الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة أبي الليث السّمرقندي
المشهورة بمقدمة الصلاة
للزاهد، العالم، العامل، الأستاذ، المحدّث، المتقن، إمام الهدى
الفقيه أبو الليث: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الخطاب السَّمَرْقَنْدِي المتوفى سنة (373 هـ)
ومعها
قطرات الندى على مقدمة إمام الهدى
للأستاذة سعاد حمزة
الجزء 1 · صفحة 6
إهداء
أهدي هذا الجهد المتواضع:
* إلى المبعوث رحمة للعالمين، إلى سيدي، وقرة عيني، وقائدي، وقدوتي، محمد خاتم الأنبياء والمرسلين - عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم -.
* إلى من جعل الله بِرهم طريقاً إلى الجنان، إلى والدي العزيزين.
* إلى علمائنا الأفاضل، الذين أفاضوا علينا من غزير علمهم، وأحاطونا بكمال حلمهم، فعن شكرهم تعجز ألسنتنا، وتقصر عباراتنا، ولا يسعنا إلا أن ندعو الله أن يعطيهم من خيري الدنيا والآخرة ما لا يخطر لهم على بال، ويفتح لهم أبواب التوفيق في كل مجال، وينفع بعلمهم أمة الإسلام.
* إلى من اشتغلوا بالمخطوطات قديماً وحديثاً، نسخاً وتحقيقاً، الذين وهبوا أحلى ساعات حياتهم بالعيش في أروقة المكتبات، وبين رفوف المخطوطات.
* إلى كل طالب علم غيور على دينه، حريص على تطبيق شريعة الله في أرضه.
* إلى كل من حمل آمال الأمة وآلامها في قلبه وعقله.
إلى كل هؤلاء وأولئك أهدي هذا الجهد المتواضع، راجيةً من الله العلي العظيم أن يجعله في ميزان حسناتي، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
* * *
الجزء 1 · صفحة 7
شكر وتقدير
وإني لأحمد الله عز وجل وأشكره على نعمه الكثيرة المتتالية عليَّ، ومنها تيسيره لي إتمام هذا العمل، والتزاماً بقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» (¬1)، ومن باب ذكر الفضل لأهله، فإنني أرى لزاماً علي، أن أسجل عظيم شكري وامتناني لكل من مد لي يد العون والمساعدة حتى خرجت هذه المقدمة إلى عالم النور مطبوعة محققة، ثم إنني أخص بالذكر أستاذي الفاضل الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، الذي ما بخل عليّ بخبرته في التحقيق، ولا بمكتبته القيمة.
كما أتقدم بالشكر إلى رئيس قسم الفقه وأصوله، أستاذي الفاضل الدكتور خلوق ضيف الله آغا، الذي ظل يتابع جميع مراحل هذا العمل، بدأً بقََبوله، إلى أن خرج بهذه الصورة.
والشكر موصول إلى الكلية المباركة، كلية الشريعة والقانون، فهي بين الكليات يتيمة العَقد، من ينابيعها المباركة صدر أهل الحل والعقد، وإنني أرفع من خلال هذه الكلية، شكري إلى الجامعة الأم، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، التي أسأل الله ? أن تظل علماً شامخاً بين الجامعات، وأن تشمل بفروعها مختلف القارات، فجزى الله الجميع خير الجزاء، وبارك في جهودهم، ووفَّقهم لما فيه خير هذه الجامعة.
¬
(¬1) الحديث بهذا اللفظ عن أبي هريرة ط مرفوعاً، في سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، 4/ 339، واللفظ له. وسنن أبي داود: كتاب الأدب، باب في شكر المعروف، 2/ 671. وصحيح ابن حبان، كتاب الزكاة: باب ذكر ما يجب على المرء من الشكر لأخيه المسلم عند الإحسان إليه، 8/ 198. ومسند أحمد، مسند المكثرين، 2/ 295، وقال الشيخ شعيب: إسناده صحيح على شرط مسلم.
الجزء 1 · صفحة 8
كما لا يفوتني أن أتوجه بشكر وتقدير وتبجيل خاص جداً إلى والدي العزيز الأب الباني، المحب المتفاني، وإلى أمي الحنون، والوالدة الرءوم، وفاءً ومحبة، فدعمهم وحبهم كان سر نجاحي في اجتياز كل المصاعب بعد توفيق الله عز وجل.
* * *
الجزء 1 · صفحة 9
المقدمة
الحمد لله الذي جعل العبادة مفتاح السادة، ومطمح السيادة، وملمح الحسنى والزيادة، وجعل الصلاة عمود قيامها، وذروة سنامها، وعمدة أحكامها، والصلاة والسلام على أفضل خلقه، سيدنا محمد، الذي جعلت في الصلاة قرة عينه (¬1)، وعلى آله وصحبه، الذين بلغوا في نصرة الدين إلى أقصى النهاية، وعلى من تبعهم من الأئمة المجتهدين، الذين تعالت هممهم لاستنباط أحكام الدين، واستفرغوا وسعهم لإيضاح السبل للسالكين، وعلى مقلديهم، ومتبعيهم، ومن سلك مسلكهم، وتمذهب بمذهبهم، من الفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين، والمحدثين، والمفسرين، وبعد:
فإنّ مسؤولية الإنسان عن هذا الدين مسؤولية عظيمة، مقتضية منه أن يبذل نفسه ووقته، في سبيل التمكين لهذا الدين؛ اعترافاً منه بالجميل لما تتابع عليه من أفضال الجليل، وحمداً لنعمه ? التي أسبغها عليه ظاهرة وباطنه، وإن من اعتراف العبد بجميل الجليل، اشتغالُه بعلم الفقه، تعلماً وتعليماً، ففي اشتغاله بذلك خير، وأيُّ خير، قال >: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدّين)) (¬2).
ومن منطلق التسليم بأهمية الفقه في الدين، حرصت جامعة العلوم الإسلامية العالمية على أن تكلف طلابها ببحوث علمية، تتناول بالدراسة مختلف
¬
(¬1) هذه الخطبة مقتبسة من الخطبة التي بدأ بها الفقيه إبراهيم الحلبي كتابه حلبي صغير بتصرف يسير.
(¬2) الحديث بهذا اللفظ عن معاوية ط مرفوعاً، في صحيح البخاري: كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، 1/ 39. وصحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، 2/ 718.
الجزء 1 · صفحة 10
الجوانب العلمية، وفي هذا الإطار أولت اهتماماً كبيراً بتحقيق المخطوطات بالنسبة لطلبة الدراسات العليا، وليس هذا الاهتمام بالتحقيق، وتكليف الطلاب به، إلاَّ وليد قناعة بأهميته، ونتيجة علم بمدى مساهمته في تكوين ملكة علمية قوية لدى الطالب، وتلقيح وصياغة لعقليته، حتى يكون باحثاً همه الوصول إلى الحقيقة بأمانة وتجرد.
ولا شك أن لتحقيق المخطوطات - خاصة التي تعنى بالعلوم الشرعية - متعة لا توازيها متعة، وفوائد لا يمكن حصرها، وثمرة عظيمة يجنيها طلاب العلم والباحثون، فضلاً عما فيها من إثراء للمجال الذي يطرقه ذلك الكتاب المراد تحقيقه، خاصة إذا كان ذلك الكتاب المحُقق له مكانة معتبرة، ولعالمٍ مشهور له باع طويل في ذلك الفن الذي أَلف فيه.
وتتجلى أهمية المخطوطات، في كونها جزءً من التراث الإسلامي العريق؛ الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية، فدراستها تدفع إلى التعرف على أسباب نهوض السلف، ومعرفة الطريق الذي ساروا عليه في مسيرة بنائهم الحضاري.
وعليه فإن التحقيق جهد علمي هام، لا يقل أهمية عن التأليف، فهو يعمل على إحياء تراث الأمة، والتعريف به وإبرازه، ونقله إلى الأجيال الصاعدة، لتستفيد من هذا النتاج الفكري الشامخ، الذي خلفه أسلافهم الأوائل، والذي يحوي ذخيرة علمية، تعتبر محصلة لما تركه لنا العلماء الأجلاء، الذين أفنوا حياتهم لجمع ونشر هذا العلم، ومعلوم أن خلف هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به سلفها.
وانسجاماً مع هذه التوجهات السامية، ومراعاة لهذه المقاصد النبيلة، عزمت على الخوض في مجال التحقيق في علم الفقه، ثم إنه وقع اختياري على مخطوط لـ «مقدمة أبي الليث السمرقندي» المشهورة بـ «مقدمة الصلاة»، فوجهت همتي إلى تحقيقها؛ قياماً ببعض الواجب، ومساهمة في إحياء الكنوز
الجزء 1 · صفحة 11
العلمية لعلمائنا، ومحافظة عليها من الضياع، ورغبة في تسهيل إطلاع طلبة العلم الشرعي على تراث أسلافهم، وخدمة للعلم وأهله.
ومما دفعتني لاختيار هذه المقدمة من بين غيرها من المخطوطات، وَجَعَلها جديرة بالتحقيق في نظري، المكانة التي احتلتها في المذهب الحنفي، والشهرة التي حظيت بها، وهذا يرجع بدوره إلى أسباب أهمها:
موضوعها، وهو الصلاة والطهارة، فإن أنواع العلوم كثيرة، وأهم الأنواع بالتحصيل مسائل الصلاة والطهارة؛ لأنها واجبة على الغني والفقير، ومتكررة في كل يوم وليلة، كما أن الصلاة من أعظم العبادات وأفضلها وأكملها بعد الإيمان بالله ?، فهي عماد الدين، ومن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
فضلاً عن ما فيها من الإيجاز والاختصار الشديد، الذي يمكن طلبة العلم المبتدئين من ضبطها في دروس معدودة، تمهيداً لغيرها من المطولات.
وكذلك مُنحت هذه المقدمة أهمية من جهة أخرى، وهي مكانة مصنفها العلمية، حيث إنه يعد من ضمن أصحاب الترجيح في المذهب الحنفي، ولفتاواه واختياراته مكانتها في المذهب.
قال الدكتور صلاح الدين الناهي (¬1): ((فإن تحقيق مخطوطة الفقيه أبي الليث، ونشرها، يعود بالفائدة على دارسي تطور الفكر الفقهي في الإسلام؛ لأنه يقدم لهم حلقة أخرى من كتب الفقه الحنفي، ترجع في تاريخ تأليفها للقرن الرابع
¬
(¬1) مقدمة تحقيق المصنفات الفقهية لإمام الهدى الفقيه أبي الليث خزانة الفقه وعيون المسائل، 1/ 7. (ت: د. صلاح الدين الناهي، شركة الطبع والنشر الأهلية - بغداد، 1965 مـ).
الجزء 1 · صفحة 12
الهجري، وتمتد جذورها من حيث هي عرض لأقوال الرعيل الأول من فقهاء الحنفية، بكتب فقهاء الحنفية في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وما بعدهما)).
لهذا نجد أن المخطوط الذي بين أيدينا له مكانة بارزة في الفقه الحنفي.
كما عزز اختيار هذه المقدمة عامل آخر، وهو صغر حجمها، الذي جعلها مناسبة تماماً لأن تكون بحثاً للتخرج.
هذا وقد جعلت عملي في خدمة هذا الكتاب على قسمين:
القسم الأول: قسم الدراسة، ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: الدراسة عن المُصَنِّف، ويشتمل على تمهيد، وثمانية مباحث:
المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، وكنيته، ولقبه، وأسرته، وبيئته، ويشتمل على ستة مطالب:
المطلب الأول: اسمه، ونسبه.
المطلب الثاني: مولده.
المطلب الثالث: كنيته.
المطلب الرابع: لقبه.
المطلب الخامس: أسرته.
المطلب السادس: بيئته.
المبحث الثاني: عصره، ويشتمل على تمهيد، وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: عصره من الناحية الاجتماعية.
المطلب الثاني: عصره من الناحية الثقافية.
المطلب الثالث: مدرسة ما وراء النهر وتأثيرها في شخصية المُصَنِّف.
المبحث الثالث: شيوخه، وتلاميذه، ويشتمل على مطلبين:
الجزء 1 · صفحة 13
المطلب الأول: شيوخه.
المطلب الثاني: تلاميذه.
المبحث الرابع: رحلاته.
المبحث الخامس: مؤلفاته: ويشتمل على تمهيد، وأربعة مطالب:
المطلب الأول: مصنفاته في علم أصول الدين.
المطلب الثاني: مصنفاته في علم الفقه.
المطلب الثالث: مصنفاته في علم التفسير.
المطلب الرابع: مصنفاته في علم الأخلاق.
المبحث السادس: منصبه، وطبقته، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: منصبه.
المطلب الثاني: طَبَقَته وترتيبه بين المجتهدين.
المبحث السابع: مكانته، وثناء العلماء عليه.
المبحث الثامن: وفاته، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: مكان وفاته.
المطلب الثاني: تاريخ وفاته.
الفصل الثاني: الدراسة عن المقدمة، ويشتمل على تمهيد، وتسعة مباحث:
المبحث الأول: عنوان المقدمة، وصحة نسبتها إلى المُصَنِّف، والموضوعات التي اشتملت عليها، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: عنوان المقدمة.
المطلب الثاني: صحة نسبة المقدمة إلى المُصَنِّف.
المطلب الثالث: الموضوعات التي اشتملت عليها المقدمة.
المبحث الثاني: مدى عناية العلماء بالمقدمة، ويشتمل على تمهيد، ومطلبين:
الجزء 1 · صفحة 14
المطلب الأول: شروحها.
المطلب الثاني: ذكر من نظمها، وخرجها.
المبحث الثالث: المكانة التي احتلتها المقدمة، وأسباب شهرتها، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: المكانة التي احتلتها.
المطلب الثاني: أسباب شهرتها.
المبحث الرابع: منهج المُصَنِّف في المقدمة.
المبحث الخامس: مسامحات المُصَنِّف.
المبحث السادس: المنهج المتبع في تحقيق المقدمة.
المبحث السابع: المصادر التي ذكرها المُصَنِّف في ((مقدمته)).
المبحث الثامن: مخطوطات المقدمة.
المبحث التاسع: وصف النسخ المعتمدة في تحقيق المقدمة.
القسم الثاني: قسم التحقيق، ويشتمل على نص المقدمة كاملاً، محققاً، ومعلقاً عليه.
ثم إنني أغتنم هذه الفرصة فأدعو الباحثين، وطلبة الدراسات العليا، إلى توجيه مزيد من الاهتمام لتحقيق المخطوطات ونشرها، فلا يصح أن تبقى هذه الكنوز مطمورة وغير مستفاد منها، ولا يخفى أن الأمة الإسلامية قد حظيت بتراث علمي وثقافي مخطوط قل أن حظيت بمثله أمة من الأمم عبر التاريخ، وما حُقِقَ منه قليل جداً، فلا بد من بذل مزيد من الجهود لإحياء هذه الذخائر العظيمة، وإخراجها إلى عالم النور بالطباعة والتحقيق العلمي الرصين.
فها هو البحث يكتمل بتوفيق من الله في البداية، وتسديد منه في النهاية، فلولا ما اكتنفني من لطفه لما تتابعت الخطوات، ولغلب جانب العجز والتواني جانب الجدِّ والعزيمة، فكان الفشل، ولكن الله سلَّم، فوفق وسدد حتى اكتمل
الجزء 1 · صفحة 15
هذا العمل، وأملي أن يلبي حاجة الطلاب إليه، ويسد ثغرة في موضوعه، ويملأ فراغاً في المكتبة الإسلامية.
وفي الختام أسأل الله عز وجلّ أن أكون قد وفقت فيما قمت به من عمل، وأن يتقبله مني، وأن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي وللمسلمين والمسلمات، وأن ينفع به المؤمنين والمؤمنات، وأن يثيبني على كل حرف كتبته، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب كل من أعانني من أجل إتمامه، فما كان من صواب فمن الله ?، هو المنان به، والتوفيق بيده، وما كان من خطأ وزلل، فمني ومن الشيطان، فاستغفر الله وأتوب إليه، فيا أيها القارئ له، ويا أيها الناظر فيه، هذه بضاعة صاحب المزجاة مسوقة إليك، وهذا فهمه وعقله معروض عليك، فإن عدم منك حمداً وشكراً، فلا يعدم منك فضلاً ولا عذراً، فما كل من صنف أجاد، ولا كل من قال وفى بالمراد، والفضل مواهب والناس في الفنون مراتب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
الجزء 1 · صفحة 16
القسم الأول:
قسم الدراسة، ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: الدراسة عن المُصَنِّف.
الفصل الثاني: الدراسة عن المقدمة.
الجزء 1 · صفحة 17
الفصل الأول
الدراسة عن المُصَنِّف
تمهيد:
لقد مرّ في تاريخ الأمة الإسلامية الكبير، جمع من العلماء الأفذاذ، الذين كانت جهودهم في نصرة الدين والدعوة إلى الإسلام والتأليف فيه كثيرة جداً, ومن هؤلاء العلماء، الفقيه أبي الليث صاحب المقدمة، وعليه ينبغي لنا أولاً، قبل الشروع في تحقيق هذه المقدمة المباركة، الترجمة لِمُصَنِّفِها؛ وذلك لمعرفة حاله، والمكانة التي كان عليها، ولا يخفى أن مكانة المؤلف تزيد من قيمة كتابه، وهذه الترجمة للمُصَنِّف تشتمل على: اسمه ونسبه، مولده، كنيته، لقبه، أسرته، بيئته، عصره، شيوخه، تلاميذه، رحلاته، مؤلفاته، منصبه، طبقنه، مكانته وثناء العلماء عليه، وأخيراً وفاته.
الجزء 1 · صفحة 18
المبحث الأول
اسمه، ونسبه، ومولده، وكنيته، ولقبه، وأسرته، وبيئته
المطلب الأول: اسمه، ونسبه (¬1).
هو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الخطاب، السَّمَرْقَنْدِي (¬2)، البَلْخيّ (¬3)، التُوذي (¬4)، الوَرَسْنِيْنِي (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القرشي، عبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء، الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية، 3/ 544 - 545، (ت: د. عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط2/ 1413ه)، وابن الحنائي، علي بن أمر الله قنالي زاده، طبقات الحنفيّة، ص196، (ت: سفيان عايش وفراس خليل، دار ابن الجوزي، الأردن- عمان، ط1/ 1425هـ)، وابن قُطْلُوبُغَا، قاسم ابن قُطْلُوبُغَا، تاج التراجم، ص310، (ت: محمد خير رمضان، دار القلم – دمشق، ط1/ 1992مـ)، وطاشكبرى زاده، أحمد بن مصطفى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة، 2/ 251، (دار الكتب العلمية، ط2/ 2002م).
(¬2) نسبة إلى سَمَرْقَندُ، وهي: بلد معروف مشهور، يقال لها بالعربية سمران، بناها شِمرُ أبو كربَ، فسميت شمر كنت، فأعربت فقيل سمرقند، تقع في بلاد ما وراء النهر، وتقوم على الضفة الجنوبية لنهر الصغد، وتعد من أقدم مدن العالم، وقد كانت عاصمة بلاد ما وراء النهر لمدة خمسة قرون منذ عهد السامانيين إلى عهد التيموريين، وهي المنافسة التاريخية لمدينة بخارى، وهي اليوم ثاني مدن جمهورية أوزبكستان في الاتحاد السوفيتي سابقاً، ويبلغ عدد سكانها 400,000 نسمة، معظمهم طاجيك (يتحدثون الفارسية لا الطاجيكية). ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3/ 248 - 250، (دار الفكر – بيروت)، والموسوعة الحرة، عن الشبكة العنكبوتية.
(¬3) نسبة إلى بَلْخ، وهي: مدينة مشهورة بخراسان، كان يفصلها عن خراسان بيرلن وسمرقند وبخارى بأوزبكستان، نهر يسمى جيحون، وكان كل طرف يطلق على الآخر بلاد ما وراء النهر، وهي الآن إحدى الولايات الـ34 في أفغانستان، وتقع على حدودها الشمالية المجاورة لأوزبكستان، وعاصمتها مزار شريف، وتبلغ مساحتها نحو 12593 کيلو متر مربع، سميت على بانيها الأول، وهو عالم يدعى بلخ بن بلاخ بن سامان بن سام. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1/ 479 - 480، والموسوعة الحرة، عن الشبكة العنكبوتية.
(¬4) نسبة إلى توذ، وهي: قرية من قرى سمرقند. السمعاني، عبد الكريم بن محمد التميمي، الأنساب، 1/ 491، (ت: عبد الله عمر البارودي، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية- دار الجنان، ط1/ 1988م).
(¬5) نسبة إلى ورسنين، وهي: قرية بمسرقند كان يسكنها والده، ثم انتقل عنها إلى توذ وسكنها. ينظر: السمعاني، الأنساب، 1/ 491.
الجزء 1 · صفحة 19
المطلب الثاني: مولده.
لم تشر كتب التراجم والطبقات –في حدود علمي- إلى تاريخ مولده، ولا إلى سِنِّهِ عند وفاته، ولو عرفوا المكانة التي سيكون عليها -وهذا محال- لدونوا تاريخ ولادته.
لكن قال الدكتور عبد الرحيم الزقة (¬1): ((غير أن معهد تاريخ العصور الوسطى في موسكو، أفاد لأحد الباحثين بأنه عاش قرابة السبعين عاماً، وعلى هذا تكون ولادته: في مطلع القرن الرابع الهجري، ما بين سنة 301 - 310هـ على وجه التقريب)).
المطلب الثالث: كنيته.
كان المُصَنِّف رحمه الله يكنّى بـ (أبي الليث)، حتى طغت كنيته على اسمه، فلا يكاد يعرف إلا بها، وكان مشهوراً بالفقه والكنية، فغالباً ما تذكر الكنية مصحوبة باللقب قال الفقيه أبو الليث.
* * *
¬
(¬1) عبد الرحيم أحمد الزقة، مقدمة تحقيق تفسير القرآن الكريم بحر العلوم لأبي الليث نصر بن محمد، إمام الهدى 1/ 49، (مطبعة الإرشاد – بغداد، 1985م).
الجزء 1 · صفحة 20
المطلب الرابع: لقبه.
لقبه الأول: «الفقيه»: وهو اللقب الذي اشتهر به، وهذا إن دل على شيء، فعلى المرتبة العظيمة التي وصل إليها في علم الفقه، والتي لا يدانيه فيها أحد من معاصريه؛ وذلك بسبب تفوقه على أقرانه.
قال القرماني: «ثم إن كون الشيخ المُصَنِّف / فقيهاً مُسَلَّمٌ مشهور بين العلماء، حتى بين سائر المذاهب، ولقد رأيت أن بعض العلماء -رحمهم الله- من أكابر الشافعية، وغيرهم، ينقلون روايته في كتبهم، معتمدين على صحتها، ويقولون: «قال: الفقيه أبو الليث / كذا وكذا» (¬1).
لقبه الثاني: «إمام الهدى»: ولقب به؛ لفضله وصلاحه، وقد كان هذا اللقب سمة للعديد من فقهاء ما وراء النهر، الذين أسهموا بقسط وافر في تفقيه العامة، ووعظهم، وهدايتهم، وممن شاركه في هذا اللقب: أبو منصور الماتُرِيديّ (¬2).
* * *
¬
(¬1) القَرَمانِيّ، مصطفى بن زكريّا بن ايَدغمش، التوضيح شرح مقدمة أبي الليث السَّمَرْقَنْدِي، لوحة 6، (مخطوط أزهري).
(¬2) هو محمد بن محمد بن محمود الماتُرِيديّ، الحنفي، أبو منصور، إمام الهدى، الإمام، المتكلم، الفقيه، الأصولي، قال عنه الكفوي: إمام المتكلِّمين، ومصحِّحُ عقائد المسلمين. تفقه على أبي بكر أحمد الجُوزْجَانيّ، عن أبي سليمان الجُوزْجَانيّ، عن محمّد، عن أبي حنيفة، ويسمى أتباعه بالماتريدية، وأكثرهم من الحنفية، من مؤلفاته: التوحيد، والمقالات، وشرح الفقه الأكبر للإمام الأعظم، والجدل في أصول الفقه، وتأويلات القرآن، (ت333هـ). ينظر: ابن قُطْلُوبُغَا، تاج التراجم، ص249، وطاشكبرى زاده، مفتاح السعادة، ص133، واللكنوي، عبد الحي، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص319 - 320، (ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم – بيروت، ط1/ 1998مـ).
الجزء 1 · صفحة 21
المطلب الخامس: أسرته.
لم تذكر كتب التراجم شيئاً عن أسرته، ولعله كان من أسرة عادية، لم يبرز فيها سوى الفقيه أبي الليث، وأبيه: محمد بن إبراهيم، والذي يعد من أول مشايخه.
فكان أباه زاهداً، ورعاً، تقياً؛ بدليل تأثره به، وروايته عنه، وكان محباً للعلم والعلماء، يجلس في مجالسهم، ويتلقى عنهم الثقافة الدينية، شأنه في ذلك شأن عامة الناس في بلاد ما وراء النهر (¬1)، وخراسان (¬2).
* * *
¬
(¬1) يطلق مسمى بلاد ما وراء النهر على الدول الواقعة وسط آسيا، والتي عرفت فيما بعد باسم آسيا الوسطى وبلاد القوقاز, حيث يوجد في آسيا الوسطى دول: كازاخستان, أوزبكستان, تركمانستان, قيرغيزستان وطاجيكستان, بالإضافة إلى بعض الولايات الروسية الأخري التي تتمتع بالحكم الذاتي داخل الاتحاد الروسي وهي: الشيشان, أنجوشيا, داغستان, بلقاريا, أوستيا الشمالية, وأديجيا. والديانة السائدة في تلك المناطق هي الإسلام, ويشكل الأوزبك, الأتراك, الطاجيك, الكازاخ والروس الأغلبية العرقية في تلك المناطق. ومسمى بلاد ما وراء النهر إشارة إلى النهرين العظيمين اللذين يحدانها شرقاً وغرباً: نهر السير داريا (2212 كم)، والآمور داريا (1415 كم)؛ وبالعربية نهر جيحون ونهر سيحون. ينظر: الموسوعة الحرة، عن الشبكة العنكبوتية.
(¬2) كانت تطلق على الإقليم الواسع الذي ينقسم إلى أربعة أرباع: ربع عاصمته نيسابور، وربع عاصمته مرو، وربع عاصمته هراة، وربع بلخ. ويشمل إقليم خراسان الإسلامي الآن: شمال غرب أفغانستان، وأجزاء من جنوب تركمانستان، إضافة لمقاطعة خراسان الحالية في إيران، وغالبية سكان الإقليم هم من البشتوت، والبلوش، والفرس، مع تواجد للترك في الأقسام الشمالية. ينظر: الحموي، معجم البلدان، 2/ 350 - 252، والموسوعة الحرة، عن الشبكة العنكبوتية.
الجزء 1 · صفحة 22
المطلب السادس: بيئته.
عاش المُصَنِّف رحمه الله في مستهل حياته في مدينة سَمَرْقَند، إحدى مدن خراسان، والتي كانت عاصمة بلاد ما وراء النهر لمدة خمسة قرون، وهي المنافسة التاريخية لمدينة بخارى (¬1)، قال ياقوت الحموي: ((وقالوا: ليس في الأرض مدينة أنزه، ولا أطيب، ولا أحسن مستشرفاً من سَمَرْقَند)) (¬2)، وقال فيها الشاعر:
للناس في أخراهم جنة ... وجنة الدنيا سَمَرْقَندُ
وكانت هذه المدينة قِبلة طلاب العلم، إذ رحل إليها العلماء والفقهاء والوعاظ، واحتلت مكانة علمية مرموقة بين سائر البلدان الإسلامية (¬3)، نُسِبَ إليها المُصَنِّف، وشاركه في هذه النِسبة كثير من العلماء، أشهرهم: علاء الدين السَّمَرْقَنْدِي (¬4).
¬
(¬1) هي مدينة إسلامية، تعد من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلها، كانت قاعدة ملك السامانية، بينها وبين سمرقند سبعة أيام أو سبعة وثلاثون فرسخاً، بينهما بلاد الصغد، وهي الآن تقع في غرب جمهورية أوزبكستان في آسيا الوسطى، وتعد خامس أكبر مدن أوزباكستان، ويبلغ عدد سكانها 235 ألف نسمة، حسب إحصاء عام 2008م، واسم (بخارى) مشتق من كلمة (بخار) المغولية، والتي تعني: العلم الكثير، وسميت بهذا الاسم لوجود كثير من العلماء فيها. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1/ 353، والموسوعة الحرة، عن الشبكة العنكبوتية.
(¬2) معجم البلدان، 3/ 248.
(¬3) ألف نجم الدين النسفي (527ه) كتاباً ترجم فيه لعلماء سمرقند بلغ عشرين مجلداً، وسماه: القند في علماء سمرقند. ينظر: حاجي خليفة، مصطفى عَبْد الله القسطنطيني، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 1/ 296، (دار إحياء التراث، وطبعة دار الفكر).
(¬4) هو محمد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقَنْدِيّ، أبو بكر، علاء الدين، قال فيه الكفوي: أستاذ صاحب البدائع شيخ كبير، فاضل، جليل القدر. من مؤلفاته: اللباب في الأصول، وميزان الأصول، وتحفة الفقهاء، (ت539هـ). ينظر: ابن قُطْلُوبُغَا، تاج التراجم، ص252، والقرشي، الجواهر المضيّة، 3/ 18، واللكنوي، الفوائد البهية، ص260.
الجزء 1 · صفحة 23
المبحث الثاني
عصره
تمهيد:
لابد لنا من الوقوف ولو قليلاً على عصر المُصَنِّف وبيئته؛ لمعرفة المؤثرات التي أحاطت به، وأثرت عليه، ولا يخفى أن البيئة الخارجية تؤثر تأثيراً كبيراً في شخصية العلماء، ومن ثم كان لزاماً على من أراد التعريف بعالم ما وبجهوده، أن ينحو أولاً نحو العصر الذي عاش فيه، ويبين أهم مقومات هذا العصر:
فقد عاش المُصَنِّف / في القرن الرابع الهجري، في عصر الدولة السامانية (¬1) فيما وراء النهر وخراسان، وهي الدولة التي عاش في ظلها سواء في سَمَرْقَند أو في بَلْخ، وعاصر الخليفة العباسي الطائع بن المطيع (¬2).
¬
(¬1) الدولة السامانية: حكمت خراسان، وبلاد ما وراء النهر في القرنين الثالث والرابع الهجريين (261 - 389هـ)، وكانت عاصمتها بخارى، وتنتمي إلى نصر بن أحمد الساماني، الذي ولاه الخليفة المعتمد على ما وراء النهر سنة 261هـ، وكان لنصر هذا أخ يدعى إسماعيل الساماني، فولاه الخليفة بخارى، وفي عام 279هـ مات نصر، فقام أخوه إسماعيل مقامه في بلاد ما وراء النهر، فوطَّد أمرها، وثبت قواعدها، وقام بحملة عسكرية ضد المجاورين له من المسيحيين؛ وقد نتج عن هذه الحملة انتصاره في هذه الحروب، ودخول كبار قادة هذه البلاد في الإسلام، وتبعتهم في ذلك الجماهير التابعة لهم، وقد كان إسماعيل هذا محباً للعلم، فقرب إليه العلماء، ونشر العلم، فقد كان اهتمامهم باقتناء الكتب عظيماً، فالمطلع على مكتبة الدولة يجد ما لا يوجد في سواها من كتب المعارف والعلوم. وتوارثت الأجيال السامانية الولاية بعد إسماعيل الساماني حتى سنة 389هـ، حيث سقطت الدولة السامانية بسبب الأطماع والخلافات؛ مما أطمع القواد والعمال في الخروج على الحاكمين من السامانيين،. ينظر: ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، 5/ 170 - 177، (ت: إحسان عباس، دار صادر – بيروت)، والذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، 29/ 71، (ت: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي – بيروت، ط1، 1987م).
(¬2) وهو أمير المؤمنين عبد الكريم الطائع بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي، يكنى أبا بكر، ولقبه: نصر الدولة، كان شديد الحيل، قوياً في خلقه، تقلد الخلافة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وعمره ثلاثة وأربعون سنة، وكان توليه في حياة أبيه، فقد حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عن الخلافة طوعاً، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر، ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به على سيرته (393هـ). ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، 27/ 286 - 288، وتاريخ ابن خلدون، 3/ 539، (دار إحياء التراث – بيروت)، والسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تاريخ الخلفاء، ص351، (ت: محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة – مصر، ط1، 1371هـ - 1952م).
الجزء 1 · صفحة 24
ففي هذه الفترة كانت الدولة العباسية قد بدأت بالانهيار والانحلال، ونشأت على قطع من أرضها دويلات، ومن هذه الدويلات، كانت الدولة السامانية.
وسنكتفي هنا ببيان الأحوال الاجتماعية، والثقافية، التي مرت بها الدولة السامانية؛ لما لها من دور كبير في تكوين شخصية المُصَنِّف، ونبوغ فكره، ثم بيان تأثير مدرسة ما وراء النهر في شخصيته، ويمكن بيان ذلك في المطالب التالية:
المطلب الأول: عصره من الناحية الاجتماعية (¬1).
لا شك أن الفرد جزء من المجتمع، فيه ينشأ، ومنه يتعلم، وعلى تقاليده وقيمه يتربى؛ فلا ريب أن الحالة الاجتماعية لها دورها الخطير والفاعل في تنمية قدرات كل شخص، وتحديد اتجاهاته وأفكاره.
¬
(¬1) ينظر: المقدسي، محمد بن أحمد، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص273 - 284، (مطبعة بريل- لندن)، وأحمد أمين، ضحى الإسلام، 1/ 151، (دار المعرفة/ ط1).
الجزء 1 · صفحة 25
والناظر إلى المجتمع الساماني في تلك الفترة الزمنية التي عاشها الفقيه أبي الليث، يلحظ أن هناك ثلاث طبقات متمايزة في هذا المجتمع:
1. طبقة عليا: منعمة مترفة ترفاًَ واسعاً، وهي تشمل: الحكام والأمراء.
2. وطبقة وسطى: تعيش في رخاء، وهي تشمل: الفقهاء والعلماء والتجار.
3. وطبقة عامة الناس: التي كانت تعمل في الصناعات المختلفة، وخدمة الأمراء، والتجار الكبار.
وكانت أغلبية المجتمع الساماني من الفرس المسلمين، إضافة إلى أهل الذمة من المجوس، والنصارى، واليهود، الذين ترك لهم السامانيون الحرية التامة في عباداتهم، وتنقلاتهم، وأعمالهم، فكانوا يفعلون ما يشاءون علناً دون استخفاء، وكان عيد النيروز، وعيد المهرجان، وعيد السدق، يتيح لهم الفرص لكي يرقصوا ويمجنوا، مما أدى إلى انتشار المعاصي من شرب الخمر، ورقص، وقمار، أضف إلى ذلك انتشار الظلم والاضطهاد، بعد أن حلت النكبات والكوارث، وفرضت الضرائب، وصودرت الأموال، وظهر قطاع الطرق.
فكان ذلك كله داعياً لانتشار الدعاة إلى الله، بالحث على الزهد والورع والتقوى، وإيثار الآخرة على الدنيا، وكان من هؤلاء الدعاة: إمام الهدى، الفقيه أبي الليث السَّمَرْقَنْدِي، فكانت كتبه ((بستان العارفين))، و ((تنبيه الغافلين))، و ((قرة العيون))، وغيرها من كتب الأخلاق والرقائق، نتاج هذا المجتمع، حتى لقب بـ (إمام الهدى).
كما كثرت في عصره (الخانقاهات) – وهي بيوت العبادة التي يتخذها المتصوفة للنسك والإقامة - فكان للمتصوفة نشاط كبير، ومشايخ كثيرون.
وكان المجتمع الساماني يعج بمختلف المذاهب والاتجاهات والأديان، فهنالك أهل السنة، وهنالك الشيعة بفرقها الثلاث: الزيدية، والإمامية الإثني عشرية، والإسماعيلية.
الجزء 1 · صفحة 26
كما ظهرت المبادئ الهدامة من إلحاد وتحلل، من المجوس الذين يدينون بالمذاهب الفارسية القديمة، فكانت كتبه: «قوت النفس في معرفة الأركان الخمس»، و «شرعة الإسلام»، و «عمدة العقائد»، وغيرها مما كتبه في العقيدة، نتاج هذا المجتمع، حتى اشتهر بين معاصريه بعلم التوحيد والمناظرة، وكتبه في العقيدة، وتفسيره «بحر العلوم» أكبر دليل على تبحره في هذا العلم، كما أنه ختم المقدمة بمسائل عَقَدِيَّة.
المطلب الثاني: عصره من الناحية الثقافية (¬1).
تفشت في عصره الثقافة في مختلف حواضر العالم الإسلامي ومدنه الهامة، ولم تعد قاصرة على مراكزه الأصلية في الحجاز والشام والعراق؛ وذلك بفضل تنافس ملوك دول الطوائف في اصطناع العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، والشعر والشعراء، فجمعوا حولهم العلماء والأدباء؛ ليزدان بهم بلاط دولتهم.
وتعتبر الدولة السامانية خير مثال على هذا الاتجاه، حتى قال المقدسي في آل سامان: ((وهم من أحسن الملوك سيرة، ونظراً، وإجلالاً للعلم وأهله، ومن أمثال الناس: لو أن شجرة خرجت على آل سامان ليبست ... من رسومهم أنهم لا يكلفون أهل العلم تقبيل الأرض، ولهم مجالس عشيات جمع شهر رمضان للمناظرة بين يدي السلطان، فيبدأ هو فيسأل مسألة ثم يتكلمون عليها، وميلهم إلى مذهب أبي حنيفة)) (¬2).
فاهتم الأمراء والوزراء والعلماء بالمكتبات العامة والخاصة، واقتنوا الكتب النادرة، وشجعوا التأليف والترجمة، فكان في كل جامع كبير مكتبة كبيرة، تضم ما يَقِفُهُ العلماء على طلاب العلم، وجعلوا المدارس مقرها الجوامع.
¬
(¬1) ينظر: المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص294.
(¬2) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص337.
الجزء 1 · صفحة 27
وهذا الاهتمام بالعلم والعلماء، شجع على طلب العلم، فنشط التأليف في مختلف العلوم، وأقبل الناس على طلب العلم إقبالاً شديداً، حيث كان حضور حلقة العلم مباحاً للجميع، لا لأوساط المثقفين فحسب، فالعامة من الناس قد اهتمت بالثقافة الفقهية، وشاركت في دقائقها وتفريعاتها.
فعصره كان حافلاً بنوابغ الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، والمفسرين، وعلماء الكلام، والمتتبع لكتب التراجم يجد عدداً كبير من العلماء الذين ينسبون إلى بلاد ما وراء النهر وخراسان، الذين برزوا في مختلف العلوم، وَصَنَّفوا فيها، فلا عجب بعد كل ما ذكر، أن يكون عصره من أزهى العصور العلمية والأدبية (¬1).
المطلب الثالث: مدرسة ما وراء النهر وتأثيرها في شخصية المُصَنِّف.
كانت مدرسة ما وراء النهر من أغنى فروع المذهب الحنفي رجالاً، ومصنفات، ودور تدريس، ومع أنها تلقت الفقه الحنفي عن مدرسة الكوفة، إلا أن رجالها قد أدركوا الظروف البيئية التي حملت فقهاء الكوفة على أقوال معينة ملائمة لبيئتهم، ولم يترددوا في الإفتاء بخلاف أقوال أهل الكوفة عند ملاحظة الفروق الدقيقة بين بيئة بلادهم، وبين بيئة العراق؛ وذلك مراعاةً لأحوال بيئتهم وظروفهم، فكثيراً ما ترد الإشارة في كتب الفقه الحنفي إلى فتاوى وأقوال لمشايخ
¬
(¬1) ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: من الفقهاء: نصير بن يحيى البَلْخيّ (ت268هـ)، ومحمد بن سلمة البَلْخيّ (192 - 278هـ)، والحاكم الشهيد (ت344هـ)، وأبو الحسن الرُسْتُفَغْني (ت نحو 345هـ). ومن المحدثين: الدارمي (ت255هـ)، والبُخَارِيّ (ت256هـ)، ومسلم (ت261هـ)، وأبو داود (ت275هـ)، والترمذي (ت279هـ)، والنَّسَائِي (ت303هـ). ومن المفسرين: ابن قتيبة الدينوري (ت267هـ)، وأحمد بن سهل أبو زيد البَلْخيّ (ت322هـ). ومن المتكلمين: أبو منصور الماتُرِيديّ (ت333هـ). ومن اللغويين: الزجاج (ت311هـ)، والزبيدي (ت379هـ)، وابن فارس (ت390هـ)، وابن جني (ت392هـ). ينظر: محمد محروس، مشايخ بَلْخ من الحنفية وما انفردوا به من المسائل الفقهية، (الدار العربية للطباعة ـ بغداد).
الجزء 1 · صفحة 28
سَمَرْقَند وبَلْخ، الذين خالفوا فيها غيرهم بناءً على اختلاف عرفهم أو ظروفهم: كإجازة بيع الوفاء مثلاً (¬1).
وعليه فان مدرسة الحنفية فيما وراء النهر، لم تكن ذات طابع محلي بحت، ولم تكن تَبَعاً لا شأن له، بل كانت تمتاز بالنشاط والفعالية، وكانت متجاوبة مع سائر شعب المذهب الحنفي، في سبيل تطوير فقه المذهب، وخدمة الشرع، وذلك بالإفتاء والتصنيف وفق طريقة موحدة، مع مراعاة ظروف بيئتها ومجتمعها.
ويعد الفقيه أبو الليث من أبرز رجال هذه المدرسة، وفي مصنفاته الفقهية أمثلة كثيرة تبرهن على ما نقول، ونكتفي هنا بذكر مثال واحد ذكره في كتابه النوازل:
وهو أنه أفتى بجواز المزارعة من غير بيان المدة، وتقع على سنة واحدة، دون حاجة إلى اشتراط بيان الوقت، وهذا بخلاف ما أفتى به أهل الكوفة، والفرق بين البيئتين، أن وقت المزارعة عند أهل سَمَرْقَند وبخارى وغيرهما فيما وراء النهر معلوم، أما في الكوفة فهو متفاوت، وابتداؤها وانتهاؤها مجهول، وهذا أوجب الاختلاف في الحكم بين البيئتين (¬2).
* * *
¬
(¬1) فقد ذهب إلى جوازه بعض مشايخ سمرقند: كالإمام نجم الدين النَّسَفيّ، فقال: اتفق مشايخنا في هذا الزمان، فجعلوه بيعاً جائزاً مفيداً بعض أحكامه -وهو الانتفاع به- دون البعض -وهو البيع- لحاجة الناس إليه، ولتعاملهم فيه, والقواعد قد تترك بالتعامل، وَجُوِزَ الاستصناع لذلك. ينظر: الزيلعي، عثمان بن علي، فخر الدين، تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، 5/ 184، (دار الكتاب الإسلامي).
(¬2) ينظر: الناهي، مقدمة تحقيق المصنفات الفقهية لإمام الهدى، 1/ 22 - 24.
الجزء 1 · صفحة 29
المبحث الثالث
شيوخه، وتلاميذه
المطلب الأول: شيوخه وسنده الفقهي.
أورد المُصَنِّف / في كتبه أسماء مجموعة من العلماء الذين روى عنهم، بقوله: «حدثنا ... »، وهؤلاء لا يخرجون عن كونهم شيوخه، أو أقرانه الذين سمع منهم (¬1)، لكن أشهر أساتذته الذين أكثر من ذكرهم في كتابيه «التفسير»، و «تنبيه الغافلين»، والذين صرحت كتب التراجم بكونهم شيوخه:
1. والده محمد بن إبراهيم (¬2).
2. أبو جعفر الهندواني (¬3).
3. محمد بن الفضل (¬4).
¬
(¬1) منهم: محمد بن الحسين الحدادي، أبو الفضل (ت388هـ)، ومحمد بن محمد بن مندوست، أبو الحسن (ت364هـ)، وعلي بن أحمد الفارسي (ت355هـ)، وأبو القاسم الصفار (ت336هـ)، وأبو بكر الإسكاف (336هـ)، وأبو بكر الأعمش (ت348هـ)، فهؤلاء لم تذكر كتب التراجم أنه تلقى عنهم العلم وإنما ذكرهم في كتبه.
(¬2) به صرح المصنف في كتابه تنبيه الغافلين، ودل على ذلك أيضاً أنه نقل عنه كثيراً في كتبه، لاسيما التفسير، فكان يقول: حدثني أبي، وبه أيضاً صرح السمعاني في الأنساب، 1/ 491.
(¬3) هو محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ بن عُمُرَ البَلْخيّ الهِنْدُوَانيّ، أبو جعفر، الفقيه الحنفي، المعروف ب (أبي حنيفة الصغير)؛ لبراعته في الفقه، قال فيه الكفوي: شيخ كبير، وإمام جليل القدر، كان على جانب عظيم من الفقه، والذكاء، والزهد، والورع. له: شرح أدب القاضي لأبي يوسف، مات ببخارى سنة (362هـ). ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص295، وابن قُطْلُوبُغَا، تاج التراجم، ص264، وابن الحنائي، طبقات الحنفيّة، ص180، والسمعاني، الأنساب، 5/ 653.
(¬4) هو محمد بن الفضل الكَمَاريّ البُخَاريّ، أبو بكر، الفَضْلِيّ، قال عنه الكفوي: كان إماماً كبيراً، وشيخاً جليلاً، معتمداً في الرواية، مقلداً في الدراية، رحل إليه أئمة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته. (ت381هـ). ينظر: ابن الحنائي، طبقات الحنفيّة، ص62، واللكنوي، الفوائد البهية، ص303 - 304.
الجزء 1 · صفحة 30
4. الخليل بن أحمد السجزي (¬1).
والفقيه أبو الليث رغم روايته للحديث عن هؤلاء الأكابر لكن ظاهر جداً أنّ الحديث ليس فنُّه، ولا علمُه الذي عُرف فيه؛ لذلك اشتهر عنه التَّساهل في روايةِ الأحاديث وذكرها في كتبهم رغم ضَعفها أو عدم
ثبوتها، قال الذَّهبيُّ (¬2): «وتروج عليه الأحاديث الموضوعة».
وأشار القرشي واللكنوي إلى سلسلة مشايخ السَّمَرْقَنْدِي بأنه: تلقى الفقه على أبي جعفر الهندواني، عن أبي قاسم الصفار (¬3)، عن نصير بن يحيى البَلْخيّ (¬4)، عن محمد بن سماعة (¬5)، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة (¬6).
¬
(¬1) هو الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السجزي القاضي الحنفي، أبو سعيد، المعروف بـ (ابن جنك)، كان شيخ أهل الرأي في عصره، وكان مع كثرة علمه أحسن الناس كلاماً في الوعظ والتذكير، وكان شاعراً فصيحاً، طاف الدنيا شرقاً وغرباً وسمع الحديث، مات قاضياً بسمرقند في جمادى الآخرة، له كتاب الدعوات والآداب والمواعظ، (289 - 378هـ). ينظر: القرشي، الجواهر المضيّة، 2/ 178، وابن قُطْلُوبُغَا، تاج التراجم، ص27، والزركلي، خير الدين، الأعلام، 2/ 314، (دار العلم للملايين – بيروت، ط5/ 1980م).
(¬2) ينظر: السير16: 323.
(¬3) هو أحمد بن عصمة الصَّفَّار البَلْخِيّ، أبو القاسم، كان إماماً كبيراً إليه الرحلة ببلخ، (ت336هـ). ينظر: اللكنوي، الفوائد البهية، ص50.
(¬4) أخذ الفقه عن أبي سليمان الجُوزَجانيّ عن محمد، (ت268هـ). ينظر: القرشي، الجواهر المضيّة، 3/ 546، واللكنوي، الفوائد البهية، ص363.
(¬5) هو محمد بن سَماعة بن عبيد الله بن بشر التَّميميّ، أبو عبد الله، الإمامُ أحد الثقات، أخذَ عن أبي يوسفَ ومحمّد بن الحسن، وكتب عنهما النوادر، من مؤلفاته: أدب القضاء، والمحاضر والسجلات، (ت233هـ). ينظر: طاشكبرى زاده، مفتاح السعادة، 2/ 261 - 262، وابن قُطْلُوبُغَا، تاج التراجم، ص240 - 241.
(¬6) ينظر: القرشي، الجواهر المضيّة، 3/ 544 - 545، واللكنوي، الفوائد البهية، ص362 - 363.
الجزء 1 · صفحة 31
فكان الفقيه أبو الليث من الطبقات العليا، فكان سنده المتصل بأئمة المذهب عال جداً، فلم يكن بينه وبين أئمة المذهب سوى أربعة رجال.
المطلب الثاني: تلاميذه
لا شك أنه كان لأبي الليث / تلاميذ كثيرون، دَرَسُوا عليه، وأخذوا عنه، ونقلوا لنا علمه وكتبه (¬1)، لا سيما وأنه كان فقيهاً مدرساً، وواعظاً، لكن المصادر لم تشر إلا إلى تلميذه: محمد بن عبد الرحمن الترمذي، أبو بكر (¬2)، الذي روى عنه كتاب تنبيه الغافلين.
* * *
¬
(¬1) ومن الذين رووا عنه كتبه لاسيما التفسير: لقمان بن حكيم الفرغاني، ومحمد بن عبد الرحمن الزيدي، وتميم الخطيب أبو مالك، وأحمد بن محمد أبو سهل، ينظر: عبد الرحيم أحمد الزقة، مقدمة تحقيق بحر العلوم، 1/ 65 - 66.
(¬2) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، 26/ 583، والذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، 16/ 323، (ت: الشيخ شعيب الأرناءوط وغيره، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط9/ 1413هـ)، ولم أجد له ترجمة.
الجزء 1 · صفحة 32
المبحث الرّابع
رحلاته
لم تُشر كتب التراجم والطبقات – في حدود علمي - إلا إلى رحلة الفقيه أبي الليث من سَمَرْقَند إلى بَلْخ؛ لطلب العلم على شيخه الفقيه أبي جعفر الهندواني، فقد جاء في الترجمة المقتضبة لأسماء شيوخ الحنفية في آخر مخطوط لكتاب ((الأجناس)) للناطفي (¬1): ((تعلم عند الفقيه أبي جعفر ببَلْخ، ورجع إلى سَمَرْقَند، ثم رجع على الفور إلى بَلْخ، ودرس فيه، وسكن مقدار ما شاء الله، وتوفي فيه، ودفن إلى جنب الفقيه أبي جعفر البَلْخيّ ببَلْخ)) (¬2).
وسبب رجوعه على الفور إلى بَلْخ –والله أعلم- هو اهتمامه بالفقه الحنفي بالدرجة الأولى، ولا يخفى أن بَلْخ كانت موطن أغلبية علماء المذهب الحنفي، وعلى رأسهم الفقيه أبي جعفر الهندواني، فقد استقر المذهب الحنفي في بَلْخ ينعم باستحواذه على أهلها بدون منازع.
قال عبد الصمد إمام أهل مرو: ((لم يلزم مجلس أبي حنيفة في البلدان مثل ما لزمه أهل بَلْخ، لم يعدلوا به أحداً، كان كل يَقدم عليه من البلاد يتفرق على المشايخ فيكتبون عنهم، وأهل بَلْخ لم يعدلوا به أحداً)) (¬3).
¬
(¬1) هو أحمد بن محمد بن عمر النَّاطِفِيّ -نسبة إلى عمل الناطِف وبيعه، وهو نوع من الحلوى- أبو العبّاس، قال عنه القرشي: أحد الفقهاء الكبار، وأحد أصحاب النوازل. من مؤلفاته: الأجناس والفروق، والواقعات، (ت446هـ). ينظر: القرشي، الجواهر المضية، 1/ 297 - 298، واللكنوي، الفوائد البهية، ص65 - 66.
(¬2) الناهي، مقدمة تحقيق المصنفات الفقهية لإمام الهدى، 1/ 14، نقلاً عن الترجمة المقتضبة لشيوخ الحنفية، في آخر مخطوط لكتاب الأجناس للناطفي.
(¬3) محمد محروس، مشايخ بلخ، ص117، نقلاً عن نهاية مخطوط أعلام الأخيار للكفوي.
الجزء 1 · صفحة 33
وقال الدكتور محمد محروس الأعظمي الحنفي (¬1): ((هذا وإن الدارس ليلاحظ أن نسبة البَلْخيين من بين الأسماء ترد في فقه الأحناف كثيرة جداً، كما أن اتصالهم بأبي حنيفة كان قوياً، على عكس صلتهم ببقية المجتهدين المعاصرين، كما يلاحظ أن عبارة مشايخ بَلْخ كثيرة الورود أيضاً في كتب فقه الأحناف، ونسبة ورودها أعلى من العبارات المماثلة)).
كما أنّ مخالفات أبي حنيفة العلمية المتداولة اليوم العالم والمتعلم، والفقه الأكبر، ورسالته إلى عثمان البتي، ما هي إلا رواية البَلْخيين عنه، والفقه الأكبر لم يكن إلا سؤال أبي مطيع البَلْخي لأبي حنيفة وإجابته على هذا السؤال (¬2).
وكان لبَلْخ مكانة عظيمة، فقد كانت تسمى بدار الفقه، وخزانة الفقه، وغيرها من التسميات التي تدل على مكانتها الفقهية، قال المقدسي عنها: ((وفيها يبلغ الفقهاء درجة الملوك، ويملك في غيرها من كان فيها مملوك)) (¬3).
فاشتهر فقهاؤها وبرزوا، حتى أن أبا يوسف لم يعترف بفقيه في المشرق إلا بفقيه بَلْخ، حيث قال: ((ليس فيما وراء الجسر –أي: دجلة- أفقه من أبي مطيع البَلْخي)) (¬4).
وكثر علماؤها واشتهروا، حتى قال يحيى بن أكثم القاضي (¬5): ((ما وجدت
¬
(¬1) محمد محروس، مشايخ بلخ، ص11.
(¬2) ينظر: محمد محروس، مشايخ بلخ، ص135.
(¬3) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص260.
(¬4) مناقب الكردري، 2/ 245.
(¬5) هو يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي، أبو محمد، قاضي، رفيع القدر، عالي الشهرة، من نبلاء الفقهاء، يتصل نسبه بأكثم ابن صيفي حكيم العرب، ولاه المأمون قضاء البصرة سنة (202هـ) ثم قضاء القضاة ببغداد، وأضاف إليه تدبير مملكته، فكان وزراء الدولة لا يقدمون ولا يؤخرون في شيء إلا بعد عرضه عليه، وكان مع تقدمه في الفقه وأدب القضاء، حسن العشرة، حلو الحديث، استولى على قلب المأمون حتى أمر بأن لا يحجب عنه ليلاً ولا نهاراً. قال ابن خلكان: وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها. (159 - 242هـ). ينظر: الزركلي، الأعلام، 8/ 138.
الجزء 1 · صفحة 34
مدينة فيها فضلاء وعلماء كبَلْخ)) (¬1).
وقيل عنها: ((من كثرة علمائها، أن كل قرية من قراها كان فيها مسجد جامع، ومفتٍ، وقاضٍ عادل، ومدرس، وكان لأبي جعفر الهندواني أربعون تلميذاً، كل منهم قدوة، وبلغوا رتبة الاجتهاد، واستحق كل منهم تولي القضاء)) (¬2).
ومما يدل على مكانة بَلْخ العلمية: أن مخطوطات أفغانستان المهمة التي تعتز بها اليوم، يُحتفظ بها الآن في مكتبات بَلْخ، إضافة إلى بعض المدن الأخرى المجاورة لها.
وكان لازدهار الحركة العلمية في بَلْخ أسباب ودوافع، منها: ما كان يقوم به بعض المشايخ من الإنفاق من ماله الخاص على الطلبة، فضلاً عما كانوا يعودون عليه أولادهم من اعتياد الاختلاف إلى العلماء، وعدم السأم والضجر من ذلك، إلى جانب ما فُطر عليه أهلها من حب العلم، ودقة النظر، كما أن علماؤها كانوا ينظرون إلى طلبة العلم بعين التبجيل والتفضيل رغم كل شيء (¬3).
وعليه فإنه كان لمنزلة بَلْخ العلمية أثراً كبيراً في ورود العلماء والطلاب عليها من كل حدب وصوب، وكان لرحلة الفقيه أبي الليث إليها، واستقراره فيها، ملازماً لشيخه الجليل، أثراً واضحاً في نبوغه في مختلف العلوم، ولاسيما في علم الفقه.
¬
(¬1) مناقب الكردري، 2/ 245.
(¬2) محمد محروس، مشايخ بلخ، ص38، نقلاً عن كتاب فضائل بلخ، للواعظ البلخي.
(¬3) ينظر: محمد محروس، مشايخ بَلْخ، ص40 - 43.
الجزء 1 · صفحة 35
المبحث الخامس
مؤلّفاته
تمهيد:
لقد فَرَّغَ المُصَنِّف رحمه الله حياته لتحصيل العلم، حتى أتقن علوم عصره، وأحاط بكل جوانبها وأبعادها، وألم بجميع أطرافها، مما أكسبه ثقافة عالية، وأفق واسع، وعلم عظيم، جعله أهلاً للبحث والتدقيق، والنصح والإرشاد، والتذكير والتوجيه، ويظهر ذلك واضحاً من خلال مؤلفاته، فكانت له مصنفات نفيسة، في علوم شتى، منها ما هو مطبوع، ومنها لا يزال مخطوطاً، ومنها ما لا يعرف له مخطوط إلى هذه اللحظة، ويمكن بيان هذه المصنفات في المطالب التالية:
المطلب الأول: مصنّفاته في أصول الدّين.
1. ((رسالة في أصول الدين)) (¬1): عبارة عن أربع ورقات، أولها: ((بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين على أمور الدنيا والدين ... ، أما بعد: فهذه نبذة في أصول الدين، وذلك أول واجب على المكلف، وهي ثلاثة أصول: الأصل الأول: في معرفة الله سبحانه وتعالى، وذلك أول واجب على الإنسان)) (¬2).
2. ((رسالة في الحِكَم)) (¬3): نظرات دينية في المخلوقات والحوادث، ويدور الكتاب على أسلوب الفنقلة.
¬
(¬1) نسبها له الزركلي في الأعلام، 8/ 27، وكارل بروكلمان في تاريخ الأدب، 4/ 48، (دار المعارف، ط3). وله مخطوط في دار الكتب المصرية في القاهرة، (علم الكلام 23).
(¬2) عبد الرحيم أحمد الزقة، مقدمة تحقيق بحر العلوم، 1/ 89، نقلاً عن مخطوط (علم الكلام 23) دار الكتب المصرية في القاهرة.
(¬3) له مخطوط في دار الكتب المصرية (معالم تيمور 39).
الجزء 1 · صفحة 36
3. ((رسالة في المعرفة والإيمان)) (¬1).
4. ((أسرار الوحي)) (¬2).
5. ((قوت النفس في معرفة الأركان الخمس)) (¬3).
6. ((شرعة الإسلام)) (¬4).
7. ((عمدة العقائد)) (¬5).
8. ((شرح الفقه الأكبر)) (¬6) للإمام الأعظم.
المطلب الثّاني: مصنّفاته في الفقه.
أغلب مؤلفاته رحمه الله كانت في علم الفقه، ولا يخفى أن ذلك يرجع إلى أن الفقه هو مادة تخصصه الأول؛ بدليل أنه عرف ب (الفقيه)، وهي:
1. ((خزانة الفقه)) (¬7)، أو ((الخزانة السّمرقندية)): وهو كتاب موجز في فروع الفقه الحنفي، يعد من المتون الفقهية الجامعة المبسطة، واضح الأسلوب، خالٍ من التعقيد، مع دقة في العبارة، رتبه ترتيب الكنز، وجمع فيه مسائل فقهية تهم كل مسلم، وأتى به على صورة مسائل يسهل على الطالب حفظها، وأراد به تقريب الفقه لأذهان الجميع، من عالم وجاهل، بدأه بكتاب الطهارة، ثم الوضوء، إلى
¬
(¬1) نسبه له فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي، مج 1، ج3، ص114، (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أشرف على طباعته إدارة الثقافة والنشر بالجامعة، 1991م).
(¬2) نسبه له فؤاد سزكين في تاريخ التراث، مج 1، ج3، ص113، وبروكلمان في تاريخ الأدب، 4/ 49.
(¬3) نسبه له فؤاد سزكين في تاريخ التراث، مج 1، ج3، ص114.
(¬4) نسبه له الزركلي في الأعلام، 8/ 27.
(¬5) نسبه له الزركلي في الأعلام، 8/ 27.
(¬6) نسبه له بروكلمان في تاريخ الأدب، 4/ 50.
(¬7) طبع بتحقيق: محمد عبد السلام شاهين، في دار الكتب العلمية، 2004م، وبلغ 384 صفحة.
الجزء 1 · صفحة 37
أن ختمه بكتاب الوصايا، وبالجملة فإن الكتاب قد أحاط بكل أبواب الفقه تقريباً، بإيجاز غير مخل (¬1).
2. ((عيون المسائل)) (¬2): وهو كتاب في فروع الفقه الحنفي، حوى مختارات من أقوال الإمام الأعظم، وصاحبيه، وغيرهم من فقهاء المذهب، جمعها من كتب النوادر، والأمالي، وهذه المختارات تمتاز بالطرافة والجدة على تقادم عهدها، إلى جانب تقريرها للقواعد العامة فيما عرضت له من مسائل، بدأه بباب الطهارة، ثم الصلاة ... ، إلى أن ختمه بباب رواية الحديث والإفتاء، قال عنه الدكتور صلاح الدين الناهي: ((كتاب عيون المسائل، حوى مختارات من أقوال مؤسس المذهب وصاحبيه وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة الأوليين، ومن معاصريه من قضاة الكوفة المشهورين، فهو بذلك حلقة هامة من حلقات تطور الفقه الحنفي خاصة، والإسلامي عامة)) (¬3).
3. ((فتاوى النوازل)) (¬4)، أو ((النوازل في الفروع)): أول كتاب جمع فيه علم النوازل، أو الواقعات التي لم توجد فيها رواية الأئمة الثلاثة، وإنما استنبطها المتأخرين المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل الرَّازِيّ، ومحمد بن سلمة، ونصير بن يحيى، وذكر فيه اختياراته أيضاً، وقسم الكتاب إلى خمسة وستين باباً، وفصلاً في الفقه، بدأه بكتاب الطهارة، إلى أن ختمه بباب الفتوى،
¬
(¬1) ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 703.
(¬2) طبع في دار الكتب العلمية، 1998م، ت: سيد محمد مهنى، وبلغ 230 صفحة. وطبع أيضاً مع خزانة الفقه بتحقيق الدكتور صلاح الدين الناهي، وجمعهما في كتاب واحد، بلغ مجلدين، تحت عنوان: المصنفات الفقهية لإمام الهدى الفقيه أبي الليث.
(¬3) الناهي، مقدمة تحقيق المصنفات الفقهية لإمام الهدى، 1/ 6.
(¬4) به صرح أبو الليث في خطبة الكتاب، فقال: وسميته: فتاوى النوازل؛ لأنه هو تحلى بمسائل الفتاوى. وتحت هذا الاسم طبع في دار الكتب العلمية، 2004م، ت: السيد يوسف أحمد، وبلغ 464 صفحة.
الجزء 1 · صفحة 38
وباب فضل أهل الفقه، ثم باب التواريخ، حيث ذكر فيه أخبار وفيات بعض علماء بَلْخ، ممن تتلمذ عليهم، أو التقى بهم (¬1).
4. ((مختلف الرواية في مسائل الخلاف)) (¬2): من أهم الكتب التي صنفت في الخلافيات بين أبي حنيفة وأصحابه، وبينهم وبين الإمام مالك، وبينهم وبين الشافعي، وهو يعرض الخلاف على شكل مسائل مستقلة، باختصار غير مخل، وبدأه بكتاب الصلاة، وختمه بكتاب الكراهية.
5. ((شرح الجامع الكبير)) لمحمد بن الحسن الشيباني (¬3).
6. ((شرح الجامع الصغير)) لمحمد بن الحسن الشيباني (¬4).
7. ((المبسوط في الفروع)) (¬5).
9. ((النوادر الفقهية)) (¬6).
10. ((حصر المسائل في الفروع)) (¬7).
11. ((مقدمة الصلاة)) – التي نحن في صدد تحقيقها -.
¬
(¬1) ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1981، والبغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين، 2/ 491، (دار إحياء التراث ـ بيروت).
(¬2) مطبوع في أربع مجلدات، تحت عنوان: مختلف الرواية لأبي الليث السمرقندي برواية وترتيب العلاء العالم السمرقندي، ت: د. عبد الرحمن بن مبارك الفرج، مكتبة الرشد – الرياض.
(¬3) نسبه له حاجي خليفة في كشف الظنون، 1/ 569، وبروكلمان في تاريخ الأدب، 4/ 50.
(¬4) نسبه له الزركلي في الأعلام، 8/ 27، والبغدادي في هدية العارفين، 2/ 490، وحاجي خليفة في كشف الظنون، 1/ 563.
(¬5) نسبه له حاجي خليفة في كشف الظنون، 2/ 1580، والبغدادي في هدية العارفين، 2/ 490.
(¬6) نسبه له البغدادي في هدية العارفين، 2/ 490.
(¬7) نسبه له حاجي خليفة في كشف الظنون، 1/ 668.
الجزء 1 · صفحة 39
12. ((تأسيس النظائر الفقهية)) (¬1): كتاب مختصر ذكر فيه: أن أقسام الخلاف بين الأئمة ثمانية، وقدم القسم الذي فيه خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه.
المطلب الثالث: مصنّفاته في التفسير.
1. ((تفسير القرآن الكريم)) المسمى بـ ((بحر العلوم)) (¬2): كتاب مشهور، لطيف مفيد، تميز ببساطة التركيب، وقلة التكلف، جمع فيه بين التفسير بالرواية، والتفسير بالدراية، إلا أنه غَلَّبَ الجانب النقلي فيه على الجانب العقلي؛ ولذا عُد من ضمن كتب التفسير بالمأثور، اعتمد على التفسير اللغوي لألفاظ القرآن بالدرجة الأولى، وأكثر الاعتماد فيه على الرواية عن ابن عباس ب (¬3).
2. ((تفسير جزء عم)) (¬4). لكن قال الدكتور عبد الرحيم الزقة: ((وقد تبين لي عند مقارنتي لتفسير جزء عم مع التفسير الكبير: أنه جزء منه، وإن وجد مستقلاً في خزانات بعض الكتب)) (¬5).
¬
(¬1) رسالة ماجستير مقدمة للأزهر الشريف، ت: علي رمضان. وسماه بروكلمان في تاريخ الأدب، 4/ 50، بتأسيس الفقه، وحاجي خلبفة، 1/ 334، وابن قطلوبغا، ص310، بتأسيس النظائر، وسماه اللكنوي في مقدمة السعاية في كشف ما في شرح الوقاية، 1/ 62، (مطبوع في المطبع المصطفائي، لمحمد مصطفى خان)، بتأسيس النظر.
(¬2) طبع الكتاب عدة طبعات، في مطبعة الإرشاد – بغداد، 1985م، ت: د. عبد الرحيم أحمد الزقة، وآخر طبعة له في دار الكتب العلمية – بيروت، 2006م، ت: الشيخ علي معوض، والشيخ عادل أحمد، والدكتور زكريا عبد المجيد، وطبع في ثلاث مجلدات.
(¬3) ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 441.
(¬4) طبع بتحقيق السيدة زينب محمد نمر الخطيب، بإشراف د. صبحي الصالح، رئيس الجامعة اللبنانية في بيروت.
(¬5) عبد الرحيم أحمد الزقة، مقدمة تحقيق بحر العلوم، 1/ 92.
الجزء 1 · صفحة 40
المطلب الرّابع: مصنّفاته في التّصوف.
1. ((تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين)) (¬1): كتاب في الموعظة، مرتب على أربعة وتسعين باباً، رواه عنه صاحبه أبو بكر: محمد بن عبد الرحمن الترمذي، روى فيه الأحاديث بإسناده المتصل.
وصدره بمبحث الإخلاص، ثم أرشد فيه إلى التوبة كوسيلة للخلاص، ثم أرشد إلى فضل الطهارة والصلاة والصوم، وذكر ما جاء فيها من الآثار ترغيباً وترهيباُ، ثم عرض لمواعظ وحكايات الصالحين، وغيرها من المباحث؛ تنبيهاً للغافلين، وحثاً للسالكين على طريق هذا الدين (¬2).
قال عنه الذهبي (¬3): ((وفي كتاب تنبيه الغافلين موضوعات كثيرة)).
2. ((بستان العارفين)) (¬4): كتاب مختصر مفيد في الأحاديث والآثار الواردة في الآداب الشرعية، والخصال، والأخلاق، وبعض الأحكام الفرعية، ضمنه من العلم ما لا يسع جهله، ولا التخلف عنه للخاص والعام، بأوجز عبارة، وألطف إشارة، وأقرب وسيلة لبلوغ الهدف، فإن الكتاب ليس في التصوف،
¬
(¬1) الكتاب لقي عناية كبيرة من قبل أهل العلم، فقد طبع طبعات كثيرة، طبع بدار الكتاب العربي- بيروت، 1985م، ت: الشيخ خليل الميس، وفي المكتبة التجارية الكبرى – القاهرة، 1992م، ت: عبد الله محمد الصديق الغماري، وآخر طبعة له في دار العلم الحديث، 2008م، ت: عبد الكريم عطا، بلغ 530 صفحة. وترجمه إلى الفرنسية محمد شيخ محمود، دار الكتب العلمية، 2002م. وعلى الرغم من تعدد طبعات الكتاب، إلا أنه لم ينل حظه من الاهتمام والتحقيق اللائق به.
(¬2) ينظر: تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، (ت: خليل الميس، دار الكتاب العربي – بيروت، ط6/ 1985م).
(¬3) تاريخ الإسلام، 26/ 583.
(¬4) الكتاب مطبوع ومتداول، وقد طبع بهامش: تنبيه الغافلين، وآخر طبعة له في دار الكتب العلمية، 2003م، ت: عبد الوارث محمد علي، بلغ 160 صفحة.
الجزء 1 · صفحة 41
وليس في الوعظ، وإنما هو كتاب لا غنى عنه لكل مسلم (¬1).
3. ((قرة العيون ومفرج القلب المحزون)) (¬2): كتاب في الأخلاق، يشتمل على تحذير الناس من مخالفة أحكام الدين، وتبشير السائرين في طريق رسول رب العالمين، بما أعد الله لهم من الدرجات في الآخرة، وقسمه إلى عشرة أبواب، وخاتمة: الباب الأول: في عقوبة تارك الصلاة، والثاني: في عقوبة شارب الخمر، وختمه بذكر نعيم أهل الجنة، وذكر القيام من القبور.
4. ((دقائق الأخبار في بيان أهل الجنة وأهوال أهل النار)) (¬3).
5. ((مقدمة في الصغائر والكبائر)) (¬4): عبارة عن صحيفتين، أحصى فيها الصغائر والكبائر، فذكر ستاً وثلاثين كبيرة، أولها: الشرك بالله تعالى. وذكر ثلاثين من الصغائر، أولها: النظر بالعين إلى ما لا يجوز النظر إليه.
6. ((عقوبة أهل الكبائر)) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: البغدادي، هدية العارفين، 2/ 490، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 243، والقرشي، الجواهر المضيّة، 3/ 544.
(¬2) له طبعة غير محققة في مكتبة القاهرة، 1998 م، وهو عبارة عن كتيب، بلغ 56 صفة من القطع الصغير، وطبع أيضاً على هامش: مختصر تذكرة الإمام أبي عبد الله القرطبي، لعبد الوهاب الشعراني، المطبعة الميمنية- القاهرة، 1898 م.
(¬3) نسبه له الزركلي في الأعلام، 8/ 27، والبغدادي في هدية العارفين، 2/ 490، وله مخطوط في مكتبة الأوقاف العامة برقم (9995). ينظر: عبد الله الجبوري، فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد، 1/ 367، (مطبعة الإرشاد - بغداد، ط 1/ 1973 م).
(¬4) حققها الدكتور صلاح الدين الناهي، وألحقها بالمجلد الأول من كتابه: المصنفات الفقهية لإمام الهدى الفقيه أبي الليث، 2/ 487 - 489.
(¬5) طبع بتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، في دار الكتب العلمية، 2004 م، وبلغ 120 صفحة، ونسبه محقق الكتاب لأبي الليث، ولم أعلم أن أحداً غيره نسب الكتاب لأبي الليث.
الجزء 1 · صفحة 42
7. ((فضائل رمضان)) (¬1).
وأخيراً لقد كانت مؤلفاته رحمه الله موضع ثقة العلماء وعنايتهم، وقد نقلت عن كتبه كتب متعددة -كما سيأتي- وشهد لها الدكتور عبد الرحيم أحمد الزقة، فقال: ((وقد تمكن بسبب ثقافته الواسعة، واشتغاله بالتدريس في مدرسة بَلْخ، من أن يصنف كتباً عظيمة، ومؤلفات نفيسة، عرف أهل زمانه قيمتها، وأدركوا أهميتها، فأقبلوا على دراستها، وأشادوا بفضلها ونفعها، وكذلك من جاء بعدهم، اعتنى بها، واختصرها، وشرحها، وبالجملة فقد انتفع بها المتقدمون، وأفاد منها المتأخرون، ولا تزال هذه الكتب شاهدة على فضله، وتعد مرجعاً للعلماء في كل عصر، ومنهلاً عذباً لطلاب العلم)) (¬2).
* * *
¬
(¬1) نسبه له الزركلي في الأعلام، 8/ 27.
(¬2) مقدمة تحقيق بحر العلوم، 1/ 67.
الجزء 1 · صفحة 43
المبحث السّادس
مكانته، وثناء العلماء عليه
بعد أن تكلمنا عن بيئة المُصَنِّف رحمه الله، وعصره، ومؤلفاته، يتبين لنا بكل وضوح المكانة التي كان عليها، فقد كان رحمه الله مدّرساً، وفقيهاً، وكان إلى جانب ذلك كله واعظاً، ومفسراً للقرآن الكريم، أضف إلى ذلك كونه مناظراً.
فيعتبر الفقيه أبي الليث من أعظم فقهاء المذهب العظام، وقد بلغ مقام ورفعة قلّ مَن وصل إليها، ومن كلمات الثَّناء عليه:
لكنه كان فقيهاً في الدرجة الأولى، له مكانته الرفيعة في المذهب؛ دل على ذلك كثرة مصنفاته الفقهية وشهرتها، واعتماد الكثير من فقهاء الحنفية على أقواله، ورواياته عن فقهاء المذهب: كصاحب الهداية، والبناية على الهداية، والعناية على الهداية، وفتح القدير، وبدائع الصنائع، وتحفة الفقهاء، وجامع الفصولين، وتبيين الحقائق، والبحر الرائق، ورد المحتار، والسعاية، وعمدة الرعاية، وغيرهم من أصحاب الكتب المعتبرة في المذهب.
ومما يدل على مكانته أيضاً: اشتغال الفقهاء بكتبه وتدريسهم وإملائهم لها، وتنوع الفروع العلمية التي ألف فيها، واشتغاله ببعض الكتب الهامة: كشرحه لكتاب الفقه الأكبر للإمام الأعظم، والجامع الصغير، والجامع الكبير للإمام محمد.
الجزء 1 · صفحة 44
وإليك أقوال العلماء فيه:
1. قال عنه أبو الوفاء القرشي: ((الإمام الكبير، صاحب الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة)) (¬1).
2. وقال عنه الذهبي: ((الإمام، الفقيه، المحدث، الزاهد)) (¬2).
3. وقال عنه السمعاني: ((كان من فقهاء أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، وكان مشهوراً بالمناظرة، معروفاً بالجدل)) (¬3).
4. وقال عن السيوطي: ((إمام الحنفية)) (¬4).
5. وقال عنه ياقوت الحموي: ((كان من فقهاء الحنفيين المناظرين)) (¬5).
6. وقال عنه اللكنوي: ((وقد طالعت من تصانيفه البستان، وتنبيه الغافلين، وخزانة الفقه، وكلّها مفيدة)) (¬6).
* * *
¬
(¬1) الجواهر المضية، 3/ 544 - 545.
(¬2) سير أعلام النبلاء، 16/ 337.
(¬3) الأنساب، 1/ 491.
(¬4) تاريخ الخلفاء، ص351.
(¬5) معجم البلدان، 2/ 57.
(¬6) الفوائد البهية، ص362 - 363.
الجزء 1 · صفحة 45
المبحث السّابع
وفاته
المطلب الأول: مكان وفاته.
اختلف المؤرخون في تحديد مكان وفاته رحمه الله، على النحو التالي:
1. توفي بكورة بَلْخ (¬1)، ودفن إلى جنب شيخه الفقيه أبي جعفر البَلْخيّ -كما سبق ذكره نقلاً عن الترجمة المقتضبة لأسماء شيوخ الحنفية في آخر مخطوط لكتاب ((الأجناس)) للناطفي-.
2. توفي في بخارى (¬2).
3. توفي في سَمَرْقَند (¬3).
المطلب الثاني: تاريخ وفاته.
وقع اختلاف كبير بين المؤرخين في تحديد سنة وفاته رحمه الهل، بل اضطرب المصدر الواحد في تحدديها –كما في كشف الظنون- وكان الاختلاف بينهم على النحو التالي:
1. سنة (373هـ) (¬4). وقال الإمام اللكنوي في مقدمة العمدة بعد ذكر
¬
(¬1) وكونه مات ببَلْخ أشار إليه اللكنوي في مقدمة العمدة، 1/ 170، والذهبي في تاريخ الإسلام، 26/ 583، كما أشار إلى ذلك تعليق ورد على مخطوط خزانة الفقه للمُصَنِّف. ينظر: الناهي، مقدمة تحقيق المصنفات الفقهية لإمام الهدى، 1/ 10.
(¬2) ذكره القرشي، الجواهر المضية، 3/ 544 - 545، واللكنوي، مقدمة السعاية، 1/ 62.
(¬3) ذكره السمعاني، الأنساب، 1/ 491، والحموي، معجم البلدان، 2/ 57.
(¬4) ذكره القرشي، الجواهر المضية، 3/ 544 - 545، واللكنوي، عبد الحي، مقدمة النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، 1/ 51، (مكتوب على ورقة خاتمة الطبع، قطعة تاريخ ازمولوى محمد بشارت كريم صاحب اسحاق يورت)، ومقدمة السعاية، 1/ 62، والفوائد البهية، ص362 - 363،، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 563، والبغدادي، إسماعيل باشا، إيضاح المكنون إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 1/ 474، (ت: محمد شرف الدين، ورفعت الكليسى، دار إحياء التراث العربي – بيروت)، وهدية العارفين، 2/ 490.
الجزء 1 · صفحة 46
الاختلاف في سنة وفاته: ((وهو المشهور)) (¬1). وهذا الذي رجّحه الزركلي في الأعلام (¬2).
2. سنة (375هـ) (¬3).
3. سنة (376هـ) (¬4).
4. سنة (382هـ) (¬5).
5. سنة (383هـ) (¬6).
6. سنة (393هـ) (¬7).
¬
(¬1) مقدمة العمدة، 1/ 170.
(¬2) الأعلام، 8/ 37.
(¬3) ذكره الذهبي، سير أعلام النبلاء، 16/ 337، 16/ 323، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 243، 1/ 334.
(¬4) حاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1187.
(¬5) حاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 668.
(¬6) ذكره ابن الحنائي، طبقات الحنفية، ص196، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 703.
(¬7) ذكره طاش كبرى زاده، مفتاح السعادة، 2/ 251، وابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص310، الداودي، محمد بن علي، طبقات المفسرين، 2/ 345، (ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1)، الداودي، محمد بن علي، طبقات المفسرين، 2/ 345، (ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1)، والداودي، محمد بن علي، طبقات المفسرين، 2/ 345، (ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1)، وهو الذي رجحه عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 13/ 91، (دار إحياء التراث العربي – بيروت).
الجزء 1 · صفحة 47
وفي تاج التراجم حدد تاريخ وفاته في (11) جمادى الآخرة (¬1).
وفي ختام هذه الترجمة المتواضعة لإمام الهدى الفقيه أبو الليث رحمه الله، لا يسعني إلا أن أحمد الله أن هداني لتحقيق مقدمته، وأن أطلع على ترجمته -تغمده الله برحمته ورضوانه، وأباحه بحبوحة جنانه، ونفعنا ببركات علومه في الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم، رءوف رحيم-.
* * *
¬
(¬1) ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص310.
الجزء 1 · صفحة 48
الفصل الثّاني
الدّراسة عن المقدّمة
تمهيد:
ينبغي قبل الشروع في تحقيق هذه المقدمة المباركة، القيام بدراسة عابرة عنها، والتي تدور حول: عنوانها، صحة نسبتها إلى المُصَنِّف، موضوعاتها، مدى عناية العلماء بها، مكانتها، أسباب شهرتها، منهج المُصَنِّف في تأليفها، مسامحات المصنف، المنهج المتبع في تحقيقها، المصادر التي ذكرها مصنفها، مخطوطاتها في العالم، وأخيراً وصف النسخ المعتمدة في تحقيقها.
الجزء 1 · صفحة 49
المبحث الأول
عنوان المقدمة
وصحة نسبتها إلى المُصَنِّف وموضوعاتها
المطلب الأول: عنوان المقدمة.
العنوان الأول: ((مقدمة الصلاة)):
قال القرماني: ((لما رأيت مختصر ((مقدمة الصلاة))، المنسوب تأليفه إلى الشيخ الإمام قطب المتأخرين، ختم المجتهدين، نصر بن محمّد الفقيه أبو اللّيث السَّمَرْقَنْدِي)) (¬1).
وقال الكنجائي: ((فإنّ المقدمة المنسوبة إلى الإمام الفقيه أبي الليث ... وقد سماها بـ ((مقدمة الصلاة)) عرف ذلك بالنقل المستفيض)) (¬2).
وقال اللكنوي عنها: ((المقدمة المشهورة بين الناس بـ ((مقدمة الصلاة)) (¬3).
العنوان الثاني: ((مقدمة أبي الليث السَّمَرْقَنْدِي)):
قال العلقمي: ((فإني كنت كثيراً مما أفحص وأجتهد في طلب شرح يكون لـ ((مقدمة أبي الليث السَّمَرْقَنْدِي)) (¬4).
* * *
¬
(¬1) التوضيح شرح مقدمة أبي الليث، 2/أ.
(¬2) الكنجائي، جبريل بن حسن بن عثمان، التقدمة في شرح المقدمة، 2/أ، (مخطوط أزهري، فقه حنفي، تحت رقم عام (44154)، ورقم خاص (2809).
(¬3) مقدمة السعاية، 1/ 62.
(¬4) العلقمي، خليل بن مقبل بن عبد الله الحلبي، منتخب التوضيح مختصر التوضيح لمقدمة أبى الليث، 2/أ، (مخطوط أزهري، فقه حنفي، تحت رقم عام (33133)، ورقم خاص (2252).
الجزء 1 · صفحة 50
المطلب الثاني: صحة نسبة المقدمة إلى المُصَنِّف.
اعلم – علمني الله وإياك كل خير - أن أغلب من ترجم للمُصَنِّف / نَسَبَ له المقدمة، وكذلك كل شراح المقدمة الذين اطلعت على شروحهم، قد نسبوها لإمام الهدى الفقيه أبي الليث، ويمكن بيان ذلك فيما يلي:
أولاً: شرّاح المقدمة:
1. القرماني في ((التوضيح)) (¬1).
2. الكنجائي في ((التّقدمة)) (¬2).
3. العلقمي في ((منتخب التوضيح)) (¬3).
ثانياً: مؤلفو كتب طبقات الحنفية:
1. ابن قُطْلُوبُغَا في ((تاج التراجم)) (¬4).
2. القرشي في ((الجواهر المضية)) (¬5).
ثالثاً: مؤلفو معاجم الكتب والمؤلفين:
1. حاجي خليفة في ((كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون)) (¬6).
2. إسماعيل باشا البغدادي في ((هدية العارفين)) (¬7).
وعليه فإن كون المقدمة من مصنفات الفقيه أبي الليث، أمر مقطوع فيه، ولا يتطرق إليه أي احتمال.
¬
(¬1) التوضيح شرح مقدمة أبي الليث، 2/أ.
(¬2) التقدمة في شرح المقدمة، 2/أ.
(¬3) منتخب التوضيح، 2/أ.
(¬4) تاج التراجم، ص310.
(¬5) الجواهر المضية، 2/ 254 - 255.
(¬6) كشف الظنون، 2/ 1795.
(¬7) هدية العارفين، 2/ 490.
الجزء 1 · صفحة 51
المطلب الثالث: الموضوعات التي اشتملت عليها المقدمة.
هذه المقدمة عبارة عن مختصر في الطهارة والصلاة، حجمه صغير، وعلمه كثير، ونفعه غزير، يستبصر به المبتدي، ويستذكر به المنتهي، ذكر فيه المُصَنِّف رحمه الله ما لا يستغني عنه المكلف، ورتبه على فصول ومسائل، افتتحها بذكر أدلة فرضية الصلاة من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وختمها بمسائل عقدية.
* * *
الجزء 1 · صفحة 52
المبحث الثّاني
مدى عناية العلماء بالمقدّمة
تمهيد:
اعتنى العلماء بمقدمة الصلاة بالكتابة عليها، فمن شارح لها، ومن ناظم، ومن مخرِّج لأحاديثها، وهذه العناية إن دلت على شيء، فعلى المكانة الرفيعة للمقدمة التي اشتهرت شهرة واسعة بين الحنفية، وبيان ذلك في المطالب التالية:
المطلب الأول: شروحها (¬1).
قد شرحها غير واحد من العلماء، ومن هؤلاء الفضلاء الذين أقبلوا على شرحها، وحلّ عباراتها:
1. مصلح الدين: مصطفى بن زكريّا بن ايَدغمش القَرَمانِيّ (ت809هـ) (¬2)، وسماه: ((التوضيح شرح مقدمة أبي الليث السَّمَرْقَنْدِي))، شَرَحَ المقدمة شرحاً موسعاً، معتمداً على الكتاب، والسنة، والكتب المتقدمة في المذهب الحنفي, مع المقارنة بالمذاهب الأخرى، وشرحه شرح ممزوج فيه الشرح بالمتن، وفي نظري هو من أوسع شروح المقدمة التي اطلعت عليها، ومن أفضلها.
ذكر الشعراني: أنه شرح عظيم، دخل به مؤلفه إلى مصر، فرآه بعض الحسدة، فدس له بعض كلام فيه قدح في مقام السيد الخليل × فأفتوا بكفره
¬
(¬1) ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1795، وعمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 3/ 116.
(¬2) فقيه ارتحل إلى القاهرة، ثم أتى بلاد الروم، من آثاره: إرشاد الدراية شرح الهداية، ورسالة في حكم اللعب بالنرد والشطرنج. ينظر: البغدادي، هدية العارفين، 2/ 433، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1795، وطاشكبرى زاده، الشقائق النعمانية، ص130.
الجزء 1 · صفحة 53
وقتله، فخرج هارباً، وذلك: كقوله في باب الأحداث: لا يستقبل الشمس والقمر، ولا يستدبرهما، أي؛ لأن إبراهيم × كان يعبدهما (¬1).
وذكر تقي الدين: أن له شرحين: مطول، ومختصر، وكلاهما مقبول حسن دال على فضله.
وقال عنه صاحب ((الشقائق النعمانية)): وهو كتاب مقبول، مشتمل على فوائد.
2. الكنجائي: جبريل بن حسن بن عثمان محمود بن عثمان محمود بن عثمان الحنفي (ت752هـ) (¬2)، وسماه: ((التّقدمة في شرح المقدّمة))، وشرحه ممزوج أيضاً، ألفه لولده عبد الله، وذكر في آخره ذيلاً في شرح حروف أبجد ومشتقاتها، قال حاجي خليفة: ((وهو شرح مفيد)) (¬3).
¬
(¬1) قال القرماني في التوضيح، لوحة 89: لا يقعد عند قضاء الحاجة مستقبلاً للشمس، والقمر، ولا مستدبراً لهما، بل يقعد منحرفاً عنهما؛ تعظيماً لشأنهما؛ لأنهما آيتان عظيمتان من آيات الله تعالى، حتى صار ذلك سبباً لانتقال بعض الأذهان إلى أن كلاً منهما رب يستحق أن يعبد، وكانوا يزعمون أن انكسافهما يوجب تغييراً في العالم من موت، وضرر، ونقص، ونحو ذلك، وعصمنا الله تعالى -بتوفيقه- عن مثل ذلك، وبين لنا أنهما لا يستحقان العبادة؛ بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37] وبين سبحانه وتعالى أنه بكسوفهما يخوّف عباده؛ ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار من الزلل والخطايا، ويرجعوا إلى طاعة الله التي فيها فوزهم، بقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] فلا جرم يكون ترك استقبالهما واستدبارهما في حال قضاء الحاجة تعظيماً لشأنهما أدباً.
(¬2) فقيه من آثاره: شرح مقدمة أبي الليث السمرقندي في الصلاة. عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 3/ 116.
(¬3) حاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1795.
الجزء 1 · صفحة 54
3. العلقمي: خليل بن مقبل بن عبد الله العلقمي مولداً، والحلبي منشأً وداراً، والحنفي مذهباً، توفي بعد (797هـ) (¬1)، وسماه: ((منتخب التوضيح مختصر التوضيح لمقدمة أبى الليث))، فرغ منه بالقدس في جمادى الآخرة سنة (797هـ) (¬2).
لكن شرح العلقمي في الحقيقة أساسه ((التوضيح)) للقرماني، فحذف منه ما لا حاجة له، وأضاف إليه ما لا بد منه في نظره، من الكتب التي اعتمد عليها القرماني في شرحه للمقدمة، قال العلقمي: ((فإني كنت كثيراً مما أفحص وأجتهد في طلب شرح يكون لـ ((مقدمة أبي الليث السَّمَرْقَنْدِي)) - قدس الله روحه، ونور ضريحه- فلم أسمع عن أحد شرحها، فما زلت في طلب ذلك، حتى وجدت نسخة مسودة بخط مصنفها الشيخ: مصطفى بن زكريّا بن ايَدغمش القَرَمانِيّ، وقد كتب على متنها مما حضره من فوائد، فاستخرت الله تعالى في تبيضها، وأحذف منها مواضع لا حاجة إليها، وأزيد فيها مما حضرني من الكتب المنتخبة المعتمد عليها في هذا الشرح)) (¬3).
4. قاضي زادة: محمد بن محمد المعروف بـ (قاضي زاده) (ت1044هـ) (¬4)، وسماه: ((قطرات الغيث على مقدمة أبي الليث)) (¬5).
5. ابن اليازجي: إسماعيل بن عبد الباقي اليازجي (ت1121هـ) (¬6)، وسماه: ((قطر الغيث شرح مقدمة أبي الليث))، رسالة في 16 ورقة صغيرة.
¬
(¬1) فقيه حنفي، انتقل إلى القدس، وبها أنجز كتابه منتخب التوضيح، وله: شرح مصابيح السنة للبغوي، ذكر في كشف الظنون أنه شرح بسيط. ينظر: الزركلي، الأعلام، 2/ 322، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1795، 2/ 1698.
(¬2) ينظر: العلقمي، منتخب التوضيح، 160/ب.
(¬3) منتخب التوضيح، 2/أ.
(¬4) فاضل، من آثاره: إرشاد العقول السليمة إلى الأصول القويمة. عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 11/ 260.
(¬5) ينظر: سزكين، تاريخ التراث العربي، 2/ 113.
(¬6) واعظ من فقهاء الحنفية بدمشق، له: التعليقة الوفية لشرح المنفرجة الجيمية)، والامتناع في تحريم الملاهي والسماع. ينظر: الزركلي، الأعلام، 1/ 317.
الجزء 1 · صفحة 55
6. العينتابي: ذو النون بن أحمد بن يوسف السرماري العينتابي الحنفي (ت677هـ) (¬1).
7. ابن طولون: حسن بن حسين بن أحمد المصري المعروف بـ (ابن طولون) الحنفي (832 - 909هـ) (¬2).
8. ومن شروحها أيضاً: ((المنتهى شرح مقدمة أبى الليث السَّمَرْقَنْدِيّ)) (¬3).
* * *
¬
(¬1) فقيه صوفي، له: شرح قصيدة البستي في المعارف والزهد. ينظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 4/ 147، والبغدادي، هدية العارفين، 1/ 364، وحاجي خليفة، كشف الظنون، 2/ 1795.
(¬2) له: شرح مقدمة الآجرومية، والنزهة السنية في أخبار الخلفاء والملوك المصرية. ينظر: البغدادي، هدية العارفين، 1/ 289،
(¬3) له مخطوط في الأزهر الشريف (مجاميع 305937)، لكن مؤلفه مجهول. ينظر: فهرس الازهرية
الجزء 1 · صفحة 56
المطلب الثاني: ذكر من نظمها، وخرجها.
أولاً: نظمها: عبد الوهاب بن أحمد بن محمد العثماني الأنصاري الحنفي، أبو الفضل، المعروف بـ (ابن عربشاه) (ت901هـ) (¬1)، في بحر الرجز، وسماه: ((المنح المعظمة في نظم مسائل المقدمة))، أوله: بسم الإله ربنا مبتديا ... والحمد لله المعظم تاليا (¬2).
ثانياً: خرج أحاديثها: ابن أمير الحاج الحلبي (¬3).
* * *
¬
(¬1) له: إرشاد المفيد لخالص التوحيد، وروضة الرائض في علم الفرائض، وغيرها. ينظر: البغدادي، هدية العارفين، 1/ 640.
(¬2) ينظر: حاجي خليقة، كشف الظنون، 2/ 1795.
(¬3) وهو محمد بن محمد بن حسن الحَلَبِيّ الحنفي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف ب (ابن أمير حاج)، وهو تلميذُ ابنِ الهُمَام، والحافظِ ابنِ حَجَرٍ، قيل فيه: إنه تلو شيخه ابن الهُمَام في التَّحقيقِ، وسعةِ الاطلاعِ. من مؤلفاته: التقرير والتحبير شرح التحرير لابن الهُمَام، (825 - 879هـ). ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 358، والكتاني، محمد بن جعفر، الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، ص146 - 147، (مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة).
الجزء 1 · صفحة 57
المبحث الثّالث
مكانة المقدمة وأسباب شهرتها
المطلب الأول: مكانة المقدمة.
مما لا شكّ فيه أنّ هذه المقدّمة نالت منزلة رفيعة تدل على مكانتها، وحظيت باهتمام كبير من قبل العلماء وطلبة العلم في دراستها وتدريسها، ومما يؤكد ذلك كثرة الشروح عليها، فضلاً عن الكتب التي نقلت عنها: كـ ((رد المحتار))، و ((مراقي الفلاح))، و ((حاشية الشرنبلالي على درر الحكام شرح غرر الأحكام))، ولا أدل على ذلك من كلام شُرّاحِها فيها، وإليك بعض النصوص التي توضح مكانتها:
قال القرماني: ((لما رأيت مختصر ((مقدمة الصلاة)) المنسوب تأليفه إلى الشيخ الإمام قطب المتأخرين، ختم المجتهدين، نصر بن محمّد الفقيه أبو اللّيث السَّمَرْقَنْدِيّ -تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه أعلا منازل الجنان- قد اشتهر فيما بين الأنام بركاته، وشَمَلتهم فوائده، وكشف عن وجوه طلاب العلم المبتدئين قناع الجهل فوائده، أردت أن أكتب له شرحاً يَحُلّ مشكلاته، ويفصل مُجْمَلاتِه؛ إجابةً للطالبين، وتيسيراً على الراغبين ... وسمّيته ((التوضيح))، وسألت الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله)) (¬1).
وقال الكنجائي: ((فإن المقدمة المنسوبة إلى الإمام الفقيه أبي الليث رحمه الله أشرف كتاب؛ لكونه مختص بالعبادة، وهي المقصودة من خلق العباد)) (¬2).
وقال أيضاً: في خاتمة كتابه: ((فإن ولدي الأغر، المسمى بـ (عبد الله) -أنبته الله نباتاً حسناً- لما ختم كتاب الله الكريم –بنعمة الله- قبل الحلم .... أردت أن
¬
(¬1) التوضيح شرح مقدمة أبي الليث، 2/أ.
(¬2) التقدمة في شرح المقدمة، 2/أ.
الجزء 1 · صفحة 58
أفتق لسانه، وأفتح جنانه، وأشد عضده، بتعلم العلم؛ امتثالاً لأمر الرسول، وهو: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) ... ورأيت الأصوب في الرّأي، أن فتحته بكتاب «مقدمة الصلاة»؛ لكونها مشتملة على العبادة، والعلوم الدينية، وهو المقصود من التعلم، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56]، ولما شرع فيه، وحفظه، وفهم ما فيه، أورد عليّ في دلائله إشكالاً موجهاً، فوجدت فراسته موزونةً، وعقله مستقيماً -بحمد الله- أراد مني أن أشرح له بذا الكتاب؛ ليكون به عوناً على التعلم، وترغيباً على المتعلم، فأجبت إلى تحصيل بقيته، مستعينا بالله، وسنة رسوله، وجمعت لهذا الكتاب من الكتب المعتبرة والشروح المتداولة)) (¬1).
* * *
¬
(¬1) التقدمة في شرح المقدمة، لوحة 166.
الجزء 1 · صفحة 59
المطلب الثّاني: أسباب شهرة المقدّمة.
بعد العرض المستفيض لعناية العلماء بمقدمة الصلاة، وبيان مكانتها في المذهب الحنفي، يمكننا أن نستخلص بعض الأسباب التي منحتها هذه المكانة المرموقة، والتي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1. موضوعها، وهو الصلاة والطهارة؛ بدليل أن الكنجائي دَرَّسَها لابنه بعد أن أتم ختم القرآن الكريم، وعلل ذلك بقوله: ((لكونها مشتملة على العبادة، والعلوم الدينية، وهو المقصود من التعلم، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56])).
2. صغر حجمها، الأمر الذي يسهل دراستها وتدريسها في فترة قصيرة، وهذا يشجع العلماء على الإقبال على شرحها وتوضيحها: كالشروح السابق ذكرها.
3. الاختصار الشديد فيها، وهو ديدن كل المتون المعتبرة، فهو ميزة للكتاب في إفادته المعاني الكثيرة من التراكيب القليلة، وهي مع شروحها يكتمل بدرها.
4. حسن ترتيبها، وذلك في تقسيمها للفرائض، والواجبات، والسنن، والمستحبات، والمكروهات، وغيرها.
5. أضف إلى ذلك مكانة مؤلفها العلمية، فقد تكون سبباً في شهرتها، دل على ذلك قول القرماني: ((لما رأيت مختصر ((مقدمة الصلاة))، المنسوب تأليفه إلى الشيخ الإمام قطب المتأخرين، ختم المجتهدين، نصر بن محمّد الفقيه أبو اللّيث السَّمَرْقَنْدِيّ)) (¬1).
* * *
¬
(¬1) التوضيح شرح مقدمة أبي الليث، 2/أ.
الجزء 1 · صفحة 60
المبحث الرّابع
منهج المُصَنِّف في المقدمة
تمهيد:
لقد كان للمُصَنِّف رحمه الله منهجه الخاصّ به في تأليفه لمقدمة الصلاة، وامتاز تأليفه بخصائص ومميزات، وحتى تظهر لنا قيمته أكثر وضوحاً، سأذكر بعضاً من مزاياه.
وهذه المميزات كالتالي:
1. الاختصار غير المخل، واختيار عبارات واضحة بسيطة، وهذا السبب الذي جعل المقدمة صالحة لأن تكون متناً يُدرس للمبتدئين، إضافة للأسباب التي تقدم ذكرها عندما تكلمنا عن أسباب شهرة المقدمة.
2. كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث.
3. ذكره للمصادر التي استقى منها المعلومات.
4. كان له ترجيحات تدل على مكانته في المذهب.
5. أكثر من قوله ((اعلم)) حرصاً منه على تنبيه السامع، وليصغي لكلامه، ويُحضر قلبه، ويُقبل عليه بكليته؛ لئلا يضيع الكلام، كما هو دأب شيوخه في بَلْخ في حرصهم على إفادة طلابهم.
الجزء 1 · صفحة 61
المبحث الخامس
مسامحات المُصَنِّف
بعد أن ذكرت منهج الفقيه أبي الليث رحمه الله في مقدمته، رأيت من الأمانة العلمية أن أشير إلى بعض الملاحظات التي سجلتها أثناء تحقيقي لنص المقدمة، مع التأكيد على أن هذه المسامحات التي سطرتها، لا تحط من قيمة الكتاب مطلقاً، ولا تقدح في مكانة صاحبه؛ لأن مثل هذا لا يكاد يخلو منه أو من بعضه كتاب، ولا كمال إلا لكتاب الله عز وجل.
وهذه الملاحظات كالتالي:
1. الاستدلال بخلاف ما هو مشهور في المذهب.
2. الاستدلال بأحاديث لا أصل لها.
* * *
الجزء 1 · صفحة 62
المبحث السّادس
المنهج المتّبع في تحقيق المقدّمة
وإنني في عملي في تحقيق هذه المقدمة المباركة سرت في منهج معين، ويمكن بيانه في النقاط التالية:
1. قمت -بعون الله تعالى وتوفيقه- بنسخ المقدمة، وضبطها، ومُقابلتها على أربع نسخ، وإثبات الفروق المهمة بينها، فأثبت الصحيح في الأعلى، وسجلت غيره من الفروق في الحاشية، وبذلت وسعي في قراءة النص على الوجه الذي أراده عليه مؤلفه، وذلك بتصحيح ما أصاب كلماته من تصحيف أو تحريف، وتبرئته مما زيد فيه أو نقص منه، واستخدمت كلمة ((ساقطة)) في الحاشية إذا كانت العبارة تنفع النص. وكلمة ((زيادة)) إذا كانت العبارة لا تنفع النص.
2. نسختها حسب الرسم والإملاء الحديث، مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وفصَّلت عباراتها إلى مقاطع قصيرة على حسب ما يقتضيه المعنى.
3. عزوت ما ورد فيها من الآيات إلى مواضعها: بذكر السورة، ورقم الآية، مع كتابتها برسم المصحف العثماني.
4. خرَّجت الأحاديث التي استشهد بها المُصَنِّف رحمه الله: بذكر راوي الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم -، والكتب التي خرّجته، وبينت حكمه من حيث الصحة والضعف من قبل كبار المحدِّثين إن كان في غير الصحيحين، وأتيت له بالشواهد التي تقوّيه إن كان فيه ضعف، وإن كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بهما، وإلا فحسب ما تيسر لي من المراجع.
5. ترجمت لما ورد فيها من الأعلام -إلا من بلغ درجة لا يحتاج فيها إلى التعريف به- وذلك: بذكر اسمه، ونسبه، وكنيته، وكلمة لأحد العلماء فيه، وبعض مؤلفاته، وتاريخ ولادته، وتاريخ وفاته، إن وجد.
الجزء 1 · صفحة 63
6. عرّفت بالكتب التي ذكرها المُصَنِّف في ((مقدمته)).
7. حاولت جهدي إرجاع ما ورد فيها من النصوص إلى مظانِّها، وبحثت لها عما يؤيدها، ويشهد بصحتها في بطون الكتب.
8. بيَّنت معاني المفردات الغريبة، من أمّهات كتب اللغة.
9. حاولت قدر الإمكان بيان الاختلاف في كل مسألة إن كان فيها خلاف معتبر في المذهب، وبينت ترجيحات المصنف واختياراته منها.
10. علَّقت على المسائل التي ذكرها المُصَنِّف حسب ما يقتضيه المقام، مع الاستدلال لها، مما يتمِّم مقاصد الكتاب، خاصة فيما تُثار حوله في هذا العصر إشكالات، وحاولت جهدي بيان مراد المُصَنِّف من كلامه، وقد راجعت لفهمه كثيراً من الكتب، لاسيما شروح المقدمة، فقد قمت بجمع زبدة وخلاصة ما في هذه الشروح، مع زيادات وفوائد اقتنصتُها من الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي، فرأيت أن أثبتها في الهامش؛ لتعين القارئ على فهم المقصود من كلام المُصَنِّف.
11. زدت بعض العناوين في الكتاب، بوضعها بين معكوفتين، دون الإشارة إلى ذلك.
12. خَرَجت من اختلاف النسخ في صيغة الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بإثبات شكل الصلاة هكذا (- صلى الله عليه وسلم -). واختلاف النسخ في صيغة بين الترحم والترضي على من يذكر من العلماء وعدمه، بالترضي للصحابة، بذكر شكل الترضي هكذا (- رضي الله عنهم -)، والترحم للتابعين، بذكر شكل الترحم هكذا (/)، دون الإشارة إلى ذلك.
* * *
الجزء 1 · صفحة 64
المبحث السّابع
مصادر المقدمة
بما أن هذه المقدمة تعدّ من المتون المختصرة، فلم يعتن المُصَنِّف فيها بالرجوع إلى مراجع كثيرة، والمراجع التي ذكرها في مقدمته، والتي سيأتي الكلام عن كلّ واحد منها عند موضع ذكر كل كتاب، إلا كتابيه:
1. ((الأمالي)) للإمام الثاني أبو يوسف القاضي.
2. ((مختصر الطحاوي)) لأبي جعفر الطحاوي.
3. ((مختصر الكرخي)) لأبي الحسن الكرخي (¬1).
4. ((مختلف الرواية)) للمُصَنِّف –وسبق الكلام عنه-.
5. ((عيون المسائل)) للمُصَنِّف –وسبق الكلام عنه-.
* * *
¬
(¬1) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحسن الكرخيّ، شيخُ الحنفيّة، إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة بعد أبي سعيد البردعي، وأخذ عنه: أبو بكر الرازي، وأبو عبدالله الدامغاني، وغيرهم. قال عنه الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفية. وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه، في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: المختصر المشهور، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، (260 - 340هـ). ينظر: القرشي، الجواهر المضية، 2/ 493 - 494، والسمعاني، الأنساب، 5/ 52، وابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص200، واللكنوي، الفوائد البهية، ص183، والتميمي، الطبقات السنيّة، 4/ 420، وابن الحنائي، طبقات الحنفيّة، ص174.
الجزء 1 · صفحة 65
المبحث الثّامن
مخطوطات المقدمة
لهذه المقدمة المباركة نسخ خطية كثيرة متفرقة في بقاع شتى في أنحاء العالم، حالها كحال باقي تراث هذه الأمة، يئن تحت الغبار والأتربة، ينتظر من يشمر عن ساعد الجد؛ ليخرجه من الظلمات إلى النور، وإليك بعضها:
1. المخطوطات الأزهرية: فقه الإمام أبي حنيفة (313754)، (322685)، (323585)، (325392)، (333248)، (341795)، (342108)، مجاميع (301293)، (303827).
2. مخطوطات مكتبة المتحف العراقي: (2170)، و (2464) (¬1).
3. مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة في بغداد: (3912)، (3532)، (مجاميع 2/ 2824) (¬2).
4. مخطوطات دار الكتب المصرية: (520)، (535).
5. مخطوطات مكتبة الإسكندرية: (فقه حنفي 66).
6. مخطوطات برلين: (3506)، (3507).
7. مخطوطات باريس: (1121)، (1123)، (1141)، (1142).
8. مخطوطات الجزائر: (764).
9. مخطوطات آيا صوفيا: (1442)، (1443).
¬
(¬1) ينظر: أسامة ناصر النقشبندي، وعامر أحمد القسطنطيني، مخطوطات مكتبة المتحف العراقي، 2/ 157 - 158، (الجمهورية العراقية- وزارة الإعلام- مديرية الآثار العامة، 1975م).
(¬2) ينظر: عبد الله الجبوري، فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد، 1/ 550.
الجزء 1 · صفحة 66
10. مخطوطات ميونخ: (157).
11. مخطوطات جامع الزيتونة بتونس: (4/ 225). وغيرها كثير (¬1).
* * *
¬
(¬1) ينظر: بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، 4/ 46 - 47.
الجزء 1 · صفحة 67
المبحث التّاسع
وصف النسخ المعتمدة في التّحقيق
لقد حاولت ما وسعني الجهد أن أقف على نسخ خطية لمقدمة الصلاة؛ رغبة مني في أن تخرج في صورة علمية جيدة، تليق بموضوعها، وبمكانة صاحبها، فوجدت لها عدداً من النسخ، وإن كانت تختلف في جودتها، ووضوحها، وبعدها، أو قربها من مؤلفها، وإليك بياناً بتلك النسخ:
1. النسخة المرموز لها بالحرف (أ):
نسخة من مخطوطات المكتبة القادرية في بغداد، وهي موجودة ضمن المجموع المرقم (375)، الأوراق 124 - 132، وعدد أوراقها: 9 أوراق، وعدد الأسطر في كل ورقة: 21 سطر، ومقياس المجموعة 25 × 17سم، وهي منسوخة بخط ناسخ المجموعة وهو مجهول، ونسخها بخط النسخ الجيد، مجدولة بماء الذهب، وهي نسخة واضحة ومتكاملة، وليس عليها تاريخ نسخ، ولا اسم الناسخ، وكُتِبَ على هامش الورقة 132 ((بيان اعتقاد أهل السنة)).
2. النسخة المرموز لها بالحرف (ب):
نسخة من مخطوطات الأزهر الشريف، برقم (323585)، وعدد أوراقها: 23 ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة: 13 سطر، وهي نسخة واضحة ومتكاملة، منسوخة بالحبر الأسود والأحمر، والظاهر أن النسخة قوبلت على نسخة أخرى، أو أنها قرأت على المصنف، وقد ظهر لي ذلك من العبارة التي كتبها الناسخ ((صح)). وليس عليها تاريخ نسخ، ولا اسم الناسخ.
3. النسخة المرموز لها بالحرف (جـ):
الجزء 1 · صفحة 68
نسخة من مخطوطات دار صدام للمخطوطات، وهي موجودة ضمن مجموع مرقم، الأوراق 59 - 70، وعدد أوراقها: 12 ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة: 16 سطر، والنسخة بخط ناسخ المجموعة موسى ابن المرحوم عيسى البغدادي، وتاريخ نسخها: 21 شوال 1281هـ، وهي نسخة واضحة ومتكاملة.
4. النسخة المرموز لها بالحرف (د):
نسخة من مخطوطات الجامعة الأردنية، برقم (622)، وعدد أوراقها: 75 ورقة من القطع المتوسط، وعدد الأسطر في كل ورقة: 4 أسطر، في كل سطر: 4 كلمات تقريباً، وهي نسخة متكاملة، منسوخة بخط واضح وجميل.
وهذه هي المقارنة الفعلية لنسخ المقدمة، لكن تيسر لي – بحمد الله - أن أطلع على شروح للمقدمة، منها طويلة: كـ «التوضيح»، و «التقدمة»، و «المنتحب». ومنها قصيرة، فاستعنت بها حتى توصلت إلى هذا النسخة التي تطمئن إليها النفس ـ بإذن الله ـ.
* * *
الجزء 1 · صفحة 69
القسم الثّاني
قسم التحقيق
ويشتمل على نص المقدمة كاملاً، محقّقاً، ومعلّقاً عليه
الجزء 1 · صفحة 70
بسم الله الرحمن الرحيم
[وبه نستعين] (¬1)
[الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير البرية محمد، وآله وصحبه أجمعين] (¬2).
قال الفقيه (¬3) أبو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيُّ -رحمة الله عليه-:
[فصل: في أدلة فرضية الصلاة من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة]
اعلم (¬4) بأن الصلاة فريضة قائمة، [وشريعة] (¬5) ثابتة (¬6)، عرفت فرضيتها: بالكتاب، والسّنة، وإجماع الأمّة:
¬
(¬1) ساقطة من أ و ب و د.
(¬2) وخطبة الكتاب في جـ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الأمة محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والعقوبة للظالمين، والمغفرة للتائبين، والشفاعة للمذنبين، مقدمةٌ مزينةٌ على أخواتها تركيباً وترتيباً.
(¬3) الظاهر أن قوله في المتن: قال الفقيه تغيير من تلامذة المُصَنِّف ومحبيه، وليس هو بعبارته؛ لأنه لتقواه يأبى أن يسمّي نفسه باسم يدل على غاية التعظيم -وهو لفظ الفقيه- ثم إنّ مثل هذا التعبير سنةٌ بين أهل العلم، يعظمون أستاذهم، ويكتبون موضع لفظه الذي يدل على التواضع، ما يدل على تعظيمه، ولا يبعد أن تكون عبارة المُصَنِّف /: قال العبدُ الضعيفُ، أو الفقيرُ، أو نحو ذلك. ينظر: القرماني، التوضيح، 6/ب.
(¬4) قوله اعلم: هو أمر وخطاب عام لكل من يفهم، من غير تعيين أحد، وإنما يذكر في ابتداء الكلام؛ لِيَتَنَبّه السامع له، ويصغي إليه، ويُحضر قلبه، ويُقبل عليه بكليته؛ لئلا يضيع الكلام، وروي: ((أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ لِمُعَاذٍ - رضي الله عنه -: اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَك، ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ)). ينظر: القرماني، التوضيح، 6/ب، والبخاري، كشف الأسرار، 1/ 19.
(¬5) ساقطة من جـ.
(¬6) أي: أن الصلاة: مفروضة، مشروعة، ثابتة، غير منسوخةٍ، على كل مسلم، عاقل، بالغ، غير حائضٍ ونفسا. وهذا احترازاً عما كان مشروعاً ثم انتسخ: مثل الوصية للوالدين والأقربين، والتوجه إلى بيت المقدس، وغير ذلك. ينظر: القرماني، التوضيح، 7/أ.
الجزء 1 · صفحة 71
أما الكتاب: [فقوله] (¬1) أ: {وَأَقِيمُواْ (¬2) الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} (¬3)، فالله أ أمرنا بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة (¬4)، والأمر من الله أ يدل على الوجوب (¬5).
وقوله أ: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} (¬6)، [ألا وهي العصر (¬7).
¬
(¬1) في أ: قوله.
(¬2) في د: أقيموا.
(¬3) سورة البقرة: من الآية 43، والبقرة: من الآية 83، والبقرة: من الآية 110.
(¬4) لا تعلق لذكر الزكاة هنا، بل المقصود إثبات فرضية الصلاة، لكن المُصَنِّف ذكر الزكاة هنا مع الصلاة؛ لأنهما كثيراً ما يقترنان في الذكر في القرآن الكريم: كما في هذه الآية، وغيرها من الآي، فصارتا كالأخوين التوأمين، فلم يهنّ التفريق بينهما. ينظر: القرماني، التوضيح، 8/أ.
(¬5) أي: أن الأمر المطلق المجرد عن القرينة الصارفة عن الوجوب ممن هو مفترض الطّاعة هو للوجوب، لا أن كل أمر من الله تعالى مطلقاً كان أو مقيداً يكون للوجوب، فإنه لم يذهب إليه ذاهب؛ لأن كثيراً من أوامر الله تعالى ليس للوجوب، نحو: قوله - جل جلاله -: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10]، وقوله - جل جلاله -: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2]،، وقوله - جل جلاله -: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33]. ينظر: القرماني، التوضيح، لوحة 8.
(¬6) سورة البقرة: من الآية 238.
(¬7) قال الزمخشري في الكشاف، 1/ 315، في تفسير الصلاة الوسطى: أي: الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط. واختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في الصلاة الوسطى: فقال بعضهم: هي صلاة الفجر، وإليه ذهب مالك، والشافعي-رحمهما الله-.
وقال بعضهم: هي صلاة الظهر. وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها الله تعالى؛ تحريضاً للعباد على أداء جميعها: كما أخفى الله تعالى ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في الأسماء؛ ليحافظوا على الجميع.
وأكثرهم قالوا: إنها صلاة العصر، وهذا هو مذهب علمائنا -رحمهم الله-؛ دل عليه ما أخرجه مسلم، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الأحزاب: ((شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى: صَلَاةِ الْعَصْرِ. مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا))، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)). ولأن وقتها وقت إشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم، فيخاف فوتها ما لا يخاف لسائر الصلوات، فكانت محل التأكيد بالذكر. ولأن قبلها صلاتي النهار، وبعدها صلاتي الليل. ينظر: أبو الليث، بحر العلوم، 1/ 182 - 183، وابن عابدين، رد المحتار، 1/ 361، والمنبجي، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، 1/ 201.
الجزء 1 · صفحة 72
ويقال: المراد منها (¬1) محافظة الخمس كلها] (¬2).
فالله أ أمرنا بمحافظة خمس [صلوات] (¬3)، والأمر من الله أ [يدل على [الوجوب] (¬4)] (¬5) (¬6).
¬
(¬1) أي: الصلاة الوسطى.
(¬2) ساقطة من أ و ب و د.
(¬3) في جـ: الصلاة.
(¬4) في أ: الإيجاب.
(¬5) في د: للإيجاب.
(¬6) ووجّه دلالة الآية الكريمة على كون الصلوات خمساً، هو: أن النص يقتضي عدداً له وسطى، وواو الجمع؛ للعطف المقتضي للمغايرة، وأقله خمسٌ ضرورةً. قال الشرنبلالي في حاشيته على درر الحكام، 1/ 224: كذا استدل بالآية صاحب الكافي، والفقيه أبو الليث في مقدمته. وقال القرماني في التوضيح، 9/أ: وهذا الاستدلال إنما يصح، إذا لم تُجعل الوسطى بمعنى: الفضلى، وأن لا يبطل معنى الجمعية من الصلوات، بدخول الألف واللام، فأما إذا كان بمعنى الفضلى -كما هو رأي الأكثرين- أو بطل معنى الجمعية بدخول الألف واللام -كما هو المقرر من القاعدة- فلا يصح هذا الاستدلال، فافهم، والأولى أن يقال: ثبت كون الصلوات الخمس مراداً من الآية، بالإجماع. وقال أبو الليث في بحر العلوم، 1/ 182: قال ابن عباس ب في قوله أ: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة:238]، حافظوا على الصلوات المكتوبات الخمس في مواقيتها، بوضوئها، وركوعها، وسجودها.
الجزء 1 · صفحة 73
وقوله أ: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} (¬1)، [أي: فرضاً مؤقتاً] (¬2) [فالله أ جعل الصلاة على أهل الإيمان فرضاً مؤقتاً، وهذا أيضاً يدل على الوجوب] (¬3).
وأما السّنة: [فما] (¬4) روي عن عبد الله [بن] (¬5) عمر، وجرير [بن] (¬6) عبد الله البجلي (¬7) - رضي الله عنهم -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((بُنِي الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَه إلا اللهِ وَأنَّ [مُحَمَّداً] (¬8) [رَسُولُ اللَّهِ] (¬9)، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، [وَإِيتَاءِ] (¬10) الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَان، وَحَجُّ البَيْتِ مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا)) (¬11).
¬
(¬1) سورة النساء: من الآية 103.
(¬2) في جـ: يعني.
(¬3) المثبت من ج. وفي أ و د: فالله أ جعل الصلاة على المؤمنين فرضاً مؤقتاً. وهي ساقطة من ب.
(¬4) في جـ: ما.
(¬5) في جـ و د: ابن.
(¬6) في جـ و د: ابن.
(¬7) هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي، من قبيلة بجيلة -إحدى القبائل اليمانية- أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله، صحابي جليل، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن عمر، ومعاوية ب، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول عنه: جرير: يوسف هذه الأمة. (ت51 هـ). ينظر: ابن كثير، البداية والنهاية، 8/ 61، وابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، 1/ 237 - 238، وابن الأثير، أسد الغابة، 1/ 409.
(¬8) في جـ: محمد.
(¬9) في أ و د: عبده ورسوله.
(¬10) ساقطة من جـ.
(¬11) الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ ب مرفوعاً بلفظ: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) في صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بني الإسلام على خمس، 1/ 12، واللفظ له، وعنده أيضاً في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، 4/ 1641. وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، 1/ 45.
ورواية جرير ابن عبد الله البجلي ب عند أحمد، في مسند الكوفيين، 4/ 363، 4/ 364.
الجزء 1 · صفحة 74
و [قد] (¬1) جاء في خبر آخر عن [رسول الله] (¬2) - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال [ ... ] (¬3) [في] (¬4) حجة الوداع: (([أيها الناس] (¬5) صَلُّوا خَمْسَكَمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، [وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، [وأدوا زكاة أموالكم] (¬6)، طَيِّبَةً بِها أَنْفُسكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِكُمْ] (¬7)، بِلا حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ)) (¬8) (¬9).
¬
(¬1) ساقطة من ب و د.
(¬2) في د: النبي.
(¬3) حين علم الأعرابي: زيادة من ب.
(¬4) ساقطة من ب.
(¬5) ساقطة من أ و ب و جـ.
(¬6) ساقطة من أ.
(¬7) في جـ: وأدوا زكاة أموالكم، طَيِّبَةً بِها أَنْفُسكُمْ، وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، تدخلون الجنة.
(¬8) عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: ((سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ)) في سنن الترمذي: كتاب الجمعة، باب منه، 2/ 516. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، صحيح. وفي مسند أحمد: باقي مسند الأنصار، 5/ 251. وقال الشيخ شعيب: إسناده صحيح، على شرط مسلم. وأخرجه الحاكم في المستدرك، 1/ 52، وقال: هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولا نعرف له علة، ولم يخرجاه. وعند أحمد، في باقي مسند الأنصار، 5/ 262، بلفظ: ((اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُم، ْ وَحُجُّوا بَيْتَكُم، ْ وَأَدُّوا زَكَاتَكُمْ، طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ ?)). قال الشيخ شعيب: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل فرج بن فضالة.
(¬9) قال القرماني في التوضيح، 11/أ: والحديث والقرآن يفسر بعضه بعضاً، والأولى أن يحمل هذا وأمثاله على الحث والترغيب، لا على التحقيق والتثبيت.
وهذا كله مقيد باجتناب الكبائر؛ لما ورد به صريحاً في بعض الأحاديث، نحو: ما أخرجه مسلم في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)). وما أخرجه أيضاً عَنْ عثمان - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)).
الجزء 1 · صفحة 75
و [روي] (¬1) عن [رسول الله] (¬2) - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الصَّلاةُ عِمَادُ الدِّينِ، فَمَنْ أَقَامَها، فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ، وَمَنْ تَرَكَها، فَقَدْ هَدَمَ الدِّينَ)) (¬3) (¬4).
¬
(¬1) المثبت من أ و جـ. وفي د: وجاء في خبر آخر. وهي ساقطة من ب.
(¬2) في د: النبي.
(¬3) أورده الغزالي في الوسيط، 2/ 3: بلفظ: ((الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين)). وقال ابن حجر في التلخيص الحبير، 1/ 173: رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة، عن حبيب بن سليم، عن بلال بن يحيى، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله، فقال: ((الصلاة عمود الدين))، وهو مرسل رجاله ثقات. وعن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً بلفظ: ((الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين))، في شعب الإيمان، 3/ 39. قال العجلوني في كشف الخفاء، 2/ 31: قال في المقاصد رواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف، من حديث عكرمة عن عمر مرفوعاً، ونقل عن شيخه الحاكم أنه قال: لم يسمع عكرمة من عمر. وروي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ((رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاد)) في سنن الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، 5/ 11، وقال الترمذي: حديث حسن، صحيح. ومسند أحمد: مسند الأنصار، 5/ 231. وسنن النسائي الكبرى، 6/ 428.
(¬4) إن ظاهر هذا الحديث يدل على كفر تارك الصلاة، وهو ليس مذهبنا، فلا بد من تأويله، وهو: أنه محمول على تركها جحوداً، أو على الزجر والوعيد؛ بدليل: ما أخرجه أبو داود في سننه عن عبادة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ: كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ: فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ))، فإن ترك الصلاة لم يخرجه من الإسلام; بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وإن شاء أدخله الجنة))، والله لا يدخل الجنة من أشرك به؛ لقوله ?: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة:72]، ولا يغفر لمن أشرك به؛ لقوله ?: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48]، وهذا القول أولى بالقياس، فمن ترك صوم شهر رمضان متعمداً، أو ترك أداء الزكاة، غير جحد لفرضها عليه، لا يكون بذلك كافراً، ولا عن الإسلام مرتداً، فكان مثله تارك الصلاة. ينظر: الطحاوي، مشكل الآثار، 4/ 193 - 202، والمنبجي، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، 1/ 155.
الجزء 1 · صفحة 76
وأما إجماع الأمّة: فإن الأمة قد اجتمعت [ ... ] (¬1)، من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، [على فرضية الصلاة والزكاة] (¬2)، من غير نكير منكر، ولا ردِّ رادٍّ، وإجماع الأمة [ ... ] (¬3) من أقوى الحجج (¬4)؛ بدليل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تجتمع أُمّتي على الضّلالة، [فإن اجتمعت فليست مني] (¬5))) (¬6).
¬
(¬1) على فرضية الصلاة والزكاة: زيادة من أ و ب.
(¬2) ساقطة من أ و ب و جـ.
(¬3) هو: زيادة من أ.
(¬4) أي: أن الأدلة متفاوتة في القوة، فبعضها أقوى من بعض، وإجماع الأمة من جملة أقواها. ينظر: القرماني، التوضيح، لوحة 12.
(¬5) ساقطة من أ و ب و د.
(¬6) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ب: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ)) في سنن الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، 4/ 466، واللفظ له، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. والمستدرك: كتاب العلم، 1/ 201، وذكر له شواهد من حديث عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وأبو ذر - رضي الله عنهم -. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((اثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ مِنِ اثْنَيْنِ، وَأَرْبَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّتِي إِلَّا عَلَى هُدًى)) في مسند أحمد، مسند الأنصار، 5/ 145. وعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيّ - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعًا، فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، فَأَعْطَانِيهَا)) إلى آخر الحديث، في مسند أحمد: مسند القبائل، 6/ 396، والمعجم الكبير للطبراني، 2/ 280، وسنن أبي داود: كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، 2/ 500، وسنن ابن ماجه: كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، 2/ 1303، وقال الشيخ شعيب: صحيح لغيره. ويؤيده قوله - جل جلاله -: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران:110]، وقوله - جل جلاله -: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143]، أي: خيراً وعدلاً، وخيريّتهم تدل على حقية ما اتفقوا عليه.
الجزء 1 · صفحة 77
[فصل] (¬1): [في أنواع الفرض]
ثم اعلم بأنّ الفرض (¬2) على نوعين (¬3):
1. فرض [عين] (¬4).
2. وفرض [كفاية] (¬5).
أمّا [فرض العين] (¬6): [فهو ما] (¬7) إذا قام به البعض لا يسقط عن [الباقين] (¬8):
[كالصوم.
¬
(¬1) ساقطة من ج.
(¬2) الفرض: ما كان فعله أولى من تركه، مع منع الترك، الثابت بدليل قطعي لا شبهة فيه: كالكتاب، والسنة المتواترة، إذا لم يلحقهما خصوص، وكالإجماع، إذا لم ينقل بطريق الآحاد، وكالقياس المنصوص على علته. وحكمه: أنه يثاب فاعله، ويعاقب تاركه بلا عذر، ويكفر جاحده؛ لأنه لازم علماً وعملاً. ويسمى بالفرض الاعتقادي. ينظر: صدر الشريعة، التوضيح، 2/ 257 - 263، والبخاري، كشف الأسرار، 1/ 84، وابن عابدين، رد المحتار، 1/ 102 - 103، 1/ 477.
(¬3) قال السرخسي في المبسوط، 30/ 262 - 263: الفرض نوعان: فرض عين. وفرض كفاية. ففرض العين: على كل أحد إقامته، نحو: أركان الدين. وفرض الكفاية: ما إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لحصول المقصود، وإن اجتمع الناس على تركه، كانوا مشتركين في المأثم: كالجهاد ... وكذا غسل الميت، والصلاة عليه، والدفن. وينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، 1/ 311.
(¬4) في أ: العين.
(¬5) في أ: الكفاية.
(¬6) في جـ: الفرض العيني.
(¬7) ساقطة من ج.
(¬8) في جـ: الباقي.
الجزء 1 · صفحة 78
والصلاة] (¬1).
[والزكاة.
والحجّ] (¬2).
[والوضوء للصلاة] (¬3).
والاغتسال من: الجنابة، والحيض، والنفاس.
والجهاد [في سبيل الله] (¬4)، إذا كان النفير (¬5) عاماً (¬6).
وأما [فرض] (¬7) الكفاية: [فهو ما] (¬8) إذا قام به البعض يسقط عن [الباقين] (¬9):
¬
(¬1) في جـ: كالصلاة، والصوم.
(¬2) في د: والحج، والزكاة.
(¬3) ساقطة من أ.
(¬4) ساقطة من أ و جـ و د.
(¬5) النفير في اللغة: تارةً يطلق ويراد به: القوم الذين يتقدمون في الأمر، يقال: جاءت نفرة بني فلان، ونفيرهم أي: جماعتهم الذين ينفرون في الأمر، ويقال في المثل لمن لا يصلح لهم: لا أنت في العير، ولا في النفير. وتارة يطلق ويراد به: نفس التقدم والخروج إلى أمر من الأمور. ينظر: الجوهري، الصحاح، 2/ 833.
(¬6) بأن هجم العدو، وعجز عن مقاومتهم من كان بقربهم من المسلمين، فاحتيج إلى جميع المسلمين، أو لم يعجزوا، إلا أنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فيكون الجهاد فرض عين على كل واحد من آحاد المسلمين ممن له قدرة عليه، إما بالنفس أو بالمال، فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن مولاه؛ لأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت؛ لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضاً على الكل عيناً بمنزلة الصوم والصلاة. ينظر: السرخسي، المبسوط، 10/ 3، والكاساني، بدائع الصنائع، 7/ 98، والبَابِرْتي، العناية، 5/ 435 - 436، والسمرقندي، تحفة الفقهاء، 3/ 294.
(¬7) في ج: الفرض.
(¬8) ساقطة من جـ.
(¬9) في ج: الباقي.
الجزء 1 · صفحة 79
كردّ السلام (¬1).
وتشميت العاطس (¬2).
¬
(¬1) لقوله - جل جلاله -: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86]، يعني: إذا سلم عليكم، ردوا جوابه بأحسن منه، بأن تقولوا له: وعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، إذا قال لكم: السلام عليكم. أو ردوا مثله، بأن تقولوا: وعليكم السلام. وفي هذه الآية دليل على أن السلام سنة، والرد فرض؛ لأن الله تعالى أمر بالرد، والأمر للوجوب، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها، لا في نفس الرد، لكن ثواب هذه السُّنَّة أفضل من الفرض الذي هو جوابه؛ لأنها سببٌ له؛ ولدلالته على التواضع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((البادئ بالسلام بريءٌ من الكبر)). وأخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً - صلى الله عليه وسلم -: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ)). وهو فرض كفاية؛ لحصول المقصود برد البعض، وهو إكرام المسلم برد سلامه. ينظر: القاري، فتح باب العناية، 5/ 203، وأبو الليث، بحر العلوم، 1/ 348 - 349.
(¬2) التشميت: هو الدعاء بالبعد عن الشماتة -وهي: الفرح ببلية العد-، وروي أيضاً بالسين المهملة من السمت: وهو هيئة أهل الخير، ومعناه: الدعاء له بجعله على هيئة حسنة. قال ثعلب الاختيار بالسين. وقال أبو عبيد: الشين أعلى في كلامهم وأكثر. ويجب كفايةً تشميت العاطس الحامد بـ: يرحمك الله. وعند الشافعي هو سنة وأدب. وقيدناه بالحامد؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي بُرْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ، فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ، فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا. فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَحَمِدَتِ اللَّهَ، فَشَمَّتُّهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ، فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ)). ينظر: الجوهري، الصحاح، 2/ 254، والقاري، فتح باب العناية، 5/ 204، والفتاوى الهندية، 5/ 326، وابن نجيم، البحر الرائق، 1/ 12، والقرماني، التوضيح، 15/ب-16/أ.
الجزء 1 · صفحة 80
وعيادة المريض (¬1).
[والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2).
[والصلاة على الجنازة] (¬3)] (¬4) (¬5).
¬
(¬1) دليل الفرضية: الأحاديث المستفيضة، منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال: َ إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْه، ِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْه، ُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)). أما كونها من فروض الكفاية؛ فلأنها تقام حقاً للمريض، فإذا قام بها البعض صار حقه مؤدًّ، فسقط عن الباقين، حتى إذا لم يكن له متعهد، يكون فرض عين. ينظر: القرماني، التوضيح، 17/أ.
(¬2) يعني: إذا ذكر النبي > عند قوم، يفترض عليهم أن يصلوا عليه، فإذا صلى عليه بعضهم سقط عن الباقين؛ لحصول المقصود، وهو تعظيمه، وإظهار شرفه عند ذكر اسمه - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: من الآية 56]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ ذَكَرْت عِنْدَهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، فَقَدْ جَفَانِي)). وكونها من فروض الكفايات مخرج على قول أبي جعفر الطحاوي، فعنده الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة كلما ذكر اسمه؛ باعتبار تكرر سببها -وهو الذكر-. وفي الفتاوى الهندية المختار قول الطحاوي، وهو الذي صححه اللكنوي؛ لورود أحاديث كثيرة دالة عليه. أما على قول الكرخي: فإنها تجب في العمر مرّةً واحدة، إن شاء فعلها في الصلاة، أو خارجها؛ لأن الأمر للوجوب لا للتكرار. قال ابن مازه في المحيط البرهاني، 1/ 192: قال شمس الأئمة السرخسي: وما ذكر الطحاوي مخالف للإجماع، فعامة العلماء قالوا: إن الصلاة على النبي كلما ذكر مستحبة، وليست بواجبة. وقال أبو عبد الله الجرجاني: الصلاة على النبي ليست بفرض أصلاً. وينظر: شيخي زاده، مجمع الأنهر، 1/ 101، والزيلعي، تبيين الحقائق، 1/ 108، والفتاوى الهندية، 5/ 315، وابن عابدين، العقود الدرية، 1/ 6، والكاساني، بدائع الصنائع، 1/ 213.
(¬3) في أ: وصلاة الجنازة.
(¬4) في جـ: والصلاة على الجنازة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(¬5) ودليل فرضيتها؛ الإجماع، حتى يكفر منكرها، ومستند الإجماع ما أخرجه الدارقطني في سننه: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((صَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ)).
وأما كونها فرض كفاية؛ فلأنها تقام حقاً للميت، فإذا قام بها البعض صار حقّه مؤدى، فسقط عن الباقين، ولا يمكن إيجابها على كل واحد من آحاد الناس، فصار بمنزلة الجهاد. ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، 1/ 311، وابن عابدين، رد المحتار، 2/ 206.
الجزء 1 · صفحة 81
والأمر بالمعروف.
والنهي عن المنكر (¬1).
والجهاد، إذا لم يكن النفير عاماً (¬2).
[فصل] (¬3): [في تعريف الصلاة]
¬
(¬1) دليل الفرضية: ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قلنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، لئن لم نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، حتى لا يبقى من المعروف شيئاً إلا عملنا به، ولا يبقى من المنكر شيئاً إلا انتهينا عنه، لا نأمر إذا بمعروف، ولا ننهى عن منكر، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مروا بالمعروف، وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر، وإن لم تنتهوا عنه كله. أما كونهما من فروض الكفاية؛ فلحصول المقصود بمباشرة البعض، فيسقط عن الباقين؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: من الآية 104]، قال الزمخشري في الكشاف، 1/ 425: من للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يترتب الأمر في إقامته، وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه، فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، ً أو على من الإنكار عليه عبث. وينظر: القرماني، التوضيح، 19/ب-20/أ.
(¬2) لقوله أ: {فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء:95]، فقد وعد المجاهدين والقاعدين الحسنى، ولو كان الجهاد فرض عين، لما وعد القاعدين الحسنى؛ لأن القعود حينئذ يكون حراماً. ولقوله أ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} [التوبة:122]؛ ولأن ما فرض له الجهاد وهو: الدعوة إلى الإسلام، وإعلاء الدين الحق، ودفع شر الكفرة وقهرهم، يحصل بقيام البعض به. ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع،7/ 98، وابن الهمام، فتح القدير، 5/ 439.
(¬3) ساقطة من جـ.
الجزء 1 · صفحة 82
ثم اعلم بأنّ الصّلاة: من الله أ: [الرحمة، والمغفرة] (¬1). ومن الملائكة: الاستغفار. ومن المؤمنين: الدعاء (¬2).
وفي اللغة (¬3): عبارة عن الدعاء] (¬4) (¬5).
[وفي الشريعة: عبارة عن أركان معلومة، وأفعال مخصوصة] (¬6).
¬
(¬1) في جـ: رحمةً ومغفرةً.
(¬2) كذا قال البغوي في معالم التنزيل، 1/ 63، في تفسير قوله - جل جلاله -: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: من الآية 56]، وقال المُصَنِّف/ في بحر العلوم، 3/ 67، في تفسير هذه الآية: يعني: أن الله أ يغفر للنبي، ويأمر ملائكته بالاستغفار وبالصلاة عليه.
(¬3) الآن شرع المُصَنِّف في بيان تفسير الصلاة لغة وشرعاً، وكان ينبغي أن يقدم تفسيرها أولا، ً ثم يبين فرضيتها، وغيرها من الأحكام؛ لأن الحكم بالشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ذلك الشيء، إلا أنه قدم بعض حكمها؛ ليكون إشارة إلى أنّ المقصود منّ علم الفروع هو: الحكم لا الماهيّة. ينظر: القرماني، التوضيح، 21/ب.
(¬4) ساقطة من جـ.
(¬5) قال أ: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ} [التوبة: من الآية 103]: أي: ادع لهم. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ))، أي: فليدع لهم بالخير، والبركة. وقيل: أصلها من صَلَّى إذا حرك صلويه: وهما العظمان اللذان عليهما الإليان؛ لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده. ينظر: الفيومي، المصباح المنير، ص347، والمطرزي، المغرب، ص272.
(¬6) في جـ: وهي العبارة عن أركان المعلومة، وأفعال المخصوصة.
وعرفها الشرنبلالي في مراقي الفلاح، ص172، بأنها: عبارة عن الأركان، والأفعال المخصوصة. والميداني في اللباب، 1/ 47 بأنها: الأفعال المخصوصة، المتفتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم. والموصلي في الاختيار، 1/ 50: عبارة عن أركان مخصوصة، وأذكار معلومة، بشرائط محصورة، في أوقات مقدرة.
الجزء 1 · صفحة 83
[فصل] (¬1): [في أنواع الحدث]
ثم اعلم بأن الحدث على نوعين (¬2):
1. حدث حقيقي.
2. وحدث حكمي.
أما الحدث الحقيقي:
[كالبول] (¬3).
والغائط.
[[والرُّعَاف] (¬4).
والدم] (¬5).
[والْقَيْح (¬6).
¬
(¬1) ساقطة من جـ.
(¬2) الحدث هو: النجاسة الحكمية: وهي التي حكم الشارع بها، وثبت نجاستها بجعل الشارع: كنجاسة الجنب، والمحدث. والخبث هو: النجاسة الحقيقية: وهي مصداق النجاسة حقيقة، من غير احتياج إلى جعل الشارع: كالبول، والغائط، ونحو ذلك. وعليه فإنّ الحدث: اسم خاص للمانع الحكمي من آداء الصلاة. والخبث: اسم خاص للمانع الحقيقي. والنجس يشملهما. لكن المُصَنِّف / أراد هنا من الحدث: المانع مطلقاً، من غير تقييد بالحقيقي والحكمي؛ بقرينة تقسيمه إليهما. ينظر: اللكنوي، عمدة الرعاية، 1/ 156.
(¬3) في ب: فكالبول.
(¬4) ساقطة من أ.
(¬5) في جـ و د: والدم، والرعاف.
(¬6) ا الْقَيْح: الأبيض الخاثر الذي لا يخالطه دم. الفيومي، المصباح المنير، ص 521، والزبيدي، تاج العروس، 7/ 66، والجوهري، الصحاح، 2/ 398.
الجزء 1 · صفحة 84
[والصَّدِيد] (¬1)] (¬2) (¬3)، وما أشبه ذلك (¬4).
وأما الحدث الحكمي:
[كالنوم] (¬5) (¬6).
¬
(¬1) ساقطة من د.
(¬2) ساقطة من جـ.
(¬3) الصَّدِيد: هو ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم، وقيل: هو القيح المختلط بالدم. ينظر: المطرزي، المغرب، ص 264، والفيومي، المصباح المنير، ص 234.
(¬4) أي: وكل شيء يُشابه الأشياء المذكورة ويماثلها، يأخذ حكمها في نقضه للوضوء، نحو: ماء الجرح، والقيء ملئ الفم، بخلاف المخاط، والدمع، والبزاق، واللعاب، والعَرَق، فإنها لا تنقض. والضابط فيه: أنَّ كُلَّ نجسٍ إذا خرج من بدن الإنسان الحيّ، فهو ينقض الوضوء، إذا بلغ موضعاً يجب غَسلُهُ، إمّا في الوضوء أو في الغُسّل. والمعنى فيه أنه خارج نجس وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فكان حدثاً: كالخارج من السبيل، وهذا لأن الحكم للخارج دون المخرج. دليله: ما أخرجه الدارقطني في سننه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((إِذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ فِى صَلاَتِهِ أَوْ قَلَسَ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ)). وما أخرجه الدارقطني في سننه، عن تميم الداري - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ)). وقد تظافر معه حديث البخاري عن عائشة ك: ((جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ)). قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: قَالَ أَبِي: (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ فِى صَلاَتِهِ أَوْ قَلَسَ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ)). قال الكاساني في البدائع، 1/ 24: والأخبار في هذا الباب وردت مورد الاستفاضة، حتى روي عن عشرة من الصحابة أنهم قالوا مثل مذهبنا. وينظر: السرخسي، المبسوط، 1/ 76، والزيلعي، تبيين الحقائق، 1/ 7 - 8، والموصلي، الاختيار، 1/ 14 - 15.
(¬5) في ب: فكالنوم.
(¬6) والنوم الذي يكون حدثاً هو: النَّوم مضّجعاً، أو متكئا، ً أو مستنداً إلى شيءٍ، بحيث لو أزيل عنه ذلك الشيء لسقط. أمّا إذا نام متربعاً، أو متوركاً، أو نام في الصلاة قائماً، أو راكعا، ً أو قاعداً، أو ساجداً، فلا ينتقض وضوءه؛ لأن النوم على هذه الهيئات لا يبلغ الاسترخاء غايته، بخلاف الصور الأولى. دليله: ما أخرجه الترمذي في سننه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ب: ((أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى غَطَّ أَوْ نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ. قَالَ: إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)). وما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفاً: ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء، حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ. والنعاس نوعان: ثقيل: بأن لا يسمع ما قيل عنده. وهو حدث في حالة الاضطجاع. وخفيف: بأن يسمع ما قيل عنده. وهو ليس بحدث في حالة الاضطجاع. ينظر: اللكنوي، عمدة الرعاية، 1/ 76، والزيلعي، تبيين الحقائق، 1/ 10، وشيخي زاده، مجمع الأنهر، 1/ 20، والموصلي، الاختيار،1/ 15.