فقه الترجيح المذهبي ...
......... نشر العرف
جارٍ تحميل الكتاب…
فقه الترجيح المذهبي ...
......... نشر العرف
فقه الترجيح المذهبي
عند السادة الحنفية
ويليه
التعليقات العرفية على نشر العَرف
في بناء بعض الأحكام على العُرف
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين على نعمائه وكرمه وجوده، على ما مَنّ علينا من علم دينه، ومعرفة حكمه، والوصول إلى المعتبر من شريعته، والصَّلاة والسَّلام على أفضل الخلق، محمّد بن عبد الله، صلاةً تليق بمقامه في كلِّ وقتٍ وحين، وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنّ معرفةَ الرَّاجح من المذهب من أعظم المقاصد عند الطَّلبة والكملة، وتحصيله يحتاج إلى جدٍّ واجتهاد كبيرين، ولا يبلغ كماله إلا الأفذاذ من العلماء الرَّاسخين، وإن منهج كلية الفقه الحنفي يشتمل عدة مواد متخصصة في تحقيق هذا الغرض ابتداء بمادة المدخل إلى دراسة المذهب، واستمراراً بمادة أصول الإفتاء وانتهاء بمادة فقه الترجيح المذهبي، ثم يكتمل بدرالطالب في مرحلة الماجستير بدراسة مقاصد الشريعة.
فهذا المساقاة كلُّها تغطي الجانب العملي التَّطبيقي للفقه، وهو ما يُسمّى رسم المفتي، حتى يتمكَّن من تكوين ملكةً فقهيةً في ضبطٍ أصول التَّطبيق للفقه.
ولذلك قسمنا هذا المادة إلى قسمين القسم الأول نظري، ويشمل الفصول الثلاثة الأولى، والآخر تطبيقي، ويشمل القسم الرابع.
فالفصل الأول: في قواعد الترجيح، وفيه عرض لما يزيد عن خمسة قاعدة استخدمها فقهاؤنا في ترجيح الأقوال على بعضها ومعرفة الراجح منها.
والفصل الثاني: في التَّرجيح بأصول التَّطبيق «رسم المفتي»، ويعرض فيه لأهم قاعدتين من قواعده، وهي الضَّرورة والعرف في مبحثين:
المبحث الأول: في قاعدة العرف، ويعرض فيه ضوابط العرف، وتطبيقات للعرف، في أصل مخالفة المروءة، وأصل التشبه بالنساء.
والمبحث الثاني: في قاعدة الضرورة، ويعرض فيه تطبيقات للضرورة على أصل عموم البلوى، وأصل تأثير المشقّة في الطهارة.
والفصل الثاني: في التَّرجيح بالطَّبقات والوظائف، وهو يشمل أربع مباحث:
المبحث الأول: في طبقات المسائل، وفيه عرض لطبقة مسائل ظاهر الرواية، وطبقة مسائل غير ظاهر الرواية، ومسائل النوازل والواقعات.
والمبحث الثاني: طبقات الكتب، وفيه عرض لأسباب تفاوت الكُتُب في الطَّبقات، وبيان طبقات الكتب المعتمدة والمقبولة والمرودة.
والمبحث الثالث: في وظائف المجتهدين، وفيه بيان التّرجيح شرط العمل (الحقُّ واحدٌ عند الله)، وووظائف المجتهدين من استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير.
والمبحث الرابع: في طبقات المجتهدين، وفيه بيان طبقة المجتهد المطلق، وطبقة المجتهدين المنتسبين، وطبقة المجتهدين في المذهب.
الفصل الرابع: في تطبيقات في التَّرجيح للقُدُوريّ والشُّرُنْبُلاليّ، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول في درجة الشُّرُنْبُلاليّ في الاجتهاد، فيكون تطبيقاً عملياً لطبقات المجتهدين ووظائف المجتهدين على أحد أبرز الشَّخصيات من المتأخرين.
والمبحث الثاني: تطبيقات في ترجيحات الشرنبلالي، وفيه عرض لأكثر من خمسين مسألة فقهية في بيان الأقوال فيها، والمعتمد، وسبب الاختلاف.
والمبحث الثالث: تطبيقات في ترجيحات القُدُوريّ، وفيه عرض لما يقارب من خمسين مسألة على الترتيب السابق.
ففي الكتب عرض لعدد كبير من المسائل التي حصل فيها خلافٌ ونقاشٌ في المذهب في بيان المعتمد، بحيث يطلع الدارس على المناقشة في كل واحدة منها، وكيف يُمكن أن يتوصل للرَّاجح في المذهب من بين هذه الأقوال المعروضة فيها.
ومسائل القُدُوري ذكرتُها في بداية «بغية السائل على خلاصة الدلائل» في الدراسات عليه، ومسائل الشرنبلالي ذكرتها في بداية «منة الفتاح على مراقي الفلاح» في الدراسات عليه، ورأيت أن أجمعها هاهنا معاً مع المقدمات السابقة التي استخصلتها من «إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي» و «المدخل
المفصل» وأبحاث أخرى؛ لتكون في كتابٍ واحدٍ بين يدي الطالب تسهيلاً عليه، وكي يتمكّن من ضبط ما يتعلَّق ببحث معرفة الرَّاجح.
وكنت درستُ هذا المساق سابقاً بالاعتماد على مقدمات منة الفتاح وغيره، فرأيت فائدةً كبيرةً حصلت للطلبة بهذه الدِّراسة؛ لذلك جمعتُ ما يلزم الدَّارس في تأليف مستقل.
وأضفتُ له رسالة «نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف» لخاتمة المحققين ابن عابدين؛ لما يشتمل عليه من فوائد فريدة وتطبيقات عجيبة يجب على الدارس أن يطَّلع عليها، وهو يُمثل جانباً عملياً في مناقشة العرف والضرورة التي تعدّ من أبرز جوانب الترجيح بين الأقوال.
وأسأل الله - عز وجل - أن يتقبلّه ويجعلَه خالصاً لوجه الكريم، وأن ينفعَ به العباد والبلاد، وأن يزرقنا القبول في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبوالحاج
في صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ 17 ـ 9 ـ 2019 م
تمهيد، وفيه فائدتان:
الأولى: لا حياة للإسلام بلا اجتهاد وترجيح:
لا يُمكن أن يخلو الزمان من مجتهد في المذهب يتمكّن من فهمه والتخريج عليه والترجيح بين أقواله والتمييز بين صحيحه وضعيفه، وبدونه فلا شكّ بموت الفقه وموت الإسلام؛ لأنَّ الفقه هو الجانب العملي التطبيقي فيه، فحياته على مدار القرون في دول متعاقبة تُطبقُه في أنظمتها المختلفة؛ لدليل واضح كالشَّمس في رابعة النهار بوجود المجتهدين في كلِّ زمان ومكان.
فلا يلتفتُ للعبارة الموهمة خلاف ذلك ـ وهي دعوى انقضاء الاجتهاد في المذهب ـ؛ لأنَّ لها محامل عديدة يُمكن أن تُفهم بها، كأن تُحمل على المجتهدِ المطلق الذي انقضى زمانُه وانتقل الاجتهادُ بعده إلى طور جديد.
الثانية: أشهر طريقة في الترجيح هي الاستحسان:
إن هذا الأصلَ الكبير في الاستنباط والتَّطبيق المسمى بالاستحسان قد أبدع باستخراجه إمام الفقهاء أبو حنيفة، ويُعَدُّ أداةً وقاعدةً منضبطة في الترجيح بين الفروع الفقهية، يما يُراعي مصالح الناس ويرفع الحرج عنهم، ويجعل الإسلام مرناً قابلاً للتَّطبيق في كل زمانٍ ومكانٍ بلا مشقّةٍ أو مضرّةٍ.
والرَّاجح هو الاستحسان على القياس إلا في مسائل قليلة جداً جعلها الناطفي أحد عشر، وجعلها عمر النسفي اثنتين وعشرين مسألة (¬1)، وهذه المسائل ملتبس فيها ما هو القياس وما هو الاستحسان.
وهذا يؤكد أنَّ الاستحسان بمعنييه: القياس الخفي والاستثناء، هو بيان الراجح في المسألة، حيث رجحنا هذه العلة الخفية أو رجحنا الاستثناء هنا بسبب النص أو الإجماع أو الضرورة.
وأكثر هذا الاستحسان يرجع لرسم المفتي، ويُعدُّ ترجيحاً لما هو أنسب للواقع من أقوال الفقهاء، والأولى عدّه من الجانب التطبيقي للفقه، فيكون ذكره ترجيحاً.
قال ابنُ عابدين: «ما في عامّةِ الكتبِ من أنَّه إذا كان في مسألةٍ قياسٌ واستحسانٌ، تَرَجَّحَ الاستحسانُ على القياس، إلاّ في مسائل، وهي إحدى عشر مسألة على ما في «أجناس الناطفي»، وذكرها العلامةُ ابنُ نجيم في «شرحه على المنار»، ثمّ ذكر أنَّ نجمَ الدين النَّسفيّ أَوصلَها إلى اثنتين وعشرين (¬2)».
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: فتح الغفار بشرح المنار ص 388.
(¬2) كما في فتح الغفار بشرح المنار ص 388.
الفصل الأول
قواعد الترجيح
إن قواعد التَّرجيح التي يرتكز إليها في تقديم قول على قول لا تحصى، ونحاول الوقوف على أبرز القواعد التي ذكرها ابنُ عابدين في «شرح عقود رسم المفتي» وغيرُه، ونُرتبُها على صورة نقاط؛ ليسهل على الدَّارس دركها والتمكن من تطبيقها، وهي على النحو الآتي:
1.أن يكون التَّرجيح من أهل الملكة الفقهية:
وتعرف الملكة الفقهية: بأنَّها القدرة على التخريج والترجيح والتمييز والتقرير للأحكام الشرعية من فقيه النفس.
قال ابن عابدين (¬1) «لا يكتفي بترجيحِ أيّ عالمٍ كان»، وهذا صريحٌ بيِّنٌ من خاتمةِ المحقِّقين ابنِ عابدين بأنَّه لا يجوز الخوض في التَّرجيحِ بين الأقوال في المذهبِ الواحدِ إلاّ لمَن له أهليّة النَّظر في ذلك، بأن بلغ مرتبةً من الاجتهادِ تُمكنه منه؛ لأنَّه ضربُ اجتهاد، فكيف بمَن يُرجِّحُ بين المذاهب وهو ليس من أهلها.
¬
(¬1) في شرح العقود ص 258.
وقال البيري (¬1): «والمرادُ بالاجتهاد أحد الاجتهادين، وهو المجتهدُ في المذهب، وعُرِّف: بأنّه المتمكّنُ من تخريجِ الوجوهِ على منصوصِ إمامِهِ، أو المتبحر في مذهبِ إمامِهِ، المتمكّن من ترجيحِ قول له على آخر أطلقه».
وقال ابنُ نُجيم (¬2): «والمرادُ بالأهلية هنا ـ أي بالاجتهاد في المذهب ـ: أن يكون عارفاً مميزاً بين الأقاويل، له قدرة على ترجيح بعضها على بعض، ولا يصير أهلاً للفتوى ما لم يصر صوابُه أكثر من خطئه؛ لأنَّ الصَّوابَ متى كَثُرَ فقد غَلَب، ولا عبرة بالمغلوبِ بمقابلةِ الغالب، فإنَّ أمورَ الشَّرع مبنيةٌ على الأَعمّ الأغلب، كذا في «الولوالجية»».
2.أن لا يُفتى ولايُقضى ولا يعمل بالأقوال المرجوحة:
قال ابنُ قُطْلوبُغا: «إنَّ الحكم والفتيا بما هو مرجوح خلاف الإجماع» (¬3)، وقال أيضاً (¬4): «اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع، ونقل عن ابن الصلاح أنَّه: من يكتفي بأن يكون فتواه أو علمه موافقاً لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع».
¬
(¬1) في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق 4/أ.
(¬2) في البحر الرائق 6: 294.
(¬3) ردّ المحتار 5: 408.
(¬4) في التصحيح ق 1/أ.
3.أنّ التّرجيحَ يرجع للاجتهاد في المذهب لا للاجتهاد المطلق:
إن الفكرةَ الشَّائعةَ بين الطَّلبةِ من توقّف الاجتهاد وإغلاق بابه، وهل يوجد مجتهد في هذا الزَّمان؟ اعتقد أنَّ طرحها وسؤالها خطأٌ؛ لأنَّ هذه حقيقةٌ كالشَّمس، كيف يكون علمٌ معاشٌ ومطبّقٌ بدون اجتهاد، كيف يُفهمُ ويُميّزُ ويُعملُ بالعلم بدون اجتهاد.
قال الحَصْكَفيّ (¬1) أخذاً من ابن قُطْلُوبُغا (¬2): «إن قلت: قد يحكون أقوالاً بلا ترجيح، وقد يختلفون في الصَّحيح، قلت: يُعملُ بمثل ما عَملوا به من اعتبارِ تغيُّر العرفِ وأَحوالِِ النَّاس، وما هو الأرفق، وما ظهرَ عليه التَّعامل، وما قَوِيَ وجهُه، ولا يخلو الوجودُ عَمَّن يُميّزُ هذا حقيقةً لا ظَنّاً، وعلى مَن لم يُميِّز أن يرجعَ لمَن يميّز؛ لبراءةِ ذمّتِهِ».
والاجتهاد في نفسِهِ موجودٌ لا محالة؛ لأنَّه روحُ العلم وبه حياتُه وتطبيقُه، وبدونه ينعدم العلم، ولكنَّه يَمرُّ بمراحل في نشأةِ العلوم وتكوّنِها، فينتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فالعلمُ في كلِّ مرحلةٍ فيه يحتاج إلى نوعٍ جديدٍ من الاجتهاد؛ لأنَّ المرحلةَ السَّابقة اكتملت، والعلمُ في استمرارِ وزيادةٍ وإلا لم يكن علماً.
وليس كلُّ عالم فيه يبدأُ من جديدٍ، بل يستمرُّ في البناءِ على علمِ مَن سبقه حتى يعظم بنيان العلم وتُشيَّدُ قواعدُه وأُسُسُه وتَزدادُ فروعُه ومسائلُه، فيكون
¬
(¬1) في الدر المختار 1: 78.
(¬2) في التصحيح والترجيح ص 131 - 132.
علماً مرغوباً فيه، نافعاً للمجتمعات، ولو بدأ كلُّ عالم فيه من البدايةِ واجتهد فيما قاله غيرُه، لبقي العلم في محلِّه ولم يُكمل بُنيانُه.
وهذا يقتضي حصول مرحليّة في الاجتهادِ في العلم، تنقلُه من طورٍ إلى طور، وهو ما نقصدُه بالاستقراءِ التَّاريخي للعلم، حيث نلحظ فيه هذا التَّطوُّر الاجتهادي وانتقاله من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، وهو واضحٌ جَليٌّ في علمِِ الفقه.
4.أن يُحتكم في التَّرجيح لأصول الأبواب الرَّئيسية:
إن كثيراً من مسائل الباب تدور على أصول مقرَّرة للباب، ويرجع إليها في الفتوى، فينبغي الاعتماد عليها في الترجيح، فما وافقها من الأقوال كان مُقدَّماً على غيره، ومنها:
ـ «الأصل في النَّجاسات العفو»: لما كان يعسر التَّحامي عن النجاسة دائماً كان مبناه على العفو، وإلا لوقع المكلَّف في حرج شديدٍ جداً، وفي بعض الحالات لم يُمكن التزام الحكم الشَّرعي، فالضَّرورة كانت مؤثرةً في هذا الباب.
ـ «الأصلُ في العبادات الاحتياط»، فيعمل في العبادات على الأحوط، ويكون التَّرجيح بين الأقوال المختلفة بهذا الأصل؛ لأنه الأسلم لدين المسلم، وكان قول أبي حنيفة مقدّماً على غيره في العبادات؛ لأنه الأقوى اجتهاداً، فيكون العمل بقوله أحوط. قال الكاسانيُّ (¬1): «ورُجِّح للاحتياط؛ لأنّه أصل الباب».
ـ «الأصل في الزكاة العمل بالأنفع للفقراء»: فالزَّكاةُ وُجدت من أجل
¬
(¬1) في فصول البدائع 1: 244.
تحقيق النفع والمصلحة للفقراء، وما كان من أقوال الفقهاء فيه منفعة للفقراء أكثر كان العمل به أولى، فمثلاً: تُقوَّم عروض التجارة بالأنفع للفقراء من الذهب والفضة وتُزكّى (¬1).
ـ «الأصل في الأوقاف العمل بالأنفع لها»: قال في «الحاوي القدسي»: «يفتى بما هو أنفع للأوقاف فيما اختلف العلماء فيه» (¬2)؛ لأنَّ أحكامَ الوقف تدور على حفظه وزيادته وإيصال نفعه لمستحقّه، فما كان من أقوال الفقهاء يحقِّق ذلك يعمل به؛ ترغيباً للناس في الوقف (¬3).
5.أن لا يكون الترجيح بالتشهي:
قال ابنُ قُطْلُوبُغا: «إني رأيت مَن عَمِل في مذهب أئمتنا بالتَّشهي، حتى سمعتُ من لفظ بعض القضاة: وهل ثَمّ حَجْر؟ فقلت: نعم، اتّباع الهوى حرامٌ، والمرجوحُ في مقابلة الرَّاجح بمنزلة العَدَم، والتَّرجيحُ بغير مُرجِّح في المتقابلات ممنوعٌ».
6.أن يتثبت من القول الرّاجح بمراجعة عدّة كتب:
قال ابن عابدين (¬4): «فحيث علمت وجوب اتّباع الراجح من الأقوال وحال
¬
(¬1) ينظر: الجوهرة 1: 124، والبناية 3: 384، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 461.
(¬3) ينظر: الإسعاف في أحكام الأوقاف ص 187.
(¬4) في شرح العقود ص 284 ـ 286.
المرجِّح له، تعلم أنَّه لا ثقة بما يُفتي به أكثرُ أهل زماننا بمجردِ مراجعةِ كتابٍ من الكتبِ المتأخرة، خصوصاً غير المحرَّرة: كـ «شرح النقاية» للقُهُستانيّ، و «الدر المختار»، و «الأشباه والنظائر»، ونحوها، فإنَّها لشدّة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز، مع ما اشتملت عليه من السقط في النقلِ في مواضع كثيرة، وترجيح ما هو خلاف الراجح، بل ترجيح ما هو مذهب الغير ممَّا لم يقل به أحدٌ من أهل المذهب».
7.أن لا يعتمد في الترجيح على طريق الأدلة النقلية:
إنَّ المعتمد هو الترجيحُ بطريقِ الفقهاءِ من موافقةِ الأصولِ ورسمِ المفتي لا بالاعتماد على الأدلةِ النقليةِ؛ لأنَّ هذه الأقوال صادرةٌ من مجتهدٍ مطلقٍ استنبطها من القرآن والسُّنة، فلا شَكّ باعتمادِه على أدلة قوية استند فيها إلى أصوله التي يعتمد عليها في الاستخراج، ولو لم يكن بهذا الوصف لَما كان إماماً ولَمَا استحقّ أن يكون له مذهبٌ يُوافقه عليه عشرات الملايين من العلماء الأكابر في كلِّ عصر ودهر.
8.أن يتجنب ترجيح مدرسة محدثي الفقهاء في تقديم الحديث على مسائل المجتهدين:
إنَّ أئمةَ المذهب لهم اطلاعٌ واسعٌ على متون السُّنة، إلا أنَّه لم يعملوا ببعضها؛ لعوارض ظهرت له: كالنسخ والشذوذ والتَّأويل وغيرها، في حين نجد أنَّ مدرسة الفقهاء لم تعتمد هذه الطَّريقة؛ لضعفها، بل سارت على اعتماد أقوال المجتهدين الأوائل مطلقاً، والتَّرجيح بين علماء مدرسة الفقهاء مبنيٌّ على الأصول
وقواعد رسم المفتي فحسب؛ لأنَّ اجتهادَ المتقدّمين في عصور السَّلف لا يعلوه اجتهاد، وهذا ما شهدت به الأمّة قاطبة، فكيف يُقدَّم عليه اجتهادٌ لمتأخرٍ لم تكتمل فيه الآلات ولم ينل اجتهاده القبول.
وهذا ما قَرَّره كافةُ الفقهاء جيلاً بعد جيلٍ بعملهم، وصرّح به قاضي خان في مقدمة الفتاوى، ومما قال (¬1): «لأنَّ الظاهر أن يكون الحقّ مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا تقبل حجته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلة وميزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده».
علماً أنه لا يوجد بعد القرن الرابع مَن بلغ رتبة الاجتهاد حتى يكون أهلاً للنظر في الدليل مع أقوال أئمة المذهب، ويُمكنه التّرجيح بالاعتماد على هذا الدّليل، ولكن هذا التّرجيح غير قوي في المذهب، وإنَّما هو مسلك مدرسة محدثي الفقهاء، والتَّرجيح المعتبر هو المعتمد على الأصول ورسم المفتي.
وعلى كلٍّ فهذا محلّ نظر لمثل ابن الهمام وغيره؛ لأنَّهم لم يقفوا على دليل الإمام أصلاً، ولم يعرفوا مدركه. قال تلميذه ابنُ قُطلوبُغا: إنَّه لا يتلفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب (¬2).
9.أن لا يرجح غير ظاهر الرواية إلا بقواعد رسم المفتي:
التَّرجيح بقواعد رسم المفتي هو المعتبر، ولا شَكَّ في صحّتِهِ فهو الطريقُ
¬
(¬1) في فتاوى قاضي خان 1: 1.
(¬2) ينظر: رد المحتار 3: 74.
المعتبرُ عبر التَّاريخ عند الفقهاء، ومرجعُه إلى الضَّرورة والعرف والتّيسير والمصلحة، حتى رجّحوا أقوالاً للشّافعي ومالك بهذا الطَّريق، وأمَّا التَّرجيحُ بالحديث، فهو غيرُ معتبرٍ في مدرسةِ الفقهاء بعد استقرارِ المذاهب، قال ابنُ عابدين (¬1): «لكن رُبّما عدلوا عمّا اتفق عليه أئمتُنا؛ لضرورةٍ ونحوِها».
وقال الطَّرسوسيُّ: «أنَّ القاضي المُقلِّدَ لا يجوز له أن يَحْكُمَ إلاّ بما هو ظاهر المذهب لا بالرواية الشاذّة، إلاّ أنّ ينصُّوا على أنَّ الفتوى عليها» (¬2).
10. أن يرجح قول أبي حنيفة مطلقاً وإن خالفه أصحابه:
لما كان مبنى التَّرجيح على قوّة الاجتهاد، وأبو حنيفة أعلى المجتهدين درجةً في الاجتهاد لما تحصل لديه من أسبابه وشروطه، فإن قول أبي حنيفة يُقدَّم على قوله غيره من المجتهدين كأبي يوسف ومحمّد وإن اتفقا، لكن اتفاقهم على قول مخالف لقول أبي حنيفة منحه قوَّة في الاجتهاد كقول أبي حنيفة؛ لذلك وجدنا القول: بأن المفتي في هذا الحالة مخير؛ لأنها الاجتهاد المخالف قوي، وإن كان المشهور في الكتب العمل بالأول، وهو قول أبي حنيفة. قال الأُوشي (¬3): «ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة».
¬
(¬1) في شرح العقود ص 382 ـ 383.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص 428.
(¬3) في الفتاوى السراجية ق 258/ ب.
11.أن يرجِّح القول الأقوى اجتهاداً من أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ثم محمّد:
قال القابسي (¬1): «ومتى لم يوجد في المسألة عن أبي حنيفة روايةٌ، يؤخذُ بظاهر قول أبي يوسف، ثمّ بظاهرِ قول مُحمّد، ثم بظاهر قول زفر والحسن وغيرهم، الأكبر فالأكبر إلى آخر مَن كان من كبار الأصحاب».
12.أن يرجح بالتَّفصيل من قول أبي حنيفة ثمّ أبي يوسف وهكذا إلا بقواعد رسم المفتي من ضرورةٍ وغيرها:
قال القابسي (¬2): «ومتى كان قولُ أبي يوسف ومُحمّد يوافق قوله لا يَتَعَدَّى عنه إلا فيما مَسَّت إليه الضَّرورة، وعُلِم أنَّه لو كان أبو حنيفة رأى ما رأوا لأفتى به».
13. أن يترجّح القول بانضمام اجتهادٍ مجتهدٍ آخر له:
لما كان مبنى التَّرجيح على قوّة الاجتهاد، فكلّما توافق الاجتهاد من الفقهاء في المذهب الواحد؛ لتقارب أصولهم إجمالاً وضبط مذهبهم عموماً، فإنّه يتقوَّى ويترجَّح، قال ابن عابدين (¬3): «وكذا إذا وافقه أحدُهما ـ يعمل بقوله ـ».
¬
(¬1) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬2) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬3) في شرح العقود ص 390.
14.أن يرجح المفتي قول المجتهدين في المذهب:
إن المعتبر في حَقّ المفتي هو قولُ المجتهد في المذهب فيما يرجِّحُ، سواءٌ كان قولاً لأبي حنيفة أم لأبي يوسف أم لمحمّد، والمجتهدُ في ترجيحِهِ يُراعي الأصول ورسم المفتي، فإن لم يظهر له هذا، يتبع قول أبي حنيفة ثمّ أبي يوسف، ثمّ محمّد، وهكذا، ويُراعي وجود أحد صاحبي أبي حنيفة معه أو لا.
قال ابن نُجيم (¬1): «عن «التتارخانيّة»: «إذا كان الإمامُ في جانب وهما في جانب خيِّر المفتي، وإن كان أحدُهما مع الإمام أُخذ بقولهما، إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآخر، فيتبعهم: كما اختار الفقيه أبو الليث قول زُفر في مسائل».
وقال ابن عابدين (¬2): «نتبع ما قالوا كما لو كانوا أَحياءً وأَفتونا بذلك ـ كما علمته آنفاً من كلام العلامة قاسم ـ؛ لأنَّهم أَعلم وأَدرى بالمذهب، وعلى هذا عملهم، فإننا رأيناهم قد يرجِّحون قول صاحبيه تارةً، وقولَ أَحدِهما تارةً، وتارةً قول زفر».
15.أن لا يكون الترجيح لضعف دليل المجتهد المطلق:
معلومٌ أنّ الاجتهادَ مرده لأصول الاستنباط بعد إعمالها في الأدلّة الشَّرعيّة المتوافرة بين الأيدي، وبالتَّالي كلّما ارتفعت درجة المجتهد المطلق كانت أصوله
¬
(¬1) في البحر الرائق 6: 292.
(¬2) في شرح العقود ص 397.
أدق وأحكم، وكان اجتهاده أقوى وأرفع، فكلُّ مجتهد مطلق يظنُّ بناء على أصوله أن اجتهاده أقوى من غيره من وجهة نظره، وعلى أصول غيره يكون اجتهاد غيره أقوى.
فمَن لهم الحقّ بالاجتهاد المطلق من المجتهدين المطلقين المنتسبين كأبي يوسف ومحمّد، أو المجتهدين المنتسبين كالكَرخي والطَّحاوي يُمكن لهم بناء المسائل على أصولهم التي التزموا فيها أن يُقدِّموا قوله أئمتنا على قول غيرهم؛ لأنه الأصول التي سلكوها في الاجتهاد اقتضت ذلك، وليس الأمر أن دليل قول الإمام ضعيف مطلقاً، وإنما هذا من وجهة نظر المجتهد على الآخر بناء على أصوله، وإن كان في حقيقة الأمر دليل أبي حنيفة أقوى من دليله؛ لأنّ أصول أبي حنيفة أدق واجتهاده أقوى.
وهذا ما يُقدِّره المجتهدون في المذهب، فإنّ المجتهدين في المذهب يلتزمون ترجيح قول أبي حنيفة مطلقاً، إلا ما ترجَّح من قول أصحابه بقواعد الرَّسم، وهذا يدلّ على أنَّ اجتهاد الإمام هو الأقوى والمقدَّمُ دائماً.
قال ابنُ قُطْلوبُغا (¬1): «على أنَّ المجتهدين لم يُفقدوا حتى نظروا في المختلِف ورجَّحوا وصحَّحوا، فشهدت مصنَّفاتهم بترجيح قول أبي حنيفةِ والأخذِ بقوله إلاّ في مسائل يسيرة اختاروا الفتوى فيها على قولهما أو قول أحدِهما».
¬
(¬1) في التصحيح والترجيح 1: 5 باختصار يسير.
16.أن يُرجح بقول الأكثر من الفقهاء المجتهدين من طبقة المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب:
إن لم يوجد حكمٌ في المسألة عن المجتهدين المستقلين: أبي حنيفة وتلامذته، فيؤخذ بالحكم بطبقة المجتهد المنتسب، فإن اختلفوا يُرجَّح ما يختاره الأكثر منهم، قال القابسي (¬1): «إذا لم يوجد في الحادثة عن واحدٍ منهم جوابٌ ظاهر، وتَكَلَّم فيه المشايخُ المتأخرون قولاً واحداً يؤخذ به، فإن اختلفوا، يؤخذ بقولِ الأكثرين ممّا اعتمد عليه الكبار المعروفون: كأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم، فيعتمد عليه».
17.أن يرجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء على غيره؛ لزيادة تجربته:
الرّاجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء المختلفة؛ لتجربته الطويلة فيه، وهذا يؤكد أنّ التّرجيح بين المجتهدين برسم المفتي، فلمّا كانت تجربة أبي يوسف في القضاء كانت أقواله متوافقة مع الواقع وملائمة له، فجعلوا الفتوى على قوله؛ لما فيه منَ التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ولأنَّ الفقه وسيلةٌ لتنظيم الحياة وليس غايةً في نفسِه، وإنَّما الغاية مرضاة الله بالتّقوى، فما كان من أقوال الأئمة أنسب للحياة فهو أولى بالفتوى والعمل، كما رأينا من تطبيقهم.
قال ابنُ عابدين (¬2): «الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلَّق بالقضاء، كما في «القُنية» و «البَزَّازيّة»: أي لحصول زيادة العلم له به بالتجربة؛ ولذا رجع أبو
¬
(¬1) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬2) في رد المحتار 1: 71.
حنيفة عن القول بأنَّ الصدقة أفضل من حج التطوع لما حج وعرف مشقته، وفي «شرح البيري»: أنَّ الفتوى على قول أبي يوسف أيضاً في الشهادات».
18.أن يرجح قول محمّد في مسائل الأرحام من الفرائض:
قال النَّسَفيُّ (¬1): «وقولُ مُحمّد أشهر الرِّوايتين عن أبي حنيفة في جميع ذوي الأرحام، وعليه الفتوى».
19.أن يرجح المرجوح إن تعلَّق به عدم تكفير المسلم:
ولا يُعمل إلا بالرَّاجح إلا في مسائل الكفر، فيعمل بالمرجوح إن تعلَّق به عدم تكفير المسلم وإن كانت رواية ضعيفة؛ لأنّ الإسلام جاء لدخوله لا للخروج منه، قال ابن مازه: «الكفرُ شيءٌ عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وَجَدْتُ روايةً أنَّه لا يكفر» (¬2).
20.أن يُرجّح القول الذي صرّحوا برجوع المجتهد إليه:
إن استخدام مصطلح رجع عنه أبو حنيفة شائعٌ في المذهب في عشرات المسائل، ويُعدُّ أحد ألفاظ التّرجيح، فهو كنايةٌ على أنّ ما رجع عنه صار مرجوحاً لا يُعمل به، وما رجع إليه راجحٌ يُعمل به، ويُصرّح بالرُّجوع عندما يقوى العمل بهذا القول، قال الغزنويُّ: «إنَّ ما رَجَعَ عنه المجتهد لا يجوز الأخذ به» (¬3).
¬
(¬1) في الكافي ق 420/أ.
(¬2) ينظر: البحر 5: 134 عن الفتاوى الصغرى.
(¬3) ينظر: رد المحتار 1: 67 عن التوشيح.
21. أن يرجح أقوال المتون على غيرها:
التزم أصحاب المتون بذكر ظاهر الرِّواية عادةً، وهذا من التَّرجيح الالتزامي،
فذكر القول في المتن يدلّ على التَّرجيح له.
قال الخيرُ الرَّمليُّ (¬1): «المذهب الصَّحيح المفتى به، الذي مشت عليه أصحابُ المتون الموضوعة لنقل الصَّحيح من المذهب ـ الذي هو ظاهر الرِّواية».
22. أن يرجح التصحيح الصَّريح على التَّصحيح الالتزامي:
قال ابن عابدين (¬2): «قال ابن قطلوبغا: إنَّ ما في المتون مصحَّح تصحيحاً التزامياً، والتَّصحيحُ الصَّريح مُقَدَّمٌ على التَّصحيح الالتزامي.
قلت: حاصلُه أنَّ أصحابَ المتون التزموا وضع القول الصَّحيح، فيكون ما في غيرها مقابل الصَّحيح ما لم يُصرَّح بتصحيحه، فيُقدَّمُ عليها؛ لأنَّه تصحيحٌ صريحٌ فيُقَدَّمُ على التَّصحيح الالتزامي».
23.أن يرجح ما في الشروح والفتاوى إن لم يعارض المتون أو كان مصححاً:
قال اللَّكنوي (¬3): «إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشُّروح والفتاوى، فالعبرةُ لما في المتون، ثمّ للشُّروح المعتبرة، ثمّ للفتاوى؛ إلا إذا وُجد
¬
(¬1) في الفتاوى الخيرية ق 173/ أ.
(¬2) في شرح العقود ص 444 ـ 445.
(¬3) في النافع الكبير ص 25 ـ 26.
التَّصحيح ونحو ذلك فيما في الشُّروح والفتاوى، ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يُقدَّم ما في الطَّبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى».
24. أن يُرجح القول المقدَّم في الكتب التي التزمت بتقديم الرّاجح:
قد التزم بعضُ المؤلِّفين بأنَّهم يُقدِّمون القولَ الرَّاجح عندهم في الذِّكر على الأقوال المرجوحة: كقاضي خان (ت 592 هـ) في «فتاواه»، والحلبي (ت 961 هـ) في «ملتقى الأبحر».
25. أن يُرجِّح القول الذي تأخر دليله في الكتب التي التزمت ذلك:
إنّ عامة الكتب التي التزمت ذكر الدَّلائل كـ «الهداية» و «المبسوط» وغيرهما، فعادتهم المعروفة أنّهم يذكرون دليل القول الرّاجح في الأخير، ويجيبون عن دلائل أقوال أخر، فالدَّليل المذكور في الأخير يدلّ على رجحان مدلوله عند المؤلّف.
قال ابنُ عابدين: «وما عداهما ـ أي «الخانية» و «الملتقى» ـ من الكتب التي تُذْكَرُ فيها الأقوال بأدلّتها: كـ «الهداية» وشروحها، وشروح «الكنز»، و «كافي النَّسفيّ»، و «البدائع» (¬1)، وغيرها من الكتب المبسوطة، فقد جرت العادة فيها عند حكاية الأقوال: أنَّهم يؤخرون قول الإمام، ثمّ يذكرون دليل كلّ قول، ثمّ يذكرون دليل الإمام متضمناً للجواب عمّا اسْتَدلّ به غيرُه، وهذا ترجيحٌ له، إلاّ أن ينصّوا على ترجيح غيره».
¬
(¬1) لكن قال العثماني في أصول الإفتاء ص 35: «ويظهر من صنيع صاحب البدائع أنَّه يفعل ذلك ـ أي تقديم القول الراجح ـ أيضاً في الغالب».
26.أن يُرجِّح القول الذي ذكر دليله في الكتب التي اعتمدت ذلك:
وهذا إذا ذكر دليل قول واحد فقط وأهمل دليل الآخر، فالراجح ما ذكر دليله.
قال ابنُ الشَّلبيّ: «الأصلُ أنَّ العملَ على قول أبي حنيفة؛ ولذا تُرجِّح المشايخُ دليلَه في الأغلب على دليل مَن خالفه من أصحابه، ويجيبون عَمّا استدلّ به مخالفه، وهذا أمارة العمل بقوله، وإن لم يُصرّحوا بالفتوى عليه؛ إذ الترجيح كصريح التَّصحيح» (¬1).
27.أن يرجح القول المرجح بأي لفظ من ألفاظ الترجيح:
إن وجد المفتي في مسألةٍ أقوالاً، وصُحِّح أحدُهما بأي لفظ من ألفاظ الترجيح فإنّه يعمل به؛ لأنَّه ترجيحٌ صريح.
قال الرَّمليُّ (¬2): «وفي أَوّل «المضمرات»: أمّا العلامات للإفتاء فقوله: وعليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وعليه عمل الأمّة، وهو الصحيح، وهو الأصحّ، وهو الأظهر، وهو المختار في زماننا، وفتوى مشايخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه».
28.أن يرجح بالأصح إن اختلف التَّصحيح بلفظ الصحيح والأصح من واحدٍ، وإن كان الاختلاف من اثنين فأكثر يعتبر التَّرجيح بعلوِّ اجتهاد القائل
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص 451، عن فتاوى ابن الشلبي.
(¬2) في الفتاوى الخيرية ق 319/ أ.
وباعتماد الكتاب الذي صحِّح فيه:
قال ابنُ عابدين (¬1): «إن كان كلٌّ منهما بلفظ الأصحّ أو الصحيح، فلا شبهة في أنَّه يتخيّر بينهما إذا كان الإمامان المصحِّحان في رتبةٍ واحدة.
أمّا لو كان أحدُهما أعلم، فإنَّه يَختار تصحيحه: كما لو كان أحدُهما في «الخانيّة» والآخر في «البَزّازيّة» مثلاً، فإنَّ تصحيح قاضي خان أقوى، فقد قال العلامةُ قاسم: «إنَّ قاضي خان من أحقِّ مَن يُعْتَمَدُ على تصحيحه» (¬2).
29. أنّ التّرجيح بقوة اجتهاد القائل ومقدار اعتماد الكتاب إن اختلف الترجيح، ولا التفات للفظ الترجيح من جهة التطبيق العملي:
ينبغي عدم التَّرجيح بالألفاظ، وإنَّما يُرجَّح بالقائل والكتاب المذكور فيه لفظ التّرجيح، فكلّما ارتفعت درجة القائل في الاجتهاد كان قوله أقوى من غيره، وكذلك كلّما كان الكتاب أكثر اعتماداً كان ما فيه من التّرجيح مُقدَّمٌ على ترجيح غيره، قال ابن
قُطْلُوبُغا (¬3): «ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس».
وهذا هو الظاهر من استخدام ألفاظ الترجيح في الكتب، حيث تجد أنَّ المفتي لو اهتم باللفظ ولم ينتبه للقائل والكتاب لن يستطيع التَّوصل للرَّاجح؛
¬
(¬1) في شرح العقود ص 458.
(¬2) انتهى من التصحيح والترجيح 1: 5 بتصرف يسير.
(¬3) في تصحيح القُدوريّ ص 134.
لوجود التَّساهل في إطلاق ألفاظ التَّرجيح المتنوعة على ما يُرجحون، وأنَّهم لا يقصدون التَّفضيل بين الألفاظ، وإنَّما يُعبِّر كلٌّ منهم برجحان ما اختار من قول بأي بلفظ من ألفاظ التَّرجيح.
وما يُعرض من نقاش في الكتب في التَّرجيح بالألفاظ هو نقاشٌ نظري، يرجع للاستخدام اللغوي، لا إلى التطبيق العملي الشائع في كتب المذهب.
30. أن يخيّر بين القولين المصححين إن استويا في قوّةِ التَّصحيح من جهةِ القائل له والكتاب الذي صحح فيه مثلاً:
قال ابنُ عابدين (¬1): «إذا كان في المسألة قولان مصحَّحان، فالمفتي بالخيار، ليس على إطلاقه، بل ذاك إذا لم يكن لأحدِهما مرجِّح قبل التصحيح أو بعده».
31. أن يُرجِّح القول المتأخر إن صدر التَّرجيحان من رجل واحدٍ:
إذا كان التَّرجيحان من رجل واحدٍ، عُمِل بالمتأخر منهما إن عُرف التَّاريخ، وإن لم يُعرف التَّاريخ، رَجَّح المفتي أحدهما بمرجحات.
ويُعرف المتأخر بأن يكون تأليف أحد الكتابين متأخراً عن الآخر، فيعمل بما فيه.
32.أن يرجح القول المصحَّح إن كان في المتون على غيره من الكتب:
إذا كان أحد التَّصحيحين مذكوراً في المتون والآخر مذكوراً في غيرها، فالرَّاجح ما في المتون؛ لأنّ أعلى مراتب التَّصحيح أن يكون تصحيحاً صريحاً في
¬
(¬1) في شرح العقود ص 459.
المتون؛ لأنّ المتونَ التزمت أن تذكر الصَّحيح، فإن صرَّحوا بالتصحيح قُدِّم على غيره، ولأنَّه عند عدم التَّصحيح لأحدِ القولين يُقَدّمُ ما في المتون؛ لأنَّها الموضوعةُ لنقل المذهب، فكذا إذا تعارض التَّصحيحان، قال (¬1): «فقد اختلف التَّصحيح، والفتوى والعمل بما وافق المتون أولى».
33.أن يرجح القول المصحَّح إن كان قول أبي حنيفة على غيره من أصحابه:
إذا كان أحد القولين المصححين قول الإمام الأعظم والآخرُ قول بعض أصحابه كأبي يوسف ومحمّد، فإنّه يُقدَّم قول أبي حنيفة؛ لأنَّه عند عدم التَّرجيح لأحدهما يُقَدَّمُ قولُ الإمام فكذا بعده (¬2).
34.أن يرجح أحدُ القولين المصحَّحين إن كان ظاهر الرواية على غيره:
إذا كان أحدُهما ظاهر الرِّواية والآخر غيره، فالرَّاجح ما هو ظاهر الرِّواية، قال ابنُ نُجيم (¬3): «إذا اختلف التَّصحيح وَجَبَ الفحص عن ظاهر الرِّواية والرُّجوع إليه».
35.أن يُرجِّح أحد القولين المصحّحين إن كان مختار أكثر المشايخ والآخر مختار قليل منهم، فالرَّاجح ما اختاره الأكثر:
قال ابن عابدين (¬4): «إذا كان أحد القولين المصحّحين قال به جلّ المشايخ العظام».
¬
(¬1) في البحر الرائق 2: 92.
(¬2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 460.
(¬3) في البحر 2: 269 بتصرف يسير.
(¬4) في شرح العقود ص 461.
36.أن يُرجِّح أحد القولين المصحَّحين إن كان قياساً والآخر استحساناً، فالراجح الاستحسان:
قال ابن عابدين (¬1): «إذا كان أحدُهما الاستحسان والآخر القياس؛ لما قدَّمناه من أنَّ الأرجح الاستحسان إلاّ في مسائل».
37. أن يرجح أحد القولين المصحَّحين إن كان أوفق بالزّمان على غيره.
قال ابن عابدين (¬2): إذا كان أحدُهما أَوْفق لأهل الزَّمان، فإنَّ ما كان أوفق لعرفهم أو أَسهل عليهم فهو أولى بالاعتماد عليه؛ ولذا أفتوا بقول الإمامين في مسألةِ تزكية الشُّهود وعدم القضاء بظاهر العدالة؛ لتغيّر أحوالِ الزَّمان، فإنَّ الإمامَ كان في القرن الذي شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيريّة بخلاف عصرهما، فإنَّه قد فشى فيه الكذب فلا بُدّ فيه من التزكية».
38. أن يُرجّح أحد القولين المصححين إن كان أقوى في الدَّليل عند مفتٍ أهل للنَّظر في الدليل من طبقة مجتهد منتسب، فهو أولى من غيره:
قال ابنُ عابدين (¬3): «إذا كان أحدُهما دليله أوضح وأظهر، فحيث وُجِد تصحيحان ورأى مَن كان له أَهليّة النظر في الدليل أنَّ دليلَ أحدهما أَقْوَى، فالعمل به أولى»، ولكنه مقيدٌ بطبقة مجتهد منتسب فحسب؛ لأن أصحاب هذه الطبقة مع بعدهم يرجحون بأصول البناء والتطبيق.
¬
(¬1) في شرح العقود ص 461.
(¬2) في شرح العقود ص 461.
(¬3) في شرح العقود ص 461.
39.أن يُرجح أحد القولين المصحّحين إن كان أنفع للفقراء فيما يتعلّق بالزّكاة:
إن كان أحدُ القولين أنفع للفقراء، فهو أولى من غيره في باب الزكاة؛ لموافقته لأصل الباب في فرضية الزَّكاة بنفع الفقير، فما يكون من الأقوال يُحقِّق هذا المعنى يُقدّم على غيره، فيُفتى بقول أبي حنيفة في باب الزُّروع؛ لأنه يوجبها في كلِّ ما يخرج من الأرض بلا شرط نصابٍ ولا بلوغٍ ولا عقلٍ ولا حولٍ؛ لكثرة النَّفع للفقراء به.
40. أن يُرجِّح أحد القولين المصحّحين إن كان أنفع للوقف فيما يتعلَّق بالوقف:
لما كان الوقفُ مشروعاً لتحقيق النَّفع لمصارف الوقف بإيصال الخير لهم وزيادة البر بهم، والواقف وقف ماله لتحقيق هذا المعنى، فإنّه يُرجَّح القول الذي يحقِّق مصلحته ويزيده ويحافظ عليه.
قال ابنُ عابدين (¬1): «إذا كان أحدُهما أَنفع للوقف لما صرَّحوا به في «الحاوي القدسي» وغيره: من أنَّه يُفتى بما هو أَنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه».
41. أن يرجح أحد القولين المصحَّحين إن كان أدرأ للحدّ في باب الحدود:
إن ما يكون من الأقوال المصحّحة فيما يتعلَّق بالحدود، وهو أدرأ لإيقاع الحدّ، فإنه أولى من غيره؛ لأنّ مبنى الحدود على الدَّرء، فالقول الموافق لقاعدة الباب يُقدَّمُ على غيره.
¬
(¬1) في شرح العقود ص 461.
42.أن يرجح القول الأبعد عن الحرمة من القول الآخر:
إذا كان التَّعارض بين الحلِّ والحرمة، فالرَّاجحُ هو المحرَّم (¬1)؛ لأنّ تركَ المباح لا حرج فيه، بخلاف الوقوع في الحرام ففيه حرجٌ.
43.أن يرجح بناء على المعاني لا الألفاظ حتى يتثبت من بناء المسألة وقاعدتها:
لا بُدّ عند قراءة المسألة من الالتفات إلى ما وراءها من قاعدة بُنيت عليها، وفهم أنَّ المذكور هو مثال لا غير عادةً، فالتمسّكُ بالمثال بحرفيته والغفلة عن القاعدة لهو الجمود بعينه في الفقه، بحيث يصبح علماً نظرياً لا يصلح تطبيقه في الواقع، فما قاله الإمام في زمانه بُنِي على هذه القواعد، وكان واقع الإمام مثالاً عليها إجمالاً، فتطبيق أمثلة زمان الإمام على واقعنا غيرُ ممكن، كمَن يريد أن يطبق كثيراً من أحاديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على واقعنا إن كانت ممّا بُنيت على عرف وزمان، ولا يَلتفت إلى العلّة الموجودة فيها.
والغفلة عن هذا الأمر من الأسباب التي جَعَلَت الفقه في هذا الزمان أقرب إلى النظرية من التطبيق، بسبب التمسّك بالأمثلة دون روحها والقاعدةِ المبنيّة عليها.
قال ابنُ عابدين (¬2): «إنَّ المتقدِّمينَ شَرَطوا في المفتي الاجتهاد، وهذا مفقودٌ في زماننا، فلا أقلّ من أن يشترطَ فيه معرفة المسائل بشروطها وقيودها التي كثيراً
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص36 - 37، وغيرهما.
(¬2) في شرح العقود ص485ـ 487.
ما يسقطونها، ولا يصرِّحون بها اعتماداً على فهم المتفقه».
44. أن يكون المرجح تتلمذ على أستاذ ماهر يُمكنه من فهم الفقه وضبطه والقدرة على تطبيقه، وبدونه سيكون شذوذ وتقوَّل على دين الله - عز وجل -:
إن تكوين الملكة الفقهية والفهم الصَّحيح والقدرة على التَّطبيق له لا تكون بدون أستاذ، قال ابن عابدين (¬1): «لا بُدّ له من معرفةِ عُرْف زمانِهِ وأحوالِ أهلِه، والتَّخرُّج في ذلك على أُستاذٍ ماهر.
ولذا قال في آخر «منية المفتي»: «لو أنَّ الرَّجلَ حفظ جميع كتب أصحابنا لا بُدّ أن يَتَّلَمِذَ للفتوى حتى يهتدي إليه؛ لأنَّ كثيراً من المسائل يُجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يُخالف الشريعة»».
45.أن يكون المرجح له معرفةٌ بأحوال النَّاس، ومطلعٌ على مجال إفتائه:
فلا يُفتي في الشَّركات مَن لا يفهمها، ولا يُفتي بمعاملات البنوك مَن لم يطلع عليها، ولا يُفتي بسؤال فيما سوى العبادات في غيره بلده ومجتمعه ما لم يكن له معرفةٌ تامّة به؛ لأنّ الفتوى تحتاج إلى فهم الحادثة جيداً.
قال ابنُ عابدين (¬2): «فهذا كلُّه صريحٌ فيما قلنا من العملِ بالعرف ما لم يُخالف الشريعة: كالمَكْس والرِّبا ونحو ذلك، فلا بُدّ للمفتي والقاضي بل والمجتهد من معرفةِ أَحوال النّاس، وقد قالوا: وَمَن جَهِلَ بأهل زمانه فهو جاهل.
¬
(¬1) في شرح العقود ص485ـ 487.
(¬2) في شرح العقود ص491.
وقَدَّمنا أنَّهم قالوا: يُفتى بقول أبي يوسف فيما يَتَعلَّقُ بالقضاء؛ لكونِهِ جَرَّبَ الوقائع وعَرَفَ أَحوال النّاس».
46. أن لا يرجح القول الضَّعيف في المذهب إلا لضرورة، والمرجع في تقديره إلى العلماء الضابطين المتمكنين:
إنَّ ما يوجد في كتب الفقه من أقوال وروايات ضعيفة صرّح أصحاب الترجيح بضعفها أو علم ضعفها بعباراتهم ضمناً والتزاماً، فلا يجوز العمل عليها والإفتاء بها.
قال ابنُ عابدين (¬1): «أمّا لو عمل بالضعيف في بعضِ الأوقات؛ لضرورة اقتضت ذلك، فلا يُمنع منه، بدليل أنَّهم أجازوا للمسافر والضيف الذي خاف الرِّيبةَ أن يأخذ بقولِ أبي يوسف بعدم وجوبِ الغُسل على المحتلمِ الذي أَمسك ذكرَه عندما أَحَسَّ بالاحتلام إلى أن فَتَرَت شهوتُه ثُمّ أَرسلَه مع أَنَّ قولَه هذا خلافُ الرّاجحِ في المذهب، لكن أَجازوا الأخذ به للضرورة».
ويقدر جواز العمل بالضَّعيف مَن كان فقيهاً مجتهداً، وهو أهلٌ للتّرجيح بين الأقوال في المذهب، فيرجح القول الضَّعيف؛ لما اتفق له من مصلحةٍ أو عرفٍ أو حاجةٍ أو تيسيرٍ أو ضرورةٍ.
47. أن يرجح مذهبٍاً آخر من المذاهب الأربعة إن حصلت ضرورة لذلك يُقدِّرها صاحب الملكة الفقهية:
يجوز العمل بقول المذهب المخالف إن حصلت حاجة وضرورة لذلك،
¬
(¬1) في شرح العقود ص500ـ502.
وقد نصَّ علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل (¬1)، فصرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني (¬2) والحَصكفيّ (¬3) وابنُ عابدين وغيرهم: «بأنّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك عند الضرورة لا بأس به».
48. أن لا يُرجح القاضي القول الضَّعيف، إلا إذا نصّ القانون على جواز العمل بقول من الأقوال وإن كان ضعيفاً:
يجب على القاضي أن يلتزم العمل بالرَّاجح من أقوال المذهب، ولا يُعمل بشيء ضعيف منها، إلا إذا اختاروا في القانون قولاً من الأقوال وإن كان ضعيفاً أو مذهباً للغير، فإنه يعمل به.
ففي المعروضات: «سنة (951هـ): القضاة مأمورون بأن لا يقبلوا النكاح إلا بإذن الولي» (¬4)، علماً أن المشهور من قول أبي حنيفة أنه يجوز نكاح المرأة بلا ولي، لكن لما فسد الزمان أخذوا بقول الصاحبين بعدم جواز النكاح إلا بوليّ.
وما لم ينصّ عليه السلطان يبقى العمل به على القول الراجح عند الحنفية، وهذا ما أمر به السلطان ونصّ عليه القانون: «القضاة يجرون الأحكام الشرعية، ويعملون بعد التتبع بالأصحّ من أقوال الأئمة الحنفية في المسائل المختلف فيها» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص52.
(¬2) في جامعِ الرّموز 2: 217.
(¬3) في الدرِّ المنتقى شرح الملتقى 1: 713 - 714.
(¬4) ينظر: المصدر السابق ص168.
(¬5) ينظر: المصدر السابق ص111.
49. أن يكون التَّرجيح بالمصلحة:
فإنّه إن وجد في المسألة قولان فأكثر، فيُعمل بما تشهد له المصلحة من الأقوال، فمثلاً: «لو غاب الزَّوجُ حال كونه قادراً على أداء النفقة، ولكن لا يوفي حقّها، فأظهر الوجهين أنّه لا فسخ فيها، ولكن يبعث الحاكم إلى حاكم بلده ليطالبه إن كان موضعه معلوماً، والثاني ثبوت الفسخ، وإليه مال جمع من أصحابنا، وأفتوا بذلك للمصلحة» (¬1).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام1: 414.
الفصل الثاني
التَّرجيح بأصول التَّطبيق
«رسم المفتي»
تمهيد:
يُعَدُّ علم رسم المفتي هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في التَّرجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدِ للإفتاء، وهذه المحاور: هي
الضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، والعرف، والمصلحة، وتغيّر الزمان، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
ولذلك كان عدم مراعاة المفتي لقواعد الرَّسم في الإفتاء يُعَدُّ خروجاً عن المذهب؛ لمخالفته قواعده في تطبيق الأحكام.
فإن قواعد المذهب تقضي أن لا نُفتي بمسألة فيما عدا العبادات إجمالاً، إلا بعد إمرارها على قواعد رسم المفتي من الضَّرورة والعرف، فإن أفتى بدون مراعاة هذا، كان خارجاً في فتواه عن المذهب؛ لأنّه ليس من المذهب أن يُفتي بمسائل مبنية على العرف، في زمن اختلف فيه العرف عن زمن أبي حنيفة، أو في مسائل تغيرت الفتوى بها للضَّرورة عما كان في زمن أبي حنيفة بما كان من فتوى في زمن أبي حنيفة.
قال ابنُ عابدين (¬1): «للمفتي اتّباعُ عرفه الحادث في الألفاظ العرفية، وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عُرْف زَمانِه، وتغيّر عُرْفه إلى عُرْفٍ آخر اقتداءً بهم، لكن بعد أن يكون المفتي ممَّن له رأيٌ ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعدِ الشرع، حتى يميزَ بين العُرْف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره ...
و جمود المفتي أو القاضي على ظاهرِ المنقول مع تركِ العرفِ والقرائنِ الواضحةِ والجهلِ بأحوال النّاس، يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين».
¬
(¬1) في شرح العقود ص485.
وهذا الكلام من ابن عابدين في غاية الدّقة والروعة؛ لأنَّ هذا الجمود على النُّصوص الفقهيّة بدون فهم عللها ومراعاة الواقع أقصت الفقه عن حياة المسلمين في كثير من مناحي الحياة.
قال ابنُ عابدين (¬1): «إنَّ المتأَخرين الذين خالفوا المنصوص في المسائل المارّة لم يخالفوه إلا لحدوث عُرْفٍ بعد زمن الإمام، فللمفتي اتّباعُ عرفه الحادث في الألفاظ العرفية.
وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عُرْف زَمانِه، وتغيّر عُرْفه إلى عُرْفٍ آخر اقتداءً بهم، لكن بعد أن يكون المفتي ممَّن له رأيٌ ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعدِ الشَّرع، حتى يميزَ بين العُرْف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره».
وترجع قواعد رسم المفتي إلى قاعدتين رئيسيتين: الضرورة والعرف، وتندرج القواعد الأخرى تحتهما:
فإنّ الاستقراءَ في الفروع الفقهية التي اختلف حكمها ترجع للضَّرورة والعرف، ولو حصلت هذه الضَّرورة أو العرف في زمن المجتهد لأفتى بمراعاتها.
قال ابنُ عابدين (¬2): «إنَّ كثيراً من الأَحكام التي نصّ عليها المجتهدُ صاحبُ المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيَّرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزَّمان أو عموم الضَّرورة ...
¬
(¬1) شرح العقود ص485ـ486.
(¬2) في شرح عقود رسم المفتي ص 477.
وكلُّ ذلك غيرُ خارج عن المذهب؛ لأنَّ صاحبَ المذهب لو كان في هذا الزَّمان لقال بها، ولو حدث هذا التُّغيُّر في زمانه لم ينصّ على خلافها.
وهذا الذي جَرّأ المجتهدين في المذهب وأهل النَّظر الصَّحيح من المتأخرين على مخالفةِ المنصوصِ عليه من صاحب المذهب في كتب ظاهر الرِّواية، بناءً على ما كان في زمنه ... ».
ونعرض قاعدتي العرف والضرورة في مبحثين على النحو الآتي:
المبحث الأول
قاعدة العرف
إن التلاعب بالشريعة تحت حجة تغير العرف بدون التفات لمسائل العرف وحقيقته غير مقبول، مع أن العرف من أكبر قواعد الرسم التي تُراعى في الفتوى والتَّطبيق، فيجب العمل بها عند الفتوى؛ لاختلاف بعض الأحكام من مكانٍ إلى مكانٍ، ومن زمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس.
قال الجوينيّ (¬1): «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها».
وقال (¬2): «والتّعويل في التّفاصيل على العرف، وأعرف النّاس به أعرفهم بفقه المعاملات»؛ لأنَّ العرف يُعَدُّ من الجانب التَّطبيقيّ للفقه، وليس من الجانب الاستنباطيّ للحكم كما يظنّه عامّة المعاصرين.
ونعرض ما يتعلق بالعرف في المطلبين الآتين:
¬
(¬1) في نهاية المطلب في دراية المذهب 11: 382.
(¬2) في نهاية المطلب للجويني 11: 416.
المطلب الأول: ضوابط العرف:
أوَّلاً: أنّ العرف لا يُغيّر الأحكام، وإنّما يُساعدنا في معرفة الحكم بناء على علته ولفظ المتكلم؛ لذلك كان مَرَدّ العرف إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظ ونريد بها معاني معيّنة تعارفنا في إطلاقها عليها، وإن كان اللّفظ عامّاً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطّيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلّم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحية المحل لعلة الحكم؛ فالحكم في نفسه ثابت من الشّارع الحكيم، والعرف لا يغيّر الحكم، لكن الحكم مبنيّ على علّة، وهذه العلّة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك، مثاله: أنَّ الحكم عدم قبول إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة:282].
والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة لم يَحتج للتّزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنيين البتّة، فلا يكون مغيّراً للحكم الشرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان
مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
ثانياً: مدار الأحكام فيما عدا العبادات على العرف؛ لأنه مظهرٌ ومعرفٌ ومرشدٌ لعلل الأحكام الشَّرعية التي مدارها على الواقع.
قال السَّرَخسيُّ (¬1) والعَينيُّ (¬2): «إن الثَّابتَ بالعرف ثابتٌ بدليل شرعيّ».
إن الشَّريعة اعتبر العرف في غير العبادات مراعاة الواقع؛ لأنها بنت الأحكام على علل، فلا بُدّ من مراعاة وجود هذه العلل قبل إعطاء الحكم الشَّرعيّ، وهذه العلّةُ مرتبطةٌ بالواقع من حيث وجودها وعدمها، فإن وُجِدت وُجد الحكم، وإن عُدِمت عُدِم الحكم.
فكان معنى قوله الثابت بالعرف هو اعتبار الشارع لمراعاة الواقع، فيكون هذا الواقع مرشداً لوجود علة الحكم وعدمها، فيكون الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي من حيث اعتبار الشارع للواقع، ومن حيث إن العرف يدلُّ على وجود العلة، لا من حيث أنّ العرف مشرع ابتداءً؛ لأن العرف مظهر ومرشد لا غير.
¬
(¬1) في المبسوط13: 14.
(¬2) في البناية8: 183.
ثالثاً: الفروع تخرج على القواعد، والقواعد تستنبط من القرآن والسنة، والقواعد تتكون من علل وأحكام، فلا يكون الحكم إن لم توجد العلّة، ووجود العلل وانعدامها يرجع لفهم الواقع، وبالتَّالي لا تنفك الأحكام عن عللها المرتبطة بالعرف.
إنّ هذه القواعد التي تستمد منها الفروع هي عبارة عن علل وأحكام، بحيث إن توفرت العلة في قاعدة هذه الفرع المستجد أخذ حكم هذه القاعدة، والعلّة يراعى في وجودها الواقع، فلا يُمكن النظر إليها بدون الالتفات للعرف؛ لأنه هو المخبر عن وجود العلة في الفرع الجديد، فالأحكام عندنا معلّلة لا تعبديّة، فلا بُدّ من مراعاة الواقع في عامّة الأحكام.
رابعاً: النُّصوص معلَّلة وغيرُ معلَّلة في نظر المجتهد، فالمعلَّلة منها يُراعى فيه العرف الدال على العلَّة، وغير المعللة لا يُلتفت فيه للعرف؛ لأن النصّ مقصود بذاته، وهو حاكم على العرف في نظر المجتهد القائل بذلك:
إنّ النُّصوصَ في نظر المجتهد على نوعين: معلَّلة وغير معلَّلة: أي مقصودة بذاتها، وتحديدها راجع لنظر المجتهد، ففي نص الأصناف الستة الربوية اختلفت الأنظار عند أصحابنا، فأبو حنيفة ومحمد جعلا النصّ في هذه الأصناف الستة مقصود بذاته وغير معلل وفي غيرها من الأصناف معلل، وأما أبو يوسف فجعل النصّ معللاً في الأصناف الستة وغيرها.
فيكون معنى قول صاحب «الهداية»: «لأنّ النصَّ أقوى من العرف»، خاص بالمسائل التي بنيت على نصّ غير معلل، وبالتالي لا يلتفت فيها إلى العرف،
والنصّ هو الحاكم فيها، وهو أقوى من العرف؛ لأنها لم تبن على العرف حتى يلتفت فيها.
وهذا كله راجع لنظر المجتهد، بخلاف غيره من المجتهدين الذي نظروا في نفس المسألة ورأوا أنها معللة فإنهم يراعون العرف فيها، ويجعلونه مفسّراً وموضحاً للعلة الموجودة في النصّ، كما ذكر صاحب «الهداية» في تعليل قول أبي يوسف: «أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت»، فجعل نظر أبي يوسف إلى النص معللاً، وقد تبدلت العلة كما أخبرنا العرف.
خامساً: العرف يُرجع إليه بين أهله عامّاً أو خاصّاً، فالعرفُ العام يحتكم إليه في جميع البلاد المنتشر فيها، والعرف الخاصّ يُحتكم في مكان وجوده:
إنّ التَّفريق بين العرف الخاص والعامّ بأنّ العامّ حجّة، والخاص ليس بحجة محلُّ نظر عموماً، فمن أين اكتسب العرف العام قوّة لم يكتسبها العرف الخاصّ، ومعلوم أنّ العرف غير معتبر في التَّشريع ابتداءً، وإنّما يُستفاد منه في تفسير التَّشريع، ومعرفة المحلّ لعلّة الشَّارع الحكيم.
وهذا لا يفترق به العرف العام عن العرف الخاصّ، فكلُّ واحدٍ منها صالحٌ للقيام بهذه الوظيفة، إلا أنّ العرف العام سيكون تأثيره في بيئةٍ أكثر لشموله إياها، والعرفُ الخاصُّ يتعلَّقُ ببيئة أقلّ لاقتصاره عليها، ولا يعتبر في غيرها، إلا أن يقال: المقصود بالعرف الخاص أفراداً محصورين، فتعارفهم أمثالهم لا يلتفت إليه، ولا يُعدّ عرفاً صالحاً لتفسير محل علل الأحكام.
ولما كانت الأبوابُ مبينةً على قواعد حتى تنتظم الأحكام وتفرَّع عليها، وعبروا عن هذه القواعد بالقياس، وكانت هذه القواعد سبيلاً لتطبيق الإسلام وعيشه، فإن تسببت هذه القواعد في عكس ما وُضعت له، بحيث عَسُر علينا تطبيق الأحكام، فإننا نستحسن ونتركها ونعمل بالعرف المتوافق مع قدرة النَّاس على تطبيق الإسلام، فكان التعامل حجّة يترك به القياس.
وإن كان هذه القاعدة مبنية على أثر ظاهر، فإنّه يكون لهذا الأثر علّة بُني عليها حكمه، والعرفُ يكون لتفسير محلّ العلّة، فتبيّن بهذا العرف الحادث عدم توفر علّة الأثر، فلن نطبق عليه حكم الأثر، فكان هذا العرف مخصصاً للأثر.
سادساً: كلّ ما يرجع للألفاظ من أيمان وطلاق ووصية وعقود وغيرها يُحكم فيه عرف أهله:
بسبب أنّ الألفاظَ وسائلٌ للوصول إلى معاني معيَّنة، وكلُّ أُناس يتكلمون بهذه الألفاظ ويقصدون ما تعارفوه من معنى لها، فيكون العرف هو المبين لمقصودهم، فيحتكم إليه.
وقال ابن قُطلوبُغا: «التَّحقيقُ أنَّ لفظَ الواقف والموصي والحالف والنَّاذر وكلّ عاقدٍ يُحْمَلُ على عادتِهِ في خطابِهِ ولغتِهِ التي يَتَكَلَّم بها، وافقت لغة العرب ولغة الشارع أو لا» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص497.
المطلب الثاني: تطبيقات للعرف:
إن الأصول التي تندرج تحت العرف كثيرة، نقتصر على ذكر أصلين منها:
* الأصل الأول: مخالفة المروءة:
ونعرض ما يتعلق بالمروءة في النقاط الآتية:
أولاً: معنى المرءوة لغة واصطلاحاً:
المروءة لغةً: كمال الرُّجولة، والمرأة مؤنث والمرء هو الرَّجل، ويطلقان على البالغ منهما (¬1)، وهي الإنسانية (¬2)، فيجتنب عمل شيء يوجب تنزل قدر الإنسانية عند أهل الفضل والكمال (¬3).
واعتبرت المروءة كمال الرُّجولة؛ لجمع صاحبها أفضل الصفات التي يتحلَّها به الرِّجال، وكانت بمعنى الإنسانية؛ لتوفر أكمل صفات الإنسان فيها، فكان صاحبها محققاً معنى الرُّجولة والإنسانية على الكمال.
واصطلاحاً لها تعاريف متقاربة منها:
آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المغرب 2: 262، ولسان العرب 1: 154، والمحيط في اللغة 2: 443.
(¬2) ينظر: مختار الصحاح ص 292، ولسان العرب 1: 154.
(¬3) ينظر: درر الحكام 4: 407.
(¬4) ينظر: المصباح 2: 569، وقرة عين الأخيار 7: 492.
أو هي قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعاً وعقلاًوعرفاً (¬1).
أو أن لا يأتي ما يعتذر منه مما يبخسه من مرتبته عند العقلاء.
أو صيانة النفس عن الأدناس وما يشينها عند الناس (¬2).
أو السَّمتُ الحسن وحفظ اللِّسان والاجتناب من السُّخف: أي الارتفاع عن كلِّ خُلُق دنيء (¬3).
أو هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذَّم عرفاً: كترك الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافياً، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفاً: كالأكل عندنا في السوق (¬4).
فتحصَّل من هذه التَّعاريف أنَّ المروءةَ متعلِّقةٌ بالأخلاق الحسنة والسُّلوكيات السَّوية والتَّصرُّفات الفاضلة على حسب العرف في ذلك الزَّمان والمكان، فكلُّ ما يُنقص من مرتبة فاعله في مجتمعه يُخِلُّ بمروءته.
ثانياً: مكانة المروءة:
يدور معنى المروءة في القرآن والحديث والآثار وكلام السَّلف على ما سَبَق إيراده في التعاريف اللغوية والاصطلاحية للمروءة.
¬
(¬1) ينظر: التعريفات1: 210.
(¬2) ينظر: البحر الرائق7: 92.
(¬3) ينظر: تيسير التحرير3: 44.
(¬4) ينظر: شرح حدود ابن عرفة ص44، وقواعد الفقه ص479.
فمن القرآن:
قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل:90]، تدلُّ هذه الآية على أنَّ المروءةَ لجمعها الصّفات الحسنة التي ينبغي للمسلم أن يتحلَّى بها، ويترك ما سواها، قال الحسن: «قد فرغ الله - عز وجل - لك منها ثم قرأ: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} هذه المروءة» (¬1).
ومن السُّنّة:
فعن أبي هريرة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وَحَسَبه خُلُقه» (¬2)، فظاهر المروءة عند الناس حسن الزّي، وجمال الحال، والتوسُّع في الطعام والإطعام، وهذه أحوال مَن اتسع في المال فيمكنه ذلك، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ المروءة هو العقل، وقد يكون العاقل موسعاً عليه ومقدراً له، فإذا كمل عقل المرء تمَّت مروءته، وذلك أنَّ المروءة اشتقاقها من المرء، والمرء الإنسان، والإنسان إنَّما شرف على سائر الحيوانات (¬3): أي لأنَّ به يتميّز عن الحيوانات ويعقل نفسه عن كلِّ خلق دنيء، ويكفها عن شهواتها الرديّة وطباعها الدنية، ويؤدِّي إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه من الحقِّ والخَلْق (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المروءة ص45.
(¬2) صحيح ابن حبان2: 232، ومسند أحمد14: 381، والمستدرك1: 212، وصححه.
(¬3) ينظر: معاني الأخبار للكلاباذي 1: 54.
(¬4) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ 3: 59.
وعن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن عامل النّاس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالتُه، ووجبت أخوته، وحَرُمَت غيبتُه» (¬1).
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة، وهو ذو الصلاح» (¬2).
وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة ما لم يكن حداً» (¬3)، أي لا تؤاخذوه بذنب ندر منه لمروءته إلا في حدّ من حدود الله تعالى، فإنَّه إذا بلغ الحاكم وثبت عنده وجبت إقامته (¬4).
وروي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال لرجل من ثقيف: «يا أخا ثقيف, ما المروءة فيكم»؟ قال: إصلاح الدِّين، وإصلاح المعيشة، وسخاء النَّفس، وصلة الرَّحم. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «كذلك هو فينا» (¬5).
ومن الآثار:
قال عمر - رضي الله عنه -: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حَسَبُه، ومروءته خلقه» (¬6)، حيث
¬
(¬1) في مسند الشهاب1: 322.
(¬2) في شرح مشكل الآثار6: 150.
(¬3) في مسند الشهاب1: 422، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 282: رواه الطبراني في الصغير، وفيه محمد بن كثير بن مروان الفهري، وهو ضعيف.
(¬4) ينظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير3: 228.
(¬5) في إصلاح المال ص52، والمروءة ص28، وحلية الأولياء3: 155.
(¬6) في الموطأ3: 659، وسنن الدارقطني 4: 467، والسنن الكبرى للبيهقي 10: 329، وقال البيهقي: هذا الموقوف إسناده صحيح.
جعل المروءة تتمثَّل بالأخلاق الحسنة.
وقال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «ومَن خضع لغني ووضع له نفسه إعظاماً له، وطمعاً فيما قِبله، ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه» (¬1)، حيث علَّق زوال المروءة بتعليق القلب بغير الله تعالى، والطَّمع فيما عند غير الله تعالى.
قال معاوية - رضي الله عنه -: «المروءة في أربع: العفاف في الإسلام، واستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وعون الجار» (¬2)، حيث جعل المروءة متعلِّقةٌ بهذه السُّلوكيات الحسنة والصِّفات الحميدة.
¬
(¬1) في شعب الإيمان10: 503، وقال العجلوني في كشف الخفاء 2: 287: «وللبيهقي أيضًا عن ابن مسعود مرفوعًا: من أصبح محزونًا -وفي لفظ حزينًا - على الدنيا أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة؛ نزلت به؛ فإنما يشكو ربه، ومن دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن قرأ القرآن فدخل النار فهو ممن اتخذ آيات الله هزوًا. وللطبراني في الصغير عن أنس رفعه: من أصبح حزينًا على الدنيا؛ أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به؛ فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده؛ أسخط الله - وفي لفظ مما في يديه فقد أسخط الله عز وجل- ومن أعطي القرآن فدخل النار أبعده الله. وفي لفظ: لينال فضل ما عنده؛ أحبط الله عمله. قال في المقاصد: وهما واهيان جدًا؛ حتى إن ابن الجوزي ذكرهما في الموضوعات؛ لكن قال الجلال السيوطي في التعقبات: ولم يصب في ذلك فقد رواه البيهقي عن ابن مسعود وأنس بلفظ: من دخل على غني فتضعضع له؛ ذهب ثلثا دينه. قال في كل منهما إسناده ضعيف».
(¬2) المروءة ص45.
ومن أقوال السلف:
قال الأحنف: «المروءة أن تصبر على ما غاظك وتصمت عمَّا عندك حتى يُلتمس منك» (¬1). وقال: «الفقه في الدِّين والصَّبر على النَّوائب وبَرّ الوالدين» (¬2).
وقال محمد بن عمران التيمي: «ما شيء أشدُّ حملاً من المروءة، قيل: وأي شيء المروءة، قال: أن لا تفعل شيئاً في السرّ تستحي منه في العلانية» (¬3).
وقال إبراهيم النخعي: «ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق، ولا سرعة المشي» (¬4).
ومن خلال هذا العرض للأحاديث والآثار والأقوال في المروءة نجد أنَّها متفاوتةٌ من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان؛ لأنَّ مدارها على العرف، فكلُّ واحدٍ عبَّر عنها على حسب عرفه في أكمل الأخلاق والتَّصرُّفات، والله أعلم.
ثالثاً: أثر المروءة في الحكم الشرعي:
المتتبع لفروع المذهب الحنفي يظهر له الأثر الواضح للمروءة في بعض الأبواب الفقهية: كقبول الشَّهادة، وهيئة المسلم كاللباس، وتصرّفاته في كيفية التَّعامل مع الآخرين ومراعاة مشاعرهم.
¬
(¬1) في المروءة ص39.
(¬2) في المروءة ص42.
(¬3) في المروءة ص56.
(¬4) في المروءة ص78.
فكثير من التَّصرُّفات تكون حسنةً ومقبولةً في مجتمع ومعيبة ومنكرة في مجتمع آخر، ولا سبيل لنا لمعرفة ذلك إلا من خلال النظر في عرف ذلك المجتمع، فالحال في اللباس والتَّصرُّفات لا يختلف عن الحال في الكلام، فعادة نرجع لتفسير مراد المتكلم من كلامه على حسب عرفه، فهم يطلقون هذا اللفظ ويقصدون به معنى معين.
فالمروءةُ هي الميزانُ للعرف الممدوح من المذموم في التَّصرُّفات الصَّادرة من المسلم، فما كان من التَّصرُّفات ممدوحاً عُدَّ من المروءة، وما كان منها مذموماً عُدَّ من خوارم المروءة.
وطالما أنَّ المروءةَ جزءٌ من العرف، فتأخذ المروءة حكم العرف في التأثير على الأحكام الشرعية، والعرف من الجانب التطبيقي للحكم الشرعي؛ لأنَّ الحكم الشرعيّ له طرفان: طرف في كيفيّة استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفيّة تطبيقه ويكون برسم المفتي.
وهذا التَّرتيب يعطي للأحكام الفقهيّة ميزةً عظيمةً جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقَّق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة.
وإنَّ أكثر قاعدة من الرسم تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس، والعرف عن معنيين البتّة، فلا يكون مُغيّراً للحكم الشَّرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
وتبيّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهمٌ جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
وبالتالي تندرج المروءة تحت نوعي العرف؛ لأنَّ المروءةَ إذا كانت متعلِّقة بالكلام فهي داخلة في فهم مراد المتكلِّم من كلامه، حيث تساعدنا المروءة للوصول إلى ما تكلَّم به المتكلِّم هل هو شيء حسنٌ وممدوحٌ أم أنَّه شيء مذمومٌ.
وإن كانت المروءة متعلِّقة بالتَّصرُّفات والهيئات فهي داخلة فيمعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، حيث تساعدنا المروءة في معرفة أنَّ مثل هذا التّصرُّف والهيئة حسنة في المجتمع فتكون مستحبة، أو هي مذمومة فتكون مكروهة ديانة ومانعة من قبول الشَّهادة قضاءً؛ لأنَّ مَن يفعلها لا يمتنع عن الكذب ولا يُبالي بكلام النَّاس عليه، فيكون متهماً في شهادته.
ومن أمثلة ما يكون خارماً للمروءة ـ فلا تقبل شهادة مَن يفعل شيئاً من الأفعال المستخفّة؛ لأنَّه يسقط المروءة فلا يتحاشى عن الكذب (¬1)، فما يخل بالمروءة يمنع قبول الشهادة وإن لم يكن محرماً (¬2) ـ:
ـ مسألة: كشف رأسه في موضع يُعَدُّ فعله خفّة وسوء أدب وقلّة مروءة وحياء، قال عبد الحليم اللكنوي في تغطية الرَّأس في الصَّلاة حيث أرجعها للعرف والمروءة، فقال: «تُكره الصلاة بدون العمامة في البلاد التي عادة سكانها
¬
(¬1) ينظر: الاختيار2: 148.
(¬2) ينظر: البحر7: 92.
أنَّهم لا يذهبون إلى الكبراء بدون العمامة، بل ولا يخرجون من بيوتهم إلا متعممين، وأما في البلاد التي لا يعتادون فيها ذلك فلا، وقد اشتهر بين العوامّ أنّ الإمامَ إن كان غير متعمم والمقتدون متعممين فصلاتُهم مكروهة، وهذا أيضاً خرق من القول لا دليل عليه، فاحفظ» (¬1).
ـ مسألة: حلق اللحية، أجاب بهذا مفتي دمشق العمادي (ت1171هـ) عندما سئل: في شهادة محلوق اللحية هل تقبل أم لا؟ فقال: «لم أجد نقلاً صريحاً في المسألة مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، فإن كان حلق اللحية يخل بالمروءة يمنع القبول وإلا فلا» (¬2).
ـ مسألة: البول على الطريق بحيث يراه الناس.
ـ مسألة: الأكل على الطريق.
ـ مسألة: المشي في السوق بالسروال وحده.
ـ مسألة: مد رجله عند الناس.
ـ مسألة: مصارعة الشيخ الأحداث في الجامع.
ـ مسألة: سرقة لقمة.
ـ مسألة: الإفراط في المزح المفضي إلى الاستخفاف.
ـ مسألة: صحبة الأراذل.
¬
(¬1) ينظر: نفع المفتي والسائل ص 38.
(¬2) ينظر: العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية1: 329.
ـ مسألة: الاستخفاف بالناس.
ـ مسألة: لبس الفقيه قَبَاء.
ـ مسألة: لعب الحمام (¬1).
ونبَّه ابن نجيم (¬2) على اشتراط الإدمان في خوارم المروءة حتى لا تقبل شهادته.
* الأصل الثاني: التّشبه بالنّساء:
يعدّ بحث التشبه بالنساء من الأبحاث المتعلقة بالعرف، وذكر فيه المقصود بالتَّشبه، والمنع من التَّشبه في السنة، وحكم التشبه بالنساء عند الحنفية في النقاط الآتية:
أوّلاً: المقصود بالتَّشبه بالنِّساء:
المقصود بالتَّشبه بالنِّساء: هو تشبه الرِّجال بالنِّساء في اللِّباس والزِّينة والأفعال والكلام لا التَّشبه في أمور الخير.
ففي اللباس والزِّينة: بأن يلبس الرَّجل الملابس التي تختصّ بالنساء مثل لبس المقانع والقلائد والأسورة والخلاخل والقرط ونحو ذلك مما ليس للرجال لبسه، وكذلك تتشبه النساء بالرجال بأن تلبس ما يلبس الرجال كلبس النعال
¬
(¬1) ينظر: البحر7: 92، ومجمع الأنهر2: 200.
(¬2) ينظر: البحر7: 92.
الرقاق والمشي بها في محافل الرِّجال ولبس الأردية والطيالسة والعمائم ونحو ذلك مما ليس لهن استعماله (¬1).
وتعيين أنَّ هذا اللباس مختصٌّ بالرجال أو النِّساء راجعٌ لعرف كلِّ قوم، فمن جهة الشَّرع يشترط ستر العورة للرجل ما بين السرّة والركبة وما جاوزه فالحكم فيه للمروءة، وللمرأة يشترط ستر العورة وهي جميع جسمها إلا الوجه والكفين بلباس لا يصف الأعضاء وما جاوزه فالحكم للعرف، فتبيَّن أنَّ ما تجاوز ستر العورة لكلِّ من الرَّجل والمرأة نحتكم فيه للعرف، والعرف يُحدِّد لباس كلٍّ منهما.
قال العَينيّ (¬2): «وهيئة اللباس قد تختلف باختلاف عادة كلِّ بلد، فربَّما قوم لا يفترق زيُّ نسائهم من رجالهم، لكن تمتاز النِّساء بالاحتجاب والاستتار»، وهذا صريح من العيني بأنَّ هيئات اللباس المختلفة مسألة عرفية، فيلزمنا أن لا نشدِّد فيها طالما تحقَّقت الشروط السابقة.
وفي الأفعال والكلام: بأن يفعل الرَّجل الأفعال التي هي مخصوصة بالنِّساء كالانخناث في الأجسام والتَّأنيث في الكلام والمشي (¬3).
والانخناث: وهو التّثني والتَّكسُّر، والاسم الخُنث بالضمّ، ومنه سمي المخنَّث، وتركيب الخنث يَدلُّ على لين وتكسُّر، وتخنَّث في كلامه أي: تَكلَّم بكلام
¬
(¬1) ينظر: عمدة القاري22: 41.
(¬2) في عمدة القاري22: 41.
(¬3) ينظر: عمدة القاري22: 41.
هو الذي يُشبه النِّساء في أقواله وأفعاله وتارةً يكون هذا خلقياً وتارةً تكلُّفاً، وهذا هو المذموم الملعون لا الأوَّل، ويطلق المخنث على الذي يؤتى ويلاط به (¬1).
أمّا مَن كان ذلك في أصل خلقته، فإنَّه يؤمر بتكلُّف تركه والإدمان على ذلك بالتَّدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذَّم، ولا سيما إذا بدا منه ما يدلُّ على الرِّضا.
وأسوأ الأفعال من الرِّجال والنِّساء التي يستحقان عليها الذّمّ والعقوبة، هو الرَّجل الذي يؤتي من دبره، والمرأة التي تتعاطى السحق بغيرها من النساء (¬2).
ثانياً: المنع من التَّشبه بالنِّساء في السُّنة:
وردت أحاديث عديدة تنهى كلاً من الجنسين عن التَّشبُّه بالآخر، وتريد من كلِّ واحدٍ منهما أن يبقى على الهيئة التي خلقه الله عليها؛ ليؤدي الوظيفة المناطة به، ومن هذه الأحاديث:
1.عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرِّجال بالنساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال» (¬3).
قال القاري (¬4): «المتشبهين بالنساء من الرِّجال في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات ... ، والمتشبهات
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرِّعاية22: 42.
(¬2) ينظر: عمدة القاري22: 41.
(¬3) في صحيح البخاري7: 159.
(¬4) في مرقاة المفاتيح7: 2818.
بالرِّجال من النساء: زياً وهيئةً ومشيةً ورفع صوت ونحوها لا رأياً وعلماً، فإنَّ التشبه بهم محمود».
2.عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال: «لعن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المخنثين من الرِّجال، والمترجلات من النِّساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم» (¬1).
قال العيني (¬2): «والمترجلات أي: النساء الشبيهات بالرِّجال المتكلفات في الرُّجولة وهو بالحقيقة ضد المخنثين؛ لأنَّهم المتشبهون بالنساء» (¬3).
ومعنى أخرجوهم من بيوتكم: أي من مساكنكم ومن بلدكم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: إني نهيت عن قتل المصلين» (¬4).
3.عن ابن أبي مليكة، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: «إنَّ امرأةً تلبس النعل، فقالت: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجُلة من النساء» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح البخاري7: 159.
(¬2) في عمدة القاري24: 14.
(¬3) ينظر: عمدة الرِّعاية22: 42.
(¬4) في سنن أبي داود4: 282، وسنن الدارقطني2: 399، والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع.
(¬5) في سنن أبي داود4: 60، ومسند البزار17: 40، وشعب الإيمان10: 225، وقال القاري في مرقاة المفاتيح7: 2836: إسناده حسن.
والرجُلة من النساء: المتشبهة في الكلام واللباس بالرجال، ويقال: كانت عائشة رجُلة الرأي أي رأيها رأي الرجال، فالتشبه بالرأي والعلم غير مذموم (¬1).
4.عن أبي هريرة، قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرَّجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرَّجل» (¬2).
5.عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا مَن تشبّه بالرِّجال من النِّساء، ولا من تشبّه بالنِّساء من الرِّجال» (¬3): أي لا يفعل ذلك من هو من أشياعنا المقتفين لآثارنا (¬4).
ثالثاً: حكم التَّشبُّه بالنِّساء:
إنَّ حال التَّشبُّه بالنِّساء لا يختلف كثيراً عن حال المروءة في كونهما يندرجان تحت العرف، فهي أحد مفردات العرف الذي نحتكم إليه.
ومن المعاني المقصودة في الشريعة المطهرة هو تقرير اختلاف الرِّجال عن النِّساء، والسعي لتحقيق ذلك، كما هو مذكور في الأحاديث السالفة.
¬
(¬1) ينظر: مرقاة المفاتيح7: 2836.
(¬2) في سنن أبي داود4: 60، والسنن الكبرى للنسائي8: 297، وصحيح ابن حبان13: 62، ومسند أحمد14: 61، والمستدرك4: 214، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(¬3) في مسند أحمد11: 461، والمعجم الكبير13: 461، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد8: 103: «رواه أحمد. والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار، وأسقط الهذلي المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات».
(¬4) ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير2: 329.
وهذا المعنى بني عليه العديد من الفروع، والقصد هو التميز بين الرَّجل والمرأة؛ ليحصل التجانس بينهم بعد الزواج وتقوى رغبة كلّ واحد منهما في الآخر، فالسالب والموجب يتجاذبان، والموجب والموجب يتنافران، ولتحقيق التجاذب المستمر بين الرَّجل والمرأة اهتمت الشريعة بأن يتميز كلُّ واحد منهما عن الآخر بمظهره وكلامه وحركاته.
ومن الملاحظ أنَّ علّة الكراهة التحريمية أو التزيهية على حسب الحال للعديد من الأحكام في مشابهة كلِّ واحدٍ منهما للآخر، أو يقولون: «للتخنُّث»، أو «للتزيُّن»؛ لأنَّهامن الهيئات الخاصّة بالنِّساء، كما فعلوا ذلك في منع الرَّجل من العلك ولبس الأصفر وخضاب اليد والرِّجل والتَّزيُّن بدهن الشَّارب والحاجب وأخذ الشَّعر من الحاجب والخدين.
ويتفاوت الحكم بالتَّشبُّه بالنِّساء بحسب تحقّق صورة الفعل ووجود القصد بالتَّشبُّه، فمَن شابه صورة فعل النِّساء كره له تنزيهاً: أي كان فعله مباحاً، ولكنَّه خلاف الأولى، ومَن قصد التَّشبُّه بالنِّساء كان فعلُه مكروهاً تحريماً، ويُمكن لمشابهة الرَّجل للمرأة في صورة الفعل أن تكره تحريماً وإن لم يقصد التشبه إن دخلت في خوارم المروءة.
ومن أمثلة ذلك:
مسألة: التشبه بالمرأة في استعمال العلك:
فإنَّه مختصٌّ بالمرأة؛ لكونه يقوم مقام السِّواك في حقِّها لرقّة لثتها، قال
المرغيناني (¬1): «يكره للرِّجال على ما قيل إذا لم يكن من علّة، وقيل: لا يستحبُّ لما فيه من التشبه بالنِّساء»، قال ابن الهمام (¬2): «أي ولا يكره، فهو مباح بخلاف النِّساء، فإنَّه يستحب لهن؛ لأنَّه سواكهن».
فظاهر الكلام يدلّ على أنَّ العلك في حقّ الرَّجل مباحٌ وخلافُ الأولى وليس مستحباً كما هو في حقّ المرأة؛ لئلا تكون مشابهة بينهم.
قال ابن عابدين (¬3): «وكره للمفطرين؛ لأنَّ الدليل ـ أعني التشبه بالنساء ـ، يقتضي الكراهة في حقهم خالياً عن المعارض، «فتح»، وظاهره أنَّها تحريمية «ط»، وقيل: يباح، هو قول فخر الإسلام حيث قال: وفي كلام محمد إشارة إلى أنَّه لا يكره لغير الصائم، ولكن يُستحبُّ للرِّجال تركه إلا لعذر مثل أن يكون في فمه بخر».
ـ مسألة: لون اللباس كالحمرة والصفرة والمعصفر:
وفي «المحيط»: ويُكره لبس الثَّوب الأحمر والمعصفر ... ؛ لأنَّها كسوة النساء، ويكره التشبه بهنّ (¬4)، فعن علي - رضي الله عنه -، قال: «نهاني النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن القراءة وأنا راكع، وعن لبس الذهب والمعصفر» (¬5): أي الثوب المصبوغ بالعصفر. وكذلك المصبوغ
¬
(¬1) في الهداية1: 123.
(¬2) في فتح القدير1: 207.
(¬3) في رد المحتار2: 417.
(¬4) ينظر: العقود الدرية2: 323.
(¬5) في صحيح مسلم 3: 1648، وسنن الترمذي 4:226.
بالزعفران وأيضاً المصبوغ بالورس، وهو الأصفر، وهذا النهي خاص بالرِّجال (¬1).
ـ مسألة: التَّزين بالخضاب لليد والرِّجل:
فهو مباح للمرأة مكروه للرَّجل؛ لأنَّهم ممنوعون عن مثل هذه الزينة، إلا لأجل التداوي، ولأنَّ ذلك تزيّن، وهو مباح للنساء دون الرِّجال، ولأنَّه تشبه بالنِّساء (¬2).
ـ مسألة: التَّزين بدهن الشارب والحاجب بقصد الزينة:
لأنَّ التَّزين خاصٌّ بالنِّساء، فهي مهما بالغت بالاهتمام بنفسها لزوجها فهو حسن ما لم تظهر به أمام الأجانب، بخلاف الرِّجال فيكون في حقّه التَّجمل، وهو العناية بنفسه ما لم يصل إلى درجة التزين كالنساء ويبقى محافظاً على مروءته، فعنايته بمظهره الذي لا يعدّ خارماً للمروءة يعتبر من التجمّل لا التزين وهو حسن.
قال المَرغينانيُّ (¬3): «ولا بأس بالاكتحال للرِّجال إذا قصد به التداوي دون الزينة، ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة؛ لأنَّه يعمل عمل الخضاب».
وقال ابن الهمام (¬4): «في «الكافي»: يستحب دهن شعر الوجه إذا لم يكن من
¬
(¬1) ينظر: التبيين 6: 230، والبحر الرائق 8: 216.
(¬2) ينظر: منحة السلوك 3: 19، والبحر الرائق 8: 208، ورد المحتار 6: 422.
(¬3) في الهداية 2: 347.
(¬4) في فتح القدير2: 347.
قصده الزينة، به وردت السنة، فقيد بانتفاء هذا القصد فكأنَّه والله أعلم؛ لأنَّه تبرج بالزينة، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره عشر خصال وذكر منها التبرج بالزينة لغير محلها» (¬1).
وعن يحيى بن سعيد أنَّ أبا قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ لي جَمَّةً أفأرجِّلُها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم وأكرمها، فكان أبو قتادة ربّما دهنها في اليوم مرَّتين لما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأكرمها» (¬2).
فإنَّما هو مبالغة من أبي قتادة - رضي الله عنه - في قصد الامتثال لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا لحظ النفس الطالبة للزينة الظاهرة، وذلك لأنَّ الجمال والإكرام المطلوب يتحقق مع دون هذا المقدار ... ، هذا ولا تلازم بين قصد الجمال وقصد الزينة، فالقصدُ الأوّل لدفع الشين وإقامة ما به من الوقار وإظهار النعمة شكراً لا فخراً، وهو أثر أدب النفس وشهامتها، والثاني أثر ضعفها، وقالوا: بالخضاب وردت السُّنة، ولم يكن لقصد الزينة ثم بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصده المطلوب، فلا يضرُّه إذا لم يكن ملتفتاً إليه».
ـ مسألة: أخذ الرَّجل لشعر خديه أو حاجبيه:
فيكره منه ما يكون تشبهاً بالمخنثين، وما لم يصل إلى هذا الحدّ فهو مباح، ولا يوجد فرق بين النتف والحلق في الحكم، ففي «المضمرات»: ولا بأس بأخذ
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 489، والمجتبى 8: 141، ومسند أحمد 1: 380، وصحيح ابن حبان 12: 496.
(¬2) في الموطأ 2: 949.
الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث. اهـ، ومثله في «المجتبى»، وقال الطحطاوي: «ولا بأس بأن يأخذ شعر الحاجبين وشعر وجهه ما لم يتشبه بالمخنثين، ومثله في «الينابيع» و «المضمرات»، والمراد ما يكون مشوهاً؛ لخبر: «لعن الله النامصة والمنتمصة» (¬1)» (¬2).
فهذه الأمثلة توضح وجود علامات فارقة بين الرَّجل والمرأة، مثل التزين فهو خاص بالمرأة، فإن فعله الرَّجل كان متشبهاً، وكذلك التخنيث؛ لأنَّه مشابهة المرأة في سلوكها، فهو من التشبه فيمنع منه، وكل هذا يندرج تحت أصل التشبه الممنوع بين الجنسين.
ـ مسألة: قص المرأة شعر رأسها:
إن قصَّ المرأة لشعر رأسها من المباحات ما لم يشبه شعر الرِّجال؛ لما فيه من صلاح العباد من تزيّن المرأة لزوجها، وقد ورد بعض العبارات في كتب الحنفية تمنع المرأة من حلق شعرها، فاستُنِد في تحريم تقصير المرأة شعرها لها، ولما فيه من التَّشبُّه بغير المسلمين، ومن هذه العبارات:
ذكر في «النَّوازل» في كتاب النكاح: سُئِل أبو بكر الفضلي عن امرأة قطعت شعرها قال: عليها أن تستغفر الله تعالى وتتوب ولا تعود إلى مثله، قيل: فإن فعلت ذلك بإذن زوجها، قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قيل له: لم لا يجوز ذلك لها: قال: لأنَّها شبهت نفسها بالرجال، وقد قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «لعن اللهُ تعالى
¬
(¬1) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(¬2) في حاشية الطحطاوي على المراقي 2: 512. وينظر: الفتاوى الهندية 5: 359، وبريقة محمودية 4: 174، 4: 83.
المتشبهين من الرِّجال بالنِّساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال» (¬1)، ولأنَّ الشَّعر للمرأة بمنزلةِ اللحية للرَّجل، فكما لا يحلّ للرَّجل أن يقطع لحيته لا يحلُّ للمرأة أن تقطع شعرها، قيل له: وإذا وصلت المرأة شعرها بشعر غيرها قال: لا يحلُّ لها ذلك» (¬2).
قال الحَصْكَفيُّ (¬3): «وفي «المجتبى»: «قطعت شعر رأسها أثمت ولعنت، زاد في «البزازية» وإن بإذن الزوج؛ لأنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولذا يحرم على الرَّجل قطع لحيته، والمعنى المؤثر التَّشبُّه بالرِّجال».
ويُمكن مناقشة هذه النُّصوص بما يلي:
أ. إنَّ هذه النصوص في منع المرأة من الحلق في الحجّ كما هو السُّنَّة للرَّجل، قال تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27]، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: والمقصرين» (¬4)، كما ورد عن عليّ - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تحلق المرأة رأسها» (¬5)، فليس على المرأة
¬
(¬1) في صحيح البخاري7: 159، وسنن أبي داود4: 60.
(¬2) ينظر: نصاب الاحتساب ص143.
(¬3) في الدر المختار6: 407.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 945، وصحيح البخاري 2: 616.
(¬5) في سنن الترمذي3: 248، وسنن النسائي الكبرى8: 312، ومسند البزار2: 92، وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحداً تابع معلى بن عبد الرحمن على روايته وقد حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِأَحَادِيثَ لَمْ يُتَابَعْ عليها.
للتَّحلُّل أن تحلقَ شعر رأسها، كما هو الحال للرَّجل؛ لأنَّ شعرَ رأسها زينة لها، ولم تؤمر بإزالة زينتها للتَّحلل، كما أنَّ اللحية للرَّجل زينة له فلم يؤمر عند التَّحلل بحلقها، فكان حلق شعر رأسها من المثلة لها، قال المَرغينانيُّ (¬1): «ولأنَّ حلق الشَّعر في حقِّها مثلة، كحلق اللحية في حق الرِّجال».
ب. إنَّ الحلقَ ممنوعٌ للمرأة لما فيه الشناعة والبشاعة للمرأة، فيذهب جمالها وزينتها، قال السَّرَخْسيّ (¬2): «ولأنَّ الحلق في حقها مثلة، والمثلة حرام، وشعر الرأس زينة لها كاللحية للرَّجل فكما لا يحلق الرَّجل لحيته عند الخروج من الإحرام لا تحلق هي رأسها»، وقال القاري (¬3): «وذلك لأنَّ الذوائب للنساء كاللحى للرِّجال في الهيئة والجمال».
وهذا يبيّن لنا أنَّ المنع من الحلق كيلا يؤدي إلى إزالة زينة المرأة، ويعتبر من التَّمثيل بها: كحلق الرأس تماماً مثلاً، أو التقصير بما يشبه الرِّجال، وأمَّا ما يعدُّ من التقصير من باب زيادة جمال المرأة ويُرغب الرَّجل فيهافلا شكّ أنَّه مستحنٌ لا سيما إذا طلب منها زوجها ذلك.
ج. إن مصطلح الحلق يستخدم ويُراد به إزالة الشَّعر تماماً، وهذا ممنوعٌ، وليس المقصود به تقصير المرأة للتزيُّن لزوجها، فيكون المقصود بقطعت شعرها: أي حلقته، والتَّقصير بقصِّ بعض الشَّعر حاصلٌ في كلّ زمان ومكان للمرأة؛ لأنَّ
¬
(¬1) في الهداية4: 274، مع البناية.
(¬2) في المبسوط4: 33.
(¬3) في مرقاة المفاتيح7: 2845.
المرأة لا بُدّ لها في كلِّ مدّة من الزَّمن أن تزيلَ الزَّائدَ من شعر رأسها، ويرجع مقداره للعرف في ذلك بما لا يؤدّي إلى إزالة زينتها، فعُلِم أنَّ التَّقصير غير مقصود من المنع عند الفقهاء.
د. إن استدلال الفقهاء: لا طاعة لمخلوق ... ولعن الله تعالى المتشبهين .... يدلُّ على أنَّها شابهت الرَّجل بأن حلقت تماماً أو قصّرت مثل الرَّجل وأزالت جمالها، فكان ما تفعله معصية، بخلاف ما لو قصّرت شعرها بما يزيد جمالها في نظر زوجها، فلن تكون واقعة تحت هذا النهي.
هـ. صرَّح الفقهاء أنَّ العلة المؤثرة في تحقيق الإثم هو تشبه المرأة بالرَّجل، وهذا يكون بالحلق والتَّقصير بما يشبه الرِّجال، قال ابن عابدين (¬1): «العلة المؤثرة في إثمها التَّشبُّه بالرِّجال، فإنَّه لا يجوز كالتَّشبه بالنَّساء»، وانتفاء التشبه في تقصيرها ينفي الإثم.
و. إن الكتب التي ذكرت هذا سواء «النوازل» أو «البزازية» فإنَّها من كتب الفتاوى، ومعلوم أنَّه لا يؤخذ بكلِّ ما فيها ما لم نجد لها أصلاً فقهياً نبني الحكم عليه، قال ابن عابدين: «ولهذا صرَّح علماؤنا بأنَّه لا يُفتى بما في كتب الفتاوى إذا خالف ما في المتون والشروح، وقد ذكر الإمام قاضي القضاة شمس الدّين الحريريّ أحد شرّاح «الهداية» في كتابه «إيضاح الاستدلال على إبطال الاستبدال» نقلاً عن الإمام صدر الدين سليمان: أنَّ هذه الفتاوى اختيارات المشايخ، فلا تُعارض كتب المذهب، قال: وكذا كان يقول غيره من مشايخنا، وبه أقول
¬
(¬1) في رد المحتار6: 407.
أيضاً» (¬1).وقال اللكنويّ: «ينبغي للمفتي أن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كلِّ كتاب، لا سيما الفتاوى التي هي كالصحاري ما لم يعلم حال مؤلفه وجلالة قدره» (¬2).
س. إنَّ هذا المسألة نقلت في الكتب غير المحققة والمنقحة مسائلها مثل: «المجتبى» و «الدر المختار» للحصكفي، قال اللكنوي: «طالعت «القنية» و «المجتبى» فوجدتهما على المسائل الغريبة حاويين، ولتفصيل الفوائد كافيين، إلا أنَّه صرَّح ابن وهبان وغيره: أنَّه معتزلي الاعتقاد، حنفي الفروع، وتصانيفه غير معتبرة ما لم يوجد مطابقتها لغيرها؛ لكونها جامعة للرطب واليابس» (¬3).وقال ابن عابدين: ««الدر المختار»، و «الأشباه والنظائر» ونحوها فإنَّها لشدة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز مع ما اشتملت عليه من السقط في النقل في مواضع كثيرة وترجيح ما هو خلاف الرَّاجح، بل ترجيح ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب» (¬4)، والله أعلم وعلمه أحكم.
ـ مسألة: حلق الرجل لحيته وتقصيرها:
فإن كان في العرف أنَّ حالق لحيته متشبهاً بالنِّساء في نظر المجتمع فيلحق بالتَّشبه بالنساء، ويكون عليه حكم التشبه من الكراهة التنزيهة في مشابهة الفعل
¬
(¬1) ينظر: تنبيه الولاة و الحكام ص 366.
(¬2) ينظر: النافع الكبير ص26.
(¬3) الفوائد البهية ص349.
(¬4) شرح عقود رسم المفتي 1: 13.
أو الكراهة التحريمة إن وجد القصد منه، ما لم يصل التشبه بالنساء في حلق اللحية إلى كونه خارم للمروءة، فحينئذ يكون مكروهاً تحريماً.
ولا شك أنَّ تطبيق مثل هذا الأصل يتفاوت من مجتمع لآخر، والظاهر أنَّ عامة المجتمعات في هذا العصر لم يَعد الحلق للحية تشبهاً بالنساء فيها، وبالتالي لا يتأثر بأحكام التَّشبُّه بالنساء، وإن وجدنا مجتمعاً يعدّ الحلق من التشبه بالنساء فينطبق عليه حكمه السابق، والله أعلم.
وقد تعارضت بعض النصوص من كتب متأخري الحنفية فيما يتعلق بحلق أو تقصير اللحية، فمرّ في المسألة السابقة حرمة ذلك عن «البزازية» و «النوازل».
وظهر لنا في مسألة تقصير المرأة شعرها أنَّ مبنى المسألة على المثلة؛ لما فيها من التَّقبيح للمرأة وإزالة جمالها، فيكون هذا المعنى موجوداً في اللحية كذلك، وقضية القبح والجمال مردها للعرف إجمالاً، فإن كان تقصير الرَّجل لحيته أو حلقها لا يعد مثلة في العرف، لم تعد هذا الحرمة قائمة، وهذا ما أجاب به ابن العماد عندما «سئل في شهادة محلوق اللحية هل تقبل أم لا؟ فقال: لم أجد نقلاً صريحاً في المسألة مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، فإن كان حلق اللحية يُخِلُّ بالمروءة يُمنع القبول، وإلا فلا، قال في «المنح» ما يُخِلُّ بالمروءة يمنع قبولها، والمروءة أن لا يأتي الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل اهـ، ومثله في «البحر»، قال في «غاية البيان»: قال محمد: وعندي المروءة الدِّين والصلاح» (¬1)، ومعلوم أنَّ المروءة مرجعها للعرف.
¬
(¬1) ينظر: تنقيح الفتاوى الحامدية1: 429، ولم يوافق ابن عابدين ابن العماد على التأصيل للحية، والفقه في المسألة مع ابن العماد، والله أعلم.
وما ورد في بعض روايات أحاديث اللحية يبين أنَّ السبب في إعفاء اللحية، هو مخالفة المشركين، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» (¬1)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» (¬2)، قال ابن الهمام (¬3): «فهذه الجملة واقعة موقع التعليل»: أي جملة: «خالفوا المشركين»، أو «خالفوا المجوس».
وهذا صريحٌ في النَّصّ بأنَّ علَّةَ الإعفاء هي المخالفةُ لغير المسلمين على اختلاف أصنافهم من مشركين أو مجوس أو أهل كتاب، وهذه العلَّة في المخالفة تفيد الإثم إن كان حلق اللحية شعاراً لهم ويقصد التشبه بهم ويفعله ابتداءً وليس عرفاً عاماً في المجتمع، ولم يبق شيءٌ من هذه الضوابط عموماً، فلم يعد الحلق شعاراً لغير المسلمين، بل إنَّ رجال الدِّين عندهم مشهورون بإطالة اللحى فأصبحت المخالفة تقضتي عدم الإطالة، ولا يُقصد التشبه بغير المسلمين في الحلق، وصار الحلق والتقصير عرفاً عاماً في المجتمع، فلم يبق الحكم لهذه العلة كما كان، والله أعلم.
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 222.
(¬2) في صحيح مسلم1: 222.
(¬3) في فتح القدير2: 348.
المبحث الثاني
قاعدة الضرورة
تُعَدُّ الضرورة من الأصل الكبير في قواعد علم رسم المفتي، ومعلومٌ أنَّ الضرورة مغيرةٌ للأحكام بخلاف العرف فإنَّه معرف للأحكام.
وتغيير الضَّرورة للأحكام كما في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119]، فعندما حصلت ضرورة تغير الحكم، فجاز أكل الميتة والخنزير وشرب الخمر.
ويندرج تحت الضرورة أصول عديدة، ونقتصرهاهنا على عرض تطبيقين من أصول الضَّرورة، وهما:
* الأصل الأوّل: عموم البلوى:
إنّ الكلامَ عن عموم البلوى متشعبٌ وطويلٌ؛ لما له من أهميةٍ كبيرةٍ في تطبيق الأحكام الشَّرعية، فأحد قواعد علم رسم المفتي هو عموم البلوى، وهو متفرِّعٌ عن الضرورة.
وعموم البلوى يظهر فيها معنى الضَّرورة فتأخذ حكمها، كما هو الحال في الهرة فبسبب عموم البلوى فيها، وأنها تكثر في البيوت وتشرب من مائها، تغيّر
حكمها من نجسة لطاهرة؛ رفعاً للحرج، فعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات» (¬1).
والأمرُ الذي تعمّ به البلوى: هو ما يحتاج إليه الخاصّ والعامّ، أو ما تمسّ به الحاجة في الأحوال الأكثرية، أو ما لا يُمكن الاحتراز عنه، أو ما عسر الاجتناب عنه (¬2).
والأَولى في تعريفه: تأثير شيوع ما هو مخالفٌ لأصل شرعيّ إن أُلحق بأصل شرعيّ آخر يجوِّزه.
ومن أمثلة ذلك:
ـ مسألة: الهرة بسبب انتشارها في البيوت انتقلت من النَّجاسة؛ لأنها غير مأكولة اللحم إلى الطهارة؛ لوجود الضرورة.
ـ مسألة: الأرواث في الطُّرقات انتقلت من النَّجاسة إلى العفو فيها؛ لتعذُّر صيانة الخفاف والنعال عنها، فتحقَّقت فيها الضَّرورة لعموم البلوى بها، بخلاف خرء الدجاج والعذرة؛ لأن ذلك قلما يكون في الطرق، فلا تعم البلوى بإصابته، وبخلاف بول ما يؤكل لحمه؛ لأن ذلك تنشفه الأرض ويجف بها فلا تكثر إصابته الخفاف والنعال (¬3)، فعن محمد - رضي الله عنه -: أنه لما دخل الري ورأى البلوى أفتى بأن الكثير
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 1: 55، وصحيح ابن حبان 4: 115، وسنن الترمذي 1: 151، وصححه.
(¬2) ينظر: ترويح الجنان ص31.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع1: 81.
الفاحش لا يمنع أيضاً، وقاسوا عليه طين بخارى، وعند ذلك رجوعه في الخف يروى (¬1).
ـ مسألة: طهارة الماء رغم مروره على نجاسة، كماء الثلج إذا جرى على طريق فيه سرقين ونجاسة إن تغيبت النجاسة واختلطت حتى لا يرى أثرها يتوضأ منه ولو كان جميع بطن النهر نجساً، فإن كان الماء كثيراً لا يرى ما تحته فهو طاهر، وإن كان يرى فهو نجس، وفي «الملتقط» قال بعض المشايخ: الماء طاهر، وإن قلّ إذا كان جارياً، قال العمادي: وهذه المسائل يستأنس بها لما عمت به البلوى في بلادنا من اعتيادهم إجراء الماء بسرقين الدواب (¬2).
واتفاق الأئمة الثلاثة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد على أنَّ عموم البلوى سبب للتخفيف في الأحكام الشرعية، فيقع الاتفاق على صدق القضية المشهورة، وهي أنَّ ما عمت بليته خفت قضيته (¬3).
ـ مسألة: لبس الحرير فالمعتمد حرمة لبسها للرَّجل سواء كانت ملتصقةً على الجسم أو يوجد حائل بينها وبين الجسم، وعن أبي حنيفة: إنَّما يحرم إذا مست الجلد. قال في «القنية»: وهي رخصةٌ عظيمةٌ في موضع عَمَّت به البلوى (¬4)، فلا
¬
(¬1) ينظر: الهداية1: 206.
(¬2) منحة الخالق1: 89.
(¬3) ينظر: البحر1: 241، والدر المختار 1: 316.
(¬4) ينظر: رد المحتار1: 351.
يكره لبس الحرير إذا لم يتصل بجلده حتى لو لبسه فوق قميص من غزل أو نحوه لا يكره (¬1).
ـ مسألة: النجاسة الرطبة التي تصيب الخفّ فلا تطهر إلا بالغسل، وعند أبي يوسف إذا مسحه بالأرض حتى لم يبق أثر النجاسة يطهر؛ لعموم البلوى (¬2).
ـ مسألة: بيع الثمر على الشجر بشرط الترك فإن لم يكن تناهى عظمه فالبيع فاسد عند الكلّ، وإن كان قد تناهى عظمه فهو فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو القياس، ويجوز عند محمد استحساناً، واختاره الطحاوي؛ لعموم البلوى (¬3).
ـ مسألة: النذر بشرط ووجد الشرط وفّى بالمنذور وإن علَّقه بشرط لا يريد كونه: كإن شربت الخمر فعليّ ألف دينار، وعن أبي حنيفة: أنّه مخيّر بين الوفاء أو الكفّارة؛ لأنَّ فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره نذرٌ، فيتخيّر ويميل إلى أي الجهتين شاء بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام معنى اليمين فيه، قال في «الهداية» وهذا التفصيل هو الصحيح وبه كان يفتي إسماعيل الزاهد كما في «الظهيرية»، وقال الولوالجي: مشايخ بلخ وبخارى يفتون بهذا، وهو اختيار شمس الأئمة؛ لكثرة البلوى في هذا الزمان (¬4).
¬
(¬1) ينظر: لسان الحكام1: 378.
(¬2) ينظر: الهداية1: 36.
(¬3) ينظر: فتح القدير6: 287.
(¬4) ينظر: البحر الرائق4: 320، ومن قواعد المتقدمين: أنَّ المعتبر عدم الفساد عند عدم تغيّر المعنى كثيراً وجود المثل في القرآن عند أبي يوسف، والموافقة في المعنى عندهما.
ـ مسألة: زلة القارئ: توسع المتأخرون: كابن مقاتل وابن سلام وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني، بخلاف المتقدمين: كأبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد، فقالوا: إنَّ الخطأ في الإعراب لا يفسد مطلقاً ولو كان اعتقاده كفراً؛ لأنَّ أكثر النَّاس لا يميزون بين وجوه الإعراب. قال قاضي خان: وما قال المتأخرون أوسع، وما قاله المتقدمون أحوط؛ وإن كان الخطأ بإبدال حرف بحرف، فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة كالصاد مع الطاء بأن قرأ الطالحات مكان الصالحات فاتفقوا على أنَّه مفسد، وإن لم يمكن إلا بمشقة كالظاء مع الضاد والصاد مع السِّين فأكثرهم على عدم الفساد؛ لعموم البلوى (¬1).
ـ مسألة: إجارة القناة مع الماء يفتى بالجواز؛ لعموم البلوى، والأصلُ عدم الجواز؛ لوقوع الإجارة على استهلاك العين مقصوداً إلا إذا آجر الأرض، فحينئذٍ يدخل الماء تبعاً فيجوز (¬2).
ـ مسألة: المزارعة والمساقاة يفتى بقول أبي يوسف ومحمد؛ لمكان الضرورة والبلوى (¬3).
ففي هذه المسائل على اختلافها كانت المسألة من وجه أو قول لا تجوز، ومن وجه آخر أو قول آخر تجوز، فأثر عموم البلوى في اختيار الجواز وتقديمه على غيره، سواء كانت إحداهما قياس والأخرى استحسان، أو إحداهما قول لمجتهدٍ والأخرى قول لمجتهد آخر.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار1: 631.
(¬2) ينظر: الدر المختار6: 36.
(¬3) ينظر: التبيين5: 125.
وأما قصر تأثير البلوى على أبواب الطهارة والنجاسة؛ لأنَّها من الأعمال المتكررة في حياة المسلم ويحتاج إليها يومياً مع تكرارها في اليوم الواحد، كما قال اللكنوي (¬1): «إنَّ عموم البلوى، إنَّما يؤثر في باب الطهارة والنجاسة، لا في باب الحرمة والإباحة، صرَّح به الجماعة ..... ، ولو فرض صحة ذلك للزم إباحة المنكرات التي عمّت به البلوى: كالغيبة، وأكل الربا، واستماع الملاهي، وغير ذلك من الأمور المنهية».
وهذا محلُّ نظر؛ لأنَّ ما سبق ذكره لشمول عموم البلوى لعامة أبواب الفقه من اليمين والبيوع والإجارة والمزارعة والمساقاة والصَّلاة واللباس ينفي هذا التخصيص بأبواب الطَّهارة والنَّجاسة، ولا تحصل بذلك إباحة جميع المنكرات؛ لأنَّ شرط الجواز بعموم البلوى وجود قول مجتهد فيها أو أصل فقهيّ معتبر يبنى عليه الحكم بالجواز لعموم البلوى، والغيبة والربا والملاهي لا وجه لاعتبارها؛ لكثرة فسادها وضررها، وقوة أدلة حرمتها.
• • •
¬
(¬1) في ترويح الجنان ص31.
* الأصل الثاني: تأثير المشقّة في الطهارة (¬1):
ونعرض ما يتعلق بالمشقّة في النقاط الآتية:
أولاً: معنى المشقّة لغة واصطلاحاً:
لغة: الجهد والعناء، والتعب، والشدة، والأمر الصعب، والشدة، والجهد، والعناء (¬2)، وهي تدل على معاني متقاربة.
واصطلاحاً: الصعوبة والعَنَاء الخارجان عن الحدّ المحتمل في العادة، وأيضاً يعرفونها: بالصعوبة التي تصادف الشيء (¬3)، فالمشقة المعتبرة في التعريف ما كانت خارجة عن العمل، فلا تدخل المشقة الملازمة للعبادة والتي لا تنفك عنها.
ثانياً: أدلة اعتبار المشقة المغيرة للأحكام:
لا يخفى على النَّاظر في نصوص الكتاب والسُّنة كثرة مراعاة النُّصوص لجانب التَّيسير والتَّخفيف في الأحكام، وأنّ الأصلَ في التَّشريع هو التَّيسير والتَّسهيل، وأن المشقة غير مرادة في التشريعات؛ فإن وجدت في بعضها كان تبعاً لا قصداً.
أمّا النَّصوص الواردة في التَّيسير وترك المشقة والتعسير فكثيرة جداً،
¬
(¬1) كل بحث المشقة في الطهارة مستخلص من بحث الدكتور محمد النجار: ضابط المشقة المغير للأحكام عند الحنفية، وتطبيقاتها في باب الطهارة.
(¬2) ينظر: القاموس المحيط 7: 534.
(¬3) ينظر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 1: 35.
ويُمكن ذكر بعضها كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقوله - عز وجل -: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء:28]، وقوله سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة:6].
أما ما جاء في السنة من أحاديث التَّيسير ورفع الحرج فكثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بالحنيفية السمحة» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة» (¬2)، وقد خرّج الفقهاء على هذه القاعدة جميع الرخص الشرعية وتخفيفاتها (¬3).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» (¬4).
ثالثاً: ضابط المشقة المغيرة المعتبرة:
حتى تعتبر المشقة مغيرة ومؤثرة على الحكم بالتخفيف أو الإلغاء لا بد من توفر عدة شروط فيها، ويتناول هذا المطلب أهم هذه الشروط وهي:
1.أن لا تصادم نصاً شرعياً، وأن لا يعود اعتبارها لإلغاء النص الشرعي:
لا تخلو تكاليف الشارع الحكيم من مشقةٍ لا تنفك عنها العبادة، فإذا جاء
¬
(¬1) في مسند أحمد 35: 623.
(¬2) في المعجم الأوسط 7: 229.
(¬3) ينظر: الأشباه والنظائر ص 64.
(¬4) في صحيح البخاري 4: 189.
النص الشرعي بتكليف عبادةٍ، وهذه العبادة يترتب على أدائها الوقوع في المشقة، وهذه المشقة مما لا تنفك عنه العبادة، ولا يمكن أداء العبادة إلا بوجودها، فلا يمكن أن نقول بإلغاء هذه المشقة وسقوطها لأنّ تركها هو تركٌ للنص الشرعي، فإذا تُركت المشقة تُركت العبادة فأدى إلى ترك النص لا محالة.
قال ابنُ نُجيم (¬1): «المشقّة والحرج، إنما يُعتبران في موضع لا نصّ فيه».
وقال علي حيدر (¬2): «يجب أن يُعلم أنّ المشقة تجلب التيسير إذا لم يوجد نص، وأما إذا وجد النص، فلا يجوز العمل خلاف ذلك النص بداعي جلب التيسير وإزالة المشقة».
بناءً على هذا إذا كانت المشقة غير منصوص عليها، بأن لم يرد في الشرع الأمر بها، وكانت خارجة عن العبادة، بأن أمكن تأدية العبادة بدون هذه المشقة وكانت منفكة عن العبادة، كالصلاة في الحرِّ والبرد، والمشقة الواقعة في السفر لأداء مناسك الحج، والوضوء والغسل بالماء البارد، حينئذٍ جاز لنا أن نعتبر هذه المشقة سبباً في تخفيف الحكم؛ لأن هذه المشقة غير مقصودة ولا منصوص عليها.
2. أن تكون المشقّة خارجة عن العبادة، بحيث يمكن أن تنفك عنها العبادة:
حتى تعتبر المشقة مؤثرة على الحكم لا بد أن تكون خارجة عن العبادة، ويمكن أداء العبادة بدونها، أما المشاق الداخلة في حقيقة العبادة بحيث لا يمكن
¬
(¬1) في الأشباه والنظائر ص72.
(¬2) درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 1: 36.
أداء العبادة إلا بها فهذه المشقة لا تعتبر أبداً في تغيير الحكم أو إسقاطه، لأن سقوط المشقة يعني سقوط العبادة.
فالمشاق بحسب انفكاكها عن العبادة على نوعين:
النوع الأول: إما أن لا تنفك عنها العبادة أبداً، بحيث لا يمكن تأدية العبادة إلا مع وجود المشقة، فهذه المشقة لا أثر لها ولا تأثير في إسقاط العبادة أبداً، قال ابن نجيم: «المشاق على قسمين: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً، كمشقة البرد في الوضوء والغُسل ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحد ورجم الزناة، وقتل الجناة وقتال البغاة، فلا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات» (¬1).
والنوع الثاني: أن تكون المشقّة خارجة عن العبادة، بحيث يمكن انفكاكها عن العبادة غالباً، هذا النوع يمكن للمشقة أن تؤثر فيه على الحكم وتغيره؛ لأن المشقة جاءت بسبب خارج عن العبادة.
3.أن تكون المشقة كبيرة غير محتملة أو يمكن احتمالها ولكن مع لحوق ضرر:
وهذه المشقة الخارجة عن العبادة والطارئة عليها تنقسم بحسب قوتها وضعفها على ثلاث مراتب وهي:
أ. مشقة عظيمة فادحة، يظهر أثرها في هلاك النفس أو فوات الأطراف ومنافع الأعضاء، فهذه المشقة معتبرة وموجبة للتخفيف، ويسقط بسببها وجوب
¬
(¬1) ينظر: الأشباه والنظائر ص70 - 71.