نفحات السلوك ........
... على تحفة الملوك
جارٍ تحميل الكتاب…
نفحات السلوك ........
... على تحفة الملوك
تحفة الملوك
للإمام الفقيه زين الدين
محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن الرازي الحنفي
من علماء القرن السابع الهجري
ومعه
نفحات السلوك على تحفة الملوك
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
(
إهداء
إلى طلبة العلم الجادّين الصَّادقين، أصحاب الهِمَمِ العاليّة، والهمّ لهذا الدين، السائرين على طريق علمائنا الأوليين في تعلُّم أحكام الدِّين؛ ليكون لهم بصيرةً في حياتهم، ووسيلةً للنَّجاة عند ربِّهم (.
(
الحمد لله الذي علمنا ما لم نعلم، وهدانا إلى سبيل نبينا صلوات الله عليه وسلامه، باتباع هديه والسير على خطاه، بإنارة طريق العلم للمتبصرين، ورفع غياهب الجهل عن الطالبين، والتزام سَنَن علمائنا السابقين واللاحقين.
وبعد:
فإنّي بعد أن أكملت مع بعض الأخوة الأحباب قراءة منية المصلي وغنية المبتدي للكاشغري، وقع الاختيار على قراءة تحفة الملوك للفقيه الفهامة زين الدين محمد بن أبي بكر الرازي؛ لصغر حجمه، وسهولة عبارته، واشتماله على أبرز الكتب الفقهية التي يحتاجها الناس من العبادات والكراهية والذبائح والفرائض وغيرها.
وهذه التحفة قام بتحقيقها الدكتور عبد الله نذير وطباعتها في دار البشائر الإسلامية فيما يقارب من ثلاثمئة صفحة، بعد أن قابلها على عدّة نسخة خطيّة، مع وضع عناوين فرعية لمسائلها، وإثبات فروق النسخ في الهامش، مع تعليقات قليلة على بعض عباراتها من شرح ابن ملك عليها في الغالب، فجزاه الله خيراً على ما قام به من عمل في إخراجها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات.
لكنّي رأيت أن أخدمَها بنوعٍ آخر من الخدمة، وهي شرح مسائلها وبيان دليلها من الكتاب والسنة، وإضافة الفوائد الفقهية عليها بإيجاز غير ممل للقارئ، بعد أن قمت بتصحيح آخر لعبارة المتن بما يتوافق مع النسخ المشروحة لها، إذ يسرَّ الله في مكتبتي ثلاثة شروح عليها، وهي: شرح ابن ملك، ومنحة السلوك شرح تحفة الملوك للعيني، وهدية الصعلوك في شرح تحفة الملوك للزيلي، مع نسخ
مخطوطة لها أيضاً، فقمت بجمع زبدة وخلاصة ما في هذه الشروح والتعليق به عليها بما يلائم أهل العصر، مع زيادات وفوائد اقتنصتُها من كتب ساداتنا الحنفية متوافقة مع المقام ولا يخرجها عن المرام، وسميت هذه التعليقات:
((نفحات السلوك على تحفة الملوك))
راجياً من الله (أن يتقبّلها ويجعلَها ذخراً لنا يوم نلقاه، وملتمساً العذر في التقصير؛ لقلة البضاعة، وكثرة الأشغال، وضيق الأوقات، التي لم تمكني من التعليق عليها إلا في غضون أسابيع قليلة؛ لأقدمها بين يدي أحبابنا الكرام الراغبين في دراستها؛ ليتمكنوا من التحضير لها، وفهم المقصود من عبارتها، ومعرفة وجه الاستدلال لمسائلها، حتى تكون قراءتهم لها قراءة تحقيق وتمحيص تمكنهم من تدريسها، ونشر علمها بين الأنام، بعد أن أعرض الناس عن هذه العلوم، وانشغلوا بالقيل والقال مما لا يضير الجهل به.
فخذ يا أخي هذه الدرّة الفقهية من المسائل الضرورية التي لا غنى عنها، بعد بيانها وتدليلها بما يثلج الصدر لكلّ صادق وراغب، واقتنص ما فيها من اللآلئ، ولا تكن مفرطاً فتندم في الميعاد عما قصَّرت به، وإياك وقصر الهمة، واستعن بالله على أمرك ولا تعجز، فإنَّ العلم طريقك لرضى الله (، وقد قال (: ((مَن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) (¬1)، فكن من أهل الخير لا البطالة والعناد.
وفي الختام نسأل الله (أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ويتجاوز عن سيئاتنا، ويغفرَ لنا ولوالدينا وأجدادنا وشيوخنا، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 39، وصحيح مسلم 2: 718.
العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني
صلاح محمد أبو الحاج
تجاوز الله عن ذنبه الجلي والخفي
الأحد 6/جمادى الآخرة/1427 هـ
الموافق 2/تموز/2006 م
الأردن/عمان/صويلح
تمهيد
في دارسة عن تحفة الملوك ومؤلفها
أولاً: تحقيق اسم مؤلف التحفة:
ضُبِطَ اسمُه في كتب تراجم سادتنا الحنفية (¬1): محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن.
وذكره حاجي خليفة (¬2) باسم: زين الدين، محمد بن أبي بكر حسن الرازي الحنفي.
وذكره عمر رضا كحالة (¬3) باسم: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفي، زين الدين، أبو عبد الله.
أقول: ينبغي الاعتماد على الكتب المعتمدة في تحقيق اسمه، لاسيما كتب أصحاب المذهب؛ لأنَّهم أعرف الناس بفقهائهم وعلمائهم، وعلى ذلك يكون اسمه: محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن كما ورد في كتب طبقات الحنفية، ويمكن اعتماد لقبه: زين الدين، كما ذكره شرّاح التحفة: كابن ملك والزيلي ـ كما سيأتي عند نسبة صحة الكتاب للمؤلف ـ، وهذا اللقب أطلقه عليه أيضاً حاجي خليفة،
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية 3: 97، وتاج التراجم ص 252، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ص 82 - 283.
(¬2) في كشف الظنون 1: 374.
(¬3) في معجم المؤلفين 3: 168.
وكذلك يمكن اعتماد نسبة حاجي خليفة إلى الرازي؛ إذ يمكن الاعتماد على كتابه الكشف ما لم يعارض غيره من الكتب المعتمدة.
أما ما ذكره عمر كحالة من أنَّ اسم جدّه: عبد القادر، فمحل نظر، ومن المعلوم أنَّ كتابه معجم المؤلفين جمع فيه الكثير من المؤلفين والمؤلفات لكن دون تنقيح أو تحقيق، فلا يمكن الاعتماد عليه عند مخالفته لغيره من الكتب التاريخية المعتمدة، ومَن تتبع عرف هذه الحقيقة.
وسبب هذا الخلط والله أعلم أنَّهم ذكروا محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، زين الدين، صاحب مختار الصحاح في اللغة، من فقهاء السادة الحنفية، كما ذكر ذلك الزركلي (¬1)، ولكنَّه لم يذكر من كتبه ((تحفة الملوك))، إذ قال: ((محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرزاي، زين الدين، صاحب المختار في اللغة، فرغ من تأليفه ليلة أول رمضان سنة (660 هـ)، وهو من فقهاء الحنفية، وله علم بالتفسير والأدب، أصله من الري، زار مصر والشام، وكان في قونية سنة (666 هـ) وهو آخر العهد به، ومن كتبه: ((شرح المقامات الحريرية))، و ((حدائق الحقائق)) في التصوف، و ((أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آية التنزيل))، و ((الذهب الإبريز في تفسير الكتاب العزيز))، و ((روضة الفصاحة)) في علم البيان)).
فهل هما شخص واحد كما ذكر عمر كحالة، أم شخصان، فالمسألة محل نظر، وتحتاج إلى تحقيق وتنقيح، ولا يوجد بين يدي من الكتب ما يسعف في الوصول إلى المرام، فنتوقف على اعتماد ما سبق وروده في كشف الظنون وتراجم الأحناف، حتى يأتينا البيان الصحيح الصريح في ذلك، والله أعلم وعلمه أحكم.
¬
(¬1) في الأعلام 6: 279.
ثانياً: صحة نسبة تحفة الملوك للرازي:
نسب كتاب تحفة الملوك إلى الرَّازي شُرّاحُ التحفة، وأصحابُ كتب تراجم الأحناف، وأصحاب معاجم الكتب والمؤلفين، وإليك بعضهم:
أولاً: شرّاح التحفة، ومنهم:
1. الزيلي، فقال في «هدية الصعلوك» (¬1): ((لما كنت أذاكر كتاب «تحفة الملوك» الذي ألَّفه الفقيه الإمام زين الدين ... )).
2. ابن ملك، فقال في «شرحه على التحفة» (¬2): ((التمس مني بعض إخواني، واقترح عليّ خلص خلاني أن أشرح المختصر المسمى بـ «تحفة الملوك والسلاطين» الذي ألفه الفقيه الإمام الفهامة زين الدين ... )).
أما بدر الدين العيني صاحب ((منحة السلوك شرح تحفة الملوك)) فقد سكت عن مؤلف التحفة، وتحدَّث عن انتشار تدريسه في البلاد المصرية فقال في ((المنحة)) (¬3): ((لما وقفت في الديار المصرية ديار خير وعلم وأمنية، ورأيت الترك منكبين على المختصر الموسوم بـ «تحفة الملوك»؛ لكونه هادياً إلى أوضح السلوك، الراغبين فيه غاية الرغبة، مجتهدين فيه بأشد همة؛ لكونه مختصراً لطيفاً ومنتخباً شريفاً يحصل منه الحظّ للمبتدئ والفضل للمنتهي ... )).
ثانياً: مؤلفو طبقات الحنفية، إذ اتفقت كتب تراجم الأحناف على نسبة الكتاب للرازي، ومنهم:
1. ابن أبي الوفاء القرشي في ((الجواهر المضية)) (¬4)، إذ قال: ((محمد بن أبي بكر بن
¬
(¬1) هدية الصعلوك ص 2.
(¬2) شرح ابن ملك ق 1/أ.
(¬3) منحة السلوك 1: 43.
(¬4) الجواهر المضية 3: 97.
عبد المحسن: له «تحفة الملوك»، مجلّد لطيف، ذكر فيه عشرة أبواب بدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، ثم الجهاد، ثم الصيد مع الذبائح، ثم الكراهية، ثم الفرائض، ثم الكسب مع الأدب)).
2. قاسم بن قطلوبغا في ((تاج التراجم)) (¬1)، إذ قال: ((محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن، له: «تحفة الملوك»، مجلد لطيف)).
3. ابن الحنائي في «طبقات الحنفية» (¬2) إذ قال: ((محمد بن أبي بكر بن حسن، له: «تحفة الملوك» مجلدٌ لطيفٌ، ذكر فيه عشرة أبواب ... )).
ثانياً: مؤلفو معاجم الكتب والمؤلفين، ومنهم:
1. حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (¬3)، إذ قال: ((«تحفة الملوك» في الفروع لزين الدين محمد بن أبي بكر حسن الرازي الحنفي، وهو مختصر في العبادات مشتمل على عشرة كتب: الأول: في الطهارة، الثاني: في الصلاة، الثالث: في الزكاة، الرابع: في الحج، الخامس: في الصوم، السادس: في الجهاد، السابع: في الصيد، الثامن: في الكراهية، التاسع: في الفرائض، العاشر: في الكسب مع الأدب، أوله: الحمد لله والسلام على عباده ... الخ)).
وأيضاً قال حاجي خليفة في الكشف (¬4): ((وقيل: المتن للشيخ أبي المكارم شمس الدين محمد بن تاج الدين إبراهيم التوقاتي)).
2. إسماعيل باشا في ((هدية العارفين)) (¬5): ((الرازي، زين الدين، محمد بن أبي بكر
¬
(¬1) تاج التراجم ص 252.
(¬2) طبقات الحنفية ص 282 - 283.
(¬3) كشف الظنون 1: 374.
(¬4) كشف الظنون 1: 374.
(¬5) هدية العارفين 1: 515.
ابن عبد المحسن الرازي الحنفي، هو عمّ شهاب الدين محمود بن عبد القاهر كان في أواسط القرن السابع، له: ((تحفة الملوك)) في الفقه والعبادات)).
3. عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (¬1)، إذ قال: ((محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفي، زين الدين، أبو عبد الله، لغوي، فقيه، صوفي، مفسر، أديب، أصله من الري، وزار مصر والشام وأقام بقونية، من تصانيفه: «مختار الصحاح»، «روضة الفصاحة في غريب القرآن»، «دقائق الحقائق في التصوف»، «حدائق الحقائق في المواعظ»، «كنوز البراعة في شرح المقامات للحريري»، «أنموذج جليل من غرائب التنزيل»، «أسئلة القرآن وأجوبتها»، «تحفة الملوك»، و «مجمع الفوائد لجمع العوائد» في فروع الحنفية ... )).
4. إليان سركيس في ((معجم المطبوعات العربية)) (¬2)، إذ قال: ((زين الدين، محمد زين الدين، محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن الرازي الحنفي، «تحفة الملوك»، أولها: الحمد لله وسلام على عباد الدين المصطفى ... وهو مختصر في العبادات جمعَه لبعض إخوانه واختصرَ فيه على عشر كتب، وهي أهم كتب الفقه ... )).
5. عبد اللطيف بن محمد، الشهير بـ «رِياض زَادَه» الحنفي (ت 1078 هـ) في «أسماء الكتب» (¬3): «تحفة الملوك لمحمد بن أبي بن بعد المحسن».
ثالثاً: من شروح تحفة الملوك:
¬
(¬1) معجم المؤلفين 3: 168.
(¬2) في معجم المطبوعات العربية 1: 915.
(¬3) أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون 1: 86.
أقبل العلماء على هذه المتن المبارك تدريساً وشرحاً، وقد شرحَه مجموعة من جهابذة العلماء المشهورين، ومنهم:
1. عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكِرْمانيّ، المعروف بـ (ابن مَلَك)، وفرشتا: الملك، له شرح ممزوج على تحفة الملوك، أوله: الحمد لله الذي هدانا إلى الصراط المستقيم. . . الخ، وما زال هذا الشرح مخطوطاً على حدّ علمي، ومن مؤلفاته أيضاً: ((شرح الوقاية))، و ((شرح المجمع))، و ((شرح المنار))، و ((مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار))، قال اللكنوي عنها: وكلُّها لطيفةٌ نفيسةٌ. وقال الكفوي: كان أحد المشهورين بالحفظ الوافر، وأحد المبرزين في عويصات العلوم، وله القَبول التامّ عند الخاص والعام (ت 801 هـ) (¬1).
2. بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العيني الحنفي، أبو محمد، وهو شرح بالقول، وسماه: ((منحة السلوك في شرح تحفة الملوك))، أوله: إنَّ أحرى ما يملى في تباشير الخطب والدبابيج ... الخ، وقد حقق هذا الشرح في ثلاثة رسائل ماجستير في جامعة بغداد، ولكنَّه لم يطبع بعد، وللعيني مؤلفات أخرى، ومنها: ((البناية في شرح الهداية))، و ((رمز الحقائق شرح كنز الدقائق))، و ((تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر))،و ((الدرر الفاخرة شرح البحار الزاهرة))،و ((سير الأنبياء ()) و ((شرح الشافية)) لابن الحاجب، و ((طبقات الحنفية))، و ((طبقات الشعراء)) و ((عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان))، و ((المسائل البدرية المنتخب من فتاوى الظهيرية)) و ((المستجمع في شرح المجمع)) لابن
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع 4: 329، والفوائد البهية ص 181، الشقائق النعمانية ص 30، كشف الظنون 1: 374، 2: 1601، دفع الغواية ص 6، وهدية العارفين 1: 555، والأعلام 4: 182.
الساعاتي، و ((مشارح الصدور في الخطب والمواعظ)) ثمان مجلدات، و ((معاني الأخبار في رجال معاني الآثار)) و ((ملاح الأرواح في شرح المراح))، و ((نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار شرح معاني الآثار))، و ((عمدة القاري شرح صحيح البُخاريّ))، قال السيوطي: ((كان إماماً عالماً علامة عارفاً بالعربية والتصريف حافظاً للغة سريع الكتابة، عمَّر مدرسة بقرب الجامع الأزهر ووقف كتبه بها))، ولد في سنة (762 هـ)، وتوفي في سنة (855 هـ) (¬1).
3. صالح بن محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب الغزي التمرتاشي الحنفي، شرح تحفة الملوك، ومن مؤلفاته أيضاً: ((زواهر الجواهر))، و ((شرح الألفية لوالده محمد)) في النحو، و ((شرح تاريخ شيخ الإسلام سعدي المحشي))، و ((العناية في شرح الوقاية))، و ((منظومة في الفقه))، وغير ذلك، ولد سنة (980 هـ)، وتوفي سنة (1055 هـ) (¬2).
4. محرم بن البركات محمد بن العارف ابن الحسن الزيلي السيواسي ثم القسطموني، أبو الليث، الواعظ الحنفي الخلوتي، له شرح على التحفة سمّاه: ((هدية الصعلوك شرح تحفة الملوك))، وقد طبع سنة (1295 هـ)، ومن تصانيفه أيضاً: ((إعراب الفوائد الضيائية للجامي)) في النحو، و ((ترجمة نفحات الأنس)) بالعربية، و ((ترغيب المتعلمين))، و ((الرضاع محرم الجماع بلزوم
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع 10: 131 - 135، وكتائب أعلام الأخيار ق 351/ب-ق 352/أ، والفوائد البَهيَّة ص 340، والبدر الطالع 2: 294 - 295، وكشف الظنون 1: 287، والأعلام 8: 38 - 39، ومعجم المؤلفين 3: 797 - 798، وهدية العارفين 1: 673، ومعجم المطبوعات 1: 343.
(¬2) ينظر: هدية العارفين 1: 221.
الانقطاع))، و ((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع))، و ((كنوز الأولياء ورموز الأصفياء))، (ت 1000 هـ) (¬1).
5. «نخبه المملوك شرح تحفه الملوك» لعبد الصمد بن علي بن داود الديار بكري (¬2).
6. «مجمع الفوائد لجمع العوائد شرح تحفه الملوك» لفاطمه بنت محمد بن أحمد السَّمرقنديّة (¬3).
7. «شرح تحفه الملوك» لفائد بن مبارك الأبياري (¬4) المصريّ الأزهريّ، من مؤلَّفاته: «شرح زاد الفقير»، و «مواهب القدير شرح الجامع الصغير»، و «شرح الأجرومية»، و «موارد الظمآن إلى سيرة المبعوث من عدنان»، توفي بعد 1063 هـ (¬5).
8. «شرح تحفة الملوك» لعيد بن يوسف المراغي (¬6).
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين 1: 448.
(¬2) نسبه له في خزانة التراث، مخطوطة رقم 77157، وفهرس مخطوطات آل البيت: الفقه: 150.
(¬3) نسبه لها في خزانة التراث، مخطوطة رقم 77158، وفي فهرس مخطوطات آل البيت: الفقه: 237 ذكر تسع نسخ مخطوطة، وفي أحدها: كتب: اسم الشارح، فاطمة بنت محمد بن أحمد، السَّمَرْقَندي (زوجة الإمام)،اهـ. ولعلّه الإمام الرازي مؤلف الكتاب، وفي خزانة التراث، مخطوط رقم 81490، نسبه لعثمان بن عبد الله.
(¬4) نسبه له في خزانة التراث، مخطوط رقم 99460، وفهرس آل البيت، الفقه: 248.
(¬5) ينظر: الأعلام 5: 125.
(¬6) نسب له في مكتبة التراث الإسلامي بمسجد أبي العباس بالاسكندرية، رقم عام: 552، وخاص: 254، فقه حنفي، كما في مقدمة شرح ابن ملك على التحفة 1: 31.
رابعاً: ترجمة تحفة الملوك:
قام الأديب الفقيه النحوي محمد ذهني بن محمد رشيد الأستانبولي الرومي بترجمة تحفة الملوك إلى اللغة التركية، وقد كان أحد أعضاء مجلس المعارف العثمانية ومعلم المكتب السلطاني، ومن أعماله: ((اقتباس الأنوار في ترجمة المنار))، و ((الألغاز الفقهية))، و ((بغية الطالب في ترجمة تحفة الراغب)) لشهاب الدين أحمد القليوبي، و ((ترجمة أطواق الذهب)) للزمخشري، و ((ترجمة تحفة الأريب))، و ((ترجمة المنقذ من الضلالة)) للغزالي، و ((الحقائق مما في الجامع الصغير))، و ((المشارق من حديث خير الخلائق))، و ((دستور الموحدين في العقائد))، و ((المقتضب في نحو لسان العرب))، و ((المقتضب من المنتخب))، و ((المنتخب في تعليم لغة العرب))، ولد سنة (1262 هـ)، وتوفي في أواخر سنة (1329 هـ) (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين 1: 662.
الورقة الأولى من نسخة أ من مخطوطة جامعة الملك سعود
الورقة الأخيرة من نسخة أ من مخطوطة جامعة الملك سعود
الورقة الأولى من نسخة ب من مخطوطة جامعة أم القرى
الورقة الأخيرة من نسخة ب من مخطوطة جامعة أم القرى
الورقة الأولى من نسخة ج من مخطوطة جامعة الملك سعود
الورقة الأخيرة من نسخة ج من مخطوطة جامعة الملك سعود
تحفة الملوك
للإمام الفقيه زين الدين
محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن الرازي الحنفي
من علماء القرن السابع الهجري
ومعه
نفحات السلوك على تحفة الملوك
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، ألأردن
(
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
هذا مختصرٌ في علم الفقه، جمعتُه لبعض إخواني في الدِّين بقدر ما وسعه وقتُه، واقتصرتُ فيه على عشرة كُتُب: هي أهمُّ كتب الفقه، وأَحقّها بالتَّقديم وهي:
كتابُ الطَّهارة، والصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، والحجّ، والجهاد، والصَّيد مع الذَّبائح، والكراهية، والفرائض، والكسب مع الأدب، نفعَه اللهُ تعالى به، وجعلَه سبباً لترقيه إلى أَعلى مراتب سَعادة الآخرة.
كتاب الطهارة
الماءُ ثلاثة أقسام:
1. طاهر طهور (¬1): وهو الباقي على أوصاف خِلْقَتِه (¬2)، ومنه:
¬
(¬1) أي طاهر لنفسه وطهور لغيره. ينظر: منحة السلوك 1: 61.
(¬2) هذا هو الماء المطلق، الذي بقي على أوصافه التي خلقه الله (عليها من غير أن يتغير طعمه ولونه وريحه: كماء السماء؛ قال (: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} [الأنفال: 11]، وماء البحر؛ فعن أبي هريرة (سأل رجل رسول الله (، قال يا رسول الله: إنا نركب البحر القليل ونحمل معنا من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال (: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) في صحيح ابن حبان 4: 49، وصحيح ابن خزيمة 1: 59، وماء البئر، والنهر، والعين، وغيرها.
أ ما يَقْطُرُ من الكَرْم (¬1).
ب والمُتَغَيِّر بطاهرٍ:
1) لم يغلبه بالأجزاء (¬2).
¬
(¬1) لأنَّه ماء يخرج من غير علاج، وهذا اختيار صاحب الهداية1: 18، والتنوير1: 121، وشرح الوقاية ص97، وغيرهم.
والقول الثاني: إنَّه طاهر غير مطهر، ولو خرج الماء بنفسه من غير عصر كالقاطر، وهذا ما رجّح صاحب البحر1: 72، والحصكفي في الدر المختار1: 121، والشرنبلالي في المراقي ص65.
(¬2) هذا هو الشرط الأول للمتغير الطاهر، وضابط الغلبة له وجهان:
الأول: إن خالط الماء الجامدات الطاهرات بإخراجه عن رقته وسيلانه على الصحيح.
ورقته: بأنَّه لا ينعصر عن الثوب. وسيلانه: بأن لا يسيل على الأعضاء سيلان الماء.
وأما إذا بقي على رقته وسيلانه، فإنَّه لا يمنع جواز الوضوء به تغير أوصافه كلها بجامد خالطه بدون طبخ: كزعفران، وصابون، وأشنان، وفاكهة، وورق شجر؛ بدليل:
أ ... عن ابن عباس (خر رجل من بعيره فوقص فمات، فقال (: (اغسلوه بماء وسدر ... ) في صحيح مسلم 2: 865، وصحيح البخاري 1: 425، وغيرها.
ب ... عن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله (يوم الفتح بأعلى مكة فأتيته فجاء أبو ذر بقصعة فيها ماء، قلت: إني لأرى فيها أثر العجين، قالت: فستره أبو
ذر فاغتسل، ثم ستر النبي (أبا ذر فاغتسل) في صحيح ابن خزيمة 1: 119، وصحيح ابن حبان 3: 462، وغيرهما.
الثاني: إن خالط الماء المائعات، وله أربعة حالات:
1) ... إن ظهر وصف واحد من مائع له وصف واحد، فإنَّه لا يجوز الوضوء به: كالقرع، والبطيخ، فإنَّ ماءها لا يخالف إلا في الطعم، وكذلك ماء الورد، فإنَّه لا يخالف إلا في الريح.
2) ... إن ظهر وصف واحد: كلون أو طعم من مائع له وصفان: كاللبن فيه وصفان
اللون والطعم ولا رائحة له، فإن لم ينتقل أحد الوصفين إلى الماء، جاز الوضوء به، وإن وجد أحدهما، لم يجز.
3) ... إن ظهر وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة: كالخلّ له لون وطعم وريح، فأي وصفين منها ظهرا منعا صحة الوضوء، والواحد منها لا يضر؛ لقلته.
4) ... إن غلب الوزن من مائع لا وصف له يخالف الماء بلون أو طعم أو ريح: كالماء المستعمل، فإنَّه بالاستعمال لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح، وهو طاهر كما سبق، وأيضاً ماء الورد المنقطع الرائحة، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من الماء المطلق لم يجز الوضوء به، وإن استويا في الوزن حكمه حكم المغلوب احتياطاً. ينظر: مراقي الفلاح ص26 - 27، وغيرها.
2) ولم يجدد له اسماً آخر (¬1).
2. وطاهر فقط: وهو كلّ ماء أزيل به حدثٌ، أو أُقيمت به قربةٌ (¬2).
¬
(¬1) هذا الشرط الثاني للمتغير الطاهر، وهو أن لا يبقى ماء: كالمرق، وماء الباقلاء، والخلّ، وسائر الأشربة. ينظر: منحة السلوك ص62.
(¬2) يعني سبب كون الماء مستعملاً بأحد هذين الأمرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف (: أحدهما: قصد التقرب، والثاني: إزالة الحدث بلا نية التقرب: كمن توضأ في إناء للتبرُّد، أو غسل أعضاء الوضوء للطين، أو للتعليم لآخر، أو لمس المصحف، أو نحوه، يصير الماء مستعملاً عندهما، وقال محمد (: لا يصير مستعملاً إلا بنية التقرب وإن أزال الحدث. ينظر: هدية الصعلوك ص6.
ويصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد على الصحيح؛ لأنَّ سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال؛ لضرورة التطهير، ولا ضرورة بعد انفصاله، هذا اختيار صاحب الهداية 1: 20، ومشى عليه في نور الإيضاح ص23، وغيرها، وقال الطحطاوي في حاشيته ص23: هو ما عليه العامة، وصحح في كثير من الكتب: إنَّه المذهب كما في البحر.
واختار مشايخ بلخ والطحاوي والظهير المرغيناني والصدر الشهيد وفخر الإسلام أنَّ الماء يصير مستعملاً إذا زايل البدن واستقر في موضع. ينظر: السعاية 1: 396 - 397، وغيرها.
3. ونجس: وهو ماء قليلٌ وقعت فيه نجاسةٌ وإن لم تغيره، وكثيرٌ وقعت فيه نجاسةٌ غَيَّرت أحدَ أوصافه، جارياً كان أو واقفاً.
والكثيرُ: عشر في عشر بذراع الكرباس (¬1) في عمق لا تظهر الأرض بالغرف (¬2).
والقليلُ: ما دونه.
والجاري: ما يذهب بتبنةٍ.
¬
(¬1) وهي ست قبضات، وكل قبضة أربع أصابع، وكل إصبع ست شعيرات، أما ذراع المساحة فهي سبع قبضات، وقال العيني في منحة السلوك 1: 67: والأصح أنَّه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم.
(¬2) وقيل في حد العمق: قدر ذراع، وقيل: قدر شبر، وقيل: قدر أربع أصابع مفتوحة،
وعن البزدوي بما يبلغ الكعب. ينظر: منحة السلوك 1: 68.
والواقفُ: ما دونه.
والنجاسة:
1. كلُّ خارج من السبيلين من الإنسان وغيره، إلا خُرْء الحمام والعصفور (¬1).
2. والدمُ والقيحُ والصديدُ (¬2) إذا سال إلى محلّ الطهارة في الجملة: يعني في الاغتسال والوضوء.
3. والخمرُ (¬3).
4. والقيءُ ملء الفم (¬4).
¬
(¬1) فإنَّ خُرءها طاهر بالاتفاق؛ لعدم نتنه، فلا يفسد الماء والثوب، ولذلك أجمع المسلمون على اقتناء الحمامات في المساجد مع أمرنا بتطهيرها. ينظر: منحة السلوك 1: 69، وهدية الصعلوك ص7.
(¬2) وهو ماء الجرح الرقيق. ينظر: المشكاة ص28، وفتح باب العناية 1: 61.
(¬3) لقوله (: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [المائدة: 90]
(¬4) لأنَّ للفم حكم الخارج حتى لا يفطر الصائم بالمضمضة، وله حكم الداخل حتى لا يفطر بابتلاع شيء من بين أسنانه مثل الريق، فلا يعطى له حكم الخارج ما لم يملأ الفم. وحد ملء الفم: ما لا يمكن ضبطه إلا بكلفة على الأصح، وهذا ما مشى عليه في الهداية والاختيار والخلاصة وصححه فخر الإسلام وقاضي خان والزيلعي في التبيين 1: 8، وقيل: ما لا يقدر على إمساكه، قال في البدائع: عليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح، وفي الحلية: الأول هو الأشبه. ينظر: رد المحتار 1: 137، والمشكاة ص30.
5. وخرءُ ما لا يؤكل لحمه من الطير ينجس الماء (¬1)، لا الثوب حتى يفحش (¬2).
وخرءُ الفأرة وبولُهُ معفوٌ عنه في الطعام والثوب، لا في الماء (¬3).
ودمُ البقِ والبراغيثِ والسمكِ (¬4) عفوٌ.
وشعرُ الميتة، وكلُّ جزءٍ منها لا حياةَ فيه (¬5) طاهر.
¬
(¬1) لإمكانه التحامي عنها بتغطية الأواني. ينظر: هدية الصعلوك ص7.
(¬2) لأنَّها تذرف من الهواء فلا يمكن الاحتراز عنها، وحد الفحش: قيل: مقدار شبر في شبر، وقيل: ذراع في ذراع، وقيل: أكثر من نصف، وعند أبي حنيفة (: ما تستفحشه الناس، والصحيح ربع الثوب؛ لأنَّ الربع يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام: كحلق ربع الرأس في الإحرام، وكشف ربع العورة. ينظر: الهدية ص7، والمنحة ص73.
(¬3) لعدم إمكان التحامي عنه؛ لأنَّ ا لفأرة غالباً تخرج في الليالي، وتدخل كل فرجة تجد فيها رائحة الطعام، بخلاف الماء، فإنَّه يمكن الاحتراز عنه بالتغطية. ينظر: المنحة 73، والهدية 8.
(¬4) لأنَّ دم السمك ليس بدم في الحقيقة، إذ الدم إذا شمس اسودّ، ودم السمك تبيض بالجفاف، ولهذا لا يذبح. ينظر: الهدية ص8.
(¬5) أي مما لا دسومة فيه: كالعظم، والعصب، والحافر، والقرن. ينظر: الوقاية ص101، والدر المختار 11: 138.
وشعرُ الخنزير وسائر أجزائه نجس (¬1)، ورُخِصَ الخرزُ بشعره (¬2).
وعظمُ (¬3) الفيل طاهر (¬4).
¬
(¬1) لقوله (: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
(¬2) لأنَّ خرز النعال والأخفاف الرفيعة لا يتأتى إلا به، فكان فيه ضرورة، ثم لا حاجة إلى شرائه؛ لأنَّه يوجد مباح الأصل، ففي الجامع الصغير ص328: «ولا يجوز بيع شعر الخنزير ويجوز الانتفاع به للخزر». وقال الفقيه أبو الليث: إن كانت الأساكفة لا يجدون الخنزير إلا بالشراء، ينبغي أن يجوز لهم الشراء، ولا بأس للأساكفة أن يصلوا مع شعر الخنزير وإن كان أكثر من قدر الدرهم. ينظر: التبيين 4: 51. وفي العناية 6: 425: «ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة؛ لأنَّ غيره لا يعمل عمله. فإن قيل: إذا كان كذلك وجب أن يجوز بيعه، أجاب: بأنَّه يوجد مباح الأصل فلا ضرورة إلى بيعه وعلى هذا قيل: إذا كان لا يوجد إلا بالبيع لكن الثمن لا يطيب للبائع». ومثله في مجمع الأنهر 2: 59، وفي رد المحتار 5: 72 - 73: «وقال الزيلعي: إطلاق الانتفاع به دليل طهارته، وهذا يفيد عدم تقييد حل الانتفاع به بالضرورة، ويفيد جواز بيعه؛ ولذا قال في النهر: وينبغي أن يطيب للبائع الثمن على قول محمد ( ... أما في زماننا فلا حاجة إليه؛ للاستغناء عنه بالمخارز والإبر، قال في البحر: ظاهر كلامهم منع الانتفاع به عند عدم الضرورة بأن أمكن الخرز بغيره».
ومن هذه النصوص يُفهم أنَّه يجوز الانتفاع بريشة الرَّسم المصنوعة من شعر الخنزير على قول محمد (وكذا بيعُها مع طيب الثّمن للبائع، وعند غيره فلا يجوز الانتفاع إلا للضرورة بأن كان غيرها لا يعمل عملها فيجوز لكن لا يطيب الثمن للبائع، والله أعلم وعلمه أحكم.
(¬3) في أ: وشعر.
(¬4) هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف (، فيجوز بيع عظمه والانتفاع به، ويطهر جلده بالدباغة ولحمه بالذكاة كسائر السباع، ولكن لا يؤكل لحمه؛ لحرمته، وقال محمد (: إنَّه نجس العين؛ لأنَّه كالخنزير في الشكل وحرمة اللحم، فلا ينتفع بشيء من أجزائه. ينظر: هدية الصعلوك ص8، وبدائع الصنائع 5: 142، وفي مجمع الأنهر 2: 59: والمختار قولهما.
وكلُّ إهابٍ دبغ طَهُر (¬1)، إلا جلدَ الخنزير والآدمي.
[أحكام الآسار]
وسؤر الآدمي طاهر إلا حال شربه الخمر (¬2).
وسؤر الفرس وما يؤكل لحمه طاهر (¬3).
وسؤر الخنزير والكلب وسباع البهائم نجس (¬4).
¬
(¬1) لقوله (: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) في صحيح مسلم 1: 277، وصحيح ابن حبان 4: 104، وغيرها، أما جلد الخنزير فلا يطهر بالدباغة؛ لنجاسة عينه، وجلد الآدمي؛ لكرامته، والدباغة: هي إزالة رائحة النتن والرطوبات النجسة من الجلد، سواء كان بالتراب أو الشمس، أو بالأدوية كالقَرظ. ينظر: غنية المستملي ص156، وشرح الوقاية ص100 - 101.
(¬2) فإن مضى ساعة بعد شربه، أو أنقى فاه بالماء، أو ابتلع ريقه ثلاث مرات، طهر فمه عند أبي حنيفة (. ينظر: هدية الصعلوك ص9.
(¬3) لأنَّ لعابه متولد من لحمه، وهو طاهر، وحرمته للتكريم؛ لكونه آلة الجهاد،
فصارت حرمته كحرمة لحم الآدمي، ألا ترى أنَّ لبنه حلال. ينظر: المشكاة ص112.
(¬4) لقوله (: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، وعن أبي هريرة (قال (: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار) في صحيح مسلم 1: 234.
وسؤر الهرة (¬1)، والدجاجة المخلاّة (¬2)، والإبل والبقر الجلاّلة (¬3)، والحيّة
¬
(¬1) فإنَّ نجاسته تسقط؛ لعلة الطواف المنصوص عليها؛ فعن كبشة بنت كعب بن مالك رضي الله عنها، وكانت تحت ابن أبي قتادة (: (إنَّ أبا قتادة (دخل عليها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إنَّ رسول الله (قال: إنَّها ليست بنجس، إنَّها من الطوافين عليكم أو الطوافات) في صحيح ابن خزيمة 1: 55، وصحيح ابن حبان 4: 115، وسنن الترمذي 1: 151، وصححه.
(¬2) وهي التي تجول في القاذورات، لا يعلم طهارة منقارها من نجاسته، فكره سؤرها تنزيهاً، وأما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها؛ لأنَّها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وهي في عذرات نفسها لا تجول، بل تلاحظ الحب بينه. ينظر: رد المحتار 1: 149، وغيره.
(¬3) لأنَّ رسول الله ((نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها) في جامع الترمذي 4: 270، وحسنه، وصحيح ابن خزيمة 4: 146، وصحيح ابن حبان 12: 220، والجلالة: هي التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات، ولا تخلط فيتغير لحمها فيكون منتناً، ولو حبست حتى يزول النتن حلت، ولم تقدر لذلك مدة في الأصل، وهذه الجلالة المكروهة هي التي إذا قربت وجدت منها رائحة فلا تؤكل ولا يشرب لبنها، وأما التي تخلط بأن تتناول النجاسة والجيف، وتتناول غيرها على وجه لا يظهر أثر ذلك في لحمها، فلا بأس به. ينظر: رد المحتار 6: 342، والتبيين 6: 11، والبحر الرائق 8: 208، والبيان ص184 - 185، وغيرها.
والعقرب والفأرة (¬1)، وسباع الطير (¬2) مكروه.
وسؤرُ البغل والحمار طاهرٌ مشكوكٌ في طهوريتِه، فإن لم يجد ماءً غيرَه، توضّأ به وتيمَّم (¬3).
¬
(¬1) لأنَّها من الطوافين والطوافات مع حرمة لحمها النجس، بخلاف العقرب والصرصر؛ لعدم نجاستها فلا كراهة فيه. ينظر: مراقي الفلاح ص32.
(¬2) لأنَّها تخالط الميتات والنجاسات، فأشبهت الدجاجة المخلاة، حتى لو تيقن أنَّه لا نجاسة على منقارها لا يكره سؤرها. ينظر: المراقي ص32، والمشكاة ص113.
(¬3) ويجوز له أن يقدم أيهما شاء، والشك لتعارض الأدلة ومنها: عن أنس (، إنَّ النبي (أمر منادياً فنادى: (إنَّ الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنَّها رجس، فأكفئت القدور، وإنَّها لتفور باللحم) في صحيح مسلم 3: 1539، وهذا يدل على حرمة اللحم فيتنجس السؤر أيضاً؛ لأنَّ نجاسته وطهارته معتبرة بطهارة اللعاب ونجاسته، ونجاسته وطهارته معتبر باللحم، وعن غالب بن الأجر (قال: سألت رسول الله (فقلت: إنَّه لم يبق من مالي إلا الأحمرة، فقال: (أطعم أهلك من سمين مالك، إنَّما كرهت لكم جوالة القرية) في سنن أبي داود 3: 256، والمعجم الكبير 18: 266، وهذا يدل على إباحة لحمه المستلزمة لطهارة لعابه، المستلزمة لطهارة سؤره.
فصل
في الوضوء والغُسل
فروضُ الوضوء أربعةٌ (¬1):
الأوّل: غسل الوجه: وهو من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأُذُن إلى شحمةِ الأُذُن عرضاً.
ويجب غسل الشعر الساتر للخدين والذقن، ولا يجب غسل ما تحته وتحت الشارب والحاجب وما نزل من اللحية، أمّا البياضُ الذي بين العِذار (¬2) والأذن، فيجب غسله (¬3).
¬
(¬1) كما في قوله (: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6].
(¬2) العذار: استواء شعر الغلام، وهي خطّ لحيته. ينظر: لسان العرب 4: 2857.
(¬3) لأنَّ البياض داخل في حدّ الوجه، ولم يستر بالشعر، فبقي واجب الغسل كما كان، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد (، وعليه أكثر المشايخ، قال الحصكفي في الدر المختار1: 66: وبه يفتى. وقال ابن عابدين في رد المحتار1: 66: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. وروي عن أبي يوسف (: أنَّه لا يجب؛ لأنَّ ما تحت العذار لا يجب غسله مع أنَّه أقرب إلى الوجه, فلأن لا يجب غسل البياض أولى، وذكر الحلواني: يكفيه أن يبل ما بين العذار والأذن، وهذا الخلاف في غير المرأة والأمرد؛ لأنَّ غسله واجب عليهم اتفاقاً. ينظر: البدائع 1: 4، والاختيار 1: 13، وفتح باب العناية 1: 42، وشرح الوقاية ص73، والمراقي ص98، و الدر المنتقى 1: 10، وغيرها.
والثاني: غسلُ اليدين مع المرفقين (¬1).
والثالث: مسحُ ربع الرأس (¬2).
والرابع: غسل الرجلين مع الكعبين، والدواء في شقوقهما يصح معه الوضوء (¬3).
وسننُه عشرون:
1. النيّةُ (¬4).
¬
(¬1) لأنَّ الأمر تعلّق بغسل اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رءوس الأصابع إلى الإبط، ولولا ذكر المرفق لوجب غسل اليد كلها، فكان ذكر المرفق لإسقاط الحكم عما وراءه، لا لمد الحكم إليه؛ لدخوله تحت مطلق اسم اليد, فيكون عملاً باللفظ بالقدر الممكن. ينظر: البناية 1: 109، وعمدة الرعاية 1: 55، وغيرها.
(¬2) فعن المغيرة (إنَّ النبي (: (توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين) في صحيح مسلم 1: 231، فدلَّ على أنَّ الاستيعابَ غيرُ مراد.
(¬3) لأنَّ الشقوق مثل الجراحة، فلا يمنع صحة الوضوء، بخلاف ما إذا كان تحت أظافره وسخ أو عجين؛ لعدم الضرورة. ينظر: منحة السلوك 1: 84.
(¬4) بأن يقصد بالقلب الوضوء، أو رفع الحدث، أو عبادة لا تصح إلا بالطهارة؛ لقوله (: (إِنَّما الأعمالُ بالنيات) في صحيح البخاري 1: 3، وصحيح مسلم 3: 1515، وعدم توقف صحة الوضوء على النية؛ لأنَّ الثواب منوط بالنية اتِّفاقاً، فلا بُدَّ أن يُقدَّرَ الثَّواب، أو يُقدَّرَ شيء يشملُ الثَّواب، نحو: حكم الأعمال بالنيّات، فإن قُدِّرَ الثَّوابَ فظاهر، وإن قُدِّرَ الحكم، فهو نوعان: دنيويٌّ: كالصِّحَّة، وأخرويُّ: كالثَّواب، والآخرويُّ مرادٌ بالإجماع. ينظر: فتح باب العناية 1: 55، والاختيار 1: 15، وغيرها.
2. والتسميةُ (¬1).
3. وغسلُ اليدين إلى الرُّسغين ثلاثاً للقائم من نومه (¬2).
4. والترتيبُ (¬3).
5. والموالاةُ (¬4).
¬
(¬1) فعن أبي هريرة (قال (: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) في المستدرك 1: 246، وصححه، وسنن الترمذي1: 38، وعن أبي سعيد الخدري (قال (: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) في سنن الدارمي 1: 187، ومسند عبد بن حميد 1: 285، وغيرها، والمراد نفي الفضيلة والكمال، كما في منحة السلوك 1: 84.
(¬2) أما ما عليه الأكثر فإنَّه يسن غسل اليدين مطلقاً قبل إدخالهما الإناء، كما في البحر1: 17 وصححه قاضي خان في فتاواه 1: 32، واختاره الحصكفي في الدر المختار 1: 75، وعند بعض المشايخ: سنة قبل الاستنجاء، وعند البعض: بعده. ينظر: شرح الوقاية ص79، وغيره.
(¬3) وهذا في الأعضاء المفروضة كما نصّ عليه في القرآن الكريم، والواو فيه للجمع لا للترتيب؛ ولأنَّ النبي (واظب على الترتيب، وهذا دليل السنية. ينظر: بدائع الصنائع 1: 22، وغيره.
(¬4) وهو أن يغسل أعضاءه على سبيل التعاقب بحيث لا يغسل العضو الثاني قبل جفاف العضو الأول عند اعتدال الهواء، فلو جفَّفَ الوجه، أَو اليد بالمنديلِ قبل غسل الرجل لم يترك الولاء، بخلاف ما في التُّحفة1: 13، والاختيار1: 15، والمصفى: من أن لا يشتغلَ بين الأفعالِ بغيرها، فإنَّهُ على هذا الوجهِ لو جفَّفَ لتركَ؛ ولذا مَنَعَ عنه بعضُ المشايخ، كما في جامع الرموز1: 19 - 20، وصحح اللكنوي في الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل ص23: عدم تركه للولاء.
6. والسِّواكُ (¬1).
7. والمضمضةُ (¬2).
8. والاستنشاقُ (¬3).
9. والمبالغةُ فيهما للمفطر (¬4).
¬
(¬1) لقوله (: (ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) في صحيح البخاري 2: 682، فامتناع الوجوب لامتناع الأمر لوجود المشقة فإنَّه ثبت ما دون الوجوب، وهو السنة؛ لعدم المانع وهو المشقة، كما في منحة السلوك 1: 87، ويقوم مقام السواك عند فقده أو فقد أسنانه الخِرقة الخشنة أو الأصبع، كما يقوم العلك مقامه في الثواب للمرأة مع القدرة عليه إذا وجدت النية. ينظر: الهدية العلائية ص24، والمشكاة ص19.
(¬2) أي ثلاثاً بماء جديد لكل مضمضة؛ فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: (أنَّ رسول الله (توضأ فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً يأخذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً) في المعجم الكبير 19: 180،وحدُّ المضمضة: استيعاب جميع الفم. ينظر: فتح باب العناية 1: 37.
(¬3) أي ثلاثاً بماء جديد في كل مرة، وحدّه: أن يصل الماء إلى المارِن. ينظر: الوقاية ص80، والمشكاة ص20.
(¬4) أي المبالغة في المضمضة، بأن يوصل الماء إلى رأس الحلق، والمبالغة في الاستنشاق بأن يجاوز الماء المارِن، كما في فتح باب العناية 1: 37؛ لقوله (: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) في سنن أبي داود 1: 82، وسنن الترمذي 3: 155، وصححه، وصحيح ابن خزيمة 1: 78.
10. والبداءةُ بالميامن (¬1).
11. والبداءةُ في غسل اليدينِ ...
12. ... والرجلينِ من رؤوس الأصابع (¬2).
13. وتخليلُ اللحيةِ (¬3).
¬
(¬1) بأن يبتدئ باليمين في غسل الأعضاء؛ لقوله (: (إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم) في صحيح ابن حبان3: 370، وسنن ابن ماجه1: 141، وعن عائشة (قالت: كان رسول الله (ليحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل) في صحيح البخاري1: 165، وصحيح مسلم1: 226، واللفظ له، قال القاري في فتح باب العناية 1: 57: «والأصح أن التيامن سنة»، لكن مشى على استحبابه في الوقاية ص84، والنقاية 1: 57، والملتقى 1: 16، وغيرها.
(¬2) يعني يسيل الماء من رؤوسها إلى المرفقين والكعبين لما يفهم من عبارة النصّ. ينظر: هدية الصعلوك ص13.
(¬3) فعن أنس (: (إنَّ رسول الله (كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلَّلَ به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي عزَّ وجل) في سنن أبي داود 1: 36، والمعجم الأوسط 3: 221، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 235: رجاله وثقوا. قال العلامة ابن عابدين في رد المحتار 1: 79: «والمتبادر منه إدخال اليد من أسفل بحيث يكون كفّ اليد للداخل من جهة العنق، وظهرها إلى الخارج؛ ليمكن إدخال الماء المأخوذ في خلال الشعر، والتخليل يكون باليد اليمنى».
وتخليل اللحية سنة عند أبي يوسف (، وجائز عند أبي حنيفة ومحمد (، كما في الهداية1: 13، واللباب شرح الكتاب1: 10، ومنح الغفارق7/ب، وقال صاحب الفتاوى السراجية1: 4: والمختار قول أبي يوسف (. وقال الحلبي في غنية المستملي ص23: والأدلة ترجِّحُ قول أبي يوسف، وقد رجَّحه في المبسوط، وهو الصحيح. وقال العيني في منحة السلوك 1: 89: والصحيح قول أبي يوسف (.
14. ... والأصابعِ (¬1).
15. وتحريكُ الخاتم الضيق (¬2).
16. ومسحُ كلّ الرّأس (¬3).
17. والبداءةُ فيه من مقدمه (¬4).
¬
(¬1) أي تخليل أصابع اليد والرجل؛ لقوله (: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع) في صحيح ابن حبان3: 368، والمستدرك1: 248، وجامع الترمذي3: 155، وكيفية تخليل أصابع اليد: أن يشبِّك الأصابع، والرجل: أن يخلل بخنصر يده اليسرى بادياً من خنصر رجله اليمنى خاتماً بخنصر رجله اليسرى. ينظر: عمدة الرعاية1: 64، وهدية الصعلوك ص13.
(¬2) ليصل الماء إلى ما تحته، وأما الخاتم الواسع فلا يحتاج إلى التحريك؛ لوصول الماء تحته بلا تحريك، كما في المنحة 1: 89، وينبغي الانتباه إلى إيصال الماء إلى ما تحت الخاتم؛ لأنَّه إن لم يصل لا يصح الوضوء؛ لفرضية وصول الماء إلى كل جزء من أعضاء الوضوء.
(¬3) أي مرّة واحدة؛ لإكمال الفرض. ينظر: الهدية ص13.
(¬4) أي البداية من مقدمة رأسه، بأن يضع كفيه وأصابعه على مقدِّم رأسه ويمدّهما إلى
القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه بأصبعه، ولا يكون الماء مستعملاً بهذا؛ لأنَّ الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذه الطريقة. ينظر: تبيين الحقائق 1: 5، ورد المحتار 1: 82.
18. ومسحُ الأذنين (¬1).
19. ... والرَّقبةِ (¬2).
¬
(¬1) أي بالماء المأخوذ لمسح الرأس كما سبق، فيمسح داخلهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين، كما في عمدة الرعاية 1: 64؛ فعن ابن عباس (: (أنَّ رسول الله (توضأ ... ثم غرف غرفة، فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين عدا بإبهاميه إلى ظاهر اليسرى فمسح ظاهرهما وباطنهما) في صحيح ابن حبان 3: 367، وصحيح ابن خزيمة 1: 77، وعن عبد الله بن زيد (، قال (: (الأذنان من الرأس) في سنن ابن ماجة1: 152، وقال الكناني في المصباح 1: 65:إسناده حسن، وقال القاري فتح باب العناية 1: 55: إسناده صحيح، ومثله عن ابن عباس وابن عمر (عنه (.
(¬2) أي مسح الرقبة لا الحلقوم؛ لما ورد فيها من الآثار التي يعضد بعضها بعضاً، ومنها: عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده (: (رأيت رسول الله (يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال)، وفي رواية: (أول القفا) في مسند أحمد3: 481، وسنن أبي داود1: 32، وشرح معاني الآثار1: 30، والمعجم الكبير19: 18، والسنن الكبير للبيهقي1: 60، وتاريخ بغداد6: 169، وقد أثبت المجد ابن تيمية بهذا الحديث مسح الرقبة. والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس، كما في اللسان5: 3561، وقال (: (مسح الرقبة أمان من الغُلّ يوم القيامة) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1: 159: سنده ضعيف. وقال القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص434: سنده ضعيف، والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ولذا قال أئمتنا: أنَّه مستحب، أو سنة. وتمام الكلام على الأحاديث في مسح الرقبة في تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة للكنوي، وحاشيتها تحفة الكملة على حواشي تحفة الطلبة، بتحقيقي.
وقال بسنية مسح الفقيه أبو جعفر (واختاره المصنف، والشرنبلالي في المراقي ص110، وينظر: الوشاح على نور الإيضاح ص49، وإليه يميل الكاشغري في منية المصلي ص6 - 7، وفي الخلاصة: إنَّه أدب، قال الزيلي في الهدية ص13: والمختار أنَّه مستحب. وهذا ما عليه عامة الكتب المعتمدة: كالوقاية ص 85، والنقاية ص57، والملتقى 1: 16، وينظر: تحفة الطلبة ص36.
20. وتثليثُ كلِّ غَسل (¬1).
وفروضُ الغُسل خمسة:
1. المضمضة.
2. والاستنشاق (¬2).
¬
(¬1) أي في الأعضاء التي تغسل؛ إذ لا يطلب تثليث المسح، كما في رد المحتار1: 80. وقال صاحب التاتارخانية ق11/ب: إذا زاد عن الثلاث فهو بدعة؛ فعن عليٍّ (: (أنَّه توضَّأ فغسلَ أعضاءه ثلاثاً، ومسحَ رأسَهُ مرّةً واحدةً، وقال: هكذا وضوءُ رسولِ الله () في صحيح البخاري 1: 82.
(¬2) لقوله (: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6]: أي فطهروا أبدانكم، فكلُّ ما أمكن تطهيره يجب غسله، وباطن الفم والأنف يمكن غسله، فإنَّهما يغسلان عادة وعبادة نفلاً في الوضوء وفرضاً في الجنابة، كما في تبيين الحقائق 1: 13، وعن ابن عباس (: «إذا اغتسل الرجل من الجنابة ولم يتمضمض ولم يستنشق، فليعد الوضوء وان ترك ذلك في الوضوء لم يعد» في الآثار 1: 13، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 183: الحديث حسن صالح للاحتجاج، و له شاهد صحيح من مرسل ابن سيرين وهو (سنَّ رسول الله (الاستنشاق في الجنابة ثلاثاً) في سنن الدارقطني 1: 115، وصوبه البيهقي وصححه كما في إعلاء السنن 1: 183.
3. وغسل سائر البدن (¬1).
4. وإيصال الماء إلى باطن السرة (¬2).
5. وإلى أثناء شعر الرّجل وإن كان مضفوراً (¬3) .......................
بخلاف ضفائر المرأة (¬4).
¬
(¬1) فعن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي أيوب الأنصاري، وعائشة، وغيرهم (بألفاظ متقاربة، قال (: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) في جامع الترمذي1: 178،واللفظ له، وسنن أبي داود1: 65، قال الهيثمي في مجمع الزوائد1: 272: رجاله رجال الصحيح، ومسند الربيع1: 16، ومسند ابن راهويه3: 964، ومسند الشاميين1: 416، ومسند ابن الجعد1: 35. وعن علي (، قال (: (مَن ترك موضع شعرة من جسده من جنابة لم يصبها الماء فعل به كذا وكذا من النار) في مسند أحمد1: 101، ومصنف ابن أبي شيبة1: 96، وسنن البيهقي الكبير1: 227، وسنن ابن ماجه1: 196، والمعجم الصغير2: 179، والأحاديث المختارة2: 74. قال الخطابي: «وقد يحتج به مَن يوجب الاستنشاق في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر» ينظر: إعلاء السنن 1: 180، وغيره.
(¬2) للرجال والنساء مطلقاً، وهذا داخل في غسل سائر البدن، لكن أفرده بالذكر للتأكيد. ينظر: المنحة 1: 92.
(¬3) الضَّفيرة: الذُّؤابة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر ـ أي تجمع ـ، وجمعها ضفائر. ينظر: اللسان4: 2594.
(¬4) فإنَّه لا يلزمها نقض ضفيرتها ولا بلها على الأصح إذا ابتل أصلها، كما في غنية المستملي ص48، فعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله: (إنِّي امرأة أشدّ ضفرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة، قال: لا، إنَّما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء) في صحيح مسلم 1: 259. وهذا إذا كانت ضفائرها مفتولة، أما إذا كانت منقوضة يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر؛ لعدم الحرج. ينظر: شرح الوقاية ص94.
وسننه ستٌ:
1. أن يبدأ بغسل يديه (¬1).
2. ... وفرجه (¬2).
3. وإزالة نجاسة بدنه.
4. ثم يتوضّأ وضوء الصّلاة إلا رجليه إن كان في مجمع الغُسالة (¬3).
¬
(¬1) لأنَّ غسل اليدين داخل في غسل سائر البدن، والمراد هنا غسل يديه قبل سائر
الأعضاء؛ لكونهما آلة التطهير، وهذا بعد التسمية والنية بقلبه، ويقول بلسانه: نويت الغسل لرفع الحدث. ينظر: مجمع الأنهر 1: 22.
(¬2) أي يغسل فرجه؛ لأنَّه مظنّة النجاسة، والمرأة تغسل فرجها الخارج؛ لأنَّه بمنزلة الفم فيجب تطهيره. ينظر: تبيين الحقائق 1: 14، ومجمع الأنهر 1: 22
(¬3) أي يجتمع الماء المستعمل تحت رجليه، حتى إذا اغتسل على لوح أو حجر أو كان تحته مصرف للماء كما في حمامات البيوت الآن، فإنَّه يغسل رجليه مع وضوئه، وهذا التفصيل ذهب إليه صاحب شرح الوقاية ص93، التبيين 1: 14، والمراقي ص141، وتحفة الفقهاء1: 29، والبحر ص52،والبدائع 1: 34،والهداية1: 16، والاختيار1: 19، ونبَّه ابن عابدين في رد المحتار 1: 106 أنَّ الاختلاف في الأولوية لا في الجواز.
والقول الثاني: التقديم مطلقاً، ذهب إليه صاحب الدر المختار1: 106، وظاهر كلام النسفي في الكنْز ص4.
والقول الثالث: التأخير مطلقاً، وهو ظاهر كلام القدوري في مختصره ص3، والحلبي في الملتقى ص4.
5. ثم يغسل رأسَه وسائر جسدَه ثلاثاً (¬1).
6. ثم يخرج من مجمع الغُسالة فيغسل رجليه (¬2).
¬
(¬1) بأن يبدأ برأسه ثم منكبه الأيمن ثم الأيسر، ثم باقي سائر جسده، كما هو اختيار صاحب المراقي ص141، وفتح باب العناية1: 87، وتحفة الفقهاء1: 29، والبدائع1: 34، والهداية 1: 16، وفتح القدير1: 51، والقدوري في مختصره ص3، والتبيين1: 14. والبحر 1: 52. وصححه في الدر المختار 1: 107، وقال: هو ظاهر الرواية.
والقول الثاني: يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً ثم على رأسه، وعلى سائر جسده ثلاثاً، قاله الحلواني، واختاره صاحب التنوير1: 107، وصححه في الغرر1: 18
والقول الثالث: يبدأ بالأيمن ثلاثاً، ثم بالرأس، ثم بالأيسر. ينظر: التاتارخانية ق21/ب، وحاشية الشلبي على التبيين1: 14.
(¬2) وهذه الصفة المسنونة للغسل حكتها زوجات رسول الله (، فعن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي (إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله) في صحيح البخاري 1: 99، وعن ميمونة رضي الله عنها: قالت: (صببت للنبي (غسلاً فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها) في صحيح البخاري 1: 102.
- وغسلُ يوم الجمعة والعيدين وعرفة وعند الإحرام سنة، وشرط السنة أن يصلِّي به الجمعة قبل أن يحدث (¬1).
- وغسل مَن أسلم أو أفاق أو بلغ بالسن مستحب، وإن بلغ بالإنزال فواجب (¬2).
¬
(¬1) هذا على قول أبي يوسف (خلافاً للحسن بن زياد (. ينظر: ذخيرة العقبى ص12، والسراجية1: 10. وثمرة الخلاف تظهر: في من لا تجب عليهم الجمعة: كالنساء والصبيان لو اغتسلوا، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن لا عند أبي يوسف (. لكنَّ العلامة عبد الغني النابلسي في نهاية المراد ص188 - 189، قال: «إنَّهم صرَّحوا بأنَّ هذه الأغسال الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أنَّه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء ثانياً مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث؛ لأنَّ مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط». وأيده على كلامه ابن عابدين في رد المحتار 1: 114.
(¬2) إنَّ البلوغ بالسنّ عند أبي حنيفة (في الغلام بتمام ثماني عشرة سنة، وفي الجارية بتمام سبع عشرة سنة، وعندهما بتمام خمس عشرة سنة فيهما، وبه يفتى، هذا أكثر المدة، وأما أقل المدة في حقه فاثنتا عشرة سنة، وفي حقها تسع سنين، فإن راهقا، وقالا: بلغنا صدّقا وأحكامهما أحكام البالغين، وأما البلوغ الحاصل منه فبالاحتلام والإنزال والإحبال، ومنها: بالحيض والاحتلام والحبل. ينظر: هدية الصعلوك ص15.
- وغسل الجنابة والحيض والنفاس لا يسقط بالإسلام (¬1).
ونواقض (¬2) الوضوء:
1. كلُّ خارج من السَّبيلين (¬3).
¬
(¬1) عدم سقوط غسل الجنابة والحيض بالإسلام أيّده اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 82 معترضاً على صدر الشريعة في شرح الوقاية 2: 42 تبعاً للسرخسي في شرح السير الكبير وصاحب الذخيرة وقاضي خان وغيرهم في قوله: لو انقطع دم مشركة، ثمَّ أسلمتْ لا يلزمُها الاغتسال؛ إذ وقتُ الانقطاعِ كانت كافرة، وهي غيرُ مأمورةٍ بالشَّرائعِ عندنا، ومتى أسلمت لم يوجدْ السَّبب، وهو الانقطاع، أما لو أجنبتْ الكافرة، ثُمَّ أسلمت، حيث يجبُ عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابةَ أمرٌ مستمرّ، فتكون جُنُباً بعد الإسلام، والانقطاعُ غير مستمرّ فافترقا.
(¬2) والنواقض جمع ناقضة، والنقض إذا أضيف للأجسام يرد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى غيرها يراد به إخراجه عما هو المطلوب منه، فالمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة. ينظر: منحة السلوك 1: 95.
(¬3) لقوله (: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43]، والغائط: اسم للموضع المطمئن من الأرض فاستعير لما يخرج إليه، فيتناول المعتاد وغيره، كما في تبيين الحقائق 1: 7، والمقصود بالسبيلين: القُبُل والدبر، والخارج منهما يتناول البول والغائط والودي والمذي والدودة والحصاة والريح الخارجة من الدبر لا الذكر وقُبُل المرأة إذا كانت مفضاة، وهي التي اتحد مسلك بولها وغائطها. كما في المنحة 1: 96، والخلاف في الريح والدودة الخارجة من القبل والذكر ذكرته في المشكاة ص27.
2. والدم (¬1) والقيح والصديد السائل بغير عصر (¬2) إلى محلِّ الطّهارةِ في
¬
(¬1) فعن زيد بن ثابت وتميم الداري (قال (: (الوضوءُ من كلِّ دم سائل) في الكامل لابن عدي 1: 190، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 128: أحمد بن الفرج من رجال الحسن، والباقون كلهم ثقات، وفي سنن الدارقطني 1: 157، قال في السعاية: يزيد بن خالد ويزيد بن محمد قد اختلف فيهما، وقد وثقوه كما في الكاشف للذهبي، كما في إعلاء السنن 1: 129، وغيره. وعن عائشة رضي الله عنها: (إنَّ فاطمةَ بنت أبي حبيش أتت النبي (، فقالت: يا رسول الله، إنّي أُستحاض الشهر والشهرين، قال: ليس ذلك بحيض، ولكنَّه عرق فإذا أَقبل الحيض فدعي الصّلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكلّ صلاة) في صحيح ابن حبان 4: 188، وسنن الدارقطني 1: 212، وسنن ابن ماجة 1: 204، فنبّه (على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون ما يخرج منها دم عرق، وهو أعم من أن يكون خارجاً من السبيلين أوغيرهما، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة. ينظر: فتح باب العناية 1: 62، وغيرها.
(¬2) ما اختاره المصنف من عدم النقض بالعصر ذهب إليه صاحب الهداية 1: 15 - 16، والعناية 1: 48، وفتح باب العناية 1: 61، والملتقى 1: 17، والتبيين 1: 8.
والقول الثاني: إنَّه ينقض الوضوء سواء كان الخروج بنفسه أو أخرج بعصر أو غيره ذهب إليه السرخسي في جامعه وصاحب الكافي وغاية البيان والنهاية واختاره صاحب الفتاوى البزازية 4: 12، وصححه ابن الهمام في الفتح 1: 48،واللكنوي في العمدة 1: 70.
الجملة (¬1).
3. والقيء (¬2) ملء الفم (¬3).
¬
(¬1) أي إلى موضع يجب تطهيره سواء كان في الوضوء أو الغسل، فيشمل الفم والأنف؛ لحلول الجنابة فيهما. ينظر: فتح باب العناية 1: 61، والمشكاة ص28.
(¬2) وإن كان مِرَّة أو طعاماً أو ماءً أو عَلقاً؛ وشرط أن يكون ملء الفم؛ لأنَّ للفم حكم الخارج حتى لا يفطر الصائم بالمضمضة, وله حكم الداخل حتى لا يفطر بابتلاع شيء من بين أسنانه مثل الريق، فلا يعطى له حكم الخارج ما لم يملأ الفم. وحد ملء الفم: ما لا يمكن ضبطه إلا بكلفة على الأصح، وعليه مشى في الهداية والاختيار والكافي والخلاصة وصححه فخر الإسلام وقاضي خان والزيلعي في التبيين 1: 8, وقيل: ما لا يقدر على إمساكه. قال في البدائع: وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح. وفي الحلية: الأول: الأشبه. ينظر: رد المحتار 1: 137.
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها، قال (: (مَن أَصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) في سنن ابن ماجة 1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 113: والصحيح أنَّه مرسل صحيح الإسناد. وينظر: الدراية 1: 31، ونصب الراية 1: 38، وتلخيص الحبير 1: 274، وغيرها. والقَلَس: ما خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه فإذا غلب فهو قيء. ينظر: المصباح ص513، وطلبة الطلبة ص8، وغيرها. وعن أبي الدرداء (: (إن رسول الله (قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له الدفع) في سنن الترمذي 1: 143، وقال: قد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب وروى معمر هذا الحديث.
4. والنوم مضطجعاً (¬1) أو متكئاً (¬2) أو مستنداً غير مستقر على الأرض (¬3).
5. وغلبةُ العقل بإغماء أو جنون أو سكر (¬4).
6. والقهقهة (¬5) في كلّ صلاة ذات .................................
¬
(¬1) أي أن ينام واضعاً جنبيه على الأرض. ينظر: عمدة الرعاية 1: 76، وغيره.
(¬2) أي بأحد وركيه. ينظر: مجمع الأنهر 1: 20، وغيره.
(¬3) وبعبارة أخرى: مستنداً إلى ما لو أزيل ذلك الشيء لسقط النائم، فلا ينتقض
وضوؤه في غيره هذه: كالنوم قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً في الصلاة وغيرها. وهو ظاهر المذهب على ما في الخلاصة وصححه صاحب تحفة الفقهاء 1: 22، والهداية ص15، فعن ابن عباس (: (إنَّه رأى النبي (نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلى فقلت يا رسول الله: إنَّك قد نمت، قال: إنَّ الوضوء لا يجب إلا على مَن نام مضطجعاً، فإنَّه إذا اضطجع استرخت مفاصله) في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وفي مجمع الزوائد: رجاله موثقون. كما في إعلاء السنن 1: 129. وعن علي بن أبي طالب (،قال (: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ) في سنن أبي داود1: 52، وحسنه المنذري وابن الصلاح والنووي. كما في نصب الراية 1: 45.
(¬4) وحدّ السكر هنا: أن يدخل في مشيته تحرك في اختيار الحلواني، وقال صدر الشريعة في شرح الوقاية ص89: هو الصحيح، وقال الزاهدي: وهو الأصح، واختار الصدر الشهيد وقاضي خان في فتاواه1: 42: وهو أن لا يعرف الرجل من المرأة. ينظر: تبيين الحقائق وحاشيته 1: 10، وغيرها.
(¬5) وحدُّ القهقهة: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولجيرانِه، بدت أسنانه أو لم تبدو، وأما الضَّحك: فأن يكونَ مسموعاً لهُ لا لجيرانِه، وهو يبطلُ الصَّلاةَ لا الوضوء. وأما
التَّبسُّم: أن لا يكونَ مسموعاً أصلاً، وهو لا يبطلُ شيئاً. ينظر: الهسهسة ص95، وشرح الوقاية ص90، وتبيين الحقائق1: 11، وفتح باب العناية1: 68، والاختيار 1: 18، وغيرها.
ركوع وسجود (¬1).
- ولو خرج من فمه دمٌ: إن غلبَه الريقُ لوناً، لم ينقض، وإن غلبَ الدمُ الريقَ أو تساويا، نقض (¬2).
¬
(¬1) وبعبارة أدق: قهقهة مصلٍّ بالغ يقظان يركع ويسجد، ولا فرق بين أن يكون عامداً أو ناسياً، فالكل ناقض؛ فعن أبي العالية (، وغيره: (إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ (يُصَلِّي بأصحابه، فضحك مَن كان يُصلِّي معه، فأمر مَن كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة) في سنن الدارقطني1: 167، والكامل3: 167، وتاريخ جرجان1: 405، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة1: 341، ومراسيل أبي داود ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة. ومن أراد الاستفاضة في الروايات الحديثية في نقض الوضوء بالقهقهة فليراجع إعلاء السنن 1: 132 - 144، والهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة للكنوي.
(¬2) فغلبة الدم على البصاق أمارة على قوة الدم إلى السيلان إلى موضع يجب تطهيره، فخروجه يكون بقوة نفسه، بخلاف غلبة البصاق؛ لأنَّ المغلوب في مقابلة الغالب كالمعدوم. وأما الانتقاض بالتساوي فعلى الاحتياط. والله أعلم. وينظر: المنحة 1: 99.
- ومسُّ الذَّكر لا ينقض (¬1).
- ولا لمس المرأة (¬2) ...
¬
(¬1) لحديث قيس بن طلق، قال حدثني أبي (، قال: (كنّا عند النبي (فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إنَّ أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله (: وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك) في صحيح ابن حبان3: 403، واللفظ له، والمنتقى1: 18، والمجتبى1: 101، وغيرها. وأما حديث: (من مس فرجه فليتوضأ) في الموطأ 1: 67، وسنن النسائي 1: 216، فالمراد به غسل اليد للتنزيه أو كان كناية عن الحدث. ينظر: منحة السلوك 1: 99.
(¬2) لما ورد من الأحاديث في مسّ رسول الله (أزواجه ثم صلاته بلا إعادة الوضوء، ومنها: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله (ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما) في صحيح البخاري 1: 150، وصحيح مسلم 1: 367، وعن عائشة رضي الله عنها، قال (: (كان يقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ) قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 247: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة. وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 150: رواه البزار وإسناده صحيح. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (عن النبي (أنه قَبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت من هي إلا أنت فضحكت) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 48، وسنن الدارقطني 1: 136، ورجاله كلهم ثقات، وسنده صحيح، وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، وتمامه في إعلاء السنن 1: 153، وغيرها. وعن ابن عباس (قال: «ليس في القبلة وضوء» في سنن الدارقطني 1: 143، وقال: صحيح.
7. ... إلا في المباشرة الفاحشة (¬1).
ويوجب الغسل:
1. دفق المنيّ بشهوة نائماً كان أو يقظاناً (¬2).
2. وتغييب الحَشَفة (¬3) في أَحد السبيلين من إنسان (¬4) عليهما (¬5).
¬
(¬1) وهي أن يفضي الرجل إلى امرأته ويماس بدنُهُ بدنَها مجرَّدين مع انتشار آلته وتماس الفرجان؛ لأنَّ مثل هذه سبب غالب لخروج المذي، وهو المتحقق، ولا عبرة بالنادر، فيقام السبب مقام المسبب، لأنَّها حالة ذهول، وإن خرج قليلاً انمسح. ينظر: قنية المنية ق3/أ، وتبيين الحقائق 1: 12، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف (، وعند محمد (فإنَّها ليست من النواقض ما لم يخرج شيء من المذي ونحوه، وعامة الكتب على الأخذ بقولهما، وفي فتح باب العناية1: 78، وشرح النقاية ق5/ب لأبي المكارم تصحيح قول محمد (.
(¬2) وسواء كان من رجل أو امرأة؛ لقوله (: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6]، وعن علي (، قال: (كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي (، فقال: إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل) في مسند أحمد 1: 107، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 186: رجاله كلهم ثقات إلا جواباً، فإنه صدوق رمي بالإرجاء، فالسند محتج به. والحذف: هو الرمي، وهو لا يكون بهذه الصفة إلا بشهوة. كما في إعلاء السنن 1: 186، وغيره.
(¬3) الحشفة ما فوق الختان، وهي رأس الذكر. ينظر: لسان العرب 887، وغيره.
(¬4) في ب: «في أحد السبيلين بغير إنزال من الإنسان».
(¬5) أي على الفاعل والمفعول به؛ فعن أبي هريرة (، قال (: (إذا جلس بين شعبها
الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل) في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح مسلم 1: 271، وفي رواية: (وإن لم ينزل) في صحيح مسلم 1: 271، وعن عائشة رضي الله عنها، قال (: (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) في سنن الترمذي 1: 182، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان 3: 452.
3. والحيض والنفاس (¬1).
ولا يوجبه: خروج المنيّ بغير شهوة.
4. ولو احتلم ولم يرَ بللاً، فلا غُسل عليه، ولو رأى بللاً مذياً أو منيّاً ولم يذكر احتلاماً، لزمه الغسل (¬2).
¬
(¬1) لقوله (: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] على قراءة التشديد، فإنَّه (منع من قربانهن حتى يغتسلن، ولولا وجوبه لما منع كما في الاختيار 1: 20. وعن عائشة رضي الله عنها: (إنَّ فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي (، فقال: ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) في صحيح البخاري 1: 122، وعن معاذ (قال (: (إذا مضى للنفساء سبع، ثم رأت الطهر، فلتغتسل ولتصلِّ) في المستدرك 1: 284، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 203: وإسناده صحيح على قاعدة الكنز المذكورة في خطبته.
(¬2) أما الموجب الرابع فهو رؤية المستيقظ المَنِيّ أو المَذْي وإن لم يحتلم، ففي المَنِيِّ ظاهر؛ لأنَّ بخروجه يجب الغُسل، وأمَّا في المَذْي؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيَّاً رَقَّ بحرارةِ البدن، فعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي (، فقالت: (يا رسول الله، إنَّ الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله (: نعم إذا رأت الماء) في صحيح مسلم 1: 251، وصحيح البخاري 1: 108. ينظر: التبيين 1: 16، والمشكاة ص46.
فصل
في مسح الخُفّ
يمسح المقيم من الحَدَثِ (¬1) خاصّة: يوماً وليلة.
والمسافر: ثلاثة أيّام ولياليها (¬2) من وقت الحدث (¬3)، بشرط لبسه على
¬
(¬1) أي خفيفاً فإن كان غليظاً، وهو الجنابة، فلا يجوز فيها المسح؛ ولأنَّ الجواز في الحدث الخفيف لدفع الحرج؛ لأنَّه يتكرر ويغلب وجوده فيلحقه الحرج والمشقة في نزع الخف، والجنابة لا يغلب وجودها، فلا يلحقه الحرج في النزع؛ فعن صفوان بن عسال (قال: (كان (يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) في صحيح ابن خزيمة 1: 13، وسنن النسائي 1: 92، وعن أنس (، قال (: (إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليصلّ فيهما وليمسح عليهما ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة) في المستدرك 1: 290، وصححه.
(¬2) فعن علي (: (جعل رسولُ الله (ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم) في صحيح مسلم 1: 232.
(¬3) لأنَّه قبل الحَدَث لا احتياجَ إلى المسح، فالزَّمان الذي يحتاجُ فيه إلى المسح وهو من وقت الحدث مقدَّرٌ بالمقدارِ المذكور؛ لكونه وقت وجود السبب؛ ولأنَّه وقت منع الخف سراية الحدث إلى القدم؛ ولأنَّه وقت وجود الرخصة، فكان أحق بالاعتبار من وقت اللبس ووقت الطهارة. ينظر: عمدة الرعاية 1: 114، وشرح الوقاية ص116، والمراقي ص131.
طهارة كاملة (¬1) عند الحدث (¬2).
ويجوز المسح على خُفٍّ فوق خُفٍّ، وعلى جُرموق (¬3) فوق خُفٍّ إن لَبِسَه قبل الحدث (¬4).
(((
¬
(¬1) احترز به عن طهارة ناقصة، مثل: إذا بقي من أعضائه لمعة لم يصبها الماء، فأحدث قبل الاستيعاب، لا يجوز له المسح. وتمامه في المنحة 1: 105.
(¬2) بأن يكون لابس الخفين على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللبس، ولا يشترط أن يكون على طهارة كاملة وقت اللبس، وبيان ذلك أنَّ المحدث إذا غسل رجليه أولاً ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين؛ لوجود الشرط، وهو لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس. ينظر: بدائع الصنائع 1: 9.
(¬3) الجرموق: ما يلبس فوق الخفّ وساقه أقصر من الخفّ. ينظر: العناية1: 155، ونهاية المراد ص386، وهو ما يسمى الحذاء الآنَّ، ولكن الجرموق أشبه ما يكون بالحذاء الشتوي الآن.
(¬4) بأن لا يحدث قبل وبعد لبس الخف قبل لبس الجرموق، حتى لو لبس الخفّ على طهارة، ثم أحدث قبل لبس الجرموق، ثم لبسه؛ لا يجوز له أن يمسح عليه، سواء لبسه قبل المسح على الخفّ أو بعد المسح عليه؛ لأنَّ حكم الحدث استقر عليه، فلو نزع الجرموقين بعد المسح على الخفين، فإنَّه يلزمه أن يمسح على خفيه؛ لأنَّ المسحَ على الجرموقين ليس مسحاً على الخفين. ينظر: التبيين 1: 52، ونهاية المراد ص187، وشرح الوقاية ص114، وغيرها.
[شروط المسح على الجورب]
وعلى جورب لا يشف (¬1).
ويقف على الساق بلا ربط (¬2).
¬
(¬1) بأن لا يكون رقيقاً لا يحجب ما وراءه، فلا ينفذ الماء منهما، وأن لا يرى ما تحتهما منهما للناظر. ينظر: الهدية العلائية ص39، وهدية الصعلوك ص20، والبدائع 1: 101، وغيرها.
(¬2) لكونه ثخيناً وغليظاً، كما في هدية الصعلوك ص20، ويستدل بجواز المسح على الجوربين بالشروط السابقة بأحاديث جواز المسح على الخفين مع حديث المغيرة بن شعبة (: (إنَّ رسول الله (توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) في صحيح ابن خزيمة 1: 99، وصحيح ابن حبان 4: 167، وجامع الترمذي1: 167، وصححه، وسنن أبي داود 1: 41، وسنن النسائي الكبرى 1: 92، وسنن ابن ماجة 1: 185، وغيرها. ولا يعمل بمطلق المسح على الجوربين استناداً إلى هذا الحديث لما يلي:
أولاً: إنَّ هذا الحديث رده كبار الحفاظ.
قال أبو داود في سننه 1: 41: «كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأنَّ المعروف عن المغيرة أنَّ النبي (مسح على الخفين». وقال البيهقي: «إنَّه حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي ابن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنَّهم فعلوه». وقال النووي: «كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أنَّ الجرح مقدم على التعديل»، وقال: «واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: «إنَّه حسن صحيح».». وتمامه في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، وتحفة الأحوذي 1: 278.
ثانياً: إنَّه مخالف لظاهر القرآن من وجوب غسل الرجلين، فإنَّ الإمام مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: «أبو قيس الاودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلّة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل» بخلاف المسح على الخفين فإنَّ الأمة تلقته بالقبول؛ لتواتر الرواية به، كما في نصب الراية1: 184، ومعارف السنن1: 349 - 350.
قال العلامة المحدث البنوري في معارف السنن 1: 350 - 351: «وبالجملة لم يعملوا
بإطلاق الحديث، بل كأنّهم عملوا بتنقيح المناط في الخف، فأدخلوا فيه ما ذكرنا، وعلى كل حال إن صح حديث الجوربين لم يمكن أن يعمل على إطلاقه الشامل للثخينين والرقيقين؛ لمعارضة القرآن المتلو، نعم عملوا بجزء منه، إما تمسكاً به أو بتنقيح الخف الوارد في المتواتر، ... وأيضاً الحديث يروى عن المغيرة بنحو ستين طريقاً، ولم يذكر لفظ حديث الباب إلا في هذه الطريقة، فكيف يطمئن به القلب، ثم إن عمل قوم من المتساهلين بالمسح على الجوارب الرقيقة ليس أصل له في الشريعة يعتمد عليه، إن كان بهذا الحديث فقد عرفت ما قال الأئمة فيه، وإن كان بقول الفقهاء فهم اشترطوا إما التجليد وإما التنعيل، وعلى الأقل الثخانة، والله أعلم». وتمام هذا البحث فيما كتبته في المشكاة ص66 - 69.
ولو لم يكن مجلداً (¬1)، أو منعلاً (¬2).
¬
(¬1) المجلد: وهو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله. ينظر: رد المحتار 1: 179.
(¬2) المنعل: وهو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكون إلى الكعب. ينظر: الإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389، وغيرها.
ولو سافر مقيم في مدته، أتمّ ثلاثة (¬1).
ولو أقام مسافر في مدته، لم يزد على يوم وليلة من حين مسح (¬2).
ويمسح ظاهر الخفّ، وأقلّه قدرَ ثلاثةِ أصابع من أصابع اليد (¬3).
والخرق الكبير مانع: وهو قدر ثلاثة من أصغر أصابع الرجل (¬4).
وينقض المسح:
¬
(¬1) فلو مسح مقيم ثم سافر قبل تمام يوم وليلة أتم مدة المسافر، أما بعد تمام يوم وليلة فإنَّه ينزع خفه ويتوضأ إن كان محدثاً، وإلا غسل رجليه فقط. ينظر: المشكاة ص73.
(¬2) فلو أقام مسافر بعد مضي مدة مقيم نزع خفيه، وإن لم يمض يوم وليلة، فإنَّه يتم يوماً وليلة؛ لأنَّه صار مقيماً. ينظر: رد المحتار 1: 185، والهدية العلائية ص40.
(¬3) لأنَّ المسح بالأصابع والثلاث أكثرها، وبه وردت السنة فإن ابتل قدرها جاز ويكون على ظاهر مقدم كل رجل، كما في المراقي ص168؛ فعن المغيرة (: (رأيت رسول الله (بالَ، ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خُفِّه الأيمن ويده اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابعه (على الخُفَّين) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 170، وسنن البيهقي 1: 262.
(¬4) على الصحيح لا ما دونها وصححه في الهداية 1: 29، ومشى عليه في الوقاية ص117، والمراقي ص130، واعتبر الأصغر للاحتياط، ولو كان الخرقُ طويلاً يدخل فيه ثلاث أصابع الرِّجل إن أُدْخِلَتْ لكن لا يبدو منه هذا المقدار، جاز المسح، ولو كان مضموماً لكن ينفتحُ إذا مَشَى ويظهرُ هذا المقدار، لا يجوز. ينظر: شرح الوقاية ص117.
1. كل ما ينقض الوضوء.
وينقضه أيضاً:
2. مضي المدّة.
3. ونزع إحدى القدمين (¬1) إلى ساق الخفّ (¬2).
ومتى بطل المسح بمضي المدة أو بالنزع، كفى غسل القدمين (¬3).
¬
(¬1) لأنَّه إذا نَزَعَ أحدَهما وجبَ غَسْلُ إحدى الرِّجلين، فوجبَ غَسْلُ الأخرى، إذ لا جمعَ بين الغَسْلِ والمسح، وإنَّما نقض لسراية الحدث إلى القدم عند زوال المانع. ينظر: شرح الوقاية ص116، ورد المحتار 1: 183.
(¬2) على الصحيح؛ لأنَّ فيه الاحتراز من خروج أقل القدم حرجاً، وللأكثر حكم الكل. وهذا هو المروي عن أبي يوسف (وصححه صاحب الهداية1: 29، والدر المختار1: 184، وبه جزم في الكنْز ص6، والملتقى ص7.
والقول الثاني: خروج أكثر العقب إلى الساق عند أبي حنيفة (؛ لأنَّ بقاء المسح لبقاء محل الغسل في الخف، وبخروج أكثر العقب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يبقى محل الغسل فيه، وأيضاً: لا يمكن معه متابعة المشي المعتاد، قال القاري في فتح باب العناية1: 197: وهو الأحوط. واختاره صاحب الوقاية ص117، والنقاية ص9، والفتح1: 136، والبدائع1: 13، وغيرها.
والقول الثالث: إن بقي في محل المسح مقدار ما يجوز المسح عليه ـ يعني ثلاث أصابع ـ لا ينتقض المسح وإلا انتقض عند محمد (؛ لأنَّ خروج ما سوى قدر المسح كلا خروج، وعليه أكثر المشايخ. ينظر: رد المحتار1: 184.
(¬3) لأنَّ خروج القدم وابتلال أكثر القدم ومضي المدة ليس بناقض حقيقة، وإنَّما
الناقض الحدث السابق، لكن لمّا ظهر أثره عندهما نُسِبَ النقضُ إليهما؛ ولذلك بعد النزع أو الإصابة أو المضي على الذي كان له وضوء لا يجب إلا غسل رجليه فحسب دون غسل بقية الأعضاء. ينظر: شرح الوقاية ص114، وفتح باب العناية1: 198، ومراقي الفلاح ص133.
[المسح على الجبيرة]
ويمسح الجبيرة وإن شدَّها محدثاً ولا يتوقَّت (¬1).
فإن سقطت عن غير برء، بقي المسح، وإن كان عن برء، بطل، وإن كان في الصلاة استقبلها (¬2).
وعصابة الفَصْد (¬3) ونحوه إن ضرّه حلُّها مسحَها (¬4) مع فُرجَتها (¬5).
¬
(¬1) لأنَّ المسح على الجبيرة وخرقة القرح ونحو ذلك كالغسل لما تحتها، وليس ببدل، بخلاف المسح على الخفين؛ لذلك خالف المسح على الجبيرة المسح على الخف في هذه الأحكام وغيرها. وتمام هذا البحث في المشكاة ص75 - 76، وحاشية الطحطاوي على المراقي ص136 - 137، وعمدة الرعاية ص1: 199.
(¬2) أي وإن كان سقوط الجبيرة بعد الشفاء فإنَّه يبطل المسح وعليه غسل ذلك العضو، وإن كان في صلاة فعليه إعادتها؛ لأنَّها بطلت؛ لأنَّه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل. وينظر: هدية الصعلوك ص22.
(¬3) الفصد: قطع العرق. ينظر: اللسان 5: 3420.
(¬4) أي إن ضرّ المتوضئ حلَّ العصابة مسح على جميعها سواء كان تحتها الجراحة أو لا؛ لأنَّها لا تعصب على وجه تأتي على موضع الجراحة فحسب، بل يدخل ما حول الجراحة تحت العصابة، فكان مسح ما يواري الجراحة ضرورة، فله أن يمسح ما يواري الجراحة. ينظر: منحة السلوك 1: 109.
(¬5) وهي الموضع الذي يبقى بين العقدتين من العصابة بأن لم تستره العصابة، فالأصح
أنَّه لا يجب غسله ويكفيه المسح؛ إذ لو غسل تبتلّ العصابة، فربما تنفذ البلة إلى موضع الفصد، فيتضرر. وهذا التصحيح في شرح الوقاية ص119، والدر المختار1: 187، واختاره صاحب الملتقى ص7، والمراقي ص135، وغيرها.
فصل
في التيمّم
1. ومَن لم يجدْ الماءَ (¬1) خارجَ المصر (¬2) وبينه وبين المصر ميلٌ (¬3).
2. أو وجدَه: وهو يخاف العطش (¬4).
3. ... أو كان مريضاً يخاف شدّة مرضه بحركته أو باستعماله (¬5).
¬
(¬1) لقوله (: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
(¬2) لكن في رد المحتار 1: 155: بعد الماء ميلاً ولو مقيماً في المصر؛ لأنَّ الشرط العدم، فأينما تحقق جاز التيمم.
(¬3) الميلُ ثلثُ الفرسخ، وهو أربع آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، فعلى اعتبار الذراع (48) سم، يكون الذراع والنصف (72) سم، فالميل: 0.72م ×4000 خطوة = (2880) م، وإن اعتبر الذراع (60) سم، فيكون الميل: (3600) م؛ فعن بن عمر (قال: (رأيت النبي (تيمم بموضع يقال له: مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة) في المستدرك 1: 288، وصححه، ووقفه يحيى بن سعيد على ابن عمر (، وعن نافع: «تيمم ابن عمر (على رأس ميل أو ميلين من المدينة فصلى العصر فقدم والشمس مرتفعة ولم يعد الصلاة» في المستدرك 1: 289.
(¬4) فإنَّه إن استعملَ الماءَ خافَ العطش. ينظر: عمدة الرعاية 1: 96.
(¬5) أي بحركته نحو الماء، أو باستعمال الماء لتحقق العجز فيها؛ لقوله (: (ٹ ٹ ?) النساء: 43، فيكون ضابط المرض كما بيَّن المصنف: أن لا يقدر معه على
استعمال الماء، وإن استعمل الماء اشتدّ مرضه حتى لا يشترط خوف التلف. ينظر: المشكاة ص51، والمنحة 1: 112.
4. ... أو كان جنباً في المصر (¬1) يخاف شدّة البرد (¬2).
5. ... أو كان خائفاً على نفسه أو ماله من عدو أو سَبُع (¬3).
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة (، وقال أبو يوسف ومحمد (: لا يجوز التيمم للبرد إلا في السفر؛ لأنَّ الغالب في المصر وجدان الماء الحار وإمكان الاستدفاء. ينظر: فتح باب العناية 1: 110، وغيره.
(¬2) بأن يخاف المقيم أو المسافر من استعمال الماء الهلاك، أو تلف العضو، أو المرض؛ لأنَّ عدم الماء والدفء وإن كان نادراً فإنَّه لا ينافي إباحة التيمم؛ فعن عمرو بن العاص (: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا للنبي (، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال رجاء أني سمعت أنَّ الله يقول: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ? [النساء: 29]، فضحك رسول الله () في المستدرك1: 285، والسنن الصغرى 1: 185، وسنن أبي داود 1: 92، والتيمم من البرد خاص بالغسل لا بالوضوء. ينظر: فتح باب العناية 1: 110.
(¬3) بأن كان يحول بينه وبين الماء، سواء كان آدمياً أو غيره كالسبع، وإن كان حيةً أو
ناراً، أو فاسقاً أو غريماً يحبسه بأن كان صاحب الدين عند الماء، وخاف المديون من الحبس، كما في رد المحتار 1: 106، قال صدر الشريعة في شرح الوقاية ص113: «ويجب أن يعلم أنَّ المانع عن الوضوء إذا كان من جهة العباد: كأسير يمنعه الكفار عن الوضوء، أو كمحبوس في السجن، والذي قيل له: إن توضأت قتلتك، يجوز له التيمم، لكن إذا زال المانع، فينبغي أن يعيد الصلاة». وينظر: الذخيرة البرهانية ق7/أ.
6. أو وجدَه يُباعُ بغبنٍ فاحش (¬1) ...
7. ... أو بثمن المثل وهو لا يملكه تيمَّم (¬2).
ويتيمم مع وجود الماء؛ لخوفِ فوتِ صلاة العيد أو الجنازة (¬3)، والوليُّ غيرُه (¬4)، لا لخوف فوت الجمعة والوقت (¬5).
¬
(¬1) الغبن الفاحش: ما لا يدخل في تقويم المقومين، أو ما يباع بضعف قيمته بأن يباع ما يساوي دينار بدينارين فلا يشترى بل يتيمم؛ لأنَّ تحمل الضرر غير واجب كقطع موضع النجاسة حال عدم الماء. ينظر: المنحة 1: 112، والهدية ص25.
(¬2) تيمم جواب المسائل المذكورة كلها، وهي سبع مسائل مشتركة بالجواب، كما في المنحة 1: 112.
(¬3) فعن ابن عباس (قال: «إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصلِّ» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 497، ورجاله رجال مسلم إلا المغيرة، وهو محتج به. كما في إعلاء السنن 1: 300،ونصب الراية 1: 157، وعن ابن عمر (: «إنَّه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم ثم صلى عليها» رواه البيهقي في المعرفة. ينظر: إعلاء السنن 1: 301، وغيره.
(¬4) أي والحال إنَّ الولي غير الخائف، وقيد به؛ لأنَّ الوليّ يُنتظر فلا يجوز له التيمم. ينظر: منحة السلوك 1: 113.
(¬5) لأنَّ لهما خلفاً، وهو الظهر في الجمعة والقضاء في الوقتية. ينظر: الهدية العلائية ص34.
فإن كان مع رفيقِهِ ماءٌ، طلبَه قبل التيمّم استحباباً (¬1).
ولا يجب طلب الماء إلا إذا غلب على ظنّه أنَّه بقربه (¬2).
والتيمم ضربتان:
1. ضربة: للوجه.
2. وضربة: لليدين مع مرفقيه (¬3).
ويخلل أصابعه وينزع خاتمه (¬4).
¬
(¬1) لعدم المنع غالباً، والقياس: أن لا يطلب؛ لأنَّ فيه ذلاً، ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة (؛ لأنَّه لا يلزمه الطلب من ملك الغير. وقالا: لا يجزئه؛ لأنَّ الماء مبذول عادة. ينظر: منحة السلوك 1: 113.
(¬2) فيجب أن يطلبه قدر غَلْوة ـ وهي مقدار ثلاثمئة ذراع إلى أربعمئة ـ إن ظنّه قريباً، وإلا فلا يطلبه، والطلب أن ينظر يمينه وشماله وأمامه ووراءه غَلْوة، وظاهر أنَّه لا يلزمه المشي، بل يكفيه النظر في هذه الجهات، وهو في مكانه هذا إذا كان حواليه لا يستتر عنه، فإن كان بقربه جبل صغير ونحوه صعده ونظر حواليه إن لم يخف ضرراً. ينظر: شرح الوقاية ص112، والبحر الرائق 1: 168.
(¬3) فعن جابر (قال (: (التيمم ضربتان: حصول للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين) في المستدرك 1: 287، وصححه، وسنن الدارقطني 1: 180، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 146، وغيرها.
(¬4) لأنَّ استيعاب العضوين فرض على المفتى به، حتى لو بقي شيء قليل لا يجزئه، فلو ترك شعرة لم يجز، وعليه نزع الخاتم والسوار، أو تحريكه. ينظر: شرح الوقاية ص106، والدر المختار 1: 158، ومنحة ا لسلوك 1: 115.
والنية فيه فرض (¬1).
ويجوز بالصعيد الطاهر (¬2): وهو كل ما كان من جنس الأرض (¬3):
¬
(¬1) بأن ينوي قربة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة، أو ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي الطهارة من الحدث أو الجنابة. ينظر: شرح الوقاية ص107 - 108، والهدية العلائية ص33.
(¬2) لقول (: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} [النساء: 43]، والصعيد اسم لما ظهر على وجه الأرض من جنسها، وعن حذيفة (قال (: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) في صحيح مسلم 1: 371، وعن أبي الجهيم (: (أقبل النبي (من نحو بئر جمل فلقيه عليه، فلم يرد عليه النبي (حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام) في صحيح البخاري 1: 129.
(¬3) هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وصححه في المحيط ص269، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا بالتراب أو الرمل، والحدُّ الفاصل بين جنس الأرض وغيره: أنَّ كل ما يحترق بالنار فيصير رماداً: كالشجر، والحشيش، أو ينطبع ويلين: كالحديد، والصفر، والذهب، والزجاج، ونحوها، وكل ما تأكله الأرض ليس من جنسها: كالحنطة والشعير وسائر الحبوب، فليس من جنس الأرض، فلا يجوز التيمم به بلا نقع ـ أي غبار ـ، وما كان من جنسها فيجوز بلا غبار.
ويجوز التيمم على الغبار مع القدرة على الصعيد، حتى لو تيمم بغبار ثوبه، أو كنس داراً، أو كال حنطة، أو هدم بيتاً، أو هبَّت الريح فارتفع الغبار وأصاب وجهه وذراعيه فمسح بنيّة التيمم جاز؛ لأنَّ الغبار جزء من التراب. ينظر: التبيين 1: 39، وتحفة الفقهاء 1: 41،وفتح باب العناية 1: 115 - 116، وشرح الوقاية ص107.
كالتراب، والرمل، والحجر، والنُّورة، والكحل، والجصّ، والزِّرنيخ (¬1).
والتيمّم للحدث والجنابة سواء (¬2).
وينقضه:
1. ما ينقض الوضوء.
2. ورؤية الماء أيضاً، إذا قَدِرَ على استعماله (¬3).
ومَن يرجو الماء في آخر الوقت، فالأفضل له تأخير الصّلاة (¬4).
¬
(¬1) الزِّرنيخ: بالكسر: حجرٌ معروف، وله أنواع كثيرة، منه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أصفر. ينظر: تاج العروس7: 263.
(¬2) لقوله (: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [المائدة: 6]، فقد ذَكَرَ نوعي الحدث عند وجود الماء، ثم ذكر نوعي الحدث عند عدمه، وهو أمر بالتيمم لهما بصفة واحدة، وكذا الحائض والنفساء. ينظر: منحة السلوك 1: 116.
(¬3) فلو رآه في صلاته تبطل مسافراً كان أو مقيماً، ولو رأى المتوضئ المقتدي بمتيمم ماء في صلاته تبطل، وأما صلاة الإمام المتيمم فغير فاسدة؛ لأنَّه لم ير الماء. ينظر: هدية الصعلوك ص26.
(¬4) فلو صلى بالتيمم في أول الوقت، ثم وجد الماء والوقت باق لا يعيد الصلاة، فإن كان لا يرجوه لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت؛ لأنَّ فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء، فيؤديها بأكمل الطهارتين، كما في البحر الرائق 1: 163 - 164، وشرح الوقاية ص112؛ فعن أبي سعيد (، قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله (فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وعاد: لك الأجر مرتين) في المستدرك 1: 286، وصححه، وسنن الدارمي 1: 207، وسنن البيهقي الكبير 1: 231، وسنن أبي داود 1: 93، والمجتبى 1: 213، وغيرها.
ويُصلِّي بتيمّمه ما شاء فرضاً ونفلاً (¬1).
ولو نسي الماءَ في رحلِهِ أو كان بقربِهِ ماءٌ لا يعلم به فتيمَّمَ وصَلَّى، أَجْزأَه (¬2).
وما أُعد في الطُرُق للشُّرب، لا يمنع التيمُّم، إلا أن يعلمَ بكثرتِهِ أنَّه
¬
(¬1) لأنَّ حديث: (إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم .... ) في صحيح البخاري1: 129، صريح في أنَّ التيمم طهور أي مطهر كالوضوء، ويدل عليه قوله (بعد ذكر الوضوء والغسل والتيمم: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [المائدة: 6]، حيث ذكره في معرض الامتنان بالوضوء والغسل والتيمم جميعاً، فهو صريح في أنَّ التيمم أيضاً مطهر كالوضوء والغسل، فالثلاثة مشتركة في ذلك، ولولا ذلك لذكر منه التطهير بعد الوضوء والغسل فقط، كما في إعلاء السنن 1: 305. وعند الشافعي (يصلي به فرض الوقت وما شاء من السنن. ينظر: مغني المحتاج 1: 98، والفقه المنهجي 1: 96، وغيرها.
(¬2) لأنَّه لا قدرة بدون العلم، وهو المراد بالوجود، وماء الرحل معدّ للشرب لا للاستعمال، وعند أبي يوسف (يعيد. ينظر: الوقاية ص112، والهداية 1: 27، وغيرها.
وُضِع للوضوء والشُّرب (¬1).
فصل
في إزالة النجاسة
النجاسةُ المرئيّة: تطهر بزوال عينها بكلِّ مائعٍ طاهرٍ مزيل (¬2): كالخلّ، وماء الورد، والماء المستعمل، والأثرُ الذي يشق (¬3) إزالته عفوٌ.
¬
(¬1) فإن وجد المسافر مثلاً ماءً مباحاً للشرب: كما إذا كان في بئر مُعَدٍّ للشربِ، فإنَّه لا يجوز له الوضوء، إلاَّ إذا كان كثيراً فيستدل على أنَّه للشرب والوضوء. ينظر: المحيط ص317، وعمدة الرعاية 1: 96.
(¬2) الطهارة بغير الماء بكل مائع قالع مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف (، وأما عند محمد وزفر والشافعي ومالك وأحمد (: فلا يطهر الثوب إلا بالماء. ينظر: الإمام زفر وآراؤه الفقهية 1: 104، والمجموع 1: 138،وحاشية البيجرمي 1: 18، ومواهب الجليل 1: 162، وحاشية الدسوقي 1: 46، والمغني 1: 78، والمبدع 1: 42، وغيرها.
(¬3) وحد المشقة: أن لا يزول أثر النجاسة ـ أي ريحها أو لونها أو طعمها ـ بالماء القراح، بل يحتاج فيها إلى شيء آخر: كالصابون ونحوه. ينظر: هدية الصعلوك ص28؛ فعن أبي هريرة (: (إنَّ خولة بنت يسار أتت النبي (، فقالت: يا رسول الله، إنَّه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه ثمّ صلِّي فيه، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك غسل الدم، ولا يضرُّك أثره) في سنن أبي داود 1: 153، ومسند أحمد 2: 364، وقال الأرنؤوط: حسن، وسنن البيهقي الكبير2: 401.
وغير المرئية: تطهر بالغَسل الذي يغلبُ على الظنّ (¬1) الزّوال به.
وكلُّ شيءٍ صقيل (¬2): كالمرآةِ، والسيفِ، والسكين، ونحوها، يطهر بالمسح.
والمَنِيُّ نجسٌ يَجِبُ غسله رطباً ويكفي فركُه يابساً (¬3).
ولو ذهب أثر النجاسة عن الأرض بالشمس، جازت الصلاة على مكانها، دون التيمُّم منه (¬4).
¬
(¬1) أي على ظن الغاسل؛ لأنَّ ما تعذَّرَ الوقوف عليه يُفوَّض إلى رأي المبتلى به كالقبلة في التحري، وفي الأصل يطهر بغسلها ثلاثاً وعصرها في كلّ مرّة فيما ينعصر بشرط أن يبالغ في العصر في المرة الثالثة قدر قوته أو يغسل ويترك حتى ينعدم التقاطر منه، ثم وثم هكذا. ينظر: هدية الصعلوك ص28، والمشكاة ص119.
(¬2) بأن لم يكن خشناً، فإن كان منقوشاً لم يطهر، ولا فرق بين أن يكون النجس ذا جرم أو غيره، رطباً كان أو يابساً، سواء كان المسح بالتراب أو الصوف أو الحشيش أو خرقة أو نحوها. ينظر: جامع الرموز 1: 61، وفتح القدير 1: 198، وغمز عيون البصائر 1: 200، ونفع المفتي ص140 - 141.
(¬3) سواء لمني الرجل أو المرأة، كما في فتاوى قاضي خان 1: 25، والمبسوط 1: 81 - 82، ورسائل الأركان ص47؛ فعن عائشة رضي الله عنها في المني قالت: (كنت أفركه من ثوب رسول الله () في صحيح مسلم 1: 238.
(¬4) ويكون في الأرض والآجر المفروش، والحيطان والأشجار والخصّ ـ أي السترة التي تكون على السطوح من القصب ـ فيطهر بالجفاف على المختار، فيجوز الصلاة عليها، ولا يجوز التيمم بها؛ لأنَّها متصلة بالأرض فأخذت حكمها. ينظر: البحر الرائق 1: 237، والوقاية ص131.
وإذا أصابت الخفَّ أو النعلَ نجاسةٌ لها جِرمٌ (¬1) فجفت فدلكه بالأرض، يطهر بخلاف المائعة والثوب (¬2).
فصل
في البئر
النجاسةُ المائعة تنجسُها.
والجامدة: كالبَعْر، والروث، والخِثْي (¬3)، قليلُها عفوٌ لا كثيرُها: وهو ما يعدُّه الناظرُ كثيراً (¬4).
¬
(¬1) أي كثافة: كالروث، والقذرة، سواء كانت يابسة أو رطبة، فإنَّها تطهر بالدلك إذا بالغ فيه بحيث لم يبق لها ريح ولا لون على المفتى به؛ لعموم البلوى، وهذا قول أبي يوسف (، وقال محمد (: يجب غسل الخف في رطبها ويابسها كالثوب والبدن، وروي عنه أنَّه رجع عن قوله حين رأى كثرة السرقين في طرق الري، لذلك قال في الوقاية ص130: وبه يفتى، وفي النهاية والسراجية 1: 20 هدية الصعلوك 30: وعليه الفتوى، وفي فتح باب العناية 1: 244: وعليه الأكثر.
(¬2) أي بخلاف النجاسة المائعة فإنَّها إذا أصابت الخفّ لا يطهر بالجفاف والدلك، بل يجب غسله، سواء كان لها عين مرئية: كالدم، أو لا: كالبول، وقال أبو يوسف (: يطهر بالدلك كما له جرم، بخلاف الثوب فإنَّه إذا أصابته نجاسة يجب غسله مطلقاً بالاتفاق. ينظر: هدية الصعلوك ص30.
(¬3) البعر للغنم والإبل، والروث لذي حافر: كالفرس والبغل والحمار، والخِثْي للبقر. ينظر: الهدية ص31، والمشكاة 125.
(¬4) اختلف في حد الكثير، فقيل: ربع وجه الماء، وقيل: ثلثه، وقيل: أكثره، وقيل: كله،
وقيل: أن لا يخلو كل دلو من بعرة أو بعرتين، والمختار ما ذكر في الهداية وهو ما يستكثره الناظر في رواية عن أبي حنيفة، واختاره المصنف. ينظر: هدية الصعلوك ص31، وفي منحة السلوك 1: 123 والبدائع 1: 77: هو الصحيح. وفي التبيين 1: 27: وعليه الاعتماد.
والرَّطبُ واليابسُ والصحيحُ والمنكسرُ سواء (¬1).
فإن ماتت فيها فأرة، أو عصفور، ونحوهما، تطهر بنزح عشرين دلواً (¬2) بدلوها (¬3) بعد إخراج الواقع (¬4).
¬
(¬1) فلا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والبعر والخثي والروث؛ لشمول الضرورة، وبعضهم يفرق، والظاهر الأول، وكذا لا فرق بين آبار المصر والفلوات في الصحيح. كما في التبيين 1: 27، والمنحة 1: 123.
(¬2) أي وجوباً إلى ثلاثين استحساناً. ينظر: المشكاة ص115.
(¬3) هذا اختيار صاحب البحر 1: 124، والهداية1: 22، والاختيار1: 27، وغيرهم.
والقول الثاني: المعتبر الدلو الوسط، وما جاوزه احتسب به، وهذا اختيار صاحب الوقاية ص102، والكنْز ص5، والملتقى ص5، والقدوري في مختصره ص4، والتنوير1: 145، ومنحة السلوك 1: 124، وغيرهم.
والقول الثالث: اختيار في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو ينْزح به، يعتبر الدلو الوسط، كصاحب المضمرات، وتبعه اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 92. واختار صاحب الدر المختار1: 145 إن لم يكن لها دلو فما يسع صاعاً.
والقول الرابع: ما يسع فيها صاعاً، وهو مروي عن أبي حنيفة (، وقيل: ما يسع ثمان أرطال، وقيل: عشرة أرطال، وقيل: غير ذلك. ينظر: البحر 1: 124، والبدائع1: 86.
(¬4) أي الواقع في البئر؛ لأنَّ النزح لا يفيد ما دام الواقع فيها. ينظر: الهدية ص31، والمنحة 1: 124.
وفي الحمامة، والدجاجة، والهرة، ونحوها، أربعون دلواً (¬1).
وفي الآدمي، والشاة (¬2)، ونحوهما، يُنْزَحُ الكلّ.
وإن انتفخَ الواقعُ أو تَفَسَّخَ، نُزِحَ الكلُّ مُطلقاً: يعني صَغُرَ أَو كَبُرَ (¬3)، فإن لم يُمْكن؛ لنبع الماء، نُزِح حتى يغلبَهم الماء (¬4) (¬5).
¬
(¬1) أي وجوباً إلى ستين استحباباً، وهذا بعد إخراج الواقع منها. ينظر: الاختيار 1: 26، والوقاية ص102، والمراقي ص37 - 38.
(¬2) بأن مات فيها آدمي أو شاة، والمراد أن تكون الشاة كبيرة في الجملة، حتى لو كان لود الشاة صغيراً جداً كان حكمه حكم الهرة. ينظر: حاشية الطحطاوي على المراقي ص23.
(¬3) أي ففي حالة انتفاخ الواقع أو تفسخه ينزح كل ماء البئر، سواء كان الواقع صغيراً أو كبيراً؛ لانتشار البلة النجسة في أجزاء الماء. ينظر: المشكاة ص115، والهدية 32.
(¬4) هذه رواية عن أبي حنيفة (، والصحيح أن يأخذ بقول رجلين لهما بصارة في الماء، وصحح هذا في الدرر 1: 25، والتبيين1: 30، ومنحة السلوك 1: 125، واختاره في الهداية1: 22، وأقرَّه صاحب الكفاية1: 93، واختاره صاحب التنوير1: 143، وهدية الصعلوك ص32، وفي الدر المختار1: 143: وبه يفتى، وهو الأحوط، وفي المراقي ص37: هو الأصح، ورجَّحه ابن عابدين في حاشيته 1: 143.
وقال محمد (: ينزح مئتي دلو إلى ثلاثمئة، واختاره الشرنبلالي في نور الإيضاح1: 80، وصاحب الكنْز ص5، والاختيار1:27. وفي الملتقى ص5: وبه يفتى. وهناك أقوال أخرى كما في الهدية ص32، وغيرها.
(¬5) وينبغي الانتباه أنَّ مسألة تطهير الآبار بالمقادير السابقة توقيفية وردت فيها الآثار
عن الصحابة والتابعين (واعتمدتها مدرسة الكوفة الفقهية كما تلقوها عن أسلافهم، ومن تلك الآثار: عن عطاء (: «إنَّ حبشياً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء زمزم، فجعل الماء لا ينقطع، فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم» في شرح معاني الآثار 1: 17، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 150، وغيرها وقال ابن دقيق في الإمام: إسناده صحيح، كما في إعلاء السنن 1: 264. وعن ابن عباس (: «إنَّ زنجياً وقع في زمزم فمات، فأنزل إليه رجلاً فأَخرجه ثمّ قال: انزفوا ما فيها من ماء» في مُصنف ابن أبي شيبة1: 150، وعن إبراهيم النخعي (: «في فأَرة وقعت في بئر قال: يُنْزَحُ منها قدر أربعين دلواً» في شرح معاني الآثار 1: 17، وغيره.
فصل
في الاستنجاء
هو سنةٌ من البولِِ والغائطِ ونحوهما بكلِّ طاهر (¬1) مُزيل يمسح المحلَّ حتى يُنَقيه، ولا يُسَنُّ العَدَد (¬2).
¬
(¬1) كالأحجار والأمدار والتراب والخرق البوالي. ينظر: المشكاة ص17.
(¬2) لأنَّ المعتبر في إقامة السنة هو الإنقاء لا العدد، فإن حصل بحجر واحد كفاه، وإن لم يحصل بالثلاث زاد عليه؛ فعن ابن مسعود (، قال (خرج النبي (لحاجته فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنَّها ركس) في جامع الترمذي 1: 25، وسنن النسائي 4: 219، والمجتبى 1: 39، وعن أبي هريرة (قال (: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً) في صحيح مسلم 1: 212؛ لأنَّ أقل الإيتار مرة واحدة, على أنَّ الأمر بالإيتار ليس لعينه بل لحصول الطهارة، فإذا حصلت بما دون الثلاث فقد حصل المقصود فينتهي حكم الأمر. ينظر: المشكاة ص16.
والماءُ أَفضل (¬1).
فإن جاوزَ الخارجُ المخرجَ تعيَّن الماء (¬2).
ويكره بالعظم والرَّوث والمطعوم (¬3) ............................
¬
(¬1) لأنَّه يحصل فيه إزالة عين النجاسة بخلاف غيره فإنَّه يخفف النجاسة، ولأنَّ أهل قباء كانوا يتبعون الحجارة بالماء فنزلت فيهم قوله (: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين} [التوبة: 108]، وعن أنس بن مالك (: (إنَّ رسول الله (دخل حائطاً وتبعه غلام معه ميضأة هو أصغرنا فوضعها عند سدرة فقضى رسول الله (حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء) في صحيح مسلم 1: 227، وعن علي بن أبي طالب (: (إنَّهم كانوا يبعرون بعراً وأنتم تثلطون ثلطاً فاتبعوا الحجارة الماء) في سنن البيهقي الكبرى 1: 106، والآثار 1: 7، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 142، وغيرها.
(¬2) لأنَّ للبدن حرارة جاذبة فلا يزيلها الحجر ونحوه بالاتفاق، كما في الهدية ص33، فجواز الاستنجاء بالأحجار أو ما شابهها من غير الماء إذا كانت النجاسة التي على المخرج قدر الدرهم، أو أقل منه، لا أكثر منه على الصحيح؛ لأنَّ الشرع ورد بالاستنجاء بالأحجار مطلقاً من غير فصل، أما إن تَعَدَّ النجسُ المخرجَ فينظر إن كان المتعدى أكثر من قدر الدرهم يجب غسله، وإن كان أقل من قدر الدرهم لا يجب غسله بالماء عند أبي حنيفة وأبي يوسف (، وعند محمد (يجب غسله. ينظر: بدائع الصنائع 1: 19.
(¬3) يكره بالروث وغيره من الأنجاس وكذا العظم؛ فعن ابن أبي زائدة (قال (: (لا تستنجوا بالعظم ولا بالبعر، فإنَّه زاد إخوانكم من الجنّ) في صحيح ابن حبان 1: 44، ويكره بكل مال محترم: كالحرير ومطعوم الآدمي من الحنطة والشعير؛ لما فيه من إفساد المال من غير ضرورة، وكذا بعلف البهائم، وهو الحشيش؛ لأنَّه تنجيس للطاهر من غير ضرورة. ينظر: البدائع 1: 18.
واليمين (¬1)، واللهُ أعلم.
(((
¬
(¬1) فعن سلمان (قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة، فقال: (أجل إنَّه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة ونهى عن الروث والعظام) في صحيح مسلم 1: 223.
كتابُ الصّلاة
ومَن أَسْلَمَ، أو أفاقَ، أو بلغَ (¬1)، أو طَهُرَت، وقد بَقِيَ من الوقتِ قدرَ تحريمةٍ لزمته (¬2).
¬
(¬1) أما قبل البلوغ فيؤمر الأولاد بالصلاة ذكوراً وإناثاً إذا وصلوا في السن لسبع سنين، ويضربون عليها لعشر سنين باليد لا بالعصى؛ رفقاً بهم، وزجراً بحسب طاقته، ولا يزيد عن ثلاث ضربات بيده، والضرب لهم باليد؛ لأنَّ الضرب بالعصى يكون بجناية صدرت من مكلف، ولا جناية من الصغير، وهذا الضرب واجب. كما في المراقي ص 173 - 174، وحاشية الطحطاوي ص 174؛ فعن سبرة (قال (: (علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر) في سنن الترمذي 2: 259، وصححه، وصحيح ابن خزيمة 2: 102، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (قال (: (مروهم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها في عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) في سنن البيهقي الكبير 2: 229، وسنن الدارقطني 1: 231، والمعجم الأوسط 4: 256، ومسند أحمد 2: 187.
(¬2) وهنا تفصيل بالنسبة للحائض في مقدار آخر الوقت الذي تجب عليها فيه الصلاة على وجهين، وهما:
أولاً: إن كانت طهارتُها لعشرة وجبتِ الصَّلاة، وإن كان الباقي من الوقتِ لمحة، ولو بمقدار قول: الله؛ لأنَّ انقطاع الدم لعشرة طهارة متيقنة؛ لعدم زيادة الحيض على هذه المدة، فإن ما زاد عليها استحاضة.
ثانياً: إن كانت لأقلَّ من عشرة أيام، فإن كان الباقي من الوقت مقدار ما يسعُ الغُسلَ والتَّحريمةَ وجَبَت الصلاة وإن لم يسع لم تجب، فوقت الغسلِ يحتسب هاهنا من مدة الحيض؛ واعتبر فيه ما يسع الغسل من الحيض وابتداء تحريمة الصلاة؛ لأنَّ الانقطاع لأقل من عشرة، فإنَّه يحتمل فيه عود الحيض لبقاء المدة. ينظر: شرح الوقاية ص 124، وعمدة الرعاية 1: 128، وذخر المتأهلين ص 135، وغيرها.
ولو ارتدَّ، أو جُنَّ، أو حاضت حينئذٍ لم تَجِب (¬1).
فصل
في الأذان
الأذانُ سنّةٌ مؤكدةٌ للخمس والجمعة فقط (¬2) .......................
¬
(¬1) لأنَّ الأصل في هذا أنَّ الصلاة تجب في جزء من الوقت مطلق للمكلف تعيينه
بالأداء، إلا أنَّه إذا لم يصلّ حتى ضاق الوقت تعيّن ذلك الجزء للوجوب، حتى لو أخّرها عنه أثم؛ لأنَّه تعالى أمر بالصلاة في مطلق الوقت، فلا يتقيد بجزء معين، فالمعتبر في السببية آخر الوقت عندنا؛ لأنَّ المطالبة إنَّما تحقق في آخر الوقت؛ ولهذا كان مخيراً بين أن يؤدي في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، والتخيير ينافي المطالبة أولاً، وإن ثبت وجوبها بأول الوقت على غير المعذور لوجود السبب. ينظر: الهدية 34، والاختيار 1: 51، وغيرها.
(¬2) أي في وقتِها أداءً وبعده قضاءً، وليس بسنة في النوافل والوتر وصلاة العيدين والجنازة والكسوف والخسوف والتراويح والسنن والرواتب وغيرها؛ لأنَّ الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة, والمكتوبات هي المختصة بأوقات معيّنة دون النوافل; ولأنَّ النوافل تابعة للفرائض فجعل أذان الأصل أذاناً للتبع تقديراً، كما في رمز الحقائق 1: 32، وفتح باب العناية 1: 200؛ فعن عمران بن حصين (قال: (كان رسول الله (في مسير له فناموا عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحر الشمس فارتفعوا قليلاً حتى استعلت، ثم أمر المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام المؤذن فصلى الفجر) في المستدرك 1: 408، وصححه، وسنن أبي داود 1: 121، وغيرها.
بغير ترجيع (¬1)، ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم مرَّتين (¬2).
والإقامةُ: مثلُه (¬3) بزيادة: قد قامت الصّلاة مرّتين بعد الفلاح (¬4).
¬
(¬1) والترجيع أن يخفض صوته في الشهادتين، ثم يرفع الصوت بهما؛ لأنَّه لم ينقل في حديث عبد الله بن زيد أو حديث بلال. ينظر: منحة السلوك 1: 132، وشرح الوقاية ص140.
(¬2) فعن أبي محذورة قال النبي (: (فإن كنت في صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من
النوم، الصلاة خير من النوم) في سنن أبي داود 1: 190.
(¬3) فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى (قال: (حدثنا أصحاب محمد (أنَّ عبد الله بن زيد لَمَّا رأى الأذان أتى النبي (فأخبره، فقال: علمه بلالاً، فقام بلال فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى وقعد قعدة) في صحيح ابن خزيمة1: 196، والآحاد والمثاني 3: 476، وشرح معاني الآثار 1: 131، وإسناده صحيح، كما إعلاء السنن 2: 99، وعن الشعبي عن عبد الله بن زيد الأنصاري (قال: (سمعت أذان رسول الله (فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى) في مسند أبي عوانة 1: 276، وغيره، وهو مرسل قوي، كما في إعلاء السنن 2: 100 - 101.
(¬4) فعن معاذ بن جبل (قال: جاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار (وقال فيه
(فاستقبل القبلة قال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أنَّ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ثم أمهل هنية، ثم قام فقال مثلها إلا أنَّه قال: زاد بعدما قال حي على الفلاح: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ... ) في سنن أبي داود 1: 140، وسكت عنه.
ويترسَّلُ الأذانَ ويَحْدِرُ الإقامة (¬1)، ويتوجَّه فيهما القبلة، ويَلْتَفتُ يُمْنةً ويُسْرةً (¬2) ويرفع فيهما صوتَه (¬3).
¬
(¬1) والترسل هو الفصل بين الكلمات، والحدر هو الوصل بين الكلمات والإسراع، كما في الهدية ص35، ومختار الصحاح ص126؛ ولأنَّ الأذان لإعلام الغائبين بهجوم الوقت، وذا في الترسل أبلغ، والإقامة لإعلام الحاضرين بالشروع في الصلاة، وإنَّه يحصل بالحدر؛ فعن جابر (قال (لبلال: (إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يخلو الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته) في المستدرك 1: 320، وسنن الترمذي 1: 373، وعن أبي الزبير (مؤذن بيت المقدس قال: «جاءنا عمر بن الخطاب (فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 195.
(¬2) فعن أبي جحيفة (قال: (أذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يستدر) في سنن أبي داود 1: 142، وسكت عنه، وسنن البيهقي الكبير 1: 395.
(¬3) أي المؤذن في الأذان؛ ليكون أبلغ في الإعلام؛ فعن أبي هريرة (قال (: (المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كلّ رطب ويابس) في سنن أبي داود 1: 197، وسنن النسائي 2: 12، ومسند أحمد 2: 162، وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح وهذا إسناد قوي.
ويُسْتَحَبُّ الوضوءُ فيهما، ويُكرهان للجنب، ويعاد الأذان خاصّة، وتكره إقامةُ المحدث (¬1).
ويؤذِّنُ للفائتة الأولى ويقيم، وله الاكتفاء بالإقامة في الباقي (¬2).
¬
(¬1) وحاصل المسألة أنَّه لا يكره الأذان مع الحدث؛ لأنَّه ذكر يستحب فيه الطهارة، فلا يكره بدونها كقراءة القرآن، ويكره إقامة المحدث، ولم تعاد؛ لأنَّ الإقامة لم تشرع إلا متصلة بصلاة المقيم، وأما الأذان مع الجنابة فيكره حتى يعاد؛ لأنَّ أثرَ الجنابة ظهر في الفم فيمنع من الذكر المعظّم كما يمنع من قراءة القرآن بخلاف الحدث، وكذا الإقامة مع الجنابة تكره لكنَّها لا تعاد؛ لأنَّه لم يُشْرَعْ تكرارُ الإقامة؛ لأنَّها لإعلام الحاضرين، فتكفي الواحدة، والأذانُ لإعلامِ الغائبين، فيحتملُ سماعُ البعضِ دون البعض، فتكرارُه مفيد؛ فعن أبي هريرة (قال (: (لا يؤذن إلا متوضئ)، وفي رواية: (لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ) في سنن الترمذي 1: 390، وقال: هذا أصح من الحديث الأول، وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه (قال: «حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم» في سنن البيهقي الكبير 1: 392، ومصنف عبد الرزاق 1: 465، وفي التلخيص 1: 205: إسناه حسن إلا أنَّ فيه انقطاعاً.
(¬2) أي إنَّ من فاتته صلوات وأراد أن يصليها قضاءً أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في البواقي من الفوائت: إن شاء أتى بهما، أو اقتصر على الإقامة؛ للغنية عن إعلام الغائبين، كما في الهدية ص36؛ فعن ابن مسعود (: (إنَّ المشركين شغلوا رسول الله (عن أَربع صلواتٍ يوم الخندق حتى ذَهَبَ من الليل ما شاء اللهُ فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أَقام فصلّى العصر، ثمّ أَقام فصلّى المغرب، ثمّ أَقام فصلّى العشاء) في سنن الترمذي1: 337، ومسند أحمد1: 375، وقال الأرناؤوط: حسن لغيره.