نظرات في تكوين الملكة الفقهية .......
... وإسهامات الإمام اللكنوي فيها
جارٍ تحميل الكتاب…
نظرات في تكوين الملكة الفقهية .......
... وإسهامات الإمام اللكنوي فيها
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
نظرات في تكوين الملكة الفقهية
وإسهامات الإمام عبد الحي اللكنوي فيها
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* ألقي في مؤتمر علماء فرنكي محل في لكنو في الهند.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
إن الكلامَ عن هذا الإمام العظيم له شجون، فهو رفيقٌ الدرب، وأُستاذ العلم، فعلى كتبه تربيتُ، ومن علمِهِ استقيتُ، ومن فقِهِ نهلتُ، ومن فهمِهِ فقهتُ، وبإرشادِهِ اهتديتُ، وبصبرِهِ اقتديتُ، وعلى كتبِهِ اعتكفتُ، وبسيرتِهِ مضيتُ، وبمذهبِهِ اتبعتُ.
فحريٌّ بمثلِهِ أن يكون قدوةً للمقتدين، وقبلةً للمتفقهين والدراسين، فقد ألَّفَ العشرات من الكتبِ البالغة (139) كتاباً في الفنونِ المختلفة من الفقه والحديث والمنطق واللغة وغيرها، ودَرَّس الآلاف من الطلبة، رَغم أنه مات في مقتبل شبابه في عمرِ (39،4) سنة، وكان له شهرة في زمانِهِ وبعده إلى يومنا بين أهل العلم والفهم حتى كان من أبرز علماء تلك الحقبة، وقد تسابق الطلبةُ والكملةُ في طلبِ كتبه
والانتهالِ من علمِهِ على اختلافِ مشاربهم ومذاهبهم، وسلوكهم وطريقهم.
والكلامُ عنه له متشعبٌ وفيه شجون، ولكن نقتصرُ فيه على ما يتعلَّق بالجانبِ الفقهيِّ في شخصيتِهِ وما ساهم به في خدمة هذا العلمِ العظيمِ الذي يُمثلُ الإسلام التطبيقيِّ العمليِّ المعاش بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً.
فنواحي الفقه التي يحتاجها كل متفقه ليبلغ الدرجة العليا فيه، ويُكوِّن الملكةَ الفقهيّة التامّة التي تساعدُه في التطبيقِ والفتوى والقضاءِ والاجتهادِ فيما جَدّ من مسائلَ والترجيحِ بين أقوالِ أئمةِ المذهب قد سَلَكَها الإمامُ اللكنويّ، وكان له فيها أثره البيّن الظاهر لأهل عصره ومَن جاء بعده، وهذه الجوانب هي:
أولاً: تصوير المسائل الفقهيّة للمتفقِهِ وتحليلِها بحيث يتمكَّن من فهمِها، وهذا ظاهرٌ في كتابه «السعاية شرح الوقاية» و «عمدة الرعاية شرح الوقاية» و «حاشيته على الهداية».
ثانياً: الاستدلال للمسائل الفقهية لا سيما من المنقول، فهو كما وصفه الإمام الكوثري فقال: «اللكنوي أعلمُ أهل عصره بأحاديث
الأحكام» (¬1)، وقد أكثر الاستدلال لمسائل المذهب الحنفي في «التعليق الممجد شرح موطأ محمد»، و «السعاية»، و «العمدة».
ثالثاً: تأييد بعض مسائل المذهب في وجه مَن طعن على علماء المذهب بها بأنها خالية عن الدليل المقبول، فألف فيها تأليف خاصة وقدّم البراهين الساطعة على مسلك وحجة أهل المذهب فيها، ومن ذلك «الهسهسة بنقض الوضوء في القهقهة»، و «إمام الكلام في الصلاة خلف الإمام»، و «إحكام القنطرة في الجهر بالبسملة»، و «القول الجازم بسقوط الحد في نكاح المحارم».
رابعاً: الاعتناء بقواعد رسم المفتي التي تمثل الأصول التي يعتمد عليها المجتهد في المذهب في الترجيح والتخريج والفتوى، وهو أبرز فنّ اشتغل فيه المتأخرين بعد الألف من الحنفية لمسيس الحاجة له، وقد كان الإمام اللكنوي من أبرز علمائه والمؤسسين فيه؛ إذ جعل مقدمات لكتبه تتعلق بهذا البحث كما في مقدمة «السعاية» ومقدمة «العمدة» ومقدمة «حاشية الهداية»، و «النافع الكبير»، وذكر نتفاً من في «الفوائد البهية في طبقات الحنفية».
خامساً: التأليف في تراجم فقهاء الحنفية، فاختصر كتاب «كتائب أعلام الأخيار» في كتابه الماتع النافع: «الفواد البهية في طبقات
¬
(¬1) المقدمات (ص 333).
الحنفية»، و «طرب الأماثل بتراجم الأفاضل»، وتراجم شرح ومحشي «الوقاية»، وتراجم وشراح «الجامع الصغير».
سادساً: الدفاع عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت في طرح كثيرٍ من الشبهات التي ألقاها بعضُهم ممن لم يقفوا على حال هذا الإمام العظيم ولم يصلوا لمداركه فتكلموا بغير بصيرة وهدى، وقد جمعت كلام الإمام اللكنوي في دفع هذه الشبهات في كتاب خاص لكثرتها، وكثيراً منها أدرجتها في مقدمات كتبه.
سابعاً: تأييدُ مدرسة محدثي الفقهاء في المذهب الحنفي لكثرة الترجيحات التي سلكها في المذهب بناء على الترجيح بالحديث لا بالتأصيل الفقهي والنقل المدرسي، وهذا ظاهر جداً في عامة مؤلفاته، وكذلك أيّدَ هذه المدرسة ببيان الأصول التي مشى عليها في ترجيحِه بالحديث بتأليف كتاباً خاصاً فيه سمّاه: «الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة»، والذي يعدّ أصولاً عامة لأرباب هذه المدرسة والله أعلم.
ثامناً: جمعه للفتاوى والمسائل الدقيقة والشائعة التي تكثر حاجة الناس لها؛ إذ ألف كتاب في الفتاوى بالأورد، وله كتاب مانع نافع في هذا سماه: «نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل».
ومن جهة أُخرى فإن لهذا الإمام الكبير اهتماماً وعناية فائقة بالجوانب الثلاثة التي يحتاج إليها الطالب في تكوين الملكة الفقهية؛ إذ لا غنى لمَن يسعى إلى طلبِ الكمال في علم الفقه عنها، وهي في المطالب الآتية:
المطلب الأول: دراسة المسائل الفقهية من مصادرها الأصلية:
فيبدأ بقراءة متن من المتون المعتمدة في المذهب الحنفي كـ «القدوري» مثلاً، ثمّ يتدرج بدراسة شرح على متن معتمد آخر أوسع كـ «شرح الوقاية» أو «الاختيار لتعليل المختار» أو «رمز الحقائق شرح كنز الدقائق»، ثمَّ يترقّى إلى قراءة الهداية للوقوف على فلسفة الفقه وكيفيةِ بناء المسائل والأصول التي استندت إليها، ثم يتوسّع في الفروعِ بقراءة «الدر المختار» مع «حاشيته» لابن عابدين فهي الغاية والكمال في التحقيق والتدقيق ولا غنى للطالب والعالم في فهم الفقه ومعرفة الفروع والراجح عنها.
وأظن أن إمامنا اللكنوي برز في شدّة ضبطه في علم الفقه وتمكنه بسبب تربيته على «شرح الوقاية»، وهو أشهر متون الحنفية على الإطلاق، فقد درسه يد والده في الدرس النظامي المشهور، وألف عليه
ثلاثة شروح مختصر سماه «حسن الولاية» ومتوسط سماه «عمدة الرعاية» ومطول سماه «السعاية»، فكان له الآثر الأكبر في تمكنه من الفقه، كيف وقد درس «الهداية» على يد والده في الدرس النظامي فبلغ إلى مراقي الكمال في هذا الفنّ.
وكان له عناية فائقة في معرفة مكانة المتون المبينة لأصل المذهب ومبناه، فقال: «اعلم أنَّ المتأخرين قد اعتمدوا على المتون الثلاثة: «الوقاية»، و «مختصر القُدُوْرِيّ»، و «الكنز». ومنهم مَن اعتمد على الأربعة: «الوقاية»، «الكنز»، و «الْمُخْتَار»، و «مجمع البحرين»، وقالوا: العبرة لما فيها عند تَعارض ما فيها، وما في غيرها، لِما عَرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرِّوَايَة، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ» (¬1).
وكان ضابطاً لتقدم ما في المتون على غيره من الكتب فقال: «اعلم أَنَّهُ إِذَا تعارض مَا في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوي، فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثُمَّ للفتاوي، إِلا إذا وجد التَّصحيح ونحو ذلك فيما في الشروح والفتاوي، ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يُقدَّمُ ما في الطبقةِ الأدنى على ما في الطَّبقة الأَعلى» (¬2).
¬
(¬1) المصدر السابق (ص23).
(¬2) النافع الكبير (ص25 - 26).
وكان على معرفة دقيقة وتمييز عجيب لما اشتملت عليه المتون، ويصفها ذلك بقوله: «اعلم أَنَّهُ قد اشتهر أن المتون موضوعة لنقل أصل المَذهَب، ومسائل ظاهر الرِّوَايَة، وهذا حكم غالبي لا كلي، فَإِنَّه كثيراً مَا يذكر أرباب المتون مسألة هي مِنْ تخريجات المشايخ المتقدمين مخالفة لمسلك الأئمة المتبوعين، كمسألة العشر في العشر في بَاب نجاسة الحوض وطهارته، فإنها مِنْ تحديدات المتقدمين، وأصل المَذهَب خالٍ عَنْ هَذَا ... وكذا ما اشتهر أن المتون موضوعة لنقل مذهب الإمام أَبِي حَنِيْفَةَ، حكم غالبي لا أكثري، فكثيراً مَا ذكروا فِيهَا مذهب صاحبيه إِذَا كان راجحاً، كما في بحث السجدة بالجبهة، والأنف، وغيره» (¬1).
وما سبق تفصيله يُبَيِّنُ المنهج بالنسبة للقراءات العامّة في المتون وشروحها، وقد علمت المقام الرفيع لها في ضبط المذهب والتمكّن منه، وهذا لا يعني غنى الطالب عن الكتب المتخصصة في كلِّ بابٍ من الأبوابِ للتمكّن منه وضبطِهِ، ومن ذلك:
1.قراءة في الأصول بأن يكون هناك قراءة عامّة في الأصول يعتمد فيها على خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار لقاسم بن قطلوبغا يُضاف إليه كثيرٌ من التحقيقات والفوائد المجموعة من كتب الأصول يتمكَّن الطالبُ فيها من تكوين تصوُّر جيدٍ في علمِ الأصول ومعرفة مسائله
¬
(¬1) مقدمة عمدة الرعاية (ص10).
وضبط قواعده والإطلاع على حقيقته، ثمّ يقوم بقراءة الكتاب البديع الواضح: نور الأنوار شرح المنار لملا جيون اللكنوي، وينبغي لهذه القراءة في الأصول أن تكون بعد القُدُوريّ؛ لأنّ أصول الحنفية هي قراءة أُخرى في الفروع الفقهية ولكن من جهة بناء هذه المسائل على الدليل، فالمناسبُ أن يكون الطالبُ على معرفةِ بهذه المسائل ليتمكَّن هاهنا من الوقوفِ على وجهِ الاستدلالِ عليها، ففهم الفروعِ في مجلسِ الفقه وفي الباب المذكوره فيه مع نظيراتها أدقّ من فهمها في مجلس الأصول، والله أعلم.
وقد درَّس إمامنا اللكنوي «نور الأنوار» و «التلويح» إلى المقدمات الأربع و «مسلم الثبوت» إلى المبادئ الكلامية في الدرس النظامي على يدي والده، وقد كان لوالده حاشية شهيرة على «نور الأنوار» سماها: «قمر الأقمار»، فريدة في بابها، مغنية عن غيرها في الوقوف على نكات هذا الكتاب العظيم.
2.قراءة في العبادات بطريقة مفصّلة، ومن أفضل الكتب التي تحقِّقُ هذه الغاية كتاب «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح»، فهو يشتمل على كثيرٍ من التحقيقاتِ الدقيقةِ والتفريعاتِ اللطيفةِ التي لا غنى للدارس عنها، لكنّه يحتاج إلى تدقيق نظر من أُستاذ متبصِّر أثناء قراءته لاشتماله على فروعٍ غيرِ معتمدةٍ وترجيحاتٍ غيرِ راجحةٍ بسببِ التأثّر بالمدرسةِ
المتأخرةِ في الترجيح بالحديثِ دون التأصيل الفقهي والنقلِ المدرسيّ؛ ولهذا لا ينصح أن تكون أوّل قراءات الطلبة في الفقه هي نور الإيضاح؛ إذ أَحرى أن يتربَّى الطالبُ على المتون المعتمدة من غيرها لتتكون لديه ملكة فقية أقرب إلى أصل مذهب الحنفية وبناء الصحيح، وأيضاً بسبب اشتماله على كثيرٍ من الفروعِ التي يصعبُ إملاؤها ابتداءً على المبتدئ في الفقه، وليكن الإمام اللكنوي قدوة لنا بسبب دراسته ونشأته على المتون المعتبرة، كما سبق.
وهذه القراءة في المراقي ينبغي أن يكون الغاية منها إطّلاع الطالب على كثير من التفريعاتِ الفقهيةِ بمراجعة المسائل في الطحطاوي وغيرها من الكتب الموسعة، وكذلك الوقوفُ على الخلاف الفقهي في المذهب في كلِّ مسألةٍ منها لينظر الطالب في مدارك الاجتهاد في المسائل وبنائها، وأيضاً محاولة الترجيح بين هذه الأقوال المختلفة وكيفيةِ التوصُّل إلى الراجح من بينها، فهذا ميدانٌ واسعٌ وطريقٌ صعبٌ لا بُدّ للدارس من تمرُّسٍ في دراسته والنظر فيه، ويُمكن تحقيقِ ذلك من خلالِ دراسةِ «المراقي»؛ لأنه كتاب مخدومٌ جداً ومشهورٌ بين الطلبةِ والكملة، وهو أيضاً من المدرسةِ المتأخرة في الترجيح في المذهب.
وأمّا التمكّن في الحجِّ فيحتاج إلى كتاب لباب المناسك لرحمة الله السندي مع شرحه لملا علي القاري، فإنه أكثر الكتب اعتماداً في بابه، مع
ترتيب بديع، وفروع رائقة، تُمكن الطالبَ من ضبط هذا الباب، وهكذا في بقية الأبواب.
وعلى كلٍّ فعلى الدارسِ أن يحرصَ كثيراً جداً على التوسعِ في قراءةِ الفروعِ الفقهيّة، والإكثارِ من قراءةِ الكتبِ المعتمدة، فلا تكون قراءته في كلِّ باب لأقل من ثلاثة كتبٍ مع أُستاذ متخصِّص، ضابط للعلم، فإنّ الأساسَ المتين في تكون الملكة الفقهية هو كثرةُ الإطلاع على الفروع المعتمدة في المذهب، ولا يُمكن لغيرها أن يقوم مقامها، فمن أكثر منها مع شيخ رشيد وذكاء شديد وصل إلى الغاية في هذا العلم الشريف.
وها هو الإمام اللكنوي يضرب لنا المثل الأعلى في كثرة الإطلاع والمطالعة بحيث لا يأتيه ملل لا في حضر ولا في سفر، ويبين لنا سبب ذلك فيقول: «والأصل في كلّ ذلك أنَّ الله تَعَالَى قد خلق النفس الإنسانية ذوَّاقة شوَّاقة لها تشبُّه بالنفوس الملكية الَّتِي لَا تفتر عَنْ العبادة ساعة، فمَن حصل لنفسه التذاذ بشيءٍ أي شيءٍ كان لم يحصل له بكثرته ملالٌ أصلاً ومن لم يلتذَّ بشيءٍ حَصَل لَهُ بكثرته ملال» (¬1).
ويحكي عن نفسه حصول هذا فيقول: «وهذا العبدُ الضعيف جامع الأوراق قَد حصل له التذاذ بالمطالعة والتصنيف، فأطالع المجلَّدات
¬
(¬1) إقامة الحجَّة في أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة (ص115 - 118).
الضخمة فِي ساعات عديدة، وأقعدُ في بعض الليالي أصنِّف مِنْ المغرب إلى نصف اللَّيْل من دون وقفة ـ سوى صلاة العشاء ـ ولا يحصل لي
الملال ولله الحمد على ذلك» (¬1).
فكما يحتاج الطالب في بعضِ دراسته إلى أُستاذ لضبط كتب الجادة والتمكن منها فإنه يحتاج إلى التوسع في المسائل والأبواب إلى جهد خاصّ بحيث يحاسب نفسه على كلِّ لحظة يُضيِّعُها في غيرِ طلبه العلم، فيكون هذا العلم لذة هل في هذه الدنيا كما أخبرنا الإمام اللكنوي، وقد فصلت مطالعات اللكنوي في «المنهج الفقهي» أقتصر منها على ثلاثة لرفع همم الطالبين لهذا السبيل، وهي:
أ. قوله: «طالعت من تصانيف أبي الليث السمرقندي: «البستان»، و «تنبيه الغافلين»، و «خزانة الفقه»، وكلّها مفيدة» (¬2).
ب ـ قوله: «قد طالعت من تصانيف ابن الهمام: «فتح القدير» من الابتداء إلى كتاب الوكالة وهومبلغ تأليفه، و «تحرير الأصول» و «المسايرة في العقائد»، و «زاد الفقير مختصر في مسائل الصلاة»، ورسالة في إعراب سبحان الله وبحمده، وكلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، وقد سلك في أثر تَصانيفه، لا سيما «فتح القدير»
¬
(¬1) المصدر السابق (ص118).
(¬2) الفوائد البهية (ص220).
مسلك الإنصاف متجنباً عن التعصب المذهبي والاعتساف، إلا ما شاء الله» (¬1).
ج ـ قوله: «طالعت لابن عبد البر: «شرحه الاستذكار»، وهو نفيس جداً، يستحسنه الأخيار، مبسوط كاف مَعَ اختصاره، بسيط وافٍ مُغن عن غيره» (¬2).
المطلب الثاني: ضبطُ علم رسم المفتي:
أي قواعد الإفتاء، وهذا العلم ينبغي أن يَنال الاهتمام الثاني من الدارس؛ إذ يمثل الجانب العملي التطبيقي للفقه، فلا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
وفي ظنِّي أنّ هذا التراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزمان حتى أصبح علماً نظرياً في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والقضائية لهو عائد لأمرين:
1.ترك الدراسة المتعمقة المتمكنة في الفقه، كما سبق.
¬
(¬1) الفوائد البهية (ص 180).
(¬2) مقدمة التعليق الممجد (ص 22).
2.إهمال علم رسم المفتي، فمَن لم يضبطه ويُدركه لن يتمكَّن من تطبيقِ الفقه واختيارِ الأنسب وفهم كيفيةِ التعاملِ معه.
لذلك أقول: إنّ دراسةَ الفروع كما مَرَّ تكوِّن (50) % من علم الفقيه، و (50) % هي قواعدُ رسم الإفتاء، وهي على قسمين: جانب نظري لقواعد الإفتاء يمثل (25) % من علم الفقه، وجانب عملي وهو المعرفة الحقيقية المتبصّرة بالواقع الذي يريد الإفتاء به وتنظيمه وترتيبه على أجمل طريقة وأحسنِ سلوك تمثل (25) % من علم الفقه؛ لذلك كَثُرَ قولُهم: مَن لم يكن عالماً بأهلِ زمانه فهو جاهل.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدونة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وأهمية هذا العلم حملت العلماء المتأخرين في المذهب الحنفي بسبب توسعِ المذهب وكثرة الخلافات والترجيحات فيه يعطونه اهتماماً خاصّاً لا سيما علماء ما بعد الألف هجري، فكثُر ذكرهم للقواعد المتعلّقة به في طيّات كتبِهم، حتى جاء ابنُ عابدين فجمع كثيراً من قواعدِه المتناثرة هنا وهناك في منظومةٍ سمّاها: «عقود رسم المفتي» وشرحها، فكانت أوسع ما كتب فيه، ومحاولة أولية لجمع شتات هذا العلم، إلا أنها جمعت فوائد
متناثرة فيه، ولم تخرجه ليكون علماً كاملاً له شروطه وأركانه وضوابطه ومسائله وموضوعاته بحيث تُمَكِّن الطالبَ من فهمه وضبطه.
وأحوج ما نحتاج إليه في هذه الأيام هو إظهارُ رسم المفتي في علمٍ مستقلٍ له قواعدُه وأسسُه ومبادئه متيسِّرُ الدراسة لكلِّ المتفقهة، ويكون أحد البرامج المقرَّرة في المدارس الشرعية وكليات الشريعة، وبدون ذلك سنبقى في دراستنا الشرعية أقرب إلى النظرية من التطبيق.
وهذا العلمُ هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقل على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه، فهي القواعد التي تُمَكنه من القيامِ بعلمه واستفرغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك، فكذلك العالم في المذهب فإنّ رسمَ المفتي هي الأداة التي يتمكَّن منها من القيام بعمله وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع والخروج من دائرة الخلاف وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسية فيها العديد من القواعد الأصولية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فكذلك فإنّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاورٌ رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدِ الإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة والعرف والتيسير، فهذه هي الأُصول
الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
ويحتاج الطالبُ في ضبطِ ومعرفةِ هذا العلم العظيم إلى أُمور، وهي:
* الأولى: الإطلاع الواسع على الفروع الفقهيّة وتعليلاتها الأصوليّة ولا يدخر في ذلك جهداً.
فهذا حقيقة أهم الأسباب في تكوين ملكةً في هذا العلم؛ لأنه ما لم يفهم الدارس مبنى المسائل والأبواب الفقهية لا يُمكنه أن يلاحظَ العرفَ والضرورةَ والتيسيرَ المعتبر عند الفقهاء أثناء التعامل في تطبيقاتها، فإن مَن يكثر من متابعة مسائل الفقهاء يُعاين أن الفروعَ متفاوتةٌ في اعتبار الضرورة والتيسير المتبع فيها، وهذا المرادُ عند الدارس من ضبطِ ما اعتبره الفقهاء وما لم يعتبروه.
وقد ضلّ كثيرون حين لم ينتبهوا لهذه النكة، فلم يتتبعوا الفروع الفقهيّة ولم يعتنوا بدراستها وأَفتوا بمراعاةِ هذه القواعد فضلوا وأَضلوا؛ لأنهم لم يقفوا على الحدودِ التي حَدَّها الفقهاء في الأبواب المختلفة، وهذا الفرق بين العقلية الفقهية المنضبطة المراعية لحدود الشريعة وبين العقلية
العامية المراعية لهوى النفس ورغباتها، فيكون مقدار مراعاة هذه الضوابط معتمدٌ على المزاجِ والهوى بدون مراعاةِ لحدود الشرع.
ولو صحّ هذا لما احتجنا إلى الشريعة في حياتنا ولأُمرنا باتباع عقولنا وهوانا، ولكن حكمة الله - جل جلاله - في شرعه اقتضت أن توجد فيها أسرارٌ تخفى في نفسِها على العقل وإن كانت تدرك بآثارها له فيما بعد، وقد لاحظها الفقهاء وبنوا مسائلهم عليها، فمَن تتبع فروعَها عرفَها وأَمكنَه أن يُطبقَ هذه القواعد عليها بصورةٍ تتوافق مع أصلِ التشريع والحكم البالغة فيه.
وكان للإمام اللكنوي إسهامات ظاهرة في هذا سواء في كتابه النافع الماتع: «نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل» الذي احتوى على كثيرٍ من دقائق الفقه لطالبه، وكتابه العجيب المسمى «السعاية على شرح الوقاية» الذي كتب فيه مئات الصحفات في أبواب الطهارة وبعض أبواب الصلاة قبل أن يتخمده الله برحمته فهو بابٌ واسعٌ لتكوين ملكةٍ فقهيةٍ للراغبين كما يدلُّ على وجودها عند مؤلفِه، وكذلك كتابه «عمدة الرعاية على شرح الوقاية»، فإنّه مليءٌ بالتفريعاتِ والتأصيلاتِ والتقعيداتِ الرائعةِ للطلبة والكَمَلة، فهنئياً لمَن اتخذها مائدة فقهه وعلمه.
* الثانية: دراسة ما كُتِب في هذا العلم:
ومنه الفصل المذكور في «المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي» للعبد الفقير و «أصول الإفتاء» للشيخ تقي العثماني و «شرح عقود رسم المفتي» و «نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف» لخاتمة المحققين ابن عابدين.
ومن أكثر مَن اعتنى بجمع فوائد هذا العلم بعد ابن عابدين هو الإمام اللكنوي، ففي مقدمات كتبه الدرسية كـ «جامع الصغير» و «العمدة» و «السعاية» و «الهداية» خصَّصَ فصولاً في نكات هذا الفن تكون معينةً للدارسين على فهم مسائل هذه الكتب والتعرف على كيفية التعامل معها في الترجيح والتفريع.
والناظر في كتب هذه الإمام يلاحظ تمكناً واضحاً في قواعد هذا العلم، واهتماماً بارزاً فيه، وسعياً حثيثا في نقله للمشتغلين بعلم الفقه.
ولا نغفل عن التنبيه بضرورة تكون دراسة هذه ما كتب في رسم المفتي مع أُستاذِ متمرسِ بالفقه حتى تتحقَّق الفائدة المرجوة والفهم المستقيم وإلا يُخشى أن تُحمَلَ كثيرٌ من قواعدِ العلمِ على غيرِ محملِها.
* الثالثة: دراسةُ طبقات الفقهاء:
وبدون معرفته لن يتمكَّن من إنزال الفقهاء منزلتهم الصحيحة فيقدِّم الأدنى ويؤخر الأعلى ولا يستطيع الترجيح بين الأقوال المختلفة؛
لأنّ الوقوفَ على منازل الفقهاء أَقوى سبيل للترجيح بينها، فمَن لا يعرفها فلا سبيل له لهذا.
ويؤكد هذا المعنى الإمام اللكنوي فيقول: «إنَّ مَن لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم، يقع في الخبط بتقديم مَن لا يَستحقُ التَّقديم، وتأخيرُ مَن يليقُ بالتَّقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومَن قبلنا لم يَعلمْ بطبقات فقهائنا، فرجَّح أقوال مَن هو أدنى، وهَجَرَ تصريحات مَن هو أعلى، وكم من فاضل ممن عاصرنا وممن سبقنا اعتمد على جامعي الرَّطب واليابس، واستند بكاتبي المسائل الغريبة والرِّوَايَات الضَّعيفة كالنَّاعس» (¬1).
ومدار الفقه على الاجتهاد، وقوة الاجتهاد راجعةٌ إلى قوّةِ المجتهد، فكلّما كان المجتهدُ أعلى درجةً سيكون اجتهادُه كذلك إجمالاً، وبدون معرفةِ مراتب المجتهدين لا تنزل اجتهاداتهم منزلتها ويُقدَّم عليها غيرُها.
وكلامنا في طبقات المجتهدين في المذهب؛ لأنّ الاعتبارَ والاعتماد على اجتهادهم منذ أكثر من ألفِ سنة، والبحثُ في المجتهدين المستقلين مذهبٌ نظري لا طائل تحته؛ لأنّ الفقه أَصبح علماً واضح المعالم، بيِّن القواعد، راسخ البنيان، لا يُمكنُ هدمُه من أجلِ أن نجربَ من جديدٍ هل هذا الاجتهادُ مناسبٌ أو غيرُ مناسب؟! فقد نُقِح بعد أن قامَ
¬
(¬1) النافع الكبير (ص7).
باستخراجِهِ فحول أئمة علماء هذه الأمّة في عصورِ الخيريّةِ والسلفِ وأَقرّهم كلُّ أهل النظر والفهم، وفَرَّعوا عليه ورَتَّبوا بما لا نظير له في علومِ الدين والدنيا، حتى أصبحَ من المستحيل إعادةُ صرح شامخ في الفقه بمنزلته؛ ولذلك لم يعترف العلماء بالاجتهاد المطلق لغير أصحاب المذاهب ولا يوجد كتب معتبرة في الفقه لغير المذاهب الأربعة.
وهذا من فضل الله - جل جلاله - على الأمّة حتى لا يبقى الدين أُلعوبة في يد المتهوسين وأشباه العلماء، وهو سبيله القويم في حفظ هذا الدين؛ إذ لم يرزق القبول لاجتهاد غير هؤلاء الأئمة المشهورين، قال الإمام اللكنوي: «والحاصلُ: أنَّ مَن ادَّعى بأنَّهُ قَدْ انقطعت مَرتبة الاجتهاد المطلق المستقل بآخر الأئمةِ انقطاعاً لا يُمكنُ عَوده فقد غَلِطَ وخَبط: فإنَّ الاجتهاد رحمة من الله سبحانه، ورحمة الله لا تقتصر على زما فين دون زمان، ولا على بشر دون بشر.
ومَن ادَّعى انقطاعها في نفس الأمر مع إمكان وجودها في كُلّ زمان، فإن أراد به أنَّهُ لم يُوجد بعد الأربعة مُجتهدٌ اتفق الجمهور على اجتهاده، وسَلَّموا استقلاله كاتفاقهم على اجتهادهم فهو مُسلَّم، وإلا فقد وُجدَ بعدهم أيضاً أرباب الاجتهاد المستقل كأبي ثور البَغْدَادِيّ
وداود الظاهري ومحمد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ وغيرهم على ما لا يَخفى على من طالع كُتُبِ الطَّبقاتِ» (¬1).
وطالما أنّ البحثَ الحقيقيَّ هو بحثُ الاجتهاد المذهبيّ، فأفضل تقسيم للطبقات هو التقسيمُ الزمانيّ، كما فعله العبد الفقير، وأمّا تقسيم ابن كمال باشا فهو محلٌّ نظرّ كبير في أقسامه ووضع الفقهاء فيه، وإنما يستفاد منه في جعله بياناً لوظائف المجتهد في المذهب إجمالاً، والله أعلم.
وقد عاب الإمام اللكنوي على مَن سار على طريقة ابن كمال باشا، وأنّ ذلك كان منهم محض تقليدٍ، فقال: «وكذا ذَكَرَ [الطبقات] مَن جَاء بَعدَ [ابن كمال باشا] مُقلِّداً لَهُ، إِلَّا أن فيه أنظاراً شتى من جِهة إدخال من الطَّبقة الأَعْلَى في الأدنى، قد أبداها الفاضل هارون بهاء الدِّين شهاب الدِّين المرجانيّ الحنفيّ، ولا بأس بسردِ عبارتِهِ، لتَضمُنِها فَوائد شَريفة، وفوائد لطيفة، وهي هذه:
ليت شِعري ما مَعنَى قولهم: إن أَبا يُوسُفَ، ومُحَمَّداً، وزفراً، وإن خالفوا أَبَا حنيفةَ في بعضِ الأحكامِ، لكنهم يقلِّدونه في الأصول ما الذي يريدون به؟
¬
(¬1) النافع الكبير (ص14 - 16).
فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحثُ عنها في كُتبِ الأصولِ، فهي قواعدٌ عقلية، وضوابطٌ برهانية، يعرفها المرء من حيثُ أَنّهُ ذو عقلٍ، وصاحبُ فِكرٍ ونَظرٍ، سواء كان مُجتهداً أو غير مُجتهد، ولا تعلق لها بالاجتهادِ قط.
وشأن الأئمة الثَّلاثة أَرفع وأَجل من أن لا يَعرفوا بها، كما هو اللازم من تَقليدهم غَيرهم فِيهَا، فحاشاهم، ثُمَّ حاشاهم عن هذه النَّقيصة، وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مَالِك والشَّافِعِيّ، فليسوا بدونهما.
وقد اشتهر فِي أفواهِ الموافقِ والمخالف، وجرى مجرَى الأمثال، قولُهم: أَبو حنيفة أَبو يوسف، بمعنى أن البالغ إلى الدَّرجةِ القصوى فِي الفقاهة أَبُو يُوسُفَ ... انتهى» (¬1).
وأقتصر هاهنا على ذكر تعقبات الإمام اللكني على طبقات ابن كمال باشا الدالة على بطلان هذا التقسيم وقصوره الشديد، فأجعل الطبقات في الأعلى والتعقبات في الهامش.
قال ابن كمال باشا رحمه الله: «اعلم أنَّ الفقهاءَ عَلَى سبعِ طبقاتٍ:
¬
(¬1) النافع الكبير (ص11 - 12).
الأولى: طبقة المجتهدين في الشَّرع كالأئمةِ الأربعةِ، ومَن سَلَكَ مَسلكها فِي تَأسيس قَواعد الأَصول، واستنباط أحكام الفروع على الأدلةِ الأربعةِ: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، عَلَى حسب القواعد، من غير تَقليد لأحد، لَا فِي الفروع، ولا فِي الأصول.
الثَّانِيَة: طبقةُ المجتهدينَ فِي المذهب: كأبي يوسف (¬1)، ومحمد (¬2)، وسائرِ أَصحابِ أَبِي حنيفة القادرينَ على استخراجِ الأحكامِ عن الأدلةِ المذكورةِ على مُقتضى القواعدِ التي قَرَّرَها أُستاذهم أَبو حنيفةَ.
فإنَّهم وإن خالفوه في بَعضِ أَحكامِ الفروعِ، لكنهم يقلِّدونهُ في قواعدِ الأصولِ، وبِهِ يَمتازون عَنْ المعارضين في المَذهَب، وَيفارقونهم
¬
(¬1) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في هامش النافع الكبير (ص15): المصرَّحُ فِي كلام كثير أنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّداً مُجتهدان مُطلقان مُنتسبان؛ لأنَّ مخالفتهما للإمام فِي الأصول غير قليلة، وهو مُخالف لِمَا مَرَّ سابقاً مِن عدِّهما فِي المُجتهدين فِي الْمَذْهَب، والظاهر هُوَ هَذَا.
(¬2) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في التَّعليقات السُّنِّيَّة (ص 163): "مُحَمَّدُ بن الْحَسَن الشَّيْبَانِيّ ... عدَّه ابن كمال من طَبقةِ المجتهدينَ في المَذهَبِ، الَّذِي لا يُخالفونَ إمامهم في الأصولِ، وإن خالفوه في بَعضِ المسائلِ.
وكذا عدَّ أبا يُوسُف منهم، وهو مُتعقَبٌ عليه، فإنَّ مُخالفتهما للإمامِ في الأصولِ كثيرة غير قَليلة، فالحقُّ أَنَّهما من المجتهدينَ المنتسبين، كما صَرَّحَ به عبدُ الوهاب الشَّعْرانيّ في الميزان، والمحدِّث ولي الله الدِّهْلَوِيّ في تصانيفه، وقد حقَّقتُ ذلك في النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصَّغير.
كالشَّافِعِيّ - رضي الله عنه - ونظرائِهِ من المخالفينَ لأبي حنيفةَ فِي الأحكامِ، غير المقلِّدينَ لَهُ فِي الأصولِ.
الثَّالِثَة: طبقةُ المجتهدينَ فِي المسائلِ التي لَا رِوَايَة فِيهَا عَنْ صَاحِب الْمَذْهَب: كالخصاف وأبي جَعْفَر الطّحاويّ (¬1) وأبي الحَسَن الكَرْخي وشمس الأئمة السَّرَخْسيّ، وفخر الإِسلامِ البزدوي، وفخر الدِّين قاضي
¬
(¬1) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في التَّعليقات السنية (ص 31 - 32): أحمدُ بن مُحَمَّدٍ بنِ سلامةَ أَبُو جَعْفَرٍ الطّحاويّ الأزديّ ... عدَّهُ ابن كَمال باشا وغيره من طَبقةِ مَن يَقدِرُ على الاجتهادِ في المسائل التي لا رِوَايَةَ فيها، ولا يَقدِرُ على مُخالفةِ صاحبِ الْمَذْهَبِ لا في الفروعِ، ولا فِي الأصولِ.
وهو مَنظورٌ فيه؛ فإنَّ لَهُ دَرجةً عاليةً، ورتبةً شامخةً، قد خَالفَ بِها صاحبَ المَذْهَبِ في كَثيرٍ من الأصولِ والفروعِ، ومَن طالعَ شرح معاني الآثار، وغيره من مُصنفاتِه يَجدُهُ يَختارُ خِلافَ مَا اختارَهُ صاحبُ المذهبِ كَثيراً، إذا كان ما يدلُّ عليه دليلاً قَوياً.
فالحقُّ أَنَّهُ من المجتهدينَ المنتسبينَ الذين يَنتَسبونَ إلى إمامٍ مُعين مِن المجتهدينَ، لكن لا يقلِّدونَهُ لا في الفروع، ولا في الأصول، لِكونِهم مُتصفينَ بالاجتهادِ، وما انتسبوا إليه إِلا لِسلوكِهم طريقهُ في الاجتهادِ.
وإن انحط عن ذلك، فهو من المجتهدينَ في المَذهَبِ القادرينَ على استخراج الأحكام من القواعدِ التي قَرَّرها الإمام، ولا تَنحطُ مَرتبتهُ عنْ هَذِهِ المرتبةِ أَبداً على رَغمِ أَنفِ مَن جَعَلَهُ مُنحطاً، وَمَا أَحسن كَلام المولى عبد الْعَزِيز المُحدَّث الدِّهْلَوِيّ في "بستان الْمُحَدِّثِينَ"، حيث قال ما مُعرَّبُهُ: أنَّ مُختَصرَ الطّحاويّ يَدلُّ على أنَّهُ كان مُجتهداً، ولم يكن مُقلداً للمذهبِ الحنفيّ، تَقليداً مَحضاً، فإنَّهُ اختار فيه أَشياء تُخالف مَذهبَ أبي حنيفةَ لِمَا لاحَ لَهُ من الأدلةِ القويَّةِ. انتهى.
وفي الجملةِ فهو في طَبقةِ أَبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ، لا يَنحطُ عَن مَرتَبتِهما عَلَى القَولِ المُسدَّدِ".
خان وأَمثالهم؛ لأنَّهم لا يَقدِرونَ على المخالفةِ للشَّيخِ، لا في الأصولِ، ولا فِي الفروعِ.
لكنهم يستنبطونَ الأحكامَ في المسائلِ التي لا نَصّ فيها عنه، على حَسبِ أُصولٍ قَرَّرها، وَمُقتَضَى قَواعدَ بسطها.
الرَّابعةُ: طَبقةُ أَصحابِ التَّخريجِ من المقلدينَ: كالرَّازِيّ، وأضرابِهِ (¬1).
فإنَّهم لا يَقدرون على الاجتهاد أصلاً.
لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمآخذ، يَقدرون عَلَى تَفصيلِ: قول مُجِد ذي وَجهين، وحُكُم منهم مُحتملٍ لأمرينِ، مَنقولٌ عن صَاحِبِ
¬
(¬1) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في التَّعليقات السُّنِّيَّة (ص104): عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بْن يَعْقُوبِ بنِ الْحَارِثِ الأستاذُ السَّبَذْمُونيّ ... عدَّه المحدِّث ولي الله الدِّهْلَوِيّ في رسالته الانتباه من أصحابِ الوجوه، من حيثُ قَالَ: أمَّا شَمس الأئمة الحَلْوَانيّ، فَهُوَ من المتقدمينَ أَهل التَّخريجِ، وَكَذَلِكَ أَبُوعليّ النَّسَفيّ، وأبو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن الفضلِ، وعبد الله الأستاذ السَّبَذْمُونيّ، فُكلُّهم من أصحابِ الوجوه، وإليهم مَرجع الفقهاء الحَنَفِيَّة".
وقال في النافع الكبير (ص12 - 13): ومن أصحاب التَّخريج الفقيه أَبُو عَبْد الله الجرجانيّ، وقد أبدى بعض مُعاصرينا ـ سَلَمَّهُ اللهُ تَعَالَى ـ في بعضِ تحريراتِهِ الواقعةِ في مسألةٍ من مسائلِ الرضاع، احتمال أن يكون هو من الطبقة السَّابقة، وأَخرجه من الطبقات السابقةِ، وَهُوَ أمر مَنشَؤهُ قِلَّةِ التّتبع، وعدم وسعة النَّظر.
وقد رددت عليه فِي تَحريراتي الواقعة، ردَّاً لتحريرهِ، أنَّهُ لم يَنظر إلى كلامِ صَاحِب الهداية فِي بَاب صفةِ الصَّلَاة، ثُمَّ القومة والجلسة سنَّةٌ عِندَهما، وكذا الطمأنينةُ في تخريج الجرجاني.
وفي تَخريج واجبة، حَتَّى تَجبُ سجدتا السَّهو بتركها عنده. انتهى.
المذهَبِ، أَو عن واحدٍ من أصحابهِ المُجتهدينَ برأيهم ونظرهم فِي الأصولِ، والمقايسةُ على أَمثالِهِ وَنُظَرائِهِ من الفروعِ.
وما وَقَعَ في بَعضِ المواقعِ من «الهداية» من قول: كذا تَخريج الكَرْخي، وتخريج الرَّازِيّ من هذا القبيل.
الخامسة: طبقةُ أصحابِ التَّرجيحِ من المقلِّدين: كأبي الْحَسَن القُدُوْرِيّ، وصاحب «الهداية» (¬1)، وأمثالهما (¬2).
وشأنهما تفضيل بعض الرِّوَايَات عَلَى بعض آخر، بقولهم هذا أولى، وهذا أَصَحُّ رِوَايَةً، وهذا أوضحُ، وهذا أَوفقُ للقياس، وهذا أرفقُ للنَّاس.
السَّادسة: طبقة المقلِّدين القادرين عَلَى التمييز بين الأقوى والقوي والضّعيف، وظاهر الْمَذْهَبِ وظاهر الرِّوَايَة والرواية النادرة، كأصحابِ
¬
(¬1) قال الْإِمَام اللَّكْنَوِيّ في التَّعليقات السُّنِّيَّة (ص 141): عَليّ بن أبي بَكْرٍ بن عَبْدِ الجليل الفرغانيّ صاحب «الهداية» ... ذَكَرَهُ ابنُ كمال باشا من طبقةِ أصحابِ التَّرجيح القادرينَ على تَفصيلِ بَعضِ الرّواياتِ على بعضٍ، برأيهم النَّجيح، وَتُعقِّبَ بأنَّ شأنهُ ليس أهون من قاضي خان، وله في نَقدِ الدَّلائل واستخراج المسائل، شأن أي شأن، فهو أحق بالاجتهادِ في الْمَذْهَب، وعدُّه من المجتهدينَ في الْمَذْهَبِ إلى العقلِ السليمِ أقرب.
(¬2) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ فِي التَّعليقات السُّنِّيَّة (ص 180): «مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الواحدِ بنِ عَبْدِ الحميدِ كمال الدِّينِ الشَّهير بابن الهمام السكندري السيواسي ... عدَّه ابن نجيم في البحر الرائق: من أهلِ التَّرجيحِ، وَعدَّهُ بَعضُهم: من أهلِ الاجتهادِ، وَهُوَ رَأي نَجيح، يَشهَدُ بِذلِك تَصانيفُهُ وتآليفُهُ».
المتونِ المعتبرةِ من المتأخرينَ، مثل صَاحِب «الكنز» (¬1)، وصاحب «الْمُخْتَار»، وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن ينقلوا في كتبهم الأقوال، والرِّوَايَات الضعيفة.
السَّابعة: طَبقةُ المقلِّدينَ الَّذِينَ لَا يَقدرون عَلَى مَا ذُكِرَ، لَا يَفرقون بين الغثِ والسَّمين، ولا يُميزونَ الشِّمال عَنْ اليمين، بل يجمعون مَا يَجدون، كحاطبِ اللَّيْلِ، فالويل لهم، ولِمَن قَلَّدَهم كُلّ الويل» (¬2).
والتقسيم الذي نقله الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في «النافع الكبير» وارتضاه هو «أنَّ المجتهدَ على أقسام ثلاثة:
أَحدُها: المجتهد المطلق المستقل، ومِن شُروطه: فقهُ النفسِ، وسلامةُ الذِّهنِ، وصِحَّةُ التَّصرفِ والاستنباطِ والتَّيقظ، ومعرفةُ الأدلة
¬
(¬1) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في التَّعليقات السُّنِّيَّة (ص 101 - 102): عَبْدُ اللهِ بنُ أحمدَ أَبُو البركاتِ حافظُ الدِّين النَّسَفيّ ... عَدَّهُ ابن كمال باشا من طَبقة المقلدينَ القادرين على التَّمييز بين القويّ والضَّعيف، الَّذِينَ شَأنهم أن لا يَنقلوا في كُتُبِهم الأقوال المردودة، والرِّوايات الضَّعيفة، وهي أَدنى طَبقاتِ المتفقهينَ، مُنحطةً عن دَرجةِ المجتهدينَ والمخرجينَ.
وعدَّهُ غيره من المجتهدينَ في المَذهَبِ، قال: إنَّهُ اختتم بِهِ، ولم يُوجد بَعدَهُ مُجتهد في المَذهَبِ.
وأمَّا الاجتهاد المطلق، فقد اختتم بالأئمةِ الأربعةِ، وَفرَعَ عليه وجوب تقليد واحدٍ منهم على الأمَّة، وقد ردَّهُ بحر العلوم مولانا عَبْدُ العلي اللَّكْنَوِيّ في شرح تحرير الأصول ومُسَلَّم الثُّبُوت: بأنَّهُ قَولٌ لا يُعبأ بِهِ بَعيد عن حَيزِ الثُّبوت، بل هُوَ رجمٌ بالغيبِ، بلا شكّ ولا ريب، وَقَدْ ذَكرتُ أَقسامَ المجتهدينَ، وَعدَمَ اختتام الاجتهادِ بتصريحِ المحقِّقينَ في رسالتي النَّافع الكبير لمن يطالع الجامع الصَّغير، فطالعها إن شئت.
(¬2) رسالة في وقف أولاد البيات لابن كمال باشا.
وآلاتها المذكورة فِي الأصول وشروطها مع الفقه والضبط لأمهات المسائلِ.
وثانيها: المجتهدُ المطلقُ المنتسبِ: وهو أن ينتسب إلى إمام مَتين من الأئمة المجتهدينَ، لكن لا يُقلِّدَهُ لا فِي المَذهَب ولا فِي الدَّليل؛ لاتصافه بآلات الاجتهاد، وَإِنَّمَا انتسب إِلَيْه لِسلوكِهِ طَريقه فِي الاجتهاد.
وثالثها: المجتهد فِي المَذهَبِ، وهو أن يكونَ مُقيداً بمذهب إمام، مُستقلاً بتقريرِ أُصولهِ بالدليلِ، غير أنَّهُ لا يُجاوزَ في أدلته أُصول إمامهِ وقواعده، وشرطه كونه عالماً بالمذهبِ وأصولهِ، وأدلة الأحكام تفصيلاً، وكَونُهُ بَصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التَّخريج والاستنباط بقياس غير المنصوص عليه على المنصوص لِعلمِهِ بأصولِ إمامهِ، ولا يعرى عن تقليدٍ لإمامه، لإخلاله ببعض أدوات الاجتهاد المستقل، كالنحو والحديث ونحو ذَلِكَ، كذا ذكره ابن حَجَرٍ المَكِّيّ فِي رسالته «شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحنا وعواره».
أمَّا القسمُ الأوَّلُ: فاتصف به الأئمة الأربعة ومن بعدهم.
وأمَّا القسمُ الثَّاني: فاتصف به أَبُو يُوسُف وغيرهما من أصحاب أَبِي حَنِيْفَةَ، وفي الشّافعيّة كثيرون بلغوا هذه المرتبة: النَّووي، وابن الصلاح، وابن دقيق العيد، وتقي الدِّين السبكي، وابنه تاج الدِّين السُّبكي، والسِّراج البلقيني، وابن الزملكاني، والسّيوطيّ، وغيرهم، مِمَن عاصرهم
أَو تقدمهم، على ما ذكرهُ السّيوطيّ في «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، وغيره ...
وأما القسمُ الثَّالث: فاتصف به كثيرون من الأصحاب الحَنَفِيَّة، كما مَرَّ ذِكَرَهُ مُفصَّلاً (¬1)، وفي باقي المذاهب أيضاً كثيرون بلغوا هذه المرتبة» (¬2).
وهذا التقسيم أولى بالقبول من طبقات ابن كمال باشا وأقرب إلى الحق في فهم الفقه ومراتب أئمته، وقريب منه هذا التقسيم الزماني الذي أشرت إليه سابقاً فإني أرى أنه أفضل تقسيم في معرفةِ درجات وطبقات فقهاء المذهب وفهم اجتهاداتهم وترجيحاتهم وتصوُّر التسلسل التاريخي في نمو المذهب وتطوره وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة.
وسأورده هاهنا على الإجمال وإن كان يحتاج تفصيلاً أكثر ولكن المقام لا يحتمل ذلك، فأقول طبقات المجتهدين:
أولاً: مجتهد مطلق: هو مَن استقل بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه وبنى عليها الفروع مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -.
¬
(¬1) أي مر في مسألة طبقات المجتهدين.
(¬2) النافع الكبير (ص8 - 17).
ثانياً: مجتهد مطلق منتسب: هو مَن استقل بأصوله عن اجتهاد منه وإن أخذ بعضَها عن مَن انتسب لمذهبه وبَنَى عليها فُرُوعاً مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن - رضي الله عنهم -.
وانتسابهم إلى أبي حنيفة انتساب أدب وإلا فقد خالفاه في ثُلُثَيْ مذهبه كما نص عليه إمام الحرمين وصرحوا به في كتب ظاهر الرواية فذكروا قولهم مع قول أبي حنيفة وكذلك جعل الدبوسي في تأسيس النظر لهم أصولاً مخالفة لأصول أبي حنيفة، وهذا ما ذكر في كثير من كتب الأصول في الاختلاف بين أصول أبي حنيفة وأصولهم في بعض الجزئيات وكل ذلك يؤيِّدُ ما وصلوا إليه من درجةِ الاجتهادِ المطلق وإن آثروا الانتساب إلى إمامهم أَدباً معه وسعوا في نشر مذهبه مع أقوالهم، وهذا ما أيّده الأزهري والمرجاني واللكنوي والكوثري - رضي الله عنهم -.
ثالثاً: مجتهد منتسب: هو الذي مشى عل أصول إمامه وفروعه إلا أنه قد يُخالف في أصولٍ وفروع عن اجتهادٍ منه فيستنبط بها من الكتاب والسنة وهذا مثل أبي جعفر الطحاوي وأَمثاله من علماء القرن الثالث والرابع.
فمثلاً انفرد الكرخي عن أبي حنيفة و غيره في أنّ العام بعد التخصيص لا يبقى حجةً أصلاً وأنّ الخبر الواحد الوارد في حادثة تعم بها البلوى ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجة قط. وانفرد أبو بكر
الرازي في أنّ العام المخصوص حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز، كما في «حسن التقاضي».
واجتهاد مثل هذه الطبقة أو التي قبلها سواء فيما لم يُنَصَّ عليه عن الإمام أو نُصَّ عليه معمولٌ به في المذهب إذا اعتمده أهل الاجتهاد والنظر ممن جاء بعدهم وفي بعضِ الأحيان يكون هو المفتى به لا سيما في طبقةِ المجتهدِ المطلق المنتسب، ومن أمثلةِ احتجاج أهل النظر بأقوال هذه الطبقة الثالثة قولُ الحلواني عن الجصاص إنّا نقلّده ونأخذ بقوله.
فهؤلاء ممن يجتهد في المسائل لا سيما التي لا رواية فيها من الكتاب والسنة معتمدين على أصول لهم أو أصول أئمتهم، وقد يكون اجتهاد في فروعهم الأئمة، ونرى أنّ حالَ ابن الهمام من المتأخرين قد وَصَلَ إلى درجةِ هذه الطبقة في الاجتهاد ومشى على منوالهم.
طبقة المجتهدين في المذهب، وهم على درجات إجمالاً على حسب التسلسل الزماني:
أَوّلاً: علماءُ القرن الخامس والسّادس وبعض السابع:
ويتلخص عملهم فيما يلي:
o التخريج على فروع وقواعد أئمة المذهب خاصّة دون الكتاب والسنة، وقد تميزوا بذلك إلى حدٍّ كبير لاهتمامهم بضبط أُصول المذهب، فبنوا عليه كثيراً من الفروع المستجدة.
o الترجيحُ والتصحيحُ بين أَقوالِ أئمةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي كما صرح بذلك قاضي خان، ويدخل في ذلك أخذهم واعتمادهم لأقوال بعض المجتهدين المنتسبين في المذهب وترجيحهم لقولهم أو الترجيح بين أقوالهم.
o التقعيد والتأصيل لفروع المذهب بصورة أدق وأحكم ممن سبقهم بحيث أنهم اهتموا بربط الفروع بقضايا الأصول الكلية، وألفوا كتباً في الأصول كأصول البزدوي وأصول السرخسي والميزان للسمرقندي وغيرها مما بينت الأُصول الكلية التي مشى عليه أئمة المذهب، وكل مَن جاء بعدهم عالة عليهم في الأصول، كما صرّح بذلك جمع من العلماء.
ثانياً: علماء بعض القرن السابع والثامن (أصحاب المتون):
ويتلخص عملهم فيما يلي:
o حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل، كما نصّ عليه ابن كمال باشا، فألفوا المتون في إظهار ظاهر الرّواية في المذهب والمعتمد من مسائله، وتُعدُّ متونهم أدق كتب المذهب في نقله وبيان المعوّل عليه فيه، فإذا أُطلقت المتون عند مَن جاء بعدهم، فالمقصود بها متونهم، وهذا راجع للملكة القوية لديهم في الاعتناء في حفظِ المذهب وتمييز الراجح فيه.
o التصحيحُ والترجيحُ بين أَقول علماءِ المذهب إجمالاً، وهذا ظاهر في الكتب والمتون التي ألفوها، وإن كان جُلّ تصحيحهم راجعٌ إلى المدارس الفقهيّة التي نشؤوا فيها كمدرسة سمرقند أو بُخارا مثلاً، إلا أن قوّة تصحيحهم أقلّ من الطبقة التي سبقتهم عادة، كما هو ملاحظ في اعتماد الفقهاء.
o التخريج وإن قَلَّ لأنّ الحاجةَ تمسّ إلى معرفةِ ما يَجِدُّ من المسائل فيما لم يُنَصّ عليه، وهذه الوظيفة لا تخلو منها طبقةٌ من الطبقات لحاجة الناس إليها في حياتهم وإن كانت تتفاوت في قوّتها وكثرتها من زمان إلى زمان لا سيما كلما تأخر الزمان فإنها تقلّ لقلّة المسائل التي تجدّ بالنسبة إلى ما مضى.
o الجمع بين أصول المتكلمين والفقهاء؛ إذ قام جمع من علماء هذا الزمان بمحاكاة أصول المتكلمين وعرض أصول فقهاء الحنفية على هيئتها وصورتها، كترتيب وتنظيم، وذكر لبعض المباحث التي لم يتعرض لها في أصول الفقهاء وذكروها في أصول المتكلمين، ويظهر هذا جلياً في بديع النظام لابن الساعاتي والتوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة.
ثالثاً: علماء القرن التاسع والعاشر:
o التخريج على أصول الأئمة وفروعهم لكنه قليل بالنسبة إلى من سبقهم.
o التصحيح والترجيح للأقوال على حسب قواعد رسم المفتي لكن نجد أن تصحيحهم وتضعيفهم أقل درجة ممن سبقهم.
o التمييز بين الروايات لكنه أضعف من الطبقة التي سبقتهم حيث أنه ذكروا في متونهم وكتبهم بعض مسائل الفتاوى والنوادر وغيرها مما ليس بمعتمد في المذهب ومشوا عليه.
رابعاً: علماء ما بعد الألف هجري:
o التخريج على أصول الأئمة وفروعهم كمَن سبقهم، فهذه الوظيفةُ لا يستغنى عنها في زمان ومكان؛ إلا أنها تقلّ كلّما تأخر الزمان لقلّة الفروع المستجدة، لكن في زماننا هذا بسبب التطور المدني الضخم حصل حاجة إليها بدرجة كبيرة.
o التصحيحُ والترجيحُ لأقوال مَن سبقهم بمراعاة قواعد رسم المفتي، وهذا ظاهرٌ كما في كتب الشرنبلالي والحصكفي وغيرهما، لكن لا يَخفى أن تصحيحَهم وترجيحَهم أَقلّ درجةً بالنسبةِ لمن قبلهم.
o التمييز بين روايات المذهب كما هو ظاهر في المتون التي ألفوها كنور الإيضاح للشرنبلالي، إلا أن هذا التمييز والحفظ أقلّ ممن قبلهم؛ إذ ذكروا كثيراً من المسائل غير المعتمدة في متونهم والمخالفة لظاهر الرواية.
o جمع الأقوال المصححة والمرجحة؛ إذ ظهرت الحاجة للتمييز بين الأقوال العديدة التي رجحت وصححت في الطبقات السابقة، فاهتم علماء هذه
الطبقة بجمعها وتنقيح الخلاف فيها، وبيان أَقواها تصحيحاً وترجيحاً، كما فعل ذلك إسماعيل النابلسي والبيري وابن عابدين.
o الاهتمام بتقعيد علم رسم المفتي بجمع قواعده المختلفة من كلام السابقين، بما يدل عليه فعل الفقهاء في كتبهم، فهو عبارة عن شذرات متفرّقة في كتب علماء الطبقات السابقة، كما سبق.
وينبغي التنبيه على أنّ التمكُّن من ضبطِ طبقات الفقهاء يَحتاج إلى دراساتٍ وأبحاثٍ في كتبِ الفروع بطريقةٍ متعمقةٍ، وكذلك يحتاج إلى قراءةٍ خاصّةٍ من الدارس في كتبِ تراجم الفقهاء وطبقاتهم؛ فلا بُدّ أن يكون له عناية فائقة بقراءةٍ ذاتيّة فيها للوقوف على أحوالهم وشيوخهم وتلاميذهم ومسائلهم التي انفردوا فيها والمقام الذي بلغوه في العلم والفقه والاجتهاد، ومتابعة التعقبات التي ذكروا أهل الشأن في هذا الميدان.
ومن الضروري جداً أن يحفظ الطالبُ تواريخَ وفاتهم حتى يتمكَّن من معرفة أَعصارهم ومَن تقدّم منهم زماناً على الآخر ليلاحظ طبقة كلّ منهم، وكذلك لمعرفةِ مقدارِ تأثرِ المتأخرِ بالمتقدِّم، وليتمكَّن من الترجيحِ بين ما نُقل عنهم من مسائل وترجيحات، قال الإمام اللكنوي: ((إن فَنَّ
التَّاريخ فنٌ شريفٌ وعلمٌ لطيفٌ يجبُ فيه التَّثبت والتَّنقيح، والتَّساهل فيه أيضاً مذمومٌ وقبيح» (¬1).
* الرابعة: دراسة طبقات المسائل:
حيث يتمكَّن الطالب من خلاله التمييز بين أَصل المذهب والمبني عليه، فيكون المفرَّعُ عليه منضبطاً على لقاعدة أصل المذهب فإن فهمها جيداً ورعايتها تُمَكِّنُ من بناء غيرها على أصل المذهب كذلك، وتُحرِّرَه من أن يكون مُتقيداً بالمخرَّجِ من الفروعِ على أصلِ المذهبِ إذا تَغيَّرَ أصل التخريج من عرفٍ أو ضرورةٍ، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية.
وكذلك يتمكَّن من تقديم مسائل ظاهر الرواية على غيرها من مسائل غير ظاهر الرواية والنوادر والنوازل والفتاوى عند تعارضها.
والتقسيم العام المشهور لطبقات مسائل الحنفية ذكره اللكنوي (¬2) عن الكفوي في «أعلام الأخيار»: «إنَّ مسائل مذهبنا على ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: مسائل الأصول، وهي مسائل ظاهر الرِّوَايَة، وهي مسائل المبسوط لمحمد، ولها نسخ اشهرها وأظهرها نسخة أَبِي سُلَيْمَان الجُوزجانيّ، ويقال لَهُ الأصل، ومسائل «الجامع الصغير»، و «الجامع
¬
(¬1) المصدر السابق (ص 58).
(¬2) في النافع الكبير (ص18 - 19). وينظرمقدمة عمدة الرعاية (ص9 - 10).
الكبير»، و «السير»، و «الزيادات»، كلها تأليف محمد بن الحسن، ومن مسائل ظاهر الرواية مسائل كتاب «المنتقى» للحاكم الشهيد، وهو للمذهب أَصل أيضاً بعد كُتب محمد بن الحَسَن، ولا يوجد في هذه الأعصار في هذه الأمصار، وكتاب «الكافي» للحاكم أيضاً أَصل مِنْ أُصول المَذهَب، وقد شرحه المشايخ، منهم السَّرَخْسيّ والاسبيجابي.
والطبقة الثَّانية: هي مسائل غير ظاهر الرِّوَايَة، وهي المسائل التي رويت عن الأئمة فِي غير الكتب المذكورة، إمَّا فِي كتب أخر لمحمَّدٍ: كـ «الكيسانيات»، و «الرقيات»، و «الجرجانيا»، و «الهارونيات»، وإمَّا في كتب غير مُحَمَّد: كـ «لمجرد» للحسن بن زياد، ومنها: كتب الأمالي والإملاء، وهي أن يقعدَ العالم، وحوله تلامذته بالمحابرِ والقراطيس، فيتكلم بما فتح الله عليه مِنْ العلم، ويكتب التلامذة مجلساً مجلساً، ثُمَّ يَجمعون ما كتبوا، وكان هذا عادة أصحابنا المُتقدمين، ومنها الرِّوَايَات المُفرقة: كروايات ابن سماعة وغيره من أصحاب مُحَمَّد، وغيره من مسائل مُخالفةٌ للأصولِ، فإنَّها غير ظاهرة الرِّوَايَة، وعدت مِنْ النَّوادر، كما يُقَالُ نوادر ابن سماعة، ونوادر هِشَام، ونوادر رستم، وغيره.
والطبقة الثالثة: وتسمَّى الواقعات، وهي مسائل استنبطها المتأخرون من أصحاب مُحَمَّد، وأصحاب أصحابه ونحوهم فمن بعدهم إلى انقراض عصر الاجْتِهاد فِي الواقعات الَّتِي لم توجد فِيهَا رِوَايَة الأئمة
الثلاثة. وأول كتاب جمع فيه مِمَّا عُلِمَ «النَّوازل»، فَإِنَّه ألَّفه الفقيه أَبُو اللَّيْث السمرقندي المعروف بإمام الهدى، وجمع فيه فتاوى المتأخرين المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل الرَّازِيّ، ومُحَمَّد بن سَلَمَة، ونصير بْن يَحْيَى، وذكر فيها اختياراته أيضاً، ثُمَّ جمع المشايخ فيه كتباً: كـ «مجموع النواز»)، و «الواقعات» للناطفي، والصدر الشهيد، ثُمَّ جمع مَنْ بعدهم مِنْ المشايخ هَذِهِ الواقعات فِي فتاواهم غير ممتازة، كما في «جامع قاضي خان»، وكتاب «الخلاصة»، وغيره من الفتاوي».
وهذا التفسيم يمثل اعتماد المسائل من حيث الورود عن الأئمة السابقين في الاجتهاد، وهو المعتبر عند الفقهاء الذي يعتمدون نصوص المذهب في الاجتهاد، وهو الاتجاه العام الشائع المعول عليه في الفقه.
ولَمّا كان الإمامُ اللكنويُّ من مدرسةِ محدثي الفقهاء أضاف إلى هذا التفسيم تقسيماً آخر بمراعاة الاستدلال الحديثي للمسائل الفقهية، فقال (¬1): «الفروع المذكورة في الكتب على طبقات:
الأولى: المسائل الموافقة للأصول الشرعية المنصوصة في الآيات، أَو السنن النبوية، أَو الموافقة لإجماع الأمة، أَو قياسات أئمة الملة، من غير أن يظهر على خلافها نص شرعي جلي أَوْ خفي.
¬
(¬1) في النافع الكبير (ص22 - 23).
والثانية: المسائل التي دخلت في أصول شرعية، ودلَّت عليها بعض آيات، أَو أحاديث نبوية، مع ورود بعض آيات دالة على عكسه، وأحاديث ناصة على نقضه، لكن دخولها في الأصول من طريق أَصَحّ وأقوى، وما يخالفها وروده من سبيل أَضعف وأَخفى، وحكم هذين القسمين هو القبول، كما دلَّ عليه المعقول والمنقول.
والثالثة: التي دخلتْ في أُصول شرعية مع وُرود ما يُخالفها بطرق صَحيحة قوية، والحكم فيه، لمَنْ أُوتي العلم والحكمة، اختيار الأرجح بعد وسعة النَّظر، ودقة الفِكر، وَمَن لَم يَتَيسر له ذلك، فهو مجاز في ما هنالك.
والرابعة: التي لم يَستخرج إِلا من القياس، وخالفه دليل فوقه غير قابل للاندراس، وحكمه ترك الأدنى، واختيار الأعلى، وهو عين التَّقليد في صُورة تَرك التَّقليد.
والخامسة: التي لم يدل عليها دليل شرعي لا كتاب ولا حديث، ولا إجماع ولا قياس مُجتهد جلي أو خفي، لا بالصراحة، ولا بالدَّلالة، بل هي من مخترعات المتأخرين الذين يقلدون طرق آبائهم ومشايخهم المتقدمين، وحكمه الطرح والجرح، فاحفظ هذا التفصيل، فإنه قل من اطلع عليه، وبإهماله ضَلَّ كثير عن سواء السبيل».
والقسمان الأخيران اللذان ذكرها اللكنوي محلٌّ نظرٍ كبيرٍ، وفي الحقيقة يدلُّ عليهما دلائل كثيرة، نبهت على بعضها فيما علّقته على «عمدة الرعاية»، والذي يتمكن من التأصيل الفقهي للمسائل مع الانتباه لقضيةِ أنّ للفقهاءِ مدرسةً في الوصول لما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع التثبت والتصحيح على أسس مختلفة عن مدرسة المحدثين إجمالاً فرغت من توضيحها في عدة أبحاث، فإنه يسلم بهذين القسمين، ومع ذلك يبقى هذا اتجاه ظهر عند متأخري الحنفية من الاعتماد والتصحيح بناء على الحديث لا يمكن إنكاره وإلغاؤه، وله مدرسته الخاصة به، وإن كان لا يقارن من حيث القوة والمتانة والضبط والاستدلال بأصل المذهب، والله أعلم.
* الخامسة: دراسة طبقات الكتب:
وهو مختلف عن طبقات المسائل، فقد يحتوي الكتاب الواحد على عدّةِ طبقاتٍ من المسائل جمعها المؤلف كتابه.
والمصنفون في العادة حين ألَّفوا كتبهم سَلَكوا منهجاً وطريقةً في تأليفهم لها من اقتصارهم على المسائل المعتمدة مثلاً، أو جمع المسائل الغريبة والنادرة، أو التمييز بين الغثّ والسَّمين في الفتاوى، أو الجمع والاستقصاء بدون تمييز.
ومَن يكثر القراءة في الكتب يتعرَّف على مناهج أصحابها ودرجةَ اعتماد مسائلهم ومنزلة كتابهم بالنسبة لغيره ومدى اعتماد الفقهاء عليه واعتبارهم له بكثرة نقلهم عنه على سبيل التقرير لا الرد والنكير.
وأكثر ما يُمكِّن الطالب من إدراكِ طبقات الكتب هو البحثُ والتنقيب، وذلك بمراجعة المسألة الفقهية في عامّة الكتب بحيث يلاحظ تعامل الفقهاء معها وكيفية عرضهم لها وترجيحهم فيها فيقدر المقام لكلِّ كتاب منها.
فمعرفة الكتب المعتمدة من غيرِ المعتمدةِ أمرٌ مهمٌّ في التمييزِ بين الكتب، وينبغي التنبّه أنّ عدَّ الكتاب من الكتب غير المعتبرة لا يعني عدم الاستفادة منه، بل الأخذ منه بحيط وحذر لعالم متبصّر حافظ للمذهب وعارف بالمسائل المعتمدة.
وهذا ما يؤكده الإمام اللكنوي بقوله (¬1): «إن الفقهاء جعلوا «القُنْيَة»، و «الحاوي» من الكتب الغير المعتبرة، ومع ذلك أجازوا النَّقل عنها، وأخذ ما فيها، بشرط أن لا يُخالف ما فيهما ما في الكتب المعتبرةِ، وأَباحوا الاعتماد عَلَى ما فيهما من المسائل، إذا وافقت الأصول المعتمدةِ، وهذا إنَّما يَحصلُ لمن له سعة علم ونظر، وقوة حفظ وبصر، فَيباح لَهُ الأخذ عَنْ مثل هَذِهِ الكتب الغير المعتبرة.
¬
(¬1) تذكرة الراشد (ص 98 - 99). وينظر (ص97 - 98) منه.
وأما من ليس له علم، ولا فهم، ولا له امتياز بين الحسن والشَّوم، والهدهد والبوم، وَلَا له عرفان بصحته ما فيها وسقمها، وصوابها وخطأها، ومعروفها ومنكرها، وجلّ مَقصده إنَّما الجمع والتَّرتيب، والسَّجع والتأليف، من غير التزام الصحةِ وتمييز الثِّقة عن غير الثِّقة، فَلَا يَحلُّ لَهُ النَّقل بكلِّ ما فيها، من دون تنبيه على ما فيها».
ولا بُدَّ من الوقوف على أسباب عدم اعتماد الكتب ليتمكن من خلالها معرفة الكتب غير المعتمدة التي لم يُصرح بها الفقهاء على اعتمادها وعدمه، وبدون معرفة الأسباب يجعل حكم عدم الاعتماد واحدٌ في كلّ كتاب نصّوا على عدم اعتماده، وهذا خطأ كبير؛ لأنّ عدمَ الاعتماد قد يرجع لسبب كالاختصارِ الشديد للكتاب أو فقده لا أنّ مسائلَه ضعيفة في نفسها، فالأمرُ يحتاج إلى مراجعةِ الشروح والحواشي لفهمها مثلاً.
ويجب التيقظ إلى أنّ هذه الكتب المختصرة المعتمدة لا يُفتى بها إلا بعد نظر وفكر ومراجعة للحواشي والشروح، وقد نبَّه الإمام اللكنوي إلى هذا فقال (¬1): «أما الكتب المختصرة بالاختصارِ المُخل، فلا يُفتى منها إِلا بعد نظر غائر، وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها، بل لأن اختصارها يوقع المفتي في الغلط كثيراً».
¬
(¬1) في النافع الكبير (ص30).
وقال: «وكذا لا يَجترأ على الإفتاء من الكتبِ المختصرةِ، وإن كانت مُعتمدةٍ، ما لم يَستعن بالحواشي والشرح، فلعل اختصاره يوصله إلى الورطة الظلماء» (¬1).
وقد اعتنى الإمام اللكنوي بصورة كبيرة جداً في بيان الكتب المعتمدة وغيره المعتمدة مع بيان أسباب عدم الاعتماد بما لا نظير له عند غيرهم من علماء المذهب، الأمر الذي يدلّ على معرفته التامّة بكتب مذهبه وتمييزه بين معتبرها وغير معتبرها مما مَكَّنَه في تحقيقه للمسائل الفقهية وترجيحه أن يبلغاً حدّاً رفعياً جداً، وهذا مفيدٌ للدارسين والمطلعين على كتبه من تكوين ملكة فقهيّة قوية في معرفة كتب المذهب ومسائله.
المطلب الثالث: معرفة أدلة المسائل الفقهية:
وهذا الأمر له جانبان:
1.معرفة الأدلة الإجمالية للمسائل الفقهية بدارسة علم أصول الفقه حقّ الدراسة والتمكن منه وضبط مسائله، وفي نفس الأمر هذا هو الأمر الأهم في معرفة أدلة المسائل، ولكن بسبب جعل هذا العلم نسياً منسيا،
¬
(¬1) في النافع الكبير (ص 26).
وقع تشكك كبير في المسائل الفقهية.
وفي ظني على قدر الضبط والتمكن من مسائل الأصول لا سيما مبحث السنة يزداد يقين الطالب بالمسائل الفقهية وقوّةِ الاستدلال وعظمةِ المجتهد الصادرة منه.
وأقتصر هاهنا على فكرةٍ واحدةٍ مجملةٍ تُبيِّنُ هذا، وهي أنّ للفقهاءِ طريقاً خاصّاً في الوصول على الجانب الفقهي في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو طريق النقل المدرسي، بأن يروي أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعال طبقة عن طبقة حتى تصل إلى مجتهد مذهب، وهذا ما يُسمّى علم أهل المدينة عند المالكية، ويقول فيه ربيعة الرأي شيخ مالك: ألف عن ألف خير من واحد عن واحد: أي أن طريق نقل الطبقات مُقدَّم على طريقةِ نقل الآحاد المشهور عند المحدثين، وهذا النقل هو المعتمد في مدرستي الحنفية والمالكية.
ومن وقف على حيثياته حصل له غنية كبيرة عن كثير من الاستدلال، وتحصل له طمأنينة أكيدة في استناد المذاهب الفقهية على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم -.
ومَن لم يفهمه ولم يعرفه سيبقى في حيرةٍ عجيبةٍ من كثيرٍ من المسائلِ المنقولةِ عن أئمةِ الفقهاء فيدخل في الشكّ والريب وليس هو حَقّ في نفسه وإنّما لجهل منه بطريق القوم، ويكفيك عبارة الإمام الأصولي
الجصاص (¬1): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدثين ولا اعتبر أصولهم». فإذن هناك طريقة واضحةٌ بينةٌ للفقهاء في تمحيصِ الأدلةِ واعتمادها مقرّرةٌ في كتبِ الأصول مَن لم يضبطها سيبقى في حيص بيص لا سيما إذا حاكمهم بطريقةِ المحدِّثين، وهذا خطأٌ شائعٌ في هذا الزمان، والله أعلم.
وما حصل من ظهورِ مدرسةٍ متأخرة عند الحنفية يُسمون فقهاء المحدّثين ففي تقديري سببُه عدم اطّلاعهم الكافي على حقيقةِ النقلِ المدرسي عند مجتهدي الحنفية وعدم انتباههم إلى أصول الحنفية الخاصة في تمحيص ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بطرقٍ فصلها عيسى بن أبان وذكرها الجصاصُ في «الفصول في علم الأصول»، وقد توسعت بها في عدّة أبحاث، وهذا مما دعى هذه المدرسة أن تحاكي طريقة المحدثين فتخالف بعض فروع الحنفية وتصحح في الفقه بناء على الحديث لا على التأصيل الفقهي في بعض المسائل، والإمام اللكنوي من هذه المدرسة؛ ولذا وصفه الكوثري بقوله: «له بعض آراء شاذة، لا تُقبل فِي المَذهَب» (¬2).
وعلى كلٍّ فهي مدرسة لها وجودها في المذهب تمثل اتجاهاً أيد المذهب الحنفي حتى بطريق المحدثين، فجزاهم الله خير الجزاء.
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي (4: 244).
(¬2) المقدمات (ص333).
2.معرفة أدلة المسائل التفصيلية، ونعنى به الوقوف على الدليل من القرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو قول الصحابي أو غيرها بخصوص كلّ مسألة من مسائل الفقه.
وهذا الأمر في هذا الزمان خاصة أصبحنا بحاجة ماسّة له بسبب التشكيك الكبير في مسائل أئمة المذاهب بأنه لا دليل عليها، فكان لازماً على الطالب على يقف على دليل خاصّ لا سيما من القرآن والسنة لمسائل مذهبه الفقهية ليكون على بصيرة في ذلك، وليطمئن قلبه، وليتمكن من تقديمه عند الإجابة، وليبرهن أمام الموافقين والمخالفين على قوّة دليل فروع مذهبه حتى يمنع التقوّل على أئمة الحقّ.
وقد اعتنى الإمام اللكنوي في كتبه بهذا الأمر اعتناءً لا مثيل له حتى حوته كتبه من الاستدلال ما لم تحوه غيرها من الكتب، فيقول عن كتابه ((السعاية)) (¬1): ((التزمت فيه بسط الكلام في إثبات الأحكام بأدلتها، وإيراد المذاهب المختلفة فِي كُلّ مَسألةٍ مع الأحاديثِ التي استندوا بها، وذكر ما يرد عليها وما يُجاب عنها، مع ترجيح بَعضها على بعض، وذكر الفروع المناسبة للمقام)).
¬
(¬1) في النافع الكبير (ص64).
ويعتبر كتابه «عمدة الرعاية» من أفضل الكتب التي اشتمل على الاستدلال النقلي، ولا يستغني طالب وعالم في المذهب الحنفي، فلله دره.
* * *
المراجع:
1. فقه أهل العراق وحديثهم لمحد زاهد الكوثري. ضمن مقدمات الكوثري. دار الثريا. دمشق. ط 1. 1997 م.
2. النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير لعبد الحي اللكنوي (ت 1304 هـ).عالم الكتب. ط.1. 1406 هـ.
3. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304 هـ). المطبع المجتبائي. دهلي. 1340 هـ.
4. إقامة الحجَّة في أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة لعبد الحي اللكنوي، تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. 1966 م.
5. الفوائد البهية في تراجم الحنفية لعبد الحي اللكنوي (ت 2304 هـ).ت: أحمد الزعبي. دار الأرقم. بيروت. ط 1. 1998 م.
6. مقدمة التعليق الممجد على موطأ محمد لعبد الحي اللكنوي (ت 1304 هـ). ت: الدكتور تقي الدين الندوي. دار السنة والسيرة بومباي ودار القلم دمشق. ط 1. 1991 مـ.
7. التعليقات السنية على الفوائد البهية لعبد الحي اللكنوي (ت1304هـ). ت: أحمد الزعبي. دار الأرقم. بيروت. ط.1. 1998م.
8. رسالة في «وقف أولاد البيات» لابن كمال باشا، مخطوطه في المكتبة القادرية، وهي ضمن مجموع (1500).
9. تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد للإمام اللكنوي (1264 - 1304هـ). مطبع أنوار محمد. لكنو. 1301هـ.
* * *