مدح السعي وذم البطالة ........
............ دراسة وتحقيق
جارٍ تحميل الكتاب…
مدح السعي وذم البطالة ........
............ دراسة وتحقيق
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
مدح السعي وذم البطالة
لابن كمال باشا
دراسة وتحقيق
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة لمجمع الفقه الإسلامي في الهند.
ملخص البحث:
هذه رسالة مختصرة لأحد شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، ابن كمال باشا (ت940هـ)، تحدثتُ فيها عن قضيّةِ الكسلِ التي يُعاني منها أكثر النّاس، ولا سبيل للإنسان للنّجاح في حياته وآخرته إلا بالتَّخلص منها، حيث سلك المؤلِّف فيها منهجاً لطيفاً في توضيح الفكرة بذكر الآيات والآثار والأحكام التكليفية ونقولات عن بعض الحكماء، وهي مع شدّة اختصارها اشتملت على معاني وفوائد عديدة ممّا دفعني للعناية بها وتحقيقها ليعمّ وينتشر بين الباحثين، وقدَّمت لها بترجمة قصيرة عن المؤلّف، ودراسة عن الرسالة، وعلَّقت عليها بما تحتاجه من توضيح.
* * *
Praise seeking and dispraise unemployment
Study and investigation
Research Summary:
This brief message to one of the elders of Islam in the Ottoman Empire, Ibn Kamal Pasha (d. 940 AH), in which I spoke about the issue of laziness experienced by most people and there is no way for a person to succeed in life unless he get rid of it, where the author approach a nice way to clarify the idea by citing the qura`n verses, prophetic tradition, and sayings of some scholars. which is with the severity shortened included many benefits and meanings which prompted me to take care of them and study them to prevail and spread among researchers. I presented it with a short translation of the author, and a study of the letter. I commented on what it need to be clarified.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ هذه أمّة الإسلام لمّا استضاءت بنور ربّها، ملأت الدّنيا خيراً، وسطع ضوؤها في أرجاء الأرض، وملأتها بالخيرات، ومن هذه الخيرات تلك المخطوطات التي كتبها عظماؤها وأئمتها، وما زالت رهينة حبيسة لا ينتفع منها، فما أحوجنا إلى الاسترشاد بها والاقتباس بنورها.
وفي هذا البحث نتناول إحدى هذه المخطوطات، وهي رسالة «مدح السعي وذم البطالة» لابن كمال باشا، فمع صغرها لكنَّها احتوت فوائد تنير طريق مَن قرأها.
ومشكلة الدراسة: في بيان صحة نسبة المخطوط إلى مؤلفه، وصحة اسمه؟ وكيف يُمكن إخراج المخطوط على ما أراده وكتبه المؤلف؟ وفي
كيفية خدمة نص الكتاب بشرح غوامضه وعزو معلوماته، وتخريج أحاديثه؟.
وأهمية الدراسة ومبرراتها: بإثراء المكتبة الإسلامية من خلال تحقيق هذا الرسالة، وإخراج رسالة مفيدة لعالم كبير من شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، وبيان فضل علماء الأمة المتقدمين وما قدَّموه لها من جهد يعظم الأمانة على اللاحقين وأدائها بما يتناسب مع ذلك الجهد.
والدّراسات السابقة: لم يسبق لهذه الرسالة في حدود علمي أن تناولها الباحثون بالتحقيق أو الدراسة، وذلك بعد البحث والتحري قدر الجهد والطاقة، وبالتالي ظهرت الحاجة جليةً لتحقيق هذا الرسالة.
ومنهجية البحث: هي المنهج الاستردادي التاريخي بكتابة حياة هذا المؤلف وجهوده العلمية وتحقيق نصّ الكتاب.
والمنهج المتبع في التحقيق:
1.نسخ الكتاب، وضبطه، ومُقابلته على عدد من النّسخ، وإثبات الفروق بينها.
2.اعتماد منهج النّسخة الصواب في المتن وليس النّسخة الأم، بإثبات ما هو الصواب في المتن عند المقارنة بين النّسخ، وأما الفروق ففي الهامش.
3.وضع الكلمة أو الجملة السَّاقطة إذا سقطت في بعض النُّسخ بين معكوفتين []، والإشارة إلى النُّسخ الّتي كان السَّقط فيها في الهامش.
4.الالتزام في كتابة الكلمات بالرسم الإملائي الحديث، وإن خالف رسم المخطوط، مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وتفصيل عباراته إلى مقاطع صغيرة على حسب ما يقتضيه المعنى.
5.اعتماد طريق التحشية في خدمة الكتاب: بعزو من الآيات والتعريف بالكتب، وتخريج الأحاديث الشريفة والآثار وبيان معاني المفردات والجمل التي تحتاج توضيح، والترجمة لما ورد فيه من الأعلام، والتعليق على المسائل بقدر الحاجة.
6.توثيق النصوص المنقولة.
وتحقيقاً للمقصود قسمت البحث على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في ترجمة المؤلِّف.
والمبحث الثاني: في دراسة عن الرسالة.
والمبحث الثالث: في النصُّ المحقَّق.
سائلاً المولى - عز وجل - التوفيق والسداد.
* * *
المبحث الأول
في ترجمة المؤلِّف
الكلام عن هذا الإمام العظيم متشعبٌّ وطويل، ولا يسعنا في هذا المقام إلا الإشارة إلى نبذه يسيرة عنه؛ لأنَّ التفاصيل تستغرق عشرات الصفحات، فنذكر هذه النفحات في النقاط الآتية:
أولاً: نسبه وولادته ومذهبه:
اتفق من ترجم له (¬1) على أنَّ اسمه أحمد، إلا جرجي زيدان (¬2) فسمَّاه: محمّد بن أحمد.
واتفق مَن ترجم له (¬3) على ذكر اسم أبيه واسم جده، وهما: سليمان بن كمال باشا.
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «الطبقات السنية» (1: 335)، و «الكشف» (1: 1: 54)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص42)، و «الأعلام» (1: 130)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، وغيرها.
(¬2) في «تاريخ آداب اللغة العربية» (3: 327 - 328).
(¬3) ينظر: «الشقائق» (ص226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «الطبقات السنية» (1: 335)، و «الكشف» (1: 1: 54)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص42)، و «الأعلام» (1: 130)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، وغيرها.
وجدُّه: كمال باشا كان من أمراء الدولة العثمانية (¬1).
وينسبه بعض من يترجم له بالرُّوميّ (¬2)؛ وذلك لأنّه تركيّ الأصل (¬3).
ولقبه كما في الكتب التي تناولت ترجمته (¬4): شمس الدين، ثم أنَّه رحمه الله تعالى تولَّى منصبَ الإفتاء في الدولة العثمانية، وهو أعلى المناصب الدينية، ومن يتولاه يلقب: شيخ الإسلام (¬5)، فلقِّب به.
وولد في طوقات من نواحي سيواس من بلاد الروم «تركيا» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص226)، و «الكتائب» (ق397/ب).
(¬2) ينظر: «هدية العارفين» (1: 141)، و «معجم المؤلفين» (1: 148).
(¬3) ينظر: «الأعلام» (1: 130).
(¬4) ينظر: «الشقائق» (ص226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «الكشف» (1: 1: 54)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الأعلام» (1: 130)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، وغيرها.
(¬5) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص42).
(¬6) ينظر: «معجم المؤلفين» (1: 148)، و «الكمال بن الهمام» (ص27).
وكان مذهبه الفقهي هو المذهب الحنفي الذي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية، وأما مذهبه العقدي فهو ماتريدي الاعتقاد نسبة إلى إمام الهدى أبي منصور الماتريدي الحنفي (¬1).
ثانياً: شيوخه وتلاميذه:
من شيوخه:
1. المولى لطف الله التوقاتي الرومي، الشهير مولانا لطفي (¬2).
2. المولى مصلح الدين مصطفى القَسْطَلانيّ (¬3).
3.المولى خطيب زاده، من مؤلفاته: «حاشية التجريد» (¬4).
4.المولى معروف زاده (¬5).
ومن تلاميذه:
1.الأستاذ السيد محيي الدين محمد بن عبدالقادر، المشتهر بالمعلول (¬6).
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «الطبقات السنية» (1: 335)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص42)، وغيرها.
(¬2) ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص169 - 171)، و «التعليقات السنية» (ص42 - 43).
(¬3) ترجمته في «الشقائق النعمانية» (ص87 - 89)، و «التعليقات السنية» (ص43).
(¬4) ينظر: «الشقائق» (ص83).
(¬5) ينظر: «الشقائق» (ص227).
(¬6) ينظر: ترجمته في: «الشقائق» (ص289 - 290)، و «الكتائب» (ق398/ب).
2. المولى محيي الدين محمد بن حسام الدين، الشهير بفزه جلبي (¬1).
3.المولى محمد بن عبد الوهاب بن المولى عبد الكريم (¬2).
4.محمود بن قانصوه المظفر المَكيّ.
5.المولى محيي الدين محمد بن بير محمد باشا الجمالي (¬3).
6.المولى محيي الدين محمد بن عبد الله الشهير بمحمد بك (¬4).
7.المولى هداية الله ابن مولانا بار علي العجمي (¬5).
8.المولى عبد الكريم الويزوي (¬6).
9.المولى درويش محمد (¬7)، كانت أمه بنت العالم الفاضل المولى سنان باشا.
10. المولى مصلح الدين مصطفى ابن المولى المنتشوي (¬8).
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص297 - 298)، و «الكتائب» (ق398/ب).
(¬2) ينظر: «الكتائب» (ق398/ب).
(¬3) ترجمته في: «الشقائق» (273 - 274).
(¬4) ترجمته في: «الشقائق» (ص294 - 295).
(¬5) ترجمته في: «الشقائق» (ص297).
(¬6) ترجمته في: «الشقائق» (ص302).
(¬7) ترجمته في: «الشقائق» (ص307).
(¬8) ترجمته في: «الشقائق» (ص307 - 308).
ثالثاً: وظائفه:
ومن الوظائف التي شغلها:
1.التدريس: فإنَّه درَّس في كثير من المدارس ومنها: مدرسةِ عليّ بك بأدرنه، و مدرسة أسكوب، والمدرسة الحلبية بأدرنه، ودرَّس بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه، ودرَّس بإحدى المدارس الثمان، ومدرسة السلطان بايزيد خان بأدرنه، وتولى التدريس فيها مرتين، إذ رأى سليم خان أن يعطيه مدرسة جَده (¬1)، ومدرسة دار الحديث بأدرنه، ثُمَّ عاد إليه السلطان بالإحسان مبتدراً لمَا فطن أنَّ أمر الفتوى يكون متعذراً، فأعطاه دار الحديث بأدرنة (¬2).
2. القضاء: فإنَّه ولي القضاء بأدرنه، ثم قضاء العسكر المنصور في ولاية أناطولي (¬3).
3. الإفتاء: فإنَّه صار مفتياً بمدينة قسطنطينية بعد وفاة المولى علاء الدين علي الجمالي سنة (932هـ)، فعاش فيها فيه معززاً مكرماً محترماً
¬
(¬1) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
(¬2) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
(¬3) ينظر: «الكتائب» (ق398/ب).
مقبولاً عند الخاص والعام، ونالت عقود الفضل في زمانه حسن النظام (¬1)، واستمر فيها إلى آخر عمره.
رابعاً: مؤلفاته والثناء عليه:
كان رحمه الله تعالى من العلماء الذين صَرَفوا جميعَ أوقاتهم إلى العلم، وكان يشتغلُ بالعلمِ ليلاً ونهاراً، ويكتبُ جميعَ ما لاحَ بباله الشريف، وقد فَتَرَ الليل والنهار، ولم يَفْتَرْ قلمُه، وصنف رسائل كثيرة في المباحث المهمَّة الغامضة، وكان عدد رسائله قريباً من مئةِ رسالة، وله من التصانيف (¬2):
«تفسير القرآن العزيز» ولم يكمله، و «شرح العشر في معشر الحشر»، و «الأربعون في الحديث»، و «شرح حديث الأربعين»، و «أشكال الفرائض».
¬
(¬1) ينظر: «الكتائب» (ق398/ب).
(¬2) ينظر: مصادر مؤلّفات ابن كمال: «الطبقات السّنية» (1: 356)، و «الشقائق» (ص227)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «الكشف» (1: 439)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «بريقة محمودية» (4: 153)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، و «مجموع رسائله المطبوعة» (1: 87) وما بعدها، و «مجموع رسائله المخطوطة» (ق57) وما بعدها، و «حاشية العطار» (1: 415)، و «الشُّرُنبلاليّة» (1: 139)، و «مجمع الأنهر» (1: 195 - 196)، و «الأعلام» (1: 130)، و «منحة الخالق» (3: 67)، و «الكتائب» (ق398/ب)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 333)، و «الفوائد» (ص43).
و «رسالة في حقِّ أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم -»، و «رسالة في حقِّ الشهداء»، و «رسالة في الشخص الإنساني».
و «حواش على الكشاف»، و «حاشية على شرح السيد للكشاف»، و «حاشية على شرح المواقف» في الكلام.
و «شرح الهداية» لم يكتمل. و «الفتاوى»، و «فريدة التحري»، و «الفلاح في شرح المراح»، و «الإصلاح»، «الإيضاح شرح الإصلاح»، و «تغيير التنقيح»، و «شرح تغيير التنقيح».
قال التميمي (¬1): «له رسائل كثيرة في فنون عديدة، لعلَّها تزيد على ثلاثمئة رسالة، وفاق في الإنشاء بالعربية والفارسية والتركية، كان له منها حظّ جزيل، وفيها باع طويل، وكل مؤلفاته مقبولة، مرغوب فيها، متنافس في تحصيلها، متفاخر بتملك الأكثر منها، وهي لذلك مستحقة، وبه جديرة».
وقال الكفوي (¬2): «وكل تصانيفه مشهورة مقبولة بين الأعيان متداولة بين أهالي الزمان، وكان عدد رسائله قريباً من مئة رسالة كل منها جامعة لفوائد عامة العوائد، وهذه المذكورات ما شاعت بين الناس، وأما ما بقي في المسوّدة فأكثر مما لا يحصى تفرقته الأيادي».
¬
(¬1) في «الطبقات السنية» (1: 356 - 357).
(¬2) في «الكتائب» (ق399/أ).
ومن ثناء العلماء عليه:
قال طاشكبرى زاده (¬1): وكان صاحبَ أخلاقٍ حميدةٍ حسنة، وأدبٍ تامّ، وعقلٍ وافر، وتقريرٍ حَسَن ملخص، وله تحرير مقبولٌ جداً لإيجازه مع وضوح دلالته على المراد، وبالجملة: أنسى رحمه الله تعالى ذكر السلف بين الناس، وأحيا رباع العلم بعد الإندراس، وكان في العلم جبلاً راسخاً، وطوداً شامخاً، وكان من مفردات الدنيا، ومنبعاً للمعارف العليا، روَّح الله تعالى روحه وزاد في غرف الجنان فتوحه.
وقال التّميميّ: الإمام، العالم، العلامة، الرُّحْلة، الفَهَّامة، أوحدُ أهل عصره، وجمالُ أهلِ مصره، مَن لم يُخْلِف بعده مثلَه، ولم تَرَ العُيُونُ مَن جمع كمالَه وفضلَه، كان رحمه الله تعالى، إماماً بارعاً، في التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والكلام، والمنطق، والأصول، وغير ذلك، بحيث إنه تفرَّد في إتقان كلِّ علم من هذه العلوم، وقَلَمَّا يوجدُ فنٌّ من الفنون إلا وله مصنَّف أو مصنَّفات.
وقال ابن عابدين (¬2): الإمام العالم العلامة الرحلة الفهامة، كان بارعاً في العلوم، وقلَمَّا أن يوجد فنٌّ إلا وله فيه مصنَّفٌ أو مصنَّفاتٌ (¬3).
¬
(¬1) في «الشقائق» (ص227).
(¬2) في «رد المحتار» (1: 27).
(¬3) ينظر: «الأعلام» (1: 130).
ومات رحمه الله رحمة واسعة سنة أربعين وتسعمئة (¬1).
* * *
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص227)، و «الطبقات السنية» (1: 355)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «الفوائد» (ص43)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الأعلام» (1: 130).
المبحث الثاني
دراسة عن الرسالة
أولاً: تحقيق اسم الرّسالة:
سمّاها ابنُ كمال بـ «مدح السّعي وذمّ البطالة» في مقدمة رسالته، وذكرها بهذا الاسم الباباني (¬1)، وذكرها حاجي خليفة (¬2) باسم قريب منه، وهو «رسالةٌ في السّعي والبطالة»، وفي «خزانة التراث» (¬3) باسم: «رسالة في مدح السعي وذم البطالة».
والرّاجح أنَّ اسمها ما أثبته مؤلّفها في بدايتها، وهو أولى ممّا يذكره غيرُه بلا شَكّ، وما ذُكِر من أَسماء أُخرى من قبل المترجمين فهو على سبيل الوصف لها بأنّها رسالة وأنّها في السّعي والبطالة، ولم يذكر على سبيل أنّه اسم لها.
ثانياً: صحّة نسبة الرّسالة لابن كمال:
في النسخ المخطوطة للرّسالة نسبت لابن كمال باشا، ونسبها له إليه حاجي خليفة (¬4) والباباني (¬5)، وغيرهما.
¬
(¬1) في هدية العارفين1: 142.
(¬2) في كشف الظنون2: 872.
(¬3) خزانة التراث رقم التسلسل: 1159.
(¬4) في كشف الظنون2: 872.
(¬5) في هدية العارفين1: 142.
ولم أقف على أحد نسبها لغيره.
ووجدت رسالة أخرى في مدح السعي اسمها: «البركة في مدح السعي والحركة» لمحمد بن عبد الرحمن بن عمر بن محمد الحيشى اليمنى الشافعي، جمال الدين، (712 ـ786هـ) (¬1)، وهي مختلفة عن رسالتنا.
ثالثاً: منهج المؤلف:
تكلّم ابن كمال فيها عن مسألة في غاية الأهمية، وهي قضية الكسل التي يعاني منها أكثر الناس، ولا سبيل للإنسان للنجاح في حياته وآخرته إلا بالتخلص منها، وبقدر سعي المرء واجتهاده يكون تميزه وظهوره وتحقيقه لرسالته الدنيوية والأخروية بعد توفيق الله تعالى.
وسلك المؤلِّف منهجاً لطيفاً في توضيح الفكرة، فذكر آيات قرانيّة تحثُّ على السَّعي والجدّ، وفسّرها باختصار.
وذكر بعض الآثار الدالة على السعي في طلب الرزق.
وذكر الأحكام التكليفية في التكسب من الراغب الاصفهاني.
ونقل عن الجنيد ذم التهرب من التكسب بإظهار طلب العلم.
ونقل حكماً عن بعض الملوك والحكماء مثل: بزر جمهر وأبو مسلم الخرساني وأردشير والدؤلي تحض على الهمة والنشاط وترك الكسل.
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون1: 240، وهدية العارفين2: 171.
ودفع توهم فهم قوله تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} آل عمران: 159 أن يكون المقصود بها التواكل والكسل.
وختمّ الرسالة بتفسير قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} النجم: 39، وأنَّ معناها: لا أجر للإنسان إلاّ أجرَ عمله كما لا وزر له إلاّ وزر عمله.
رابعاً: موضوع الرسالة:
تتحدَّث الرسالة عن السعي والنشاط والهمّة، وإكمالاً لما بدأ به المؤلّف أُضيف بعض الفوائد متعلّقة بعلوّ الهمة.
فالهِمّة بالكسر: أول العزم، وقد تطلق على العزم القوي فيقال: له همّة عالية (¬1).
فعلوّ الهمّة منبعُ السِّعادة الدُّنيوية والأُخروية؛ إذ بها يَنال المرء مقصده في دنياه، ورضا ربه في أخراه، فبالهمّة العالية تهون الصعاب، وتصغر العظائم، فهي أساس النجاح في كلِّ أمر، وهذا ما أشار إليه الله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت: 69.
قال العلامةُ ابنُ الجوزي - رضي الله عنه -: «تأمَّلت سبب الفضائل فإذا هو علو الهمّة, وذلك أمرٌ مركوز في الجبلة لا يحصل بالكسب, وكذلك خسّة الهمّة, وقد قال الحكماء: تعرف همّة الصبي من صغره, فإنه إذا قال للصبيان: مَن
¬
(¬1) ينظر: «المصباح المنير» (ص641).
يكون معي؟ دلّ على علوّ همّته, وإذا قال: مع مَن أكون؟ دلّ على خسَّتها)) (¬1).
فعلوّ الهمّة باعثٌ على أفضل الأعمال وأحسنها، والابتعاد عن أرذلها وأخسّها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله يحبّ معالي الأمور وأشرافها, ويكره دنيها وسفاسفها» (¬2)، وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّه قال: «لا تصغرن همّتكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم». وقال بعض الحكماء: «الهمة راية الجدّ». وقال بعض البلغاء: «علو الهمم بذر النعم» (¬3).
فالهمّة هي المحفز والمسيِّرُ لصاحبها حتى قالوا: «فالذي يسيِّرُ العبد بإذن ربه إنَّما هو همّته، والهمّة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات كالطائر إذا علا وارتفع في الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام، وإنَّما تدرك هذه الأشياء للطائر إذا لم يكن عالياً، فكذلك الهمّة العالية، قد فاقت الجوارح والكواسر، وإنَّما تلحق الآفات
¬
(¬1) ينظر: «الفروع» (1: 534).
(¬2) ينظر: «المعجم الكبير» (3: 131)، و «المستدرك» (1: 112)، و «المعجم الأوسط» (3: 210)، و «مسند الشهاب» (2: 150)، وصححه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (3: 188)، وغيره.
(¬3) ينظر: «أدب الدنيا والدين» (ص319).
والدواعي والإرادات الهمّة النازلة، فأمّا إذا علت فلا تلحقها الآفات» (¬1).
وكلّما ارتفعت الهمّة علا شأن صاحبها، وارتقت نفسه عن الصغائر؛ «لأن علو الهمّة وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة، فهو سببٌ إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها، فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمّة العالية والمحبة الصادقة والإرادة الخالصة، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة، وأخسّ الناس حياة أخسّهم همّة، وأضعفهم محبّة وطلباً، وحياة البهائم خيرٌ من حياته ... » (¬2).
وطريق تحقيق الهمّة العالية هو الإخلاص لله - جل جلاله - في القول والعمل حتى قيل: «لقاح الهمّة العالية: النيّة الصحيحة فإذا اجتمعا بلغ العبد غاية المراد» (¬3)؛ «لأن همّة العبد إذا تعلّقت بالحقّ - جل جلاله - طلباً صادقاً خالصاً محضاً، فتلك هي الهمّة العالية التي لا يتمالك صاحبها: أي لا يقدر على المُهْلَة (¬4)، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه وشدّة إلزامها إيّاه بطلب
¬
(¬1) ينظر: «طريق الهجرتين» (1: 352).
(¬2) ينظر: «مدارج السالكين» (3: 263).
(¬3) ينظر: «الفوائد» (1: 200).
(¬4) المُهْلة: من المَهل وهوالتُّؤدة والرفق، وتمهَّل في الأمر: اتَّأد فيه. ينظر: «المغرب» (ص449).
المقصود، ولا يلتفت عنها» (¬1)؛ ولذلك قيل: «لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل، ولا الهمّة العالية إلا في نفس نفيسة» (¬2).
والنفس الشّريفة التّواقة لا يرضى بالأشياء الدنية الفانية، وإنما همّته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزاكية التي لا تفنى ولا يرجع عن مطلوبه، ولو تلفت نفسه في طلبه ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه، حتى قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذِّب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد.
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: إنَّ لي نفسا توَّاقة ما نالت شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وإنّها لما نالت هذه المنزلة يعني الخلافة، وليس في الدنيا منزلة أعلى منها تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا يعني الآخرة (¬3).
¬
(¬1) ينظر: «مدارج السالكين» (3: 3).
(¬2) ينظر: «بدائع الفوائد» (3: 750).
(¬3) ينظر: «لطائف المعارف» (1: 268).
خامساً: وصف مخطوطات الكتاب وأماكنها:
كثرت النسخ المخطوطة للكتاب في مكتبات العالم، ومنها:
في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية، السعودية، الرياض، رقم: 02107 - 3، 04619 - 9، 09047 - 7، ب 10191.
ومكتبة قليج علي، تركيا، استانبول، رقم: 1028/ 8.
ومكتبه الاوقاف، الموصل، العراق، رقم: 296 (12).
ومكتبة الملكيه (مكتبه الدوله)، المانيا، برلين، رقم: 5413.
ومكتبة القيصريه، النمسا، فيينا، رقم: 1919/ 14.
ومكتبة اكاديميه ليدن، هولندا، ليدن، 2171/ 3.
ومكتبه برنستون، الولايات المتحده الامريكيه، برنستون، رقم: 846.
والمكتبه المركزيه، جده، رقم: 13/ 3 مجاميع.
ومكتبة معهد المخطوطات العربيه، مصر، القاهره، رقم: عن مكتبه البلديه بالاسكندريه 3791 ج (24)، 212 عن البلديه 3791/ 24 ج.
واقتصرتُ في تحقيق الرّسالة على نسختين لحصول الكفاية بهما، وحتى لا أثقل حواشي الكتاب بالفروق طالما أنَّ النصَّ تمّ ضبطه، وهما:
النسخة (أ):
وهي نسخة لمدح السعي ضمن مخطوطات جامعة القاهرة برقم (21254)، وتقع في ثلاثة أوراق، وتحتوي كل صفحة (25) سطراً، وهي بخط معتاد جيد.
النسخة (ب):
وهي نسخة لمدح السعي ضمن مخطوطات مكتبة الملك عبد الله بن عبد العزيز جامعة أم القرى (21254)، وتقع في ورقتين، وتحتوي كل صفحة (27) سطراً، وهي بخط معتاد جيد.
سادساً: صور النسخ المخطوطة المعتمد عليها في التحقيق:
الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة (أ)
_
_
الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة (ب)
_
_
المبحث الثالث
النصّ المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عَلَّمَنا وجوه المكاسب (¬1)، وأَلْهَمَنا دقائقَ الصَّنائع، والصَّلاة والسَّلام على محمَّد خاتمِ أصحابِ الشرائع عليهم السلام، وعلى آله الكرامِ وصحبِه العظام.
وبعد:
فهذه رسالةٌ معمولةٌ في:
«مدح السعي وذم البطالة»
قال الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} النجم: 39.
وقال صاحب «التَّيسير» (¬2) في تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} الجمعة: 10: أي طالبينَ المعاشَ
¬
(¬1) في أ: «المناسب».
(¬2) في ب: «التبيين».
«التيسير في التفسير»: لعمر بن محمد بن أحمد لُقْمان النَّسَفِيّ السَّمَرْقَنديّ الحنفي، أبي حفص، نجم الدين، مفتي الثقلين، قال السمعاني: كان فقيهاً فاضلاً محدثاً مفسراً أديباً متقناً قد صنف كتباً في التفسير والحديث والشروط، من مؤلفاته: «العقائد النسفية»، و «الإشعار بالمختار من الأشعار»، و «تطويل الأسفار لتحصيل الأخبار»، و «نظم الجامع الصغير»، (461 - 537هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (2: 659 - 660)، و «معجم الأدباء» (16: 70 - 71)، و «تاج التراجم» (ص219 - 220)، و «طبقات المفسرين» (2: 5 - 7)، و «الفوائد البهية» (ص243 - 244).
الذي فيه قوامكم، وفَضلِ اللهُ: رزقَ الله الذي (¬1) تفضُّلٌ به على عباده، وأباحَه بالبيعِ والتجاراتِ المشروعة.
وعن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - (¬2)، قال: «إذا انصرفت من الجمعة فاخرج من المسجدِ فساوم شيئاً بالشَّيء، وإن لم تشتره».
ونحن نقول: لا خلافَ في أنَّ طلبَ الرِّزقِ مشروعٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اطلبوا الرزق في خبايا الأرض (¬3)» (¬4)، إنَّما الكلامُ في أنَّ بعضَ الطَّلبِ هل يدخلُ في حدِّ الفرضِ (¬5) أم لا (¬6)؟
¬
(¬1) «الذي»: زيادة من ب.
(¬2) وهو سعيد بن جُبَير الأسدي الوالبيّ الكوفي، قال أحمد: قتل الحجاج سعيداً وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه، قال ابن حجر - رضي الله عنه -: ثقة ثبت فقيه، قتل بين يدي الحجاج سنة (95هـ). ينظر: «العبر» (1: 112)، و «التقريب» (ص174)، و «الأعلام» (3: 145).
(¬3) ومعناه: الحرث وإثارة الأرض بالزراعة. ينظر: الآداب للبيهقي1: 317، والمبسوط30: 259.
(¬4) فعن عائشة رضي الله عنها في مسند أبي يعلى 7: 347، وشعب الإيمان 2: 87، وفي لفظ: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» في المعجم الأوسط 1: 274، ومسند الشهاب 1: 404.
(¬5) قال الرازي في تحفة الملوك ص311: «طلب الكسب فرضٌ: وهو كسبُ أَقلِّ الكفايةِ لنفسِه وعيالهِ وقضاءِ دَينه»؛ لأنَّه سببٌ يتوصَّل به إلى إقامةِ الفرض، فيكون فرضاً، وإن أطيب ما أكل الرجل من كسب يده، كما في منحة السلوك 3: 293، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنَّ أولادكم من كسبكم» في سنن الترمذي 3: 639، وصححه، وسنن ابن ماجة 2: 768، ومسند أحمد 2: 179، وغيرها. ومن الوعيد الذي جاء في الدَين، ما روي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجلٌ وعليه دَينٌ لا يدع له قضاء» في سنن أبي داود 2: 266، ومسند أحمد 4: 392.
(¬6) فطلب الكسب ... مستحبٌّ: وهو كسبُ الزائد على أَقلِّ الكفاية؛ ليواسي به فقيراً أو يَصِلَ به قريباً، وهو أَفْضَلُ من نفل العبادة، كما في تحفة الملوك ص 312؛ لأنَّه سبب يتوصل به إلى إقامة ما هو مستحب فيكون مستحباً، ولأنَّ منفعة العبادة تخصّه ومنفعة الكسب تتعدّى إلى غيره، كما في منحة السلوك 3: 294، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - جل جلاله -، أو كالذي يصوم النّهار ويقوم الليل» في صحيح البخاري 5: 2047، وصحيح مسلم 2: 2286، وعن سلمان بن عامر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة» في سنن الترمذي 3: 46، وحسنه، والمجتبى 5: 92، وسنن ابن ماجة1: 591، ومسند أحمد 4: 17.
وطلب الكسب ... حرامٌ: وهو كسبُ ما كان للتكاثر والتّفاخر وإن كان من حلّ؛ لأنَّه سببٌ يُتوصَّل به إلى إقامة ما هو مكروهٌ، فيكون مكروهاً. ينظر: منحة السلوك 3: 296.
قال الإمامُ الرَّاغبُ (¬1) في «الذَّريعة»: «التكسُّبُ في الدنيا وإن كان معدوداً من المباحات من وجهٍ (¬2)، فإنَّه من الواجباتِ من وجهٍ؛ وذلك أنَّه
¬
(¬1) وهو الحسين بن محمد بن الفضل الأَصْفَهاني، أبو القاسم، المعروف بـ (الراغب)، من مؤلفاته: «مقدمة لتفسير القرآن»، و «تحقيق البيان»، و «الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و «أفانين البلاغة»، و «الأخلاق»، و «تفضيل النشأتين وتحصيل السعادتين»، و «معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم»، (ت502هـ). ينظر: «كشف الظنون» (1: 36)، و «الأعلام» (2: 279).
(¬2) طلب الكسب ... مباحٌ: وهو كسبُ الزائدِ على ذلك للتنعّم والتجمّل، كما في تحفة الملوك ص312، وهو ما يواسي به الفقير ويصل به القريب للنعم والتجمل والترفه حتى يبني البنيان، وينقش الحيطان، ويشتري السيارات الفاخرة؛ لقوله - جل جلاله -: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} الأعراف: 32، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» في مسند أحمد 4: 197، وصحيح ابن حبان 8: 6، والأدب المفرد 1: 112.
إذا لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلا بإزالة ضروريات حياته فإزالتها واجبة؛ لأنَّ كلَّ ما لا يتمَّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجبٌ كوجوبه، وإذا لم يكن له إلى إزالةِ ضرورياتِه سبيلٌ إلاَّ بأخذِ تَعَبٍ من النّاس، فلا بُدَّ أن يُعوِّضَهم تَعَبَاً له، وإلاّ كان ظالماً.
فمَن تَوَسَّع في تناول عملِ غيرِه في مأكلِه، وملبسِه، ومسكنه، وغير ذلك، فلا بُدَّ أن يعملَ لهم عملاً بقدرِ ما يتناوله منهم، وإلاَّ كان ظالماً لهم، سواء (¬1) قصدوا إفادته، أو لم يقصدوا ...
ومَن أخذَ منهم المنافعَ ولم يعطهم نفعاً، فإنَّه لم يأتمر لله (¬2) تعالى في قوله عزَّ وجلَّ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} المائدة: 2، ولم يدخل في عمومِ قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} التوبة: 71.
ولهذا ذُمَّ مَن يَدْعِي التَّصوُّف (¬3)، فيتعطَّلُ عن المكاسب، ولا يكون له علمٌ يؤخذٌ منه، ولا عملٌ صالحٌ في الدين يُقْتَدى به، بل يَجعل همَّه عارية (¬4) بطنه وفرجه، فإنَّه يأخذُ منافعَ الناس، ويُضَيِّقَ عليهم معاشَهم،
¬
(¬1) «سواء»: زيادة من الذريعة 1: 268.
(¬2) في ب: «الله».
(¬3) في ب: «التصرف».
(¬4) في ب: «غادية».
ولا يَرُدُّ إليهم نفعاً، فلا طائلَ في أمثالِهم (¬1) إلا أن يكدِّروا الماء، ويُغلوا الأسعار (¬2)»، انتهى (¬3).
وقال الجُنَيْدُ (¬4) رحمه الله: «إذا رأيتَ الفقيرَ يطلبُ السَّماع (¬5)، فاعلم أنَّ فيه بقيّةٌ من البطالة، واللهُ لا يُحِبُّ الرَّجلَ البَطَّال».
فإنّ مَن تَعَطَّلَ وتَبَطَّلَ فقد انسلخَ من الإنسانيّة، بل من الحيوانيّةِ، وصارَ من جنسِ الموتى، وذلك أنَّه خَصَّ الإنسانَ بالقوى الثَّلاث؛ ليَسعى في فضيلتِها.
فإنَّ فضيلةَ القوَّة الشَّهوانيّة تُطالبُه بالمكاسبِ التي تُمنيه.
وفضيلةَ القوَّة الغضبيّة تطالبُه بالمجاهدات (¬6) التي تحميه.
¬
(¬1) في الذريعة1: 268: «مثلهم».
(¬2) أي: بسبب عدم عملهم، فتقلُّ الأيادي العاملة، وترتفع الأجور، فتغلوا الأسعار، والله أعلم.
(¬3) من الذريعة إلى مكارم الشريعة ص1: 268.
(¬4) وهو الجُنَيْدُ بن محمد بن الجنيد الخزازي القواريري، قال ابن خلكان: الزاهد المشهور، كان شيخ وقته وفريد عصره، وكلامه في الحقيقة مشهور مدوَّن، ومن أقواله: أنَّه سئل عن العارف: فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت. وقال: مذهبنا إفراد القدم عن الحدث، وهجران الإخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان، (ت297هـ). ينظر: «وفيات الأعيان» (1: 373 - 375)، و «مرآة الجنان» (2: 231 - 236).
(¬5) أي: سماع الحديث والعلم، والمقصود به مَن يتهرّب من العمل بدعوى طلب العلم، وهذا تنبيهٌ لطيفٌ من الإمام على أن يكون طلبةُ العلم عندهم همّةٌ عاليةٌ بحيث يكفوا أنفسهم مادياً، ولا يكونوا عالة على غيرهم.
(¬6) في ب: «بالمجادات».
وفضيلةَ القوَّة الفكريّة تطالبُه بالعلوم التي تهديه.
فحقُّه أن يتأمَّلَ قوَّتَه ويسيرَ قدرَ ما يطيقه، فيَسعى بحسبه لما يُفيدُه السَّعادة، ويتحقَّق أنَّ اضطرابَه سببُ وصولِه من الذُّلِّ إلى العزّ، ومن الفقرِ إلى الغنى، ومن الضِّعةِ إلى الرِّفعة، ومن الخُمُول إلى النَّباهة.
قال بزر جمهر (¬1): «مَن تَخَلَّقَ بالكسل (¬2)، فَلْيَنْسَلَّ عن سعادةِ الدارين».
«وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتعوَّذُ بالله من الكسل، ويقول: رَحِمَ الله امرءاً رأى (¬3) من نفسه جلداً (¬4)» (¬5).
¬
(¬1) هو بزرجمهر بن البختكان، كان وزيراً لأنوشيروان، وکان هو رجلاً حکيماً عالماً، وتنسب إليه الكثير من الحكم والأمثال، ومنها: نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ شفقةً وتأديباً، فلم يعظني شيءٌ مثل شيبي، ولا نصحني مثل فكري. ولقد أستضأت بنور الشّمس وضوء القمر فلم استضيء بضياء أضوأً من نور قلبي. وكنت عند الأحرار والعبيد فلم يملكني ولا قهرني غير هواي. وعاداني الأعداء فلم أري أعدى عليّ من نفسي إذا جهلت. وزاحمني المضايق فلم يزاحمني مثل سوء الخلق. ووقعت في أبعد البعد وأطول الطول، فلم أقع على شيءٍ أضرُّ عليّ من لساني. ومشيت على الجمر ووطئت الرمضاء، فلم أر ناراً أعلى حرّاً من غضبي. وتوحشت في البرية والجبال فلم أر أوحش من قرين السوء. وأكلت الطيب وشربت الهنيء، فلم أجد شيئاً ألذ من العافية والأمن. وأكلت الصبر وشربت المرّ، فلم أر شيئا أمر من الفقر. ينظر: ويكيبيديا.
(¬2) الكسل: التثاقل والتراخي عمّا ينبغي مع القدرة. ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 1: 214.
(¬3) في أ: «أرى».
(¬4) في ب: «تجلداً».
(¬5) فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم» في صحيح البخاري8: 79، وصحيح مسلم4: 2078.
وكان أبو مسلم الخُراسانيّ (¬1) في مبادِئ خروجِه ينشدُ هذا البيت:
فلا أؤخِّرُ ... (¬2) شغلَ اليوم عن كسلٍ ... إلى غد إن يوم العاجزين غد
وممَّا أدركتُه أبصار البصائر، وأهدتُه ألسنةُ الأوائل إلى أسماع الأواخر، وحملتُه بطونُ الدَّفاتر من نطفِ مياه المحابر: أنَّه لم يكن في ملوكِ الأُممِ ومقدّميها مَن مَلأ القلوب لرعيته فَرْقاً وَوَجلاً، وكشفَ عن وجهِ ولايتهِ ضدَّ الغفلةِ وجلاً مثل أردشير بن بابك السَّاسَانِيّ (¬3) الذي كان ممَّن يُضْرَبُ به المثل، ومن كلامِه المنظوم على أحسن نظام المناسب لهذا المقام: «شهدُ الجَهْدِ أحلى من عَسَل الكَسَل».
¬
(¬1) وهو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، أبو مسلم، مؤسس الدولة العباسية، عاش سبعاً وثلاثين سنة، بلغ بها منْزلة عظماء العالم، حتى قال فيه المأمون: أجلُّ ملوك الأرض ثلاثة، وهم الذين قاموا بنقل الدول وتحويلها: الإسكندر، وأزدشير، وأبو مسلم الخراساني. قال المدائني: كان فصيحاً بالعربية والفارسية، مقداماً، داهية حازماً، راوية للشعر، لم ير ضاحكاً، ولا عبوساً، تأتيه الفتوح فلا يُعرف بشره في وجهه، وينكب فلا يرى مكتئباً، (100 - 137هـ). ينظر: «وفيات الأعيان» (3: 145 - 155)، و «الميزان» (4: 317)، و «الأعلام» (4: 112 - 113).
(¬2) «عن»: زيادة في ب.
(¬3) هو اردشير بن بابك بن ساسان، حاكم اصطخر، ووالي فارس، أسقط الأمبروطورية البارثية، وأصبح أول الملوك الساسانيين، كان ملكاً نشيطاً ومسؤولاً عن نهوض بلاد فارس وتقوية الديانة الزرادشتية، وكان مؤسساً للسلاسة الساسانية التي استمرت لأربعة قرون، ولكن كانت حملاته ضد روما تتصف بالنجاح المحدود، والملك أردشير قدر على عمل أشياء لم يستطع عملها أي فارسي لمدة طويلة كالقوة للدولة الساسانية والردود القوية والجدية أمام حكومة روما وجيوشها، (ت237هـ). ينظر: ويكيبيديا.
يعني: أنَّ الشهدَ الحاصل بالجَهْدِ أحلى من الكَسَلِ الشَّبيه بالعَسل في ميل النَّفسِ إليه والتذاذه به.
فالأوّل: [في المآل] (¬1) (¬2)، وإضافتُه لملابسةِ السَّببيةِ (¬3).
والثّاني: في الحال، وإضافتُه من قبيل إضافة المُشبّه به إلى المُشبّه (¬4): كلُجَيْن (¬5) الماء.
وممَّا نُسِج على هذا المنوال من أحاسن المقال: قول مَن قالَ: «راحتي في جراحةِ راحتي».
واعلم أنَّ البطالةَ تُبْطِلُ الهيئات الإنسانيّة، فإنَّ كلَّ هيئةٍ بل كلَّ عضوٍ يُترك استعمالُه يَبْطُلُ: كالعين إذا غَمِضَت، واليد إذا عُطِّلت؛ ولذلك وُضعت اليد حكمات في كلِّ شيءٍ.
ولَمَّا جَعَلَ اللهُ تعالى للحيوان قوَّةَ التَّحرُّك، لم يجعل له رزقاً إلاّ بسعي ما منه؛ لئلا يتعطَّل فائدةُ ما جُعِلَ له من قوَّة التحرُّك.
¬
(¬1) في أ: «بالمآل».
(¬2) يعني: أنَّ عسل مجاهدة النفس والهمّة العالية والعمل الدؤوب في نهاية الأمر ومآله ألذ وأطيب من عسل الراحة والنوم والكسل.
(¬3) أي: إضافة الجهد للشهد؛ لأنِّ هذا الجهد سببٌ لهذا الشَّهد.
(¬4) أي: أضاف المشبه به وهو الكسل إلى المشبه وهو العسل.
(¬5) اللُّجَيْن: الفضّة. ينظر: «لسان العرب» (6: 4002).
ولَمَّا جَعَلَ للإنسان الفكرة، ترك من كلِّ نعمةٍ أنعمَها عليه جانباً يصلحُه هو بفكرتِه؛ لئلا يَتَعطَّلَ (¬1) فائدةُ الفكرة، فيكون وجودها عبثاً، وتأمَّل حالَ مريم عليها السّلام، وقد جَعَلَ لها من الرُّطب ما كفاها مؤنة الطلب، وفيه أعظمُ معجزة، فإنّه لم يخلِّها من أنَّ أمرها (¬2) بهزِّها، فقال تعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً} مريم: 25.
وقد أخذَ بعضُهم منه إشارةً إلى أنَّ الرِّزقَ من اللهِ تعالى، ولكنَّه مسببٌ تسبباً عاديّاً بالطَّلب من العبد، ومباشرة أسبابه، فقال: ألم ترَ أنَّ الله تعالى قال لمريم عليها السلام: وهزي (¬3) إليك الجذع (¬4) تساقط الرّطب، ولو شاء أجنى الجذعَ من غيرِ هزِّه إليها، ولكن كلُّ شيءٍ له سبب.
وعن أبي الأسود الدُّؤلي (¬5):
وليس الرّزقُ عن طلبٍ حثيثٍ ... ولكن ألقِ دَلْوكَ في الدِّلاءِ
تجيء بملئها (¬6) طوراً، وطوراً ... تجيء (¬7) بحمأةٍ وقليل ماء
¬
(¬1) في ب: «يتبطل».
(¬2) في ب: «أمرنا».
(¬3) في ب: «هزي».
(¬4) في ب: «بجذع».
(¬5) وهو ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيلي، ويقال: الدُّؤلي، المشهور بأبي الأسود الدُّؤلي، تابعي صحب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وهو أول من وضع النحو، (ت69هـ). ينظر: «معجم الأدباء» (12: 34 - 38)، و «وفيات الأعيان» (2: 535 - 539).
(¬6) في أ: «بمائها».
(¬7) في أ: «ويجيء».
وقد وردَ في الخبرِ عن خيرِ البشرِ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله تعالى يقول: يا عبدي، حرِّك يدك، أُنْزل عليك الرّزق» (¬1)، وكونُ حركةِ العبد من الله تعالى لا يُنافي طلبَها منه، كيف وهو مأمورٌ بها، وحقيقةُ الأمر الطَّلب على ما حُقّقَ في موضعه (¬2).
ومن هنا اتضح وجه الإشكال في جواب المسألة القائلة: لو قال رجل: الرِّزقُ من الله تعالى، ولكن از بنده جنبش خواهد، وهذا (¬3) شرك.
وتعليلُه الذي ذكرَه صاحبُ «الخلاصة» (¬4): بقوله؛ لأنَّ حركةَ العبدِ أيضاً من الله تعالى لا يُقال: إنّما قال: هذا شرك؛ لأنَّ القولِ باستعانة الله
¬
(¬1) فعن وهب بن منبه قال: «مكتوب في التوراة: اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، وإذا ظلمت فاصبر فإن نصرتي لك خير من نصرتك لك، وحرِّك يدك أفتح لك باب الرزق» في مكارم الأخلاق للطبراني1: 325.
(¬2) أي: في مبحث الأمر في مبحث الدلالات في كتب أصوله الفقه، حيث قرّروا أنَّ الأمر هو طلب حقيقة الفعل. ينظر: تيسير التحرير1: 351، والتقرير والتحبير1: 311.
(¬3) في ب: «هذا».
(¬4) وهو طاهرِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرشيد بن الحسين البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: «النصاب»، و «خزانة الواقعات»، و «خلاصة الفتاوي»، (482ـ 542هـ). ينظر: «الفوائد البهية» (ص146)، و «الجواهر المضية» (2: 276)، و «تاج التراجم» (ص172).
بالعبدِ المفهومِ من الكلامِ المرقومِ تشريكه (¬1) لله في الخلق؛ لأنا نقول: قد عرفتَ فيما سبق أنَّ له محملاً آخر لا خلل فيه أصلاً، والأصلُ فيما له وجوه: أحدُّها إلى الصواب: أن (¬2) لا يُقْدِمَ على التخطئة فضلاً عن التَّكفير (¬3)، ثمّ إنَّ التَّعليلَ موجبُه الخطأ لا الشرك.
وإيّاك أن تتوهَّم أنَّ الأمرَ الواردَ في قوله تعالى: {فتوكل على الله} آل عمران: 159 بالتوكُّلِ الذي مرجعُه إلى كِلةِ الأمرِ كلِّه إلى مالكه، والتعويل على وكالته يستلزمُ الَّنهي عن التُّوسُّل بالكسب وأسبابه؛ لأنَّ
¬
(¬1) في أ: «تشريك».
(¬2) «أن»: ساقطة من أ.
(¬3) نقل الطحاوي عن أصحابنا: لا يخرج الرجل من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيهّ ثم ما تيقّن أنّه ردّة يُحكم بها، وما يُشكُّ أنّه ردّة لا يحكم بها؛ إذ الإسلام الثّابت لا يزول بالشَّك مع أنّ الإسلام يعلو، وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع أنَّه يقضي بصحة إسلام المكره، وفي الفتاوى الصغرى: الكفرٌ شيءٌ عظيمٌ فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت روايةً أنّه لا يكفر، اهـ، وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألةِ وجوهٌ توجب التّكفير ووجهٌ واحدٌ يمنعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التّكفير تحسيناً للظنّ بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرّح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتارخانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأنّ الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية، ومع الاحتمال لا نهاية، اهـ، والذي تحرَّر أنّه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير فيها. ينظر: رد المحتار4: 224.
التوكُّلَ (¬1) إسقاطُ الأسبابِ عن حيزِ الاعتدادِ بها والاعتماد عليها (¬2)، [والاستظهار بادِّخار الذَّخائر لا إسقاطها عن حيزِ الإمداد على الوجه المعتاد] (¬3).
وقد أشارَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: إلى أنَ التَّوكُّلَ ليس التَّعطُّل (¬4)، بل لا بُدَّ فيه من التوسُّلِ بنوعٍ من السَّبب، حيث قال: «لو توكَّلتم على الله حَقَّ التَّوكُّل لرزقتُّم كما تُرزقُ الطَّير، تغدو خماصاً، وتروحُ بطاناً» (¬5)، فإنَّ الطَّيرَ تُرزقُ
¬
(¬1) تنوعت العبارات في بيان معنى التوكّل ومنها: قال ابن مسروق: التّوكُّلُ: الاستسلام لجريان القضاء في الأحكام. قال سهل: التَّوكُّلُ: الاسترسال بين يدى الله تعالى. ةقال أبو عبد الله القرشى: التوكّل: ترك الإيواء إلا إلى الله - عز وجل -. وقال أبو أيوب: التوكّل: طرح البدن فى العبودية وتعلّق القلب بالربوبية والطّمأنينة إلى الكفاية. وقال الجنيد: حقيقة التّوكُّل: أن يكون لله تعالى كما لم يكن، فيكون الله له كما لم يزل. ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف ص101.
(¬2) «عليها»: ساقطة من ب.
(¬3) ما بين المعكوفين ساقط من ب.
أي التوكّل بعدم الاعتماد على الأسباب الدنيوية، والاعتماد على الله - عز وجل -، مع القيام بالأسباب على أكمل وجه، فمعنى إسقاط الأسباب ... أي: عدم الاعتماد عليها، ومعنى: الاستظهار بادخار ... أي الاعتماد على الله - عز وجل -، ومعنى لا إسقاطها عن حيز ... : أي القيام بالأسباب ... والله أعلم.
(¬4) في ب: «التعطيل».
(¬5) فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حقّ توكله لرزقتم كما
يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» في سنن الترمذي4: 573، وقال: حسن صحيح، وسنن ابن ماجة2: 1364، وصحيح ابن حبان2: 509، ومسند أحمد1: 332، وغيرها.
بالطَّلبِ والسَّعي.
فإن قلت: ما تقول في قول مَن قال: الرِّزقُ مقسومٌ فلا ترحل له، والموت محتوم (¬1) فلا توجل به.
ومَن قال: رزق بو برتو زتو عاشق تراست رو توكل كن ملرزان يا ودست كرتو نشتابي بيايد بردرت ور تو يشتابي دهد درد سرت.
ومَن قال: نصيبُك يصيبُك.
ومَن قال: در بي آن غله كه بيموده كشت رنجه مشو جون قلم آسوده كشت.
قلتُ: القولُ ما قالت حَذَام (¬2) (¬3).
¬
(¬1) في ب: «مختوم».
(¬2) هذا شطر من بيت قاله لجيم بن صعب والد حنيفة وعجل، وحذام: امرأته، وفيها يقولهما، والبيت هو:
إذا قالت حَذَام فَصَدِّقوها .... ... فإنَّ القولَ ما قالت حَذَام
ومعناه: هذه المرأة صادقة في كلِّ ما تذكره من قول، إذا قالت لكم قولاً، فاعلموا أنّه القول المعتد به الذي لا يصحّ خلافه، فيلزمكم تصديقها والتيقن بما تقول. ينظر: «شرح قطر الندى» (ص14).
(¬3) ومعنى جوابه هنا: لا عبرة لهذا الكلام بعدما ثبت فيما سبق معنى التوكل، فلا يلتفت لهذه المقولات، وذكرها بعد العرض السابق المتيقن، كمَن يقول: القول ما قالت حَذام، يعني: نريد أن نبقى على هذا الفهم السيء التوكل رغم كل ما سبق، والله أعلم
والكلامُ المنقولُ عن فحولِ الأعلامِ لا يعارضُ الخبرَ المرويَ عن خيرِ الأنام، «إذا جاء نهر الله بطلَ نهرُ معقل (¬1)» (¬2).
وإذ قد فرغنا عمَّا شرعنا فيه، فلنختم المقالة في هذه الرسالة بتفسير ما تقدَّم ذكرُه في مقامِ الاستدلال من قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} النجم: 39 (¬3) الآية (¬4) على وجه يقتضيه الدِّراية، ويمضيه الرِّواية، وتحرير (¬5) ما ينحلُّ به الإشكال، ويضمحلُّ القيل والقال.
ولنقدم أمامَ الكلام مقدمةً لا بُدّ من تقديمها على الشُّروعِ في تحقيقِ المقالِ في هذا المقام، وهي أنّه يجوزُ للمؤمن أن يجعلَ ثوابَ عملِه لغيره صلاةً كان، أو صياماً، أو حجّاً، أو صدقةً، أو قراءة، أو غير ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل، ومَن تابعهم من الأئمة (¬6) المجتهدين - رضي الله عنهم - (¬7).
¬
(¬1) ونهر معقل بالبصرة، نسب إلى معقل بن يسار المزني - رضي الله عنه -، كما في تاج العروس 30: 39.
(¬2) هذا مثل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، والمراد بنهر الله ما يقع عند المدّ فإنّه يطم على الأنهار كلها. ينظر: خلاصة الأثر2: 280.
(¬3) وقبلها: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} الأنعام: 164.
(¬4) «الآية»: زيادة من أ.
(¬5) في أ: «وتقرير».
(¬6) في ب: «أئمة».
(¬7) قال الإمام العيني في منحة السلوك2: 241: «اعلم أَنّ الإنسانَ له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أَهل السنة والجماعة صلاةً كان أو صوماً أو حجّاً أو صدقة أو قراءةَ قرآن أو أَذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع العبادات من البرّ يصل ذلك إلى الميت وينفعه، وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يَصِل إليه ولا ينفعه ... »، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ أَبرّ البرّ أن يصل الرجلُ أهل ود أبيه» في سنن الترمذي 4: 313، وصححه، ومسند أحمد 2: 97، وصحيح ابن حبان2: 173، وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرءوا على موتاكم يس» في سنن أبي داود 2: 208، ومسند أحمد 5: 26، وصحيح ابن حبان 7: 269، وسنن النسائي الكبرى 6: 265، وسنن البيهقي الكبير 3: 383، والمعجم الكبير 20: 219، ومسند الطيالسي 1: 126.
وقد رُوي في [صحيحي «البُخاريّ»] (¬1) و «مسلم»: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضَحَّى بكبشين أملحين أحدُهما عن نفسِه، والآخرُ عن أمَّتِه» (¬2): أي جعل ثوابَه لهم.
وذكرَ عبدُ الحقِّ (¬3) صاحب «الأحكام» في «العاقبة» (¬4): «رُوِيَ عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الميِّتُ [في قبره] (¬5) كالغريقِ ينتظرُ دعوةً تلحقه (¬6) من
¬
(¬1) في ب: «الصحيحين للبخاري».
(¬2) فعن أنس - رضي الله عنه -، قال: «ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» في البخاري7: 102، وصحيح مسلم3: 1556، وغيرهما، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يضحى اشترى كبشين عظيمين سمينين أملحين أقرنين موجوأين فيذبح أحدهما عن أمته ممن شهد بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وآل محمد» في مسند أحمد 6: 225، والمستدرك 2: 425، وصححه، وسنن الدارقطني 4: 285، والمعجم الكبير1: 311، والمعجم الأوسط2: 250، ومسند أبي يعلى3: 11، وغيرها، قال العيني في المنحة2: 241: أي جعل ثوابه لأمته.
(¬3) وهو عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأَزْدِيّ الإشْبِيليّ، أبو محمد، المعروف بـ (ابن الخرَّاط)، كان فقيهاً حافظاً عالماً بالحديث وعلله ورجاله، من مؤلفاته: «الأحكام الشرعية الكبرى»، و «الأحكام الصغرى»، و «الأحكام الوسطى»، و «الجامع الكبير»، و «المعتل في الحديث»، (510 - 581هـ). ينظر: «تهذيب الأسماء» (1: 292)، و «العبر» (4: 243).
(¬4) العاقبة في ذكر الموت ص216.
(¬5) غير مذكور في العاقبة ص216.
(¬6) في ب: «يلحقه».
ابنه، أو أخيه، أو صديق له، فإذا لحقَته كان أحبُّ إليه من الدنيا وما فيها» (¬1).
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ (¬2) عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنَّ النّبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَن مَرَّ على المقابر، فقرأ: [{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} الإخلاص: 1] (¬3) أحدَ عشرَ مرّةً، ثمَّ وهبَ أجرَها للأمواتِ أُعْطِيَ من الأجرِ بعددِ الأموات» (¬4).
¬
(¬1) فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما الميت في القبر إلا كالغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإنَّ الله - عز وجل - ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإنَّ هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم» في شعب الإيمان10: 300، قال أبو علي الحافظ: وهذا حديث غريب من حديث عبد الله بن المبارك، لم يقع عند أهل خراسان، ولم أكتبه إلا من هذا الشيخ، قال الإمام أحمد: قد رواه ببعض معناه محمد بن خزيمة البصري أبو بكر، عن محمد بن أبي عياش، عن ابن المبارك، وابن أبي عياش، ينفرد به، والله أعلم
(¬2) وهو علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن. قال أبو الطيب الطَبَري: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. من مؤلفاته: «السنن الكبرى»، و «المختلف والمؤتلف»، و «الأفراد»، (306 - 385هـ). ينظر: «روض المناظر» (ص184 - 185)، و «الكامل في التاريخ» (7: 174)، و «طبقات الشافعية الكبرى» (2: 312)، و «الأنساب» (2: 437 - 439)، و «الرسالة المستطرفة» (ص18 - 19).
(¬3) في أ: «الإخلاص».
(¬4) فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مَرَّ على المقابر وقرأ: {قل هو الله أحد} الإخلاص: 1 إحدى عشرة مَرّة ثمّ وهب أَجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات) في فضائل سورة الإخلاص ص102، والتذكرة للقرطبي 1: 84، وينظر: تحفة الأحوذي 3: 275، وكنز العمال 15: 1018.
وروى الحافظُ (¬1) في «شرح السُّنَّة» (¬2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه قال: «يموتُ الرّجلُ ويُدْعَ له (¬3)، فترفعُ له درجتُه، فيقول: يا ربّ ما هذا؟ فيقول: استغفار ولدكَ لك» (¬4).
وقال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} التوبة: 113، ويُفْهَمُ من هذا أنَّ استغفارَهم للمؤمنين مفيد.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} الحشر: 10، دلَّ على أنَّ هذا الدُّعاءَ ينفعُهم.
¬
(¬1) وهو هبة الله بن حسن بن منصور الطبري الرازي اللاَّلكائي الشافعي، أبو القاسم، من مؤلفاته: «مذاهب أهل السنة»، و «شرح أصول اعتقاد أهل السنة الجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة»، و «رجال الصحابة»، و «السنن»، (ت418هـ). ينظر: «طبقات الأسنوي» (2: 191)، و «العبر» (3: 130)، و «معجم المؤلفين» (4: 54).
(¬2) لعله: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 6: 1226؛ لأنَّه رواه فيه.
(¬3) في ب: «ولداً».
(¬4) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الرّجل لترفع درجتُه في الجنة فيقول: أنى هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» في سنن ابن ماجة2: 1207، ومسند أحمد16: 356، والمعجم الأوسط5: 210، وغيرها.
وأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شفيعٌ مشفعٌ (¬1) يوم الحشر (¬2)، ينتفعُ بشفاعته عصاةُ المؤمنين.
وأنَّ العلماءَ قد أجمعوا على أنَّ المسلمَ يؤجرُ على الأمراضِ والأعراضِ حتى الشَّوكةَ يُشاكُها (¬3) يرفعُ له بها درجتُه (¬4) ويحطُّ بها عنه خطيئتُه (¬5).
وإذا تقرَّرَ هذا، فنقول: لا يجوزُ أن يكون معنى القول المذكور (¬6) ما هو الظَّاهرُ (¬7) المتبادرُ إلى الفهمِ من أنَّه لا ينفعُ الإنسان إلاَّ عملَه كما لا يضرُّه إلاَّ عملَه؛ لأنَّه منقوضٌ من وجوه، وقد نبهتُ عليها آنفاً، بل المعنى والله أعلم: لا أجر للإنسان إلاّ أجرَ عمله كما لا وزر له إلاّ وزر
¬
(¬1) والأحاديث في ذلك كثيرة، ومنها: عن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة فيدخلون، ثم أقول أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء» في صحيح البخاري9: 146.
(¬2) في ب: «المحشر».
(¬3) عن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها» في صحيح البخاري7: 114، وصحيح مسلم4: 1992، وغيرها.
(¬4) في ب: «درجة».
(¬5) في ب: «خطيئة».
(¬6) أي معنى الآية الكريمة: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} النجم: 39.
(¬7) في ب: «الظاهر منه».
عمله، على تقدير المضاف (¬1)، أو على طريقة المجاز، وما يصل (¬2) إلى الإنسان في الصُّورة المذكورة، فليس من قبيل الأجر على العمل، فلا يَرِدُ النَّقضُ بها.
وأمّا الذي ذكرَه الإمامُ البَيضاويُّ (¬3) في «تفسيره» بقوله: «أي (¬4) كما لا يؤاخذ (¬5) أحدٌ (¬6) بذنبٍ الغيرِ لا يثابُ بفعله، و [ما جاء] (¬7) في الأخبارِ من (¬8) أنَّ الصَّدقةَ والحجَّ ينفعان المَيْت، فلكون النَّاوي له (¬9) كالنَّائب عنه» (¬10).
¬
(¬1) أي قدَّرنا في فهمِ الآيةِ المضاف، وهو الأجر أو الوزر، وممكن أن يفهم هذا الأجر أو الوزر بطريق المجاز.
(¬2) في ب: «يصلح».
(¬3) وهو عبد الله بن عمر بن محمد الشِّيرَازِيّ البَيْضَاوِيّ، أبو سعيد أو أبو الخير، ناصر الدين، والبَيْضَاويّ نسبة إلى مدينة البيضاء بفارس من عمل شيراز، من مؤلفاته: «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»، و «طوالع الأنوار»، و «منهاج الوصول إلى علم الأصول»، و «لب اللباب في علم الإعراب»، و «الغاية القصوى في دراية الفتوى»، اختصر فيه «الوسيط»، (ت685). ينظر: «طبقات الأسنوي» (1: 136)، و «كشف الظنون» (1: 186)، و «معجم المؤلفين» (2: 266 - 267).
(¬4) «أي»: زيادة من ب.
(¬5) كما في تفسير البيضاوي وفي النسخ: «يؤخذ».
(¬6) «أحدٌ»: زيادة من تفسير اليضاوي5: 161.
(¬7) ما بين المعكوفين زيادة من تفسير البيضاوي 5: 161.
(¬8) «من»: زيادة من تفسير اليضاوي5: 161.
(¬9) أي: لما نواه له صار بمنْزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعاً، فكأنَّه بسعيه. ينظر: «حاشية الخفاجي» (8: 116).
(¬10) انتهى كلام البيضاوي في «تفسيره» (8: 116).
فمَعَ ما في تعليلِه (¬1) من الضَّعفِ الظاهرِ لا يندفعُ به الإشكالُ (¬2) بحذافيرِه كما لا يخفى (¬3).
[تمَّ الرَّسالة بعون وليّ العناية] (¬4).
* * *
¬
(¬1) أي: تعليل البيضاوي.
(¬2) أي: الإشكال الذي تفيده عبارته: كما لا يؤخذ بذنب الغير لا يثاب بفعله.
(¬3) أي: ما أورده البيضاويّ من تقدير للآية لا يدفع الإشكال السّابق، وكذلك تعليله بأنَّ الناوي نائب عنه ضعيف، بخلاف التقدير الذي سبق من المصنف، والله أعلم.
(¬4) ما بين المعكوفين زيادة من أ.
المراجع:
1. الآداب لأحمد بن الحسين الخُسْرَوْجِردي الخراساني البيهقي (ت458هـ)، ت: أبو عبد الله السعيد المندوه، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، ط1، 1408 هـ - 1988 م.
2. أدب الدنيا والدين: لأبي الحسن علي بن محمد البغدادي، الشهير بالماوردي (ت: 450هـ)، دار مكتبة الحياة، بدون طبعة، 1986م.
3. الأدب المفرد: لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط3، 1409هـ.
4. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، بدون دار طبع، وتاريخ طبع.
5. الأنساب: لأبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السَّمْعَاني (ت562هـ)، ت: عبد الله بن عمر البارودي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط1، 1988هـ.
6. بدائع الفوائد: لابن قيم الجوزية، ت: علي بن محمد العمران، مجمع الفقه الإسلامي بجدة.
7. بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية: لأبي سعيد الخادمي، دار إحياء الكتب العربية.
8. تاج التراجم: لأبي الفداء قاسم بن قُطْلُوبُغَا (ت879هـ)، ت: محمد خير رمضان، دار القلم، دمشق، ط1، 1992مـ.
9. تاج العروس من جواهر القاموس: للسيد محمد مرتضى الزُّبَيْدِيّ (ت1205هـ)، طبعة الكويت.
10. تاريخ آداب اللغة العربية: لجرجي زيدان، ت: الدكتور شوقي ضيف، دار الهلال.
11. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (1283 - 1353هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
12. تحفة الملوك: لمحمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، ت: الدكتور عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1997م، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، ط1، 2006م.
13. تخريج أحاديث الإحياء للعراقي وابن السبكي والزبيدي: جمع محمود الحداد، دار العاصمة للنشر، الرياض، ط1، 1408هـ.
14. التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي شمس الدين (ت671هـ)، ت: الدكتور الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1425 هـ.
15. التعرف لمذهب أهل التصوف: لأبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (ت: 380هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت.
16. تفسير البيضاوي: لعبد الله بن عمر البيضاوي (ت685هـ)، ت: عبد القادر حسونة، دار الفكر، بيروت، 1416هـ.
17. تقريب التهذيب: لأحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (ت852هـ)، ت: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط1، 1996مـ.
18. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
19. تهذيب الأسماء واللغات: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ (631 - 676هـ)، المطبعة المنيرية.
20. تيسير التحرير: لمحمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير بادشاه الحنفي (ت: 972هـ)، دار الفكر – بيروت.
21. التيسير بشرح الجامع الصغير: لعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت: 1031هـ)، مكتبة الإمام الشافعي – الرياض، ط3، 1408هـ - 1988م.
22. الجواهر المضية في طبقات الحنفية: لعبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي (ت775هـ)، ت: عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1413هـ.
23. حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع: لحسن بن محمد بن محمود العطار (ت569هـ)، دار الكتب العلمية.
24. خزانة التراث: فهرس مخطوطات قام بإصداره مركز الملك فيصل.
25. الذريعة إلى مكارم الشريعة: لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ)، ت: د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار النشر: دار السلام – القاهرة، 1428 هـ - 2007م.
26. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
27. رسائل ابن كمال لشمس الدين أحمد بن سليمان، المعروف بابن كمال باشا، (ت940هـ)، الناشر: أحمد جودت، مطبعة إقدار بدار الخلافة العلية، 1316هـ.
28. الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة: لمحمد بن جعفر الكتاني، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.
29. روض المناظر في علم الأوائل والأَواخر: لمحمد بن محمد ابن الشحنة (815هـ)، ت: سيد محمد مهنى، دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ.
30. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
31. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
32. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
33. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
34. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
35. شرح قطر الندى: لعبد الله بن هشام الأنصاري (ت761هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مصورة عن مطبعة السعادة بمصر، ط11، 1383هـ.
36. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458هـ)، ت: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
37. الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية: لطاشكبرى زاده (ت968هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1975م.
38. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
39. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
40. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
41. الطبقات السنية في تراجم الحنفية: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، ت: الدكتور عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، 1403هـ.
42. طبقات الشافعية الكبرى: لعبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي تاج الدين (727 - 771هـ)، دار المعرفة، ط2.
43. طبقات المفسرين: لمحمد بن علي الداودي (ت945هـ)، ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1، 1392هـ.
44. طريق الهجرتين وباب السعادتين: لابن قيم الجوزية، ت: محمد أجمل الإصلاحي، وزائد بن أحمد، مجمع الفقه الإسلامي بجدة، 1429.
45. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963مـ.
46. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، المطبعة الميرية ببولاق، مصر، 1300هـ.
47. عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي: لمحمد بن عمر الخفاجي الحنفي، دار صادر.
48. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
49. الفروع: لمحمد بن مفلح المقدسي (717 - 762هـ)، تحقيق: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ، وأيضاً: طبعة عالم الكتب.
50. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
51. الكامل في التاريخ: لعلي بن محمد ابن الأثير الجزري (ت630هـ)، دار الكتاب العربي.
52. كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار: لمحمود بن سليمان الكفوي توفي نحو (990هـ)، من مخطوطات المكتبة القادرية، بغداد.
53. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
54. الكمال بن الهمام وتحقيقه رسالته إعراب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان في اللسان» ت: أ. د. قحطان الدوري، كتاب ناشرون، لبنان، ط2، 1432هـ.
55. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: لعلي بن حسام الدين المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1989م.
56. لسان العرب: لأبي الفضل محمد بن مكرم الإفريقي المصري المشهور بـ (ابن منظور) (ت711هـ)، ت: عبْد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، دار المعارف.
57. لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَلامي البغدادي الدمشقي الحنبلي زين الدين (ت795هـ)، دار ابن حزم للطباعة والنشر، ط1، 1424هـ- 2004م.
58. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
59. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
60. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
61. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: لابن قيم الجوزية، د ار الكتاب العربي، 1996م.
62. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
63. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
64. مسند أبي داود الطيالسي: لسليمان بن داود (ت204هـ)، دار المعرفة، بيروت.
65. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، ت: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
66. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
67. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، ت: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ.
68. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
69. معجم الأدباء: لأبي عبد الله شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي البغدادي (ت626هـ)، مكتبة عيسى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة.
70. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، ت: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
71. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
72. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
73. المعجم الوسيط: للدكتور إبرهيم أنيس والدكتور عبد الحليم متنصر وعطية الصوالحي ومحمد خلف، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
74. المغرب في ترتيب المعرب: لناصر بن عبد السيد المُطَرِّزِىّ (616هـ)، دار الكتاب العربي.
75. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
76. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، ت: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1421هـ.
77. ميزان الاعتدال في نقد الرجال: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: الدكتور عبد الفتاح أبو سنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1416هـ.
78. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
79. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خَلكان (608 - 681هـ)، ت: الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
80. ويكيبيديا http://ar.wikipedia.org/wiki.