أثر الإمام الكوثري في نصرة تأييد ...
.......... المذاهب الفقهية السنية
جارٍ تحميل الكتاب…
أثر الإمام الكوثري في نصرة تأييد ...
.......... المذاهب الفقهية السنية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
أثر الإمام الكوثري
في نصرة وتأييد المذاهب
الفقهية السنية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* ألقي في مؤتمر محمد زاهد الكوثري الدولي صورة علمية لعالم من علماء أواخر الدولة العثمانية في (24 - 25\ 11\2007م) في تركيا.
خلاصة البحث:
يعدّ الإمام الكوثري أبرز الشخصيات العلمية التي ظهرت في القرن العشرين، فهو بحقّ مجدد هذه الزمان بإظهاره الحقّ من علوم أهل السنة ودفاعه عنها حتى كان له أعظم الأثر في نصرة وتأييد مذهب أهل السنة لا سيما المذاهب الفقهية منه، ويمكن إيجاز ذلك بالنقاط التالية:
1. إظهاره وإشهاره جمهرة من علماء أهل السنة الأفذاذ من خلال الكتابة المتقنة الرصينة في تراجمهم وطبعها ونشرها.
2. دفاعه عن أئمة المذاهب الفقهية عامة، والإمام أبي حنيفة خاصة.
3. تحقيقه وتعريفه ونشره لكتب نوادر المخطوطات القيمة في نصرة وتأييد أئمة أهل السنة كأبي حنيفة، مع التعليق الجادّ النافع في دفع الشبهات عنهم.
4. تأييده ونصرته لمسائل أهل السنة الفقهية بالأدلة العقلية والنقلية بما يرفع ريب المرتابين.
5. تحقيقه ونشره لكتب الأئمة القيمة، مثل العالم والمتعلم.
6. دفعه المخططات الاستعمارية في الدفاع عن أبرز مسائل أهل السنة الفقهية التي حرفها المحرِّفون.
7. دعوته الشديدة إلى التمسّك بالمذاهب الفقهية، في وجه الجهلة والمفسدين.
8. ردّه على الأصول الفاسدة التي ابتدعها المعاصرون في إبطال الشريعة وأحكامها الغراء كالمصلحة العقلية المجردة.
9. كشفه لأساليب المتلاعبين بدين الله - جل جلاله -، بتغييرهم وقلبهم لشرع الله بحجّة تغير الزمان وبناء الأحكام على العرف.
10. بيانه سبب التخبط الفكري لدى الطلبة والمفتين في كلامهم وفتاويهم، وهو عدم التزام منهج واضح بالدراسة.
11. تنبيهه على فساد النظرية العصرية القائمة على تقسيم مدارس الفقهاء إلى مدرستين: مدرسة حديث، ومدرسة رأي.
12. أنه أفضل مَن تكلَّم عن التاريخ الفقهي للمذاهب السنية، واتصالها في طريقها ومنهجها بالهدي النبوي وسلف الأمة من الصحابة والتابعين.
13. ردّه لمسلك أهل الظاهر المخالف للأئمة الكبار في عدم الأخذ بالقياس.
14. تحدّثه عن الأصول العامة التي اعتمد عليها أئمة المذاهب في استنباط الأحكام ودفاعه عنها كعدم شذوذ الرواية عن الأصول.
15. إنصافه واعتداله في الثناء على علماء أهل السنة ونقدهم، بتقديمه عصارة تجربته العلمية في قراءة مصنفاتهم.
16. ردّه لما وقع في كتب الجرح والتعديل من التهجم على إمام الفقهاء أبي حنيفة، بإقامة الحجج والبراهين الدالة على بطلان ذلك.
17. بيانه لمخالفات وشواذّ العلماء لما عليه أهل السنة من الحق، حتى لا يغترّ به مغترٌ فيأخذ بها.
18. إظهاره المذاهب الفقهية بصورة المدارس العلمية المتآخية المترابطة لا المتنافرة المتشاحنة.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحيا معالم الدين بجهود العلماء العاملين، وجعلهم ورثة الأنبياء المرسلين، وخصّهم بالذكر والثناء إلى يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى الأمين، مبلغ الرسالة إلى الناس أجمعين، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن كلَّ الشكر والإكرام إلى القائمين على هذا المؤتمر الكريم، والمساهمين في إنجاحه، والراعين له على عنايتهم الفائقة وتقديرهم الرائق لهذا الإمام العظيم، في إنزاله منزلته بين الخلق أجمعين، فهو المجاهد بماله ونفسه في الدفاع عن الدين، والذود على حماه، في وجه أهل الضلال والفساد والبطلان من أذيال الاستعمار، والغزو الفكري للمشرق الإسلامي.
وكلّ مَن نلتقي بهم من علماء أهل السنة وفضلائهم في عالمنا العربي والإسلامي نلمس منهم الإعظام الكبير للإمام الكوثري؛ لما بذل من
جهد كبير في الحفاظ على العلوم السنية وإظهارها، والردّ على خصومها؛ ولما تتمتع به تأليفاته وتعليقاته من التحقيقات البديعة، والفوائد الفريدة، مما يدلّ على طول باع صاحبها ورسوخه في العلوم العقلية والنقلية، وجرأته في التصدي للباطل وأهله.
وهذا الحال الذي عليه إمامنا الجليل، جعله بحقّ هو المجدّد الحقيقي لهذا الدين في هذا العصر، كما وصفه بذلك العلامة أبو زهرة (¬1) وغيره، بل لا مبالغة في وصفه أن مَن أحبّه وسار على دربه فهو من أهل السنة، ومَن أبغضه وعاداه فهو ممن تنكب طريق أهل الحقّ، واتبع هواه، وهذا مشاهد معلوم.
وفي هذا البحث المتواضع سأسلط الضوء على أهم جانب عاش إمامنا من أجله، وهو فيما نظنّ أنه لم يحرك قلمه إلا له كما هو ظاهر في جميع كتاباته، وهو نصرته وتأييده لأهل السنة، وهذا مصداق قول الإمام الكوثري (¬2): «والله يعلم مبلغ إجلالي للأئمة المتبوعين ... ولم أزل في جميع أدواري كفاحي أدعوى إلى التمسك بشرع الله بالإنضواء تحت رايات هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم بدون التفات إلى من شذّ عن جماعتهم
¬
(¬1) ينظر: كلمة أبي زهرة المذكورة في مقدمة المقالات (ص15).
(¬2) في مقالة الصراع الأخير بين الإسلام والوثنية (ص410).
في الفرع والأصل ... »، وسنخصّ بالذكر هاهنا المذاهب الفقهية السنية منها، وما كان له من أثر في الحفاظ عليها والدفاع عنها.
وهذا ما سنعرضه في نقاط موجزة مع التمثيل عليها والتدليل عليها بذكر الوثائق العلمية من كتبه وكلامه، ولكن لا بُدّ من تمهيد موجز ببيان أهل السنة، ومذاهبهم الفقهية، وطريق الحقّ التي هم عليها كما فصّله الأئمة الكبار، حتى ندرك مدى التزام الإمام الكوثري بطريقهم ونهجهم، وتجديده لها، وأثره البليغ في الدفاع عنها؛ لأن ما يفعله كثيرون من التهجم على هذا الإمام هو بسبب عدم إدراكهم لحقيقة المذاهب السنية، والطريق المرضية لها.
سائلين المولى - عز وجل - أن يوفّقنا في ذلك، ويجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وهو على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.
* * *
تمهيد في بيان أهل السنة ومذاهبهم الفقهية:
قبل الولوج في ثنايا هذا الموضوع الشيّق، ينبغي لنا الوقوف على المراد من أهل السنة؛ لنتعرف على المذاهب الفقهية السنية، وهذا وإن كان مسلماً لدى الفضلاء، إلا أنه لَمّا ظهرَ أناس خلطوا الحابل بالنابل، وادعوا أنهم أهل السنة وما عداهم مبتدعة وضلال، حتى لاقا إمامنا الكوثري من طعنهم ورميهم ما سودوا به الآلاف من الصفحات، كان حقاً علينا لإحقاق الحقّ في نصابه أن نقف وقفة سريعة بتحديد أهل السنة عند السادة العلماء؛ لتكون على بصيرة من حقيقة الأمر، وإسقاطاً لزيف الزائفين في تهجمهم على هذا الإمام العظيم.
والتسمية بأهل السنة والجماعة قد فصَّلت الكلام فيها في «سبيل السنيين في النهوض بالمسلمين»، وخلاصة ما ذكرت أنه يستأنس لها بما روى ابن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلا ملّة واحدة، فقالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه
وأصحابي» (¬1)، وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمّتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» (¬2).
ومعنى «أهل السنة والجماعة» هم الذين طريقتهم طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - دون أهل البدع. كذا قال صدر الشريعة (¬3).
ووضحه العلامة المَيداني (¬4)، فقال: «أهل السنة: السيرة والطريقة المحمدية. وأهل الجماعة: من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، من المتبعين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال النجم الغزي: والمراد بطريقة أهل السنة والجماعة: ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام، وهو ما دلّ عليه السواد الأعظم من المسلمين في كلّ زمان، وهم الجماعة والطائفة الظاهرون على الحقّ، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين ... ».
فحاصل ما سبق أن أهلَ السنة والجماعة تطلق على السواد الأعظم للمسلمين المتمسكين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعهم - رضي الله عنهم -، وهذا هو
¬
(¬1) في تخريج أحاديث الإحياء (7: 296): رواه الترمذي وحسنه، ولأبي داود من حديث معاوية - رضي الله عنه -، وابن ماجة من حديث أنس وعوف بن مالك - رضي الله عنهم -، وهي الجماعة، وأسانيدها جياد.
(¬2) في سنن ابن ماجة (2: 1322)، واللفظ له، و سنن أبي داود (2: 608).
(¬3) في التوضيح (3: 38).
(¬4) في شرح العقيدة الطحاوية (ص44).
معنى حديث: «ما أنا عليه وأصحابي».
ومن المعلوم أنّ الإنسانَ له عقل وجوارح وقلب، فالعقل يكون تفكيره صحيحاً إن كان اعتقاده سليماً، والجوارح تعمل بصورة صحيحة إن عرفت الأحكام الشرعية المتعلّقة بها، والقلب يكون سوياً إن تعرف على السلوك القويم ووجد التربية الأخلاقية المناسبة، وهذه الحاجيات الثلاث التي يحتاجها كلّ إنسان جاءت بها الشريعة الإسلامية، واشتملت عليها تعاليمها: العقائد والأعمال والسلوك، وكلّ هذا ظاهر في سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومَن تبعهم - رضي الله عنهم -.
وأحقّ المسلمين بحديث: «ما أنا عليه وأصحابي»، مَن كان تمسّكه بجميع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الجوانب الثلاثة، لا في جانب دون جانب، فبقدر ما يكون التزامه بالأحكام الفقهية، واعتقاده بالمسائل العقدية، وتخلقه بالسلوك المستقيم، فإنه يكون على الخير النبوي؛ لأن هذه المحاور الثلاثة تمثّل الإسلام، وانعكاسها على الفرد يعطي صورة المسلم المتمسِّك بمنهج أهل السنة والجماعة، وهذا ما رأينا عليه كتابات الإمام الكوثري - رضي الله عنه -، فإنه لم يتحرك قلمه إلا لنصرة مذاهب أهل السنة والجماعة الفقهية والعقدية والسلوكية، والتي تتمثّل فيما يلي:
أولاً: الجانب العقدي:
إذ تولّى شرحه وتفصيله مذهب الأشاعرة ومذهب الماتريدية، وعبارات العلماء لا تعدّ ولا تحصى في تأكيد هذه الحقيقة الساطعة عند أهل العلم، وهي من المعلوم عندهم من الدين بالضرورة.
قال خاتمة المحققين ابن عابدين (¬1): «أهل السنة والجماعة: وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضُهم إلى الخلاف اللفظي كما بُيِّن في محلِّه». وقال الإمام الزبيدي - رضي الله عنه - (¬2): «إذا أطلق السنة والجماعة، فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية».
ومؤلفات الإمام الكوثري في نصرة عقيدة أهل السنة كثيرة، ومنها: «تبديد الظلام المخيم على نونية ابن القيم»، و «الاستبصار في التحدث عن الجبر والاختيار»، و «نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى قبل الآخرة»، وتحقيقه: «دفع شبه التشبيه» لابن الجوزي، و «الأسماء والصفات» للبيهقي، و «التنبيه والرد» للملطي، و «التبصير في الدين» للإسفراييني، و «الإنصاف» للباقلاني، و «الفرق بين الفرق» للبغدادي، و «العقيدة النظامية» لإمام الحرمين، و «إشارات المرام من عبارات
¬
(¬1) في رد المحتار (1: 52).
(¬2) في إتحاف السادة المتقين (2: 6).
الإمام» للبياضي، و «شرح المقدمات الخمس والعشرين في إثبات وجود الله وتنزيهه».
ثانياً: الجانب التربوي:
ويهتمّ بتزكية النفس وتهذيبها وتحليتها بالأخلاق الفضيلة، وتنقيتها من الأفعال الرذيلة، وتنمية الإخلاص لله - جل جلاله - فيها، وسُمّي العلم المختصّ بها التصوّف، وقد ظهرت فيها طرق عديدة تستقى من مشكاة النبوة لتحقيق هذا المقصد.
ومن الدلائل الظاهرة على أن التصوفَ يمثِّل الجانب السلوكي عند أهل السنة أنك تجد أن كبار الأئمة وعلماء الأمّة كانوا يأخذون به ويسيرون فيه كالنووي والسبكي والغَزالي والسُّيوطي وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي والقاري والزبيدي وابن عابدين واللكنوي وغيرهم.
والإمام الكوثري - رضي الله عنه - كان نقشبندياً في طريقه إلى الله - جل جلاله -، وله مؤلفات في ذلك، منها: «نظم العتيد في توسّل المريد»، و «إرغام المريد في شرح النظم العتيد في توسل المريد»، و «البحوث السنية في بعض رجال أسانيد الطريقة الخَلْوتية».
ثالثاً: الجانب الفقهي:
ويُبيِّنُ أحكامَ أعمال الجوارح من يد ورجل ولسان وفرج وعين وغيرها، وقد أجمع أهل السنة على اقتصار بيان أحكامها في المذاهب الأربعة المشهورة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي؛ لما في فتح الباب على مصراعيه من التلاعب في الدين، وعموم الفوضى التي تعمّ في البلاد، وضياع المناهج القويمة المؤسَّسة للطلبة على أحد هذه المذاهب، فكلّ مَن أرادَ الظهور والبروز والتزلُّف لغيره ادعى اجتهاداً لم يسبق إليه، كما سيأتي.
وفعل الأمّة بعد الأئمة الأربعة في التزامهم مذاهبهم والسير على طريقهم في الفتوى والاجتهاد من أقوى الحجج على صحّة هذا الأمر، ولا تجد عالماً إلا أن تجده متبعاً لأحد هذه المذاهب؛ لا سيما أن الأمّة لا تجتمع على ضلالة كما هو مبيّن في محلّه، ومن عباراتهم الدالّة على هذا الإجماع:
قال إمام الحرمين: «أجمع المحققون على أن العوامَّ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم -، بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا ... وبوبوا؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب المسائل
والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم» (¬1).
وقال العلامة القرافي - رضي الله عنه -: «رأيت لابن الصلاح - رضي الله عنه - ما معناه: أن التقليد يتعيَّن لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم; لأن مذاهبَهم انتشرت وانبسطت حتى ظهرَ فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكماً في موضع وجد مكملاً في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجرّدة، فلعل لها مكملاً أو مقيّداً أو مخصّصاً، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة» (¬2).
وقال الحافظ ابن رجب - رضي الله عنه - (¬3): «قد نبَّهنا على علّة المنع من ذلك ـ أي من تقليد غير الأئمة الأربعة ـ وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبِّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة».
وقال الفقيه ابن حَجَر وغيره: «إنه يشترط في تقليد الغير أن يكون مذهبه مدوّناً محفوظ الشُّروط والمعتبرات؛ فقول الإمام السُّبكيّ - رضي الله عنه -: إن
¬
(¬1) ينظر: مواهب الجليل (1: 30).
(¬2) ينظر: مواهب الجليل (1: 30).
(¬3) في الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة (ص34).
مخالف الأربعة كمخالف الإجماع محمول على ما لم يحفظ، ولم تعرف شروطه، وسائر معتبراته من المذاهب التي انقطع حملتها، وفقدت كتبها: كمذهب الثوريّ والأوزاعيّ وابن أبي ليلى، وغيرهم» (¬1).
وقال العلامة عبد الغني النابلسي (¬2): «وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن غير المذاهب الأربعة فلا يجوز؛ لا لنقصان في مذاهبهم ورجحان المذاهب الأربعة عليهم؛ لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة، بل لعدم تدوين مذاهبهم، وعدم معرفتنا الآن بشروطها وقيودها، وعدم وصول ذلك إلينا بطريق التواتر، حتى لو وصل إلينا شيء من ذلك كذلك جاز لنا تقليده لكنه لم يصل».
وما ذكرت من اتفاق أهل السنة على التزام هذه المذاهب الأربعة أمرٌ مشهورٌ معروفٌ عند الخاصّة والعامّة، لكن لما ظهر مَن يشكك الناس في المسلّمات احتاج الأمر إلى البيان والتوضيح، فإذا تقرر لديك ما مرَّ علمت أن هذه المذاهب الأربعة تمثّل الجانب العملي عند أهل السنة، ومَن يدعي أنه سُنيّ فعليه الأخذ بواحد منها.
ولمّا كانت هذه المذاهب الأربعة ممثلة لأهل السنة لم نحتج لنقل النصوص الدالّة على ذلك؛ إذ عبارات كتب هذه المذاهب مشحونة
¬
(¬1) ينظر: بلوغ السول (ص18).
(¬2) في خلاصة التحقيق (ص68 - 69).
بمئات الكلمات الدالة على انتسابهم لمذهب أهل السنة والجماعة، قال بدرُ الدين العَيْنيّ (¬1): «مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة»، وقال الإمام القاري (¬2): «ومذهب الحنفية من جملة أهل السنة والجماعة».
إذا استبانت لك هذه الحقيقة الساطعة التي يغفل عنها كثيرون بسبب الهجمة الشرسة على العالم الإسلامي في تحريف الإسلام من المستعمرين لا سيما في الدول العربية منه، وهذا ما فعل في الأزهر عندما بدلت مناهجه وحرِّفت حتى يتمكّن المستعمرون من تحقيق أهدافهم ونشر فسادهم وتنفيذ مخطّطاتهم.
وهذا ما صرَّحَ به اللورد كرومر في «مذكراته» وجاء سيل الإنجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخربة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته ...
وبهذا أدخل قاسم أمين أفكاره عن المرأة والحجاب، وبهذا تسلّل الإنجليز نفسه إلى الأزهر في أشخاص كثيرين من ممثليه وأتباعه وبطانته،
¬
(¬1) في عمدة القاري (2: 237).
(¬2) في مرقاة المفاتيح (15: 321).
وبهذا نسخت أحكام ومناهج إسلامية عظيمة بأحكام ومناهج أوروبية سخيفة (¬1).
وهذا الإفساد للمناهج السنية في الأزهر قد تنبَّه له الإمامُ الكوثريّ، وحَذَّرَ منه أشدَّ تحذير لما فيه من ضياعٍ للدين، وتيهٍ للمسلمين، كما هو حاصل لكثير من الناس في هذا الزمان.
ويمكن إيجاز أثر الإمام الكوثري وجهوده ودفاعه عن مذاهب أهل السنة الفقهية في النقاط التالية:
الأول: إظهاره وإشهاره جمهرة من علماء أهل السنة الأفذاذ من خلال الكتابة المتقنة الرصينة في تراجمهم وطبعها ونشرها، ومن ذلك:
1. بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
2. حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي.
3. الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي.
4. لمحات النظر في سيرة الإمام زفر.
5. الإمتاع بسيرة الإمامين الحسن بن زياد وصاحبه محمد بن شجاع.
¬
(¬1) ينظر: محاضرات في الفقه المقارن للدكتور البوطي (ص7 - 8).
6. تذهيب التاج اللجيني في ترجمة البدر العيني. (لم يطبع، وإنما طبع مختصره أول عمدة القاري).
7. الاهتمام بترجمة ابن الهمام. (لم يطبع).
8. قطرات الغيث من حياة الليث. (لم يطبع).
9. الروض الناضر الوردي في ترجمة الإمام الرباني السَّرهندي. (لم يطبع، وهو الكتاب الوحيد الذي ألفه باللغة التركية).
10. نبراس المهتدي في اجتلاء أنباء العارف دمرادش المحمدي.
11. ترجمة العلامة محمد منيب العِنتابي. (لم يطبع).
الثاني: دفاعه عن أئمة المذاهب الفقهية عامة، والإمام أبي حنيفة خاصة، فهو إمام مذهبه الفقهي، ومن ذلك:
1. تعليقه على «الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء» بالفوائد والفرائد اللطيفة في بيان منزلتهم العالية الرفيعة، وردّه للشبهات الباطلة عنهم.
2. تأليفه لكتاب «أقوم المسالك في بحث رواية مالك عن أبي حنيفة، وأخذ أبي حنيفة عن مالك».
3. ردّه على الجويني ـ صاحب «مغيثِ الخلقِ في اتَّباعِ الحق» التي نال فيها من الإمام أبي حنيفة ـ في كتابه «إحقاق الحق بابطال الباطل في
مغيث الخلق» (¬1)، وذلك بسبب سعي بعضهم في نشر «مغيث الخلق» للطعن في الإمام أبي حنيفة، فشمر إمامنا الكوثري عن ساعد الجدّ، وبيّن فساد ما في الكتاب من الشبهات، وردّ كيد أصحاب هذه الفتنة إلى نحورهم، وحفظ لأهل السنة حرمة إمامهم.
4. ردّه في «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» على ما ورد في ترجمة أبي حنيفة من «تاريخ بغداد» (¬2)، من الروايات الضعيفة، والأسانيد الموضوعة في ثلب الإمام أبي حنيفة، حين سعى أهل الفتنة والفساد لنشره بين العباد؛ لإضاعة دينهم بالطعن في إمامهم لا سيما في البلاد الهندية.
الثالث: تحقيقه وتعريفه ونشره لنوادر المخطوطات القيمة في نصرة وتأييد أئمة أهل السنة كأبي حنيفة، مع التعليق الجادّ النافع في دفع الشبهات والشكوك عنهم، ومن ذلك:
¬
(¬1) وقد سبق الإمام الكوثري في الردّ على مغيث الخلق جمع من العلماء، ومنهم: محمد عبد الستار الكردري، وملا علي القاري.
(¬2) وقام عدّة من العلماء بردّ ما في تاريخ بغداد من ثلب أبي حنيفة منهم: الملك المعظم في كتابه السهم المصيب في كبد الخطيب، وأبو المؤيد الخوارزمي في مقدمة جامع مسانيد أبي حنيفة.
1. أنه حقَّق ونشر كتاب «مناقب أبي حنيفة وصاحبيه» للذهبي، ومن تعليقاته عليه (¬1) في دفعة شبهة الرقّ في أصل أبي حنيفة: «كان ولاء أبي حنيفة لبني تيم الله ولاء المولاة، قال الطحاوي في «مشكل الآثار» (¬2): سمعت بكار بن قتيبة يقول: قال ابن عبد الرحمن المقرئ: أتيت أبا حنيفة فقال لي: من الرجل؟ فقلت: رجل منَّ الله عليه بالإسلام، فقال لي: لا تقل هكذا، ولكن وال بعض هذه الأحياء، ثمّ أنتم إليهم فإنّي كنت كذلك. ومثله ما رواه ابن أعين عن أحمد بن منصور الرمادي عن المقرئ، وزاد يعقوب بن شيبة عند ابن أبي العوام: فوجدتهم حيّ صدق.
فعلم من ذلك أن ولاء أبي حنيفة لتيم الله بن ثعلبة لم يكن بإسلام أحد أجداده على يد أحد من بني تيم الله، لا بإعتاق أحدهم لأحد أجداد أبي حنيفة فيكون ولاؤه ولاء مولاة لا ولاء إسلام، ولا ولاء إعتاق، فتذهب الروايات المختلفة في انتقاصه بنسبه أدراج الرياح هكذا، على أنّ العبرة بالتقى والعلم».
¬
(¬1) مناقب أبي حنيفة (ص8).
(¬2) مشكل الآثار (4: 54).
2. أنه حقق ونشر «الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح» لسبط ابن الجوزي (ت654هـ)، وقال في «مقدمته» (¬1): «وسبط ابن الجوزي سلك في «انتصاره» هذا طريقاً علمياً بحتاً غير مثير، ففي كتابه هذا بعد انتشار كثير من مثله في باقي المذاهب، ملء فراغ بالنظر إلى المذهب الحنفي مع ما في ذلك من استنهاض للهمم في ترديد مزايا الأئمة على الوجه المرضي».
3. أنه حقق ونشر «منية الألمعي فيما فات الزيلعي» للعلامة قاسم بن قطلوبغا.
4. أنه قدَّم لكتاب «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية»، وفصل فيها بذكر مدرسة الحنفية، وأشهر المحدثين المنتسبين إليها، وكثرة كتب أدلة الأحكام الفقهية فيه، وذلك لدفع فرية قلة المحدثين والأدلة لهذا المذهب العظيم.
الرابع: تأييده ونصرته لمسائل أهل السنة الفقهية بالأدلة العقلية والنقلية بما يرفع ريب المرتابين، وشكّ الشاكين في رسوخ هذه المذاهب، وعظم شأن أصحابها، ومن ذلك:
¬
(¬1) (ص3).
1. أنه ألف ردّاً على ابن أبي شَيْبة (¬1) في الأحاديث التي ساقها في «كتاب الرد على أبي حنيفة» من «مصنفه» مدعياً أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - خالفها، يعدّ من أشمل الردود وأفضلها، وسمَّاه «النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة» بلغ قرابة (300) صفحة، بيَّن فيه مَن وافق أبا حنيفة عليها في هذه المسائل من الأئمة، واستوفى الكلام على كل مسألة منها، وبلغت المسائل (125) مسألة اجتهادية من أمهات المسائل.
وكان سبب تأليفه كما قال في «مقدمته» (¬2) أنه طبع هذا الباب من «المصنف» بمفرده ككتاب مستقل في دهلي بالهند من قبل بعض من ظنّ في ذلك نكاية في أبي حنيفة وأصحابه لحاجة في النفس.
2. ألف كتاب «رفع الاشتباه عن مسألتي كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة»، ونصر فيه ما ذهب إليه الحنفية في وجه بعض المعاصرين.
¬
(¬1) وقد سبقه في الرد على ابن أبي شيبة عدد من العلماء منهم: محيي الدين القرشي، وقاسم بن قطلوبغا، والصالحي.
(¬2) (ص6).
3. أنه حقّق ونشر «الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة» لعمر الغزنوي (ت773هـ)، وهو من كتب أدلة الأحكام للمذهب الحنفي.
4. أنه حقّق ونشر «كشف الستر في فرضية الوتر» لعبد الغني النابلسي (ت1143هـ)، وفيه أدلة ساطعة، وبراهين لامعة على قوة رأي الإمام أبي حنيفة في فرضية صلاة الوتر.
5. أنه ألّف «محقّ التقول في مسألة التوسل»، وأقام فيه الأدلة الجلية على نصوع الحقّ، ودفع أوهام المعاندين والمتنكبين لطريقة أهل السنة.
6. أنه ألّف «الإفصاح عن حكم الإكراه في الطلاق والنكاح».
7. أنه كتب عدّة «مقالات» في نصرة وتأييد المذاهب السنية، ودحض شبهة المبطلين، وكيد الكائدين.
الخامس: تحقيقه ونشره لكتب الأئمة القيمة، ومنها: «العالم والمتعلم»، و «الفقه الأبسط»، و «الفقه الأكبر»، و «الوصية» لأبي حنيفة، و «رسالة أبي حنيفة للبتي»، وتقديمه لكتاب «مسند الإمام الشافعي بترتيب السندي»، و «أحكام القرآن» للشافعي، جمع الحافظ البيهقي
السادس: تعريفه وإبرازه بالمشايخ العظام من معاصريه وشيوخه من أهل السنة، وإذاعة صيتهم وذكرهم في مؤلفاته وتحقيقاته، ومن ذلك:
قال الإمام الكوثري (¬1): عن الشيخ المطيعي (ت1254هـ): والله يعلم ماذا فقدت مصر من سمعتها العلمية في الخارج منذ مات شيخ فقهاء عصره الشيخ محمد بخيت رحمه الله، وكان مرجع القضاة والعلماء في أقطار الأرض في حل مشكلاتهم، فأي قاض أو فقيه إذا راجعه في مشكلة كان يجد الجواب بما يحل مشكلته على مذهبه حاضراً وأصلاً إليه فيمضي القاضي القضاء ويعمل المستفتي بالفتيا؛ لأنه كان إذا نقض أوجع، وإذا أبرم أقنع؛ لسعة دائرة بحثه في فقه المذاهب وطول ممارسته للمدارسة والقضاء والإفتاء، ومقدار ذلك العالم العالمي كان عندهم عظيماً.
وإني أعرف من أفاضل القضاة من كان يراجعه فيما يستشكله من المسائل مع كونه ممن له غوص في الفقه ليتأكد مما فهمه من كتب الفقه، فيجد الجواب عن مسألته، ويصل إليه في مدّة يسيرة، وبعد وفاته رحمه الله راجع ذلك القاضي مصر على ما تعوَّد في عهد الشيخ بخيت رحمه الله، فانتظر شهراً وشهرين وثلاثة أشهر إلى ستة أشهر بدون أن يصل
¬
(¬1) في الإشفاق في أحكام الطلاق (ص87 - 88).
إليه جواب عن مسألته، وكان يرجئ القضية إلى ورود الجواب في قطر سوى قطر مصر (¬1).
وكذلك أكثر من النقل عن محدّث العصر محمد أنور شاه الكشميري كما في «النكت الطريفة» مع الإشادة به وبجهوده الكبيرة في خدمة مدرسة الحديث التي ظهرت في القارة الهندية لتأييد مذهب السادة الحنفية الفقهي.
وكذلك بالغ في الثناء والإطراء على المحدث الكبير شبير العثماني، وخصّ كتابه «فتح الملهم شرح صحيح مسلم» بمقالة خاصة.
واهتم في بيان الجهد العظيم الكبير الذي بذله العلامة المحقق ظفر أحمد التهانوي في كتابه «إعلاء السنن» في جمع واستقصاء أدلة المذهب الحنفي.
السابع: دفعه المخططات الاستعمارية في الدفاع عن أبرز مسائل أهل السنة الفقهية التي حرفها المحرِّفون إما جهلاً أو طلباً لمصلحة دنيوية، وإفراد بعضها في تأليفات خاصة، ومقالاته المطبوعة المشهورة خير شاهد على ذلك.
¬
(¬1) ينظر: الأعلام (6: 247)، و معجم المؤلفين (3: 159).
ويكفينا هنا أن نمثل بمسألة الطلاق الثلاث التي أقرّت المحاكم إيقاعها واحدة، واحتج بعضهم بأنه قول ابن تيمية، فأفرد الإمام الكوثري تأليفاً به سمّاه «الإشفاق في أحكام الطلاق»، أجاب فيه أحسن جواب بما يرجع الحقّ إلى النصاب، وإنني كنت جمعت فيه تأليفاً مستقلاً سميته «مئة دليل ودليل على وقوع الطلاق الثلاث بالدليل»، فرأيت أفضل من جمع وحقق في هذا الباب هو الإمام الكوثري.
فكثير ممن قال بهذا القول الباطل احتجّ بأن هذا الخلاف وقع في عصر الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، لكنه لا يثبت هذا القول عن أحد يعتد به من الفقهاء عند من يمحص ويدقق، وقد حقق الإمام الكوثري ذلك (¬1)، ونقل عن الحافظ ابن رجب الحنبلي في «بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة»: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد.
¬
(¬1) في الإشفاق في أحكام الطلاق (ص62 - 63)، ومثله حقق شيخنا العلامة هاشم جميل في فقه سعيد بن المسيب (3: 319).
الثامن: دعوته الشديدة إلى التمسّك بالمذاهب الفقهية، في وجه الجهلة والمفسدين الذي يريدون أن يعبثوا في دين الله - جل جلاله -، وهذه من أسوأ الدعوات التي ظهرت لهدم عرى هذا الدين.
ومن أجمل العبارات التي قيلت في التصدي لها، وبيان فسادها، هي: «اللامذهبية هي قنطرة اللادينية»، وقد قالها الإمام الكوثري، وجعلها عنواناً لأحد مقالاته، ومما قال فيها (¬1): «فمَن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الأئمة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم، لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلها بحيث يباح لكل شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء أي مجتهد من المجتهدين بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيره في الاتباع، وهذا ينسب إلى المعتزلة، وأما الصوفية فإنهم يصوبون المجتهدين بمعنى الأخذ بالعزائم خاصة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد.
وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي ـ من رجال نور الدين الشهيد ـ في كتابه «الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا» حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى
¬
(¬1) مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية (ص223 - 225).
الفتوى، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمة الأربعة خاصة، وليس في هذا معنى التشهي أصلاً، بل هو محض التقوى والورع.
والرأي الذي ينسب إلى المعتزلة يبيح لغير المجتهد الأخذ بما يروقه من الآراء للمجتهدين، لكن أقلّ ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخيرَ لدينه مجتهداً يراه الأعلم والأورع، فينصاع لفتياه في كل صغير وكبير بدون تتبع الرخص ـ في التحقيق ـ.
وأما تتبعه الرخص من أقوال كل إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمة، فليسا إلا تشهياً محضاً، وليس عليها مسحة من الدين أصلاً، كائناً من كان مبيح ذلك؛ ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الإمام، عن تصويب المجتهدين مطلقاً: «أوله سفسطة وآخر زندقة»؛ لأن أقوالهم تدور بين النفي والإثبات، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معاً ... ؟
نعم إن مَن تابعَ هذا المجتهد في جميع آرائه فقد خرجَ من العهدة أصاب المجتهد أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون؛ لأن الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والأحاديث في هذا الباب في غاية من الكثرة، وعلى اعتبار مَن قَلَّدَ المجتهد خارجاً عن العهدة وإن أخطأ المجتهد جرت الأمة منذ بزغت
شمس الإسلام، ولا تزال بازغة إلى قيام الساعة ـ بخلاف شمس السماء فإن لها فجراً وضحى وغروباً ـ.
ولولا أن المجتهد يخرج من العهدة على تقدير خطئه لما كان له أجر، وليس كلامنا فيه، وكلام الأستاذ الإسفرايني عن المصوبة حقّ يدلّ عليه ألف دليل ودليل، ولكن ليس هذا بموضع توسع في بيان ذلك».
وقال (¬1): «ومَن يتذبذب بين المذاهب، منتهجاً اللامذهبية في الدِّين الإسلامي، فهو أسوأ وأردأ من الجميع، وللعلوم طوائف خاصة، تختلف مناهجهم، حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص، فمَن ادّعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة، فإنه يُعدُّ سفيهاً منتسباً إلى السَّفه لا إلى الفلسفة، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة، حتى في العلوم العربية، لا يمكن إغفالها ولا تسفيه أحلام المستمسكين بأهدابها، لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصَّافية. وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي الإسلام، مثل الفقه الإسلامي».
وقال أيضاً (¬2): «مذاهب تكون بّهذا التأسيس، وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن، متزعماً في الشَّرع، يدعو إلى نبذ التَّمذهب بها
¬
(¬1) في مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية من مقالاته (ص219).
(¬2) في مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية من مقالاته (ص222).
باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولاً تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، فتبقى المذاهب وتابعوها في حيرة، بماذا يحلُّ أن يلقَّبَ مَن عنده مثل هذه الهواجس والوساوس أهو مجنون مكشوف الأمر، غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مُذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء».
التاسع: ردّه على الأصول الفاسدة التي ابتدعها المعاصرون في إبطال الشريعة وأحكامها الغراء، ومن أبرزها المصلحة العقلية المجردة التي أنزلت العقل البشري، مقام دين الله - جل جلاله - في التحليل والتحريم على حسب ما يراه ويهواه، باسم المصلحة، وما زلنا إلى يومنا هذا نكتوي بنار هؤلاء المتلاعبين يحرّمون ويحلّلون على ما يراه مزاجهم.
وقد جلَّى لنا حالهم وفضح لنا مقالهم وبيَّن فساد مسلكهم الإمام الكوثري فقال (¬1): «ومَن الذي ينطق لسانه بأنّ المصلحةَ قد تعارض حجج الله - جل جلاله - من الكتاب والسنة والإجماع؟ والقول بذلك قول بأن الله - جل جلاله - لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذه القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير - عز وجل - حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام
¬
(¬1) في مقالة رأي النجم الطوفي في المصلحة (ص345).
التي دلت عليها أوامر الله - جل جلاله - المبلغة على لسان رسوله ـ سبحانك هذا إلحاد أقرع ـ.
ومَن أعار سمعاً لمثل هذا التقول لا يكون له نصيب من العلم، ولا من العزّة القومية، وفي الذي يميلون إلى مثل ذلك الرأي الإلحادي يجدر أن ينشد قول القائل:
عمى القلوب عموا عن كل ... فائدة لأنهم كفروا بالله تقليداً
وليست تلك الكلمة غلطة من عالم حسن النية تحتمل التأويل، بل فتنة فتح بابها قاصد شر، ومثير فتن».
وقال أيضاً (¬1): «وأحكام الشرع لا تنتهي عجائب أسرارها في الإصلاح، وليست هي كأحكام العقول الخاطئة، وهاهي الدولة الإسلامية لم تسعد دولة منها إلا بمقدار تمسكها بأهداب الشرع، ولا شقيت إلا بنسبة ابتعادها عن أحكام الشرع، ولنا ألف دليل ودليل على ذلك في التاريخ الإسلامي، وقد نطق علي بن أبي طالب كرم الله وجه بكلمة حكيمة جداً حيث قال: ((ما ترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه (¬2)، وهي حقيقة
¬
(¬1) في مقالة شرع الله (ص183 - 184).
(¬2) ينظر: الكشكول للعاملي (ص2448)، و التذكرة الحمدونية (ص6567)، ولكنهم جعلوها حديثاً مرفوعاً.
ملموسة في جميع أدوار التاريخ، وقد صدق الشاعر الذي قال لعبد الملك بن مروان:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
ومثل هذا الممزق الموقع مثل من يمزق سراويله الساترة لسوءته؛ لترقيع موضع من جبته».
وبَيَّنَ منبعَ وأساسَ القول بالمصلحة والمقصد من ورائها فقال (¬1): «ومن جملة أساليبهم الزائفة في محاولة تغيير الشرع بمقتضى أهوائهم قول بعضهم: إن مبنى التشريع في المعاملات ونحوها المصلحة فإذا خالف النص المصلحة يترك النص ويؤخذ بالمصلحة!
فيا للخيبة ممن ينطق لسانه بمثل هذه الكلمة ويجعلها أصلاً يبني عليه شرعه الجديد!
وما هذا إلا محاولة نقض الشرع الإلهي بتحليل ما حرمه الشرع باسم المصلحة، فسل هذا الفاجر ما هي المصلحة التي تريد بناء شرعك عليها؟
إن كانت المصلحة الشرعية فليس لمعرفتها طريق غير الوحي حتى عند المعتزلة الذين يقال عنهم: إنهم يحكمون العقل كما تجد ذلك مفصلاً
¬
(¬1) في مقالة أثر العرف والمصلحة في الأحكام (ص342 - 343).
في «المعتمد» شرح العمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، وفي نقل نصّه طول راجع «الشامل» للإتقاني.
وإن كنت تريد المصلحة الدنيوية على اختلاف تقدير المقدرين فلا اعتبار لها في نظر المسلم عند مخالفتها للنص الشرعي؛ إذ العقل كثيراً ما يظن المفسدة مصلحة بخلاف الشرع.
وأما المصلحة المرسلة وسائر المصالح المذكورة في كتب الأصول وكتب القواعد ففيما لا نص فيه باتفاق علماء المسلمين، فلا يتصور الأخذ بها عند مخالفتها لحجج الشرع.
وأول مَن فتح باب هذا الشرّ شرّ إلغاء النعي باعتباره مخالفاً للمصلحة هو النجم الطوفي الحنبلي فإنه قال في شرح حديث: لا ضرر ولا ضرار؛ إن رعاية المصلحة مقدمة على النصّ والإجماع عند التعارض.
وهذه كلمة لم ينطق بها أحد من المسلمين قبلَه ولم يتابعه بعده إلا مَن هو أسقط منه والقول بأن إجراء ذلك في المعاملات دون العبادات باعتبار أن العبادات حقّ للشارع والمعاملات إنما وضعت أحكامها لمصالح العباد، وكانت هي المعتبرة فرق بدون فارق؛ لأن الله يأمر بما يشار فيما شاء من غير فارق بين أن يكون أمره في العبادات أو المعاملات وهو الذي أباح أنواعاً من البيوع وحرم أنواعاً منها، وكذا السلم
والصرف والإجارة وغيرها من أبواب الفقه، فإذا راج هذا المكر من هذا المضل ترى خديعته في الأبواب كلها ويكون شرع الله أثراً بعد عين ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره.
ومَن الذي ينطق لسانه بأن المصلحة قد تعارض حجج الله من الكتاب والسنة والإجماع، والقول بذلك قول بأن الله لا يعلم مصالح عباده، فكأنهم أدرى بها حتى يتصوّر أن تعارض مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله، سبحانك هذا إلحاد مكشوف، ومَن أعار سمعاً لمثل هذا التقويل فلا يكون له نصيب من العلم، ولا من الدين، وليست تلك الكلمة غلطة فقط من عالم حسن النية تحتمل التأويل بل فتنة فتح بابها قاصد شرّ ومثير فتن.
وعن هذا الطوفي الحنبلي يقول ابن رجب - رضي الله عنه - في «طبقات الحنابلة» لم يكن له يد في الحديث، وفي كلامه تخبيط كثير، وكان شيعياً منحرفاً عن السنة، ولقد كذب هذا الرجل وفجر فيما رمى به عمر - رضي الله عنه -. وذكر بعض شيوخنا عمَّن حدثه أنه كان يظهر التوبة ويتبرأ من الرفض، وهو محبوس، وهذا نفاقه، فإنّه لما جاور في آخر عمره بالمدينة صحب السكاكيني شيخ الرافضة، ونظم ما يتضمّن السبّ لأبي بكر - رضي الله عنه -، ذكر ذلك عنه المطري حافظ المدينة ومؤرخها اهـ.
وقال ابن مكتوم: اشتهر عنه الرفض والوقوع في أبي بكر - رضي الله عنه - وابنته عائشة رضي الله عنها، ومن شعره:
كم بين من شك في خلافته ... وبين من قيل إنه الله
يعني أبا بكر وعلياً - رضي الله عنهم -، فهل هذا يصدر ممَّن في قلبه إيمان، وكان يقول عن نفسه:
حنبلي رافضي ظاهري ... أشعري إنها إحدى الكبر
راجع ترجمته من «طبقات ابن رجب» و «الدرر الكامنة» و «شذرات الذهب»، أفمثل هذا الزائغ يتخذ قدوة في مثل هذا التأصيل الذي يرمى إلى استئصال الشرع، ولا يغترن القارئ الكريم بتلقيب بعض المهملين إيّاه بالإمام النجم الطوفي، فإنّنا في زمن نرى مَن لا يصلح أن يكون إماماً في مسجد حارته يلقب بالإمام الحجّة، وإلى الله عاقبة الأمر كله».
العاشر: بيان وظيفة الفقهاء عند أهل السنة بأنهم مبينين لمراد الله، وغير مشرعين، وإنما حقّ التشريع لله - جل جلاله - فحسب، وإنما أكد وحقَّق هذا الكلام الإمام الكوثري في وجه المتلاعبين الذين يقولون إن الفقه غير الدين، وإن الفقه آراء رجال، ولا ضير في مخالفته ونبذه، وهذه الخديعة منهم تنطوي على نبذ الدين؛ لأن الفقه هو الجانب التطبيقي العلمي للدين، فتركه ترك لتطبيق الإسلام.
ونَبَّه على ذلك الإمام الكوثري، فقال (¬1): «وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة، وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع ... وأما المتأخرون من الفقهاء فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة لا أن يبدو آراء في الشرع على خلاف ما فهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان، المطلعون على لغة التخاطب بين الصحابة - رضي الله عنهم - قبل أن يعتريها تغيير وتحوير، والمتلقون للعلم عن الذين شهدوا الوحي، فما فهموه الشرع فهو المفهوم، وما أبعدوه عن أن يكون دليلاً شرعياً بعيد عن أن يتمسّك به».
وقال أيضاً (¬2): «أم أي صاح يستسيغ أن يفوه بأن الفقه غير الدين في كتاب الله، يغايره ويباينه مطلقاً مفهوماً وصدقاً وتحققاً؛ ليستبيح بذلك انتهاك حرمة الفقه في الدين مع أن الفقه ما هو إلا معرفة الدين فلا تتصوّر مغايرة علم الدين للدين ولا مخالفة العلم لمعلومه إلا عند مَن لا يميّز بين الأشخاص فضلاً عن المعاني بغفوته، ولا بين المقدم والمؤخر ببالغ غفلته ... أم يمكن أن يرى عاقل تنافي الشيء والعلم به ليمكنه إنكار فقه الدين مطلقاً بدون إنكار الدين، وهذا مبدأ إليه المنتهى في السخف».
¬
(¬1) في مقالة شرع الله (ص184).
(¬2) في مقالته الدين والفقه من مقالاته ص 178 - 179).
الحادي عشر: كشفه لأساليب المتلاعبين بدين الله - جل جلاله -، بتغييرهم وقلبهم لشرع الله بحجّة تغير الزمان وبناء الأحكام على العرف، وهذا مما نلمسه في هذه الأيام بسبب هذه الدعوات الهدامة للدين، فما أن تخبر أحداً بحكم شرعي، حتى يقول لك: تغير الزمان، وقد نقحت الكلام على هذا في «المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي» و «سبيل الوصول إلى علم الأصول»، ونكتفي ها هنا بإيراد كلام الإمام الكوثري الذي هو محل كلامنا في التنبيه على هذه الدعوة الفاسدة.
قال الإمام الكوثري (¬1): «ويأسف المسلم كل الأسف من وجود أناس في أزياء العلماء تحملهم شهوة الظهور على التظاهر بمظهر الاستدراك على فقهاء الصدر الأول، وعلى محاولة ابتداع أساليب بها يحرفون الكلم عن مواضعه ويجعلون الشرع الواضح المنهاج الصريح الأحكام يتقلب مع الزمن، وذلك لأجل التقرّب إلى الدين لا يضمرون للإسلام خيراً، تراهم يقولون: عندنا العرف، وعندنا المصلحة بهما كم تتغير الأحكام، وكم لنا من هذا القبيل، يريدون بذلك أن يجعلوا شرع الله متقلباً مع الزمن ومع الظروف كأدمغتهم المتميعة القابلة لكل شكل مع كل ظرف.
¬
(¬1) في مقالة شرع الله في نظر المسلمين (ص185)، و أثر العرف والمصلحة في الأحكام (ص340 - 341).
نعم يوجد في فلاسفة الغربيين اللادينيين من يبغي ديناً تقلب مع الزمان، ولكن بغية هذه ليست إلا شبكة يريد أن يوقع فيها مقلدتهم من أبناء الشرق الأعزاء المتفلسفين؛ ليقضي على الإسلام بأيدي أبنائه، لكن لا يحيق المكر السيء إلا بأهله».
وقال (¬1): «وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقاً بدون نظر إلى ما قرَّره الفقهاء فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية، وذلك ممَّا يأباه أهل الدين ... ».
وقال أيضاً (¬2): «نظر المسلم إلى الشرع الإسلامي هو أنه قانون إلهي مقدس منزل لإسعاد من تمسك به، لا يعتريه التحوير والتغيير بعد انقطاع زمن الوحي، وأنه الدين الكامل الكافل لمصالح البشر في جميع الأزمنة والأمكنة، وإن ما ينطق بالعرف والمصلحة من أحكامه إنما يختلف عند تغير العرف والمصلحة لكن هذا ليس من التغيير والتبديل في شيء، وإنما هو تفصيل من الشارع الحكيم للحكم بالنظر إلى حال وحال، فلا دخل لأهواء الرجال في ذلك أصلاً.
وأما من كان نظره إلى الشرع الإلهي كنظره إلى القوانين الوضعية في التغيير والتبديل، فلا يتهيب المساس به، ولا يخشى أن يدخل تحت قوله
¬
(¬1) في مقالة الدين والفقه (ص180).
(¬2) في مقالة: نظر المرء إلى شرع الله معيار دينه (ص333).
- جل جلاله -: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (¬1)، ولا يأبى مثله أن يجاهر أن قوانين القرون الوسطى لا تصلح للقرن الحاضر، يريد أن الأحكام الشرعية لم تبق صالحة؛ لتيسير شؤون الأمة في القرن العشرين متناسياً أن الله - جل جلاله - يقول: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (¬2)».
وأوضح أنه لا دخل للعرف في تغيّر الأحكام إلا فيما ذكره الفقهاء فقال (¬3): «وليس للعرف في الشرع إلا ما بيَّنه علماء المذاهب في كتب القواعد وكتب الأصول والفروع من مثل حمل الدرهم في العقود على الدرهم المتعارف في موضع العقد، وكذا الرطل، ... وكون المشروط عرفاً كالمشروط لفظاً، وزوال خيار الرؤية برؤية إحدى غرف الدار عندما كان العرف جارياً بين الناس ببناء دورهم متساوية الغرف، وعدم زوال الخيار المذكور عند تغير العرف المذكور.
¬
(¬1) البقرة:79.
(¬2) النساء:65.
(¬3) في المقالات (ص341 - 342).
والاكتفاء بظاهر الإسلام في العدالة في زمن يكون الغالب فيه موافقة المظهر للمخبر، بخلاف ما إذا تغير هذا فلا يكتفى في العدالة بظاهر الإسلام، واعتبار اللفظ صريحاً في معنى تعورف فيه بخلاف ما إذا نقل إلى معنى آخر وتنوسي المعنى الأول، ... وحمل الطعام واللحم على البر ولحم الضأن في بلد تعورف فيه تخصيصها بهما إلى غير ذلك».
الثاني عشر: بيانه سبب التخبط الفكري لدى الطلبة والمفتين في كلامهم وفتاويهم هو عدم التزام منهج واضح بالدراسة، يوصل الطالب إلى مدارج الكمال، وهذه من أشد المشكلات التي تواجهنا في الحفاظ على منهج أهل السنة في تخريج العلماء القادرين على تحمل الأمانة الدينية العظيمة، فمناهج جامعتنا ومدارسنا مضطربة ومتناقضة وناقصة لا يمكنها الارتقاء بمستوى الطالب العلمي، وتنجيته من الانحراف الفكري والسلوكي، ولا مخرج من هذه الورطة الظلماء إلا بالتزام المنهج السني في التعليم على ما نص عليه علماؤنا السابقون.
وفي هذا يقول إمامنا الكوثري (¬1): «طال تفكيري في هذا التجرؤ على مخالفة الجماعة مع تخبط ملموس في المسائل ممن يدعون الانتماء إلى الفقه، فعلمت أن علّة العلل، أن أمثال هؤلاء المتفقهين كانوا يحاولون
¬
(¬1) في الإشفاق في أحكام الطلاق (ص75 - 76).
تكوين أنفسهم بأنفسهم، يحضرون في أي درس شاءوا ويهجرون أي كتاب أرادوا ـ قبل النظام في الأزهر ـ وأنهم ينخرم عليهم المقرر في العلوم ـ بعد النظام ـ فيحصل بقدر هذا وذاك خرم في تفكيرهم وتعقلهم.
فلا عجب إذا حدثت في تفكير هؤلاء فوضى واضطراب واختلال عند أول صدمة تصدمهم من مطالعة كتب يصدرها الناشرون لدعاية خاصة غير مكشوفة بادئ بدئ، فيكون هؤلاء أول ضحية لتلك الدعايات الصادرة لتفريق كلمة المسلمين باسم العلم، حيث لا يوجد عندهم وازع يمنعم من التورط فيما ليس لهم به علم، ولا عدة تحميهم من مسايرة الجهل.
بل يعدون أنفسهم علماء بمجرد أن حذقوا لغة أمهاتهم بدون أن يتم تكوينهم العلمي تحت حراسة نظام دقيق في التفقيه، مع أن الواجب على مَن يعد نفسه من صنف العلماء أن يربا بنفسه أن يظهر بمظهر الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، كما يقول علي - رضي الله عنه -، فعار على مَن يدعي العلم أن يكون بهذه الحالة المنكرة».
الثالث عشر: تنبيهه لفساد النظرية العصرية القائمة على تقسيم مدارس الفقهاء إلى مدرستين: مدرسة حديث، ومدرسة
رأي، ومن ذلك ما قال سيد سابق (¬1): «فلمّا جاء أئمة المذاهب الأربعة تبعوا سنن مَن قبلهم، إلا أن بعضهم كان أقرب إلى السنة كالحجازيين الذين كثر فيهم حملة السنة ورواة الآثار، والبعض الآخر كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين الذين قل فيهم حفظة الحديث؛ لتنائي ديارهم عن منزل الوحي».
فهذا طعن مبطَّن في أئمة المذاهب الأربعة وفقههم هو عين ما ذكره محمد رشيد رضا تلميذ محمد عبده في كتابه «يسر الإسلام وأصول التشريع»، وفعلهم هذا ليبيحوا لأنفسهم التملص من أحكام الشريعة التي بيَّنها أئمة المذاهب؛ لأن بعضهم لم يكن لديه حديث؛ ليكون فقه صحيحاً متيناً، والآخر لم يكن لديه رأي دقيق؛ لاعتماده في فقهه على الحديث فحسب، بخلاف هذه المدرسة العصرية المفتعلة فإنها ستقوم بما لم يقم به هؤلاء الأئمة من الجمع بين الرأي والحديث.
وبين الإمام الكوثري هذه النظرية فقال عن محمد رشيد رضا في كتابه السابق: «ويتصوّر فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذّاذ، أخذاً من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد ... ». ثم أفاض في نقض هذه النظرية بإيراد النصوص التاريخية التي تثبت أن الكوفة التي يدعى أنها
¬
(¬1) في فقه السنة (1: 13).
مدرسة رأي فإنها غنية بالآثار والأحاديث، ومنها تخرج كبار حفاظ الأمة، ومما يدل على ذلك:
قال الإمام الرامهرمزي (¬1) (ت360هـ): عن ابن سيرين - رضي الله عنه -، قال: «أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمئة قد فقهوا».
وفي أي مصر من أمصار المسلمين، غير الكوفة، تجد مثل هذا العدد العظيم للمحدثين والفقهاء، وفي هذا ما يدلّ على أن الفقيهَ مهمّته شاقّة جداً، فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة.
وقال الإمام الرامهرمزي (¬2) والإمام السمعاني (¬3) (ت562هـ): «عن عفّان يقول ـ وسمع قوماً يقولون: نسخنا كتب فلان، ونسخنا كتب فلان ـ، فسمعته يقول: نرى هذا الضرب من الناس لا يفلحون، كنّا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند هذا، ونسمع من هذا ما ليس عند هذا، فقدمنا الكوفة فأقمنا أربعة أشهر ولو أردنا أن نكتب مئة ألف حديث لكتبناها، فما كتبنا إلا قدر خمسين ألف حديث، وما رضينا من أحد إلا بالإملاء، إلا شريكاً، فإنه أبى علينا، وما رأينا بالكوفة لحاناً مجوزاً».
¬
(¬1) في المحدث الفاصل (1: 560، 408).
(¬2) في المحدث الفاصل (1: 559، 602).
(¬3) في أدب الإملاء والاستملاء (ص16).
قال الإمام الكوثري (¬1): «انظر مصراً يكتب بها ـ مثل عفّان ـ في أربعة أشهر خمسين ألف حديث! مع هذا التروي، ومسند أحمد أقل من ذلك بكثير، أيعد مثل هذا البلد قليل الحديث؟!
على أن أحاديث الحرمين مشتركة بين علماء الأمصار في تلك الطبقات، لكثرة حجهم، وكم بينهم من حج أربعين حجة وعمرة، وأكثر، وأبو حنيفة - رضي الله عنه - وحده، حج خمساً وخمسين حجة، وأنت ترى البخاري - رضي الله عنه - يقول: ولا أحصي ما دخلت الكوفة في طلب الحديث، حينما يذكر عدد ما دخل باقي الأمصار، ولهذا أيضاً دلالته في هذا الصدد».
وأيضاً، فإن التابعين من محدثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث من الصحابة - رضي الله عنه - في الحجاز، ورحلوا طلباً لذلك، فقد روى ابن سعد في «طبقاته» أسماء مئتين واثنين من التابعين الكوفيين، الذي رووا عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في مكّة والمدينة».
وفي فساد نظرية بأن مدرسة المدينة مدرسة حديث، ولا تعتني بالرأي ذكر عدداً من النصوص القديمة التي تثبت أنها مشاركة لمدرسة الكوفة في الرأي، ومنها:
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية (ص311).
ذكر ابن قتيبة في كتاب «المعارف» الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، ويَعدُّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس - رضي الله عنهم -.
وذكر الحافظ محمد بن الحارث الخشني، أصحاب مالك - رضي الله عنه - في «قضاة قرطبة» باسم أصحاب الرأي.
وهكذا فعل أيضاً الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في «تاريخ علماء الأندلس».
وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي، يقول في شرح حديث الداء العضال من «الموطأ» في صدد الردّ على ما يرويه النقلة عن مالك - رضي الله عنه -، في تفسير الداء العضال (¬1): «ولم يرو مثل ذلك عن مالك أحد من أهل الرأي من أصحابه»، يعني من أهل الفقه، من أصحاب مالك - رضي الله عنه -، إلى غير ذلك، مما لا حاجة إلى استقصائه هنا (¬2).
الرابع عشر: أنه أفضل مَن تكلَّم عن التاريخ الفقهي للمذاهب السنية، واتصالها في طريقها ومنهجها بالهدي النبوي وسلف الأمة من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وقد سبقه بالكلام عن هذا
¬
(¬1) في الموطأ (2: 975): حدثني مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإنّ بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجنّ وبها الداء العضال.
(¬2) ينظر: هذه النقولات في مقدمة نصب الراية (ص286 - 287).
التاريخ العلامة وليّ الله الدِّهلوي كما في «عقد الجيد»، و «الإنصاف»، و «حجة الله البالغة»، وأتى بكلام لطيف إلا أنه لم يدقِّق النظر، ويحسن السبر، كما فعل إمامنا الكوثري، وليس هاهنا محلّ بيان ذلك، وإنما مقصدنا التنبيه على آثار الإمام الكوثري وجهوده، ومن ذلك:
1. أنه بيَّن أن مستندَ الأئمة الأعلام في القول بالرأي والاجتهاد راجع إلى منهج الصحابة - رضي الله عنهم - في استخراج الأحكام كما تعلموا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬1): «وقد درَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الرأي والاستنباط في أحكام النوازل غير المنصوص عليها من المنصوص، بإرجاع النظير إلى النظير، وكان المجتهدون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي وكذلك الفقهاء من التابعين».
وقال (¬2): «والقول المحتم أن فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وتابعيهم جروا على القول بالرأي بمعنى: استنباط حكم النازلة من النصّ، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها».
2. أنه وضَّح أن فقه المذهب الحنفي، فقه مدرسي ورثوه عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيهم ممن حلّوا في الكوفة؛ إذ قال (¬3): «بينما ترى
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية (ص285).
(¬2) في مقدمة نصب الراية (ص285).
(¬3) في مقدمة نصب الراية (ص304).
محمد بن الربيع الجيزي والسيوطي لا يستطيعان أن يذكرا من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا مصر إلا نحو ثلاثمئة صحابي، تجد العجلي يذكر أنه توطَّن الكوفة وحدها من الصحابة - رضي الله عنهم -، نحو ألف وخمسمئة صحابي، بينهم نحو سبعين بدرياً، سوى مَن أقام بها، ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر، فضلاً عن باقي بلاد العراق».
وقد استرسل في بيان مستند مدرسة الكوفة إلى ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم - وغيرهما من كبار الصحابة - رضي الله عنهم -، كما حققت ذلك في «إمام الأئمة الفقهاء»، حتى ذكر أن الكوفة استفادت من فقه عمر - رضي الله عنه - لأخذ ابن مسعود - رضي الله عنه - بفتاواه، فقال (¬1): «وبهذا يكون حتى علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة، وكان مستنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمَن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار».
3. أنه بيَّن أن أساس كتب الفقه هي كتب محمد بن الحسن - رضي الله عنه -، فقال (¬2): «إن تاريخ الفقه يشهد بأن الكتبَ المؤلّفة في مذاهب الأئمة المتبوعين من «المدونة» و «الحجّة»، و «الأم»، وما بعدها إنما أُلِّفَ على ضوء كتب ذلك الإمام العظيم أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني - رضي الله عنه -،
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية (ص305).
(¬2) في بلوغ الأماني (ص3 - 4).
ولم تزل كتبه بأيدي الفقهاء من كل مذهب قبل حلول قرون التقليد البحت يتداولونها ويستفيدون منها تقديراً منهم لما امتازت به، على من سبقها من رصانة في التعبير، ووضوح في البيان، وإحكام في التأصيل، ودقة في التفريع مع التدليل على مسائل ربما تعزب أدلتها عن علم كثير من الفقهاء من أهل طبقته فضلاً عمن بعدهم، على توسعها في توليد المسائل في الأبواب بحيث ينبئ عن تغلغل مؤلفها في أسرار العربية ويده البيضاء في اكتشاف أسرار التشريع.
من غير أن تظهر على كلامه شهوة الانفراد والشذوذ عن الفقهاء عندما يناقشهم في آرائهم، ولا التحيل والتشغيب في سبيل الدعوة إلى آراء استبانت له بخلاف ما ابتلي به كثير ممن ينتمي إلى الفقه، بل ينوه بفضل شيوخه عليه ويسجل أقوالهم في مؤلفاته عرفاناً منه لجميلهم ولم يغره اتساع علمه بل زاده إخلاصاً إلى إخلاص فكافأه الله سبحانه على ذلك بأن بارك في علمه حتى أصبحت كتبه لحمة الكتب المدونة في جميع المذاهب بدون مغالاة، وأدام الانتفاع بكتبه مدى القرون.
وأنت ترى أنه لم يصل إلينا من أي فقيه في طبقته أو في طبقة تقارب طبقته، كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من مؤلفاته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
الخامس عشر: ردّه لمسلك أهل الظاهر المخالف للأئمة الكبار في عدم الأخذ بالقياس، ونقض كلامهم في مواضع عديدة، ومنها:
1. تأييده لابن الهُمام في أن عدد الصحابة - رضي الله عنهم - المجتهدين لا يتجاوز العشرين، وردّه لكلام ابن حزم في ذلك؛ إذ قال (¬1): «ومَن أحاط خبراً بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة - رضي الله عنهم -، يدرك مبلغ قوّة كلام ابن الهُمام في عدّة المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم -، وإن سعى ابن حزم - رضي الله عنه - في تكثير عددهم جداً في «أحكامه» بأن حشر في عدادهم كلّ مَن روي عنه مسألة أو مسألتين في الفقه لا إجلالاً لمنزلة الصحابة في العلم (¬2)، بل ليتمكَّن من معاكسة الجمهور في مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كلٍّ منهم، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه، أو حديث أو حديثان في السنة أن يعدّ في
¬
(¬1) في الإشفاق (ص33).
(¬2) هذه المبالغة من ابن حزم في تضخيم عدد المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم - كان محلّ انتقاد من العلماء، قال العلامة ابن القيم: وما أدري بأي طريق عدّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزاً أي من المجتهدين، وقال العلامة الحجوي في الفكر السامي (1: 341): وفي ذكر مَن تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر. وهذا موافق لما نقل عن مسروق - رضي الله عنه - قال: شافهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - في طبقات الفقهاء للشيرازي (ص26).
المجتهدين كائناً من كان، وإن كانت منزلة الصحابة - رضي الله عنهم - في الصحبة عظيمة القدر جداً».
2. بيَّن حال داود إمام مذهب الظاهر فقال (¬1): «انتحل القول بالظاهر، ونفى القياس في الأحكام قولاً واضطر إليه فعلاً فسماه دليلاً ... وقد جرأ داود العامة على ما لا قبل لهم به من أخذ الأحكام مباشرة من الكتاب والسنة حيث حرم التقليد ... ».
3. تعرية حال «المحلَّى» إذ قال (¬2): «وإن «المحلَّى» لابن حزم الظاهري يعرض فيه رأيه ويذكر آراء الآخرين لدفعها؛ إذ أنه يستند إلى أصول لنفسه في استنباط الأحكام، وإن كان فيها ما فيها عند أهل النظر، مع العلم أن لأهل العلم صولات وجولات في دحض كلامه وبيان حاله.
وقد أطال النفس في الرد عليه أبو بكر بن العربي في «القواصم والعواصم»، والحافظ اللبلي الأندلسي في «فهرسته»، وأبو الوليد الباجي كما هو مشهور، ومن الكتب المؤلفة في الرد عليه «النواهي عن الدواهي» لأبي بكر بن العربي، و «الغرة في الرد على الدرة» له، و ((المعلى
¬
(¬1) في مقدمة النبذ في أصول الفقه الظاهري (ص3).
(¬2) في الإشفاق (ص55 - 57).
في الرد على المحلى» لأبي الحسين محمد زرقون الأشبيلي، و «القدح المعلى في الكلام على بعض أحاديث المحلى» للحافظ قطب الدين الحلبي ...
ومما يؤسف له جد الأسف أن تطبع كتب مثل ابن حزم من غير أن يهتم بطبع الكتب المؤلفة لنقد أباطيله، وهذا لا يستساغ في بلد لم يحرم الإشراف العلمي على شؤون العلم ولم يفقد حراسة الشرع من أن يعبث به الجهلة الأغمار، فهل تفريق كلمة المسلمين وتشتيت اتجاههم في مصلحة أحد سوى أعدائهم؟ وليس بين المبتدعة والشذاذ مَن لا يهول ولا يغالط بملء شدقيه في مزاعمه، فأنى للعامة بل لكثير من الخاصة أن يميزوا الحقّ من الباطل من بين أقواله».
4. تحقيقه لكتاب «النبذ في أصول الفقه الظاهري» لابن حزم، والتعليق عليه بما يظهر حقيقة الأصول التي يعتمد عليها الظاهر، ويبيّن عوارها.
السادس عشر: تحدّثه عن الأصول العامة التي اعتمد عليها أئمة المذاهب في استنباط الأحكام لا سيما علماء المذهب الحنفي، ودفاعه عنها، وردّه لكلام المخالفين لها، ومن ذلك:
1. عدم شذوذ الرواية عن الأصول، قال الإمام الكوثري (¬1): «ومن
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية (ص298).
شروط قبول الأخبار عند الحنفية مسندة كانت أو مرسلة: أن لا تشذّ عن الأصول المجتمعة عندهم، وذلك أن هؤلاء الفقهاء بالغوا في استقصاء موارد النصوص من الكتاب والسنة، وأقضية الصحابة - رضي الله عنهم - إلى أن أرجعوا النظائر المنصوص عليها، والمتلقاة بالقبول إلى أصل تتفرع هي منه، وقاعدة تندرج تلك النظائر تحتها، وهكذا فعلوا في النظائر الأخرى، إلى أن أتمّوا الفحص والاستقراء، فاجتمعت عندهم أصول ـ موضع بيانها كتب القواعد والفروق ـ يعرضون عليها أخبار الآحاد، فإذا ندَّت الأخبار عن تلك الأصول وشذَّت، يعدونها مناهضة لما هو أقوى ثبوتاً منها، وهو الأصل المؤصل من تتبع موارد الشرع الجاري مجرى خبر الكافة».
2. الأخذ بالاستحسان عند الحنفية؛ إذ قال (¬1): «ظن أناس ممن لم يمارس العلم، ولم يؤت الفهم، أن الاستحسان عند الحنفية هو الحكم بما يشتهيه الإنسان، ويهواه ويلذه، حتى فسَّره ابنُ حزم في أحكامه بأنه ما اشتهته النفس ووافقها، خطأً أو صواباً!!
لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق في تقريعهم والردّ عليهم، إلا أن المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، فوجَّهوا
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية (ص291 - 292).
سهاماً إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقة مدرك هذا البحث في حد ذاته.
وليس بين القائلين بالقياس من لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، وإبطال الاستحسان ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشافعي، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.
ومن الحكايات الطريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنه لما سأله أحد كبار القضاة في عهد المتقي لله العباسي، عن سبب انتقاله من مذهب الشافعي إلى مذهب أهل الظاهر، جاوبه قائلاً: إني قرأت إبطال الاستحسان للشافعي، فرأيته صحيحاً في معناه، إلا أن جميع ما احتج به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصح به عندي بطلانه، كأنه لم يرد أن يبقى في مذهب يهدُّ بعضه بعضاً، فانتقل إلى مذهب يبطلهما معاً!!
لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت»، وتمام المقصود من الاستحسان فصلته في «المدخل»، و «سبيل الوصل».
3. نقض دعوى بعضهم أن الحنفية يردون خبر الآحاد إذا عارض القياس؛ إذ قال (¬1): «وأما رد خبر الآحاد الصحيح إذا خالف القياس فافتراء على أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن يكون هذا من أصلوه، بل لا يأخذ بالقياس أصلاً، إلا إذا لم يجد الحكم في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
نعم إن أبا حنيفة - رضي الله عنه - درس موارد الشرع حتى اجتمع عنده أصول، فيعرض خبر الآحاد على تلك الأصول، فإذا خالفها يعدّه شاذاً خارجاً على نظائره في الشرع فيضاعف النظر ليحكم حكمه في الخبر».
4. قبول المرسل؛ إذ قال (¬2): «لا شَكّ أن إغفالَ الأخذ بالمرسل ـ ولا سيما مرسل كبار التابعين ـ تَرْكٌ لشطر السُّنَّة.
قال الإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكّة المتداولة بين أهل العلم بالحديث: وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء، فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلَّم فيه.
وقال الإمام الطبري: لم يزل الناس على العمل بالمرسل، وقبوله، حتى حدث بعد المئتين القول برده.
¬
(¬1) في إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق (ص41).
(¬2) في مقدمة نصب الراية (ص297 - 298).
وفي كلام ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع.
ومناقشة من ناقشهم بأنه يوجد بين السلف مَن يحاسب بعض من أرسل محاسبة غير عسيرة، مناقشة في غير محلها؛ لأن تلك المحاسبة إنما هي من عدم الثقة بالراوي المرسل، كما ترى مثل هذه المحاسبة في حق بعض المسندين، فإذن ليست المسألة مسألة إسناد وإرسال، بل هي مسألة الثقة بالراوي.
والإمام الشافعي، لما ردَّ المرسل، وخالف من تقدمه اضطربت أقواله، فمرة قال: إنه ليس بحجّة مطلقاً، إلا مراسيل ابن المسيِّب، ثم اضطّر إلى ردّ مراسيل ابن المسيِّب نفسه في مسائل، ثم إلى الأخذ بمراسيل الآخرين، ثم قال: بحجية المرسل عند الاعتضاد؛ ولذلك تعب أمثال البيهقي في التخلص من هذا الاضطراب، وركبوا الصعب، وفي مسند الشافعي نفسه مراسيل كثيرة، بالمعنى الأعم الذي هو المعروف بين السلف، وفي موطأ مالك نحو ثلاثمائة حديث مرسل، وهذا القدر أكثر من نصف مسانيد الموطأ. والبخاري نفسه تراه يستدلّ في كتبه بالمراسيل، وكذا مسلم في المقدمة، وجزء الدباغ».
وقال (¬1): «وقد احتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، وكذا الشافعي وأحمد وأصحابهما إذا اعتضد بمسند آخر أو
¬
(¬1) في هامش شروط الأئمة الخمسة (ص65).
مرسل آخر بمعناه عن راوٍ آخر فيدلّ على تعدد المخرج أو وافقه قول بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أو إذا قال به أكثر أهل العلم، فإذا وجد أحد هذه الأربعة دلّ على صحة المرسل».
5. الأخذ بالإجماع الذي يقول به الفقهاء؛ إذ له كلام طويل في تأييد حجيته وردّ دعوى تركه وعدم الأخذ به، ومن ذلك قوله (¬1): «ألم يعلم هذا المتقول أن حجية الإجماع مما اتفق عليه فقهاء الأمة جميعاً وعدّوه ثالث الأدلة، حتى إن الظاهرية على بعدهم من الفقه يعترفون بحجية إجماع الصحابة ... ».
السابع عشر: إرشاده إلى أن الأخذَ بالفقه الإسلامي بحلّته النضرة التي هو عليها الأساس في نهوض الأمة إلى مصاف الأمم المتقدمة، إذ قال (¬2): «إنَّ الفقهَ تُراثٌ فاخرٌ لهذه الأمة، تستعلي به عن الأحكامِ الوضعيةِ في إصلاحِ شؤونِهم الدينيةِ ومَن أَعرضَ عنه ومال إلى أوضاع النَّاس في تقويمِ الأود وانتظر منها المدد، فهو في سبيل القضاء على الغرة الإسلامية بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشَّرعيَّة المستنبطة من الكتاب والسُّنَّة، فتكون عاقبة أمره وضعَ رقابِ المسلمين تحت نير المستعمرين، واندماجهم في أمّةٍ لا ترعى لهذه الأمة إلاً ولا ذمة».
¬
(¬1) في الإشفاق (ص73).
(¬2) في مقدماته: مقدمة الغرة المنيفة (ص449).
الثامن عشر: إنصافه واعتداله في الثناء على علماء أهل السنة ونقدهم، وذلك من خلال تقديمه عصارة تجربته العلمية الفريدة في قراءة مصنفاتهم وفهم عباراتهم وبيان حال مؤلفاتهم وكلماتهم؛ ليكون القارئ على بصيرة بها.
وبعض الناس لا يعجبه نقد الكوثري للعلماء، ويظنّ أنه متحامل عليهم، وهذا في ظني كلام مَن لم يدقق النظر، فإنه يثني على العالم فيما يستحقّ الثناء، وينتقده فيما يستحق النقد، وهذا من تمام أمانته ودقّته وعلميّته العالية، وأمثاله في ذلك قلّة.
ومن هاهنا يفهم كلامه مع ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وابن حزم واللكنوي والدهلوي والمرجاني، ومن ذلك:
1. قوله (¬1) عن اللكنوي: «اللكنوي أعلم أهل عصره بأحاديث الأحكام ... إلا أن له بعض آراء شاذة، لا تقبل في المَذهَب، واستسلامه لكتب التجريح من غير أن يتعرّف دخائلها، لا يكون مرضياً عند من يعرف ما هنالك». وإنني تخصّصت في الماجستير في
¬
(¬1) 1. ... () في المقدمات (ص333). وللكوثري نقد اللكنوي في النكت الطريفة في مواضع، انظر مسألة الانتفاع بالمرهون رقم 34، ومسألة الوتر على الرحالة رقم88، في حين أنه أحال القارئ عليه في بعض المسائل وأشاد به، انظر مسألة اغتيال ناكح المحارم رقم 31.
اللكنوي ودرست كتبه، فوجدت هذا القول من الإمام الكوثري، عين الحقّ في وصف علم اللكنوي، فلله دره من إمام.
2. قوله (¬1) عن الدهلوي: «الحبر الهمام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، كثر تعرضه لمباحث الاجتهاد وتاريخ الفقه في كتبه باندفاع وجرأة، على كدورة في تفكيره، وتحكّم في تصويره مع ضيق دائرة اطلاعه على كتب المتقدمين وقلّة دراسته لأحوال الرجال وتاريخ العلوم والمذاهب مسترسلاً في خيال أدى به إلى الشطط في كثير من بحوثه وتقريراته.
وكتبه لها روعة وفيها فوائد بيد أن له فيها انفرادات لا تصح متابعته فيها لما عنده من اضطراب فكري ينأى به عن الإصابة في تحقيق الموضوع، ويشطح به التابع من المتبوع، وفي كثير من الأحوال تجد عنده عبارات مرصوصة لا محصّل لها عند أهل التحصيل، فأشير هنا إلى منشأ هذا الاضطراب الفكري عنده ليكون مَن لم يدرس حياته على بيّنة من أمره، وأما التوسع في بيان ما في انفراداته من الشطط فيحتاج إلى تفرغ خاص.
وله رحمه الله خدمة مشكورة في إنهاض علم الحديث في الهند، لكن هذا لا يبيح لنا السكون عما ينطوي عليه من أعمال تجافي الصواب».
¬
(¬1) في حسن التقاضي (ص95 - 96).
وفي هذه العبارة بيان منه للسبب الداعي له للثناء والانتقاد للعلماء، وإنزالهم منزلتهم العلمية التي يستحقونها.
3. قوله (¬1) في المرجاني: «العلامة النظّار، الجوّالة في فيافي البحوث والأنظار، العالم البحّاثة المغوار، الفقيه الأصولي المتكلم المؤرخ الشيخ شهاب الدين بن بهاء الدين المرجاني ... كان له صولات وجولات في العلم، وبعض شذوذ في الفهم، مغمور في بحر إجادته لكثير من البحوث المهمة، مما يهم علماء هذه الأمة، وكان لا يتقيد في اللغة بالمسموع، بل كان يطلق عنان قلمه كما يشاء في كل موضوع ... ».
وفيما ذكر كفاية فيما قلته في حقه من الاعتدال والإنصاف، وخصصت التمثيل بعلماء من الحنفية ليكون القارئ على بصيرة في أن نقد الكوثري لم يكن مقتصراً على علماء المذاهب الأخرى، وإنما شمل علماء مذهبه، وهذا هو ديدنه في كلّ مَن يذكره، وبذلك تسقط الدعاوى العريضة عليه في تعصبه على علماء غير مذهبه.
التاسع عشر: ردّه لما وقع في كتب الجرح والتعديل من التهجم على إمام الفقهاء أبي حنيفة، بإقامة الحجج والبراهين الدالة على بطلان ذلك، حتى لا يتمسك بها أهل الأهواء في نقض فقه هذا المذهب العظيم، اغتراراً بظاهر العبارات في هذه الكتب من بعضهم
¬
(¬1) في حسن التقاضي (ص95).
لوجود التعصب المذهبي، وقد استوفيت الكلام في تحرير ذلك في «إمام الأئمة الفقهاء».
وقد أفرد الإمام الكوثري تصانيف مستقلة في بيان ذلك، منها: «إبداء وجوه التعدّي في كامل ابن عدي»، و «نقد كتاب الضعفاء للعقيلي»، ونقتصر هاهنا بالتمثيل على ردّ الإمام الكوثري بعبارات يسيرة، ومنها:
1. قال (¬1) عن ابن عَدي في طعنه في الإمام أبي حنيفة: «وكان ابن عَدي على بعده عن الفقه والنظر والعلوم، طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه، وثم لما اتصل بأبي جعفر الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حاله يسيراً، حتى ألف مسنداً في أحاديث أبي حنيفة».
2. ردّه على العقيلي في تضعيفه للإمام أبي حنيفة فقال: «إن ابن الدخيل المصري (ت388هـ) صاحب العقيلي وراويته ألف كتاباً في مناقب أبي حنيفة رداً على العقيلي في تهجمه على أبي حنيفة. فسمعه حكم بن المنذر من ابن الدخيل بمكة، وسمعه منه ابن عبد البر، فساق غالب ما فيه في المناقب في ترجمة أبي حنيفة من «الانتقاء».
¬
(¬1) في التأنيب (ص169) عن أبي حنيفة النعمان (ص241).
وإنما حمل ابن الدخيل على تأليف ذلك الكتاب تورعه عن حمل تبعة ما كتبه العقيلي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب الضعفاء له، الذي كان ابن الدخيل انفرد بروايته عن العقيلي.
وابن الدخيل ليس من أهل مذهبه حتى يظن به أنه تحيّز له، وقد ذكر فيه جملة ممن أثنى على أبي حنيفة، وليس ابن عبد البر ولا الحكم بن المنذر، ولا ابن الدخيل ممن يرمون برواية غير المحفوظ في مناقب أبي حنيفة بوسيلة من الوسائل، وأحوالهم في الأمانة والحفظ معروفة، وليسوا من أهل مذهبه حتى يتوهم فيهم الانحياز له» (¬1).
3. ردّه على ابن حبان في تضعيفه للإمام أبي حنيفة لفرط تعصبه، الذي قال فيه الحافظان الذَّهَبيّ (¬2) وابن حَجَر (¬3): «ابن حِبّان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه»، فقال: «والكلام في ابن حبان طويل الذيل، وأقلّ ما قيل فيه: قول ابن الصلاح: غلط الغلط الفاحش في تصرّفه، ووصفه الذهبي بالتشغيب والتشنيع، ومما يؤخذ أنه قد ذكر في كتاب «الثقات» خلقاً كثيراً، ثم أعاد ذكرهم في
¬
(¬1) ينظر: هامش الانتقاء (ص187 - 188)، و التأنيب (ص33)، و فقه أهل العراق (ص53 و83)، وغيرها.
(¬2) في الميزان (1: 274.
(¬3) في القول المسدد (ص33).
«المجروحين»، وادعى ضعفهم، وذلك من تناقضه وغفلته، وكثيراً ما تراه يذكر الرجل الواحد في طبقتين متوهماً كونه رجلين.
وطريقته في التوثيق من أوهن الطرق، وإن سبقه في ذلك شيخه ابن خزيمة، وهو جد عريق في التعصب، جامع بين التعنت البالغ والتساهل المرذول في موضع وموضع ... » (¬1).
4. ردّه على البُخاري في كلامه مع أبي حنيفة، فقال (¬2): «كان البخاري نظر في الرأي وتفقّه على فقهاء بخارى من أهل الرأي، ومن أوائل شيوخه: أبو حفص الكبير - رضي الله عنه -، ولما رحل البخاري وعاد إلى بخارى، حسده علماء بلده، شأن كل من يرتحل للعلم ويعود إلى أهله بالجمّ منه، حتى أمسكوا له فتوى كان أخطأ فيها، فأخرجوه من بخارى بسببها، وأبو حفص الصغير ـ ولد أبي حفص الكبير ـ هو صاحب القصّة في إخراج البخاري من بخارى.
فلما أخرجوه من بخارى بسبب تلك الفتوى انقلب عليهم، وجرى بينه وبينهم ما جرى كما سبق للبخاري مثيله مع المحدثين في نيسابور، فأخذ يبدي بعض تشدّد نحوهم في كتبه، مما هو من قبيل نفثة مصدور، لا تقوم بها الحجة، ويرجى عفوها له ولهم، سامحهم الله تعالى».
¬
(¬1) ينظر: تأنيب الخطيب (ص146).
(¬2) في حسن التقاضي (ص86 - 89).
العشرون: بيانه لمخالفات وشواذّ العلماء المخالفين لما عليه أهل السنة من الحق، حتى لا يغترّ بها مغترٌ فيأخذ بها، وهذا ما تطفح به مؤلّفاته وتحقيقاته، حتى خصّ مؤلفاته بالتنبيه على ذلك، منها: «البحوث الوفيّة في مفردات ابن تيمية»، و «التعقّب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث»، و «رفع الريبة عن تخبّطات ابن قتيبة»، و «صفعات البرهان على صفحات العدوان» في الرد على محب الدين الخطيب، وله كلام طويل في نقد الشوكاني والصنعاني وصديق حسن خان في شواذهم (¬1).
الحادي والعشرون: إظهاره المذاهب الفقهية بصورة المدارس العلمية المتآخية المترابطة لا المتنافرة المتشاحنة؛ بخلاف ما يفعله كثير من المعاصرون في تصوير المذاهب الفقهية بصورة بشعة من التناحر والتشاجر فيما بينها من مسائل وفروع.
قال الكوثري (¬2): «فهؤلاء الأمة كانوا كأسرة واحدة في خدمة شرع الله - جل جلاله - ... يأخذ هذا من ذاك وذاك من هذا، ... فالأئمة وكبار أصحابهم براء من مثل تلك الأكاذيب، بل هم على إخاء كامل،
¬
(¬1) ينظر: الإشفاق (ص70 - 71).
(¬2) في مقالة حول فكرة التقريب بين المذاهب (ص211).
والتوصل بينهم أمر حاصل؛ لأن ثلثي المسائل الفقهية مسائل وفاق بينهم ... ».
وأنبه القارئ الكريم أن ما ذكر في هذه العجالة ليس استقصاء لأثر الإمام الكوثري وتأييده للمذاهب الفقهية السنية؛ لأن كلّ كتاب وكلمة كتبها تنطق بهذه الحقيقة الساطعة ممّا كان لها أشدّ الأثر على قراء كتبه، ولكن هذه إشارة إلى التنبيه على هذا المقصد، ونسأل الله - عز وجل - أن نكون مما وفّق فيها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.
* * *
التوصيات:
نهيب باللجنة القائمة على المؤتمر بإنشاء موقع خاصّ على الانترنت للإمام الكوثري يشتمل على كتبه وتراثه العظيم والدراسات العلمية التي كتب فيه والأبحاث التي قدّمت في هذا المؤتمر عنه؛ ليعمّ نفعها إلى جميع المسلمين وطلبة العلم الراغبين والباحثين الجادين.
* * *
المراجع:
1. اتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين للإمام الزبيدي، الطبعة المصرية.
2. إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق للكوثري، المكتبة الأزهرية، 1998م.
3. أدب الإملاء والاستملاء لعبد الكريم بن محمد السمعاني (ت562هـ). دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1401هـ.
4. إرغام المريد في شرح النظم العتيد لتوسل المريد للكوثري، طبع في الآستانة سنة (1328هـ).
5. أقوم المسالك في بحث رواية مالك عن أبي حنيفة ورواية أبي حنيفة عن مالك للكوثري، المكتبة الأزهرية، 1998م.
6. الإشفاق في أحكام الطلاق للكوثري (ت1371هـ). المكتبة الأزهرية للتراث. القاهرة. 1415هـ.
7. الأعلام لخير الدين الزَّركلي. بدون دار طبع. وتاريخ طبع.
8. الإمتاع بسيرة الإمامين الحسن بن زياد وصاحبه محمد بن شجاع للكوثري مطبعة الأنوار، سنة 1368هـ.
9. الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح ليوسف بن قزأغل، سبط بن الجوزي، (ت654هـ). ت: الكوثري. المكتبة الأزهرية. القاهرة. 1415هـ.
10. الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء لابن عبد البر، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط1، 1997م.
11. التذكرة الحمدونية إصدار الموسوعة الشعرية.
12. التوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبيّ (ت747هـ). دار الكتب العربية الكبرى. 1327هـ.
13. الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي للكوثري، المكتبة الأزهرية، 1999م.
14. الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي (736 - 795هـ). ت: د. وليد بن عبد الرحمن. دار عالم الفوائد. مكة المكرمة. ط1. 1418هـ.
15. السهم المصيب في كبد الخطيب للملك المعظم أبي المظفر عيسى بن أبي بكر (ت624هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
16. العالم والمتعلم للنعمان بن ثابت، أبي حنيفة (ت150هـ). ت: الكوثري. مطبعة الأنوار. 1368هـ.
17. الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة لعمر الغزنوي (ت773هـ). ت: الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. مصر. 1419هـ.
18. الفقه الأبسط للنعمان بن ثابت، أبي حنيفة (ت150هـ). ت: الكوثري. مطبعة الأنوار. 1368هـ.
19. الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد الحسن الحجوي الفاسي (ت1376هـ). دار الكتب العلمية. ط1. 1416هـ.
20. القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد لابن حجر العسقلاني (ت852هـ). مكتبة ابن تيمية. ط1. 1401هـ.
21. الكشكول للبهاء العاملي، إصدار الموسوعة الشعرية.
22. المحدث الفاصل بين الراوي والواعي لحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت360هـ). ت: د. محمد عجاج. دار الفكر. بيروت. بيروت. 1404هـ.
23. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي للدكتور صلاح أبو الحاج، دار الجنان، عمان، ط1، 2005م.
24. النبذ في أصول الفقه الظاهري لابن حزم، ت: الكوثري، طبعة عزت العطار.
25. النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة للكوثري، المكتبة الأزهرية، 2000م.
26. إمام الأئمة الفقهاء أبو حنيفة النعمان للدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان، ط1، 2006م.
27. بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني للكوثري (1296 - 1371هـ). المكتبة الأزهرية للتراث. 1998مـ.
28. بلوغ السول في مدخل علم الأصول لمحمد حسنين مخلوف المالكي. ت: حسنين مخلوف. مصطفى البابي. ط2. 1386هـ.
29. تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمةأبي حنيفة من الأكاذيب للكوثري (1296 - 1371هـ). المكتبة الأزهرية للتراث. القاهرة. ط.1. 1419هـ
30. تخريج أحاديث الإحياء للعراقي وابن السبكي والزبيدي جمع محمود الحداد. دار العاصمة للنشر بالرياض. ط1. 1408هـ.
31. حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي للكوثري، مطبعة دار الأنوار، مصر، 1948م.
32. خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق لعبد الغني النابلسي (ت1143هـ). ت: محمد نبهان الهيتي. رسالة ماجستير في كلية العلوم الإسلامية. جامعة بغداد. 1420هـ.
33. ردّ المحتار على الدر المختار لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
34. رسالة أبي حنيفة للبتي للنعمان بن ثابت، أبي حنيفة (ت150هـ). ت: الكوثري. مطبعة الأنوار. 1368هـ.
35. رفع الاشتباه عن مسألتي كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة للكوثري (1371هـ). المكتبة الأزهرية للتراث. مصر. 1415هـ.
36. سبيل السنيين بالنهوض بالمسلمين للدكتور صلاح أبو الحاج، مخطوط.
37. سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (ت273هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. بيروت.
38. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
39. شرح العقيدة الطحاوية لعبد الغني الميداني (ت1298هـ). ت: محمد مطيع الحافظ ومحمد رياض المالح. دار الفكر. دمشق. ط2. 1421هـ.
40. شروط الأئمة الخمسة للحافظ الحازمي، ت: الكوثري، مكتب الشرف الجديدة، بغداد.
41. صفعات البرهان على صفحات العدوان للكوثري، طبع بدمشق سنة (1348).
42. طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي (ت476هـ). ت: خليل الميس. دار القلم. بيروت. بدون تاريخ طبع.
43. عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين محمدو بن أحمد العيني (ت855هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
44. فقه السنة لسيد سابق، دار الكتاب العربي، ط8، 1409هـ.
45. فقه سعيد بن المسيب للدكتور هاشم جميل. وزارة الأوقاف العراقية. 1974هـ.
46. كشف الستر في فرضية الوتر لعبد الغني النابلسي (ت1143هـ). ت: الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. مصر. 1416هـ.
47. لمحات النظر في سيرة الإمام زفر للكوثري (ت1371هـ). المكتبة الأزهرية للتراث. مصر.
48. محاضرات في الفقه المقارن للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. دار الفكر المعاصر، بيروت. دار الفكر، دمشق. ط2. 1420هـ.
49. محقّ التقول في مسألة التوسل للكوثري، ت: وهبي سليمان غاوجي، ط1، 1997م.
50. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري، إصدار الموسوعة الشاملة.
51. مشكل الآثار لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ). مجلس دائرة النظامية. الهند. حيدر آباد. ط1. 1333هـ.
52. معجم المؤلفين لعمر كحالة. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط1. 1414هـ.
53. مقالات الكوثري المكتبة الأزهرية للتراث. مصر. 1414هـ.
54. مقدمات الإِمَام الكوثري (1296 - 1371هـ) دار الثريا. دمشق. ط1. 1997م.
55. مناقب أبي حنيفة لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748هـ). ت: الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. 1416هـ.
56. مواهب الجليل شرح مختصر خليل لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب (ت954هـ). دار الفكر. بيروت. ط2. 1398هـ.
57. موطأ مالك لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. مصر.
58. ميزان الاعتدال في نقد الرجال لمحمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ). ت: د. عبد الفتاح أبو سنة. دار الكتب العلمية. بيروت. ط.1. 1416هـ.
* * *