أثر الاحتياط
في الطهارة والعبادات عند الحنفية
الباحث: الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
محاضر متفرغ
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
الرتبة الأكاديمية: محاضر متفرغ في كلية الفقه الحنفي
hmdlain@yahoo.com
جارٍ تحميل الكتاب…
أثر الاحتياط
في الطهارة والعبادات عند الحنفية
الباحث: الدكتور حسني مبروك فرج الضلاعين
محاضر متفرغ
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
الرتبة الأكاديمية: محاضر متفرغ في كلية الفقه الحنفي
hmdlain@yahoo.com
Effect Of Precaution In Purification And Acts Of Worship At Hanafia Scholars
Abstract
This research deals with the precautionary provisions of the At Hanafia Scholars in terms of its concept, definition, and significance, and its impact on the text and jurisprudence, and the use of jurists and diligents to it, where the researcher defined the concept of reserve terminology and language, and discuss the definitions in a scientific, intellectual and legality discussion, reaching the appropriate definition of reserve through the presentation of many definitions, (Hanafi) or other doctrine, then the statement of his Authentic, and then the impact on the provisions of water and worship at the masters of the (Hanafis), may God be pleased with them.
It is intended to show the importance of precaution in the acts of worship, if it is based on the precaution of the Legally competent, and the discharge of his obligation with certainty, and out of custody, because the main reason for the existence of man and his creation is worship, was rather reserved for them; to perform it in the required manner, the jurists were careful and careful in matters of worship, The reserve was not a strong independent source, but it was found to be a major factor in many legislative sources of Quran, (Sunnah), consensus and measurement. The reserves are present in these sources. The origin in the essence of the diligent in the (Hanafi) doctrine that the acts of worship based on precaution
The researcher finds that the precaution is a factor of weighting, and one of the tools of diligence, and that the jurists have used the precaution in many of their branches of jurisprudence, whether using the word precaution or precautionary text, or what leads to them such as: Desirability, and better and others, The precaution was a key factor to ensure that the Legally competent was out of custody and discharged with certainty
Keywords: precaution, fundamentals of jurisprudence, Islamic jurisprudence
المستخلص
يتناول هذا البحث الاحتياط عند الحنفية من حيث مفهومه ودلالته وأثره في النص والاجتهاد، واستعمال الفقهاء والمجتهدون له، حيث قام الباحث بتعريف مفهوم الاحتياط لغة واصطلاحا، ومناقشة التعريفات مناقشة علمية عقلية شرعية وصولا للتعريف المناسب للاحتياط عبر عرض العديد من التعريفات سواء من المذهب الحنفي أو غيره، من ثم بيان حجيته، ثم أثره في أحكام الطهارة والعبادات عند السادة الحنفية رضوان الله عليهم.
ويهدف البحث لبيان أهمية الاحتياط في العبادات، كونها تقوم على الأحوط لدى المكلف، وإبراء ذمته بيقين، والخروج عن العهدة، لأن السبب الرئيس لوجود الإنسان وخلقه هو العبادة، فكان الأحرى الاحتياط لها؛ لتأديتها على الوجه المطلوب، فكان الفقهاء يتحرون الدقة والحذر في أمور العبادة أكثر من غيرها، فكان الاحتياط مرجحا قويا عند تساوي الحجج، أو عند الاشتباه في الأمر، فلم يكن الاحتياط مصدرا رئيسا مستقلا ينظر إليه كبقية المصادر، وإنما تجده عاملا رئيسا في العديد من المصادر التشريعية من قرآن وسنة وإجماع وقياس، فتجد الاحتياط حاضرا في تلكم المصادر، فكان الأصل عند المجتهد في المذهب الحنفي أن العبادات تقوم على الاحتياط.
ويظهر البحث أن الاحتياط يعتبر عاملا من عوامل الترجيح، وأداة من أدوات الاجتهاد، وأن الفقهاء قد استعملوا الاحتياط في كثير من فروعهم الفقهية سواء كان باستخدام كلمة الاحتياط أو الأحوط نصا، أو ما يؤدي عملها أو يقوم مقامه، مثل: الاستحباب، والأفضل وغيرها، فكان الاحتياط عاملا رئيسا لضمان خروج المكللف عن العهدة، وإفراغ ذمته بيقين.
الكلمات المفتاحية: الاحتياط، أصول الفقه، الفقه الإسلامي، الشريعة
المقدمة
يعتبر الاحتياط عامل ورئيس في بناء الأحكام، ولم يخل مصدر من مصادر التشريع من استخدام الاحتياط في تخريج الأحكام وبناء الفروع عليها، واحتاط الفقهاء وأيما احتياط في العبادات، كيف لا؟ وهي الغاية الرئيسة للإنسان في هذه الحياة، والواجب الشرعي على المكلف لشكر المنعم، فكان الاحتياط في جانب الطهارة التي هي مفتاح الصلاة والعبادات ظاهر بشكل رئيس لا محالة.
وبناء على ما سبق سيناقش هذا البحث مفهوم الاحتياط لغة وشرعا، والتعاريف المختلفة سواء من المذهب الحنفي أو من غيره ثم مقارنتها بعضها البعض ثم الخروج بتعريف متفق عليه، كما يناقش استعمال الحنفية رضوان الله عليهم لمفهوم الاحتياط وبناء الأحكام عليها، عارضا أقوالهم ونماذج من فروعهم في ذلك.
مشكلة البحث
سيقوم الباحث في بحثه هذا التوصل إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1 - ما مفهوم الاحتياط وحجيته؟
2 - ما أثر الاحتياط في طرق ثبوت الأخبار وبناء الأحكام عليها؟
3 - ما أثر الاحتياط في مسائل الطهارة؟
4 - ما أثر الاحتياط في مسائل العبادات؟
أهمية البحث
تكمن أهمية البحث في معرفة أثر الاحتياط في بناء الأحكام الفقهية، وبناء الأصول عليها، والتفريق بين كون الاحتياط مصدرا أو عاملا من عوامل الترجيح، وانعكاس ذلك على النظر في الأحكام من قبل الباحثين في الحقل الشرعي العلمي.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى:
1 - معرفة مفهوم الاحتياط.
2 - إظهار الأثر المترتب على الاحتياط في بناء الأصول.
3 - بيان أثر الاحتياط بالترجيح في مسائل الطهارة.
4 - إبراز أثر الاحتياط بالترجيح في مسائل العبادات.
الدراسات السابقة
-الخليلي، لؤي عبدالرؤوف الحنفي (2014)، أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية، ط1، دار الفتح، عمان.
حيث بينت هذه الدراسة معنى الاحتياط ومفهومه لدى السادة الحنفية كما عرجت على حجيته ومفهومه، بالإضافة إلى بيان الأدلة والقواعد التي بنيت عليه كسبب لخروج الحنفية عن ظاهر الرواية، كما طرحت أمثلة ونماذج على ذلك، إلا أنها أغفلت تعريف الاحتياط من جهة المذاهب الأخرى، ولم تعرج على الجانب الأصولي في الاحتياط وبناء الأحكام عليها، وركزت على القواعد العامة.
- سماعي، محمد عمر (2006)، نظرية الاحتياط الفقهي دراسة تأصيلية تطبيقية، رسالة دكتوراه في الجامعة الأردنية.
عرضت هذه الدراسة الاحتياط بشكل شمولي مبينة الجوانب الفقهية والأوصولية تعريفا وتأصيلا، وناقشت الأسباب والموجبات للاحتياط، وأسهبت في ذلك، إلا أنها جنحت أثناء الدراسة للخلاف الأصولي بشكل عام في الدلالات والقياس وأثره في خلاف الفروع على حساب الموضوع الرئيس.
نطاق البحث
- يقتصر البحث على بيان مفهوم الاحتياط.
- يقتصر البحث على بحث الاحتياط في المذهب الحنفي.
- يتناول البحث نماذج من مسائل الطهارة والآسار والعبادات في المذهب الحنفي.
منهج البحث
أولا: المنهج الوصفي: من خلال البحث في مفهوم الاحتياط، وبيان ماهيته ومفرداته وتعريفه بشكل واضح؛ لبناء التصور السليم.
ثانيا: المنهج التحليلي: تحليل النصوص التي تم جمعها في مرحلة الوصف، وتبويبها، وتحليلها بشكل منهجي سليم.
ثالثا: المنهج الاستنباطي: من خلال الوصف والتحليل لبناء مفهوم واضح للمصطلح وإبراز مفاهيمه.
خطة البحث
المبحث الأول: مفهوم الاحتياط وحجيته وأسبابه.
المطلب الأول: مفهوم الاحتياط.
المطلب الثاني: حجية الاحتياط.
المطلب الثالث: أسباب الاحتياط.
المبحث الثاني: أثر الاحتياط في الأصول عند الحنفية.
المطلب الأول: أثر الاحتياط في الأحكام التكليفة.
المطلب الثاني: أثر الاحتياط بالأخذ لما تشهد به الأصول.
المطلب الثالث: أثر الاحتياط في القواعد الفقهية العامة.
المبحث الثالث: أثر الاحتياط في أحكام الطهارة.
المطلب الأول: أثر الاحتياط في رفع الأحداث.
المطلب الثاني: أثر الاحتياط في النجاسات.
المطلب الثالث: أثر الاحتياط في الآسار
المبحث الثالث: أثر الاحتياط في العبادات.
المطلب الأول: أثر الاحتياط في صلاة الوتر.
المطلب الثاني: أثر الاحتياط في صلاة العيدين.
المطلب الثالث: أثر الاحتياط في أداء الصلاو وقضائها.
المطلب الرابع: أثر الاحتياط في الحيض والاستحاضة.
الخاتمة والتوصيات والمراجع
المبحث الأول
مفهوم الاحتياط وحجيته
يعتبر الاحتياط من الوسائل التي اعتمد عليها الفقهاء في تخريج المسائل الفقهية، والنظر في الوقائع المنظورة، وسنحاول التعرف على معنى الاحتياط و المقصود منه؛ لتحرر المصطلح.
المطلب الأول: مفهوم الاحتياط
الفرع الأول: تعريف الاحتياط لغةً:
جاء في مقاييس اللغة الاحتياط لغة: افتعال من الحوط، والحاء والواو والطاء كلمة واحدة، وهو الشيء يطيف بالشيء (¬1).
وأيضا الاحتياط من حاطه، يحوطه، حوطا، والحائط البستان وجمعه حوائط، وأحاط به علماًعرفه ظاهراً وباطنا، واحتاط للشيء، افتعال، وهو طلب الأحوط، والأخذ بأوثق الوجوه (¬2).
¬
(¬1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (ج2/ 120)
(¬2) الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (ج1/ 157).
«وحاطه، حوطاً وحيطة وحياطة: حفظه، وصانه، وتعهده. واحتاط: أخذ بالحزم» (¬1).
«والاحتياط: هو الحفظ» (¬2).
الفرع الثاني: تعريف الاحتياط اصطلاحا:
عرفه الجصاص من الحنفية: بأنه (الأخذ بالحزم والثقة فيما يحتمل وجهين) (¬3)، وعرفه ابن الهمام الحنفي بأنه (العمل بأقوى الدليلين) (¬4)، وعرفه صاحب النهر: (الخروج عن العهدة بيقين) (¬5)، وعرفه ابن قدامة الحنبلي بقوله: (الاحتياط هو فعل ما لا شك فيه) (¬6)، والرازي في محصوله (أن الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه) (¬7)، وعرفه الجرجاني بأنه: (حفظ النفس عن الوقوع في المأثم) (¬8)، وعرفه ابن حزم: (ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى) (¬9)، وأشار الفيومي الى أن الاحتياط: (ما هو أجمع لأصول الأحكام وأبعد عن شوائب التأويلات) (¬10).
الفرع الثالث: مناقشة التعريفات
نلحظ أن التعريفات ركزت على جانب السلامة والاحتياط للإنسان من الوقوع في المأثم الذي يوجب العقوبة، من باب درء المفاسد، ونلحظ هذا في تعريف الجرجاني (حفظ النفس عن الوقوع في المأثم) (¬11)، وأيضا نرى هذا الجانب موجود في تعريف الفيومي إذ أكد على جانب البعد عن الشوائب والتأويلات بقوله: (ما هو أجمع لأصول الأحكام وأبعد عن شوائب التأويلات) (¬12)، وذلك طلباً للسلامة. وهذا ما ظهر في تعريف ابن قدامة بقوله: (هو فعل ما لا شك فيه) (¬13) مؤكداً على مبدأ السلامة، أما الجصاص الحنفي فبيّن أن الاحتياط هو (الأخذ بالحزم والثقة فيما يحتمل وجهين) (¬14)؛ ولكن الجديد في كلام الجصاص أنه جعل للوجه الثاني نوع اعتبار؛ وذلك بقوله فيما يحتمل وجهين؛ أي أن الوجه الآخر له اعتبار أيضا، إلا أن المرجحات التي تولدت عند المجتهد أخذت بأحد الوجوه؛ ولكن قد يأتي غيره فيرى أن الوجه الآخر أحوط، فهو لم يجزم بوجود الحق كل الحق في طرف جانب على الآخر، إنما أخذ بالحزم لما يراه هو، أما ابن قدامة والجرجاني والفيومي جعلوا الابتعاد أولى وأرجح ومحققا للمصلحة.
¬
(¬1) الفيروز أبادي، القاموس المحيط (ج1/ 663).
(¬2) الجرجاني، التعريفات (ص12).
(¬3) الجصاص، الفصول في الأصول (ج2/ 98).
(¬4) ابن الهمام، التحرير في أصول الفقه مع شرحه (ج2/ 116).
(¬5) ابن نجيم، النهر الفائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 29).
(¬6) ابن قدامة، المغني (ج5/ 64).
(¬7) الرازي، المحصول (ج3/ 237).
(¬8) الجرجاني، التعريفات (ص12).
(¬9) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام (ج6/ 13).
(¬10) الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (ج1/ 157).
(¬11) الجرجاني، التعريفات (ص12).
(¬12) الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (ج1/ 157).
(¬13) ابن قدامة، المغني (ج5/ 64).
(¬14) الجصاص، الفصول في الأصول (ج2/ 98).
والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن الباحث، هل طلب السلامة دائما يكون فيه مصلحة ودرء للمفسدة .. ؟، وهل الترك والابتعاد عن التأويلات والشوائب يكون أسلم .. ؟، فقد يقول قائل: إن ذلك أدعى أن يولّد عند المتلقي جانبا كبيرا من الشك والحذر من أي شيء تدفعه للابتعاد عنه، لذلك نرى أن ابن حزم في تعريفه للاحتياط (ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى) (¬1) يركز على جانب مهم، وهو أن المكلّف لا يبتعد عن الحادثة إلا بيقين لا بمجرد الشك، فما ثبت بيقين لا يدفعه إلا يقين مثله، وهذا ما أكده في كتابه الإحكام بقوله: (ما تيقّن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وكل ما تيقّن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وبطل الحكم بالاحتياط) (¬2).
اذن للمقارنة بين هاتين المدرستين لا بد لنا من معرفة ما هو الشك الذي يبتعد عنه، وما هو اليقين الذي لا محيد عنه، وذلك على النحو التالي:
المسألة الاولى: تعريف الشك
عرف «الجرجاني» الشك في معجمه بقوله: «(هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الأخر عند الشاك .. ) (¬3).
ونحن نعرف أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن التردد هنا بعدم ترجيح أحدهما على الآخر هو الذي يورث الشك، ولا بد من وجود أحدهما لا محال، فنقوم على إثرها بالترجيح باستخدام مصطلح الأحوط، والذي يعتمد على قواعد معينه سندرسها.
ولكن ابن قدامة عندما قال: (إن الاحتياط هو فعل ما لا شك فيه) (¬4)، هنا جزم بأن ما رجحه وأخذ به لم يكن مكاناً للشك، وكأنه أخذه بيقين. والجرجاني أكد انه تردد بين نقيضين بلا ترجيح أحدهما على الآخر، إذن فالشك في تعريف ابن قدامة في أنه أخذ ما لا شك فيه، وكأنه يقول؛ أنا آخذ فيما بدا لي واضحا بالأدلة والبراهين، ولم أكن مترددا بين هذين الأمرين، إذن: فابن قدامة لم يأخذ بالأحوط؛ لأنه تردد، والتردد غير وارد عنده؛ لكونه أخذ مما لا شك فيه، وإنما أخذ بما ظهر له جليا، حيث لم تقو أدلة الطرف الآخر أن تكون متكافئة معه حتى يتردد، وبالعودة إلى تعريف الشك عند الجرجاني من أنه (التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الأخر عند الشاك .. ) فهو قد ساوى بينهما.
المسألة الثانية: تعريف اليقين:
واليقين لغة كما عرفه الجرجاني: (هو العلم الذي لا شك فيه) (¬5)، واصطلاحاً: (اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقا للواقع غير ممكن الزوال ... واليقين نقيض الشك، وقيل العلم الحاصل بعد الشك .. ) (¬6).
اذن؛ فالشك واليقين نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلا يصار إلى جعل الشك موازيا لليقين للتردد بين أمرين، بحيث لا أستطيع أن أرجح بينهما فأذهب إلى الاحتياط للترجيح، لأن اليقين واضح المعالم والبراهين كما في التعريف، والشك تردد بين نقيضين متساويين ظاهراً.
لذلك نجد أن ابن حزم الظاهري قد أكد على أن الأحكام لا تقر إلا بيقين حيث قال: (ألّا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى) (¬7).
ويرى الباحث أن لكل من الفريقين وجهة نظر معتبرة، فالاتجاه الأول المتمثل في رأي (الجصاص والجرجاني وابن قدامه) في حفظ
¬
(¬1) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام (ج6/ 13).
(¬2) المصدر السابق (ج6/ 13).
(¬3) الجرجاني، التعريفات (ص 12).
(¬4) ابن قدامة، المغني (ج5/ 64).
(¬5) الجرجاني، التعريفات (ص 259).
(¬6) المصدر السابق (ص 259).
(¬7) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام (ج6/ 13)
وسلامة الإنسان في دينه، والبعد عن المشتبهات، فيما يرى ابن حزم على أن الأحكام يجب أن تكون واضحة جلية، لا تشوبها شائبة، ولا ابتعد عن الأحكام لمجرد الشبهة.
لكن نحن نعرف أن الأحكام تتقرر بمجرد الظن الراجح لدى المجتهد، فنحن نتعبد الله عز وجل بالظن الراجح، أما الأشياء اليقينية فهي واضحة المعالم لا تشوبها شائبة من نص قرآني واضح الدلالة لا لبس فيه أو من سنة متواترة ...
فالذي أراه أن الاحتياط هو (الأخذ بما تطمئن إليه بين مترددين متساويين في الحجية)، وليس الأحوط هو حكم قطعي تلزم به جمهور المسلمين، فقد يكون ما تراه أحوطاً لا يراه غيرك، وما تراه درءاً لمفسدة قد تكون مصلحة لآخرين، وليس الاحتياط التردد بين يقين وشك، وليس الأحوط هو التردد بين نقيضين، وليس أدل على ذلك من قول الرازي عند ترجيحه بالاحتياط أنه (يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه) (¬1)، وهنا يشير الرازي الى مفهوم العزيمة، ويؤكد كلام الباحث، أن الاحتياط ليس التردد بين نقيضين، وإنما يكون بين متساويين، فقد يكونا مباحين، فأرفع أحدهما إلى درجة الندب أخذا بالعزيمة وما اطمأنت إليه نفسي.
وقد يسأل سائل: اذا كان الاحتياط لا يكون بين نقيضين، فكيف تجمع بين الحل والحرام .. ؟ فهناك احكاماً حرمت احتياطاً، والحل والحرمة نقيضان .. والذي أراه: أن الاحتياط لم يكن بين حل وحرمة، وإنما كان بين حل وشبهة، والفرق واضح وجلي، فالشبة سميت بذلك لالتباس الحق بالباطل فيها، أو هي مسألة شرعية التبس فيها الباطل بالحق، أو الخطأ بالصواب، ويغلب على الظن فيها الباطل أو الخطأ، ويصعب الترجيح بدليل قاطع.
إذن؛ فالاحتياط يدخل في كثير من الأحكام الشرعية، بل وحتى في حياتنا اليومية والشخصية، وإن كثيرا من تعليلات الفقهاء الأفاضل كانت من باب الاحتياط، والذي يرادف معناه الورع أحياناً، بل إن كل ما يقوم به المجتهدون من تحليل وترجيح ونصوص وأقيسة وإعمال الذهن المضني في ذلك ما هو في حقيقته إلا احتياط لحفظ الدين، وما النظر في النصوص المعتبرة والمتفق عليها: قرآن وسنة وإجماع وقياس وغيرها مما لم يرد فيها إجماع، وللاحتياط جانب ظاهر جلي، سواء سميناه باسمه أو بغير اسمه مثل: سد الذرائع أو درء المفسدة، فكل نظرة في أي نص أنت تحتاط لدينك ودنياك وآخرتك.
يقول ابن القيم: (فنحن إذا احتطنا لأنفسنا، وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلا ما لا يريب، وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين، ولا في البدعة والجين .. ) (¬2).
ويشير الشاطبي بقوله: (والقائلون بالأخذ بأثقل القولين ذهبوا إليه للاحتياط!! ويرد عليهم بأن الاحتياط هو الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من غير غلو ومجاوزة، ولا تقصير، ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله) (¬3).
وهناك من يرى أن الاحتياط والورع وجهان لعملة واحدة، فقد نقل الشوكاني في نيل الأوطار عن الغزالي: «قال الغزالي: الورع أقسام: ورع الصّدّيقين: وهو ترك ما لم يكن عليه بينة واضحة، وورع المتقين: وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وورع الصالحين: وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين» (¬4).
الفرع الرابع: علاقة المعنى اللغوي بالاصطلاحي:
نجد أن هناك علاقة وثيقة ما بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، حيث أن كليهما يؤكدان على السلامة والحفظ، والابتعاد عن الشك، فكما يحتاط الإنسان لنفسه وماله وعمله، فالاحتياط في الدين أولى؛ لأن سلامة الدين وحفظه مقدمة على غيرها في كثير من الأحيان، بل ويعتبر من العزيمة بمكان أن يقدم الإنسان سلامة دينه على سلامة نفسه.
¬
(¬1) الرازي، المحصول (ج 3/ 237).
(¬2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (ج1/ 130).
(¬3) الشاطبي، الموافقات (ج5/ 104).
(¬4) الشوكاني، نيل الأوطار (ج8/ 349).
المطلب الثاني: حجية الاحتياط
لا شك أن الاحتياط قد ذكره الأصوليون و الفقهاء في كثير من الفروع من غير اعتبار له كأصل مستقل من مصادر الشريعة الإسلامية، فكانوا يخرجون المسائل بعد دراستها، وينصون على الاحتياط في تخريجهم للمسألة، خاصة اذا كانت الأدلة متقاربة لكلا الطرفين، فتجد أن الاحتياط يظهر جلياً في المصالح المرسلة عند الموازنة بين المصالح والمفاسد وسد الذرائع عند من يحتج بهما، حيث ذكر الأئمة حجية الاحتياط من خلال عرض المسائل لديهم، لا عرضه كمصدر مستقل مثل: القياس أو الاستحسان، حيث ظهر اتجاهين للأصوليين في حجية الاحتياط والأخذ به:
الاتجاه الأول: على جواز العمل بالاحتياط وذهب اليه جمهور العلماء من الحنفية (¬1) والمالكية (¬2) والشافعية (¬3) والحنابلة (¬4).
الاتجاه الثاني: بعدم العمل بالاحتياط و وذهب اليه ابن حزم (¬5).
وممن قال بالجواز من الاتجاه الأول: الجصاص من الحنفية حيث أورد في كتابه الفصول «واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه (قد) استعمله الفقهاء كلهم وهو في العقل كذلك أيضا، لأن من قيل له إن في طريقك سبعا أو لصوصا كان الواجب عليه الأخذ بالحزم وترك الإقدام على سلوكها حتى يتبين أمرها ((¬6).
وعلل السرخسي في أصوله بالاحتياط بقوله:) .. والثانِي الاحتِياط في باب الحرمات والعبادات» (¬7).
وأكد البزدوي ذلك بقوله) الاحتياط في حق الله تعالى كعروض التجارة يُقوّم بما هو الأنفع للفقراء احتياطا ((¬8).
وذكر ابن الهمام أيضا في فتح القدير:
قال: (قال محمد: لا قراءة خلف الإمام فيما جهر وفيما لم يجهر فيه؛ بذلك جاءت عامة الأخبار، وهو قول أبي حنيفة. وقال أيضا: تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة، ثم لا يخفى أن الاحتياط في عدم القراءة خلف الإمام؛ لأن الاحتياط هو العمل بأقوى الدليلين، وليس مقتضى أقواهما القراءة بل المنع لما فيه من الوعيد) (¬9).
وذكر القرافي: (نظرا للاحتياط للفروج كما أجاب به الأكابر ودليل مشروعية هذا الاحتياط كل دليل دل على وجوب توقي الشبهات) (¬10).
كما ذكر الشاطبي في الموافقات (والشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة) (¬11).
وذكر في موقع آخر: (أن الصحابة عملوا على هذا الاحتياط في الدين لما فهموا هذا الأصل من الشريعة، وكانوا أئمة يقتدى بهم؛ فتركوا أشياء وأظهروا ذلك؛ ليبينوا أن تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة؛ فمن ذلك ترك عثمان القصر في السفر في خلافته، وقال: إني إمام
¬
(¬1) الجصاص، الفصول بالأصول (ج2\ 98)؛ صدر الشريعة، التنقيح والتوضيح (ج1/ 293)؛ السرخسي، أصول السرخسي (1ج/345).
(¬2) الباجي، إحكام الفصول (2/ 761)؛ الشاطبي، الموافقات (ج1/ 161 – 163).
(¬3) الغزالي، المستصفى (2/ 447)؛ الرازي، المحصول (ج5/ 349).
(¬4) آل تيمية، المسودة (308ص)؛ ابن تيمية الفتاوى (ج20/ 137).
(¬5) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام (ج6/ 2).
(¬6) الجصاص، الفصول في الأصول (ج 2/ 101).
(¬7) السرخسي، أصول السرخسي (ج2/ 320).
(¬8) البزدوي، كشف الأسرار (ج4/ 101).
(¬9) ابن الهمام، فتح القدير (ج1/ 341).
(¬10) القرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق) ج1/ (174 ... .
(¬11) الشاطبي، الموافقات) ج3/ 85 (
الناس، فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين؛ فيقولون: هكذا فرضت أربعا ((¬1)، وقال الغزالي: (لأن العبادات مبناها على الاحتياط من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة) (¬2)، وذكر الرازي أن (الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه) (¬3) و الآمدي: (أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة بخلاف الآخر، فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة) (¬4)، وأورد القاضي أبو يعلى: (في البكر إذا استحيضت: عندنا فيه قولان: أن تقعد أدنى الحيض يوما، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، أو تقعد أكثر حيض النساء ستا أو سبعا. قلت لأحمد -رحمه الله-: فما تختار أنت؟ قال: من قال يوما، فهو احتياط» (¬5)، وأشار ابن تيمية: (أن الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبا ولا مشروعاً، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل المشروع أن يبنى الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة) (¬6).
وذكر ابن تيمية في الفتاوى في موقع آخر ايضا: (وأما صوم يوم الغيم: إذا حال دون منظر الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، فكان في الصحابة من يصومه احتياطا، وكان منهم من يفطر، ولم نعلم أحدا منهم أوجب صومه، بل الذين صاموه إنما صاموه على طريق التحري والاحتياط) (¬7).
من هنا نجد أن الأئمة من مختلف المذاهب، قد اعتبروا الاحتياط في تخريج المسائل الفقهية، وذكروها بكثرة في كثير من الوقائع والحوادث التي بحثوها، فكانوا يحتاطون إما تورعاً كما ذكر القرافي ( ... في وجوب توقي الشبهات)، وإما إعمالا لمقاصد الشريعة حيث ذكر البزدوي ( ... كعروض التجارة يُقوّم بما هو الأنفع للفقراء احتياطا)، وإما أخذاً بالعزيمة كما في قول الرازي «إن الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه»، وإما للموازنة بين المصالح والمفاسد كما ذكر الآمدي، فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة)، حيث نلحظ أن الاحتياط ظاهر وجلي في مختلف المصادر المعتبرة: من قرآن، وسنة، وإجماع، بحيث اذا تقاربت النصوص في الدلالة نأخذ بالأحوط، و ذلك يظهر جلياً في المصالح المرسلة وسد الذرائع.
أما الاتجاه الثاني: حيث يعد ابن حزم رائد هذه المدرسة، وقد رد بشدة على من اعتبروا الاحتياط في بناء الأحكام الشرعية حيث أفرد باباً كاملا في كتابه الإحكام و قال فيه:
قال أبو محمد علي بن أحمد رحمه الله ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق الاحتياط وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت: « .... ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع وبطل الحكم بالاحتياط ... ولا يحل لأحد أن يحتاط في الدين، فيحرم ما لم يحرم الله تعالى؛ ٍ لأنه يكون حينئذ مفتريا في الدين، والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض، فالفرض علينا ألّا نحرم إلا ما حرم الله تعالى، ونص على اسمه وصفته بتحريمه، وفرض علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الأرض لنا إلّا ما نص على تحريمه، وألّا نزيد في الدين شيئا لم يأذن به الله تعالى، فمن فعل غير هذا فقد عصى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأتى بأعظم الكبائر» (¬8)
نجد ان ابن حزم لم يعتبر الاحتياط في تخريج المسائل الفقهية، حيث بيّن أن الحل والحرمة لا يثبتان إلا بنص واضح وجلي، وقد بنى أصله على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحريم لا بد له من نص عليه، وهكذا .. ، والذي نقرأه من كلام ابن حزم أنه يقول: من يريد
¬
(¬1) الشاطبي، الموافقات) ج3/ 85).
(¬2) الغزالي، المستصفى (ص 198).
(¬3) الرازي، المحصول (ج3/ 237) ... .
(¬4) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام (4/ 267).
(¬5) الفراء أبو يعلى، العدة في أصول الفقه (ج5/ 1621).
(¬6) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (ج1/ 224) ... .
(¬7) المصدر السابق (ج2/ 131).
(¬8) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام (ج6/ 2).
أن يحتاط، يحتاط لنفسه تورعاً لا لغيره، فله أن يجعل المندوب في حقه واجب، والمباح مندوب، ولكن لا يلزم به غيره. وكما فصلنا من كلام الأئمة من قبل، فمنهم من احتاط تورعا، وهذا انكره ابن حزم للغير، ومنهم من أخذ بالاحتياط كسد للذريعة أو للموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذا لا يؤخذ به كأصل معتبر عنده حتى يأخذ بما بني عليه، وأما الأخذ بالعزيمة، فيجاب عنه أن الأصل في الأحكام الأخذ بالعزيمة والرخص هي الاستثناء فهي محتاط لها من غير النص عليها .. حيث ذكر الدكتور عبدالكريم زيدان «والعزيمة هي أحكام أصيلة ..... والرخصة هي الأحكام التي شرعها الشارع، بناء على أعذار المكلفين، ولولاها لبقي الحكم الأصلي، فهي حكم استثنائي من أصل كلي» (¬1)
أسباب الاحتياط
يوجد العديد من الأسباب التي دعت الفقهاء للأخذ بالاحتياط نجملها فيما يأتي:
أولا: الابتعاد عن الشبهات:
فقد حث النبي صلى الله علي وسلم على الابتعاد عن الشبهات، مبينا ذلك في حديثه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (الحلال بَيّن، والحرام بَيّن، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (¬2)، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الابتعاد عن مواطن الشبه احتياطا من مغبة الوقوع فيها ونصح بالابتعاد عنها، بل بوب الإمام البخاري الحديث تحت باب من استبرأ لدينه (¬3).
ثانيا: الخروج عن العهدة بيقين:
إن الخروج عن العهدة بيقين وإفراغ الذمة هو مطلب المكلفين وبغية العابدين، فقد عرف صاحب النهر ابن نجيم الاحتياط بأنه (الخروج عن العهدة بيقين) (¬4)، ويقول ابن القيم: (فنحن إذا احتطنا لأنفسنا، وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلا ما لا يريب، وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين، ولا في البدعة والجين .. ) (¬5)، وليس ادعى من العبادات لتفريغ الذمة وأداءها على الوجه المطلوب؛ لذلك تجد أن العبادات هي أُولَى الأبواب الفقهية في جميع كتب ومتون المذاهب الفقهية لأنها الهدف الرئيس في تحقيق العبودية، فقد جعل الفقهاء إقامة الدليل مقام المدلول: كاسترخاء المفاصل بالنوم؛ فإنه دليل خروج شيء من البدن (¬6)، فأقمنا السبب مقام المسبب للخروج عن العقدة بيقين، ولأن العبادة مبناها على الاحتياط.
ثالثا: الترجيح بين الأدلة:
للاحتياط عامل رئيس في الترجيح، واستخدمه الفقهاء عند تعارض الأدلة والأحكام، يقول ابن تيمية رحمه الله: (وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام بناء على أن دليل الحاظر يقدم على الدليل المبيح) (¬7)، فعند تعارض المبيح والمحرم، فالحظر أولى، لأن فعل المباح أو عدمه لا يترتب عليه إثم، في حين يترتب الإثم عند فعل المحرم فكان الاحتياط في الحظر ترجيحا لجانب براءة الذمة، كما كان للاحتياط أثر في الخروج من الخلاف، فسنة الأحناف الخروج من الخلاف؛ فتجد مخرجي المذهب يصححون الأقوال ويقدمون بعضها على بعض جاعلين من الاحتياط شاهدا لهم في الترجيح والتصحيح.
¬
(¬1) زيدان، الوجيز في أصول الفقه (ص51)
(¬2) أخرجه البخاري، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (52)، (ج1/ 20)
(¬3) انظر، العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، باب فضل من استبرأ لدينه (ج1/ 300)
(¬4) ابن نجيم، النهر الفائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 29).
(¬5) ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (ج1/ 130).
(¬6) السرخسي، أصول السرخسي (ج2/ 320 - 319)
(¬7) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى (ج20/ 262)
رابعا: الخروج من الشك:
فالشك هو (التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الأخر عند الشاك .. ) (¬1)، وعرف أيضا بأنه (فعل ما لا شك فيه) (¬2)، يقول ابن القيم: (إنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدا عنده، فتصير المسألة مشكوكا فيها بالنسبة إليه، فهي شكية عنده، وربما تكون ظنية لغيره) (¬3)، ومثال ذلك فيما لو شك في عدد ركعات صلاته؛ فإن كان أول مرة استأنف؛ لأنه قادر على إسقاط ما عليه من الفرض بيقين من غير مشقة، وإن كثر شكه تحرى وأخذ بأكبر رأيه، فإن لم يكن له رأي بنى على الأقل؛ لأن في الإعادة حرجا وقد انعدم الترجيح بالرأي، فتعين البناء على اليقين حتى تبرأ ذمته بيقين، ويقعد في كل موضع يتوهم أنه أخر صلاته كي لا تبطل صلاته بترك القعدة (¬4).
ومن خلال عرض الأسباب الموجبة للاحتياط لا على سبيل الحصر وإنما الإجمال، سيعرض نماذج للأسباب التي تم عرضها في موضعها طلبا للاختصار وعدم التكرار.
المبحث الثاني
أثر الاحتياط في الأصول عند الحنفية
لقد كان للاحتياط الأهمية بمكان عند الأصوليين من الحنفية، حيث اعتبر لفظ من ألفاظ الترجيح، حيث جاء في عقود رسم المفتي (وكذا يتخيّر إذا صَرّح بتصحيحِ إحداهما فقط بلفظ: الأصحّ أو الأحوط أو الأولى أو الأرفق، وسكت عن تصحيح الأخرى، فإنّ هذا اللفظ يُفيد صحّة الأُخرى، لكنّ الأَولى الأخذ بما صَرَّح بأنّها الأصحّ لزيادة صحّتها) (¬5)، وجاء في مكان آخر (والأحوط آكد من الاحتياط) (¬6).
وسنعرض في هذا المقام بعض الأصول التي احتاط بها الحنفية في النظر الدقيق وبني عليها أحكام كان لها الأثر في الاختلاف في النظر مع المدارس الأخرى.
المطلب الأول: أثر الاحتياط في الأحكام التكليفيه
نهج الأصوليون من الحنفية نهجا دقيقا في الأصول كان له أثره وانعكاسه على الأحكام التكليفية التي هي نتاج وفروع عن الأصول التي بنوها؛ وكان لهذا التفصيل الدقيق من الحنفية لأجل الاحتياط في بناء الأحكام الشرعية وفق منهجية واضحة المعالم، حيث فرّق الحنفية بين الأحكام الشرعية التي لا شبهة في طريقها وبين الأحكام الشرعية التي في طريقها شبهة؛ فكان لهذا التقسيم الأثر في الاختلاف مع المذاهب الأخرى في بناء الأحكام الشرعية، وكان له أثره وانعكاسه في الخلاف الأصولي بين مدرسة الفقهاء من الحنفية ومدرسة المتكلمين التي تزعمها الشافعية، وسيناقش هذا المطلب الاحتياط عند الحنفية في تقسيمهم للأحكام التكليفية وأثرها في تصحيح العبادة.
فقد فرق الحنفية -رضوان الله عليهم- بين الطرق من حيث الشبهة في الورود من عدمها، فجعلوا الشبهة سببا في التفريق بين الأحكام والبناء عليها، فما كان قطعي الثبوت جعلوه في مرتبة أعلى من النص الذي فيه شبهة في طريقه _ظني الثبوت _، فأثبتوا في الأول الفرضية والتحريم، وبالثاني الوجوب والكراهة التحريمية، فكان لهذا النظر أثره في الاحتياط لتصحيح العبادات ابتداء، وبقية العقود في المعاملات والمعاوضات انتهاء، فما يمكن تداركه بالواجب لا يمكن تداركه بالركن، فبالأول تصح العبادة مع الإساءة والإثم، وبترك الركن تبطل ولا يمكن تصحيحها (¬7).
¬
(¬1) الجرجاني، التعريفات (ص 12).
(¬2) ابن قدامة، المغني (ج5/ 64).
(¬3) ابن القيم، بدائع الفوائد (2/ 271).
(¬4) انظر: أبو الحاج، زبدة الكلام على كفاية الغلام (ص 309).
(¬5) أبو الحاج، إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي (ص 136).
(¬6) المصدر السابق (ص 138).
(¬7) انظر: ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص 195 - 198)؛ ملاجيون، نور الأنوار (ص471 – 477).
كما كان له الأثر فيما يوجب العلم والعلم، فما كان طريقه قطعي الثبوت يوجب العلم والعمل، ويكفر تاركه، بينما إنكار الواجب وما ثبت بطريق فيه شبهة، كان شبهة في نفي الكفر، فما ثبت بيقين لا يثبت إلا بيقين مثله، فأوجب العمل دون العلم، وسمي فرضا عمليا.
فالاحتياط في التفريق في بناء الأحكام بحسب ورود الخبر كان له أثر في الاختلاف في بناء الأحكام مع غير الحنفية من الجمهور الذين حصروا الأحكام التكليفية بخمسة أحكام فقط، فلم يفرقوا في أصولهم بين الطريقين الظني والقطعي في الفرضية والتحريم، بينما كانت الأحكام التكليفية عند الحنفية سبعة أحكام بإضافة الواجب والكراهة التحريمية (¬1).
فمثلا؛ تعديل الأركان في الصلاة المكتوبة ذات الركوع والسجود، فلم يُجوّز أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلحاق الطمأنينة بالفرض؛ لأن قوله تعالى {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، خاص وضع لمعنى معلوم؛ فالركوع: هو مطلق الانحناء عن القيام، والسجود: وضع الجبهة على الأرض، والخاص بيّن في نفسه لا يحتمل البيان حتى يقال: إن الحديث لحق بيانا للنص المطلق فلا يكون نسخا، وهو لا يجوز بخبر الواحد، فينبغي أن تراعى منزلة كل من الكتاب والسنة، فما ثبت في الكتاب يكون فرضا، لأنه قطعي الثبوت ولا شبهة في طريقه فكان الأحوط أن نجعله في مرتبة أعلى، فتراعي منزلة كل من الكتاب والسنة، فما ثبت بالكتاب يكون فرضا، وما ثبت بالسنة يكون واجبا لأنه ظني (¬2).
ويظهر الاحتياط في التفريق هنا في تصحيح العبادة للمكلف، بأن الواجب الذي ثبت بطريق ظني يمكن تداركه بسجود سهو، ولا يكون ذلك للفرض، وبتركه عمدا تكون الصلاة صحيحة ناقصة مع الكراهة التحريمية، فعمل الحنفية بالدليلين مع التفريق في الترك، فلم يهمل الحنفية حديث المسيء صلاته الثابت بخبر الواحد، وهو قوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: (قم فصل فإنك لم تصل) (¬3)، بل عمل بالدليلين، فأثبتنا الفرضية بالأركان الثابتة بالكتاب، وألحقنا به الواجب الطمأنينة في الركوع والسجود الثابت بالسنة.
ويظهر ذلك أيضا في مسألة الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر في الطواف حول الكعبة، وإن فُرّق بينهما من حيث الإثم والكفارة، ولو طاف معهما صح، ولم يحل له ذلك، ويكون عاصيا، ويجب عليه الإعادة، وإلا فعليه الجزاء، وهذا الحكم في كل واجب تركه في الحج؛ والتفصيل أن الله تعالى أمرنا بالطواف حيث قال جل من قال: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، والطواف لفظ خاص معلوم؛ وهو الدوران؛ فهو بيّن في نفسه لا يحتاج إلى بيان، فلا يزاد عليه بخبر الواحد؛ لأن الزيادة في معنى النسخ (¬4)؛ فتبطل حكم الصحة الثابت بطريق لا شبهة فيه بالظني خبر الآحاد الذي في طريقه شبهة، ولكن نعمل بالدليلين؛ كلٌ في رتبته، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (إن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت) (¬5)، فلو طاف للزيارة جنبا كله أو أكثره، فعليه بدنة, ويقع الطواف معتدا به في حق التحلل, ويصير عاصيا، وعليه أن يعيد طاهرا حتما، فإن أعاده أيام النحر فلا شيء عليه، ولو طاف للزيارة كله أو أكثره محدثا، فعليه شاة، وعليه الإعادة استحبابا، فإن أعاده طاهرا سقط عنه الدم (¬6).
فالاحتياط في التفريق في بناء الأحكام بحسب طرقها نتج عنه الاختلاف في تصحيح العبادات، فمن لم يفرق أبطل بالكلية، ومن فرق صحح مع الإثم، إلا أنه بتصحيحه أخرج المكلف عن العهدة، فالاحتياط ليس بالتشديد والإبطال، إنما الاحتياط أيضا في تصحيح أفعال المكلف ما أمكن صيانة عن إبطالها.
المطلب الثاني: أثر الاحتياط بالأخذ لما تشهد له الأصول
¬
(¬1) ملاجيون، نور الأنوار (ص471 – 477).
(¬2) انظر: ابن العيني، شرح متن المنار في أصول الفقه (ص44).
(¬3) أخرجه: البخاري، باب الأذان، برقم (715)؛ مسلم، باب الصلاة، برقم (397).
(¬4) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي (1/ 329).
(¬5) أخرجه: البخاري، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة، برقم (1614)، (ج2/ 591)؛ مسلم، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى (ج2/ 906).
(¬6) اللكنوي، شرح الوقاية (ص263).
يظهر هذا الأصل في الترجيح عند تعارض الأخبار وتعددها، وخاصة إن كانت في حادثة واحدة (¬1)، فكل ما تشهد به الأصول عند الحنفية أولى بالاستعمال، وهذا ما أكده الجصاص الحنفي حيث قال: (ولو تعارضت الروايات، كان الذي تشهد له لأصول شاهدة بصحته) (¬2)، حيث اعتبر هذا الأصل في الترجيح بين الروايات المختلفة هو طريق لدى الحنفية في ترجيح الروايات لمّا تعارضت في الظاهر.
ففي صلاة الكسوف وردت عدة روايات في كيفيتها، فعن أبي بكرة، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما، فصلوا، وادعوا حتى يكشف ما بكم») (¬3)، وروي عن ابن عباس -رضي الله عنه- وعائشة - رضي الله عنها- (أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين في كل ركعة) (¬4)، وروي عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثلاث ركعات في كل ركعة) (¬5)، فلما اختلفت الروايات وتعددت كان الاحتياط بالأخذ بما وافق الأصول أولى، فتكون صلاة كسوف الشمس ركعتان كسائر التطوع.
وأيضا في الجهر بالصلاة من عدمه فقال الإمام أبو حنيفة: لا يجهر فيها بالقراءة؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة النهار عجماء) (¬6)، وعجماء أي لا يفصح فيها بالقراءة، وقد روى ابن عباس وسمرة رضي الله عنهم (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع له صوت في صلاة الكسوف) (¬7)، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جهر فيها بالقراءة (¬8)، ولكن باختلاف الآثار نأخذ بما وافق الأصول منها أولى بالاستعمال، وقول الإمام أبي حنيفة- رضي الله عنه- موافق للأصول؛ لأن صلاة النهار عجماء في سائر الفروض.
ويظهر للباحث أن لهذا النظر في الترجيح وجه قوي في الاحتياط للعبادة؛ لتكون منسجمة ومتفقة مع الأصل ولا تنافيه أو تخالفه، ولا شك أن النبي صلى صلاة الكسوف بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم، فبتعدد الطرق الدالة رجحنا ما كان أقرب إلى الأصول، ويوجد أيضا العديد من المسائل التي لا يتسع المقام لذكرها في هذا الجانب.
وهذا يحملنا إلى طريقة تعامل الحنفية رضوان الله عليهم مع حديث الآحاد، فقد قال عيسى بن أبان – رحمه الله-: (لا يقبل خبر خاص في رد شيء من القرآن ظاهر المعنى أن يصير خاصا أو منسوخا حتى يجيء ذلك مجيئا ظاهرا يعرفه الناس ويعملون به مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن لا وصية لوارث) (¬9)، (ولا تنكح المرأة على عمتها) (¬10). فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول لأن مثله لا
¬
(¬1) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي (ج2/ 437).
(¬2) المصدر السابق (ج2/ 157).
(¬3) أخرجه: البخاري، باب الصلاة في كسوف الشمس، برقم (1040)، (ج2/ 33)؛ مسلم بنحوه، باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (907)، (ج2/ 626)
(¬4) أخرجه: مسلم، باب عرض على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (907)؛ أبو داود برقم 1185 (ج1/ 701)؛ النسائي في السنن 1485 (ج3/ 144)
(¬5) مسلم في صحيحه، باب صلاة الكسوف برقم (901)، (ج2/ 620).
(¬6) جاء بنحوه: عن ابن عباس، قال: " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسوف، فلم أسمع منه فيها حرفا من القرآن " وأخرجه أبو يعلى (2745) من طريق الحسن بن موسى، بهذا الإسناد. وأخرجه الطحاوي 1/ 332 من طريق عمرو بن خالد، والبيهقي 3/ 335 من طريق زيد بن الحباب، كلاهما عن ابن لهيعة؛ قال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 333: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: هكذا صلاة الكسوف لا يجهر فيها بالقراءة، لأنها من صلاة النهار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة رحمه الله.
(¬7) المصدر السابق.
(¬8) أخرجه: البخاري (1016) (ج1/ 361)؛ ومسلم، (5/ 901) (ج2/ 620)
(¬9) أخرجه: الطبراني في "الكبير" (7531) عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: "يا أيها الناس إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، لا وصية لوارث"؛ وأخرجه ابن الجارود (949) عن أبي أمامة وغيره ممن شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكان فيما تكلم به: "ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث". وإسناده صحيح، انظر مسند الإمام أحمد، طبعة الرسالة (ج36/ 630)
وقد بوب البخاري في صحيحه (باب لا وصية لوارث) ثم ذكر حديث ابن عباس، رقم (2747) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع»
(¬10) أخرجه البخاري: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، برقم (5109)؛ (ج7/ 12)، وأخرجه مسلم في النكاح باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح رقم (1408)، (ج5/ 1965).
يكون وهما. وأما إذا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث خاص وكان ظاهر معناه بيان (السنن) والأحكام، أو كان ينقض سنة مجمعا عليها، أو يخالف شيئا من ظاهر القرآن فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك حمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ) (¬1).
فاحتاط الحنفية في خبر الواحد من حيث عدم مخالفته لما هو أقوى منه وأثبت من قرآن أو سنة متواترة أو مشهورة، فيحمل على ما يتوافق مع السنن وظواهر القرآن.
المطلب الثالث: أثر الاحتياط في القواعد الفقهية العامة
ويظهر الاحتياط جليا في القواعد الفقهية عند السادة الحنفية، حيث كان للاحتياط نصيب في بناء القواعد الفقهية المستنبطة من مختلف الفروع الفقهية، فشكلت معان بني عليها قواعد أغلبية انطوى تحتها الكثير من المسائل والفروع والأحكام، فدارت هذه القواعد على التأكيد على إبراء الذمة والخروج من العهدة بيقين، واستناد هذه الفروع إلى الاحتياط أو ما في معناه لهو شاهد على تجذر الاحتياط في مختلف الأبواب الفقهية المنبثقة، فالقاعدة الفقهية شملت مجموعة من المسائل المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها، وعلتها الاحتياط؛ لأجل تسهيل المسائل واستحضارها، فالقاعدة؛ أمر كلي انطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها (¬2).
فمن تلك القواعد التي كان مبناها على الاحتياط عند الحنفية (إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام) (¬3)؛ قال الجصاص: (والإباحة والحظر متى اجتمعا فالحكم للحظر) (¬4)، فلو اختلطت الأواني الطاهرة بالأواني النجسة والأقل النجسة، يريق ما غلب على ظنه أنه نجس، وأما الاحتياط بأن يريق الكل ويتيمم، وأيضا فيما لو اختلطت مساليخ المذكاة و مساليخ الميتة ولا توجد علامة تميز بينهما، فينظر إذا كانت الغلبة للميتة أو استويا، لم يجز تناول شيء منها إلا بالتحري عند المخمصة (¬5).
وأيضا من هذه القواعد أن (الشبهة تكفي لإثبات العبادة) (¬6)؛ أي أن الشبهة إذا ثبتت في أمر ديني يتعلق به الثواب والعقاب، فتكفي لإثبات التعبد به؛ قال الكاساني: (ولو أصبح صائما في سفره ثم أفطر متعمدا لا كفارة عليه؛ لأن السبب المبيح من حيث الصورة قائم وهو السفر، فأورث شبهة) (¬7)، وكما علمنا فإن الكفارات تدرأ بالشبهات، والكفارات من الأمور التعبدية، فكان للشبهة في الصورة أثر في درء الكفارة. وأيضا (إذا ثبت أصل في الحل أو الحرمة أو الطهارة أو النجاسة، فلا يزال إلا باليقين) (¬8)، فمن تيقن بالوضوء وشك بالحدث فهو متوضئ، ومن تيقن الحدث وشك بالوضوء فهو محدث، فكان الاحتياط لإبراء الذمة والبناء على الأقوى.
¬
(¬1) أبو الحاج، مسار الوصول إلى علم الأصول (ص 205).
(¬2) انظر: التفتازاني، شرح التلويح (ج1/ 36).
(¬3) ابن نجيم، الأشباه والنظائر مع شرح نزهة الخواطر لابن عابدين (ص121).
(¬4) الجصاص، أحكام القرآن (5/ 206).
(¬5) ابن نجيم، الأشباه والنظائر مع شرح نزهة الخواطر لابن عابدين (ص121).
(¬6) الخادمي، مجمع الحقائق والقواعد (ص401).
(¬7) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج2/ 100).
(¬8) الخادمي، مجمع الحقائق والقواعد (ص384).
ومن القواعد المبنية على الاحتياط عند الحنفية أن (بناء القوي على الضعيف فاسد) (¬1)، فلا يصح بناء الفرض على النفل، لأن حال صاحب الفرض أقوى من صاحب النفل، ويجوز العكس، وقد ذكر السرخسي: (لو أن رجلا قال: لله عليّ أن أصلي ركعتين، فاقتدى فيهما بمتطوع، لم يجزه عن الركعتين؛ لأن المنذور عليه واجب قبل الشروع فيه، والتطوع ليس بواجب، وصلاة المقتدي بناء على صلاة الإمام، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز، بمنزلة المفترض يقتدي بالمتطوع) (¬2).
كما استخدم فقهاء الحنفية الاحتياط للترجيح (¬3)، فإذا تعارض الواجب والمندوب؛ فإنه يترجح حكم الوجوب احتياطا، و إذا تعارض الحكم بين الصحة والفساد، فنحكم بالفساد احتياطا، (فالصلاة إذا دارت بين الجواز والفساد نحكم بفسادها احتياطا) (¬4)، وإذا اجتمعت العزيمة والرخصة في عبادة غلبت العزيمة احتياطا (¬5)، والتفصيل فيه يطول، وسيعرض جانب تفصيلي من المسائل في المطالب القادمة.
المبحث الثالث
أثر الاحتياط في أحكام الطهارة
الاحتياط عند الحنفية في الأحكام الفرعية أصل من الأصول التي بنى عليها الحنفية الكثير من الأحكام الفقهية، وخاصة في أمور العبادة والطهارة، قال الجصاص (واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه (قد) استعمله الفقهاء كلهم وهو في العقل كذلك أيضا، والأخذ بالثقة فيما يحتمل وجهين أولى) (¬6)، وأورد الإمام السرخسي في أصوله أيضا مثل هذا المعنى في الاحتياط في باب الحرمات؛ حيث جعل إقامة الدليل مقام المدلول: كاسترخاء المفاصل بالنوم؛ فإنه دليل خروج شيء من البدن، والتقاء الختانين في كونه موجبا للاغتسال؛ لأنه دليل خروج المني عن شهوة، والمباشرة الفاحشة في كونه حدثا عند أبي حنيفة وأبى يوسف رحمة الله عليهما؛ لأنه دليل خروج شيء منه حين انتشرت الآلة بالمباشرة (¬7)، فأقمنا السبب مقام المسبب, وأوجبنا الغسل عليه بمجرد التقاء الختانين احتياطا (¬8). ويظهر الترجيح بالاحتياط في مسألة التكبير في العيد أيضا، فيبدأ وقته عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة على قول عمر وعلي وابن مسعود وبه أخذ أصحابنا، وآخره عقيب صلاة العصر من يوم النحر على قول ابن مسعود، وعلى قول عمر وعلي عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق وبه أخذ أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذ هو الأكثر، وهو الأحوط في العبادات، وأخذ أبو حنيفة بقول ابن مسعود؛ لأن الجهر بالتكبير بدعة فكان الأخذ بالأقل أولى احتياطا (¬9).
وقال الكاساني: (إن الصلاة إذا ترددت بين الجواز والفساد فالحكم بالفساد أولى وإن كان للجواز وجوه وللفساد وجه واحد؛ لأن الوجوب كان ثابتا بيقين فلا يسقط بالشك، ولأن الاحتياط فيما قلنا؛ لأن إعادة ما ليس عليه أولى من ترك ما عليه) (¬10) (. وقال قاضيخان: (إن
¬
(¬1) المصدر السابق، (ص386).
(¬2) السرخسي، المبسوط (ج2/ 99).
(¬3) انظر: الخليلي، أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية (ص 407 – 418)
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 411)
(¬5) انظر: الخليلي، أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية (ص 407 – 418)
(¬6) الجصاص، الفصول في الأصول (ج2/ 101)
(¬7) السرخسي، أصول السرخسي (ج2/ 320 - 319)
(¬8) ملاجيون، نور الأنوار على شرح المنار (ص441)
(¬9) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (ج1/ 227)؛ الميرغناني، الهداية في شرح بداية المبتدي (ج1/ 86)
(¬10) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 249)
الصلاة متى فسدت من وجه، وجازت من وجه، أو فسدت من وجه، وصحت من وجوه، يحكم بالفساد احتياطا) (¬1) (.
فالعبادات عند الحنفية تقوم على الأحوط، فقد ذكر ابن عابدين: (الاحتياط في صحة العبادات أصل أصيل) (¬2) (، لذلك نجد أن الفتوى في العبادات غالبا ما تكون على رأي الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو الواقع بالاستقراء ما لم يكن عنه رواية كقول المخالف (¬3) (، (فالإمام أبو حنيفة ناظر إلى الاحتياط في أكثر المسائل) (¬4) (، وقال صاحب الهداية (الاحتياط من باب العبادة) (¬5) (.
وهكذا نجد أن الاحتياط عند الحنفية عامل رئيس في الترجيح والتصحيح وبناء الأحكام، بل حتى القواعد الفقهية كان لها نصيب في جعل الاحتياط طريقا ومنهجا في بنائها، بل إن الإمام ابن الهمام في التحرير جعل الاحتياط من أدلة مصادر التشريع حيث قال: (أدلة الأحكام: الكتاب والسنة والإجماع والقياس .. والاحتياط والاستصحاب) (¬6) (، فجعل الاحتياط من جملة الأدلة التي ترجع إلى أحد الأصول التشريعة المعتبرة عند الحنفية والمتفق عليها من الكتاب أو السنة (¬7) (.
المطلب الأول: أثر الاحتياط في رفع الأحداث
الفرع الأول: الاحتياط في الغسل عند التقاء الختانين:
ويقوم الاحتياط في هذا الفرع على قاعدة أن السبب يقوم مقام المسبب في الاحتياط لرفع الأحداث، وقد ظهر هذا الاحتياط في إيجاب الغسل في الإيلاج، سواء كان من القُبل مع الإكسال أو من الدُبر، فقد اختلف الصحابة -رضوان الله عليهم- في وجوب الغسل بالتقاء الختانين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان المهاجرون يوجبون الغسل، والأنصار لا يوجبونه، والأنصار من أهل العربية (¬8) (، فقد فهموا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن (الماء من الماء) (¬9) (بأن الغسل لا يكون إلا عند نزول المني، فبعثوا أبا موسى الأشعري إلى عائشة - رضي الله عنها - فقالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا التقى الختانان، وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل، أو لم ينزل (¬10)) فعلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – واغتسلنا، فقد روت قولا وفعلا. بل إن علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – قال في الإكسال: يوجب به الحد، أفلا يوجب به صاعا من ماء (¬11)، فقد احتاط الإمام من باب إقامة السبب مقام المسبب، وهو أصل من أصول
¬
(¬1) قاضي خان، شرح الزيادات (ج1/ 208)
(¬2) ابن عابدين، منحة الخالق على البحر الرائق (ج1/ 399)
(¬3) ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي مع تعليقات أبي لبابة والمظاهري (ص136)
(¬4) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (ج4/ 270).
(¬5) العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 330).
(¬6) أميرباد شاه الحنفي، تيسير التحرير (ج3/ 2).
(¬7) أميرباد شاه الحنفي، تيسير التحرير (ج3/ 2).
(¬8) ملاجيون، نور الأنوار على شرح المنار (ص438).
(¬9) أخرجه: مسلم في صحيحه، باب إنما الماء من الماء، برقم (343).
(¬10) أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 89، ومن طريقه ابن ماجه (611) عن أبي معاوية، بهذا الإسناد. ولفظهما: "التقى"، بدل: "التقت".؛ وأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخه" 1/ 311 و6/ 282 من طريقين عن عمرو بن شعيب، به. ونسبه الزيلعي في "نصب الراية" 1/ 84 إلى عبد الله بن وهب في "مسنده" .. ونسبه الزيلعي أيضا 1/ 85 إلى الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي حنيفة، عن عمرو بن شعيب، به. وفيه زيادة في آخره: "أنزل أو لم ينزل"، وهو في "عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة" 1/ 67.
(¬11) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 36).
الحنفية (¬1)، حيث يقوم السبب في موضع المسبب؛ فالإدخال في الفرج المعتاد من الإنسان سبب لنزول المني عادة فيقام مقامه احتياطا، وكذا الإيلاج في السبيل الآخر حكمه حكم الإيلاج في السبيل المعتاد في وجوب الغسل بدون الإنزال، أما على أصل أبي يوسف ومحمد فظاهر، وأما على أصل أبي حنيفة؛ فإنما لم يوجب الحد احتياطا، والاحتياط في وجوب الغسل، ولأن الإيلاج فيه سبب لنزول المني عادة مثل الإيلاج في السبيل المعتاد، والسبب يقوم مقام المسبب خصوصا في موضع الاحتياط (¬2). وقد ذكر صاحب الهداية في هذا المعرض (لأنه سبب الإنزال، ونفسه تغيب عن بصره وقد يخفى عليه لقلته فيقام مقامه، وكذا الإيلاج في الدُبر لكمال السببية، ويجب على المفعول به احتياطا، بخلاف البهيمة وما دون الفرج لأن السببية ناقصة) (¬3)، وقد ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل» (¬4) وأما قوله - عليه الصلاة والسلام - «إنما الماء من الماء» فمنسوخ بالإجماع، ووجوبه على المفعول به في الدبر بالقياس احتياطا (¬5). إلا أن صاحب العناية جمع بين الحديثين حيث قال: (ولا منافاة بين الحديثين فنعمل بكل واحد منهما ونقول: الجنابة تثبت بانفصال المني عن شهوة بقوله «الماء من الماء» لما ذكرنا من تأويله، وبالإيلاج في الآدمي بقوله «إذا التقى الختانان» الحديث (¬6).
وهكذا تجد الحنفية يحتاطون بجعل السبب مظنة حدوث المسبب، فيوجبون الغسل احتياطا، ولأن العبادات تقوم على الأحوط، والطهارة مفتاح العبادة، فالاحتياط ركن أساس في الترجيح والخروج عن العهدة بيقين، فقد ذكرنا قول صاحب النهر الفائق: أن الاحتياط هو (الخروج عن العهدة بيقين) (¬7)
الفرع الثاني: الاحتياط في الغسل عند عدم التمييز بين المني والودي:
يقوم هذا الفرع على قاعدة جعل السبب يقوم مقام المسبب (الحكم)، في إيجاب الغسل احتياطا، ويقوم على أساس أن من رأى بللا ولم يستطع التمييز في حال كونه منيا أو وديا فإن عليه الاغتسال احتياطا، قال صاحب البدائع: (فإذا استيقظ الرجل فوجد على فخذه أو على فراشه بللا على صورة المذي ولم يتذكر الاحتلام فعليه الغسل، في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجب، وأجمعوا أنه لو كان منيا أن عليه الغسل؛ لأن الظاهر أنه عن احتلام، وأجمعوا أنه إن كان وديا لا غسل عليه لأنه بول غليظ (¬8)، ولكن الخلاف يظهر في حال عدم التأكد من حال كونه منيا أو وديا، فقد أخذ الطرفان (أبو حنيفة ومحمد) بالمتيقن والأحوط باعتباره منيا يوجب الغسل، ولأن العبادات تقوم على الأحوط .. ووجه قول أبي يوسف أن المذي يوجب الوضوء دون الاغتسال، ولهما ما روى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (إذا رأى الرجل بعد ما ينتبه من نومه بلة، ولم يذكر
¬
(¬1) ملاجيون، نور الأنوار على شرح المنار (ص441).
(¬2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 36).
(¬3) الميرغناني، الهداية في شرح بداية المبتدي (ج1/ 20).
(¬4) أخرجه البخاري في صحيحه، باب إذا التقى الختانان، برقم (291)، (ج1/ 66)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، باب نسخ الماء من الماء، برقم (348)، (ج1/ 271).
(¬5) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (ج1/ 162).
ثم أورد ابن عابدين – رحمه الله – تفصيل ذلك في موضعه حيث قال:
(قوله: منيا أو مذيا) اعلم أن هذه المسألة على أربعة عشر وجها؛ لأنه إما أن يعلم أنه مني أو مذي أو ودي أو شك في الأولين أو في الطرفين أو في الأخيرين أو في الثلاثة ...... ،: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (1/ 163).
(¬6) البابرتي، العناية شرح الهداية (ج1/ 63).
(¬7) ابن نجيم، النهر الفائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 29).
(¬8) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 37).
احتلاما اغتسل، وإن رأى احتلاما، ولم ير بلة، فلا غسل عليه) (¬1)، وهذا نص في الباب، ولأن المني قد يرق بمرور الزمان فيصير في صورة المذي، وقد يخرج ذائبا لفرط حرارة الرجل أو ضعفه فكان الاحتياط. وقال ابن عابدين: (والنوم مظنة الاحتلام فيحال عليه، ثم يحتمل أنه مني رق بالهواء أو للغذاء فاعتبرناه منيا احتياطا) (¬2).
ومع أن الاحتياط بالغسل فيه مشقة إلا أنه تفريغ للذمة، وبناء على أن الاحتياط في العبادات أولى، فقد بين اللكنوي أن الاحتياط هو: (العمل بأشق الأمرين عند عدم العلم بخصوص المتقرر) (¬3).
الفرع الثالث: الاحتياط بالوضوء عند المباشرة الفاحشة:
وتقوم هذه المسألة بناء على إقامة المباشرة الفاحشة مقام المسبب مظنة خروج النجاسة الحقيقية دون شعور من المباشر، وقد فصل صاحب البدائع في ذلك حيث قال: (الحدث الحكمي نوعان: أحدهما أن يوجد أمر يكون سببا لخروج النجس الحقيقي غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا، والثاني أن لا يوجد شيء من ذلك لكنه جعل حدثا شرعا تعبدا محضا؛ أما الأول فأنواع: منها المباشرة الفاحشة وهو أن يباشر الرجل المرأة بشهوة، وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم ير بللا، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يكون حدثا استحسانا، والقياس أن لا يكون حدثا وهو قول محمد) (¬4)، والقياس يأبى ذلك وهذا ما مشى عليه الإمام محمد، من حيث أن الموجب لنقض الوضوء عند الحنفية هو انتقال النجاسة من داخل الجسد إلى خارجه على تفصيل ما بين الخروج من السبيلين أو خروج النجاسة من غيرهما، فبالأول يكفي البدو والظهور فقط، وفي الثاني لا بد من السيلان إلى مكان يجب تطهيره، فلم تكن المباشرة الفاحشة من أحد هذين الأمرين، إلا أن الشيخان قد استحسنا من باب إقامة السبب مقام المسبب، ولأن العبادات يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها، ولأن فيها الخروج عن العهدة بيقين.
ثم هناك مسألة أخرى، فهل يشترط ملاقاة الفرجين أم لا؟
أيضا فقد تجاذبه القياس من جانب والاستحسان من جانب آخر في اشتراط ذلك من عدمه، فقد ذكر صاحب البدائع التفصيل على النحو الآتي: (فعلى قولهما لا يشترط ذلك في ظاهر الرواية عنهما، وشرطه في النوادر، وذكر الكرخي ملاقاة الفرجين أيضا، وجه القياس أن السبب إنما يقام مقام المسبب في موضع لا يمكن الوقوف على المسبب من غير حرج، والوقوف على المسبب ههنا ممكن بلا حرج، لأن الحال حال يقظة فيمكن الوقوف على الحقيقة، فلا حاجة إلى إقامة السبب مقامها. وجه الاستحسان ما روي أن «أبا اليسر بائع العسل سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إني أصبت من امرأتي كل شيء إلا الجماع فقال - صلى الله عليه وسلم - توضأ، وصل ركعتين» (¬5) (، ولأن المباشرة على الصفة التي ذكرنا لا تخلو عن خروج المذي عادة، إلا إنه يحتمل أنه جف لحرارة البدن فلم يقف عليه، أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سببا مفضيا إلى الخروج، وإقامة السبب مقام المسبب طريقة معهودة في الشريعة خصوصا في أمر يحتاط فيه، كما يقام المس مقام الوطء في حق ثبوت حرمة المصاهرة، بل يقام نفس النكاح مقامه، ويقام نوم المضطجع مقام الحدث، ونحو ذلك كذا ههنا) (¬6) (. وقد ذكر صاحب التبيين مثل ذلك او بنحوه حيث قال - رحمه الله -: (ومباشرة فاحشة) وهي أن يباشر امرأته من غير حائل، وينتشر ذكره لها ويضع فرجه على فرجها، ولم يشترط بعضهم مماسة الفرج للفرج، والأول الظاهر. وقال محمد لا ينتقض الوضوء إلا بخروج
¬
(¬1) المصدر السابق (ج1/ 15).
(¬2) ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار (ج1/ 162).
ثم اورد ابن عابدين – رحمه الله – تفصيل ذلك في موضعه حيث قال: (قوله: منيا أو مذيا) اعلم أن هذه المسألة على أربعة عشر وجها؛ لأنه إما أن يعلم أنه مني أو مذي أو ودي أو شك في الأولين أو في الطرفين أو في الأخيرين أو في الثلاثة ...... ،: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (1/ 163).
(¬3) اللكنوي، التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد (ج2/ 222)
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 30)
(¬5) لم أقف عليه. ()
(¬6) المصدر السابق (ج1/ 30)
مذي وهو القياس لأنه يمكنه الوقوف على حقيقته بخلاف التقاء الختانين، وجه الاستحسان أن المباشرة الفاحشة لا تخلو عن خروج مذي غالبا وهو كالمتحقق ولا عبرة بالنادر) (¬1) (.
وهكذا تجد أن الأمر مطرد عند السادة الحنفية في الاحتياط بإقامة السبب مقام المسبب، والتي كانت سببا للاستحسان من حيث قوة الأثر في الحكم، بل أسند صاحب التبيين جعل قاعدة الغالب كالمتحقق سببا في الاحتياط بالحكم، فكان الاحتياط والخروج من العهدة بعدم الاشتراط من المماسة، لأن الغالب هو المماسة فهو كالمتحقق، فجعلت المظنة محل المئنة.
الفرع الرابع: الاحتياط في الوضوء عند الإفاقة من الإغماء والجنون والسكر:
فالنوم والإغماء والسكر جميعهم في معنى واحد وإن اختلفت الأسباب، حيث أن الكل يشترك بفقد الإحساس أو الوعي لما يدور حوله، فيكون العقل في غير تمام وعيه، لذلك كان مما رفع عنهم القلم: النائم، والمجنون، والصغير، لعدم الوعي التام بما يدور حولهم، فلم يطالبوا بالتكليف في حينه، وجعل النوم عذرا لفوات الصلاة كالناسي، مع الاختلاف بينهما، والحاصل أن الإغماء والجنون والسكر وأيضا النوم في معناهم جميعا قد جعلوا مظنة الحدث، فأقيم السبب مقام المسبب، قال صاحب البدائع: (فالوضوء عند الإفاقة من الإغماء والجنون والسكر مظنة نقض الوضوء، لأن الإغماء والجنون والسكر يستر العقل؛ أما الإغماء؛ فلأنه في استرخاء المفاصل واستطلاق الوكاء فوق النوم مضطجعا، وذلك حدث فهذا أولى. وأما الجنون فلأن المبتلى به يحدث حدثا، ولا يشعر به فأقيم السبب مقام المسبب، والسكر الذي يستر العقل في معنى الجنون في عدم التمييز وقد انضاف إليه استرخاء المفاصل، ولا فرق في حق هؤلاء بين الاضطجاع والقيام، لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين حال وحال) (¬2) (.
ولا شك أن النوم بذاته أو الإغماء أو السكر كلاهما ليسا من نواقض الوضوء، لأن الناقض لا بد فيه من انتقال النجاسة من داخل الجسم إلى خارجه، إما عن طريق السبيلين فيكفي فيه البدو والظهور فقط، وإما عن من أي مكان في الجسد فلا بد من السيلان لمكان يجب تطهيره، وهذا هو القياس، أما النوم والإغماء والسكر فإنه من باب إقامة السبب مقام المسبب، أو من باب أن الغالب كالمتحقق، فالنوم والسكر والإغماء مظنة خروج الحدث فأقيم مقامه، فهو كالمتحقق، قال صاحب الاختيار: (وينقضه كل ما خرج من السبيلين ومن غير السبيلين إن كان نجسا وسال عن رأس الجرح) (¬3)، ثم قال في موضع أخر: (وينقضه النوم مضطجعا لما روينا، وكذلك المتكئ والمستند) لأنه مثله في المعنى، قال - عليه الصلاة والسلام -: (العين وكاء السه، فإذا نامت العين انحل الوكاء) (¬4) قال: (والإغماء والجنون) لأنهما أبلغ في إزالة المسكة من النوم ; لأن النائم يستيقظ بالانتباه، والمجنون والمغمى عليه لا) (¬5).
وهكذا يلحظ أن في العبادات يحتاط ما لا يحتاط لغيرها، لأنها تقوم على الأحوط في إبراء الذمة والخروج عن العهدة بإقامة الأسباب مظنة تحقق نتيجتها وحكمها، بل (الثابت بالعادة كالمتيقن)، فقد أورد صاحب البناية في شرحه على الهداية ما نصه: ((والثابت بالعادة كالمتيقن به) ش: ألا ترى من دخل المستراح ثم شك في وضوئه فإنه يحكم بنقض وضوئه، لأن العادة جرت عند الدخول في الخلاء بالتبرز) (¬6)،
¬
(¬1) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (ج1/ 11)
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 30).
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج1/ 9).
(¬4) أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (656) من طريق علي بن بحر، بهذا الإسناد.؛ وأخرجه أبو داود (203)، وابن ماجه (477)، والطحاوي في "مشكل الآثار" 4/ 354، والطبراني (656)، والدارقطني (ج1/ 161)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث " ص 133، والبيهقي 1/ 118. انظر: مسند أحمد ط الرسالة (ج2/ 227)
(¬5) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج1/ 10).
(¬6) العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 259).
كما قال في مكان أخر في أسباب نواقض الوضوء: (أن الله تعالى رتب وجوب التيمم على المجيء من الغائط حال عدم الماء، وهو لازم بخروج النجس، فكان كناية عن الحدث، لكونه ذكر اللازم وإرادة الملزوم، والترتيب يدل على العلية، وإذا ثبت ذلك في التيمم يثبت في الوضوء؛ لأن البدل لا يخالف الأصل في السبب) (¬1).
فكما رتب الشارع الكريم الوضوء من المجيء من الغائط؛ مع أن المجيء بنفسه لا يعتبر ناقضا بذاته، وإنما مظنة الاسترخاء وخروج النجاسة، جُعل النوم والإغماء والسكر والجنون مظنة استرخاء المفاصل وخروج ما ينقض الوضوء، فذكر اللازم وأراد الملزوم.
الفرع الخامس: الاحتياط في غسل المرفقين مع اليدين:
ويقوم هذا الأصل في الاحتياط على إدخال الغاية في المغيا في غسل المرفقين، لأن العبادات تقوم على الأحوط، فكان الإدخال أضمن وخروجا عن العهدة، وقد خالف الإمام زفر _رضي الله عنه_ أصحابنا الثلاثة في عدم إيجاب غسل المرفق بناء على أن الغاية لا تدخل في المغيا، ويرجع هذا إلى الخلاف في دلالة حرف (إلى)، فهو من حروف المعاني، قال ابن العيني في شرحه على متن المنار: (وإلى: لانتهاء الغاية؛ فإن كانت الغاية قائمة بنفسها، أي موجودة قبل التكلم، ولا تكون مفتقرة في وجودها إلى المغيا، كقوله له: كم من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لا يدخل الغايتان؛ أي الحائطان؛ لأن المغيا لم يستتبعها لقيامها بنفسها، وإن لم تكن قائمة بنفسها؛ فإن كان أصل الكلام؛ أي صدره متناولا للغاية كان ذكرها؛ أي الغاية، لإخراج ما وراءها، فتدخل الغاية كالمرفق، كقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، فاليد تتناول إلى الإبط، وإن لم يتناولها، أو كان فيه؛ أي في تناوله شك فذكرها لمد الحكم إليها فلا تدخل، كالليل في الصوم، في قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187) (¬2). وقد ذكر صاحب البدائع في ذلك: (المرفقان يدخلان في الغسل عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يدخلان، ولو قطعت يده من المرفق، يجب عليه غسل موضع القطع عندنا خلافا له، ووجه قوله أن الله تعالى جعل المرفق غاية، فلا يدخل تحت ما جعلت له الغاية، كما لا يدخل الليل تحت الأمر بالصوم في قوله تعالى {{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة/ 187] (¬3). ثم وجّه صاحب البدائع قول الأئمة الثلاث بقوله: (أن الأمر تعلق بغسل اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الإبط، ولولا ذكر المرفق لوجب غسل اليد كلها، فكان ذكر المرفق لإسقاط الحكم عما وراءه، لا لمد الحكم إليه، لدخوله تحت مطلق اسم اليد، فيكون عملا باللفظ بالقدر الممكن، وبه تبيّن أن المرفق لا يصلح غاية لحكم ثبت في اليد، لكونه بعض اليد، بخلاف الليل في باب الصوم، ألا ترى أنه لولا ذكر الليل لما اقتضى الأمر إلا وجوب صوم ساعة، فكان ذكر الليل لمد الحكم إليه) (¬4).
والشاهد إن كان أصل الكلام متناولا للغاية كان ذكرها لإخراج ما وراءها؛ فتدخل كما في المرافق؛ فإن صدر الكلام متناول لها؛ لأنها متناول إلى الإبط، فيكون ذكرها لإخراج ما وراءها فتدخل بنفسها، فبطل قول زفر – بحسب رأي الشارح – إن كل غاية لا تدخل تحت المغيا، وتسمى هذه غاية الإسقاط (¬5). ويُستدل للإمام زفر بأن وجوب غسل ما قبل الكعب والمرفق متيقن، ودخول المرفق والكعب مشكوك، فالأخذ بالمتيقن وطرح المشكوك أولى، ويُجاب عن ذلك بعدم التسليم أنه مشكوك فيه، فإن الغايةَ التي تكون من جنس صدر الكلام تدخل في المغيا، وهاهنا كذلك .. فإن كانت الغايةُ بحيث لو لم تدخلْ فيها كلمةُ: إلى، لم يتناولْها صدرُ الكلام، لم يدخل تحت المغيَّا، كاللَّيلِ في الصَّوم وإن كانت بحيث يتناولُها الصَّدرُ كالمتنازعِ فيه تدخلُ تحتَ المغيَّا (¬6).
¬
(¬1) االمصدر السابق (ج1/ 257)
(¬2) ابن العيني، شرح متن المنار في أصول الفقه (141).
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 4).
(¬4) المصدر السابق (ج1/ 4).
(¬5) ملاجيون، منار الأنوار (ص383 _ 384).
(¬6) عمدة الرعاية على شرح الوقاية (ص 22).
وقد نص ابن عابدين أن صاحب المتن قد جعل التعبير بـ (مع) في غسل المرفقين والكعبين وليس بإلى ترجيحا وبيانا لدخولهم في الغسل، فقد جاء في المتن ((وغسل اليدين) أسقط لفظ فرادى لعدم تقييد الفرض بالانفراد (والرجلين) الباديتين السليمتين، فإن المجروحتين والمستورتين بالخف وظيفتهما المسح (مرة) لما مر (مع المرفقين والكعبين)، فالمراد من اليد في الآية من الأصابع إلى المرفق للإجماع على سقوط ما فوق ذلك، وعدل عن التعبير بـ (إلى) المحتملة لدخول المرفقين والكعبين وعدمه إلى التعبير بـ (مع) الصريحة بالدخول؛ للاحتراز عن القول بعدمه المشار إليه بقول الشارح على المذهب: أي خلافا لزفر (¬1)، وقد جاء أيضا أن لزوم غسل المرفقين هو الاحتياط؛ لثبوت الدخول وعدمه، ولم يرو عنه - صلى الله عليه وسلم - قط تركه أي غسل المرافق فقامت قرينة إرادته؛ أي الدخول (من النص ظنا فأوجب) هذا التوجيه (للاحتياط) بالغسل (¬2).
أما صاحب البناية فقد رجح غسل المرفقين احتياطا؛ لأن عظم المرفق ملتصق بالساعد والعضد ولا يمكن التمييز بينهما فكان الاحتياط الغسل، حيث قال: (إن المرفق من عظمي الساعد والعضد، وجانب الساعد دون العضد، وقد تعذر التمييز بينهما للتداخل؛ فوجب غسل المرفقين؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (¬3).
وأما صاحب البدائع فقد قال عن الغايات: (إن منها ما لا يدخل تحت ما ضربت له الغاية، ومنها ما يدخل، كمن قال: رأيت فلانا من رأسه إلى قدمه، وأكلت السمكة من رأسها إلى ذنبها، دخل القدم والذنب، فإن كانت هذه الغاية من القسم الأول؛ لا يجب غسلهما، وإن كانت من القسم الثاني يجب، فيحمل على الثاني احتياطا، على أنه إذا احتمل دخول المرافق في الأمر بالغسل، واحتمل خروجها عنه صار مجملا مفتقرا إلى البيان. وقد روى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – (كان إذا بلغ المرفقين في الوضوء أدار الماء عليهما) (¬4) فكان فعله بيانا لمجمل الكتاب، والمجمل إذا التحق به البيان يصير مفسرا من الأصل) (¬5).
وهكذا تجد أن الاحتياط في دخول المرفق للخروج من العهدة، وفعل ما تطمئن له النفس، ولأن العبادات مبناها على الأخذ بالاحتياط وطرح الشك.
الفرع السادس: إذا احتمل الأمر الوجوب والعدم فالقول بالوجوب أولى في افتراض الغسل عند خروج انفصال المني عن الذكر:
وهذه المسألة مبنية على وجوب الاغتسال عند خروج المني عن دفق وشهوة، فقد اشترط الطرفان: الإمام أبو حنيفة ومحمد – رضي الله عنهما- أن يكون الانفصال عن دفق وشهوة، ولم يشترطا بقاء هذه الشهوة والدفق بالانفصال عن رأس الذكر والخروج، بينما اشترط أبو يوسف – رضي الله عنه- أن تكون الشهوة مع الانفصال وعند الخروج، فقد ذكر صاحب البدائع الخلاف بقوله: (أن ينفصل المني عن شهوة ويخرج لا عن شهوة، وأنه يوجب الغسل في قول أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف لا يوجب، فالمعتبر عندهما الانفصال عن شهوة، وعنده المعتبر هو الانفصال مع الخروج عن شهوة، وفائدته تظهر في موضعين: أحدهما إذا احتلم الرجل فانتبه وقبض على عورته، حتى سكنت شهوته، ثم
¬
(¬1) رد المحتار على الدر المختار (ج1/ 98).
(¬2) ابن أمير حاج، التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (ج2/ 70).
(¬3) العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 164).
(¬4) جاء بنحوه من حديث أبي هريرة على شرط الشيخين: عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة، دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير، وهي تبنى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يقول الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة " ثم دعا بوضوء، فتوضأ وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين، فلما غسل رجليه، جاوز الكعبين إلى الساقين، فقلت: ما هذا؟، فقال: " هذا مبلغ الحلية " إسناده صحيح على شرط الشيخين. انظر: مسند أحمد ط الرسالة (ج12/ 84).
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 4)؛ انظر: الموصلي، الاختيار في تعليل المختار (ج1/ 12).
خرج المني بلا شهوة، والثاني إذا جامع فاغتسل قبل أن يبول، ثم خرج منه بقية المني، وجه قول أبي يوسف أن جانب الانفصال يوجب الغسل وجانب الخروج ينفيه، فلا يجب مع الشك، ولهما أنه إذا احتمل الوجوب والعدم؛ فالقول بالوجوب أولى احتياطا) (¬1).
فقد أوجب الطرفان- أبو حنيفة ومحمد- الغسل احتياطا؛ لأن الاحتياط في امتثال الأمر على احتمال وجوبه، وأما عدم الاغتسال فلا تطمئن إليه النفس، والعبادات تقوم على الاحتياط والخروج عن العهدة بيقين، فكان الوجوب أولى. قال صاحب البناية في شرحه على الهداية: (ولهما؛ أي لأبي حنيفة ومحمد أن الغسل متى وجب من وجه؛ أي متى وجب الغسل من جهة الانفصال دون الدفق، والشرط مطلق الشهوة لإكماله، فباعتبار ما وجد يجب الغسل، وباعتبار ما عدم لا يجب؛ فالاحتياط من باب العبادة في الإيجاب؛ أي الاحتياط واجب في إيجاب الغسل ترجيحا لجانبه) (¬2).
وقال الأترازي: (قال بعض الشارحين: الخروج على وجه الشهوة قد وجد، وإنما عدم الدفق لا غير، فباعتبار ما وجد يجب الاغتسال، وباعتبار ما عدم لا يجب فيرجح حال الوجود احتياطا) (¬3). ثم رد صاحب البناية على تساؤل وهو: (فإن قلت: دار الغسل بين الوجوب وعدمه فلا يجب بالشك، قلت إلا أن جهة الوجوب راجحة لأن الموجب أصل، فالخروج بناء على المزايلة بالشهوة، وعدم الخروج بالشهوة بعد المزايلة من العوارض النادرة فلا اعتبار بهذا السؤال) (¬4).
فجعل الحكم للغالب وليس للنادر، فالغالب خروج المني عن دفق وشهوة، والعارض؛ هو النادر فلا عبرة به، ولا حكم له، فرجح قول الطرفين على قول أبي يوسف احتياطا، ولا شك أن العبادة مبنية على الاحتياط.
المطلب الثاني: أثر الاحتياط في النجاسات
الفرع الأول: الاحتياط في حد الكثرة والقلة في الماء الذي يحمل النجاسة:
اهتم الحنفية في حد الماء الذي يحمل النجاسة من عدمه، وقد حاولوا وضع ضابط في الحد بين القلة والكثرة في الماء الذي يحمل النجاسة ليكون ضابطا في ذلك، فجعل الأمر إلى رأي المبتلى؛ هذا ما أكده صاحب الحاشية بقوله (فالمروي عن أئمتنا الثلاثة وأكثر من النقول الصريحة في ذلك: أي في ظاهر الرواية عن تفويض الأمر إلى رأي المبتلى به بلا تقدير بشيء (¬5)، وعلى تقدير عدم رجوع محمد عن تقديره بعشر في عشر لا يستلزم تقديره إلا في نظره، وهو لا يلزم غيره؛ لأنه لما وجب كونه ما استكثره المبتلى؛ فاستكثار واحد لا يلزم غيره، بل يختلف باختلاف ما يقع في قلب كلٍ، وليس هذا من الصور التي يجب فيها على العامي تقليد المجتهد، فجُعل ذلك لرأي المبتلى، إلا أن التقدير عشرة في عشره أضبط لرأي العامي الذي لا يستطيع أن يميز بين الكثرة والقلة؛ لذلك افتى المتأخرون بالعشر كصاحب الهداية، وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح، وهم أعلم بالمذهب منا فعلينا اتباعهم، ويؤيده ما قدمه الشارح في رسم المفتي، وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه، كما لو أفتونا في حياتهم تيسيرا على الناس وتسهيلا عليهم) (¬6). وقد نقل عن أبي سليمان الجوزجاني في حوض وقعت فيه نجاسة أنه قال: (لو وقعت فيه نجاسة أو بال فيه إنسان أو توضأ، إن كان في أحد الطرفين ينجس مقدار عشرة أذرع، وإن كان في
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 37).
(¬2) العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 330).
(¬3) المصدر السابق (ج1/ 330).
(¬4) المصدر السابق (ج1/ 330).
(¬5) (يعتبر فيه أكثر الرأي والتحري، فإن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الجانب الآخر فهو نجس، وإن غلب عدم وصولها فهو طاهر، فهذا هو الأصح، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وقال السروجي: والمذهب الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى به من غير تحقيق بالتقدير أصلا عند الإمام، وبه أخذ الكرخي)، انظر: العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 384).
(¬6) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (ج1/ 193 - 192).
وسطه ينجس من كل جانب مقدار عشرة أذرع .. وقد ذهب إليه أبو نصر إلى اعتبار العرض يوجب التنجيس واعتبار الطول لا يوجب، فلا ينجس بالشك، ولكن ما قاله أبو سليمان أقرب إلى الاحتياط؛ لأن اعتبار الطول إن كان لا يوجب التنجيس فاعتبار العرض يوجب، فيحكم بالنجاسة احتياطا) (¬1). ثم نقل صاحب البناية أقوالا كثيرة في التقدير وصلت إلى اثني عشر قولا (¬2): وقد ذكر في القول الرابع (وبعضهم قدروه بالمساحة؛ أي بعض العلماء وهو أبو سليمان الجرجاني، وبه أخذ مشايخ بلخ، وإليه ذهب عبد الله بن المبارك، وبه قال أبو الليث، وهو قول أكثر أصحابنا عشرا في عشر) (¬3).
ومن هنا يلحظ احتياط الحنفية في مقدار الماء القليل والكثير، بحيث جعل ابتداء لرأي المبتلى، إلا أن العوام لا رأي لهم، فجعل تقدير عشرة في عشرة احتياطا لهم، وتصحيحا لطهارتهم، وابتعادا عن الشك بربطه بوصف منضبط.
الفرع الثاني: الاحتياط في الغلبة عند اختلاط الماء المقيد بالمطلق:
ويرجع هذا التفصيل بين المطلق والمقيد من المياه لأجل رفع الحدث، لا من أجل إزالة النجاسة، بحيث ينظر إلى اختلاط الماء المطلق بماء مقيد من ناحية الامتزاج، من حيث الغلبة في الأجزاء أو كمال الامتزاج، وفي الحد الذي يخرج الماء المطلق عن اسمه، فلا يكون صالحا لرفع الحدثان: الأصغر والأكبر، فقد احتاط الحنفية لأجل الطهارة ورفعها، فجعل الحكم للأغلب، وعند التساوي للأحوط.
فالماء المطلق: هو ما يتبادر عند الإطلاق: كماء سماء وأودية وعيون وآبار وبحار وثلج مذاب؛ بحيث يتقاطر وبَرَد وجمد وندا، هذا تقسيم باعتبار ما يشاهد وإلا فالكل من السماء {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَا?ءِ مَا?ءً} [الحج: 63] (¬4).
والماء المقيد: (هو ما لا تتسارع إليه الأفهام عند إطلاق اسم الماء، وهو الماء الذي يستخرج من الأشياء بالعلاج: كماء الأشجار، والثمار، وماء الورد، ونحو ذلك. وأما الماء الذي خالطه شيء من المائعات الطاهرة كاللبن، والخل، ونقيع الزبيب، ونحو ذلك على وجه زال عنه اسم الماء بأن صار مغلوبا به، فهو بمعنى الماء المقيد، ولا يجوز التوضؤ بشيء منهما؛ أي لا يجوز التوضؤ بالماء المطلق الذي زال الاسم عنه بغلبة الاختلاط أو بالماء المقيد) (¬5).
وقد ذكر صاحب البناية هذا على التفصيل حيث قال: (وإن زالت صفة الإطلاق لا يجوز التوضؤ به أو زوالها بغلبة الممتزج وبكمال الامتزاج، وغلبة الممتزج بكثرة الأجزاء، وكمال الامتزاج بطبخ الماء بالمخلوط الطاهر، أو يشرب الشارب الماء حتى يبلغ الامتزاج مبلغا يمنع خروج الماء منه إلا بعلاج، والامتزاج بالطبخ إنما يمنع التوضؤ به إذا لم يكن ذلك الامتزاج المقصود للغرض المطلوب وهو التنظيف، وأما إذا كان كالأشنان إذا خلط بالماء فإنه يجوز التوضؤ به، والامتزاج: الاختلاط بين الشيئين بحيث يسع أحدهما في الآخر حتى يمنع التمييز، فإذا عرف هذا فلا يجوز التوضؤ بما اعتصر) (¬6). ثم فصل صاحب البدائع على نحو من ذلك، فقال: (إن كان الذي خالطه مما يخالف لونه لون الماء كاللبن، وماء العصفر، والزعفران، ونحو ذلك تعتبر الغلبة في اللون، وإن كان لا يخالف الماء في اللون، ويخالفه في الطعم كعصير العنب الأبيض، وخله تعتبر الغلبة في الطعم، وإن كان لا يخالفه فيهما تعتبر الغلبة في الأجزاء، فإن استويا في الأجزاء؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وقالوا: حكمه حكم الماء المغلوب احتياطا هذا إذا لم يكن الذي خالطه مما يقصد منه زيادة نظافة، فإن كان مما يقصد منه ذلك
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 73).
(¬2) العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 383).
(¬3) المصدر السابق (ج1/ 384).
(¬4) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (ج1/ 179)؛ انظر: العيني، البناية على الهداية (ج1/ 353).
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 15)؛ انظر: أبو الحاج، زبدة الكلام على منظومة كفاية الغلام (ص232).
(¬6) العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 358).
ويطبخ به أو يخالط به كماء الصابون والأشنان يجوز التوضؤ به، وإن تغير لون الماء، أو طعمه، أو ريحه؛ لأن اسم الماء باق، وازداد معناه، وهو التطهير) (¬1).
والحاصل أن الماء المطلق إن خالطه مائع طاهر، فله أربع حالات (¬2):
أ. إن كان المائعُ لا وصف له يخالف الماء بلون أو طعم أو ريح: كالماء المستعمل: فإنَّ العبرة لغلبة الوزن، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من الماء المطلق لم يجز الوضوء ولا الاغتسال به، وإن استويا في الوزن، أخذ حكم المغلوب؛ احتياطاً، فلا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
ب. إن كان للمائع وصفٌ واحد: كماء القرع وماء البطيخ، فإنَّ ماءها لا يخالف الماء المطلق إلا في الطعم، فإن ظهر هذا الوصف منه، فإنَّه يصير طاهراً غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
ج. إن كان للمائع وصفان: كاللبن فيه وصفان: اللون والطعم، ولا رائحة له، فإن ظهر منه وصف واحد، فإنَّه يصير طاهراً غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
د. إن كان للمائع ثلاثة أوصاف: كالخلّ له لون وطعم وريح، فإن ظهر منه وصف واحد فلا يضر، أما إن ظهر منه وصفان، فإنَّه يصير طاهراً غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
والماء المقيد طاهر غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به عن الثوب والبدن، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به، فإنَّه لا يزيل النجاسة الحكمية.
الفرع الثالث: الاحتياط في حد الكثرة والقلة في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة:
ومبنى هذا الفرع على رفع الحرج عن المكلفين، والاحتياط لتصحيح طهارتهم التي هي مفتاح الصلاة، وحتى لا يقع الناس في الحرج، فجعل هناك حد للقلة والكثرة في حمل النجاسة التي تصح معها العبادة؛ أي بحملها اثناء الصلاة، كما تم التفريق بين أنواع النجاسات بين القلة الكثرة وحد كل منهما. وقبل الشروع في بيان ذلك، لا بد من معرفة الحد الذي نفرق به بين النجاسة حال كونها مغلظة أو مخففة.
فقد اختلف الإمام مع الصاحبين – رضوان الله تعالى عليهم – في تعريف كل منهما، فعند الإمام في التفريق بين النجاسة حال كونها مخففة أو مغلظة فقد ذهب الإمام الى أن النجاسة الغليظة: (ما ورد نص على نجاسته، ولم يرد نص على طهارته معارضا له، وإن اختلف العلماء فيه، والخفيفة ما تعارض نصان في طهارته ونجاسته. وعند أبي يوسف ومحمد الغليظة: ما وقع الاتفاق على نجاسته، والخفيفة: ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته، وإذا عرف هذا الأصل؛ فالأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبي حنيفة؛ لأنه ورد نص يدل على نجاستها، وعلى قولهما نجاستها خفيفة؛ لأن العلماء اختلفوا فيها، وبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين، أما عنده؛ أي الإمام أبي حنفية؛ فلانعدام نص معارض لنص النجاسة، وأما عندهما؛ أي الصاحبين: فلوقوع الاتفاق على نجاسته وبول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة بالاتفاق، أما عنده فلتعارض النصين، وهما حديث العرنيين مع حديث عمار وغيره في البول مطلقا. وأما عندهما فلاختلاف العلماء فيه) (¬3).
فلم ينظر الإمام – رضي الله عنه- إلى اختلاف العلماء، وإنما نظر إلى النصوص؛ إذ لا اجتهاد في معرض النص، بينما نظر الصاحبان -رضي الله عنهما- إلى اختلاف العلماء، وجعلوه عاملا للتخفيف مراعاة للتيسير على الناس، ولخلاف المذاهب الأخرى.
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 15): انظر: العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 361).
(¬2) الشرنبلالي، مراقي الفلاح (ص26).
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 81)؛ انظر، العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 724)
أما المقدار المعفو عنه من النجاسة، فقد اختلف المقدار باختلاف نوع النجاسة حال كونها مخففة أو مغلظة، ولأن القليل من النجاسة مما لا يمكن الاحتراز عنه، فإن الذباب يقعن على النجاسة، ثم يقعن على ثياب المصلي ولا بد وأن يكون على أجنحتهن وأرجلهن نجاسة قليلة، فلو لم يجعل عفوا لوقع الناس في الحرج، ولأنّا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء بالماء، ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة، حتى لو جلس في الماء القليل أفسده، فهو دليل ظاهر على أن القليل من النجاسة عفو؛ ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث (¬1).
أما ما يخص النجاسة المخففة فقد جعل الحنفية رضوان الله عليهم في النجاسات الربع هو الفاصل بين حد الكثرة والقلة، فاعتبروا الربع فما دون هو قليل، وما زاد عن ذلك فهو كثير ولا تصح الصلاة معه؛ فللربع حكم الكل في أحكام الشرع في موضع الاحتياط. قال صاحب البدائع (أما في النجاسة المخففة فقد اعتبر الحنفية أن الحد بين الكثرة والقلة هو مقدار الربع، واختلفوا بالمراد بالربع؛ هل هو ربع الثوب كاملا، أم أن المراد هو ربع القطع المجزأة من الثوب؛ فقد ذكر الحاكم في مختصره عن أبي حنيفة ومحمد: الربع، وهو الأصح؛ لأن للربع حكم الكل في أحكام الشرع في موضع الاحتياط، ولا عبرة بالكثرة والقلة حقيقة) (¬2).
وأما في النجاسة المغلظة فقد جعل الدرهم هو المقدار الفاصل بين حد الكثرة والقلة شرعا، فالقدر المعتبر في النَّجاسة الغليظة: هو ما زاد على قدر الدرهم، وهو مقدار وزن الدِّرهم وهو مثقال في الكثيف، ومساحة الدرهم -وهي بمقدار عرض الكفّ في الخفيف وعرض الكف هو عرض مقعر الكفّ، وهو داخل مفاصل الأصابع، أما قدر الدرهم وما نقص عنه فهو عفو؛ لأنَّ القليل معفو إجماعاً، فَقُدِّرَ بالدِّرهم؛ لأنَّ محل الاستنجاء مقدر به، وقد استقبحوا ذكر المقعدة في محافلهم فكنوها بالدِّرهم؛ ولأنَّ الضَّرورة تشمل المقعدة وغيرها فيعفى للحرج، وهي غليظةٌ لعدم معارضةِ دليل نجاستها: كالدَّم ونحوه مما لم يوجد فيه تعارض نصين (¬3).
المطلب الثالث: أثر الاحتياط في الآسار
السؤر لغةً: هو بقية الشيء، وجمعه آسار (¬4)، واصطلاحاً: هو اسم للبقية بعد الشراب التي أبقاها الشارب، ولا يُسمى سؤراً إلا إذا كان قليلاً، فلا يقال لنحو النهر المشروب منه سؤر (¬5)، ويقسم السؤر إلى أربعة أقسام: طاهر، ومكروه، ومشكوك فيه, ونجس (¬6).
الفرع الأول: الاحتياط في الحكم عند تعارض الأدلة في سؤر الحمار والبغل:
الأصل أن سؤر الحمار نجس، لأن السؤر يتبع اللحم، ولحم الحمار لا يؤكل، فالقياس أن يكون نجسا، قال صاحب التبيين: (وكان القياس أن يكون عرق الحمار مشكوكا فيه كسؤره؛ ولكن ترك ذلك لما روي «أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يركب الحمار معروريا» (¬7) وهو لا يخلو عن العرق عادة ولو كان نجسا لما ركبه) (¬8)، وروى الكرخي عن أصحابنا أن سؤرهما نجس؛ أي سؤر الحمار والبغل، فقد مشى الكرخي مع القياس في نجاسة سؤريهما، وأنهما متولدان من لحمهما. .. ووجه رواية الكرخي: (أن الأصل في سؤره النجاسة؛ لأن سؤره لا
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 80)؛ انظر: الزيلعي، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 73 – 74)
(¬2) المصدر السابق
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار على االدر المختار (ج1/ 320 – 322)؛ الزيلعي، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 73 – 74).
(¬4) ابن منظور، لسان العرب (ج3/ 92).
(¬5) الطحطاوي: حاشية الطحطاوي (ص28 - 29).
(¬6) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 31).
(¬7) أخرج البغوي (3674) عن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار العري، ويجيب دعوة المملوك، وينام على الأرض، ويجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويقول: "لو دعيت إلى كراع جئت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت.: انظر: مسند أحمد ط الرسالة (ج20/ 411)
(¬8) () الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 31).
يخلو عن لعابه، ولعابه متحلب من لحمه، ولحمه نجس، فلو سقط اعتبار نجاسته إنما يسقط لضرورة المخالطة، والضرورة متعارضة؛ لأنه ليس في المخالطة كالهرة ولا في المجانبة كالكلب، فوقع الشك في سقوط حكم الأصل فلا يسقط بالشك) (¬1).
وأما وجه ظاهر الرواية أن الآثار تعارضت في طهارة سؤره ونجاستها، فقد جعل التعارض سبب في التوقف عن الجزم بالحكم حال كونها طاهرة أو نجسة، والتوقف في الحكم عند تعارض الأدلة واجب فقد ذكر صاحب البدائع: (عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: الحمار يعتلف القت، والتبن فسؤره طاهر، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: إنه رجس وكذا تعارضت الأخبار في أكل لحمه ولبنه، روي في بعضها النهي، وفي بعضها الإطلاق، وكذا اعتبار عرقه يوجب طهارة سؤره، واعتبار لحمه ولبنه يوجب نجاسته، وكذا تحقق أصل الضرورة لدورانه في صحن الدار وشربه في الإناء يوجب طهارته، وتقاعدها عن ضرورة الهرة باعتبار أنه لا يعلو الغرف ولا يدخل - المضايق - يوجب نجاسته، والتوقف في الحكم عند تعارض الأدلة واجب، فلذلك كان مشكوكا فيه فأوجبنا الجمع بين التيمم وبين التوضؤ به احتياطا؛ لأن التوضؤ به لو جاز لا يضره التيمم، ولو لم يجز التوضؤ به جازت صلاته بالتيمم، فلا يحصل الجواز بيقين إلا بالجمع بينهما، وأيهما قدم جاز عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يجوز، حتى يقدم الوضوء على التيمم ليصير عادما للماء، والصحيح قول أصحابنا الثلاثة؛ لما ذكرنا أنه إن كان طاهرا فقد توضأ به قدم أو أخر، وإن كان نجسا ففرضه التيمم وقد أتى به. فإن قيل: في هذا ترك الاحتياط من وجه آخر؛ لأن على تقدير كونه نجسا تتنجس به أعضاؤه وثيابه، فالجواب: أن الحدث كان ثابتا بيقين فلا تحصل الطهارة بالشك، والعضو والثوب كل واحد منهما كان طاهرا بيقين فلا يتنجس بالشك) (¬2).
يقول ابن الملك في شرحه على نور الأنوار: (وسمي سؤر الحمار مشكلا لتعارض الدليلين) (¬3)، ثم يجيب عن تساؤلٍ في أن لحم الحمار مرجح حرمته، والسؤر يتبع اللحم، فلا تعارض، ويجيب ابن الملك بقوله: (قلت ترجيح المحرم في حرمة اللحم كان للاحتياط، والاحتياط في السؤر في جعله مشكوكا ليجب استعماله وضم التيمم إليه، فلو رجحنا نجاسته لوجب التيمم لا غير، ولزم ترك العمل بالاحتياط لاحتمال كون السؤر مطهرا دون التراب) (¬4).
وهكذا تجد أن الحنفية عند تعارض النصوص وعدم ترجيح أحدهما على الآخر، جمعوا بين العمل بالدليلين للخروج عن العهدة باطمئنان، فأوجبوا التيمم والوضوء من الماء المشكوك فيه، فالعمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما، وكما نعرف عند مدرسة الفقهاء من الحنفية عند التعارض بين الدليلين المتساويين بالقوة فإنه يصار إلى النسخ أولا، فإن لم يعرف المتأخر من المتقدم يصار إلى الترجيح بينهما وتقديم أحدهما على الآخر، وإلا يصار إلى الجمع، فإن لم يمكن يتساقطا ويصار إلى دليل غيره، وقد جمع الحنفية بين الدليلين والعمل بهما (¬5).
الفرع الثاني: الكراهة التنزيهية لسؤر سواكن البيوت:
وأما سؤر سواكن البيوت فمكروه تنزيها حال وجود غيره من الماء المطلق، أما في حال عدم وجود غيره فلا يكره، وسؤر سواكن البيوت مثل: سؤر الهرة الأهلية و الفأرة والحية والوزغة، وسؤر الدجاجة المخلاة- وهي التي تجول في القاذورات- وسؤر سباع الطير: كالصقر، والشاهين، والحدأة؛ لأنَّها تخالط الميتات والنجاسات فأشبهت الدجاجة المخلاة، حتى لو تيقن أنَّه لا نجاسة على منقارها، فلا يكره سؤرها، وقد ذكر صاحب البناية ما نصه (والمخلاة تخالط النجاسة فيكره سؤرها؛ لأن منقارها لا يخلو عن قذر وشك في نجاستها، والشك لا يعارض اليقين، فأثبت الكراهة للاحتمال) (¬6). وأما سؤر سباع الطير لحرمة لحمها قياساً على سباع البهائم؛ لأنَّ طهارته ثبتت استحساناً؛ فهي تشرب
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 65).
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 65).
(¬3) ابن الملك، شرح منار الأنوار (ص228).
(¬4) المصدر السابق (ص 228).
(¬5) انظر: ملاجيون، نور الأنوار (ج1/ 557 - 569).
(¬6) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج1/ 54)؛ العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 487).
بمنقارها، وهو عظم طاهر، وسباع البهائم تشرب بلسانها، وهو مبتل بلعابها، واللعاب متولد من اللحم وهو نجس (¬1). وقد ذكر الزيلعي في شرحه على الكنز: (والهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيوت مكروه؛ أي سؤر هذه الأشياء مكروه .. ثم قال الطحاوي كراهة سؤر الهرة لحرمة لحمها، وهذا يدل على أنها إلى التحريم أقرب كسباع البهائم؛ لأن الموجب للكراهة لازم غير عارض، وقال الكرخي كراهيته لأجل أنها لا تتحامى النجاسة، وهذا يدل على التنزه وهذا أصح) (¬2). ثم ذكر صاحب التبيين العلة في جعل سؤر سواكن البيوت طاهرا؛ (والأقرب إلى موافقة الحديث فإنه - عليه الصلاة والسلام - قال فيها (إنها ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (¬3) فجعلها كالطوافين علينا، وهم المماليك؛ أي كما سقط الاستئذان في حق من مَلَكتَهُ إيماننا بعلة الطوف، سقطت النجاسة في حق الهرة بهذه العلة، إذ في كل واحد منهما حرج، وهو مدفوع، هذا إذا كان واجدا للماء ولا يكره عند عدم الماء؛ لأنه طاهر لا يجوز المصير إلى التيمم مع وجوده) (¬4).
وهكذا نجد أن الحنفية قد احتاطوا للطهارة وإزالة الحدث بجعل الرفع للحدث من أثر هذه الآسار مكروه كراهة تنزيهيه مع وجود الماء المطلق؛ للخروج عن العهدة بيقين، فالطهارة مفتاح العبادة فتقوم على الاحتياط، والخروج عن العهدة بيقين ممكن، فكان استخدام غير الماء المطلق خلافا للأولى.
المبحث الرابع
أثر الاحتياط في العبادات
مما لا شك فيه أن العبادة هي المقصود الرئيس من خلق الإنسان، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، لذلك تجد أن بناء الأحكام عند الحنفية مبناها على الاحتياط؛ لتفريغ الذمة بيقين والخروج عن العهدة، وقد مر معنا سابقا النصوص الدالة على الاحتياط في العبادات لا داعي لتكرارها.
المطلب الأول: أثر الاحتياط في صلاة الوتر:
فالوتر واجب اعتقادا حتى لا يكفر جاحده (¬5)، وفرض عملا، وسنة سببا؛ أي ثبت من طريق فيه شبهة، خلافا للصاحبين؛ فإنه من آكد السنن، ولا يقدم الوتر على العشاء؛ لوجوب الترتيب بين فرض العشاء وواجب الوتر عند أبي حنيفة (¬6)، فعن أبي بصرة الغفاري – رضي الله عنه- قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تبارك وتعالى قد زادكم صلاة فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، وهي الوتر» (¬7)، وعن بريدة – رضي الله عنه - قال صلى الله عليه وسلم: «الوتر حقّ فمَن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمَن لم يوتر فليس منا، الوتر حقّ
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (ج1/ 149): انظر: العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 487).
(¬2) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (ج1/ 33)؛ انظر: العيني، البناية شرح الهداية (ج1/ 481)
ذكر العيني في شرحه على الهداية (فإن قلت: أهي كراهة تحريمية أم تنزيهية، قلت: قال الطحاوي: كراهة سؤرها لحرمة لحمها؛ وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب. وقال الكرخي: كراهة سؤرها لأنها تتناول الجيف، فلا يخلو فمها عن نجاسة عادة، وهذا يدل على أنه كراهة تنزيهية وهو الأصح والأقرب إلى موافقة الآثار، وعن أبي يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ - غير مكروه).
(¬3) أخرجه: الترمذي، باب ما جاء في سؤر الهرة (ج1/ 153).
(¬4) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 33).
(¬5) العيني، البناية شرح الهداية (2/ 474).
(¬6) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (ج1/ 81).
(¬7) أخرجه الطحاوي، شرح معاني الآثار (ج1/ 68)؛ والطبراني، المعجم الكبير (ج2/ 279)؛ إسناده صحيح، أنظر: مسند الإمام أحمد، ط الرسالة (ج39/ 271).
فمَن لم يوتر فليس منا» (¬1)، وعن أبي سعيد – رضي الله عنه - قال صلى الله عليه وسلم: «مَن نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره» (¬2)، فكان رأي الإمام أحوط من رأي الصاحبين في وجوب الوتر، فراغا للذمةوخروجا عن العهدة، والقول بوجوب الوتر هو الصحيح، وقال قاضي خان: هو الأصح (¬3). فمن عمل برأيه عمل بالرأيين ولم يهمل أحدهما، حتى لو تذكره في صلاة الفجر فسد الفرض عند الإمام لوجوب الترتيب (¬4)؛ فلو صلَّى صلاة الفجر ذاكراً أنَّه لم يؤد الوتر، لم يجز فجرُه، فيقضي الوتر أولاً، ثم يصلي الفجر؛ لأنَّ الوتر واجب، فالتَّرتيب بينه وبين غيره من الفرائض فرضٌ كالترتيب بين الفرائض الخمس، ولو تذكَّرَ أنَّه صلَّى العشاءَ بلا وضوء، والسُّنة والوترُ بوضوء، يعيد العشاء والسُّنة؛ لأنَّه لم يصحَّ أداء السُّنةِ مع أنَّها أُدِّيت بالوضوء؛ لأنَّها تبع للفرض، أما الوتر فصلاةٌ مستقلةٌ فصحَّ أداؤُه (¬5).
ولو ترك الوتر عند وقته حتى طلع الفجر يجب عليه القضاء، أما عند أبي حنيفة فلا يشكل؛ لأنه واجب فكان مضمونا بالقضاء كالفرض، وكذا القياس عندهما أن لا يقضي، وهكذا روي عنهما في غير رواية الأصول، لكنهما استحسنا في القضاء بالأثر، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره» فإن ذلك وقته، ولم يفصل بين ما إذا تذكر في الوقت أو بعده؛ ولأنه محل الاجتهاد فأوجب القضاء احتياطا (¬6).
أما القراءة في الوتر فهي فرض في الركعات كلها أما عندهما- أبو يوسف ومحمد- فلا يشكل؛ لأنه نفل، والنفل اتفاقا على وجوب القراءة في جميع ركعاته، فلا يشكل فيه القراءة بناء على رأيهما كون الوتر سنة مؤكدة، وعند أبي حنيفة وإن كان واجبا؛ لكن الواجب ما يحتمل أنه فرض، ويحتمل أنه نفل، لكن يرجح جهة الفرضية فيه بدليل فيه شبهة، فيجعل واجبا مع احتمال النفلية، فإن كان فرضا يكتفى بالقراءة في ركعتين منه كما في المغرب، وإن كان نفلا يشترط في الركعات كلها كما في النوافل فكان الاحتياط في وجوبها في الكل (¬7).
المطلب الثاني: أثر الاحتياط في صلاة العيدين:
تعتبر صلاة العيد من شعائر الإسلام، وهي واجبة على الصحيح، وقيل تسن، قال صاحب التبيين (تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة بشرائطها سوى الخطبة) (¬8)، وأما ما يختص بتكبيرات العيدين؛ فكلُّ تكبيرة منها واجبة يجب بتركها سجود السهو (¬9)، ويجب تكبيرة الركوع في ثانية العيدين تبعاً لتكبيرات الزَّوائد (¬10)، فتكبيرات العيد إذا تذكرها في الركوع، فإنها لا تسقط، فتكبيرات العيد كما شرعت في القيام
¬
(¬1) أخرجه أبو داود (1419)، والحاكم (ج1/ 306)، وأخرجه ابن أبي شيبة (ج2/ 297)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (1343)، وابن عدي في "الكامل" (ج/1252) و (ج4/ 1637)، والحاكم (ج1/ 305 - 306)، والبيهقي (2/ 470 - 471)، حسن لغيره؛ انظر: مسند أحمد ط الرسالة (38/ 128).
(¬2) أخرجه الترمذي (465)، وأخرجه ابن ماجه (1188)، وأخرجه أبو داود (1431)، والدار قطني في "السنن" (ج2/ 22)، والحاكم في "المستدرك" (ج/302)، والبيهقي في "السنن" (ج2/ 480) وهذا إسناد صحيح على شرطهما. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي؛ انظر: مسند أحمد ط الرسالة (ج17/ 366).
(¬3) العيني، البناية شرح الهداية (ج2/ 473 - 484).
(¬4) النانونتي، محمد الصديقي، كنز الدقائق مع حاشيته، (ج1/ 115).
(¬5) انظر: ابو الحاج، عمدة الرعاية (1/ 216).
(¬6) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 272)
(¬7) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 273): انظر: العيني، العناية شرح البناية (ج2/ 491)؛ الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج1/ 55)
(¬8) النسفي، كنز الدقائق مع حاشية النانوتوي، (ج1/ 155)
(¬9) البخاري، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (ج1/ 505)
(¬10) انظر: الشرنبلالي، مراقي الفلاح (ص252).
المحض شرعت فيما له حكم القيام وهو الركوع (¬1)، والركوع أشبه القيام من وجه وخالف من وجه، فكان له حكم القيام، وهذا ما يسمى في الأصول عند الحنفية القضاء الذي بمعنى الأداء (¬2)؛ فقد ذكر البزدوي في كشفه: (ففي حال رجل أدرك الإمام في الركوع من صلاة العيد، يأتي بتكبيرات العيد قائما؛ إن كان يرجو أن يدرك الإمام في الركوع؛ ليكون التكبيرات في القيام من كل وجه .. فإن خاف إن كبّر تكبيرات العيد أن يرفع الإمام رأسه، ففي هذه الحال يكبر للافتتاح وهو فرض، ثم يكبر للركوع، وهو واجب، ثم يكبر في الركوع تكبيرات العيد، ولا يرفع يديه؛ لأن الرفع سنة ووضع الأكف على الركبة سنة، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يأتي بها في الركوع؛ لأنها قد فات موضعها وهو القيام، وهو غير قادر، مثل من عنده قربة في الركوع، فلا يصح أداؤها فيه: كالقراءة، والقنوت، وتكبير الافتتاح، فإنه إذا أُنسي الفاتحة والسورة لا يأتي بها في الركوع، وكذا إذا أدرك الإمام في الركوع الأخير من الوتر في رمضان، وخشي أنه لو قنت قائما يفوته الركوع فركع؛ فإنه لا يقنت في الركوع (¬3)، قال صاحب البحر: (إذا أدرك الإمام في الركوع فإنه يأتي بالتكبيرات في الركوع لأنه عجز عن حقيقته فيعمل بشبهه) (¬4).
وقد بين فخر الإسلام البزدوي – رضي الله عنه - وجه ظاهر الرواية بقوله: (أن التكبيرات شرعت في القيام المحض، وشرع من جنسها فيما لو شبه بالقيام، فإن تكبير الركوع حسب منها حتى أن من سها عنه وهو إمام أو مسبوق يسجد للسهو، وإن سها عنه ثم تذكر في ذلك الركوع كبر فيه؛ لأنه واجب وقد بقي محله الخالص، وإذا كان من جنسها ما شرع في حال الانحناء وله شبه بالقيام احتمل أن يكون سائرها ملحقة بهذه لاتحاد الجنس واحتملت المفارقة فكان الاحتياط في فعلها على أن ذلك أداء لا قضاء، وكان هذا احتياطا لا تعليلا ومقايسة كما قلنا في الفدية في الصلاة بخلاف القراءة والقنوت وتكبير الافتتاح؛ لأنها غير مشروعة فيما له شبه القيام بوجه) (¬5). وعلى نحوه ذكر ابن امير حاج في التقرير: (أن الركوع لمّا أشبه القيام حقيقة من حيث بقاء الانتصاب والاستواء في النصف الأسفل من البدن وبه فارق القيام القعود؛ لأن استواء عاليه موجود فيهما، وحكما لأن المدرك المشارك للإمام في الركوع مدرك لتلك الركعة لم يتحقق الفوات لبقاء محل الأداء من وجه، وقد شرع ما هو من جنسها وهو تكبيرة الركوع فيما له شبه القيام فإن الأصح أن الإتيان بها في حالة الانحطاط وهي محتسبة في الركعة الثانية من صلاة العيد من تكبيراتها، والتكبير عبادة، وهي تثبت بالشبهة؛ فكان الاحتياط في فعلها لبقاء جهة الأداء لا ببقاء المحل من وجه، لا باعتبار جهة القضاء، بخلاف القراءة والقنوت؛ فإن كلاهما غير مشروع فيما له شبه القيام بوجه، ثم لا يرفع يديه فيها؛ لأن وضع الكف على الركبة سنتان إلا أن الرفع فات هنا عن محله في الجملة والوضع لم يفت فكان أولى) (¬6).
المطلب الثالث: أثر الاحتياط في أداء و قضاء الصلوات:
قسم الحنفية رضوان الله تعالى عليهم الأوقات إلى قسمين: الوقت الكامل والوقت الناقص، فأما الكامل فهو الوقت الذي تصلى فيه جميع الصلوات دون كراهة تحريمية، فرضا كان أو نفلا، أداء كان أو قضاء، ويشمل جميع الأوقات خارج أوقات الكراهة، وأما الناقص فهي أوقات الكراهة، وهي ثلاثة أوقات نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - قال: «ثلاث ساعات كان رسول
¬
(¬1) البخاري، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (ج1/ 471)
(¬2) ابن الملك، شرح متن المنار في أصول الفقه (ص42).
قال ابن الملك: (وقضاء تكبيرات العيد في الركوع) ... فإنه يكبر للافتتاح أولا ثم يكبر للركوع ثم يكبر تكبيرات العيد في الركوع من غير أن يرفع يديه، هذا مثال للقضاء الذي أشبه الأداء، أما كونه قضاء فلأن التكبيرات قد فاتت عن موضعها، وأما شبهه بالأداء فلأن الركوع يشبه القيام حقيقة وحكما، أما حقيقة فلاستواء النصف الأسفل والأنحناء غير مانع لأن قيام بعض الناس يكون بهذه الصفة، وأما حكما فلأن مدرك الإمام في الركوع مدرك لتلك الركعة، وقال أبو يوسف لا يكبر تكبيرات العيد ول يقنت إذا فاتا عنه (ابن الملك، شرح المنار 42)
(¬3) البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (ج1/ 157).
(¬4) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (ج2/ 104).
(¬5) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (ج1/ 157).
(¬6) ابن أمير حاج، التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (ج2/ 128).
الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» (¬1). وهذه الأوقات عند الحنفية لا يصحُّ فيها شيءٌ من الفرائضِ والواجباتِ التي لزمت في الذمّة قبل دخولِها، وهي كما مرت في الحديث ثلاثة أوقات: عند طلوعِ الشمس إلى أن ترتفع وتبيض قدر رمح أو رمحين، وعند استواء الشمس في بطن السماء إلى أن تزول: أي تميل إلى جهة الغرب، عند اصفرار الشمس وضعفها - بأن تقدر العين على مقابلتها - إلى أن تغيب، إلا عصر يومِه، فلا يمنع عصر يومه ولا يكره أداؤه وقت اصفرار الشمس؛ لأنَّه أداه كما وجب؛ لأنَّ سبب الوجوب آخر الوقت إن لم يؤد قبله وإلا فالجزء المتصل بالأداء، فأداه كما وجب ناقصا لأن السبب للأداء وجب ناقصا فلا يكره فعله فيه، وإنَّما يكره تأخيره إليه.
فاحتاط الحنفية إلى تفريغ الذمة بما وجب عليه كاملا لا يؤدى إلا في وقت كامل، فلا يؤدى في الأوقات الناقصة؛ وهي الأوقات المكروهة، لأن ما ثبت في الذمة كاملا لا يؤدى إلا في الوقت الكامل.
قال صاحب البدائع (ليس للقضاء وقت معين بل جميع الأوقات وقت له إلا ثلاثة أوقات: طلوع الشمس، ووقت الزوال، ووقت الغروب، فإنه لا يجوز القضاء في هذه الأوقات لما مر أن من شأن القضاء أن يكون مثل الفائت والصلاة في هذه الأوقات تقع ناقصة والواجب في ذمته كاملا فلا ينوب الناقص عنه) (¬2).
واحتج الشافعي – رضي الله عنه – بجواز القضاء في هذه الأوقات بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك (¬3)، واحتج أيضا؛ بجواز أداء عصر يومه أداء فكذا قضاء.
ويجاب عليه، ما رواه استدل به الإمام الشافعي عام في الأوقات كلها، وما نرويه خاص في الأوقات الثلاثة فيخصصها عن عموم الأوقات، وعند التعارض يكون الرجحان للحرمة على الحل احتياطا لأمر العبادة، بخلاف عصر يومه فإن الاستثناء بعصر يومه ثبت في الروايات كلها فجوزناها (¬4). وقال صاحب البناية: (وأما عدم جواز قضاء الفائتة عند احمرار الشمس فلوجوبها في ذمته بصفة الكمال فلا يؤدي في الوقت الناقص للاحتياط بخلاف عصر يومه لنقصان السبب في حقه) (¬5)، وقال في موضع آخر في ما وجب في الذمة في وقت كامل: (ولا تجوز سجدة التلاوة، وهذا إذا كان تلا أو سمع قبل هذا الزمان فسجد في هذا الزمان بعدم إجزاء الناقص عن الكامل، أما لو تلا في هذا الزمان فسجد جازت لأنها أديت ناقصة كما وجبت) (¬6).
وهكذا تجد أن الحنفية قد احتاطوا لفراغ الذمة فيما لزمها أداءه وعليها قضاءه، ثبت في الذمة كاملا قبل هذه الأوقات لا يؤدى إلا في وقت كامل ليس فيه كراهة، ولأن الوقت بالقضاء موسع، فالأداء بالوقت الكامل أحوط وأسلم، خروجا عن العهدة، ولأن العبادات مبناها على الاحتياط، فلا شك أن الخروج بيقين أفضل مما فيه شك، كما حرص الحنفية على الأداء الكامل، بل إن الكامل لا يبنى ناقص، ويجوز العكس، ويظهر هذا في الاقتداء بالصلاة، فلا يبنى الكامل على الناقص، لأن الكامل أقوى حالا، فلم يجوّزوا أن يأتَمَّ المفترض بالمتنفل؛ لأن
¬
(¬1) أخرجه مسلم، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة، برقم (831)، (ج1/ 568)؛ و الترمذي، (ج3/ 339)؛ والنسائي في سننه (ج1/ 275).
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 246).
(¬3) أخرجه البخاري، باب قضاء الصلاة الأولى فالأولى، برقم (598)، (ج1/ 123)؛ و مسلم، باب قضاء الصلاة الفائتة، برقم (680)، (ج1/ 471).
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 246).
(¬5) العيني، البناية شرح الهداية (ج2/ 587).
(¬6) المصدر السابق (ج2/ 62).
صاحب الفرض أقوى حالا، فلا يبني الكامل على الناقص، ولا يقتدي السليم بصاحب العذر، لأن السليم أقوى حالا من المعذور كمن يعاني من سلسل البول، ولا يقتدي اللابس بالعار، وهكذا (¬1).
قال صاحب الاختيار: (وبناء الناقص على الكامل يجوز، والكامل على الناقص لا يجوز؛ لأن الضعيف لا يصلح أساسا للقوي، لأنه بقدر النقصان يكون بناء على المعدوم وإنه محال، وإذا عرف هذا فنقول: حال الطاهر أقوى من حال صاحب العذر، وحال القاريء أقوى من حال الأمي، وحال المكتسي أقوى من حال العريان، وحال الذي يركع ويسجد أقوى من حال المومىء، وحال المفترض أقوى من المتنفل، فلا تجوز صلاتهم خلفهم) (¬2).
المطلب الرابع: أثر الاحتياط في الحيض والاستحاضة:
وأساس هذه المسألة في المرأة التي جاوز نزول الدم أيام حيضها المعتاد فجاوز العشرة أيام، فاعتبر الحنفية أن الزيادة عن عشرة أيام استحاضة، وتُردُّ المرأة إلى أيام حيضها، وتقضي الصلاة والصيام في الأيام التي تركتها ما بين عادتها وأقصى مدة الحيض وهي العشرة أيام، للخروج عن ذمتها بيقين، ولأن العبادة مبناها على الاحتياط، ففي إفراغ الذمة أوجب وأسلم. قال صاحب البدائع: (وأما صاحبة العادة في الحيض، إذا كانت عادتها عشرة فزاد الدم عليها فالزيادة استحاضة، وإن كانت عادتها خمسة أيام فالزيادة عليها حيض، معها إلى تمام العشرة لما ذكرنا في المبتدئة بالحيض، وإن جاوز العشرة فعادتها حيض، وما زاد عليها استحاضة .. ولأن ما رأت في أيامها حيض بيقين، وما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضا، فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة فتصلي) (¬3) فلا تترك الصلاة بالشك، فيكون قضاء الصلاة والصيام في تلك الأيام التي ظنتها حيضا أسلم لفراغ الذمة)
وأما في المرأة التي انقطع حيضها دون أيام عادتها، فإنها تعتبر من الطاهرات، إلا أن زوجها لا يقربها إلا بعد مرور أيام عادتها السابقة، وذلك للاحتياط، لأن الدم قد يرجع مرة أخرى، فيكون قد وطئها في الحيض وهو منهي عنه، فكان الأسلم الانتظار لخروج أيام عادتها السابقة، قال صاحب الهداية: (وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، لم يحل وطؤها حتى تغتسل؛ لأن الدم يدر تارة، وينقطع أخرى، فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع، ولو لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة بقدر أن تقدر على الاغتسال و التحريمة حل وطؤها " لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها فطهرت حكما، ولو كان انقطاع الدم دون عادتها فوق الثلاث، لم يقربها حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت؛ لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب) (¬4).
وإن لم يكن لها عادة معروفة بأن كانت ترى شهرا ستا وشهرا سبعا فاستمر بها الدم فإنها تأخذ في حق الصلاة والصوم والرجعة بالأقل؛ لأنه أقرب لبراءة الذمة وأحوط، لأنها عبادات محضة في حق الصلاة والصوم، ولأن الأمر يدور ما بين الجواز والوجوب، قال الكاساني: (وتصلي فيه وتصوم إن كان دخل عليها شهر رمضان؛ لأنه يحتمل أن يكون السابع حيضا ويحتمل أن لا يكون، فدارت الصلاة والصوم بين الجواز منها والوجوب عليها في الوقت فيجب، وتصوم رمضان احتياطا لأنها إن فعلت وليس عليها، أولى أن تترك وعليها ذلك، وكذلك تنقطع الرجعة؛ لأن ترك الرجعة مع ثبوت حق الرجعة أولى من إثباتها من غير حق الرجعة) (¬5).
¬
(¬1) انظر: الطحطاوي، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص 186).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج1/ 60).
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 41).
(¬4) الميرغناني، الهداية في شرح بداية المبتدي (ج1/ 33).
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ج1/ 41).
وأما إذا تعلق الأمر في انقضاء العدة والغشيان؛ فإن الاحتياط أن تأخذ بالأكثر؛ (لأنها إن تركت التزوج مع جواز التزوج أولى من أن تتزوج بدون حق التزوج، وكذا ترك الغشيان مع الحل أولى من الغشيان مع الحرمة) (¬1).
الخاتمة:
وفي الختام يرى الباحث أن الاحتياط كان عند الحنفية بمكان، بحيث بنيب عليه العديد من الفروع الفقهية والأحكام، وكان عنصرا رئيسا وفاعلا في الترجيح بين الأدلة المتقابلة، وببناء الأحكام الفقهية، والقواعد الكلية الأغلبية، فلم يكن الاحتياط وخاصة في العبادات إلا للتأكد من الخروج عن العهدة بيقين، ومن خلال ما مضى يرى الباحث:
1 - الأصل في العبادات عند الحنفية الاحتياط؛ لأن الوظيفة الرئيسة للإنسان في الحياة هي العبادة، والاحتياط يكون بقدر الأهمية.
2 - يعتبر الاحتياط عاملا من عوامل الترجيح، فتجد أن الفقهاء قد استخدموا في ترجيحاتهم الفاظ: الاحتياط و الأحوط.
3 - إن الاحتياط على كثرة استعماله من قبل الفقهاء إلا أنه لا يعد مصدرا مستقلا من مصادر التشريع.
4 - كثير من الفروع بنيت عللها على الاحتياط، إما بتعليل صريح أو عبر عنها بمصطلحات مختلفة، إلا أنها تؤدي نفس الغرض، كالاستحباب، أو الندب، أو الأفضل أو سد الذريعة أو غيرها، فهي قريبة من معنى الاحتياط وإن لم يصرح بذلك.
5 - الاحتياط في التفريق الدقيق في طرق ثبوت الأخبار من حيث الظنية والقطعية، كان له الانعكاس والأثر على الفروع الفقهية.
6 - احتياط الحنفية لطرق الأخبار من حيث الورود حال كونها قطعية أو ظنية، كان له الأثر في تصحيح لكثير من العبادات، وخروج الملكلف عن العهدة.
7 - الاحتياط في المياه والأحداث والآسار رغم كونها وسائل، إلا أنها مفاتيح للعبادة وصحتها، فكانت أهميتها والاعتناء بها كالمقاصد في الاحتياط ورفع الحرج عن المكلفين.
8 - للاحتياط في مسائل المياه ورفع الأحدث والنجاسات أثر في دفع الوسوسة عن المكلف، فجعلت بعض المقدرات للعامي حتى يخرج عن العهدة بيقين، كتقدير حد العشرة بعشرة كمقدار بين القلة والكثرة في حمل النجاسة وعدمه.
التوصيات
يوصي الباحث من خلاله دراسته إلى ما يلي:
أولا: يوصي الباحث إلى إعطاء مزيد اهتمام بموضوع الاحتياط من حيث التأصيل والتطبيق على النوازل والواقعات الجديدة وخاصة من قبل دور الافتاء ضمن ضوابط ومنهجية واضحة تساعدهم وتسعفهم في تطبيق النصوص وملاءمتها للواقع وما يستجد من مسائل.
ثانيا: أن المجتهد يقوم جل عمله على الظن الراجح، وأن أغلب الأدلة في الشريعة الإسلامية هي أدلة ظنية، فيوصي الباحث أن يكون للاحتياط دور في بناء قناعة المجتهد لترجيحه جانب على جانب، مخرجا المكلف عن العهدة، ومحتاطا له في دينه ودنياه.
والله الموفق
المراجع
- القرآن الكريم
- الآمدي، أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبدالرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت
- ابن أمير حاج، محمد بن محمد (1983)، التقرير والتحبير، ط2، الكتب العملية، بيروت.
- البخاري، محمد بن اسماعيل (2001)، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور الرسول صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، ط1، تحقيق محمد زهير بن ناصر، دار طوق النجاة.
- البخاري، عبدالعزيز بن أحمد (1997)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
- البيهقي، أحمد بن الحسين (1994)، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق محمد عبدالقادر عطا، مكتبة الباز، مكة المكرمة
- الترمذي، محمد بن عيسى (1998)، سنن الترمذي الجامع الصحيح، تحقيق بشار معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت
¬
(¬1) المصدر السابق (ج1/ 41).
- ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (1995)، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد
- الجرجاني، علي بن محمد (2003)، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت.
- الجصاص، أحمد بن علي (2010)، شرح مختصر الطحاوي، تحقيق سائد بكداش، ط1، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
- الجصاص، أحمد بن علي (2007)، الفصول في الأصول، تحقيق عجيل جاسم النشمي، ط3، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت.
- الحاكم، النيسابوري (2007)، المستدرك على الصحيحين، ط1، دار ابن حزم، بيروت.
- الخادمي محمد بن محمد (2016)، مجامع الحقائق والقواعد وجوامع الروائق والفوائد في أصول الفقه والقواعد الفقهة، ط1، الرسالة ناشرون، عمان، ط1، الرسالة، بيروت
- الجصاص، أحمد بن علي ابو بكر الرازي (1994)، الفصول في الأصول، ط2، الناشر وزارة الأوقاف الكويتية.
- الخليلي، لؤي عبدالرؤوف الخليلي الحنفي (2014)، أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية، ط1، دار الفتح، عمان.
- ابن حنبل، أحمد (2000)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت
- السرخسي، محمد بن أحمد شمس الائمة (2001)، المبسوط، تحقيق محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت
- الشاطبي، ابراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي (1997)، الموافقات، ط1، دار ابن عفان.
- الشرنبلالي، الحسن بن عمار (1997)، مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح مع حاشية الطحطاوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
- الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (1993)، نيل الأوطار، ط1، دار الحديث مصر.
- الطبراني، سليمان بن أحمد (1983)، المعجم الكبير، ط2، مكتبة العلوم والحكم، الموصل.
- الطحاوي، أحمد بن محمد (1994)، شرح معاني الآثار، ط1، عالم الكتب، بيروت
- الطحطاوي، أحمد بن محمد، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
- الرازي، محمد بن احمد بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي فخر الدين (1997)، المحصول، ط3، تحقيق طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة.
- ابن عابدين، محمد أمين بن عبدالعزيز الدمشقي (1992)، رد المحتار على الدر المختار، ط2، دار الفكر، بيروت.
- ابن عابدين، محمد أمين (2005)، شرح عقود رسم المفتي، ط2، الرشيد، كراتشي.
- عبدالكريم زيدان (2006م)، الوجيز في أصول الفقه، ط15، مؤسسة الرسالة
- ابن فارس، أحمد بن فارس (1999)، معجم مقاييس اللغة، ط1، دار الكتب العملية، بيروت.
- الفيومي، أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت.
- الفيزروز أبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد ين يعقوب (2005)، القاموس المحيط، ط8، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت.
- الفراء، ابو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (1990)، العدة في أصول الفقه، تحقيق أحمد بن علي بن سير المباركي - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية
- ابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي (1968)، المغني، مكتبة القاهرة.
- القرافي، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس، الفروق أنوار البروق في أنواء الفروق، عدد الاجزاء 4، عالم الكتب، ج1، ص174
- الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي (1986)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت.
- اللكنوي، عبد الحي (2009)، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، تحقيق صلاح ابو الحاج، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
- ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، ط1، مكتبة أبي المعاطي.
- المحبوبي، عبيدالله بن مسعود (2006)، شرح الوقاية، تحقيق صلاح أبو الحاج، ط1، دار الوراق، عمان.
- مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، ط1، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- الموصلي، عبدالله بن محمود بن مودود أبو الفضل الحنفي (1937)، الاختيار لتعليل المختار، بدون طبعة، مطبعة الحلبي، القاهرة
- ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم (2005)، الأشباه والنظائر وبحاشيته نزهة النواظر على الأشباه والنظائر لابن عابدين، ط4، دار الفكر، دمشق.
- ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم (1993)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط3، دار المعرفة، بيروت.
- ابن نجيم، زين الدين بن ابراهيم بن محمد، النهر الفائق شرح كنز الدقائق، ط2، دار الكتاب الإسلامي
- النسائي، أحمد بن شعيب (1986)، سنن النسائي، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، ط2، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب.