: 1/ 24، ارشاد الفحول: 1/ 90.
(¬4) اصول الفقه (المظفر): 1/ 31، وينظر: ارشاد الفحول: 88 - 90.
(¬5) منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث (علي زوين): 138.
الجزء 1 · صفحة 48
واذا تعين الواحد به انتفى الاخر، مثل اسم العين فانه للناظر، ولعين الماء، وللشمس وللميزان وللنقد من المال، وللشيء المعين) (¬1).
ومن خلال التامل في هذا التعريف يمكن لنا ان نستخلص منه مجموعة من الحقائق التي تبين مفهوم السرخسي وموقفه ازاء هذه الظاهرة اللغوية، واول ما يطالعنا في هذا التعريف انه يفتقد الى اية اشارة او لفظ يدل على دور الوضع في وجود هذه الظاهرة على النحو الذي سبق ذكره في تعاريف كثير من الاصوليين وهو امر نخلص منه الى ان المشترك اللفظي عند السرخسي لا يمكن ان يكون قد حدث باصل الوضع ويؤكد ذلك بقوله: (والاشتراك لايثبت باصل الوضع) (¬2) وهو ما ذهب اليه اللغويون القدامى، كما ايقن السرخسي بنظرة دقيقة الى معاني بعض الالفاظ ان بعض الالفاظ المشتركة التي لا نجد اية صلة بين معانيها يمكن ان تحتمل في تعليل اشتراكها اللفظي ان تكون باصل الوضع على ندرة ذلك لعارض ما نشا عنه الاشتراك ويشير الى ذلك بقوله (فالاشتراك لا يكون الا لغفلة من الواضع، ولعذر) (¬3)، فهو على ندرته وان كان باصل الوضع الا انه لا يمكن ان يكون بقصد من الواضع الى ذلك الاشتراك لانه يتعارض مع الحكمة من عملية الوضع.
ويترك السرخسي امر الغفلة والعذر مفتوحين في تحديد طبيعة عوارضهما للمتامل في عملية المواضعة اذ لابد لنا من تعيين واضع اللغة لكي نحدد كيفية انتفاء القصد لديه الى الاشتراك وهو ما لم يبت فيه براي واضح.
والذي يبدو لي من موقف السرخسي من ظاهرة المشترك اللفظي وصلتها باصل الوضع هو اقرب الى واقع اللغة لامرين:
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 126.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 228.
(¬3) المصدر نفسه:1/ 201.
الجزء 1 · صفحة 49
1 - ان القول بنشوء المشترك اللفظي باصل الوضع انما هو خوض في قضية نشاة اللغة الانسانية والتي لم يقطع فيها براي علمي راجح سواء عند القدماء او المحدثين (¬1).
2 - ان مثل هذا القول بتعارض والوظيفة الاساسية للغة من تادية اغراض المتكلم وعرفة المقصود من كلامه وما كان كذلك يكون سببا للغموض والتعمية وهذا خلاف وظيفة اللغة، والى هذا يشير السرخسي بقوله (كل عبارة تكون لمعنى خاص باعتبار اصل الوضع ولا يثبت الاشتراك فيه الا بعارض) (¬2)، (اذ لو لم يجعل كذلك خرج من ان يكون مفيدا) (¬3).
اما الامر الثاني الذي يحدده السرخسي في التعريف فهو تقديمه لمفهوم دقيق للمشترك اللفظي واخراجه الالفاظ المتواطئة من حيز هذا المفهوم. والالفاظ المتواطئة هي التي تتناول الماهيات المختلفة من حيث انها تشترك في معنى واحد (¬4)، مثل اسم الرجل فانه يدل على زيد وعمر وخالد ومثل انسان للحيوان الناطق، وهذا المعنى يصلح للانطباق على كل فرد من افراد هذا النوع ويتجلى تفريق السرخسي بين المتواطيء والمشترك اللفظي من خلال تمييزه ببين طبيعة اشتراك المعاني بلفظ واحد في المشترك اللفظي وطبيعة الاشتراك في المتواطيء التي نلمسها في بيانه للفرق بين مفهوم الاحتمال ومفهوم الانتظام، فاشتراك اسم العين بمعان مختلفة لايكون على (ان جميع ذلك مراد بمطلق اللفظ ولكن على احتمال كون كل واحد فرادا بانفراده عند الاطلاق، هذا لان الاسم يتناول كل واحد من هذه الاشياء باعتبار معنى غير المعنى الاخر وقد بينا ان لفظ الواحد لا ينتظم المعاني المختلفة) (¬5) فالاحتمال هو محور مفهوم الاشتراك اللفظي (وبيان هذا في لفظ البينونة
¬
(¬1) ينظر: البحث اللغوي والنحوي عند الامام الجويني (هادي احمد فرحان الشجيري): 56.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 16.
(¬3) المصدر نفسه: 1/ 207.
(¬4) ينظر: ارشاد الفحول: 1/ 90.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 126.
الجزء 1 · صفحة 50
فانه يحتمل معنى الابانة ومعنى البين ومعنى البيان، يقول الرجل بان فلان عني: أي هجرني، وبان العضو من الجسم: أي انفصل، وبان لي كذا: أي ظهر، فيعلم ان مطلق اللفظ لاينتظم هذه المعاني ولكن يحتمل كل واحد منها ان يكون مرادا ولهذا سميناه مشتركا) (¬1) ويتعمق السرخسي في بحث مفهوم الاحتمال اذ يشير السرخسي الى قضية اخرى وهي ان الاحتمال في ارادة كل واحد من معاني اللفظ المشترك بمطلق اللفظ سببه، ان هذه المعاني متساوية الدلالة من غير ترجيح لاحد منها على الاخر فان هذا الاحتمال قائم على التساوي في الدلالة وهو سبب الغموض الذي يكتنف اللفظ المشترك (فالاشتراك عبارة عن التساوي وفي الاحتمال وجدت المساواة بينهما فبقي المراد به مجهولا لا يمكن العمل بمطلقه في الابتداء) (¬2). وتبدو اهمية المساواة في معاني المشترك من غير ترجيح فيما بينها فيما نشا من خلاف بين الاصوليين حول استعمال اللفظ المشترك بمعنييه او معانيه. ويمكن ان نلخص اراء العلماء حول هذا الخلاف في مذهبين:
1 - ذهب الشافعي والقاضيان الباقلاني وعبد الجبار المعتزلي (ت 415 هـ) وبه قال الجمهور الى جواز استعمال المشترك في معنييه او معانيه فيكون كالعام في شموله كل ما يدل عليه (¬3)، واستدلوا بقوله تعالى:} الم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض {(¬4) فالسجود من الانسان وضع الجبهة على الارض ومن غيره الخضوع والانقياد الجبري وهما معنيان مختلفان قد اريدا بلفظ واحد (¬5).
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 126.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 126.
(¬3) ينظر: كشف الاسرار (النسفي):1/ 202، ارشاد الفحول: 1/ 91.
(¬4) الحج:18.
(¬5) ينظر الاحكام (الامدي):2/ 352، ارشاد الفحول:1/ 92 - 93.
الجزء 1 · صفحة 51
2 - ذهب ابو حنيفة والجويني (ت 478 هـ) والبزدوي (ت ... هـ)، والفخر الرازي، والشيعة الامامية الى انه لايصح استعمال المشترك في جميع معانيه مطلقا (¬1)، واستدلوا لهذا القول بادلة عدة لعل اوضحها وادقها ما ذكره بعضهم من ان اللفظ بمثابة الكسوة للمعاني، والكسوة الواحدة لا يلبسها شخصان كل واحد منهما بكماله في زمن واحد. وكذلك اللفظ لا يدل على معنيين او معانيه معا في وقت واحد (¬2).
وقد ناقشوا اصحاب المذهب الاول في استدلالهم بالاية الكريمة واجابوا عليه بان السجود فيها ربما اريد به معنى عاما يشمل جميع سجود الموجودات وضع الراس على الارض من العقلاء وغير العقلاء (¬3).
والذي يبدو لي لنه ليس من بد من الاعتماد على السياق في تحديد المعنى المراد من المشترك وحسم الخلاف في تحديد معنى السجود في الاية الكريمة مثلا حيث يمكن تحديد معنى واحد للمشترك من خلال التامل في المعنى الذي يتطلبه السياق.
اما السرخسي فقد اختار المذهب الثاني مع ادراك اهمية قرائن السياق وتلبيتها لضرورة التفضيل عند استعماله اللفظ بمعانيه، ويتضح اختياره من خلال الامثلة التي يقرن فيها بين ظاهرة المشترك والغموض الدلالي الناتج من تغاير المعاني المحتمل لها في التناول فيقول: (وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله: لو اوصى بثلث ماله لمواليه وله موال اعتقوه وموال اعتقهم لا تصح الوصية لان الاسم المشترك يحتمل ان يكون المراد به هو المولى الاعلى ويحتمل الاسفل وفي المعنى تغاير، فالوصية للاعلى المجازاة وشكر النعم، وللاسفل للزيادة في الانعام والترحم عليه ولا ينتظم اللفظ المعنيين جميعا للمغايرة بينهما فبقي الموصى له مجهولا) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: البرهان (الجويني):1/ 344 - 345، كشف الاسرار:1/ 40، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت: 1/ 201، ارشاد الفحول: 1/ 91، اسباب اختلاف الفقهاء: 149.
(¬2) ينظر: اصول البزدوي: 1/ 40.
(¬3) ينظر المصدر السابق: 1/ 41، وارشاد الفحول: 1/ 92 - 93.
(¬4) اصول السرخسي: 1/ 126 - 127.
الجزء 1 · صفحة 52
ويعرض في مثال اخر لنفس اللفظ (موال) على سبيل ارادة جميع معانيه فيقول: (ولو حلف لا يكلم مواليه يتناول يمينه الاعلى والاسفل جميعا باعتبار ان المعنى الذي دعاه الى اليمين غير مختلف في الاعلى والاسفل، فلايجاد المعنى لا يتحقق فيه الاشتراك بل اللفظ في هذا الحكم بمنزلة العام) (¬1).
ومن خلال هذين المثالين اللذين يجمع فيهما السرخسي بين مفهوم المشترك وبين المعنى الذي يدعو اليه السياق يمكن ان نخلص الى مجموعة من النتائج المترتبة عن البحث في الالفاظ من خلال استعمالها في السياق وهو ما يؤكده اللغويون والمحدثون ويمكن اجمال هذه النتائج فيما ياتي:
1 - ان استعمال اللفظ المشترك على سبيل ارادة جميع معانيه يخرج اللفظ من حيز المشترك اللفظي ويصبح بمنزلة العام وذلك لانتفاء صفة الاحتمال عنه في التناول باعتبار المعاني المختلفة كما في اسم (الشيء) فانه (يتناول الموجودات كلها باعتبار معنى واحد وهو صفة الوجود فكان منتظما للكل، والمشترك احتماله الجمع بين الاشياء باعتبار معان مختلفة، فعرفنا به ان المراد واحد منها) (¬2).
2 - ان السياق هو الذي يحدد نمط استعمال اللفظ المشترك هل استعمل بدلالة الاشتراك اللفظي ام كان بمنزلة العام وذلك من خلال المعنى الذي يدعو اليه سياق الجملة (فاسم المولى اذا استعمله فيما يختلف فيه المعنى والمقصود كان مشتركا وفيما لا يختلف فيه المعنى كان بمنزلة العام) (¬3).
3 - لايجوز استعمال اللفظ بمعنييه بدون وجود قرينة مبينة للمعنى المقصود اذ لابد من وجود قرينة صارفة للفظ المشترك الى احد معانيه ليستقيم معنى الجملة.
وحاصل الامر فقد ادرك السرخسي ما للسياق من اثر كبير في تحديد صيغة المشترك اللفظي ودلالتها على احد معانيها وهو ما يتفق والبحث الدلالي الحديث اذ يقول اولمان: (اذا تصادف ان اتفقت كلمتان او اكثر، في اصواتها اتفاقا تاما فان
¬
(¬1) المصدر نفسه: 1/ 127.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 127.
(¬3) المصدر نفسه: 1/ 127.
الجزء 1 · صفحة 53
مثل هذه الكلمات لايكون لها معنى البتة، دون السياق الذي تقع فيه) (¬1). ... ويؤكد الدكتور صبحي الصالح ان (السياق هو الذي يعين احد المعاني المشتركة للفظ الواحد، وهذا السياق لايقوم على كلمة تنفرد وحدها في الذهن وانما يقوم على تركيب يوجد الارتباط بين اجزاء الجملة فيخلع على اللفظ المناسب) (¬2).
غير ان السرخسي يرى انه قد يتم التوصل الى تحديد (دلالة المشترك عند التامل في صيغة اللفظ فيجح بعض المحتملات ويعرف انه المراد بدليل في اللفظ) (¬3)، لكن هذا لايعني الغاء دور السياق فان اهمية السياق عند السرخسي في تحديد دلالة المشترك اللفظي تبدو من خلال الدور الذي يؤديه في ترجيحه (لبعض المحتملات) في اللفظ ولذلك فهو يرى ان لطلب المراد بالمشترك (طريقان: اما المتامل بالصيغة ليتبين به المراد او طلب دليل اخر يعرف به المراد وبالوقوف على المراد يزول معنى الاحتمال على التساوي، فلهذا يجب ذلك بحكم الصيغة المشتركة، وبيان هذا في قوله: غصبت من فلان شيئا، فنان اصل الاقرار يصح ويجب به حق للمقر له على المقر الا ان في اسم الشيء احتمالا في كل موجود على التساوي ولكن بالتامل في صيغة الكلام يعلم ان مراده المال لانه قال غصبت وحكم الغصب لا يثبت شرعا الا فيما هو مال) (¬4)
فدراسة العلاقات الدلالية بين الفاظ سياق معين عن طريق تحليل معانيها يمكننا من ترجيح بعض المحتملات الدلالية في المشترك ومن ثم تعيين دلالة واحدة من دلالات المشترك هي المقصود في الكلام ويكون ذلك من القرائن اللغوية والحالية ذات الصلة بالمعنى والتي يشير اليه السرخسي بـ (طلب دليل اخر يعرف به المراد)، فدور قرائن السياق يكون في خدمة عملية تحليل كلمات المشترك اللفظي الى مكوناته او معانيه المتعددة ومن ثم اختيار المعنى المناسب من هذه المعاني
¬
(¬1) دور الكلمة في اللغة: 58.
(¬2) دراسات في فقه اللغة: 358.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 126.
(¬4) المصدر نفسه: 1/ 163.
الجزء 1 · صفحة 54
المتعددة لسياق الكلام الذي ترد فيه، فان ما يراه السرخسي من اسلوب لتحديد الدلالة المقصودة من المشترك اللفظي انما هو بتحليل دلالة ذلك المشترك، وهذا ما اعتمده المحدثون في الوصول الى الدلالة المحددة عن طريق تحليل المشترك الى مكوناته او معانيه المتعددة عن طريق التنويع الشجري او الرسم الشجري ويمثل اسلوب تحليل المشترك اللفظي واحدا من اتجاهات النظرية التحليلية في علم الدلالة الحديث (¬1)، وخير مثال لاعتماد السرخسي على تحليل المشترك اللفظي عند ارادة تحديد الدلالة المقصودة منه هو في تحديد دلالة لفظة (قروء) الواردة في قوله تعالى:} والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء {(¬2) اذ يقول السرخسي: (انها الحيض دون الاظهار؛ لان اللفظ اما ان يكون ماخوذا من القرء الذي هو الاجتماع، قال تعالى:} فاذا قراناه فاتبع قرانه {(¬3) ... وهذا المعنى في الحيض احق؛ لان معنى الاجتماع في قطرات الدم على وجه لابد منه ليكون حيضا فانه ما لم تمتد رؤية الدم لا يكون حيضا وان كان الدم يجتمع في حالة الطهر في رحمها فالاسم حقيقة للدم المجتمع، ثم زمانه يسمى به مجازا وان كان ماخوذا من الوقت المعلوم كما قال القائل: له قرء لقرء الحائض فذلك بزمان الحيض اليق؛ لانه هو الوقت المعلوم الذي يحتاج الى اعلامه لمعرفة ما تعلق به من الاحكام، وان كان ماخوذا من معنى الانتقال كما يقال: قرا النجم اذا انتقل، فحقيقة الانتقال تكون بالحيض لا بالطهر؛ اذ الطهر اصل، فباعتبار صيغة اللفظ يتبين ان حمله على الحيض احق) (¬4).
ومن الواضح في هذا النص ان السرخسي يعتمد على تحليل المشترك اللفظي الى مكوناته كوسيلة لتحديد المعنى المقصود منه، فيتناول المعاني المحتملة الدلالة عليها بذلك اللفظ وهي الاجتماع والوقت والانتقال والتي يصل من خلالها الى تحديد
¬
(¬1) ينظر: علم الدلالة (عمر): 114 - 138.
(¬2) البقرة: 228.
(¬3) القيامة: 18.
(¬4) اصول السرخسي: 1/ 198.
الجزء 1 · صفحة 55
ان المعنى المقصود في السياق للفظة (قروء) هو الحيض فهو اكثرها مناسبة لقرائن السياق.
المؤول
يطلق التاويل ويراد به معان ثلاثة:
1 - التاويل بمعنى التفسير وهوالاصطلاح الغالب عند مفسري القران الكريم (¬1).
2 - التاويل بمعنى صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر منه الى مدلول اخر بدليل يعضده (¬2)، أي صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح الى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. والتاويل بهذا المعنى هو الذي يعينه علماء الاصول في بحوثهم فقد عرفه الغزالي (ت 505هـ) بانه (عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به اغلب الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر) (¬3).
3 - التاويل بمعنى الحقيقة التي يؤول اليه الكلام وان وافق ظاهره وهذا المعنى قريب من معناه اللغوي الذي اشار اليه ابن فارس اذ يقول: (واما التاويل فاخر الامر وعاقبته، يقال الى أي شيء مآل هذا الامر؟ أي مصيره واخره وعقباه وكذا قالوا في قوله جل ثناؤه:} وما يعلم تاويله الا الله {(¬4) أي لا يعلم الاجال والمراد الا الله –جل ثناؤه- لان القوم قالوا في مدة هذه الملة ما قالوه، فاعلموا ان مال الامر وعقباه لا يعلمه الا الله جل ثناؤه) (¬5).
وهذا المعنى للتاويل هو مرادنا ومقصودنا في هذا البحث فالمؤول عند السرخسي قريب من معناه اللغوي (فهو تبين بعض ما يحتمل بغالب الراي والاجتهاد، ومن قولك ال يؤول: أي رجع، واوليته بكذا اذا رجعته وصرفته اليه ومال الامر كذا: أي تصير عاقبته اليه، فالمؤول ما تصير اليه عاقبة المراد بالمشترك بواسطة
¬
(¬1) ينظر: ابن القيم اللغوي: 208.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه 208.
(¬3) المستصفى:1/ 387.
(¬4) ال عمران: 7.
(¬5) الصاحبي في فقه اللغة 314 - 315.
الجزء 1 · صفحة 56
الامر، قال تعالى:} هل ينظرون الا تاويله {(¬1) أي عاقبته وما يؤول اليه الامر (¬2).
واذا كان المؤول عند السرخسي هو ترجيح احدى مدلولات المشترك بغالب الراي فانه لا يمثل صرفا للفظ عن مدلوله الظاهر الى مدلول اخر اذ ان جميع دلالات المشترك تمثل دلالة الظاهر للفظ المشترك على سبيل الاحتمال ويؤكد السرخسي ايض انه لا يعني بالتاويل معنى التفسير لان التفسير يكون في المجمل والمؤول (خلاف المجمل، فالمراد بالمجمل انما يعرف ببيان من المجمل وذلك البيان يكون تفسيرا يعلم به المراد بلا شبهة، ماخوذ من قولك: اسفر الصبح اذا اضاء وظهر ظهورا منتشرا، واسفرت المراة عن وجهها: أي كشفت وجهها، وهذا اللفظ مقلوب من التفسير فالمعنى فيها واحد وهو الانكشاف والظهور على وجه لا شبهة فيه) (¬3)، بينما المؤول لا ينفك عن احتمال السهو والغلط فدلالته ليست دلالة قطعية لان طريقه غالب الراي والاجتهاد (¬4).
وبعد هذا العرض المفصل لصيغ الخطاب من تناولها للمسميات واقسامها من خاص وعام ومشترك ومؤول فان السرخسي يحاول ان يحدد المعيار الدلالي لكل صيغة من هذه الصيغ في تناولها للمسميات فيقول (وصار الحاصل ان العام اكثر انتظاما للمسميات من الخاص، والخاص في معرفة المراد به اثبت من المشترك، ففي المشترك احتمال غير المراد ومع الاحتمال لا يتحقق الثبوت، والمشترك في امكان معرفة المراد عند التامل في لفظة اقوى من المجمل امكان ذلك بدون البيان) (¬5).
¬
(¬1) الاعراف: 53.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 127.
(¬3) اصول السرخسي:1/ 127.
(¬4) المصدر نفسه: 1/ 163.
(¬5) المصدر نفسه: 1/ 127 - 128.
الجزء 1 · صفحة 57
فالانتظام هو معيار العام والذي يدل على انتظام المسميات في لفظ واحد ودلالته عليها جميعا عند الاطلاق وبالانتظام صار اللفظ شاملا مستغرقا لجميع افراده ولذلك سمي عاما والخاص معياره الثبوت على مدلوله من دون احتمال لغيره لكي يسمى خاصا لاختصاصه بمعنى دون غيره.
الجزء 1 · صفحة 58
الفصل الثاني
الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية
الحقيقة
الحقيقة في اللغة: ما يحق عليه ان يحميه، وجمعها الحقائق، وحقّ الامر يحق ويحقّ حقا وحقوقاً: صار حقاً وثبت، وأحقّ عليك القضاء فحق أي اثبت فثبت، فهي تستعمل بمعنى الثبوت فان من اسمائه تعالى (الحق) لانه الثابت، ولفظ الحقيقة (فعيله) بمعنى الفاعل فهي الثابت او بمعنى المفعول فهي المثبتة، ثم نقل معناها إلى الكلمة الثابتة او المثبتة في مكانها الاصلي فهي لذلك دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في الاصل لانه الثابت (¬1)
لقد حضيت الحقيقة بتعريفات عديدة عند اللغويين والبلاغيين والاصوليين فقد عرفها ابن جني (ت 392) بانها:- (ما اقر في الاستعمال على اصل وضعه في اللغة" (¬2)، وتقييده للاستعمال باصل الوضع في اللغة يدل على الحقيقة اللغوية فقط وانه لا يشمل الحقيقة العرفية والشرعية. وعرفها من البلاغيين عبد القاهر الجرحاني (ت 471هـ) بأنها (كل كلمة اريد بها ما وقعت لك في وضع واضع ... وان شئت قلت في مواضعه وقوعاً لا يستند فيه الى غيره فهي حقيقة) (¬3)، ثم بين ان هذا التعريف يشمل الوضع الاول وما تأخر عنه (¬4)، وهو بهذا التعريف يشمل الحقيقة العرفية والشرعية ايضاً.
اما تعريفات الاصوليين لها فقد عرفها ابو الحسين البصري (ت 436هـ) انها (ما أفيد لها ما وضعت له في اصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به) (¬5)
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب: مادة (حقق).
(¬2) الخصائص: 2/ 444.
(¬3) اسرار البلاغة: 324.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه: 4، 3.
(¬5) المعتمد في اصول الفقه: 1/ 16.
الجزء 1 · صفحة 59
وعرفها الجو يني (ت 478هـ) بأنها (ما بقي في الاستعمال على موضوعه) (¬1) وهو يجعلها اللفظ المستعمل في الدلالة الثابتة بالاستعمال وليس باصل الوضع فتضم الحقيقة العرفية والشرعية ايضاً (¬2).
كما عرفها الامدي بأنها (اللفظ المستعمل فيما وضع له اولا في الاصطلاح الذي به التخاطب) (¬3) وتعريفه هذا يشبه تعريف ابو الحسين البصري اذ قيدها باصطلاح التخاطب فيشمل ايضاً الحقيقة العرفية والشرعية.
وتقييد بعض الاصوليين لتعاريفهم بقيد (مصطلح التخاطب) اشارة منهم إلى ضرورة اخذ المحيط الاستعمالي للفظة بنظر الاعتبار عند التمييز بين الحقيقة والمجاز، لان الكلمة الواحدة عندما تستعمل في معنى تكون حقيقة عند ذوي اصطلاح، ومجازاً في المعنى نفسه عند ذوي اصطلاح اخر مثل (زكاة) فهي حقيقة عند اهل الشرع عندما تستعمل بمعناها الشرعي، ومجاز عند اهل اللغة لان معناها اللغوي النماء فلو استعملت في معناها اللغوي انعكس الامر فصارت حقيقة عند اهل اللغة مجازاً عند اهل الشرع (¬4)، فالامر مرهون بطبيعة عرف المستعملين وليس باصل الوضع ويشكل هذا الامر مبتنى تقسيم الاصوليين للحقائق إلى لغوية وشرعية وعرفية وسببا لتباين مواقفهم ازاء هذه الحقائق هل هي حقائق ام مجازات على نحو ما سيتبين لنا لاحقاً. فان اصطلاح اهل اللغة لا يعد الحقيقة العرفية والشرعية من الحقائق وانما هي مجازات لغوية، اصطلاح اهل الشرع فيعدها حقائق وليست مجازات.
¬
(¬1) الورقات: 7.
(¬2) ينظر البحث اللغوي والنحوي عند الجويني: 30.
(¬3) الاحكام في اصول الاحكام: 1/ 29.
(¬4) ينظر: مفتاح الوصول الى علم الاصول: 1/ 136 - 237.
الجزء 1 · صفحة 60
اما الحقيقة عند السرخسي فهي (اسم لكل لفظ هو موضوع في الاصل لشيء معلوم مأخوذ من قولك: حق يحق فهو حق وحقيق، ولهذا يسمى اصلاً ايضاً لانه اصل فيما هو موضوع له) (¬1).
ونلاحظ في هذا التعريف انه لا يشمل سوى الحقيقة اللغوية حيث قيدها باصل الوضع لان (الحقيقة ما كانت الصيغة موضوعة له لغة ... وحقيقة الشيء ثابت بثبوته قطعا ما لم يقم الدليل على مجازه) (¬2) فمعنى الحقيقة عند السرخسي قريب من معناه اللغوي وهو معنى الاصل والثبوت لذلك فان مفهوم الحقيقة يشكل لديه مفهوم الدلالة الثابتة او الاصل الذي يقاس عليه كل عدول فطبيعة العدول تفترض قيام اصل يقاس عليه كل عدول في اللغة (فان الحقيقة ما يكون مستعملا في موضوعه والمجاز ما يكون معدولا به عن موضوعه) (¬3)
فالحقيقة اسم للفظ الذي يثبت على دلالته التي اختص بها بالوضع فتكون اصلا فيما وضع له اللفظ بمعنى ان الحقيقة هي الدلالة الثابتة للفظ التي تقابل الدلالة المعجمية ومن خلالها نتمكن من التمييز بين نوع الاستعمال للفظ اذ تبرز اهمية تأصيل الدلالة للالفاظ في دراسة المعنى عند تأصيل الاستعمالات الحقيقية والمجازية للالفاظ في مجال استنباط الاحكام الشرعية وقضية ان تكون الحقيقة هذا المفهوم يستدعي لها ان تتسم بسمتي التبادر والاطراد أي ان اللفظ المستعمل في معناه الموضوع له لكي يوصف بانه حقيقة في هذا المعنى لابد من ان يكون المعنى متبادرا إلى الذهن من اللفظ ومطرداً فيه (¬4).
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 170.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 137.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 146.
(¬4) ينظر: الاحكام (الامدي): 1/ 41 - 45، شرح الاسنوي: 1/ 283 - 284. وشرح البذخشي: 1/ 281 - 283، المزهر (السيوطي): 1/ 362 - 364.
الجزء 1 · صفحة 61
ويقصد بالتبادر سبق المعنى إلى إفهام اهل اللغة من نفس اللفظ مجرداً عن كل قرينه (¬1)، فعندما نسمع كلمة شجرة مثلا يحضر في الذهن معنى النبتة المعلومة ذات الساق والاغصان والاوراق ونحو ذلك من مميزات هذا المعنى عن المعاني الأخرى من دون ان يعتمد حضور هذا المعنى في الذهن على قرينه محققة لذلك الحضور.
اما معنى الاطراد هو (استعمال الفظ في معنى معين في موارد مختلفة بدون قرينه وهو وان كان فرع التبادر الا انه مؤكد للحقيقة، لانه مجموعة تبادرات ينتفي بها احتمال القرينة الخفية على مراقب استعمال اللفظ عند اهل اللغة) (¬2).
وتقييد السرخسي في تعريف الحقيقة للشيء الذي يوضع له اللفظ بان يكون (معلوماً) دليل يوحي بادراكه لاهمية هاتين السمتين في تحديد مفهوم واضح للحقيقة مما يجعل تعريفه اكثر دقة وشمولاً في عرض مفهوم الحقيقة من تعريف كثير من الاصوليين كالبصري والجويني والامدي واكثر انسجاماً مع طبيعة اللغة وكيفية نشوء الارتباط بين اللفظ والمعنى. فلكي يكون الشيء معلوماً يتطلب له وجوداً مادياً او متصوراً ذهنياً عنه، وان يكون العلم به شائعا بين المتعارفين وبعد ان يختص اللفظ بذلك الشيء المعلوم من خلال عملية المواضعة يكتسب اللفظ سمة التبادر لان ما يدل عليه معلوم وهذا ما يتطلبه التبادر فالعلم بالشيء يوثق ارتباط اللفظ بالمعنى من خلال دوره في استكمال عملية المواضعة ويمكن اللفظ من ان يستدعي المعنى إلى الذهن او العكس من دون قرينه بسبب علاقة معينة تنشأ من ارتباط الكلمات بالأشياء يمهد لها العلم بالشيء.
وعلى هذا يمكن القول ان سمتي التبادر والاطراد ومنشأهما عملية المواضعة ومحورهما انتقاء القرينة تؤصلان حقائق الالفاظ، فمن خلالهما يمكن لنا التمييز بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ولذلك فان موضوع البحث في الحقيقة ينطلق من
¬
(¬1) ينظر: ارشاد الفحول: 1/ 104 او 105، ودراسات في اصول الفقه: 1/ 78 - 79.
(¬2) تم افادة التعريف من (مفتاح الوصول إلى علم الاصول): 1/ 247.
الجزء 1 · صفحة 62
قضية الوضع الا ان هذا البحث لا يمثل بحثاً في النشأة اللغوية للانسان فقط كما اخذه الدكتور ابراهيم انيس على الاصوليين (¬1)، وانما هو بحث غايته تحديد الدلالة الاولى للالفاظ وطبيعتها من حيث السمات التي تتسم بها ويمثل اصلا دلاليا ترتد اليه كل صياغة مجازية او كل انحراف دلالي عن تلك الدلالة الاصل لقياس مدى ذلك الانحراف وبالتالي تحديد دلالتها الجديدة. ولكن هذه الدلالة ما دامت لم تكن للفظ وتصبح لها هذه السمات الا بالمواضعة كان هذا الترابط بين البحث في قضية الوضع والبحث في الحقيقة لتعيين هذه الدلالة للفظ اذ تمثل محور البحث الدلالي عند السرخسي والاساس في دراسة المعنى وتحليل النصوص والى ذلك يشير بقوله:- (والمطلوب بكل كلمة عند الإطلاق ما هي موضوعه له في الاصل فيترجح ذلك حتى يقوم دليل المجاز ... ولهذا قلنا لو حلف ان لا يأكل من هذه الشجرة او من هذا القدر لا ينصرف يمينه إلى عينها وانما ينصرف إلى ثمرة الشجرة وما يطبخ في القدر لان الحقيقة مهجورة فيتعين المجاز) (¬2). فتحديد معنى النص يبدأ من تحديد المعنى الحقيقي لألفاظ (الشجرة) و (القدر) وحين وجد ان هذا المعنى لا ينسجم مع المعنى الحقيقي لفعل الاكل بدليل عقلي، صرف دلالة هذين اللفظيين إلى معنى مجازي اخر ذي صلة بالمعنى الحقيقي ليستقيم معنى النص، وتمثل هذه الصلة علاقة ارتباط بين المعنى الاول والمعنى الثاني الذي تحدد دلالته من خلال هذه الصلة.
وتبدو اهمية دور الدلالة الأولى للألفاظ من خلال تأصيلها للاستعمالات الحقيقية والمجازية وكذلك في رصد ما يطرأ على اللفظ من تغير دلالي على مر الزمن وكذلك فان البحث في الحقيقة والمجاز هو بحث في الدلالة الاساسية والدلالة الهامشية وهذا ما يستدعي تحديد الدلالة الاولى للألفاظ وعليها كذلك يبني السرخسي موقفه من أقسام الحقيقة العرفية والشرعية.
¬
(¬1) ينظر دلالة الالفاظ (ابراهيم انيس): 128.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 172.
الجزء 1 · صفحة 63
ويشير السرخسي إلى ان ما وضع له اللفظ حقيقة امر معلوم وسبيل العلم به هو السماع عن العرب فيقول:- (ثم طريق معرفة الحقيقة السماع لان الاصل فيه الوضع ولا يصير ذلك معلوماً الا بالسماع بمنزله المنصوص في احكام الشرع، وطريق الوقوف عليها السماع فقط) (¬1).
واذ يجعل السماع طريق معرفة الحقيقة فانه يمثل دليلاً على سمة الاطراد التي تتسم به الدلالة الحقيقة في مفهوم السرخسي فالسماع عن العرب يقتضي شيوع حقائق الالفاظ على لسانهم وانما يقتضي ذلك اطراد المعنى في اللفظ كما تبدو الاهمية الدلالية لان يكون لعلم بالوضع عن طريق السماع من خلال دور هذا العلم في حسم الشك عند مستكشف المعنى هل هو معنىً حقيقياً ام مجازياً اذ لابد من معرفة المعنى الاول للالفاظ لتحديد الاستعمال اعلى الحقيقة ام على المجاز.
أقسام الحقيقة
للحقيقة عند علماء الاصول ثلاثة أقسام (¬2):-
1 - الحقيقة اللغوية: هي استعمال اللفظ فيما وضع له باصل وضع اللغة كالاسد للدلالة على الحيوان المفترس.
2 - الحقيقة العرفية: وهي التي نقلت من مسماها اللغوي إلى غيره بعرف الاستعمال، وذلك الاستعمال قد يكون عاما وقد يكون خاصاً ويكون الأول اما بتخصيص اللفظ ببعض معانيه كلفظ الدبة الذي يدل في الاصل على كل ما يدب على الأرض ثم خصص بعرف الاستعمال فاطلق على ذوات الحافر، واما بانتقال
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 177.
(¬2) ينظر: المستصفى: 1/ 325 - 331، والمحصول: 1/ 296 - 299. ونهاية السول: 2/ 150 - 151، وشرح تنقيح الفصول: 42، ارشاد الفحول: 1/ 95 - 98، واثر اللغة في اختلاف المجتهدين: 157 - 158.
الجزء 1 · صفحة 64
المعنى بعرف الاستعمال إلى معنى مجازي، ثم يشتهر هذا المجاز ويكون هو المتبادر إلى الذهن عند اطلاق اللفظ وليس المعنى الحقيقي له، اذ قد يغلب المعنى المجازي على الحقيقي فيبدو هو الحقيقي لا المجازي بفعل كثرة الاستعمال عبر الزمن، مثل تسميتهم للمستقذر الخارج من الإنسان بالغائط الذي هو في دلالته اللغوية اسم للمكان المطمئن من الارض. فغلب هذا المعنى على المعنى الحقيقي واصبح هو المتبادر إلى الذهن اما الحقيقة العرفية الخاصة فالمقصود بها الالفاظ التي تغيرت دلالاتها بسبب استعمالها مصطلحات علمية لطوائف خاصة من الناس مثل الفاظ الفاعل والمفعول عند النحويين والجوهر والعرض عند الفلاسفة والمتكلمين وهذا النوع من التغير الذي يحدث للالفاظ هو تغير مقصود على عكس الاستعمال الاول الذي يحدث تلقائيا ومن غير قصد بل يحدث نتيجة الاستعمال العام.
3 - الحقيقة الشرعية: وهي اللفظة التي استفيد من الشارع وضعها كالصلاة للافعال المخصوصة والزكاة للقدر المخرج فهي ألفاظ تدل بعرف اهل الشرع على ما لم توضع له في اللغة او في مصطلح اخر بحيث لو اردنا منها معانيها اللغوية الاصلية لاحتجنا الى قرينه.
وقد اختلف العلماء حول ثبوت الحقيقة الشرعية (كون ذلك بوضع الشارع وتعيينه اياها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة، فتكون حقائق شرعية او بغلبتها في لسان اهل الشرع فقط، ولم يضعها الشارع بل استعملت مجازات لغوية لقرائن، فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية) (¬1).
وعلى الرغم من ان السرخسي لم يذكر مذاهب الاصوليين في هذا الخلاف واراء كل فريق منهم وحججه الا انه قد بين موقفه من الحقيقية العرفية والشرعية بانها مما تترك به الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفا فيعدها مجازات لغوية غلبت في الاستعمال على السنة الناس بمعان عرفيه فكانت بحكم الاستعمال كالحقيقة لانها متبادرة إلى الذهن بمعانيها العرفية والشرعية بدون قرينة، أي انها تحقق الفهم المشترك بين
¬
(¬1) ارشاد الفحول: 1/ 96.
الجزء 1 · صفحة 65
المتعاملين بها من دون حاجة إلى قرينه لتحقيق التبادر المسبب لذلك الفهم فيقول: - (تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفاً، لان الكلام موضوع للافهام والمطلوب به ما تسبق اليه الأوهام، فاذا تعارف الناس استعماله لشيء عيناً كان ذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سوى ذلك –لانعدام العرف- كالمهجور لا يتناوله الا بقرينه؛ الا ترى ان اسم الدراهم عند الاطلاق يتناول نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به ولا يتناول غيره الا بقرينه لترك التعامل به ظاهراً في ذلك الموضع وان لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع الاسم له حقيقة) (¬1)، ويجمع السرخسي بين ما تغير معناه بعرف المستعملين وبين ما تغير معناه بعرف اهل الشرع كلفظ (الصلاة). و (الحج) ضمن ما تترك به الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفاً فعرف المستعملين في نظره ذو معنى عام يتضمن كل عرف لهم يمكن ان يتسبب في تغيير او نقل اللفظ من معناه اللغوي الى أي معنى اخر غير معناه الحقيقي، أي يشمل كل العوامل الفكرية والاجتماعية التي يمكن ان تؤثر على الالفاظ فتغير من دلالتها باصل الوضع وبهذا يشير السرخسي الى ان الالفاظ اما ان تكون حقائق بدون تقسيمها الى انواع بمعنى الحقيقة اللغوية فقط واما ان تكون مجازات (وبيان هذا في اسم الصلاة فانها للدعاء حقيقة؛ ... وهي مجاز للعبادة المشروعة باركانها، سميت به لانها شرعت للذكر، قال تعالى} واقم الصلاة لذكري {(¬2) وفي الدعاء ذكرٌ وان كان يشوبه سؤال، ثم عند الاطلاق ينصرف الى العبادة المعلومة باركانها سواء كان فيها دعاء او لم يكن كصلاة الاخرس وانما تركت الحقيقة للاستعمال عرفاً. وكذلك الحج فان اللفظ للقصد حقيقية ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة فعند الاطلاق الاسم يتناول العبادة للاستعمال عرفا) (¬3).
فالسرخسي يرى ان ما يسمى من الالفاظ بالحقيقة العرفية والشرعية ما هي الا الفاظ تركت معناها اللغوي إلى معانٍ أخرى تعارف الناس على استخدامها على سبيل
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 190.
(¬2) طه: 14.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 190 - 191.
الجزء 1 · صفحة 66
التجوز لمناسبة بين المعنى الاول والمعنى الثاني فغلبت في الاستعمال على السنة الناس بمعناها الجديد حتى اصبحت بحكم الاستعمال كالحقيقة وان مشابهتها للحقيقة في الاستعمال ناتجة عن اتسامها بسمة التبادر ومحورها انتفاء القرينة فهي من سمات الحقيقة اذ انها أصبحت متبادرة إلى الذهن بدون الحاجة إلى قرينة وسمة التبادر هي السبب في جعل بعض الأصوليين يعدون هذه الالفاظ حقائق عرفية وشرعية، اذ يرى ان المجاز قد يتحول إلى وضع لغوي جديد حين يفقد كثيراً من مقومات مجازيته بتكرار استخدامها. وتكرار استخدامها هو الذي يمنحها سمتا التبادر والاطراد فتقترب من الحقيقة في الاستعمال ويمثل هذا إدراكا لاثر عوامل التطور في تغير دلالة الالفاظ عبر الزمن لتنسجم مع الرغبات التعبيرية لأفراد المجتمع والذي ارى تغييب هذه العوامل وأثرها الدلالي اذا ما اردنا التعامل مع هذه الالفاظ على انها حقائق وليست مجازات لأننا عند ذلك نكون قد غيبنا الدلالة الاصل لها.
ولا يخفى ان فيما يراه السرخسي في هذه الالفاظ من انها مجازات لغوية هو الاقرب والانسب إلى الدرس اللغوي الحديث فالبحث اللغوي في مجال التغير الدلالي قد اثبت ان الالفاظ تكتسب دلالات جديدة مستحدثة اذا توفرت لها شروط خاصة (¬1). فان الالفاظ هي احداث لها بعدها الزماني والمكاني، بمعنى ان لها بعداً مادياً وقد حددت بمسميات مخصوصة غير انها تكتسب معاني اضافية أخرى من خلال الاستعمال الذي استمر عبر الزمان، ومن هنا كانت دراسة تاريخ اللغة وتطورها مساعداً في استعمال الكلمات الصحيحة للتعبير (¬2). وهو امر يقتضي تحديد الدلالة الاولى التي اكتسبتها الالفاظ بالمواضعة والتي نجدها في مفهوم السرخسي للحقيقة لرصد ما يطرأ على دلالة اللفظ من اضافات وتغير عبر الزمن، فمن خلال ما تتطلبه دقة وموضوعية البحث في التغير الدلالي تتجلى اهمية هذا التحديد للدلالة
¬
(¬1) ينظر: منهج البحث (علي زوين): 134.
(¬2) ينظر: البلاغة والاسلوبية: 59.
الجزء 1 · صفحة 67
الاصل للالفاظ والتي ابتنى عليه موقفه من عد الحقائق العرفية والشرعية مجازات غلبت في الاستعمال بمعاني جديدة وليس وضعاً جديداً لمعنى جديد.
ان موقف السرخسي ازاء الحقائق العرفية والشرعية يمثل ادراكاً منه للتطور الدلالي الذي يطرأ على الالفاظ. والتطور الدلالي ظاهرة شائعة في جميع اللغات يواجهها كل دارس لاطوار اللغة التاريخية، ويرى (اولمان) ان التغير في المعنى يحدث كلما وجد أي تغير في العلاقة الاساسية بين اللفظ ومعناه (¬1). وقد اشار السرخسي في النص السابق إلى هذا التغير في العلاقة اذ ان المعنى الحقيقي حين يهجره اللفظ فانه لا يتناوله "الا بقرينه لترك التعامل به ظاهرا في ذلك الموضع" والحاجة إلى القرينة سمة على ضعف العلاقة بين اللفظ والمعنى الموضوع له.
ولنا ان نستخلص مما تناوله السرخسي من الحقائق العرفية والشرعية اشارته الى نمطين من انماط التطور الدلالي هما:-
1 - تضييق المعنى او تخصيصه: ويقصد به اقتصار اللفظ ذي الدلالة العامة على بعض أجزائه فيضيق شمول الكلمة وتقتصر على اشياء اقل عدداً مما كانت تدل عليه في الاصل (¬2).
ومن امثلة هذا النوع من التطور عند السرخسي لفظ (الحج) اذ اشار إلى ان (اللفظ للقصد حقيقة) ثم خصصت دلالته على بعض افرادها فسميت (العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة ... كالمشي إلى بيت الله تعالى غير الحج حقيقة ولكن للاستعمال عرفاً ينصرف مطلق اللفظ اليه) (¬3)، ويشير السرخسي إلى شكل التغير الذي طرأ على دلالة اللفظ بان هذا التغيير انما هو تخصيص لمعناه العام بقوله:- (ان العام اذا خصص منه شيء يصير شبيه المجاز) (¬4)، أي ان هذا المعنى الشرعي الذي اكتسبه اللفظ وهو ناتج التطور الدلالي بسبب تطور عرف المستعملين قد حدث
¬
(¬1) ينظر: دور الكلمة في اللغة: 152.
(¬2) ينظر: علم الدلالة (عمر):245، ودراسة المعنى عند الاصوليين: 193 - 194.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 191.
(¬4) المصدر نفسه: 1/ 191.
الجزء 1 · صفحة 68
بتخصيص دلالة اللفظ ببعض اجزاءه لعلاقة دلالية بين معناه العام والمعنى الخاص الجديد.
2 - توسيع المعنى او تعميمه:
ويقصد به توسيع دلالة اللفظ الخاصة ليشمل عدداً أكثر مما كانت تشير اليه الكلمة في السابق فيصبح مجال استعمالها اوسع من قبل ويحدث هذا النوع من التغير عند انتقال اللفظ من معنى خاص إلى معنى عام (¬1).
ومن امثلة عند السرخسي:- (اسم الصلاة فانها للدعاء حقيقة وهي مجاز للعبادة المشروعة باركانها سميت بها لانها شرعت للذكر) (¬2). أي انها اتسعت في دلالتها من معناها الخاص وهو (الدعاء) إلى معنى اوسع وهو العبادة لمشروعه باركانها المعروفة لنا.
المجاز
المجاز لغة مشتق من الجواز الذي هو التعدي والعبور جاوزت الموضع جوازاً بمعنى جزته، والمجاز والمجازة: الموضع (¬3)
(فالمجاز اسم للمكان الذي يجاز منه كالمعاج والمزار واشباههما، وحقيقته هي الانتقال من مكان إلى مكان. واخذ هذا المعنى واستعمل للدلالة على نقل الالفاظ من معنى إلى اخر) (¬4).
اما في الاصطلاح: فقد عرفه عبد القاهر الجرجاني بانه (كل كلمة اريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والاول) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: علم الدلالة (عمر): 243، ودراسة المعنى: 196 - 198.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 190.
(¬3) ينظر: اللسان (جوز).
(¬4) فنون بلاغية: 89.
(¬5) اسرار البلاغة 325.
الجزء 1 · صفحة 69
وقال السكاكي فيه:- (المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن ارادة معناه في ذلك النوع) (¬1).
ويرى العلوي ان احسن ما قيل فيه هو (ما افاد معنى غير مصطلح عليه في الموضع الذي وقع فيه التخاطب لعلاقة بين الاول والثاني) (¬2).
اما تعريف الاصوليين للمجاز فقد عرفه الجويني بانه (كل لفظ تعدى وتجوز به عن موضوعه إلى غيره بضرب من الشبه) (¬3).
كما عرفه الشوكاني بانه (اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينه) (¬4).
اما السرخسي فعرف المجاز بانه (اسم لكل لفظ هو مستعار لشيء غير ما وضع له) (¬5).
ومن يتأمل في هذه التعريفات يجد ان اللفظ لا يكون مجازاً الا وفق اعتبارات معينة استخلصها العلماء من امثلة المجاز الواردة في كلام العرب أي من طريقتهم في استعمال اللفظ وهي (¬6)
1 - ان يكون منقولاً عن معنى وضع اللفظ بازائه اولا يسمى الحقيقة، وتشكل الحقيقة الاصل الذي انقلت عنه اللفاظ إلى المعنى المجازي، ويشير السرخسي إلى هذا المعنى اذ يرى انه (سمي مجازاً لتعديه عن الموضع الذي وضع في الاصل له إلى غيره) (¬7)، والاول هو الحقيقة وغيره هو المجاز.
¬
(¬1) مفتاح العلوم 170.
(¬2) الطراز 1/ 63 او 64.
(¬3) الكافية في الجدل 53، وينظر الورقات 8، 7.
(¬4) ارشاد الفحول 1/ 95، ينظر شرح الكوكب المنير 1/ 154.
(¬5) اصول السرخسي: 1/ 170.
(¬6) ينظر: نهاية الايجاز 47، 81.
(¬7) اصول السرخسي: 1/ 170.
الجزء 1 · صفحة 70
ان يكون النقل لعلاقة بين المعنى الاول والمعنى الثاني وهذه العلاقة هي التي تجوز الاستعمال، ويرى بعض العلماء ان هذه العلاقة مقتصرة على المشابهة بينما يتسع اخرون فيرون انها علاقة اتصال وهي اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له كما هو الحال عند السرخسي اذ يرى ان (المجاز حده الاتصال بينه وبين ما جعل مجازاً عنه) (¬1)، والاتصال بين الشيئيين يكون صورة او معنى كما يصح الاتصال سبباً فانه نظير للاتصال صورة في المحسوسات (¬2).
وجود قرينة مانعة من ارادة المعنى الحقيقي حتى يصار إلى المجاز ويذكر السرخسي انماط هذه القرائن المانعة فيرى انه يتعذر حمل اللفظ على الحقيقة (اما لعدم الامكان او لكونه مهجوراً عرفا او لكونه مهجوراً شرعا) (¬3)
ووفقا لهذه الاعتبارات التي اشار اليها البلاغيون والاصوليون بما فيهم السرخسي فاذا كان المجاز بناءً على الاعتبار الاول يمثل خروجاً على النمط التقليدي في المواضعة فان الاعتبارين الاخرين يشكلان مسالك لابد من الالتزام بها لتبرير هذا الخروج حتى يتمكن المتلقي في النهاية من الامساك بالفكرة المتمثلة في نظم الكلام دون الدخول في دائرة الاحالة والتعمية حيث ان العلاقة بين المعنيين وكذلك القرينة المانعة للمعنى الاول يمثلان امارات على المعنى الجديد بما يوافرانه من وسائل ربط بين المعنى الاول والجزء المختار منه للتعبير عن المعنى الثاني وهذه العلاقة والقرينة يتضح وجودهما من خلال السياق ومن هنا تبدو اهمية السياق في تحديد المعنى المجازي.
لقد اختلف العلماء في اشتمال اللغة على المجاز، وكذلك اختلفوا في وقوعه في كتاب الله تعالى فانكره قوم وأثبته آخرون (¬4)، وكان السرخسي ممن قالوا بوجوده
¬
(¬1) المصدر نفسه: 1/ 188.
(¬2) ينظر: اصول السرخسي: 1/ 178.
(¬3) ينظر المصدر نفسه: 1/ 172، 199.
(¬4) ينظر الاحكام (الامدي) 1/ 45، الطراز 1/ 83، البحر المحيط في اصول الفقه (الزركشي): 2/ 192. الاتقال (السيوطي) 3/ 109. ارشاد الفحول: 1/ 99.
الجزء 1 · صفحة 71
كوجود الحقيقة اذ يقول:- (وكل واحد من النوعين موجود في كلام الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الناس في الخطب والاشعار وغير ذلك حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة لكثرة الاستعمال، وبه اتسع اللسان وحسن مخاطبات الناس بينهم) (¬1).
ان اشارة السرخسي إلى شيوع المجاز وغلبته للحقيقة لكثرة الاستعمال دليل على ان المجاز ظهر نتيجة للضرورات التعبيرية للانسان باللغة واستجابة لرغباته في التعبير عن المعاني باستعمال جديد لثروته اللفظية فغايته دلالية وجمالية في نفس الوقت فقد يكون لحاجة او لتوخي الدقة في التعبير وقد تكون للخروج عن المألوف (¬2). وقد دل وقوعه في كلام الله وكلام نبيه (ص) وفي الخطب والاشعار على سلامة وصحة المجاز كاستجابة لضرورات التعبير فمنها نستدل على ان هذا الوجود لا يشكل إخلالا بالتفاهم بين الناس بمعنى ان وجوده يمثل وظيفة دلالية في اللغة، فقد وجد الناس في الاستعمال المجازي بما يوفره من خرق لبنود المواضعة سبيلاً إلى توسعه اللغة من خلال منحها قدرات تعبيرية جديدة بالالفاظ نفسها (تطبيقا لفكرة الاقتصاد في الاستعمال اللغوي) (¬3).
واذا كان الاتساع واحداً من مبررات الاستخدام المجازي والذي يجعل للمجاز دوراً مهماً يساهم من خلاله في استكمال اللغة لقدرتها على اداء وظيفتها الاساسية وهي الابانة فان من متطلبات الابانة الوضوح والدقة، ويشير السرخسي إلى ان هذا الوضوح وهذه الدقة التي تتسم بها دلالة الاستعمال المجازي كانا سبباً في استحسان الناس للمجاز (وبه حسن مخاطبات الناس بينهم) (فالتعبير بالحقيقة يفيد العلم، والتعبير بلوازم الشيء الذي هو المجاز لا يفيد العلم بالتمام، فيحصل دغدغة نفسانية فكان المجاز اكدوا ألطف) (¬4)، حيث ان الاسم مثلا علامة على الشيء ولكننا حيث
¬
(¬1) اصول السرخسي: 1/ 171.
(¬2) ينظر: دلالة الالفاظ (انيس): 130 - 131.
(¬3) الاصول (تمام حسان) 332.
(¬4) الزهر 1/ 361.
الجزء 1 · صفحة 72
ننقله ليغير به عن شيء اخر لمشابهة بينهما في المعنى فاننا لا ننقله على انه علامة، بل ننقله لنؤكد به وجه المشابهة مدحاً او ذماً (¬1)، فحين نقول (محمد اسد) يكون المراد تأكيد صفة واحدة هي الشجاعة ونسبتها إلى محمد دون الصفات الأخرى.
ان هذا التوكيد الذي يتسم به المعنى المجازي هو سبب استحسان الناس له لان الاستعمال المجازي للالفاظ (يعطينا علاقات جديدة تتجاوز الدلالة المباشرة فان الكلمة تتغير قيمتها الدلالية عندما تستخدم بصورة مجازية، وتتحول من مجال إلى مجال اخر، فتكتسب في موقعها الجديد درجة اعلى من الوضوح لانها تسترعي الانتباه في سياقها الجديد) (¬2).
والحقيقة ان اشارة السرخسي إلى غلبة المجاز للحقيقة في الاستعمال واتساع اللسان به واستحسان الناس له يشكل تأكيداً لما اشار إليه ابن جني من ان المجاز لا يقع في الكلام ويعدل به عن الحقيقة لمعان ثلاث هي الاتساع والتوكيد والتشبيه (¬3) وهذه المعاني هي مبررات الاستعمال المجازي للالفاظ والتي تمثل سبيلاً يتصل المجاز من خلالها اتصالاً مباشراً بالطاقة التعبيرية في اللغة وهو موضوع ذو بعدين احدهما نفعي أخباري تمثل في الاتساع والتوكيد والثاني ابداعي جمالي تمثل في التشبيه، والبعدين كليهما يرتبطان بالحاجة للمجاز تلك الحاجة التي مهدت إلى قبول المجتمع له اذانها تمثل السبب نفسه الذي كان وراء نشأه اللغة وظهورها وهي تفاهم افراد المجتمع فيما بينهم.
وبسبب هذه الحاجة وبالإضافة إلى الاعتبارات التي اشار اليها البلاغيون والأصوليون للاستخدام المجازي فيمكن ان يعد المجاز نوعا من الإضافة او الاتساع في عملية المواضعة (¬4)، اذ ان وظيفة المجاز هي وظيفة اللغة الاولى في الايصال
¬
(¬1) ينظر: الاتجاه العقلي في التفسير: 113
(¬2) الاسس الدلالية في تحليل النصوص (محمود فهمي حجازي، 224).
(¬3) ينظر: الخصائص: 1/ 442.
(¬4) الاتجاه العقلي في التفسير: 124.
الجزء 1 · صفحة 73
والابانة ويمكن ان نلمح هذه الحقيقة عند السرخسي من خلال امرين يكمن الاول في بيانه لخصائص المجاز الدلالية وذلك من خلال مناقشته لقضية القول بعموم المجاز والتي خضعت لخلاف بين من انكرها من الاصوليين كاصحاب الشافعي كما يذكر السرخسي وبين من اثبتها منهم (¬1)، والاثبات هو موقفه الذي يعبر عنه بقوله:-المجاز احد نوعي الكلام فيكون بمنزلة نوع اخر في احتمال العموم والخصوص لان العموم للحقيقة ليس باعتبار معنى الحقيقة بل باعتبار دليل اخر دل عليه، ... كل نكره اذا قرن بها الالف واللام فيما لا معهود فيه يكون عاماً بهذا الدليل وقد وجد هذا الدليل في المجاز، والمحل الذي استعمل فيه المجاز قابل للعموم فتثبت به صفة العموم بدليله كما ثبت في الحقيقة، ولهذا جعلنا قوله (ولا الصاع بالصاعين) عاماً، لان الصاع نكرة قرن بها الالف واللام، وما يحويه الصاع محل لصفة العموم) (¬2).
ان قول السرخسي بعموم المجاز يشكل اثباتاً لسمة دلالية أخرى للمجاز هي استيفاءه لجميع صيغ التعبير والتي من خلالها نصل إلى ان عمل المجاز في مفهومه عنه كعمل مواضعه جديدة بما يمنحه للمجاز من سلطة المواضعة الاولى في استيفاء جميع صيغ الالفاظ ويتضح ذلك من قوله:- (وهذا لان المجاز مستعار ليكون قائماً مقام الحقيقة عاملا عمله ولايتحقق ذلك الا باثبات صفة العوم فيه، ... ولو لم يجعل كذلك لكان المتكلم بالمجاز عن اختيارا مخلاً بالغرض فيكون مقصراً وذلك غير مستحسن في الاصل، وقد ظهر استحسان الناس للمجازات والاستعارات فوق استحسانهم للفظ الذي هو حقيقة، عرفنا انه ليس في هذه الاستعارة تقصير فيما هو المقصود وان للمجاز من العمل ماللحقيقة) (¬3).
ولذلك فان الاستخدام المجازي عند السرخسي يشمل جميع اقسام الكلام اسماً او فعلاً او حرفاً فكل ملفوظ صغيراً كان او كبيراً صالح للممارسة المجازية وذلك ناتج من صلاحيته للتدخل في توجيه المعنى كالاستعارات بين حروف العطف وكذلك
¬
(¬1) ينظر:: اصول السرخسي: 1/ 171.
(¬2) المصدر نفسه: 1/ 171.
(¬3) اصول السرخسي: 1/ 171 - 172.
الجزء 1 · صفحة 74
حروف الجر وحروف القسم وغيرها فيما بينها (¬1)، أي انه يرى المجاز ذا قدرات تعبيرية على المعنى لا تقل شأناً عما تؤديه الصياغة بالدلالات اللغوية للالفاظ.
اما الامر الثاني فيكمن في تحديده لطريق معرفة المجاز بقوله:- (وانما طريق معرفة المجاز الوقوف على مذهب العرب في الاستعارة دون السماع بمنزله القياس في احكام الشرع، فان طريق تعديه حكم النص إلى الفروع معلوم وهو التأمل في معاني النص واختيار الوصف المؤثر منه لتعديه الحكم بها إلى الفروع، فاذا وقف مجتهد على ذلك واصاب طريقه كان ذلك مسموعاً منه وان لم يسبق به، فكذلك في الاستعارة اذا وقف انسان على معنى تجوز الاستعارة به عند العرب فاستعار بذلك المعنى واستعمل لفظاً في موضع كان مسموعاً منه وان لم يسبق به، وعلى هذا يجري كلام البلغاء من الخطباء والشعراء في كل وقت) (¬2).
فاذا كانت المواضعة نوعا من العرف الاجتماعي في دلالة اللغة هو الذي يربط الدال بالمدلول فان السرخسي، جعل لهذه المواضعة الاجتماعية دوراً في التحول المجازي لالفاظ الكلام اذ يرى ان انتقال اللفظ من معنى إلى معنى –إلى جانب علاقة المشابهة او الاتصال لابد ان يكون مقيساً على صنع الجماعة او مرهوناً بقبولهم ان كان من صنع الفرد، فالعلاقات المجازية تنشأ عموماً على اساس اعتماد خصيصة معينة يشخصها اناس في مجتمع كلامي خاص بوصفها تشبيهات سائدة كالافتراس خلسة في الذئب والانسلال والحذف والمكر في الثعلب (¬3).
ويبقى العرف هو الموثق للجديد فيما يخص اللفظ ابتداءاً او تغييراً وبتعبير اخر المجتمع هو المتجوز وهو المالك لهذا الامر المبيح له والمانع منه (¬4). وما اشار إليه السرخسي من تغيير دلالة الالفاظ بالاستعمال عرفا خير دليل على دور العرف والمجتمع في خلق هذا التجوز. ويبدو من النص ايضا ان اهتمام السرخسي بالتعبير
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 206، 236.
(¬2) اصول السرخسي: 1/ 178.
(¬3) ينظر: نحو علم الترجمة: 193 - 194، علم الدلالة العربي: 388.
(¬4) ينظر: المجاز واثره في الدرس اللغوي: 113 - 114.
الجزء 1 · صفحة 75
المجازي غير مقتصر على دور المجتمع فقط أي على عمل الجماعة كمتلقٍ لهذا التجوز ومقرٍ له، فلنا ان نلمح من خلال النص السابق انه يجمع بين دور المتلقي ودور المبدع معاً اذ يجعل للمبدع حق الاجتهاد في الاشتقاق المجازي، فيكون هذا الاشتقاق في جانب منه عمل ابداعي جمالي، وهنا يأخذنا السرخسي إلى مستويين من الكلام يمكن ان يوفرهما الاستعمال المجازي هما المستوى الاخباري والمستوى الفني الجمالي وهو مستوى تكون فيه الدلالة نابضة وموحية وليست دلالة عادية، يحتاج المبدع فيها إلى حدة الذهن وقوة الخاطر وهذا المستوى في نظره اوفر نصيباً عند الشعراء وبلغاء الكلام لانهم اصحاب طاقة ابداعية وهذه الطاقة "هي صاحبة القدرة على خلخلة الدلالة الوضعية والخروج بها الى تشكيلات لا يسمح بها المعجم لانها تسمح بتكوين صياغي متنافر الدلالة لا يمكن قبوله الامن منطلق ابداعي" (¬1) غير انه لا يجعل الابداع المجازي حقاً لجيل منهم دون اخر بل يجري عليه الكلام كما يقول السرخسي:- (في كل وقت)
وعليه يمكن القول ان عملية الابداع في التعبير المجازي قضية مفتوحة على مر الزمن ليتمكن المجاز من خلالها ان يكون سبباً في ديمومة اللغة من حيث مواكبتها لمتطلبات التطور الحضاري وكذلك غايات التعبير الجمالية فالسرخسي يدرك ان كل ابداع مجازي هو وليد الظروف الزمانية والمكانية لكل من المبدع والمتلقي في لحظة الابداع وحتى تقييده للمجاز بمذهب العرب في الاستعارة الذي هو في حقيقته قوانين المواضعة المجازية فهو مستنتج من مجموع نتاجهم المجازي بما فيه اجتهادات مبدعيهم المجازية على مر الزمن وهذا النتاج غير محدد بزمن معين او مقتصر على عصر دون اخر او فئة دون أخرى غير ان الالتزام به يمثل الاعتماد على مجموعة من القيم كوسيلة تتطلبها المحافظة على الوظيفة البيانية للغة عند السرخسي.
¬
(¬1) البلاغة العربية قراءة أخرى (محمد عبد المطلب): 98.