منهج الإمام الشرنبلالي .....
.... في مراقي الفلاح
جارٍ تحميل الكتاب…
منهج الإمام الشرنبلالي .....
.... في مراقي الفلاح
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
منهج الإمام الشرنبلالي
في مراقي الفلاح
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الأصول في جامعة ساقريا.
ملخص البحث:
يعتبر كتاب «المراقي» من أشهر وأوسع كتب الحنفية في الطَّهارة والصَّلاة، وهو أشهرُ كتابٍ للإمام الشرنبلالي:، وأكثر مصنفاته انتشاراً؛ لما امتاز به من خصائص عديدة، فحاولت أن أبين منهجه الذي سار عليه في تأليفِه للـ «مراقي» و «نور الإيضاح»، والمميزات التي احتوت عليها طريقتُه، ليساعد الدَّارس على فهمِ كلامِه وتصوُّر عباراتِه، فإنَّ الإمام الشرنبلالي: من العلماء المحقِّقين في المذهب الحنفي، وإن لم يبلغ الغاية في التحقيق، فنحتاج إلى المراجعة بعده فيما استدركه العلماء عليه كما وضحته في البحث، ونبهتُ على بعضِ المسائلِ في الكتابِ التي خرج فيها عن المشهور والمعتاد، بحيث يعرفها القارئ، ولا يقع فيها.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ كتاب «المراقي» يعد من أشهر كتب الحنفية في العبادات في الطَّهارة والصَّلاة؛ لكثرة مسائله، فمسائله كثيرة، وفروعه دقيقة، وتصحيحاته وترجيحاته عديدة، وإيجاز عباراته؛ إذ اختصره الإمام الشُّرُنْبُلاليّ: من كتابه «إمداد الفتاح»، وهو شرحه الكبير على متنه «نور الإيضاح»، وهذا من أسباب شهرته، فهو يحتوى على علم غزير في عبارات وجيزة.
وأهمية البحث: تظهر من عناية بأبرز كتاب مشهور في التدريس في عامة بلاد المسلمين العربية والتركية والهندية، فلا تجد مدرسة أو معهد أو مركز أو جامعة تهتم بتدريس الفقه الحنفي، إلا ويكون كتاب نور الإيضاح أو مراقي الفلاح مقرّراً ضمن منهجها، كما سيأتي في التمهيد.
ومشكلة البحث تظهر في الإجابة عن الأسئلة الآتية:
هل كان للإمام الشرنبلالي: منهج واضح في كتابه بحيث يسهل علينا فهم كلامه وتصور عباراته؟
وهل بلغ الإمام الشرنبلالي: الغاية في التحقيق في كتابه، أم كان له مؤخذات ويحتاج إلى المراجعة بعده فيما استدركه العلماء عليه؟
واتبعت في بحثي المنهج الاستقرائي والتحليلي والنقدي، فبعد أن استقرأت كتابه وجمعت منهجه حللَّته ووبيَّنت ما له وما عليه بالنقد العلمي الهادف.
ولم أقف على دارسة سابقة متعلّقة ببيان منهج الشرنبلالي مع كثرة تتبعي للأمر.
ولتحقيق هذا قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: المنهج العام للشرنبلالي في «المراقي».
المبحث الثاني: المؤخذات على منهج الشرنبلالي في «المراقي».
* * *
تمهيد:
تنبع أهمية كتاب «المراقي» من شهرتِهِ في الآفاق التي تغني في الكلام عنه، فكلُّ مَن له علاقةٌ بفقه الحنفيةِ يعرفُه أو سمع به، فهو أشهرُ كتابٍ للإمام الشرنبلالي، وأكثر مصنفاته انتشاراً؛ لما امتاز به من الخصائص العديدة.
وكثرت النقل والإحالة إليه، فاعتمد عليه الحصكفي في «الدر المختار» كثيراً، وذكره ابن عابدين في «منحة الخالق» عشرات المرّات، وفي «رد المحتار» مئات المرات، واللكنوي في كتبه ما لا يحصى، وغيرهم بما يطول ذكرهم.
واعتنوا به عنايةً فائقةً في الشَّرح والتَّحشيةِ له، وأقبل العلماءُ على تدريسِهِ من عصرِ مؤلفِهِ، وشاع صيتُه، وانتشر خبرُه بين الطلبة والكملة، فكان من ضمن المنهج المدرس المنتشر في البلاد على اختلافها، ففي ترجمة ابن بيرام المولود سنة (1130هـ)، «قرأ على الشيخ حسين البارودي «نور الإيضاح» و «مختصر القدوري» و «العيني على الكنز»
و «ابن فرشته على المجمع» و «صدر الشريعة» ... على منهج الدراسة الشائع حينئذٍ» (¬1).
وفي ترجمة العريشي (ت1193هـ): «بدأ بـ «نور الإيضاح» ثُمَّ بـ «الكنز» وشرّحه لملا مسكين و «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»» (¬2).
وكان من ضمن منهاج الأزهر، حيث إنَّ ««مراقي الفلاح» هو الكتاب الذي يَدرسه أولاً قبل غيره المبتدئون من طلبة الجامع الأزهر الطالبون للفقه الحنفي، ووضع عليه الطحطاوي حاشية طبعت في بولاق عام 1279هـ» (¬3).
وهو الآن الكتاب المدرّس في الشام ومصر والعراق وتركيا وأواسط أسيا والهند وباكستان وغيرها من البلاد التي ينتشر فيها المذهب الحنفي، ويقرأون الفقه بالطريقة القديمة.
وهو يستحقّ ذلك؛ لما فيه من الفائدة والجهد العظيم المبذول، إلا أنَّ تأخير قراءته أفضل، فلا يبدأ به المبتدئ كما هو المعتاد؛ لأنَّ ذهن الطالب ما زال كليلاً، والوهم يغلب عليه، فالإكثارُ عليه من الفروع ابتداءً مضبرٌّ.
¬
(¬1) مسامرات الظريف بحسن التعريف 1: 162
(¬2) تاريخ عجائب الآثار1: 539.
(¬3) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع1: 147.
ولهذا الشهرة للكتاب متناً وشرحاً أسباب أبرزها: المتانة العلمية للكتاب، والإخلاص الظاهر من مؤلفه حسن بن عمار الشرنبلالي المتوفى سنة (1069هـ)، بلغت مؤلفاته: (74) مؤلفاً، (7) كتب، و (67) رسالة، أبرزها متنه: «نور الإيضاح ونجاة الأرواح»، وشرحه بـ «إمدادُ الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح»، واختصره هذا الشرح الكبير بشرح المختصر: «مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح».
وله أشهر حاشية على درر الحكام لملا خسرو (ت880هـ)، وهي: «غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام».
وله: «مراقي السعادات» في التوحيد والعبادات، و «تيسير المقاصد شرح نظم الفوائد»: أي شرح منظومة ابن وهبان.
ومن رسائله: «الابتسامُ بأحكام الإفحام ونشق نسيم الشام»، و «إتحاف الأريب بجواز استنابة الخطيب»، و «إتحاف ذوي الإتقان بحكم الرِّهان»، و «الأثرُ المحمود لقهر ذوي الجحود»، و «أحسن الأقوال للتخلّص من محظور الفعال».
* * *
المبحث الأول
المنهج العام للشرنبلالي في «المراقي»
نُحاول في منهجه الوقوف على الخطوطِ العريضةِ التي سار عليها في تأليفِه للمتن والشَّرح، والمميزات التي احتوت عليها طريقتُه، فيساعد الدَّارس على فهمِ كلامِه وتصوُّر عباراتِه، ويُنبِّه القارئ الكريم على بعضِ المسائلِ في الكتابِ التي خرج فيها عن المشهور والمعتاد، فيكون على بصيرة بحاله وعنده معرفة بمقاله.
ولخصت منهجه في نقاطٍ على النحو الآتي:
أولاً: الاختصار:
أمّا في المتن فهو ظاهر؛ إذ هو مبني على الاختصار ليسهل على الطالب حفظه وضبطه، فطريقة المتون في ضبط العلوم هي خلاصة تجربة أمتنا في العلوم المختلفة للدراسة والتمكن من العلم، ونتمنى أن تفعل في كل المؤسسات التعليمية المعاصرة من مدارس وجامعات ومراكز وجمعيات، فهي الطريقة القادرة على إخراج علماء فحول يعيدون
للأمة ماضيها، والإمام الشلانبلالي يهدف من هذا التَّأليف للطالب تيسير الحفظ والتمكن والضبط بأوجز عبارات وأكثر فوائد.
وأما الشرح وهو «المراقي» فهو مختصرٌ من شرحِه الكبير المُسمّى «إمداد الفتاح»، وهذا من أسباب شهرته، فهو يحتوى على علم غزير في عبارات وجيزة، كما حصل مع «الهداية» حيث اختصرها المرغيناني من كتابه: «كفاية المنتهى»، وكما اختصر الحصكفيّ «الدر المختار» من كتابه «خزائن الأسرار»، فكان اختصارها سبباً في قوّتها العلميّة، ورغبة العلماء فيها للإيجاز مع كثرة العلم، مما جعل هذه الكتب أشبه بالمتون، حيث اهتم العلماء بشرحها والتحشية عليها، قال الإمام الشرنبلاليّ: في مقدّمته (¬1): «كتابٌ صغيرٌ حجمُه».
ولكن أحياناً يكون هذا الاختصار مخلّ، كما في قوله (¬2): «ونافجة المسك طاهرة مطلقاً، ولو كانت تفسد بإصابة الماء ـ كما تقدَّم في الدِّباغة الحكمية ـ، كالمِسك للاتفاق على طهارته».
والصواب: أن تحمل العبارة على أنَّها بيان، بحيث يكون معناه: ولو قلنا برواية التفصيل، فإنَّها تفسد بإسالة الماء، ويؤيد هذا قول الشرنبلاليّ
¬
(¬1) ص13.
(¬2) ص70.
في «الإمداد» (¬1): «وقيل: إن كانت بحال لو أصابها الماء لم تفسد، وقد علمت حكم الدباغة الحكمية وعدم العود إلى النجاسة بإصابة الماء على الصحيح، وإن صحِّح خلافه لم يتبع، فهي طاهرة».
ثانياً: الإكثار من الفروع الفقهية:
فهو كتابُ تفريعٍ أكثر منه كتاب استدلال، ولذلك يُعَدُّ في الطَّهارة والصَّلاة من أوسع كتب الحنفية، وكان هذا سبباً في عناية الكملة به، وإقبالهم عليه، وهذا معنى كلام الإمام الشرنبلالي: (¬2): «غزيرٌ علمه»: أي كثيرة فروعه.
ثالثاً: الاستدلال لأمّهات المسائل في الباب بالدليل من الكتاب والسنة والآثار والقياس والإجماع:
ويكثر الاستدلال بالحديث خاصة، وهذا ظاهر جداً لمن ينظر في كتابه، وصرّح في مقدّمته بذلك فقال (¬3): «دليلُه من الكتاب العزيز، والسنة الشريفة، والإجماع».
¬
(¬1) الإمداد ص163.
(¬2) ص13.
(¬3) ص13.
رابعاً: التَّرجيح بالحديث:
وهذا واضحٌ في منهج الإمام الشُّرُنْبلاليّ: (¬1)، حيث قال: «واتَبَعْتُ هذه الرواية؛ لموافقتها نصّ الحديث، وإن صُحِّحَ عدم كراهة أذان المحدث».
وهو مسلك تتبعه المدرسة التي ينتمي إليها وهي مدرسة محدّثي الفقهاء، وهذا اتجاه موجود عند الحنفية وإن لم يكن معتبراً، لكن يمثل توجّهاً داخل المذهب، ومنهجاً اتبعه كبار من علمائه، ولأصحابه فضل كبير في تأييد المذهب بالأدلة على طريقة المحدثين وتقويته بهذا، والفقهاء كفوه حاجته من حيث الاستدلال له بطريقة الفقهاء، فاجتمع الخيران في المذهب الحنفي: أدلّة بطريقة الفقهاء، وأدلّة بطريقة المحدّثين، فعلينا الاستفادة من هذه الميزة العظيمة والمنّة الكبيرة في هذا المذهب، ونعرض عن الاجتهادات بطريق المحدثين؛ لأنَّها أضعف من القائمة على الفقه.
خامساً: حسن التَّرتيب:
حيث رتّبه على كتب وأبواب وفصول أبدع فيها غاية الإبداع، فكان ميزة تذكر له، وسبب في قبول كتابه واشتهاره لدقة تنظيم أبوابه،
¬
(¬1) ص79.
وحسن الترتيب فيه دلالة على قدرات عقليّة خاصّة، وذكاء متوقّد رزقه الله لإمامنا الشرنبلالي:.
سادساً: جمع المسائل المتجانسة في مكان واحد:
وهذه أبرز ميزة للكتاب وكانت سبباً في انتشاره وشيوعه، حيث كان مهتماً جداً وحريصاً تمام الحرص على أن يجمعَ المسائل المتعلّقة ببعضِها البعضِ في مكان واحد؛ ليسهل على الطالب ضبطها، ومن أمثلة ذلك:
1.إنَّه جمع إحدى وخمسين سنّةً للصَّلاة مع بعضِها البعض.
2.إنَّه قال بعد ذكر شروط الصلاة: «وقد علمت ذلك بفضل الله ومنّه، وله الشكرُ على التوفيق لجمعها بعد التفريق» (¬1).
سابعاً: التصحيح للمسائل:
وهذا ظاهر في كتابه، فيكثر التصريح بصحة العديد من المسائل التي يذكرها، وهذا معنى عبارته (¬2): «صحيحٌ حكمُه».
وهذه ميزة للكتاب أنَّه يذكر فيه من المسائل ويُصرّح بتصحيحها حتى يتمكَّن المكلَّف من العمل بها، فلا يتركها بدون بيان حالها.
¬
(¬1) ص89.
(¬2) ص13.
ثامناً: بيان المعنى اللغوي والاصطلاحي أحياناً:
من منهج الإمام الشرنبلالي: أنَّه يعرِّف بالمعنى اللغوي والاصطلاحي إن رأى حاجة لذلك لتوضيح الأمر، حتى يعلم تعلّق وارتباط المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي.
ومثاله: قوله (¬1): «الكتاب والكتابة لغة: الجمع. واصطلاحاً: طائفةٌ من المسائل الفقهية اعتبرت مستقلّة شملت أنواعاً أو لم تشمل».
تاسعاً: ضبط الكلمات المشكلة بالحروف:
هذا منهج يتبعه عامّة علمائنا السابقين في ضبط الكلمات، وإزالة الإشكال؛ بسبب اعتمادهم على النسخ بالأيدي فتشتبه بعض الحروف ببعض، وفي هذا الزمان انتشار الطباعة استغني به عن الضبط بالحروف عادة.
ومثاله: قوله (¬2): «والبرقع بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وضم القاف وفتحها: خرقة تثقب للعينين تلبسها الدواب ونساء الأعراب على وجوههن».
¬
(¬1) ص79.
(¬2) ص85.
الحادية عشر: صعوبة العبارة:
وهذا واضحٌ في عامّة الكتب القديمة أنَّ تراكيب عباراتها صعبةٌ بسبب سعيهم الحثيث إلى جمع معاني كثيرة في عبارات قليلة مختصرة، فاحتاجت في دراستها وضبطها إلى أُستاذ ماهر، وإلا فلا يفلح الطالب في معرفة المراد وتفكيك العبارة، وفهم المغلق منها.
ومثاله قوله (¬1): «وكذا ما ذاب من الثلج، ... واحترز به عن الذي يذوب من الملح؛ لأنَّه لا يُطَهِّر، يذوب في الشتاء ويجمد في الصيف عكس الماء، وقبل انعقاده ملحاً طهور»، ومعناه: لو توضأ بماء الملح لا يجوز؛ لأنه على خلاف طبع الماء; لأنه يجمد صيفاً ويذوب شتاء، أما لو توضّأ منه قبل أن يتحول ملحاً، فهذا جائز.
وهذا محلُّ نظر؛ لأنّه قبل أن يُصبح ماءً كان ملحاً، ثمّ ماء ثمّ ملحاً، وهكذا، وبالتّالي لا يصحّ ما قرَّره الشُّرُنْبُلاليّ هنا، وهذا ما بيّنه الزَّيلعيّ (¬2) وابنُ نُجيم (¬3): لا يصحّ بماء الملح مطلقاً.
¬
(¬1) ص14.
(¬2) في التبيين1: 19.
(¬3) في البحر الرائق1: 71.
الثانية عشر: عدم توثيق ما ينقله عادة:
وهذا معتادٌ في الكتبِ الفقهيّة، فيصعبُ توثيقُ كلّ المسائل؛ لأنَّها مشتركة بين عامّة الكتب، ويُمكن الوقوف عليها والتأكّد منها بسهولةٍ، ويوثقون منها ما يكون غير شائع، فيّبينون مصدره.
والكلام في هذا المبحث طويل جداً، لكن ليس كما يظنّ بعض المعاصرين أنَّ هذه سرقةٌ علمية، وإنَّما هي مناهج في التأليف وطُرق يعرفها أهلُها المتخصصون، ولا ينبغي أن نحاكم غيرنا بثقافتنا ومعارفنا؛ لأنَّ لهم ثقافة ومعارف أخرى بنوا عليها تصرفاتهم، ومنها:
1.أنهم يعتبرون أن مسائل العلم المشهورة المعروفة المتداولة في عامة الكتب لا تحتاج إلى توثيق؛ لأن الطلبة والعلماء يحفظونها ويعرفونها، فيميزون أنّ ظاهر الرِّواية في المذهب، والكلُّ ينقلها ويذكرها.
2.أنهم المؤلّف عادة يكون لديه مرجع أصيل بنى كتابه عليه، فمثلاً: كتاب «رمز الحقائق» استخلصه من «تبيين الحقائق»، فلا يحتاج أن يشير لمسائل «التّبيين»، وكذلك البحر الرائق مبنيّ على «التبيين» فلا يُشير لذلك؛ لأنّ هذا معروفٌ عند المتخصصين، وهكذا.
والشُّرنبلاليّ ينطبق عليه النوع الأول في «المراقي» و «النور»؛ لأن لا أعلم كتاباً في تأليفه التزم عامة مسائل، وإنما هو الذي جمع ورتب وهذب.
الثالثة عشر: المقصود بقوله: مشايخنا: أي مشايخ المذهب:
وهذا شائعٌ في إطلاق كتب المذهب، ووردت في مواضع من «المراقي» في موضعين منها العبارة برمتها مأخوذة من «البدائع»، وواحدة من «المبسوط»، وواحدة من «المحيط» على النحو الآتي:
1.ومَن قال من مشايخنا: إنَّ سؤرَ الفحل نجسٌ؛ لأنَّه يشمّ البولَ فتنجس شفتاه، فهو غيرُ سديد؛ لأنَّه أمر موهوم لا يغلب وجوده، ولا يؤثر في إزالة الثابت (¬1).
2.وقال بعضُ مشايخنا: إنَّما يُكره للمحدث مسُّ الموضع المكتوب دون الحواشي؛ لأنَّه لم يمسّ القرآن حقيقة، والصحيح أن مسَّها كمس المكتوب (¬2).
3.وزعم بعضُ مشايخنا: أنَّ المفروضَ في القعدة ما يأتي فيه بكلمة الشهادتين، فكان فرضاً عملياً (¬3).
¬
(¬1) هذه المسألة نصّ عبارة صاحب البدائع 1: 65 - 66. ينظر: المراقي ص19.
(¬2) لأنَّ الحواشي تابعة للمكتوب فكان مسها مساً للمكتوب، كما في البدائع 1: 24، والعبارة بكاملها منقولة منه. وينظر: المراقي ص37.
(¬3) ينظر: المراقي ص88.
وعبارة السَّرخسيُّ (¬1): «وزعم بعض مشايخنا: أنَّ القدر المفروض من القعدة ما يأتي فيه بكلمة الشهادتين، والأصحُّ أنَّ المفروضَ قدرَ ما يَتَمَكّن فيه من قراءة التشهّد إلى قوله: عبده ورسوله، فالتشهد إذا أطلق يفهم منه هذا»
4.قال بعضُ مشايخنا: إنَّما يُكْرَهُ الآجرُ إذا أريدُ به الزينة، أمّا إذا أريد به دفع أذى السباع أو شيء آخر لا يُكره (¬2).
فمَن لا ينتبه لذلك يعتقد أنَّ المقصود مشايخ الإمام الشرنبلالي:
الرابعة عشر: ذكر خلاف الصاحبين أحياناً:
لم يتتبع الإمام الشرنبلالي: خلاف الصاحبين في كتابه، وإنَّما يذكره لاعتماده عنده، حيث اعتبره في مرّات عديدة في المتن كما في مسألة متى تكون المرأة نفساء، أو لأنَّ له وجهاً عنده، أو يشير للاختلاف في المسألة لسبب ما.
ومثاله قوله (¬3): «وقال أبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: يحكم بنجاستها من وقت العلم بها».
¬
(¬1) في المبسوط 1: 127.
(¬2) المحيط البرهاني2: 192. وينظر: المراقي ص226.
(¬3) ص23.
الخامسة عشر: حضّه على العمل مع العلم والتَّربية للنَّفس:
فإخلاصُ الإمام الشُّرُنْبُلاليّ: وصدقه وتصوّفه ظاهرٌ في عبارات الكتاب، فهو لا يتعامل مع الفقه على أنَّه مسائل مجرّدة يستغنى بها، وإنَّما نحتاج معها إلى التربية والإخلاص.
ومن أقواله (¬1): «لا تنفع الطهارةُ الظاهرةُ إلا مع الطهارة الباطنة بالإخلاص لله».
* * *
¬
(¬1) ص49.
المبحث الثاني
المؤخذات على منهج
الشرنبلالي في «المراقي»
أسلك في عرضه طريقة المبحث السابق في نقاط:
أولاً: مراعاةُ خلاف الشافعيّة أحياناً وإن كان متسبباً في ارتكاب مكروه:
وكان يسير على القاعدة المشهورة: «الخروج من الخلاف مستحبٌّ»، لكنَّ هذه القاعدة مقيدة بقيود غفل عنها الإمام الشرنبلالي:، وهي:
1. أن يكون مأخذ المخالف قوياً، فإن كان واهياً لم يراعَ.
2. أن لا تؤدي مراعاته إلى خرق الإجماع.
3. أن يكون الجمع بين المذاهب ممكناً، فإن لم يكن كذلك، فلا يترك الرّاجح عند معتقده لمراعاة المرجوح (¬1).
ومن أمثلة ذلك:
1.نصُّه على جواز قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بقصد القرآنية، معللاً لذلك بقوله: «وقد قال أئمتنا: بأنَّ مراعاةَ الخلاف مستحبّة، وهي فرضٌ عند الشافعيِّ - رضي الله عنه - فلا يُمانع من قصد القرآنية بها خروجاً من الخلاف وحقِّ الميت» (¬2).
فردّ عليه الطحطاوي (¬3) بقوله: «فيه نظر، إذ ما ذكره من استحباب مراعاة الخلاف ليس على إطلاقه، بل مقيَّدٌ بما إذ لم يلزم عليه ارتكاب مكروه في مذهبه، فكان الاعتماد على ما هو مُصَرَّحٌ به في كتب المذهب كـ «المحيط» و «التجنيس» و «الولوالجية» وغيرها من أنَّ قراءتَها بنيَّة القراءة لا تجوز معللاً بأنَّها محلّ الدعاء دون القراءة».
2.اعتباره سنيّة مسح الأذنين بماء جديد، حيث قال (¬4): «فإن أخذَ لهما ماءً جديداً مع بقاء البَلّة كان حسناً».
¬
(¬1) المنثور في القواعد2: 129 - 132.
(¬2) ص218.
(¬3) في حاشيته 2: 225.
(¬4) ص33.
وردَّه ابنُ عابدين، فقال (¬1): «مقتضاه أنَّ مسح الأذنين بماء جديد أولى مراعاة للخلاف؛ ليكون آتياً بالسنة اتفاقاً، وهو مفاد تعبير الحصكفيّ بلو الوصليّة تبعاً للشُّرنبلالي وصاحب «البرهان»، وهذا مبني على تلك الرواية، لكنَّ تقييد سائر المتون بقولهم بمائه يفيد خلاف ذلك ... فقد ظهر لك أنَّ ما مشى عليه الحصكفيّ مخالف للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب، قال التمرتاشيّ في «شرح زاد الفقير» بعد ذكره عبارة الخلاصة السابقة ما نصه: قلت: قوله: ولو فعل فحسن، مشكل؛ لأنَّه يكون خلاف السنة، وخلاف السنة كيف يكون حسناً».
الثانية: ذكره لأقوال ضعيفة:
وهذا الأمر لا يخلو منه كتاب، ولكنَّها متفاوتة في ذلك، فإن كثرت الأقوال الضعيفة فيه أصبح الكتاب غير معتبر مثل: «الجوهرة» و «المجتبى» و «جامع الرموز»، وكتاب «المراقي» من الكتب المعتبرة، لكنَّه يحتاج إلى نوع تدقيق.
وسبب هذا الذكر بالدرجة الأولى هو تأثره بمدرسة محدّثي الفقهاء، فصححَّ ورجَّح على طريقتهم، وهي غير معتبرة عند الفقهاء ـ كما سيأتي في مبحث المسامحات ـ.
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 122.
الثّالثة: نفيه للأقوال المعتمدة أحياناً:
مرَّ معنى أنَّه ذكر بعض الأقوال الضعيفة وأنَّ هذا لا يخلو منه كتاب، ولكن ما يلام عليه الإمام الشرنبلاليّ:، هو نفيه للأقوال المعتمدة المشهورة في بعض المسائل، مما يكون له أثر ظاهر على الدارس، ومن أمثلته:
1.قوله (¬1): «ومَن قال: إنَّه لا يشير أصلاً فهو خلافُ الرواية والدراية».
2.قوله (¬2): «ولأنَّ روايةَ جواز الصلاة مع نجاسة موضع الكفّين والرُّكبتين شاذّة».
الرابعة: عدم تحقيقه لبعض المسائل:
فالإمام الشرنبلالي: من العلماء المحققين، لكن فاتته بعض مسائل لم يحققها مما يدلّ على أنَّه لم يبلغ الغاية في التحقيق، فيحتاج إلى المراجعة بعده فيما استدركه العلماء عليه.
ما من كتاب عري عن النقص خلا كتاب الله - عز وجل -، وما من إنسان وصل الكمال غير أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، ولا يعدُّ الكلام في
¬
(¬1) ص101.
(¬2) ص82.
هذا انتقاصاً للكتاب ومؤلفه، وإنَّما إكمالاً وإتماماً لعمله وخدمة لعلمه، وتمتاز الكتب عن بعضها بقلّة الخطأ وكثرة الصواب لا بخلوها عن الخطأ، ومن أمثلته:
1.اشتراطه تقدُّم الإمام بعقبه عن عقب المأموم وهو خلاف المذهب، حيث قال عندما عدَّ شروط صحة الاقتداء في الصلاة: «وتقدُّم الإمام بعقبه عن عقب المأموم حتى لو تَقَدَّمَ أصابُعه لطول قدمه لا يضرّ».
وردّه الطحطاويّ فقال (¬1): «واعلم أنَّ ما أفاده الشرنبلالي: من اشتراط التقدم خلاف المذهب؛ لأنَّه لو حاذاه صح الاقتداء، وفي ظاهر الرواية: لا يتأخر المقتدي عن الإمام، وقال محمد - رضي الله عنه -: ينبغي أن يكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع عند العوام، وإن كان المقتدي أطول، فكان سجوده قُدام الإمام لم يضره؛ لأنَّ العبرةَ بموضع الوقوف لا بموضع السجود، كما لو وقف في الصف ووقع في سجوده أمام الإمام لطوله، كما في «المبسوط» (¬2)».
2. نفي ثبوت حديث في زيادة: «بركاته» في التَّسليمتين مع وروده: قال عندما تكلَّم عن صيغة السَّلام في آخر الصَّلاة: «ولا يزيد: وبركاته؛
¬
(¬1) في حاشيته على المراقي1: 394.
(¬2) ينظر: المبسوط1: 43.
لأنَّه بدعة، وليس فيه شيءٌ ثابتٌ».
ولكن هذا مردودٌ بما رُوي عن علقمة بن وائل عن أبيه - رضي الله عنه - قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله» (¬1)، وفي «الحلبي» عن «مختلف الفتاوى»: أنَّه يزيد وبركاته في التسليمتين» (¬2).
3.نسبة قول للحلواني لم يقل به: قال عندما عدَّ سنن الغسل (¬3): «ويبتدئ في حال صبِّ الماء برأسه كما فعله النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ويغسل بعدها: أي الرأس منكبه الأيمن، ثمّ الأيسر؛ لاستحباب التيامن، وهو قول شمس الأئمة الحَلوانيّ - رضي الله عنه -».
والصواب أن الحلوانيّ قال: يفيضُ الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً ثُمَّ على رأسه، وعلى سائر جسده ثلاثاً، اختاره التمرتاشي (¬4)، وصححه ملا خسرو (¬5).
4. نقل رجوع الإمام والرواية عن الصحابة وأهل اللغة في مسألة الشفق: فقال عندما تكلم عن أوقات الصلوات المفروضة (¬6): «وأَوّلُ
¬
(¬1) في سنن أبي داود1: 327، وسكت عنه هو ثم المنذري.
(¬2) ينظر: حاشية الطحطاوي1: 373.
(¬3) ص46.
(¬4) في التنوير1: 107.
(¬5) في الغرر1: 18.
(¬6) ص72.
وقتِ المغرب منه: أي غروب الشمس إلى قبيل غروب الشفق الأحمر على المفتى به، وهو رواية عن الإمام، وعليها الفتوى، وبها قالا؛ لقول ابن عمر - رضي الله عنهم -: «الشفق الحمرة»، وهو مرويٌّ عن أكابر الصحابة - رضي الله عنهم -، وعليه إطباق أَهل اللسان، ونُقِل رجوع الإمام إليه».
وقد حقَّق ابنُ قطلوبغا هذه المسألة وبيَّن بأن الرجوع عن الإمام لا يصحّ وما نقل عن الصحابة - رضي الله عنهم - وأهل اللغة غير صحيح، ومن كلامه (¬1): «ما ذكر من الرجوع فشاذ لم يثبت؛ لما نقله الكافة عن الكافة من لدن الأئمة الثلاثة وإلى الآن من حكاية القولين، ودعوى حمل عامّة الصحابة - رضي الله عنهم - خلاف المنقول».
5.عدُّه ما ليس من ظاهر الرِّواية بظاهرٍ للرِّواية، قال عند كلامه عن عدم تنجس ماء البئر بالبعر والرَّوث والخثي إذا سقط في البئر: «ولا فرق بين الرَّطب واليابس والصَّحيح والمنكسر في ظاهر الرواية».
والأولى أن يقول في الصَّحيح، فإنَّ ظاهر الرِّواية كما ذكره السَّرَخسيُّ - رضي الله عنه - أنَّ الرَّوثَ والمتفتتُ من البعر مفسدٌ مطلقاً (¬2)، وأَضاف ابن الهمام (¬3): «إلا أنَّ عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنَّ القليلَ عفو، وهو الأوجه».
¬
(¬1) في التصحيح ص154 - 156.
(¬2) ينظر: حاشية الطحطاوي 1: 69.
(¬3) في فتح القدير 1: 176.
6.متابعته للصحاح في اللغة في جعل التعريف الاصطلاحي تعريفاً لغوياً، قال (¬1): «النيّة وهي لغةً: عزمُ القلب على الفِعل».
وهذا تسامح منه في جَعْلِ التعريف الاصطلاحي تعريفاً لغوياً، قال الطحطاوي (¬2): «كذا قاله الجوهريّ، وهو خلط اصطلاح بآخر كما هو دأبه؛ لأنَّه معناها الشرعي، وأما معناها لغةً، فليس في كلام أهل اللغة إلا أنَّها من نوى الشيء: قصده وتوجه إليه».
الخامسة: عدم تدقيقه أحياناً:
وظهر هذا التَّسامح منه في مواضع من الكتاب منها:
1.ذكر تناقض في حكمين بينهما أسطر، قال عندما تكلَّم عن إجابة المؤذِّن (¬3): «فإذا كان يتكلّم في الفقهِ والأصولِ يجب عليه الإجابة، وإذا سمعه وهو يمشي فالأولى أن يقفَ ويجيب، وإذا تعدَّدَ الأذانُ يجيب الأول.
ولا يجيب في الصلاة ولو جنازة، وخطبة وسماعها، وتعلّم العلم وتعليمه، والأكل، والجماع، وقضاء الحاجة».
والصواب ... أن ... قوله: «ولا يجيب في الصلاة ... وتعلّم العلم
¬
(¬1) ص33.
(¬2) في حاشيته على المراقي1: 113.
(¬3) ص80.
وتعليمه» ينافي ما قدمه قريباً من قوله: «فإذا كان يتكلّم في الفقه أو الأصول يجب عليه الإجابة»، والظاهر أنَّ نفي الإجابة في هذه الصورة متأت على القولين فيها (¬1)، ولعلَّ الأفضل أن يُحمل الأول على المذاكرة والقراءة، والثاني على التعليم حقيقة، والله أعلم.
2.خلط مسألة بمسألة: قال عندما تكلَّم عن السَّلام في الصَّلاة (¬2): «ولو سَلَّم تلقاءَ وجهِهِ يُسَلِّمُ عن يسارِه، ولو نَسِي يَسارَه وقام يعود، ما لم يخرج من المسجد أو يتكلَّم، فيجلس ويُسلِّم».
والصحيح ما قال الحصكفي (¬3): «والأصح ما لم يستدبر القبلة، وتنقطع به التحريمة بتسليمة واحدة، «برهان»».
قال ابنُ عابدين (¬4): «مقابله ما في «البحر» من أنَّه يأتي به ما لم يخرج من المسجد: أي وإن استدبر القبلة، وعدل عنه الحصكفي لما في «القُنية» من أنَّ الصحيح الأوّل، وعبّر الحصكفي بالأصحّ بدل الصحيح، والخطب فيه سهل».
3.خلطه في حكم مسائل فقهية: قال عندما تكلم عن أقسام
¬
(¬1) ينظر: حاشية الطحطاوي1: 284.
(¬2) ص102.
(¬3) في الدر المختار1: 524.
(¬4) في رد المحتار1: 524.
الوضوء (¬1): «وضوءٌ واجب، وهو الوضوءُ للطّواف بالكعبة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطوافُ حول الكعبة مثل الصّلاة، إلا أنَّكم تتكلّمون فيه، فمَن تكلَّم فيه، فلا يتكلّمن إلا بخير» (¬2)، ولَمَّا لم يكن صلاة حقيقة لم تتوقّف صحّتُهُ على الطَّهارة، فيجب بتركِهِ دم في الواجب، وبدنةً في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء، كما ذُكِر في محلّه».
والصواب أنّ هذه من مسائل الحج، فعندما أوردها في الوضوء اختلطت عليه، فجعل بترك الوضوء في طواف الواجب (الوداع) دم (شاة)، والصحيح أنَّه يجب به صدقة فقط، وإنَّما تجب الشاة إن طاف جنباً.
وجعل في ترك الوضوء في الفرض (طواف الزيارة) بدنة، والصحيح أنَّه يجب بتركه شاة، وإنَّما تجب البدنة إن طاف جنباً، قال الرازي (¬3): «من طاف للقدوم أو للصدر محدثاً فعليه صدقة، وإن طاف جنباً فعليه شاة، ومن طاف للزيارة محدثاً فعليه شاة، وإن طاف جنباً فعليه بدنة».
¬
(¬1) ص37.
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنَّكم تتكلمون فيه، فمَن تكلَّم فيه فلا يتكلَّمن إلا بخير» في سنن الترمذي 3: 293، ومسند أبي يعلى 4: 467.
(¬3) في تحفة الملوك ص211.
4.جعل راوي الحديث ابن عقبة وهو ابن ربيعة، قال (¬1): «ولا إعادة عليه: أي المتحرّي لو علم بعد فراغه أنَّه أخطأ الجهة؛ لقول عامر بن عقبة - رضي الله عنه -: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة مظلمة، فلم ندرِ أين القبلة .. ».
والصَّواب: ما في السُّنن هو عامر بن ربيعة - رضي الله عنه - قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة ... » (¬2).
5. جعل الحديث الموقوف مرفوعاً: قال (¬3): «وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُصلِّي بعد صلاة مثلها»».
والصواب: عن إبراهيم النخعيّ:، قال عمر - رضي الله عنه -: «لا يُصلِّي بعد صلاة مثلها» (¬4)، وعن سليمان بن يسار - رضي الله عنه - قال: «أتيت ابن عمر - رضي الله عنهم - على البلاط، وهم يصلون، قلت: ألا تصلي معهم، قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تصلوا صلاةً في يوم مرّتين» (¬5).
¬
(¬1) ص92.
(¬2) في سنن الترمذي 2: 176، وسنن ابن ماجة 1: 326.
(¬3) ص126.
(¬4) في مشكل الآثار9: 113، ومصنف ابن أبي شيبة2: 22.
(¬5) في سنن أبي داود1: 214، وصحيح ابن حبان6: 155، وصحيح ابن خزيمة3: 69.
السادسة: نقله عن كتب غير معتمدة وموافقته:
نَقَل مسائل من «الجوهرة» و «السِّراج الوهاج» وغيرها، وهذه ليست من الكتب المعتبرة في المذهب، والنَّقلُ عنها إن لم يوافق غيرها من الكتبِ المعتمدةِ أو يتوافق مع القواعد فلا يقبل إجمالاً، وهذا ما حصل في بعض ما أخذه الإمام الشرنبلالي: عن هذه الكتب حيث لم يكن معتمداً، ومن أمثلته:
1.قوله (¬1): «ويجب قراءةُ قنوت الوتر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وكذا تكبيرةُ القنوت، كما في «الجوهرة»». والمشهور أنَّه سنة؛ لعدم ذكره في المعتبرات من الواجبات.
قال صاحب «الجوهرة» (¬2): «يجب سجود السَّهو بترك تكبيرة القنوت، وذكر في الظهيرية: أنه لو ترك تكبيرة القنوت، فإنه لا رواية لهذا، وقيل: يجب سجود السهو اعتباراً بتكبيرات العيد، وقيل: لا يجب»، قال ابن نُجيم (¬3): «وينبغي ترجيح عدم الوجوب».
2.قوله (¬4): «وأقلُّ ما ينبغي أن يتنفَّلَ بالليل ثمان ركعات، كذا في
¬
(¬1) ص95.
(¬2) 1: 77.
(¬3) في البحر2: 103.
(¬4) ص149.
«الجوهرة»»، والأصل أن تكون مطلقاً.
قال القُدُوريّ (¬1): «إن صلى ثمان ركعات بتسليمة جاز، وتكره الزيادة»: أي يجوز أن يصلّي ثمان ركعات بتسلمية واحدة بلا كراهة، وإن زاد عن ثمان ركعات بتسليمة واحدة يكره، وهذا ما عليه عبارة عامة الكتب بدون تقييد أن أقل صلاة الليل ثمان ركعات، والله أعلم.
السابعة: عَدُّه المعتمد في المذهب روايةً شاذّة أحياناً:
وهذا من أكبر المؤخذات على الشرنبلالي في منهجه وإن لم تكن هذه المسائل كثيرةً، ومن أمثلته:
1.قال عندما عَدَّ شروط صحّة الصلاة: «ومنها طهارة موضع اليدين والرُّكبتين على الصَّحيح؛ لافتراض السُّجود على سبعةِ أعظم، واختاره الفقيهُ أبو الليث - رضي الله عنه -، وأنكرَ ما قيل من عدمِ افتراضِ طهارةِ موضعِها؛ ولأنَّ روايةَ جواز الصلاة مع نجاسة موضع الكفّين والرُّكبتين شاذّة».
ولكن اشتراط طهارة موضع اليدين والرُّكبتين لصحة الصلاة مخالفٌ لما اعتمدته عامة الكتب من عدم الاشتراط، قال الكاساني (¬2): «إن كانت النجاسةُ في موضعِ اليدين والركبتين تجوز عند أصحابنا الثلاثة؛
¬
(¬1) مختصره 1: 92 مع اللباب.
(¬2) في البدائع1: 82.
لأنَّ وضع اليدين والركبتين ليس بركن، ولهذا لو أمكنه السجود بدون الوضع يجزئه، فيجعل كأنَّه لم يضع أصلاً، ولو ترك الوضع جازت صلاته، فهاهنا أولى، وهكذا نقول فيما إذا كانت النجاسة على موضع القيام: إنَّ ذلك ملحق بالعدم، غير أنَّ القيامَ ركنٌ من أركان الصلاة، فلا يثبت الجواز بدونه».
وقال السرخسي (¬1): «إن كانت النجاسة في موضع الكفين أو الركبتين جازت صلاته عندنا، وقال زفر - رضي الله عنه -: لا تجزئه»، ومثله في «كشف الأسرار» (¬2)، وغيرها من المعتبرات النعمانية.
2.قال عندما عدَّ سنن الصلاة: «وتُسَنُّ الإشارةُ في الصَّحيح؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «رفع أصبعه السبابة، وقد أحناها شيئاً» (¬3)، ومَن قال: إنَّه لا يشير
أصلاً فهو خلافُ الرواية والدراية».
ولكن عدم الإشارة هو القول الأكثر اعتماداً في المذهب، وعليه عامة الكتب والعلماء، فهو اختيار برهان الأئمة (¬4)، والطحاوي (¬5)،
¬
(¬1) في المبسوط 1: 204.
(¬2) كشف الأسرار 2: 489.
(¬3) فعن نمير الخزاعي - رضي الله عنه -، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعداً في الصلاة واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أصبعه السبابة قد أحناها شيئاً وهو يدعو» في المجتبى 3: 39، وسنن النسائي الكبرى 1: 377.
(¬4) في الوقاية ص149.
(¬5) في مختصره ص27.
والقُدُوري (¬1)، والمرغيناني (¬2)، والنسفي (¬3)، والحلبي (¬4)، والموصلي (¬5)، والبزازيّ (¬6)، وملا خسرو (¬7)، وقال التُّمرتاشيّ (¬8): «وعليه الفتوى».
الثامنة: اضطراب منهجه في التَّصحيح بالحديث:
فهو من أعلام مدرسة محدثي الفقهاء الذين يميلون إلى تصحيح بعض المسائل اعتماداً على ظاهر، وهذا المنهج فيه ما فيه، مما يوقع صاحبه في اضطراب.
ومثاله: قوله: «وسنُّ التسميةُ أوّل كلِّ ركعة قبل الفاتحة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم» (¬9)، والقول بوجوبها ضعيف وإن صحّ؛ لعدم ثبوت المواظبة عليها».
¬
(¬1) في مختصره ص10.
(¬2) في الهداية ص51.
(¬3) في الكنز ص11 - 12.
(¬4) في الملتقى ص14.
(¬5) في المختار1: 70.
(¬6) في الفتاوى البزازية 1: 26.
(¬7) في غرر الأحكام 1: 74.
(¬8) في التنوير 1: 341.
(¬9) في سنن الترمذي ر228، وسنده ضعيف، كما في إحكام القنطرة ص168، لكنَّها ثابتة في أحاديث أخرى صيححة منها: عن نعيم، قال: «صليت خلف أبي هريرة - رضي الله عنه - فقرأ بسم الله، ثم قرأ بأم القرآن، فلما سَلَّم، قال: والذي نفسي بيده إنّي لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» في شرح معاني الآثار1: 199، وصحيح ابن خزيمة1: 251، والمستدرك1: 357، وصحيح ابن حبان 5: 100.
وردَّ اللكنوي (¬1) على الشرنبلالي: هاهنا، فقال: «وفيه ما فيه، فإنَّ المواظبة عليها معلومة من ضمّ بعض الأحاديث الواردة فيها إلى بعض، فالأصحُّ ما مال إليه المحقِّقون من وجوبها: منهم: الزّيلعي، وابن وهبان، والمقدسي، والحلبي في «غنية المستملي» (¬2)، وصاحب «معراج الدراية»»، لكنَّ النَّسفي في «الكنز» (¬3)، وصاحب «الوقاية» (¬4)، وقاضي خان، وصاحب «الخلاصة»، و «جامع الرموز»، وكثير من أصحابنا اختاروا أنَّها سنّة مؤكدة» (¬5).
نعم المعتمد في المذهب أنَّها سنّةٌ مؤكَّدة، وليست بواجبة، والأحاديث تفيد السنية لا الوجوب كما ادَّعى اللكنوي، لكن على ميل الإمام الشرنبلالي: للحديث في الترجيح ينبغي أن يقول بما قاله اللكنوي، وادّعاؤه عدم المواظبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ردَّه اللكنويُّ بثبوته، فيكون واجباً على سيره، ولكنَّه لم يقل بهذا؛ لعدم كونه مشتغلاً بالحديث ومتتبعاً لروايته وطرقه ورجاله، ولعدم وجود تأصيل متين يبنى عليه الترجيح بهذه الطريقة، لذلك تجد تناقض في قول الواحد من السالكين
¬
(¬1) في إحكام القنطرة ص167 - 168.
(¬2) ينظر: غنية المستملي ص306.
(¬3) ينظر: الكنز ص107.
(¬4) ينظر: الوقاية ص147.
(¬5) وينظر: حاشية الطحطاوي1: 354.
مسلك محدثي الفقهاء، وتناقض فيما بينهم.
فكان الأولى هو التزام أصول المذهب في الترجيح، وسير طريقة سلفنا في تحقيق المسائل وتنقيحها، والتصحيح بينها بناءً على الفقه ومباني الأبواب وتأصيلها طالما أنَّها صادرة من مجتهدين معتبرين اعترفت لهم الأمة بالقبول وقبلهم الله - جل جلاله -، ولا نسلك مسلك الاستدراك عليهم، والله أعلم.
التاسعة: اضطراب تراكيب العبارات أحياناً:
وهذا لا يخلو من كتاب للبشر كما هو معلوم، ومن ذلك:
1.وضع كلمة بدل كلمة: قال عندما تكلم عن الضم في مسألة ما لو سجد زيادة على الفرض (¬1): «ولا كراهة في الضمّ فيهما: أي صلاة الفجر والمغرب».
والصواب أن المقصود هنا العصر؛ إذ هو الموافق لعبارة المتن، وبه يستقيم المعنى، والله أعلم.
2. تقديم وتأخير في تركيب العبارة، قال عندما تكلم في سجود التلاوة (¬2): «فتجب السجدة: (في الأعراف) عند قوله - جل جلاله -: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ} الأعراف: 206».
¬
(¬1) ص180.
(¬2) ص184.
والصواب ما قال الطحطاوي (¬1): «الأولى أن يقول عقب آخرها؛ لأنَّ السجود عد الفراغ منها، وكذا يقال في باقيها».
3. تقديم وتأخير في تركيب الجملة، قال (¬2): «ولو زاد الإمامُ سجدةً أو قام بعد القعود الأخير ساهياً لا يتبعه (¬3) المؤتمّ».
والصواب ما قال الطحطاوي (¬4): «المناسب أن يزيد هنا ـ أي يتبعه المؤتمّ ـ ما ذكره بعد من قوله: وسبّح ليتنبه إمامه».
4.غموض العبارة: قال (¬5): «والحدثُ لغةً: الشيءُ الحادث. وشرعاً: مانعيةٌ شرعيّةٌ تقومُ بالأعضاء إلى غايةِ وصولِ المزيل لها».
واستدرك عليه الطحطاوي (¬6) بقوله: «ولو قال: مانعٌ شرعيٌ يقوم بالأعضاء إلى غاية وصول المزيل لها: أي مانعٌ عَمَّا يُباح إلا برافعه لكان أوضح».
¬
(¬1) في حاشيته على المراقي 2: 86.
(¬2) ص117.
(¬3) لأنَّه ليس من أصل صلاته، فينتظر سلامه ليسلم معه إن تذكر وجلس قبل تقييده الزائدة بسجدة، كما في الإمداد ص326.
(¬4) في حاشيته على المراقي 1: 419.
(¬5) ص81.
(¬6) في حاشيته على المراقي1: 290.
5.عدم وفاء العبارة بالمقصود، قال (¬1): «ويشترطُ لصحّة أداء المفروض، إمّا معرفة كيفيّة يعني صفة الصّلاة، وذلك بمعرفة حقيقة ما فيها».
والصحيح ما قال الطحطاوي (¬2): «هذه العبارة لا توفي بمقصوده، وهو أن يعتقد أنَّ الصلوات الخمس فرض، وغيرها نفل، صريحها يفيد أنَّه لا بد من التمييز بين ما يفترض في الصّلاة وما يسن وليس مراداً، ومقابله قوله بعد: أو اعتقاد المصلي أنَّها فرض، يعني أن الشرط أحد شيئين».
العاشرة: نقله بعض الفروع عن الشافعية بدون تنبيه أحياناً:
فمثلاً قال (¬3): «وكذا الآجال في البيع والإجارة والصوم والحج والعدّة ـ كما بسطناه في أصل هذا المختصر ـ والله الموفق».
وبيَّن ذلك في شرحه «الإمداد» (¬4): «وكذلك يقدر لجميع الآجال: كالصوم والزكاة والحج والعدة، وآجال المبيع، والسلم والإجارة، وننظر ابتداء اليوم، فيقدر كلّ فصل من الفصول الأربعة بحسب ما يكون كل
¬
(¬1) ص88.
(¬2) في حاشيته على المراقي 1: 324.
(¬3) ص73.
(¬4) الإمداد ص173.
يوم من الزيادة والنقص، كذا في كتب الأئمة الشافعية، ونحن نقول بمثله؛ إذ أصل التقدير مقول به إجماعاً في الصلوات».
وسبب ذلك نشأة الإمام الشرنبلالي: في بيئة علمية مختلطة من الشافعيّة والحنفيّة، مما أثر على معارفه وسلوكه كثيراً في العلم، حيث من شيوخه من هم شافعية، ومن تلاميذه من هم شافعية أيضاً، وبالتالي سيكون عنده إطلاع وثقاقة حسنة بمذهب الشافعية، وتأثر بمنهجهم وبعض فروعهم بنقلها كما في مسألتنا.
الحادية عشر: نفي خلاف في مسألة مع وجوده أحياناً:
ومثاله قوله (¬1): «وإذا أفطر المتطوّع على أي حال كان عليه القضاء لا خلاف بين أصحابنا في وجوبه؛ صيانة لما مضى عن البطلان، إلاّ إذا شَرَعَ متطوعاً بالصوم في خمسة أيّام: يومي العيدين، وأيّام التشريق، فلا يلزمه قضاؤه بإفسادها في ظاهر الرواية».
والصّحيح ما قال الطحطاوي (¬2): «إلا في صائمة تطوعاً عرض عليها الحيض ففي القضاء خلاف، والأصحُّ الوجوب».
¬
(¬1) ص261.
(¬2) في حاشيته على المراقي2: 362.
الثانية عشر: متابعة كتاب فقهي في نقل أحاديث موضوعة أحياناً:
ومثاله قوله (¬1): «وملءُ آنيته استعداداً لوقتٍ آخر، وقراءة سورة القدر ثلاثاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قرأ في إثر وضوئه: چ ? ? ? ? ? پ چ القدر: 1 مرّة واحدة كان من الصديقين، ومَن قرأها مَرّتين كتب في ديوان الشهداء، ومَن قرأها ثلاثاً حشره اللهُ محشر الأنبياء» أَخرجه الدَّيلميُّ، ولما ذكره الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه - في «مقدمته»».
والصحيح ما ابنُ عابدين (¬2): «وقراءة سورة القدر؛ لأحاديث وردت فيها ذكرها الفقيه أبو الليث في «مقدمته»، لكن قال في «الحَلبة»: سئل عنها شيخنا الحافظ ابن حَجَر العَسْقلاني، فأجاب بأنَّه لم يثبت منها شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ».
* * *
¬
(¬1) ص35.
(¬2) في ردّ المحتار 1: 131.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث توصلت إلى هذه النتائج ولخصتها في النقاط الآتية:
أولاً: إنَّ الإمام الشرنبلالي: ينتمي إلى مدرسة محدّثي الفقهاء، وهذا اتجاه موجود عند الحنفية اتبعه كبار من علمائه وإن لم يكن معتبراً.
ثانياً: يعتبر كتاب «المراقي» من أشهر وأوسع كتب الحنفية في الطَّهارة والصَّلاة، وهو أشهرُ كتابٍ للإمام الشرنبلالي؛ لما امتاز به من خصائص عديدة، ومن أبرزها:
1. الاختصار، فهو يحتوى على علم غزير في عبارات وجيزة.
2. الإكثار من الفروع الفقهية، فهو كتابُ تفريعٍ أكثر منه كتاب استدلال.
3. الاستدلال لأمهات المسائل في الباب بالدليل من الكتاب والسنة والآثار والقياس والإجماع، والإكثار من الاستدلال بالحديث خاصة.
4. جمع المسائل المتجانسة في مكان واحد، وهذه أبرز ميزة للكتاب.
5. التصحيح للمسائل، فيكثر التصريح بصحة العديد من المسائل التي يذكرها.
ثالثاً: إنَّ الإمام الشرنبلالي: من العلماء المحققين، لكنَّه لم يبلغ الغاية في التحقيق، فيحتاج إلى المراجعة بعده فيما استدركه العلماء عليه، ومن أبرز المؤخذات في كتابه:
1. نقله عن كتب غير معتمدة، وذكره لأقوال ضعيفة.
2. اضطراب منهجه في التَّصحيح بالحديث.
3. عدم تحقيقه لبعض المسائل وعدم تدقيقه أحياناً.
4. عدُّه القولَ المعتمد في المذهب شاذّاً مخالفاً للرِّواية والدِّراية.
5. عدُّه ما ليس من ظاهر الرواية بظاهرٍ للرواية.
6. نقله بعض الفروع عن الشافعية بدون تنبيه.
رابعاً: إنَّ عدم توثيق ما نقله الإمام الشرنبلالي: لا يعد من باب السرقة العلمية، بل هو معتادٌ في الكتبِ الفقهيّة، فيصعبُ توثيقُ كلّ المسائل؛ لأنَّها مشتركة بين عامّة الكتب.
خامساً: إنَّ إخلاص الإمام الشرنبلالي: وصدقه وتصوّفه ظاهرٌ في عباراته، فهو لا يتعامل مع الفقه على أنَّه مسائل مجرّدة يستغنى بها، وإنَّما يحتاج معها إلى التربية والإخلاص.
* * *
المراجع:
1. إحكام القنطرة في أحكام البسملة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، مطبع جشمة فيض، لكنو، 1305هـ، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح محمد سالم أبو الحاج، مؤسسة الرسالة، 2001مـ.
2. اكتفاء القنوع بما هو مطبوع: لادوارد كرنيليوس فانديك (ت1313هـ)، صححه وزاد عليه: السيد محمد علي الببلاوي، مطبعة التأليف الهلال، مصر، 1313 هـ - 1896م.
3. إمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح لحسن بن عمار الشرنبلالي (ت1069هـ)، ت: بشار عرابي.
4. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
5. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
6. تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار: لعبد الرحمن بن حسن الجبرتي المؤرخ (ت1237هـ)، دار الجيل، بيروت.
7. تحفة الملوك: لمحمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، ت: الدكتور عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1997م، وأيضاً: ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، ط1، 2006م.
8. تصحيح القدوري: لقاسم بن قطلوبغا (ت879هـ)، من مخطوطات دار صدام للمخطوطات.
9. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
10. حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح: لأحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ الحنفي (ت1231هـ)، ت: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ.
11. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
14. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
15. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
16. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
17. شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الجصاص (ت370هـ)، ت: د. سائد بكداش وآخرون، طبعة دار البشائر، ط1، 2010هـ.
18. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
19. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، ت: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
20. غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز ملا خسرو (ت885هـ)، مطبوع مع شرحه درر الحكام، در سعادت، 1308هـ.
21. غنية المستملي شرح منية المصلِّي: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة سنده، 1295هـ.
22. الفتاوي البَزَّازية: لمحمد بن محمد بن شهاب ابن البَزَّاز الكَرْدَري الخَوَارِزميّ الحَنَفي (ت827هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق مصر، 1310هـ.
23. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
24. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
25. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
26. المبسوط لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
27. متن القدوري: لأحمد بن محمد القدوري (ت428هـ)، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط 3، 1377هـ.
28. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
29. المحيط البرهاني: لمحمود بن أحمد بن مازه البخاري برهان الدين (ت 616)، إدارة القرآن، المجلس العلمي، كراتشي، 2004م.
30. المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي الحنفي (ت683هـ)، ت: زهير عثمان، مطبوع مع الاختيار، دار الأرقم.
31. مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح لحسن الشرنبلالي (ت1069هـ)،ت: نعيم زرزور، ط1، 2005م.
32. مسامرات الظريف بحسن التعريف: لأبي عبد الله محمد بن عثمان بن محمد السنوسي (ت1318هـ).
33. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، ت: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
34. مشكل الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ)، مجلس دائرة النظامية، الهند، حيدر آباد، ط1، 1333هـ.
35. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
36. المنثور في القواعد الفقهية: لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1405ه - 1985م.
37. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
38. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
39. هدية الصعلوك شرح تحفة الملوك: لمحرم بن محمد الزيلي، ايدنمشدر، 1295هـ.
40. وقاية الرواية في مسائل الهداية: لمحمود بن عبيد الله تاج الشريعة، مطبوع مع عمدة الرعاية، دار الكتب العلمية، ت. د. صلاح أبو الحاج، ط1، 2009م.
* * *