طرق معالجة الجرأة على الفتوى ...
.. ومعرفة الفقيه المفتي المعتبر
جارٍ تحميل الكتاب…
طرق معالجة الجرأة على الفتوى ...
.. ومعرفة الفقيه المفتي المعتبر
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
طرق معالجة الجرأة على الفتوى
ومعرفة الفقيه المفتي المعتبر
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
خلاصة البحث:
في هذا البحث بيان لأهمية الفتوى في الإسلام، وأن الجرأة عليها لمَن ليس أهلاً لها أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جبّار عنيد، فهو متقوّل على الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بغير علم، وهذا كبيرة من الكبائر، وأثره في ضياع المجتمع وفساده كبير؛ إذ به تستحل المحرمات، وتحرم المباحات، ويعيش الناس في ضنك شديد.
وإن طريق قرآننا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ترك هذه الجرأة، وهذا ما سلكه الصحابة والتابعون وأئمة هذا الدين - رضي الله عنهم -، وتواتر عنهم التحذير من هذا الأمر الخطير، وقد اتبعوا طرقاً ومناهج للخروج من هذا السبيل: كتربية أنفسهم وتلامذتهم على قول: لا أدري، وعدم تولي الإفتاء إلا مَن كان أهلاً، وتحمل الجهات المسؤولة مسؤوليتها في تتبع المفتين وأحوالهم، والتزام منهجية واضحة للمفتي في كل مذهب فقهي بمراعاة قواعده وضوابطه.
وينبغي التفريق بين العلم والوعظ، فليس كلّ واعظ عالم، ولا بُدّ من الاعتراف لأهل العلم الشرعي عامّة والفقه خاصة بالتخصّص، بعدم التعدي من الآخرين غير المؤهلين للكلام والإفتاء في العلوم الشرعية؛ لأنه إخبار عن حكم الله - جل جلاله -، ولا يملكه إلا مَن دَرَسَ وضَبَطَ وتخصَّصَ وتأهَّلَ لهذا العلم الشريف.
والاعتراف للعالم بعلمه في الفقه ينبغي أن يتقيّدَ بأن يكون من أهل الورع والتقوى ممَّن يعمل بعلمه، وأن يكون عالماً وضابطاً لما يقوله ويعلمه، وملتزماً بقواعد العلم من خلال تقيّده بأحد المذاهب الأربعة المعتمدة، وأن لا يخرج في فتاواه عنها، ولا يأخذ بالشاذ والضعيف في العلم.
وهذه أقل الضوابط لمَن ينبغي عدّه في زمرة العلماء الفقهاء، ومَن دونه فعلمه وكلامه كسراب بقيع، يحسبه الظمآن ماء؛ لأن العالم هو التقي الضابط لما يقوله الملتزم بقواعد العلم في مذهب معتمد، غير خارج في فتواه عن المذاهب المعترف بها، ولا آخذ بالشاذّ والضعيف منها.
* * *
Research Summary
Research in this statement of the importance of the fatwa in Islam, and that courage is not eligible for it is great not only dared each Jabbar stubborn, he Mottagol against God and His Messenger peace be upon him without knowledge, and this wide range of sins, and its impact on the loss of society and the corruption is large; as the Tsthal taboos, deny Alambahat, and people live in severe distress.
The path our Quran and our Prophet peace be upon him years to leave the courage, and this is what the prophet, and have taken and imams of this debt, and the frequency of them warning of this serious matter, and follow the ways and methods to get out of this way: the education of themselves and their students to say: I do not know, and not only give an advisory opinion who
was eligible, and bear the responsibility of agencies responsible for tracking and their muftis, and a commitment to a systematic and clear in each of the Mufti of jurisprudential doctrine of the observance of rules and controls.
It should be a distinction between science and preaching, it is not a preacher and all the world, and it must be recognized for the people of forensic science in general and in particular the doctrine specialization, not to abuse other non-qualified to speak at the advisory and forensic science; that tell about the rule of God, not only owned the lesson and to control and allocate qualified for this science. And the recognition of knowledge in the world should adhere to the doctrine that the people of righteousness and piety, who is working knowledge, and that scientists and officers know what to say and, committed to the rules of science through its adherence to one of
four schools adopted, and not come out them, and does not take strange and weak science .
This is the least controls who should be in the group of scientists scholars; because the scientst is met with the officer what the rules of science in the religious doctrine certified, but outside of the fatwa on the doctrines recognized, nor is strange and the weak, including .
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
نطالع في واقعنا جرأة على دين الله - جل جلاله - لا مثيل لها، فكلّ ناعق يتكلّم بما شاء فيما شاء من أحكام شرع الله - عز وجل - من غير علم ولا معرفة، فمن أعجب ما نرى إذا ما طرحت مسألة شرعية يتسابق الحاضرون للخوض فيها، وكأن أحكام الدين مشاعة ومباحة ومبتذلة لكلّ أحد من غير ضبط ولا قيد.
فيقول أحدهم: من وجهة نظري كذا، ويقول: آخر من وجهة نظري كذا، وهكذا، وكأن الدين الذي نزل على سيدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة صار عبارة عن وجهات نظر!.
فإنّ مَن يسلك هذا الطريق قد نصَّب نفسه مشرعاً بدل الحقّ - جل جلاله -؛ لما تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» (¬1) وغيره، وأي افتراء أعظم على الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من الكلام في دين الله - عز وجل - بغير علم.
¬
(¬1) في صحيح مسلم (4: 2298).
وأمر الفتوى في دين الله - جل جلاله - عظيم وخطير؛ لتعلق فلاح المسلم في دنياه وأخراه به؛ لأن انتظامَ الحياة البشرية بطريقة سوية مترتِّب على التزام المرء بأحكام ربّه - عز وجل -، وكذا تحقيق رضا الله - جل جلاله - ودخول جنّته.
ولما يتعلّق بها من المخاطر الجسيمة من ضياع الدين والعرض والنفس؛ إذ بتخبّط الناس في الفتيا وولوجها ممّن ليسوا أهلاً لها فأحلوا الحرام وحرموا الحلال حتى أباحَ بعضهم صوراً من الزنا، وآخر صوراً من الربا، وأجاز آخرون قتل النفس وأخذ المال لأدنى سبب.
ففي هذا البحث نعالج مشكلة الجرأة على الفتوى، والسبل الناجعة للخروج منها بنصوص قرآنية ونبوية وفقهية وتجارب وحكم لأهل الشأن.
والفتوى لغة: من الإفتاء. يقال: أفتيته فتوى إذا أجبته عن مسألته، واصطلاحاً: بيان الحكم الشرعي عند السؤال، وقد يكون بغير سؤال ببيان حكم النازلة لتصحيح أوضاع الناس وتصرفاتهم (¬1).
والجرأة على الفتوى بمعنى الإقدام على إجابة السائل عن حكم شرعي من غير تثبت وتدبّر (¬2).
وفي القرآن الكريم نهي عن الجرأة على الفتوى ترشد إليها الآيات الدالة على أن علم الإنسان قليل ومحدود كقوله - جل جلاله -: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ
¬
(¬1) ينظر: قرار رقم (153) (2/ 17) فقرة (أولاً) لمجلس مجمع الفقه الإسلامي.
(¬2) ينظر: فيض القدير (1: 205).
الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} (¬1). وقوله - عز وجل -: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (¬2). وقوله - جل جلاله -: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (¬3).
فطالما أن علم الإنسان قليل يجب عليه أن لا يتكلّم فيما لا يعلم؛ لا سيما أنّ الله - جل جلاله - أمره بالسؤال والرجوع إلى أهل الاختصاص في كل علم وفنّ فقال - عز وجل -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬4).
فلم يعد مستحسناً عند ذوي العقول الخوض فيما لا يعلم، لا سيما في دين الله - جل جلاله -؛ لأنه افتراء على الله - عز وجل -؛ لقوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} (¬5)، وقوله - عز وجل -: {آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} (¬6).
قال الإمام الزمخشري (¬7): «كفى بهذه الآية زاجرةً زجراً بليغاً عن التجوّز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن
¬
(¬1) الإسراء: 85.
(¬2) يوسف: 76.
(¬3) طه: 114.
(¬4) النحل: 43.
(¬5) النحل:116.
(¬6) يونس: 9.
(¬7) في الكشاف (3: 31).
لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومَن لم يوقن فليتق الله - عز وجل - وليصمت، وإلا فهو مفترٍ على الله تعالى».
والتجرؤ على الفتوى يكون إفتاء بغير علم، وهذا من الكبائر؛ لأنه يتضمن الكذب على الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويتضمَّن إضلال الناس، قال - جل جلاله -: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (¬1)؛ إذ قرنه بالفواحش والبغي والشرك (¬2).
ولم يقف النهي على هذا التجرؤ على نصوص القرآن، بل إن السنّة النبوية مشحونة بالعديد من الأحاديث المرشدة إلى ذلك منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أُفتي بفُتيا غير ثَبت، فإنّما إثمه على الذي أفتاه» (¬3)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللهَ لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا» (¬4).
¬
(¬1) الأعراف:33.
(¬2) الموسوعة الفقهية الكويتية (32: 23).
(¬3) في سنن ابن ماجة (1: 20)، ومسند أحمد (2: 321)، وسنن الدارمي (1: 69)، والمستدرك (1: 183).
(¬4) في صحيح البخاري (1: 50)، وصحيح مسلم (4: 2058).
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» (¬1): أي: أقدمكم على دخولها؛ لأن المفتي مبيِّنٌ عن الله - جل جلاله - حكمه، فإذا أفتى على جهل أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبّار (¬2).
وبيَّن - صلى الله عليه وسلم - أن طريقَ العلم السؤال لا التهجّم عليه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العيّ السؤال» (¬3)، قال الشيخ عطية صقر (¬4): «هذه بعض النصوص التى تدلّ على أن الإنسان مهما بلغ من العلم فلن يحيط بكلّ شىء علماً، وأن الجاهلَ بالحكم يجب عليه أن يسأل المختصّين، ومَن أفتى بغير علم فقد كذب على الله - جل جلاله - وعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ضَلَّ فى نفسه طريق الحقّ، وأضلّ غيرَه عنه ... ولهذا لا يجوز لأحد أن يفتي بغير علم ...
والنبى - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الروح وعن أهل الكهف وعن ذى القرنين، فلم يجب حتى نزل عليه الوحي، غير عابئ بما يقوله المشركون والأعداء
¬
(¬1) رواه ابن عدي عن عبد بن جعفر مرسلاً كما في كشف الخفاء (1: 51).
(¬2) ينظر: فيض القدير (1: 205).
(¬3) في سنن أبي داود (1: 93)، وسنن البيهقي الكبير (1: 277)، وسنن الدارقطني (1: 189).
(¬4) في فتاوى الأزهر (10: 197).
عندما تأخّر الوحي عن الإجابة، ولَمَّا سُئل عن خير البقاع وشرها قال: حتى أسأل جبريل.
فعن ابن عمر - رضي الله عنه -: «إن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي البقاع شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل. فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل. فجاء فقال: خير البقاع المساجد وشرها الأسواق» (¬1)، وهو بهذا يقف عند حدِّ علمه، ويرسم للناس مَن بعده الطريق الأمثل لنشر العلم والإجابة على الأسئلة.
ومَن أراد سلوك طريق السلف من الصحابة وتابعيهم - رضي الله عنهم - في هذا الباب فسيجد أن فعلَهم وقولَهم يَدلّ على اجتناب الخوض في أمر دون علم فيه، والتهيب من أمر الفتوى، قال البَرَاء بن عازِب - رضي الله عنه -: «لقد رأيتُ ثلاثمئة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحبّ أن يكفيه صاحبه الفتوى» (¬2).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه - قال: «أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة، فيردّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول»، وفي رواية: «أدركت
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان (4: 476).
(¬2) في الفقيه والمتفقه (2: 165).
عشرين ومئة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا» (¬1).
فهؤلاء الذين ربَّاهم خيرُ الخلق سيّدُنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينظرون إلى خطورة أمر الفتوى، ويحترزون عنه مع أهليتهم له خشية الخطأ، وخوفاً من الله - جل جلاله - بالتكلّم في دينه بغير علم، وقارن حالهم بحال أهل زماننا كما فعل الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «ولولا خوف السلف من إثم كتم العلم لَمَا كانوا يتصدّون للإفتاء بالمرّة، وفي هذا الصدد روايات كثيرة عن رجال الصدر الأول تدلّ على مبلغ احترازهم من تبعة الإفتاء.
ولكن نرى الناس اليوم على خلاف ذلك يتزاحمون على الفتيا ويتسابقون في حمل التبعة، فما من مجلة أو صحيفة في البلد إلا وفيها فتاوى عن مسائل، وكذلك ليس لطائفة اللامذهبية مجلس وعظ وتذكير إلا وفيه افتئات على الفتوى في التوحيد والفقه، حتى أن الكاتب البسيط لا يرى بأساً أن يفتي الناس في أعوص المسائل وأكثرها تشعّباً ... ».
وقول هؤلاء العظام من السلف كفعلهم من التحذير في التجرؤ على دين الله - جل جلاله -، فعن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -: «مَن أفتى عن كلِّ ما سُئِلَ فهو مجنون» (¬3).
¬
(¬1) في الزهد لابن المبارك (1: 19)،وسنن الترمذي (5: 504)، والمجموع (1: 73).
(¬2) في المقالات في مقال خطورة التسرع في الإفتاء (ص228).
(¬3) ينظر: المجموع (1: 73)، وأصول الإفتاء (ص3).
وهذا الجنون نابعٌ من أنه سيهلك نفسه وغيره بفتاواه؛ لأن الرشيدَ مَن يُنزل الأمور منزلتها، ومن ذلك عدم كلامه إلا عن علم، فحال مَن يتكلَّم بغير علم كحال مَن فقد عقله وجنَّ.
قال الحكماء: «من العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام مَن يعلم فحسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم، وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل فلا عار أن تجهلَ بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستحي أن تقول: لا أعلم فيما لا تعلم» (¬1).
وهذه المكانة العظيمة للإفتاء والخطر الجسيم في حمل عبئها بوصفها بياناً لحكم الله - جل جلاله - في أمور الدين والدنيا جعلت أهل الفتوى يتحرّجون كلّ التحرّج عند استفتائهم مخافة تبعات الفتوى الثقيلة، ويتدافعونها عن أنفسهم؛ لما مرَّ من التحذير الشديد في القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم - من القول على الله - جل جلاله - بغير علم، وهذه بعض عباراتهم الدالة على ذلك:
فعن أبي يوسف - رضي الله عنه - سمعت أبا حنيفة - رضي الله عنه - يقول: «لولا الخوف من الله - جل جلاله - ما أفتيت أحداً لكون المهنأ لهم والوزر علينا» (¬2).
وقال ابن المنكدر - رضي الله عنه -: «المفتي يدخل بين الله - جل جلاله - وبين خَلْقه، فلينظر كيف يفعل، فعليه التوقّف والتحرز لعظم الخطر»، وقال: «يريدون أن يجعلونا جسراً يمرّون علينا على جهنم، فمَن سُئل عن فتوى
¬
(¬1) ينظر: فيض القدير (1: 205).
(¬2) ينظر: الجواهر المضية (2: 342).
فينبغي أن يصمتَ عنها ويدفعها إلى مَن هو أعلم منه بها، أو مَن كُلِّفَ الفتوى بها، وذلك طريقة السلف» (¬1).
وقال أبو حَصِين الأَسَدي - رضي الله عنه -: «إن أحدَكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر» (¬2).
وكان الإمام مالك - رضي الله عنه - إذا سُئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار. وعَلَّقَ عليها الخطيب البغدادي (¬3) فقال: «ويحقّ للمفتي أن يكون كذلك، وقد جعله السائل الحجة له عند الله - جل جلاله -، وقلَّدَه فيما قال، وصار إلى فتواه من غير مطالبة ببرهان ولا مباحثة عن دليل، بل سَلَّم له وانقاد إليه، إن هذا لمقام خطر وطريق وعر».
وقال الإمام سحنون - رضي الله عنه -: «أشقى الناس مَن باع آخرته بدنيا غيره».
وقال المحدث سفيان - رضي الله عنه -: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بُداً من أن يفتوا»، وقال: «أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها وأجهلهم بها أنطقهم فيها».
¬
(¬1) ينظر: فيض القدير (1: 205 - 206).
(¬2) ينظر: الفقيه والمتفقه (2: 168).
(¬3) في الفقيه والمتفقه (2: 168).
وبكى الإمام ربيعة - رضي الله عنه - فقيل: ما يبكيك؟ فقال: «استفتي مَنْ لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم». وقال: «ولبعض مَن يفتي ههنا أحقّ بالسجن من السراق» (¬1).
وبعد هذا الاستطراد في بيان عظم أمر الفتوى وخطورته لا بُدَّ أن تكون لنا وقفة متأنية في ذكر بعض الطرق الناجعة للخروج من هذه الجرأة التي أوقعت الأمة في مزالق ومهالك، ومنها:
أولاً: ترويض النفس على قول: لا أدري، وذلك بتعظيم مخافة الله - جل جلاله - في القلب، وترك غرور النفس والتواضع، فإن من أكبر مداخل هذا هو التكبّر والتعالي؛ وليكن شعارك دائماً في كل ما لا تعرف هو شعار السابقين من سلف هذه الأمة وخلفها، وهو قول: «لا أدري»، و «الله أعلم».
فعن الإمام الشعبي - رضي الله عنه - أنه قال: «لا أدري نصفُ العلم» (¬2). وقيل: لولا خشيت التكاسل والتباطؤ عن طلب العلم لقلنا: إنها العلم كله. وقال ساجقلي زاده (¬3): «ولعل وجه كونه نصف العلم أن مَن جهل شيئاً وجهل جهله به كان مجهوله من أمرين، وهذا هو الجهل المركب، ومن قال: لا أدري علم جهله به، وبقي علمه بذلك الأمر».
¬
(¬1) ينظر: الآداب الشرعية (2: 63).
(¬2) ينظر: في الفقيه والمتفقه (2: 170)، والمدخل (2: 184)، وسنن الدارمي (1: 74).
(¬3) في ترتيب العلوم (ص203).
ومن الآثار الواردة عن الصحابة - رضي الله عنهم - في حثِّهم على القول «لا أدري، والله أعلم» عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري» (¬1). وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله» (¬2).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «مَن عَلِمَ منكم علماً فليقل به، ومَن لم يعلم فليقل: اللهُ أعلم، فإن مِن العلم إذا سُئِل الرجل عن ما لا يعلم أن يقول: الله أعلم» (¬3).
وعن علي - رضي الله عنه - قال: «يا بَرْدَها على الكبد، إذا سُئل الرجل عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم» (¬4)، وعَلَّقَ الحافظ السخاوي بعد ذكر هذه الآثار (¬5): «وقد كثر إغفال لا أدري، وترك الحوالة على مَن يدري، فعمَّ الضرر بذلك نسأل الله التوفيق والسلامة».
وما سلكه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبعهم عليه أئمة الدين فتوقف الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - في مسائل عديدة ولم يجب، وسُئِل الإمام مالك - رضي الله عنه -
¬
(¬1) في المعجم الأوسط (1: 299).
(¬2) في المدخل إلى السنن الكبرى (2:187).
(¬3) في مسند الشاشي (1: 450)، ودلائل النبوة للبيهقي (2: 196)، وسنن الدارمي (1: 73).
(¬4) في مسند أحمد (4: 81)، والمستدرك (1: 166).
(¬5) في المقاصد الحسنة (1: 238).
عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وربَّما كان يُسأل عن خمسين مسألة، فلا يُجيبُ في واحدة منها (¬1).
وهذه كلُّها صور مشرقة عن السلف ترينا إلى أي حدٍّ كانوا يخشون الفتوى بغير علم، على الرغم من الأمر بتبليغ الدعوة والتحذير من كتم العلم، أرجو أن تكون نبراساً لكلِّ مَن عنده بعض العلم أن يقف عند حدّه، ولمَن عنده رغبة فى نشر العلم أن يكون متثبتاً ممَّا يقول، وأن مَن عرف رأياً اجتهادياً لا ينبغي أن يتعصّب له (¬2).
ثانياً: أن تتولّى الجهات المسؤولة تتبع حال المفتين، فتقرّ مَن كان أهلاً، وتمنع غيرَه، وهذه سنة مضت من عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، فقد كان عمر - رضي الله عنه - لا يسمح لأي من الصحابة بتحديث الناس وتعليمهم؛ إذ نهى الصحابي الجليل أبا هريرة - رضي الله عنه - عن التحديث، فقال له: «لتتركنَّ الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لألحقنك بأرض دوس. وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة» (¬3).
وهذا النهي من سيدنا عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه في ذلك الوقت كان كبار الصحابة - رضي الله عنهم - أحياء، وسيدنا أبو هريرة - رضي الله عنه - متأخّر في إسلامه بالنسبة لهم،
¬
(¬1) ينظر: أدب المفتي لابن الصلاح (ص79)، والمجموع (1: 41).
(¬2) ينظر: فتاوى الأزهر (10: 197).
(¬3) في تاريخ أبي زرعة (1: 286)، والبداية والنهاية (8: 106)، وتاريخ ابن عساكر (19: 117/ 2)، كما في سير أعلام النبلاء (2: 600 - 601)، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح.
فهم أولى بالتحديث والفتوى منه، حتى إذا ما جاء عهد سيدنا عثمان - رضي الله عنه - جلس أبو هريرة - رضي الله عنه - للتحديث والتعليم.
وهذا الأمر كان متبعاً في عهد بني أمية، حتى في موسم الحجّ يمنع أن يفتي الناس إلا مَن وثق في علمه ودينه، قال ابن كيسان: «اذكرهم في زمان بني أمية يأمرون بالحجّ صائحاً يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح» (¬1).
وأيضاً حرص بنو العباس وغيرهم على هذا، قال ابنُ وهب - رضي الله عنه -: «حججت سنة ثمان وأربعين ومئة وصائح يصيح لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن الماجشون» (¬2).
وهذا الفعل من الدول الإسلامية المتتابعة لما فيه المصلحة العظيمة على مجتمعاتها، ودرءاً للفساد والفحشاء الذي يعمّ لو ترك الأمر هكذا؛ لأن أهل الهوى إن لم يعاقبوا على هواهم فسيفسدون على الناس حياتهم، إذ لا بُدَّ للحقّ من قوّة تدافع عنه وتنصره، فعن سيدنا عثمان - رضي الله عنه -: «إن الله - جل جلاله - يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (¬3).
لذلك صرَّحَ كبارُ العلماء بوجوب ذلك على إمام المسلمين، فذكروا قول الخطيب البغدادي - رضي الله عنه -: «ينبغي للإمام أن يتصفَّحَ أحوال المفتين،
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي (ص57).
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي (ص52).
(¬3) ينظر: الجد الحثيث (ص60).
فمَن صَلُحَ للفتيا أقرّه، ومَن لا يصلح منعه، ونهاه أن يعود، وتوعَّده بالعقوبة إن عاد. وطريق الإمام إلى معرفة مَن يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق به»، وأقرّوه عليه كالنووي (¬1)، وغيره.
وقال الفقيه الماوردي - رضي الله عنه - (¬2): «وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس والفتيا فعلى كلّ واحد منهم زاجرٌ من نفسه أو لا يتصدّى لما ليس له بأهل فيضلّ به المستهدي ويزلّ به المسترشد ... وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاختيار من إقراره أو إنكاره».
ثالثاً: التزام قواعد وضوابط الفتوى المتبعة في كلِّ مذهب فقهي، فلا يحلّ لكلِّ أحد أن يفتي بما شاء من أي مذهب شاء دون مراعاة ضوابطه وقيوده المنصوص عليها في كتبه، فعلم الفقه كغيره من العلوم له أسسه المبنيّ عليها، والتي لا يجوز لمَن يتكلّم فيه أن يتناساها أو يتجاهلها.
ومعلوم أن المفتي على صورتين:
الأولى: أن يكون مجتهداً مطلقاً، فيجيب السائل باجتهاده من الكتاب والسنة، وهذا النوع من الاجتهاد عند أهل السنة إجمالاً ظهر فيه علماء كثر على مدار التاريخ الإسلامي، لكن الذين اعترفت لهم الأمّة
¬
(¬1) في المجموع (1: 74).
(¬2) في الأحكام السلطانية (ص237).
وتلقت اجتهادهم بالقبول من بين كلّ هؤلاء هم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - رضي الله عنهم - فحسب، وحصول مثل هذا الاجتهاد للمتأخرين متعسّر جداً كما سبق.
الثاني: أن يكون معتمداً على مذهب فقهي، يحفظ مسائله، ويضبط فروعه، ويدرك أصوله، بأن درسَه على المشايخ الكبار، وأجازوه بالإفتاء فيه، فهو حافظ وناقل أمين لاجتهاد أصحاب هذا المذهب، ويمكن أن يترقَّى به الأمر فيتمكَّنَ من الاجتهاد فيما يجد من مسائل على قواعد وضوابط مذهبه.
وهذا النوع من الاجتهاد والإفتاء هو ما مشت عليه الأمة في قرونها بعد الأئمة الأربعة، فكان أصحابُ المذاهب هم المفتون في الدول الإسلامية المتعاقبة، وهم مَن يتولّى القضاء والتدريس وغيرها من الأمور الدينية في الدول.
وما وسع أمّتنا من الإفتاء والاجتهاد المذهبي في عصورها الذهبية عندما كانت دولتها ممتدة الأطراف وكان الحكم لها في الأرض لا شكّ أنه يسعنا، ويمكننا من إرجاع عزّتنا وكرامتنا ومجدنا؛ إذ لا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى ديننا القويم، والتمسك بأحكامه الصحيحة، وطريق ذلك الالتزام والتمسّك بالمذاهب الفقهية المشهورة، فهي تمثّل الدين الصحيح، الذي حمل رسالة الوسطية والسماحة.
فعلى كلِّ مَن يتصدَّر للإفتاء أن يلتزم مذهباً فقهياً ويراعي ضوابطه وأحكامه فيما يفتي بعد أن يكون مؤهلاً لذلك، ولا سبيل للخروج من هذه الفوضى والاضطراب الديني والفقهي والجرأة على دين الله إلا بمراعاة ذلك، وهذا ما أقرَّه المؤتمر الإسلامي المنعقد في عمان 4 - 6/ 6/2005م، إذ نصوا على ما يلي:
«إن الاعتراف بالمذاهب الفقهية في الإسلام يعني الالتزام بمنهجية معينة في الفتاوى: فلا يجوز لأحد أن يتصدّى للإفتاء دون مؤهلات شخصية معيّنة يحددها كلّ مذهب، ولا يجوز الإفتاء دون التقيد بمنهجية المذاهب، ولا يجوز لأحد أن يدّعي الاجتهاد ويستحدث مذهباً جديداً، أو يقدم فتاوى مرفوضة تخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقرّ من مذاهبها».
وهذا ما أكدته قمة منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة في مكة 7 - 8/ 12/2005 في بيانها الختامي، ومنه: «التنديد بالجرأة على الفتوى ممّن ليس أهلاً لها، ممّا يعد خروجاً على قواعد الدين وثوابته وما استقرّ من مذاهب المسلمين، وهذا يوجب التأكيد على ضرورة الالتزام بمنهجية الفتوى كما أقرها العلماء» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: إجماع المسلمين (ص23 - 26).
وهذه المنهجية في الفتوى وعدم الجرأة فيها إن اتبعت تحقق أهداف «رسالة عمان»، ففي كتاب «إجماع المسلمين» (¬1): «وهدف محاورها الثلاثة (حول التكفير والمذاهب والفتاوى):
1. وقف تكفير المسلمين بعضهم لبعض بسبب خلافات عقائدية ثانوية (حقيقية أو خيالية)، وفي ذلك التكفير حرمانهم بصورة إجرامية من حقوقهم وإباحة قتلهم وخلق الفتنة في الأمة.
2. اعتراف كل المسلمين بعضهم ببعض، ونتيجة لذلك توحيد الأمة وبالتالي تقويتها.
3. وقف أو على الأقل تعرية الفتاوى غير الصحيحة على أيدي الجهلاء الذي هم غير مؤهلين لذلك، والتي تضلل الناس بكل أنواع الأفكار الخاطئة والمدمرة التي ينتج عنها أشكال من السلوك والأفعال الخاطئة ... ».
وقد فصَّل ما سبق ذكره وأبانه ووضحه فضيلة المفتي محمد تقي العثماني فقال: «إن الإسلام لا يعترف بنظام الكهنوت الموجود في المسيحية وغيرها من الأديان فالحكم كله لله - جل جلاله - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، أما العلماء فإنهم لا يشرعون الأحكام، وإنما يشرحون ما ثبت من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبالرغم من نفي نظام الكهنوت، فإنه لا بُدّ
¬
(¬1) (ص37 - 38).
لشرح أحكام الشريعة من مؤهلات تمكن الشارح من الفهم الصحيح لنصوص القرآن والسنة.
فالمفتي في الإسلام ليس شارعاً للأحكام، وإنما هو شارح ومبيِّنٌ لما شرعه الله - جل جلاله - في كتابه أو في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولما استقرّت عليها الشريعة عبر القرون، وبعبارة العلامة ابن قيم الجوزية - رضي الله عنه -: إنه موقّع عن الله - عز وجل -.
فلا يجوز الإفتاء لكل مَن هبّ ودبّ، فإنه مسؤولية عظيمة لا يؤدّيها إلا مَن تبحّر في العلوم الإسلامية من التفسير والحديث والفقه والعقائد وأصولها، كلّ ذلك لدى أساتذة مهرة ورثوا هذا العلم جيلاً بعد جيل، وكذلك يجب لمَن يتصدَّر للإفتاء أن يكون عنده معرفة تامّة بأحوال أهل زمانه وأعرافهم المتبعة.
والطريق المتوارث الذي عملت به هذه الأمة عبر القرون أن مجردَ دراسة العلوم الشرعية لم تعتبر كافية في تأهيل المرء للإفتاء، حتى يتدرَّبَ لذلك لدى مفتٍ موثق من علماء عصره، فإن الإفتاءَ يحتاج إلى بصيرة دينية ومَلَكة فقهية لا تكاد تحصل بمجرَّد دراسة الكتب، وإنما يجب لذلك تجربة عملية.
وهذا مثل الطبيب الذي لا يسمح له بمعالجة المرضى بمجرد دراسة علم الطب، وإنما يشترط لذلك أن يتدرَّب على ذلك عملياً لدى طبيب ماهر له تجربة واسعة في هذا المجال، وهذا المعنى أكد عليه العلماء
الذين ألفوا كتباً في أصول الفتوى وليراجع مثلاً: «آداب الفتوى» للنووي و «شرح عقود رسم المفتي» في «رسائل ابن عابدين».
ومن المؤسف أن هذه النقطة أغفلها اليوم كثير من الناس، فكلّ مَن اشتهر اسمه كزعيم سياسي أو كقائد لحركة من الحركات، فإنه لا يبالي بإصدار فتاوى، ولو لم تكن عنده كفاءة مطلوبة في العلوم الشرعية، وإن الناس يغترون بشهرته فيعتبرون فتواه حكماً شرعياً، ولو كان مخالفاً لما استقرّت عليه الأمة طوال القرون، فلا بُدّ من نبذ مثل هذه الفتاوى الشاذّة التي لا تزيد المسلمين إلا شقاقاً وخلافاً، والتي تمزِّق جمع المسلمين وتكسر قوتهم، وتعضد مؤامرات أعدائهم» (¬1).
رابعاً: أن لا يفتي إلا مَن كان أهلاً للفتيا، ممَّن ضبط العلم ودرسَه على المشايخ العظام؛ ليكون ممَّن يندرج في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن العلماء هم ورثة الأنبياء» (¬2).
وقد ذكروا في قواعد المفتي والمستفتي: «لا يجوز الإفتاء لكلّ مَن تعلَّمَ الفقه لدى الأساتذة حتى تحصل له ملكة فقهية، وهذه المَلَكة يعرف بها أصول الأحكام وقواعدها وعللها ويميِّز الكتب المعتبرة من غيرها، ودليل حصول هذه المَلَكة أن يأذن له مشايخه المهرة بالإفتاء» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: إجماع المسلمين (ص203 - 204).
(¬2) في سنن أبي داود (2: 341)، وسنن الترمذي (5: 48)، وصحيح ابن حبان (1: 289).
(¬3) ينظر: أصول الإفتاء (ص28).
قال الإمام مالك - رضي الله عنه -: «ما أفتيتُ حتى شَهد لي سبعون أني أهل لذلك»، وفي رواية: «ما أفتيت حتى سألت مَن هو أعلم مني: هل يراني موضعاً لذلك؟»، وقال أيضاً: «ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل مَن هو أعلم منه» (¬1).
وقد أخرت هذه النقطة لأهميتها وطول الكلام فيها؛ لأن ضبط مَن هو العالم ... الفقيه الذي يعتمد عليه في الفتوى أمر مهم للغاية، وقد بذلت جهدي في وضع ضوابط عامة له؛ إذ لم أقف على دراسة خاصة بذلك.
فالقرآن أخبرنا عن وصف عام للفقيه المفتي أنه من أهل الذكر، فقال: - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬2)؛ لأن هذا الدين لا يسأل عنه إلا مَن هو من أهله، قال مالك: «كل علم يُسأل عنه أهله». وقال القرافي: «والمعتبر في كلّ فنٍّ أهل الاجتهاد في ذلك الفنّ، وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره، فيعتبر في الكلام المتكلّمون، وفي الفقه الفقهاء قاله الإمام» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: المجموع (1: 73 - 74).
(¬2) النحل: 43.
(¬3) ينظر: التمذهب (ص151).
وقال الإمام اللكنوي - رضي الله عنه - (¬1): «إن الله - جل جلاله - جعلَ لكلِّ مقام مقالاً، وخَلَقَ لكلِّ فنٍّ رجالاً.
فكم من فقيه غائص في بحار العلوم القاسية، عار عن تنقيد الأدلة الأصلية؟
وكم من محدث نقّاد عار عن تفريع الفروع الفقهية وتأصيلها على القواعد؟
وكم من مفسّر خائضٍ في القرآن لا تمييز له في معرفة الأحاديث الصحيحة والسقيمة؟ ولا امتياز له بين المشهورة وبين المصنوعة؟
وكم من صوفي سابح في بحار العلوم اللدنية عاجز عن درك ما يتعلّق بالعلوم الظاهرة؟
وكم من عالم متبحر جامع العلوم الظاهرة، لا مراق له في اللطائف الباطنة؟
إذن، الواجب أن ننزلَ الناس منازلهم ونوفيهم حظّهم، ونعرفَ مرتبتهم وقدرهم، فلا نعرج الأدنى إلى رتبة الأعلى، ولا ننزل الأعلى إلى مرتبة الأدنى، وتعرف ما يتعلّق بكلّ من أهل ذلك الفنّ، لا من مهرة غير ذلك الفنّ، فإن صاحبَ البيت أدرى بما فيه، والماهر في شيء أعلم من غيره بما يتعلّق به» (¬2).
¬
(¬1) في الآثار المرفوعة (ص9).
(¬2) وتمام ذلك في الأجوبة الفاضلة (29 - 35).
وقال أيضاً (¬1): «اعلم أن ما اتفق الحفاظ على صحّته، أو حسنه، أو ضعفه، أو على وضعه، الأمر فيه ظاهر، وهو قبول قولهم، بناء على أن صاحب البيت أدرى بما فيه، ولا يعارض قولهم قول غيرهم فقيهاً كان أو صوفياً، مفسّراً كان أو متكلّماً، فإنه لا عبرة لقول مَن لم يتبحّرَ في فنّ الأسانيد في باب صحّة الأحاديث، وسقمها ووضعها عند وجود أقوال المهرة فيه».
فمن هذا يتبيّن لنا هذا الإرشاد الرباني والتنبيه عليه من العلماء الأعلام بأن لكلِّ فنٍّ رجالاً عالمين به، لا بُدّ من الرجوع لقولهم ورأيهم فيه.
وفي ذلك يقول اليافعي (¬2): «فمثلاً هناك من هو متخصص في الدعوة إلى الله - جل جلاله - والوعظ والإرشاد فلا يظننّ نفسه أنه إذا أشار إليه الجماهير بالبنان أنه صار مفتياً، وكذا لا يظنن الناس أن كلَّ مَن ارتقى المنابر يصلح للفتوى.
وأيضاً هناك مَن هو متخصّص في الحديث أو اللغة أو الأصول، أو ... فلا يجوز أن يستفتوا ولا يجوز لهم أن يفتوا وإنما الذي يستفتى ويفتي هو الفقيه، كما أن الفقيه لا يُسأل عن مسائل الحديث واللغة، وهذا كله طبعاً ما لم يكن الشخص قد جمع إلى الفقه الحديث ... وهكذا ...
¬
(¬1) في ظفر الأماني (ص 420).
(¬2) في التمذهب (ص152 - 153).
والذي دعاني للتنبيه إلى هذا ما نلاحظه من توجه الناس لاستفتاء كل مَن انتصب للخطابة والوعظ، والمشكلة الأدهى أن الخطيب نفسه صدق الناس فصار يفتيهم بغير علم؛ لأنه يظنّ أنه لو قال: لا أعلم، فإنه سينقص من أعين الناس.
ومن المؤسف أننا نلاحظ مراعاة التخصصات في المجالات الدنيوية، ولا نلاحظه في مجال العلم والفتوى، فمثلاً لا يتصدر طبيب لمعالجة الناس إلا إذا تحصّل على ما يؤهله لذلك، ولا تأذن له الجهات المختصّة بمعالجة الناس إلا بذلك بينما تجد أن من قرأ حديثين صار يفتي الناس بغير رقيب ولا حسيب».
ولا يستلزم ترقي الفرد في المراتب الأكاديمية عدَّه في زمرة العلماء؛ إذ أن العلومَ الشرعيّة أوسع من أن تحصرَها مساقات جامعيّة في ساعات محددة، ويغلب على الطلبة فيها طلب الشهادة لا العلم؛ لذلك أود ذكر ضوابط عامة وقفت عليها بالاستقراء والتجربة لتحديد الفقيه المفتي، ومنها:
الأوّل: أن يكون تقياً ورعاً، عاملاً بعلمه؛ لأنه مخبر عن الله - جل جلاله - أحكام شريعته، فلا يؤمن غير العدل في أخبار الدنيا: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (¬1). فما بالك بأخبار الدين والآخرة، ومَن لم يكن صادقاً مع
¬
(¬1) الحجرات: 6.
نفسه وأهله بالتزامه أوامر ربّه - عز وجل -، هل يصلح أن يكون صادقاً مع الآخرين ببيان أحكام الله - جل جلاله -؟!
فمَن لم يكن عاملاً بعلمه، ومتبصراً به في سيره، وظاهر على سلوكه، ومتحلياً به في أخلاقه، فكيف يصلح للفتوى؟! لأن العلم للعمل، لا للخطب فحسب.
قال طاشكبرى زاده (¬1): «ما تراه عالماً سيء الأخلاق، فذلك عالم باللسان دون القلب، وعالم باصطلاح هذا الزمان دون السلف؛ إذ لو ظهر نور العلم على قلبه لحسنت أخلاقه، فإن أقلَّ درجات العالم أن يعرفَ أن المعاصي ورذائل الأخلاق سموم مهلكة، وهل تطيب نفس عاقل يتناول السم؟!».
وقال المفسّر حقي (¬2): «العالم: هو الذى يعمل بعلمه (¬3)، فإن الإنصافَ من شأنه؛ إذ الإنصاف لا يحصل إلا بصلاح النفس، ولا يمكن ذلك إلا بالعمل، فلا يغترّ أهل الهوى من علماء الظاهر بذلك،
¬
(¬1) في مفتاح السعادة (1: 18).
(¬2) في تفسيره (4: 375).
(¬3) قال بعضهم: العالم هو الذي يعمل بما يعلم. كما في تهذيب اللغة (1: 301). وفي تفسير البغوي (4: 227)، وتفسير الخازن (4: 7): قيل: الفرق بين الحكيم والعالم، أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء، والحكيم: الذي يعمل بما يوجبه العلم.
فإن كون العلم المجرد منجياً مذهب فاسد، فإن العالمَ الفاجرَ أشدّ عذاباً من الجاهل ... ».
فغاية العلم ومقصده لصاحبه تحقيق مخافة الله - جل جلاله - وخشيته ومراقبته حتى يصدق فيه قوله - جل جلاله -: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (¬1). فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «ليس العلم بكثرة الحديث، ولكن العلم الخِشية» (¬2).
وقال الطبري (¬3): «إنما يخاف الله - جل جلاله - فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد؛ لأن مَن عَلِمَ ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه».
وقال الرازي (¬4): «لا تتمّ أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتمّ الدين إلا بالتقوى، ولا يتمّ القول إلا بالفعل، ولا تتمّ المروءة إلا بالتواضع، ولا يتمّ العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهدر، والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كغيث بلا مطر».
¬
(¬1) فاطر: 28.
(¬2) في حلية الأولياء (1: 131).
(¬3) في تفسيره (20: 462).
(¬4) في تفسيره (1: 463).
وفيما ذكر كفاية في ضرورة التزام التقوى والعمل في كلِّ فتيا وعلم، فعن الإمام ابن سيرين - رضي الله عنه -: «إن هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم» (¬1)، كيف وقد نصَّوا في كتب آداب المفتي على ذلك؟.
قال الإمام النووي - رضي الله عنه - (¬2): «وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهوراً بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة. وكان مالك - رضي الله عنه - يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول: لا يكون عالماً حتى يعمل في خاصَّة نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم. وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة - رضي الله عنه -» (¬3).
وقال أيضاً (¬4): «شرط المفتي كونه مكلفاً مسلماً، وثقةً مأموناً متنَزِّهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظاً ... واتفقوا على أن الفاسقَ لا تصحّ فتواه، ونقل الخطيب - رضي الله عنه - فيه إجماع المسلمين».
الثاني: أن يكون عالماً بما يقول، بأن يفهمَه ويعيَه ويضبطَه ويعرفَ كنهه، وضابط ذلك: بأنه لو سئل عمّا يقول في بيان سببه ودقائقه
¬
(¬1) في صحيح مسلم (1: 14).
(¬2) في المجموع (1: 74).
(¬3) ومثله في معالم القربة في معالم الحسبة (ص182)، والفتاوى الفقهية الكبرى (1: 203).
(¬4) (1: 74).
وقواعده أبان وأوضح بأجلى وأنضر صورة وهيئة، وأمثال هذا قلائل جداً؛ لأن الأكثر يردد الكلام ويضيع الأوقات فيما لا يدركه ولا يفهمه.
وهؤلاء أردى الناس وأسوؤهم؛ لأنهم يهلكون مَن يستمعون لهم، ويضلّونهم ويلقونهم في المهالك والمخازي من حيث أنهم لا يدرون أنهم لا يدرون.
قال العلامة الخليل - رضي الله عنه -: «الرجال أربعة:
1. رجل يدري ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه.
2. ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه.
3. ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه.
4. ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه» (¬1).
الثالث: أن يكون ملتزماً بأحد المذاهب الفقهية، ضابطاً لقواعده، متمكناً من مسائله، عارفاً بفروعه، مطّلعاً على أدلته، فإن لكلِّ علوم الدنيا أسس وقواعد لا يعدّ العالم بها عالم ما لم يضبطها ويراعيها ويأخذ بها في كلامه، ولو كان لمَن شاء أن يتكلَّم بما يشاء، لما سُلِّم العلم لأحد، ولا تميَّزَ العالم من الجاهل، ولاختلط الحابل بالنابل.
ومثل هذا لا بُدّ أن يلتزم في الأحكام الفقهية، فلا يصحّ الإفتاء من
¬
(¬1) ينظر: تفسير الرزاي (1: 463).
أي أحد ما لم تتوفر فيه أهليته لذلك من الضبط والتمكّن لما يفتي به على أحد المذاهب الفقهية مع مراعاة ضوابطها وشروطها وتقييداتها.
وهذا ما أقرّه المؤتمر الإسلامي الدولي كما سبق ذكره من أنه لا يجوز لأحد أن يتصدى للإفتاء دون مؤهلات شخصية معينة يحددها كل مذهب، ولا يجوز الإفتاء دون التقيّد بمنهجية المذاهب ...
ولا مخرج مطلقاً من هذه الفوضى العارمة والاضطراب العجيب في الإفتاء حتى لم يبق حراماً إلا وأحلوه، ولم يبق حلالاً إلا وحرموه إلا بالتزام منهجية الفتوى في المذاهب الفقهية التي قُعِّدَت وأُسست وضُبطت من قبل فحول العلماء وأكابرهم عبر القرون.
فمَن يفتي بمسألة دون قيد أو ضبط بادعاء أنه مجتهد مطلق وأن الاجتهاد متيسِّر لكلّ أحد، فمهما أفتى بتحليل وتحريم لا نستطيع أن نلزمه بشيء؛ لأنه يقول: إنني مجتهد في ذلك ولي الحقّ فيه؛ لأن الحاكم إذا حكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر.
ومعلوم أن مثل هذا لا يوجد له قواعد وضوابط مسطورة يمكن إلزامه بها عند شذوذه؛ لأن أغلبَ كلامه محض تشهٍ، من غير شرط أو قيد كما هو لكل صاحب بصيرة.
وأما إذا كان ملتزماً لمذهب من المذاهب المعتمدة المشهورة في فتاواه، فأي خروج منه عن فروع مذهبه وقواعده يمكن معرفته وإلزامه به؛ لأن كلَّ شيء مسطور ومكتوب ومشهور، وأي مخالفة منه له تسقطه،
وتعريه، وتبيّن حاله، بأنه متساهل ومتلاعب، فلا يمكنه مخالفة المعتمد في مذهبه؛ لأنه سينكشف فعله ويستبان أمرُه.
وهذه هي الطريقة المثلى التي سار عليها المسلمون عامة وعلماء في فتواهم وأحكامهم دينهم في عصورهم وعهودهم الذهبيّة، وفي دولهم المتوالية، وبلادهم المختلفة، كما تشهد به عبارات أئمتهم في المعتمد عند مذاهبهم المعتبرة:
قال السنوسي: «العالم الذي لم يصل رتبة الاجتهاد والعامي المحض فإنه يلزمهما تقليد المجتهد؛ لقوله - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬1). والأصحّ أنه يجب عليهما التزام مذهب معيّن من مذاهب المجتهدين يعتقد أنه أرجح من غيره أو مساو، وينبغي لهما في المساوي السعي في رجحانه ليتّجه لهما اختياره على غيره ... » (¬2).
وفي «فتح العلي» (¬3): «قال المازري: لا أفتي بغير المشهور ولا أحمل الناس على غيره، وقد قَلَّ الورع والتحفّظ على الديانة وكثر مَن يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه بغير بصيرة، ولو فتح لهم باب في مخالفة مشهور المذهب لاتسع الخرق على الراقع، وهتك حجاب المذهب، وهذا
¬
(¬1) النحل: 43.
(¬2) ينظر: فتح العلي (1: 60).
(¬3) (1: 74) ,
من المفسدات التي لا خفاء بها، وهذا في زمانه، فانظر في أي زمان أنت؟.
قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي: انظر كيف لم يستجز هذا الإمام العالم؟ وهو المتفق على إمامته وجلالته الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما عرف منه؟ بناء على قاعدة مصلحية ضرورية إلى أن قلّ الورع والديانة من كثير ممَّن ينتصب لبثّ العلم والفتوى، فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادّعيت في السؤال ليست بضرورة ... ».
وقال الجلال المحلي - رضي الله عنه - (¬1): «والأصحّ أنه يجب على العامي وغيره ممّن لم يبلغ رتبة الاجتهاد التزام مذهب معيّن من مذاهب المجتهدين يعتقده أرجح من غيره أو مساوياً له .... » (¬2).
رابعاً: أن لا يخرج في فتواه عن المذاهب الفقهية الأربعة؛ فإن وقع الاتفاق والإجماع بين علماء أهل السنة على قَبولها، والعمل بها، وعدم جواز الخروج عنها، وعباراتهم في ذلك لا تُعدّ ولا تحصى، ومنها:
قال الإمام الزركشي - رضي الله عنه - (¬3): «والحقّ أن العصرَ خلا عن المجتهد
¬
(¬1) في شرحه على جمع الجوامع (2: 44).
(¬2) ينظر: التمذهب (ص158).
(¬3) في المحيط (8: 242).
المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة، وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحقَّ منحصرٌ في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها».
وقال العلامة النفرواي - رضي الله عنه - (¬1): «وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - وعدم جواز الخروج عن مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين، مع أن الجميع على هدى لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها».
وقال الفقيه ابن نجيم - رضي الله عنه - (¬2): «لا ينفذ القضاء به ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع، وهو ظاهر، وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع، وإن كان فيه خلاف لغيرهم، فقد صرَّحَ في «التحرير» أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم وانتشارها وكثرة أتباعهم».
وقال الحافظ الذهبي - رضي الله عنه - (¬3): «نقول اليوم لا يكاد يوجد الحقّ فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على
¬
(¬1) في الفواكه الدواني (2: 356).
(¬2) في الأشباه (1: 334).
(¬3) في سير أعلام النبلاء (7: 117).
مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزمَ في مسألة اتفقوا عليها بأن الحقّ في خلافها».
فانظر بما تشهد به عبارات هؤلاء الأعلام من أئمة الإسلام، وما هو حال المفتين في زماننا الذين لا يراعون لذلك حرمة، ولا يبالون بالمخالفة والخروج عن مذاهب أهل الحقّ، فأي مفتٍ لا يأبه بإجماع المذاهب وأقوالها، ينبغي أن لا يُؤبه بقوله ورأيه، ويجب أن يُردّ عليه ويبيَّن عواره، بأنه تنكّب طريق الحقّ، وخرجَ عن الصواب بترك مذاهب أهل السنة.
خامساً: أن لا يأخذ بالشاذّ من العلم والمسائل؛ إذ الشاذ ما خالف فيع صاحبه أقوال سائر الفقهاء (¬1)، فما ذكر من أقوال ضعيفة وشاذة في كتب الفقه لا يجوز العمل والإفتاء بها إلا في حالات بيَّنتها في «المدخل» (¬2).
قال العلامة ابنُ قُطْلوبُغا - رضي الله عنه -: «إن الحكم والفتيا بما هو مرجوح خلاف الإجماع» (¬3)، وقال أيضاً (¬4): «اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع،
¬
(¬1) ينظر: معجم لغة الفقهاء (ص255).
(¬2) (ص258 - 263).
(¬3) ردّ المحتار (5: 408).
(¬4) في التصحيح (ق1/أ).
ونقل عن ابن الصلاح أنه: من يكتفي بأن يكون فتواه او علمه موافقاً لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع».
وفي «فتح العلي» (¬1): «ينظر في الحكم الذي عدل عن المشهور إلى الشاذ، فإن حكم به لمظنّة أنه المشهور نقض حكمه، وإن حكم به مع العلم بأنه الشاذ إلا أنه ترجّح عنده، فإن كان من أهل النظر ممّن يدرك الراجح والمرجوح - وهذا يعزّ وجوده - مضى حكمه.
وإن لم يكن من العلم بهذه المنزلة زجر عن موافقة مثل هذا ... وعن الواغليسي: لا تكن ممّن يتقلّد غير المشهور الذي عليه القضاء والفتيا من السلف والخلف، فلتعمل على جادة أئمة المذهب واحذر مخالفتهم ... ».
* * *
¬
(¬1) (1: 74).
المراجع:
1. إجماع المسلمين في احترام المذاهب الإسلامية بإشراف الأمير غازي بن طلال، مؤسسة آل البيت، الأردن، 2006م.
2. الأحكام السلطانية والولايات الدينية لعلي بن محمد الماوردي (ت450هـ)،، بيروت، دار الكتب العلمية
3. الآداب الشرعية والمنح المرعية لمحمد بن مفلح المقدسى الحنبلي (ت673هـ). مؤسسة قرطبة.
4. أدب المفتي لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي. لجنة النقابة والنشر والتأليف. دكه. ط1. 1381هـ.
5. أصول الافتاء لمحمد تقي الدين العثماني. مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند.
6. البداية والنهاية لإسماعيل بن عمر بن كثير (ت774هـ). مكتبة المعارف. بيروت.
7. تاريخ دمشق لعلي بن الحسن أبي محمد بن هبة الله، المعروف بابن عساكر (499 - 571هـ)، دار الفكر، دمشق.
8. ترتيب العلوم لمحمد بن أبي بكر المرعشي. ساجقلي زاده (ت1145هـ). ت: محمد بن اسماعيل السيد أحمد. دار البشائر الإسلامية. ط1. 1408هـ.
9. التصحيح والترجيح على مختصر القدوري لقاسم بن قطلوبعا المصري الحنفي (ت789هـ)، تحقيق: ضياء يونس، دار الكتب العلمية، ط1، 1423هـ ـ 2002م، والبحث وثق من النسخة المخطوطة لدار صدام للمخطوطات.
10. تفسير الخازن المسمّى لباب التأويل في معاني التنزيل لعلي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي، موقع التفاسير، ضمن الموسوعة الشاملة.
11. التمذهب لعبد الفتاح بن صالح اليافعي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1427هـ ـ 2006.
12. الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث لأحمد بن عبد الكريم العامري الغزي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، دار ابن حزم.
13. الجواهر المضية بشرح العزية لصالح عبد السميع الآبي الأزهري. 1362هـ. بهامش المقدمة العزية للجماعة الأزهرية لأبي الحسن المالكي الشاذلي (ت939هـ). 1362هـ.
14. حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع لحسن بن محمد بن محمود العطار، دار الكتب العلمية.
15. خطورة التسرع في الإفتاء لقاسم بن نعيم الطائي، طبع في العراق، 2001م.
16. دلائل النبوة لإسماعيل بن محمد الأصبهاني (457 - 535هـ). ت: محمد الحداد. دار طيبة. الرياض. ط1. 1409هـ.
17. الذيل على العبر في خبر من غبر لأبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم ابن العراقي (762 - 826هـ). ت: صالح مهدي عباس. مؤسسة الرسالة. ط1. 1409هـ.
18. الزهد لعبد الله بن المبارك (ت181هـ). ت: حبيب الله الأعظمي. دار الكتب العلمية. بيروت.
19. سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (ت273هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. بيروت.
20. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
21. سنن البَيْهَقِي الكبير لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ). ت: محمد عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.
22. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
23. سنن الدَّارَقُطْنِي لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
24. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدرامي (181 - 255هـ). ت: فواز أحمد وخالد العلمي. ط1. 1407هـ. دار التراث العربي. بيروت.
25. سير أعلام النبلاء لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي (673 - 748هـ). ت: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي. ط9. 1413هـ. مؤسسة الرسالة. بيروت.
26. شرح المحلي على جمع الجوامع للجلال المحلي، دار الكتب العلمية.
27. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ). ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.2، 1414هـ.
28. صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ). ت: د. مصطفى البغا. ط3. 1407هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.
29. صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (206 - 261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
30. طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي (ت476هـ). ت: خليل الميس. دار القلم. بيروت. بدون تاريخ طبع.
31. ظفر الأماني بشرح مختصر الشريف الجرجاني للإمام اللكنوي (1264 - 1304هـ). تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. ط.3. 1416هـ.
32. فتاوى الأزهر لمجموعة من العلماء، دار الإفتاء المصرية.
33. فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك لمحمد بن أحمد المشهور بالشيخ عليش، دار المعرفة.
34. الفقيه والمتفقه لأحمد بن علي الخطيب (ت463هـ). دار الكتب العلمية. بيروت. 1395هـ.
35. فيض القدير شرح الجامع الصغير لعبد الرؤوف المناوي. المكتبة التجارية الكبرى. مصر. 1356هـ. ط1.
36. الكشاف في حقائق غوامض التنْزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لمحمود بن عمر الزَّمخشري (ت538هـ). ت: محمد عبد السلام. دار الكتب العلمية. ط1. 1995ه.
37. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت1162هـ)، ت: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.4، 1405هـ.
38. المجموع شرح المهذب ليحيى بن شرف النووي (ت676هـ).ت: محمود مطرحي. بيروت. دار الفكر. ط1. 1417هـ.
39. المدخل إلى السنن الكبرى لأحمد بن حسين البيهقي (ت458هـ)، موقع جامع الحديث، ضمن الموسوعة الشاملة.
40. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي للدكتور صلاح محمد أبو الحاج. دار الجنان. عمان. ط1. 2004م.
41. المستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ). ت: مصطفى عبد القادر. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1411هـ.
42. مسند أحمد بن حنبل لأحمد بن حنبل (ت241هـ). مؤسسة قرطبة. مصر.
43. مسند الشاشي للهيثم بن كليب الشاشي (ت335هـ). ت: د. محمود الرحمن. مكتبة العلوم والحكم. المدينة المنورة. ط1. 1410هـ.
44. المعجم الأوسط لسليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ). ت: طارق بن عوض الله. دار الحرمين. القاهرة. 1415هـ.
45. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الالسنة لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (831 - 902هـ)، ت: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
الموسوعة الفقهية الكويتية لجماعة من العلماء. تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
* ... * ... *