اللطائف النورانية .......
. على شرح الحكم العطائية
جارٍ تحميل الكتاب…
اللطائف النورانية .......
. على شرح الحكم العطائية
الطبعة الأولى
1443 هـ ـ 2022 م
شرح الحكم العطائية
للعلامة أبي محمَّد عبد المجيد الشُّرنوبي الأزهري
توفي سنة (1348 هـ)
اعتنى به وخرج أحاديث وترجم لمؤلفه وأعلامه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
ومعه التعليقات المُسمَّاة
اللطائف النوارانية
على شرح الحكم العطائية
للدكتور معاذ سعيد حوى
المدرس في كلية الفقه الحنفي
ومعه في الخاتمة
مكاتبات ومناجاة الإمام ابن عطاء
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على سيدنا المصطفى الحبيب، وعلى آله وصحبه وسلم، في كل وقت وحين.
وبعد:
فإن التربية الإسلامية ترتقي بالمسلم إلى الإحسان، وترتقي بالمحسن إلى أن يكون صِدِّيقاً، ومن علامة الصِّدِّيق أن يشترك قلبه مع عباداته ومعاملاته في تقربه إلى الله، وأن يكون قلبه مع الله في كل حالاته، وأن يكون في حالاتِه القلبيةِ كلِّها ذَوْقٌ ووَجْد وشُعُور وإِحْساس وعواطف.
فكما أن الإنسان إذا أحب إنساناً أو شيئاً وجد في قلبه ميلاً وهوىً وتَعلُّقاً ورغبة تجاه المحبوب وتذكُّراً له، وشوقاً وحنيناً إليه، فكذلك ينبغي أن يكون العارف بالله المحب له يشعر بالتعلق والميل إلى اللهِ محبوبِه، ويتذوق الشوق إليه، ويحن إلى لقائه، ويرغب في إرضائه، ويسعى في استجلاب محبته، فليس الغريب أن يكون صاحب ذَوْقٍ وشعور، بل العجيبُ أن لا يكون حبُّه فوقَ كلِّ حُبٍّ، كما قال الله تعالى: ? ژ ژ ڑ ڑ ? [البقرة: 165]، فالله أعظم
جمالاً وكمالاً وأعظم إحساناً من كل شيء، فكيف لا يكون حبه أعلى من كل حب.
وكما أن الإنسان إذا خاف من إنسان أو حيوان أو شيء شَعَر بقلبه بحالة من الرهبة أو الرعب أو الخوف والقلق والهم والغم، فينبغي أن يكون عند الصالح الوليِّ الصِّدِّيق شعور بالخشية والخوف من الله والرهبة أعلى من ذلك، إذ هو يعلم أن الله شديد العقاب وأنه العظيم المتعال وأنه المنتقم الجبار، ? ? ? ? ? ? [التوبة: 13]، فالشعورُ والإحساسُ وذوقُ الخشية ينبغي أن يكون أعلى من كل ما يجده الخائف من مخلوق يخاف منه.
وهكذا قل في تذوق الرجاء والطمع برحمة الله ومغفرته، وفي ثقة القلب واعتماده على الله، وفي تفانيه في العمل لمولاه وإخلاصه له، وفي ذوق التذلل والعبودية، وغير ذلك من أحوال القلب ومقاماته الواجبة.
وقد كانت حِكَم ابن عطاء الله السكندري من أعظم ما ينبه إلى أعمال القلوب، على اختلاف تقلبات أحوال الإنسان وأعماله، وكانت من أعظم ما ينبه إلى دقائق الأدب مع الله عز وجل.
وكانت عبارات هذه الحِكَم من أرقى العبارات في التعبير عن الذوقيات والوُجْدانِيّات، وتقريب المعاني الشعورية للسالك والعارف.
وذلك من العلوم التي نفتقر إليها في هذا الزمان كثيراً، سعياً إلى التحقق بالوَجْد والذَّوْق والطَّعْم والحلاوة التي أشار إليها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (¬2).
والآيات القرآنية تشير إلى حالات ذوقية شعورية.
كما ترى في قوله تعالى عن الحاج بعد انتهاء أعمال حجه، ? ? ? ? ? ? ہ ہ ? [البقرة: 200]، أي ليكن حبكم واشتياقكم إلى الله أشد من الاشتياق الذي يجده الإنسان لأهله وأبيه حين يفكر بالرجوع إليهم بعد أن أنهى مناسك الحج، فإذا شعرت بالشوق المختلط بالتعظيم والاحترام لأبيك؛ فعليك أن تشعر بالشوق إلى الله إن كنت صادقاً.
وكما ترى في قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [المزمل: 6]، فتشير الآية إلى الحالة النفسية الطيبة من السكينة وهدوء النفس الذي يرافق قيام الليل، فيجتمع القلب مع اللسان في تلاوته وذكره ودعائه، وينقطع القلب إلى
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 34.
(¬2) أخرجه البخاري رقم 16 ومسلم رقم 43.
الله ويتفرغ، فلا شيء يشوش عليه، فيشعر بلذة القرب من الله، ويكون كلامه صادقاً في مناجاة الله (¬1).
وغير ذلك كثير في القرآن والسنة.
وقد اعتنى العلماء الربانيّون وأئمة التربية الصوفية بحِكَم ابن عطاء الله تدريساً وشرحاً، لما فيها من المعاني العالية والتنبيهات الراقية والأذواق الرقيقة، فوجدت عشرات الشروح، بين طويل وقصير، وكلٌّ له ذوقه واهتمامه، فمنها من اعتنى بتجلية موافقتها لعقائد أهل السنة، ومنها ما اعتنى بإبراز أسرارها وأذواقها، ومنها ما جاء بقصص الصالحين التي تثبت صحة أذواقها، ومنها ما اعتنى بتجلية الجانب الدعوي المتضمن فيها، وغير ذلك.
وكان من تلك الشروح شرح الإمام عبد المجيد الشرنوبي المالكي الأزهري، المتوفى سنة 1348 هـ، 1929 م (¬2)، وقد كتب لشرحه القبول،
¬
(¬1) قال الطبري: «قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ? ? ? ? ? ? ? ? قَالَ: إِنَّ مُصَلِّي اللَّيْلَ الْقَائِمَ بِاللَّيْلِ ? ? ? ?: طُمَأْنِينَةً، أَفْرَغُ لَهُ قَلْبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَعْرِضُ لَهُ حَوَائِجُ وَلاَ شَيْءٌ»، تفسير الطبري 23: 371، وذكر عن مجاهد في تفسير الآية: «قالَ: أَنْ تُوَاطِئَ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَقَلْبَكَ» وعنه أيضاً: «قَوْلُهُ: ? ? ? ? قَالَ: مُوَاطَأَةً لِلْقَوْلِ، وَفَرَاغًا لِلْقَلْبِ»، 23: 382، [جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ)، دار هجر، ط 1]، وقال النسفي 3: 479: «وعن الحسن: أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق» [مدارك التنزيل وحقائق التأويل، أبو البركات عبد الله بن أحمد النسفي (ت 710 هـ)].
(¬2) انظر الأعلام للزركلي 4: 149.
ودُرِّس في جامعة الأزهر وكثير من الزوايا الصوفية والمساجد، حتى إنك تجد الأشعار الراقية النافعة التي ذكرها الشرنوبي واستشهد بها قد سارت بين العامة والعلماء، واشتهرت في المواعظ والخطب، وكان للشرنوبي فضل في إشهارها.
والكتاب منضبط على منهج أهل السنة في التصوف، وشرحه ينبئ عن باعه في العلم والسلوك والمعرفة.
وقد عَمِلْنا على تحقيق نصه، وضبط كلماته، وتشكيلها، وتخريج آياته وأحاديثه، وترجمة رجالاته.
وعرَّفْنا بالإمام ابن عطاء الله، في مبحث، وفيه مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبته وكنيته ولقبه وشهرته وطريقته ومذهبه
المطلب الثاني: أسرته ومراحل حياته
المطلب الثالث: كراماته وثناء العلماء عليه
المطلب الرابع: خصومة ابن تيمية
المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه
المطلب السادس: مؤلفاته
المطلب السابع: شعره ووفاته
المطلب الثامن: شروح الحكم
ثم أثبتنا شرح الحكم، للإمام الشرنوبي.
وبعض عبارات الإمام الشرنوبي تحتاج إلى نوع تفصيل، لأنه يخاطب أهل السلوك، فقد يستعمل بعض مصطلحات الصوفية التي تحتاج إلى شرح بالنسبة للعامة وطلاب العلم، فعملنا على بيان كثير من تلك المصطلحات.
ولما كان هذا الكتاب سيدرس في كلية الفقه الحنفي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية، والطالب ينبغي أن يطلع على أدلة المعاني الذوقية والمعارف الربانية، فكان لا بد من التنويه إلى أدلةِ كثيرٍ من مسائل الكتاب وحِكَمِه، ليطلع الطالب على نبع هذه الحكم، واتصالها بنور القرآن والنبوة.
وقد أسمينا هذه التعليقات التي أثبتناها في الهامش، باسم:
اللطائف النورانية على شرح الحكم العطائية
ثم أثبتنا في خاتمة الكتاب مكاتبات الإمام ابن عطاء لتلامذته، وهي رسائل توجيهية لبعض طلابه السالكين.
ثم جاء في ختام الكتاب شرح مناجاة ابن عطاء الله السكندري، مع شرحها، وهي مما جعله مشايخ الطريقة الشاذلية من أورادهم في السَّحَر.
وفي الختام نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجعله نوراً لطلاب المعرفة والإحسان، وأن يغفر لنا خطايانا ويكفر عنا سيئاتنا، ويرحمنا برحمته، ويرزقنا الهداية إلى سبيله، ويكرمنا بقربه ومحبته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
في عمان، الأردن ... 7 - 1 - 2022 م ... وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج ... الدكتور معاذ سعيد حوى
عميد كلية الفقه الحنفي ... مدرس في كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية ... جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الدراسة عن المؤلف والكتاب
ابن عطاء الله السكندري
المطلب الأول: اسمه ونسبته وكنيته ولقبه وشهرته وطريقته ومذهبه:
أولاً: اسمه:
لم أقف على خلافٍ عند مَن ترجم له في اسمه ونسبه، ولكن بعض المؤرخين (¬1) اقتصر على اسمه أَبيه وجدِّه، وبعضُهم (¬2) زاد جد أبيه، وبعضُهم (¬3)
¬
(¬1) ينظر: طبقات الأولياء 1: 422، وقلادة النحر 6: 53.
(¬2) ينظر: المنهل الصافي 2: 121، وسلم الوصول 4: 82، والأعلام 1: 222، وهدية العارفين 1: 103.
(¬3) ينظر: الوافي بالوفيات 8: 39، ومعجم المؤلفين 2: 121، ومعجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
زاد جد جد أبيه، وبعضُهم (¬1) زاد ذكر جدّ جدّ جدّ أبيه، وبعضُهم (¬2) زاد ونسبه إلى سيدنا الحسن رضوان الله عليه.
فكان اسمه على النحو الآتي: أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن عبد الكريم الحسنيّ.
ثانياً: نسبته:
الجذامي (¬3)، فهو من أصل عربى، أجداده من الجذاميين من قبيلة كهلان التى ينتهى نسبها إلى بنى يعرب ابن قحطان، من العرب العاربة الذين وفدوا إلى مصر، واستوطنوا مدينة الإسكندرية بعد الفتح الإسلامي (¬4).
ثالثاً: كنيته:
¬
(¬1) ينظر: معجم المفسرين 1: 67.
(¬2) ينظر: المقفى الكبير 1: 365.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين 2: 121، ومعجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬4) ينظر: مرشد الزوار إلى قبر الأبرار 2: 12.
اشتهر إطلاق كنية أبي الفضل عند عامة (¬1) مَن أرخ له، وذكر بعضهم (¬2) أن كنيته أبا العباس، وهذا محل نظر؛ لأنها لم توجد في الأصيلة التي ترجمة له.
رابعاً: لقبه:
اتفق كلُّ مَن ترجم (¬3) له على أنّ لقبه هو تاجُ الدين.
خامساً: شهرته:
اشتهر بين الخاصة والعامة بابن عَطَاء الله الإسكندري؛ لذلك لم يختلف كلُّ مَن ترجم (¬4) له بهذه الشهرة.
سادساً: طريقة:
¬
(¬1) ينظر: الوافي بالوفيات 8: 39، والأعلام 1: 222، ومعجم المؤلفين 2: 121، والمقفى الكبير 1: 365، ومعجم المفسرين 1: 67.
(¬2) ينظر: معجم المؤلفين 2: 121، ومعجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666، ومعجم المفسرين 1: 67.
(¬3) ينظر: المنهل الصافي 2: 121، والوافي بالوفيات 8: 39، وقلادة النحر 6: 53، وطبقات الأولياء 1: 422، والأعلام 1: 222، وهدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121، والمقفى الكبير 1: 365، ومعجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666، ومعجم المفسرين 1: 67.
(¬4) ينظر: الوافي بالوفيات 8: 39، والمنهل الصافي 2: 121، وطبقات الأولياء 1: 422، وقلادة النحر 6: 53، والأعلام 1: 222، وهدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121، والمقفى الكبير 1: 365.
لما كان التصوف راجعاً لطرق متعددة، فقد بَيَّن بعضُ (¬1) مَن ترجمة له أن الطريقة التي سلكها في الوصول إلى ربه هي الطريقة الشاذليّة، وهذه الطريقة ترجع للعارف المشهور سيدي أبي الحسن الشاذلي الذي عمَّت شهرتُه في البلاد، وانتشر نفعُه بين العباد، نفعنا الله تعالى بفيوضه وأنواره.
سابعاً: مذهبه:
تعلم المذهب المالكيّ في معرفة أحكام التكاليف؛ لمعرفة الواجب عليه، ولتمييز الحلال من الحرام، وهذا ما اشتهر عنه (¬2).
المطلب الثاني: أسرته ومراحل حياته:
أولاً: أسرته:
كان والده عطاء الله معاصراً للشيخ أبى الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الشاذلية، فقد ذكر ابن عطاء الله فى كتابه «لطائف المنن» ما يلى:
«أخبرنى والدى ـ رحمة الله عليه ـ قال: دخلت على الشيخ أبي الحسن الشاذلى - رضي الله عنه - فسمعته يقول: والله قد تسألونني عن المسألة لا يكون لها عندي جواب، فأرى الجواب مسطراً في الدَّواة، والحصير، والحائط ... ».
¬
(¬1) ينظر: قلادة النحر 6: 53، وهدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121، والمقفى الكبير 1: 365.
(¬2) ينظر: المقفى الكبير 1: 365.
وكان جده من الفقهاء المشهورين فنشأ ابن عطاء كجده مهتماً بالفقه ساعياً أن يبلغ فيه مكانة رفيعة.
ويذكر ابن عطاء الله في «اللطائف» أن جده كان يُنكر على الصوفية، وأن الصوفية كانوا يصبرون على أذاه، كما يظهر ذلك من القصة التالية:
«قال الشيخ أبو العباس المرسي لأصحابه: إذا جاء ابنُ فقيه الإسكندرية ـ يقصد ابن عطاء الله ـ فأعلمونى به، فلما أتيت وعلم بي قال: «جاء جبريل - عليه السلام - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه ملك الجبال حين كذّبته قريش، فسَلَّم عليه ملك الجبال، وقال: يا محمد، إن شئت أُطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، ولكن أرجو أن يخرج من أصلابهم مَن يوحّده ولا يشرك به شيئاً،
فصَبر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجاء مَن يخرج من أصلابهم» (¬1)، كذلك صبرنا على جدِّ هذا الفقيه ـ يقصد جدّ ابن عطاء الله ـ لأجل هذا الفقيه» (¬2).
وكان للعارف ابن عطا ء أخ معروف بالعلم، وهو شرف الدين، قال ابن الملقن (¬3): «اجتمعت بأخيه العلامة شرف الدين بالاسكندرية، وسمعتُ منه، ولبستُ منه الطاقية كما ستعلمه».
ثانياً: أطوار حياته:
مرَّ العارف بالله ابن عطاء الله في ثلاثة أطوار:
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد، قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً» في صحيح البخاري 4: 115.
(¬2) ينظر: غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية، النفزي الرندي، ص 220.
(¬3) في طبقات الأولياء 1: 422.
الطور الأول: أمضاه بمدينة الإسكندرية طالباً للعلم بفنونه المختلفة من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول، ونحو، وبيان، وغيرها، من خيرة أساتذتها فى ذلك الوقت.
وفي هذا الطور من حياته كان متأثراً إلى حد كبير بآراء جدّه في إنكاره على الصوفية إنكاراً شديداً، تعصباً لعلوم الفقهاء، وقد ذكر ذلك فى كتابه «لطائف المنن»؛ إذ يقول: «وكنت أنا لأمره ـ أي لأمر أبي العباس المرسي ـ من المنكرين، وعليه من المعترضين، حتى جرت مقابلة بيني وبين أصحابه، وذلك قبل صحبتي إيّاه، وقلت لذلك الرجل: ليس إلّا أهل العلم الظاهر، وهؤلاء القوم ـ أي المتصوفون ـ يدّعون أموراً عظيمة، وظاهر الشرع يأباها».
الطور الثاني: ويبدأ الطور الثاني من حياته سنة 674 هـ عند التقائه بأبي العباس المرسي واصطحابه له، وينتهي بارتحاله إلى القاهرة، وفي هذا الطور نلاحظ زوال إنكاره للصوفية حين لقي أُستاذه المرسي؛ إذ أعجب به إعجاباً كبيراً، وأخذ عنه طريق الصوفية، وقد كان السبب في تحوّله الواضح من الإنكار الشديد إلى التصوف أنه أحسّ بأزمة نفسية شديدة، خشي معها أن يكون منكراً علي الشيخ أبى العباس المرسي من غير حقّ، وفى ذلك يقول:
وكان سبب اجتماعى به «بأبي العباس» أن قلت لنفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل: دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل، فصاحب الحقِّ له أَمارات، ولا يخفى شأنه، فأَتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلَّم في الأنفاس التي أمر الشارع بها، وعلمت أنَّ الرَّجل إنّما يغترف من فيض إلهي، فأذهب الله تعالى ما كان عندي».
ومما هو جدير بالذكر أن العارف ابن عطاء الله لم ينقطع عن طلب العلم بسلوكه طريق الصوفية، وإنّما ظل يطلب هذه العلوم بتوجيه شيخه له، فقد ظَنّ في بادئ الأمر أنه لن يستطيع أن يسلك طريق الصوفية إلّا إذا انقطع عن اشتغاله بهذه العلوم، وتفرغ بالكلية لصحبة شيخه.
ويذكر العارف ابن عطاء الله كيف كان أبو العباس المرسي يرسم لكل واحد من تلاميذه طريقاً خاصّا فيقول: «ودخلت أنا عليه ـ أي علي أبي العباس المرسي ـ وفى نفسي ترك الاشتغال بالعلم الظاهر، فقال لي من غير أن أبدي له شيئاً: صحبني بقوص إنسان يُقال له ابن ناشئ، وكان مدرّساً بها ونائب الحاكم، فذاق من هذا الطريق شيئاً على أيدينا، فقال:
يا سيدي، أأترك ما أنا فيه وأتفرغ لصحبتك؟ فقلت له: ليس هذا شأننا، ولكن امكث فيما أقامك الله تعالى، وما قسم لك على أيدينا هو إليك واصل،
ثم قال: وهكذا شأن الصديقين، لا يخرجون عن شيءٍ حتى يكون الحقّ هو الذي يتولى إخراجهم، فخرجت من عنده، وقد غسل الله تعالى تلك الخواطر من قلبي، وكأنها كانت ثوباً نزعته، ورضيت عن الله تعالى فيما أقامني فيه».
الطور الثالث: يبدأ من وقت ارتحاله من الإسكندرية ليقيم بالقاهرة، وينتهي بوفاته سنة 709 هـ، وهو طور نضجه واكتماله من الناحيتين: الفقهية والصوفية، والإفادة منهما في التدريس، وفى هذه المرحلة من حياته فرّق ابن العارف عطاء الله بين العزلة والخلوة، وأعطانا وصفاً مميزاً لكل منهما، ويرى ابن عطاء ضرورة اصطناع العزلة عن النّاس والخلوة في مكان بعيد، وفي ذلك يقول الغزالي فى «إحياء علوم الدين»: «والذين يستندون في هذا المسلك إلى أساس من اعتزال النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحنثه في غار حراء قبل نزول الوحي، حتى صفت نفسه وتهيّأ لنور النبوّة».
والعزلة عند العارف ابن عطاء تعني الانقطاع المعنوي لا الحقيقي عن الخلق، بحيث يكون السالك مراقباً نفسَه على الدوام، ومحاذراً أن يشغل ذهنه بالعالم، فإذا أحكم الصوفي عزلته، وألفت نفسه الوحدة دخل الخلوة.
ويعرِّف الخلوة بأنها وسيلةٌ للوصول إلى سرِّ الحقّ، فهي تبتّل إلى الله تعالى، وانقطاع عن غيره سبحانه وتعالى.
ويصف ابن عطاء الله البيت الذي يختلي فيه المتصوف فيقول: «فأمّا بيت الخلوة فله هيئة خاصة، فيكون ارتفاعه قدر قامة الرجل، وطوله قدر سجوده، وعرضه قدر جلسته، ولا يكون فيه ثقب ينفذ الضوء منه إلى الخلوة، وأن يكون بعيداً عن الأصوات، وبابه وثيقاً قصيراً فى دار معمورة بالناس».
المطلب الثالث: كراماته وثناء العلماء عليه:
أولاً: كراماته:
معلومات أنّ الكرامات حقّ، وأنّ الأولياء الصالحين يجري على يدهم العديد من الكرامات الخارقة للعادة كما تجري على يد الأنبياء إلا الوحي خاص بالأنبياء دون الأولياء.
والعارف بالله تعالى ابن عطاء السكندري بلغ مبلغاً عظيماً وشأناً كبيراً في الولاية والمكانة كما يلحظ من مؤلفاته والقبول الواسع له وانتشار علمه بين المسلمين وانتفاع الناس به، فلا شك أنه هذه أعظم الكرامات وأكبرها.
ورغم ذلك جرت على يديه العديدة من الكرامات، ومنها:
1.ما روى ابن حجر العسقلانى: «يقال: إن ثلاثة قصدوا مجلسه، فقال أحدهم: لو سلمت من العائلة لتجردت. وقال آخر: أنا أصلى وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرّة.
وقال الثالث: أنا صلاتى ما ترضينى فكيف ترضى ربى؟ فلما حضروا مجلسه قال فى أثناء كلامه: ومن الناس من يقول كذا وكذا، وأعاد كلامهم بعينه».
2.ذكر المناوي في كتابه «الكواكب الدرية» واقعتين أخريين خارقتين للعادة، وعدّهما من قبيل الكرامات، ففى الأولى يقول: إن الشيخ الكمال ابن الهمام زار قبره، فقرأ عنده سورة هود حتى وصل إلى قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ.
فأجابه ابن عطاء الله من القبر بصوت عال: يا كمال، ليس فينا شقى! .. فأوصى أن يدفن بجواره ..
والواقعة الثانية: أن رجلا من تلاميذ ابن عطاء الله حجّ، فرأى الشيخ ابن عطاء الله فى المطاف، وخلف المقام، وفي المسعى، وفي عرفة، فلما رجع سأل عن الشيخ: هل خرج من البلد في غيبته في البلاد الحجازية؟ قالوا: لا، فدخل إليه وسلّم عليه، فقال له: من رأيت في سفرتك من الرجال؟ قال: يا سيدى رأيتك، فتبسّم وقال: الرجل الكبير يملأ الكون، لو دعى القطب من حجر لأجاب.
ثانياً: ثناء العلماء عليه:
مَن بلغ هذا المقام الذي بلغه هذا العالم العارف بالله تعالى، فلا يُمكن أن تحصر العبارات في الثناء عليه ووصفه وبيان حاله، وإنّما نذكر شيئاً للتنبيه على مقامه ومكانته وتزكية العلماء له، ومنها:
قال ابن الملقن (¬1): «الزاهد تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي، كان ينتفع الناس بإشاراته، وله موقع في النفس وجلالة، ومشاركة في الفضائل، مات كهلاً».
وقال الصفدي (¬2): «العارف ... كان رجلاً صالحاً يتكلَّم على كرسي في الجامع بكلام حسن، وله ذوق ومعرفة بكلام الصوفية، وآثار السلف، وله عبارةٌ عذبةٌ، لها وقع في القلوب، وكانت له مشاركةٌ في الفضائل، وكان تلميذاً لأبي عباس المرسيّ صاحب الشَّاذلي، ... وكانت له جلالة».
وقال ابن تغرى (¬3): «الشيخ الزاهد المعتقد العارف بالله تاج الدين، أبو الفضل الإسكندري الصوفي المشهور، كان صاحب كرامات وأحوال .... وكانت عليه جلالة ومهابة، وله أدب وفضل».
وقال الهجراني (¬4): «الشيخ الكبير الشهير ... كان فقيهاً عالماً، يُنكر على
¬
(¬1) في طبقات الأولياء 1: 422.
(¬2) في الوافي بالوفيات 8: 39.
(¬3) في المنهل الصافي 2: 121.
(¬4) في قلادة النحر 6: 53.
الصوفية، ثمّ جذبته العناية، فصحب أبا العباس المرسي، وانتفع به، وفتح له على يديه، ومن أراد الاطلاع على فضائله وفضائل شيخه وشيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي .. فليطالع كتابه الموسوم ب: «لطائف المنن»».
وقال المقريزي (¬1): «الشيخ العارف ... تكلّم بالجامع الأزهر وغيره فوق كرسيّ بكلام يروّح النفوس على طريقة القوم، مع إلمام بآثار السلف، ومشاركة في الفضائل، فأحبّه الناس، وكثر أتباعه، وكان رجلا صالحا، له ذوق، وعليه سيماء الخير».
المطلب الرابع: خصومة ابن تيمية:
معلوم أن الخصومة كانت كبيرةً بين ابن تيمية وبين علماء عصره؛ لكثرة خروجه عن منهاج أهل السني الفقهي والعقدي والسلوكي، حتى أفتوا بسجنه مرة بعد مرة أكابر العلماء في عصره، حفاظاً على المنهج السني من التشويش والاضطراب، ورعاية للمجتمع من انتشار العقائد الزائعة والفتاوى المضللة.
وكان من أكثر العلماء الذي تصدوا لما صدر عن ابن تيمية من شذوذات العارف بالله ابن عطاء السكندري، حيث خاصمه وواجهه وبذل قصارى جهده في المنع من هذا الانحراف، قال الصفدي (¬2): «وكان من كبار القائمين
¬
(¬1) في المقفى الكبير 1: 365.
(¬2) في الوافي بالوفيات 8: 39.
على الشيخ تقي الدين ابن تيمية».
وقال المقريزي (¬1): «وكان من أشدّ الناس قياماً على تقيّ الدين أحمد بن تيمية».
ونذكر مثالاً فيه قصة تبين حقيقة الحال، فعندما استمر سجن ابن تيمية في الجبِّ بقلعة الجبل وصل الأمير حسام الدين مهنا إلى الأبواب السلطانية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبع مئة فسأل السلطان في أمره وشفع فيه، فأمر بإخراجه فأخرج في يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر، وأُحْضِر إلى دار النيابة بقلعة الجبل وحصل بحث مع بعض الفقهاء ثم اجتمع جماعة من أعيان العلماء ولم تحضره القضاة وذلك لمرض قاضي القضاة زين الدين المالكي، ولم يحضر غيره من القضاة، وحصل البحث وكتب خطّه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب مضمونه:
بسم الله الرحمن الرحيم شهد من يضع خطه آخره أنه لما عقد مجلس لتقي الدين أحمد ابن تيمية الحراني الحنبلي بحضرة المقر الأشرف العالي المولوي الأميري الكبيري العالمي العادلي السيفي ملك الأمراء سَلاَّر الملكي الناصري نائب السلطة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية.
بسبب ما نُقِل عنه وَوُجِد بخطُه الذي عرف به قبل ذلك من الأمور
¬
(¬1) في المقفى الكبير 1: 365.
المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت، وأن الاستواء على حقيقته وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده في ذلك إلى أن قال بحضور شهود: أنا أشعري، ورفع كتاب الأشعرية على رأسه، وأشهد عليه بما كتب به خطًا، وصورته: الحمد لله، الذي أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية، وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، كتبه: أحمد ابن تيمية، والذي اعتقده من قوله: ? ژ ژ ڑ ? [طه: 5] أنه على ما قاله الجماعة، أنه ليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كُنْهَ المراد منه بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، كتبه أحمد بن تيمية.
والقول في النزول كالقول في الاستواء، أقول فيه ما أقول فيه، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، وليس على حقيقته وظاهره، كتبه: أحمد ابن تيمية، وذلك في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.
هذا صورة ماكتب به بخطه، وأشهد عليه أيضًا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافي هذا الاعتقاد في المسائل الأربع المذكورة بخطه، وتلفظ بالشهادتين المعظمتين، وأشهد عليه أيضًا بالطواعية والاختيار في ذلك ووقع ذلك كله بقلعة الجبل المحروسة من الديار المصرية حرسها الله تعالى بتاريخ يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.
وشهد عليه في هذا المحضر جماعة من الأعيان المُفْتين والعدول، وأفرج
عنه واستقر بالقاهرة بدار شقير، ثم عُقد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة في يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر وكتب بخطه نحو ما تقدم ووقع الإشهاد فيه عليه أيضًا.
وسكن الحال مدة ثم اجتمع جماعة من المشايخ والصوفية مع الشيخ تاج الدين ابن عطاء الله في نحو خمس مئة نفر وتبعهم جمعٌ كثير من العوام وطلعوا إلى قلعة الجبل في العشر الأوسط من شوال من السنة، واجتمع الشيخ المذكور وأعيان المشايخ بنائب السلطان وقالوا: إن تقي الدين يتكلم في حق مشايخ الطريقة، وأنه يقول: لا يُسْتغاث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فرد الأمر إلى قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي.
واقتضى الحال أن رُسِمَ بتفسيره إلى الشام على خيل البريد، فتوجه وكان قاضي القضاة زين الدين المالكي في ذلك الوقت في حالٍ شديدةٍ من المرض، وقد أشرف على الموت، فبلغه ذلك عقيب إفاقة من غشي كان قد حصل له، فأرسل إلى الأمير سيف الدين سلاَّر وسأله في رده فأمر برده إلى القاهرة، فتوجه البريد وأعاده من مدينة بلبيس فوصل وقاضي القضاة زين الدين مغلوب بالمرض فأرسل إلى نائبه القاضي نور الدين الزواوي فحضر به إلى مجلس قاضي القضاة بدر الدين وحررت الدعوى عليه في أمر اعتقاده وما وقع منه.
فشهد عليه الشيخ شرف الدين ابن الصابوني، وقيل: إن الشيخ علاء الدين القُوْنوي يشهد عليه فاعتقل بسجن الحاكم بحارة الديلم، وذلك في
ثامن عشر شوال سنة سبع وسبعمائة، واستمر به إلى سلخ صفر سنة تسع وسبع مئة، فأُنهيَ عنه أن جماعة يحضرون إليه بالسجن، وأنه يَعِظُهم ويتكلَّم في أثناء وعظه بما يشبه ماتقدم من كلامه، فأمر بنقله إلى ثغر الإسكندرية واعتقاله هناك، فجهز إلى الثغر في هذا التاريخ وحبس ببرج شرقي واستمر به إلى أن عادت الدولة الناصرية (¬1).
المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه:
أولاً: شيوخه:
إن بلوغ هذا المقام العلمي والمعرفة العلمية تقتضي من صاحبها أن مجتهداً جداً، وباذلاً وقته وعمره في سبيل الله تعالى في طلب العلم والتقرب إليه سبحانه، ولا يكون هذا إلا بالتعلم على أيدي الأئمة الكبار والعلماء العظام؛ لأنه الوسيلة الوحيدة للتلقي بطريقة صحيحة وفق المنهج السني.
لذلك نجد العارف بالله ابن عطاء الله تتلمذ على أشهر فقهاء الإسكندرية فى ذلك العصر، ومنهم الفقيه ناصر الدين المنير الجذامى الإسكندري.
ولازم أحد أبرز أئمة التصوف في عصره، وهو الشيخ أبو العبّاس المرسيّ صاحب أبي الحسن الشاذليّ وتتلمذ له (¬2)، فنهل من معارفه وتربى على
¬
(¬1) ينظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية 1: 182.
(¬2) ينظر: المقفى الكبير 1: 365.
يديه، حتى بلغ ما بلغ.
ثانياً: تلاميذه:
هذه العلوم اللدنية التي اكتسبها، والمعارف الرباينة التي تلقاها جعلت العارف ابن عطاء الله قبلةً للرَّاغبين في السلوك لله تعالى، حتى يجدون مقاصدهم ويصلون إلى مرامهم، فتزاحم عليه الطلبة والكملة في التلقي والتربية والتزكية، ومنهم:
1.الإمام العلامة علي بن عبد الكافي بن علي السبكي تقي الدين أبو الحسن الشافعي، وأخذ عليه التصوف (¬1)، والسُّبْكِيّ نسبةً إلى سُبْك من أعمال المنوفيةِ، شيخ الإسلام في عصره، من مؤلفاته: «الدر النظيم في التفسير» لم يتم، و «مجموعة فتاوى»، و «الابتهاج في شرح المنهاج»، (683 - 756 هـ) (¬2).
2.الشيخ داود الكبير بن ماخلا الشاذلي، العالم الشهير الإِمام الفاضل العارف بالله الولي الواصل، أخذ عن العارف ابن عطاء الله وانتفع به، وعنه الشيخ محمد وفا مؤلف «عيون الحقائق»، لم أقف على وفاته (¬3).
3.داود بن عمر بن إبراهيم الأسكندري: كان من الأئمة الراسخين
¬
(¬1) ينظر: الدرر الكامنة 4: 74.
(¬2) ينظر: الدرر الكامنة 3: 63 - 71، والأعلام 5: 116.
(¬3) ينظر: شجرة النور 1: 293.
والعلماء العاملين أخذ عن التاج ابن عطاء الله وانتفع به، كان عالماً بفنون عديدة وله تصانيف مفيدة منها: «شرح مختصر التلقين» و «جمل الزجاجي» وغير ذلك في المعاني والبيان، (ت 733 هـ) (¬1).
المطلب السادس: مؤلفاته:
اشتهرت العديد من المؤلفات للعارف ابن عطاء الله لا سيما حكمه التي بلغت شهرتها الآفاق، فكانت مرجعاً أصيلاً لكل من أراد الذوق الصوفي والمعرفة الإلهية، وأذكر هاهنا الكتب التي نسبت له، مع أن في نسبة أكثرها إليه نظر.
1. «الحكم العطائية» (¬2)، وهي الكتاب الذي بين أيدينا (¬3).
¬
(¬1) ينظر: شجرة النور 1: 293.
(¬2) ينظر: الأعلام 1: 222، والمقفى الكبير 1: 365، وفي هدية العارفين 1: 103: الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة.
(¬3) من نسخه المخطوطة: آماسيه رقم 1695/ 2 ورقة 33 - 46؛ محمد عاصم رقم 728/ 1 ورقة 15؛ 981 هـ؛ المكتبة القادريّة 1455/ 24 ورقة 157 - 167؛ 1171 هـ؛ مكتبة الأوقاف العامّة 5376/ 4 ورقة 15؛ 1175 هـ؛ رقم 4818؛ 4932؛ متحف مولانا 6906 ورقة 33؛ 907 هـ؛ جعفر ولي 483 ورقة 32؛ 1273 هـ؛ المكتبة القادريّة 693 ورقة 20؛ 1033 هـ؛ 695 ورقة 24؛ 1177 هـ؛ أسعد أفندي 1395؛ طهطاوي فقه 59 ورقة 21، 1183 هـ؛ مجامع 7 ورقة 26؛ أحمد ثالث يكيلر 4404/ 5 ورقة 40 - 50، محمود ثاني 414 ورقة 607؛ 1158 هـ؛ روان كوشكي 246/ 2 ورقة 97 - 115، 1015 هـ؛ Amucezade رقم 275 ورقة 18 , 1108 هـ؛ معلّم جودت 587/ K ورقة 19، 1090 هـ؛ وهبي أفندي 2000/ 3؛ الظاهريّة 3756 مجموع 19 ورقة 30 - 39 , 1101 هـ؛ القاهرة ملحق رقم 22963/ ب ورقة 59، 1170 هـ؛ رقم 20539/ ب مجموعة ورقة 120 - 142؛ المدرسة الحجيّات بالموصل مجامع 22/ 111/ 2؛ المدرسة الأحمديَة بالموصل مجامع 24/ 42/ 1؛ مدرسة الحاج زكريا بالموصل 5/ 4 ورقة 80 , 1112 هـ؛ دار الكتب الوطنيّة بتونس 5974/ 1 ورقة 17، 1218 هـ، خزانة المدرسة العليا بالرباط 65/ 17 ورقة 153 - 172؛ المكتبة الخاصّة لعبد الله بن محمد بن محمد بن حسين غمضان بصنعاء 66 ضمن مجموعة، نشر في بيروت 1972؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666 كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
2. «تاج العروس (¬1) الحاوي على تهذيب النفوس»، نسبه له الزركلي والبغدادي (¬2).
¬
(¬1) من نسخه المخطوطة: آماسيه رقم 1695/ 1 ورقة 33؛ عثمان أركين 453 ورقة 68؛ مكتبة الأوقاف العامّة 7145/ 1 ورقة 21؛ 1074 هـ؛ رقم 4808/ 2 ورقة 36؛ المكتبة القادريّة 698 ورقة 50؛ إزمير ملّي 923/ 3 ورقة 40 - 68؛ 1187 هـ؛ المكتبة العباسية بالبصرة رقم 131/ ج، 1242 هـ؛ طهطاوي تصوّف 10 ورقة 49 , 819 هـ؛ القاهرة ملحق رقم 22951/ ب ورقة 45؛ رقم 20534/ب مجموعة ورقة 164 - 215؛ رقم 20624/ ب ورقة 40؛ بلديّة الإسكندريّة 5173/ج ورقة 22، 1244 هـ؛ رقم 3121/ج 21 ورقة 45 كتبت في القرن 13 هـ؛ رقم 3211/ج ورقة 36 كتبت في القرن 13 هـ؛ خزائن مدرسة الخيّاط بالموصل مجامع 16/ 36/ 9 , 1248 هـ؛ المكتبة السليمانية قسم البابانيان 3/ 6 ت / مجامع /102 - 109 ورقة 32، 1292 هـ؛ دار الكتب الوطنيّة بتونس 2081 ورقة 31 , 1069 هـ؛ رقم 7332/ 3 ورقة 45 - 100، بانكبور خدابخش رقم 8/ 2637 ورقة 45 , 1200 هـ، طبع في القاهرة 1286، 1291 ,1304 ,1305 ,1345، كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬2) ينظر: الأعلام 1: 222، وهدية العارفين 1: 103.
3. «لطائف المنن (¬1) في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي»، نسبه له المقريزي والزركلي وكحالة والبغدادي (¬2).
4. «أصول مقدمات الوصول»، نسبه له البغدادي والزركلي (¬3).
5. «التنوير (¬4) في إسقاط التدبير»، نسبه له المقريزي والبغدادي
¬
(¬1) ينظر: جامعة أمّ القرى 174 ورقة 6؛ قره مان رقم 945 ورقة 176؛ 694 هـ؛ متحف مولانا 114/ 7 ورقة 325 - 343 كوبريلي رقم 772/ 1 ورقة 142؛ رقم 773 ورقة 68؛ 1008 هـ؛ الظاهريّة 8338 ورقة 100؛ 887 هـ؛ رقم 8943 ورقة 93؛ 943 هـ؛ رقم 5926 ورقة 86؛ 1024 هـ؛ Chester Beatty 3062 ورقة 128، 740 هـ؛ رقم 4782 ورقة 118؛ المدرسة المحمَديّة بالموصل مجامع 20/ 13/ 1؛ مدرسة جامع مريم خاتون بالموصل 42 ورقة 101؛ خزانة جامع الزيتونة بتونس مناقب 3427 ورقة 133؛ دار الكتب الوطنيّة بتونس ورقة 200؛ رقم 3597 ورقة 220؛ رقم 7453/ 1 ورقة 1184,89 هـ؛ طبعت في تونس 1304 وفي القاهرة 1322، 1974 وفي دمشق 1992؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬2) ينظر: الأعلام 1: 222، وهدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121، والمقفى الكبير 1: 365.
(¬3) ينظر: هدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121.
(¬4) من نسخه المخطوطة: أحمد باشا رقم 117 رقة 124؛ أحمد ثالث 1421 ورقة 267، 760 هـ؛ رقم 1483 ورقة 128؛ خزينه رقم 2/ 1769 ورقة 10 - 86 ,1144 هـ؛ رقم 59/ 3 , ورقة 34 - 46؛ عثمان أركين 453 , ورقة 68؛ مكتبة الأوقاف العامّة 13760؛ 4730؛ 4887/ 2؛ متحف مولانا 6906/ 2 ورقة 24 - 114؛ karahisar قم 17594 ورقة 95 طهطاوي تصوّف 30 ورقة 110، 995 هـ؛ ماكس ما يرهوف 53 ورقة 98؛ 5029 Chester Beatty ورقة 73، 770 هـ؛ القاهرة ملحق رقم 22987/ ب ورقة 106 , 1271 هـ؛ ر قم 21849/ ب ورقة 67 ,1157 هـ؛ آية الله نجفي 2132 ورقة 79، 1268 هـ؛ بلديَة الإسكندرية 2041/ د ورقة 91، 999 هـ؛ رقم 1525/ ب ورقة 58 , 1274 هـ؛ رقم 4627/ ج ورقة 173 - 247 كتب في القرن 13 هـ؛ المدرسة الرضوانيّة بالموصل 4/ 4 ورقة 94؛ رقم 4/ 5 ورقة 79؛ جامعة الكويت رقم 26/ 1؛ مدرسة تلمسان بالجزائر 28/ 2 ورقة 25 , 1197 هـ؛ نشر في القاهرة 1281 ,1290 ,1345 ,1970 ,1973؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
وكحالة (¬1).
6. «الطريق الجادة في نيل السعادة»، نسبه له البغدادي (¬2).
7. «مختصر تهذيب المدونة للبرادعي» في الفقه، نسبه له البغدادي (¬3).
8. «المرقى إلى القدير الأبقى»، نسبه له البغدادي وكحالة (¬4).
9. «مفتاح الفلاح (¬5) في ذكر الله الكريم الفتاح»، نسبه له البغدادي
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121، والمقفى الكبير 1: 365.
(¬2) ينظر: هدية العارفين 1: 103.
(¬3) ينظر: هدية العارفين 1: 103.
(¬4) ينظر: هدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121.
(¬5) ينظر: خزينه رقم 286 ورقة 48؛ مكتبة الأوقاف العامّة 4887 ورقة 50؛ 1146 هـ؛ Ramazanoglu رقم 907/ 6 ورقة 20 - 76؛ خزانة الدكتور داود جلبي ورقة 76، 1036 هـ؛ مدرسة الصائغ مجامع 17/ 20/ 2؛ جامعة الكويت رقم 26/ 2 , 10/ 3؛ دار الكتب الوطنيّة بتونس 4112/ 1 ورقة 48؛ الجامع الأعظم بالجزائر 103/ 40/ 2 ورقة 164 - 206؛ طبع في القاهرة 1332 , 1903؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
وكحالة (¬1)، قال الزركلي (¬2): «وينسب إليه كتاب «مفتاح الفلاح» وليس من تأليفه».
10. «الأنفاس الزكية (¬3) في شرح الحكم العطائية»، نسبه له بلوط (¬4).
11. «تحرير التنزيه (¬5) وتحرير التشبيه في الكلام»، نسبه له بلوط (¬6).
12. «ترتيب (¬7) السلوك»، نسبه له بلوط (¬8).
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين 1: 103، ومعجم المؤلفين 2: 121.
(¬2) في الأعلام 1: 222.
(¬3) من نسخه المخطوطة: Karahisar رقم 17172 ورقة 176؛ القاهرة ملحق رقم 21490/ ب ورقة 103، 1055 هـ، كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬4) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬5) من نسخه المخطوطة: المكتبة العثمانية الرضائية بحلب 577 ورقة 11، 683 هـ؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬6) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬7) من نسخه المخطوطة: الجامع الأعظم بالجزائر 103/ 40/ 3 ورقة 206 - 209؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬8) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
13. «حزب الرجاء (¬1) والابتهال والالتجاء»، نسبه له بلوط (¬2).
14. «شرح قصيدة (¬3) أبي مدين المغربي»، نسبه له بلوط (¬4).
15. «عنوان التوحيد (¬5) في آداب الطريق»، نسبه له بلوط (¬6).
16. «الفوائد (¬7) في الأخلاق»، نسبه له بلوط (¬8).
17. «القصد المجرّد (¬9) في معرفة اسم المفرد»، نسبه له بلوط (¬10).
¬
(¬1) من نسخه المخطوطة: الجامع الأعظم بالجزائر 88/ 29 /8 ورقة 44 - 46؛ الجزائر 4/ 1721؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬2) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬3) من نسخه المخطوطة: جامعة أمّ القرى 1192/ 3 ورقة 11؛ بلديّة الإسكندريّة 1524/ ب ورقة 8 كتب 12 هـ؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬4) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬5) ينظر: طبع في بيروت 1408، كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬6) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬7) من نسخه المخطوطة: آستان قدس رضوي رقم 613؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬8) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬9) من نسخه المخطوطة: دار الكتب الوطنيّة بتونس 4250/ 1، 995 هـ؛ رقم 3061 ورقة 27، 1282 هـ؛ طبع في دمشق 1990؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬10) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
18. «قصيدة (¬1) ابن عطاء الله الإسكندري»، نسبه له بلوط (¬2).
19. «اللامعة المنيرة (¬3) والدرة المنيرة»، نسبه له بلوط (¬4).
20 «المناجات (¬5) العطائية (منظوم)»، نسبه له بلوط (¬6).
ومعلوم أن عامة هذه المؤلفات نسبها له بلوط والبغدادي وكحالة، وهم ليسوا من المؤرخين المعتبرين، ولا كتبهم من الكتب المعتمدة التي يعوَّل عليها؛ لأنهم يجمعون فيها بدون تحقيق ولا تمحيص، فلا تصح نسبة كتاب لصاحبه بالاعتماد عليه، وإنما يجب أن يتثبت من غيرهم حتى تصح النسبة في الكتاب لمؤلفه.
¬
(¬1) ينظر: مكتبة الأوقاف العامّة 4811/ 8؛ 1064 هـ؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬2) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬3) ينظر: قره مان 945/ 2 ورقة 176 - 179؛ كما في معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬4) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬5) من نسخه المخطوطة: الظاهريّة عام 19 ورقة 7 - 8؛ 36 بيتا؛ حسن حسني عبد الوهّاب بتونس 17901/ 9 ورقة 70 - 73؛ طبعت في بيروت 1972؛ 19 - وصية ابن عطاء الله الإسكندري بالإخوان قره مان رقم 945/ 3 ورقة 179 - 182؛ طبعت في تونس 1304 وفي القاهرة 1322؛ 1974 وفي دمشق 1992 مع لطائف المنن؛ معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬6) ينظر: معجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
المطلب السابع: شعره ووفاته:
أولاً: شعره:
عرف العارف بالله ابن عطاء الله بنظمه للشعر الحسن، ومنه:
مرادي منك نسيان المراد ... إذا رمتَ السبيل إلى الرشاد
وإن تدع الوجود فلا تراه ... وتصبح ماسكاً حبل اعتماد
إلى كتم غفلة عني وإني ... على حفظ الرعاية والوداد
ودي فيك لو تدري قديم ... ويوم السبت يشهد بانفرادي
وهل رب سواي فترتجيه ... غدا ينجيك من كرب شداد
فوصف العجز عمّ الكون طُرّا ... فمفتقر بمفتقر ينادي
وبي قد قامت الأكوان طُرّا ... وأظهرت المظاهر من مرادي
ووصفك فالزمنه وكن ذليلاً ... ترى مني المنى طوع القياد
وكن عبداً لنا والعبد يرضى ... بما تقضي الموالي من مراد (¬1)
ثانياً: وفاته:
توفّي العارف بالله بالمدرسة المنصوريّة (¬2) من القاهرة في ثالث عشر
¬
(¬1) ينظر: طبقات الأولياء 1: 422.
(¬2) ينظر: معجم المفسرين 1: 67.
جمادى الآخرة (¬1) القاهرة سنة 709 هـ، تسع وسبعمائة (¬2)، وكانت جنازته مشهودةً (¬3).
قال المقريزي (¬4): «دفن بالقرافة، وتردّد الناس لزيارة قبره تبرّكا به، وعملوا عند قبره في كلّ ليلة حادي عشر جمادى من كلّ سنة مجتمعاً يقرءون فيه القرآن ويطعمون الطعام، فيحشر الناس من أكثر الجهات لشهود هذا المحيا ويخلطون فيه الحقّ بالباطل، ويأتون أنواعا من المنكرات، وهم على ذلك إلى يومنا».
المطلب الثامن: شروح الحكم:
تعدُّ الحكم من أَشهر الكتب في تاريخ الأمة، ومن أبرز كتب التَّصوف، فقد نالت قبولاً عظيماً وانتشاراً كبيرة، وأَصبح الكلُّ يحتجُّ بعبارتها، ويَفرحُ بحفظها وفهمها، ويَفتخر بذكرها وتكرارها، حتى قال بعضُهم: «حكم ابن عطاء الله يلهج كثير من متصوِّفه زمننا بحفظ كلمات منها» (¬5).
ولما صنفها عرضها على شيخه أبي العباس المرسي فتأمّلها، وقال له: لقد
¬
(¬1) ينظر: المقفى الكبير 1: 365.
(¬2) ينظر: المنهل الصافي 2: 121، وقلادة النحر 6: 53، وسلم الوصول 4: 82، والأعلام 1: 222، والمقفى الكبير 1: 365، ومعجم تاريخ التراث 1: 463 ـ 666.
(¬3) ينظر: طبقات الأولياء 1: 422.
(¬4) في المقفى الكبير 1: 365.
(¬5) ينظر: البدر الطالع 1: 108.
أتيت يا بني في هذه الكراسة بمقاصد «الإحياء» وزيادة، ولذلك تعشقها أرباب الذوق لما رقّ لهم من معانيها وراق، وبسطوا القول فيها، وشرحوها كثيراً (¬1).
فأقبل على درسها الطلبة والكملة، ورغب بشرحها الأكابر، فلا تحصى الشروح عليها، وهاهنا ذكر لبعض الشُّروح عليها؛ لبيان مقامها ومقدارها:
1.شرح أبي الفلاح صالح بن محمد بن صالح السباعي، الأستاذ العمدة العارف بالله القدوة الحبر الإمام الفاضل الهمّام نادرة الأيام، وعمدة الأنام، الزّاهد الثقة الأمين مع ورع ودين متين، (1154 ـ 1221 هـ) (¬2).
2.شرح أبو محمَّد عبد المجيد الشُّرنوبي الأزهري، العلامة المحقق المجيد واسطة العقد الفريدة العمدة الإِمام المؤلف المحقق الهمّام، أخذ عن جلة من علماء الأزهر، له تآليف رزق فيها القبول منها «شرح مختصر البخاري» لابن أبي جمرة، و «شرح الأرْبعين النووية» واختصر «الشمائل المحمدية»، و «شرح دلائل الخيرات» و «الجامع الصغير» و «دلالة السالك على أقرب المسالك»، و «مناهج التسهيل على متن خليل»، و «مناهج التيسير على مجموع الأمير» و «إرشاد السالك على ألفية ابن مالك» و «المحاسن البهية على العشماوية»، و «الكواكب الدرية على متن العزية»، و «تقريب المعاني
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 1: 675.
(¬2) ينظر: شجرة النور 1: 519.
على رسالة ابن أبي زيد القيرواني»، و «شرح حكم ابن عطاء الله»، و «تائية الشيخ أبي العباس الشرنوبي»، و «ديوان خطب مثلث السجعات»، و «ديوان مربع السجعات»، وغير ذلك، (ت 1348 هـ) (¬1).
3.شرح محمد بن زغران التونسي، الشيخ أبي المواهب، ونحا في شرحه نحو شقائق الفلاسفة ودقائقهم، فاللَّه أعلم بمراده، ولم يكمل، (ت 882 هـ) (¬2).
4.شرح علي بن محمد بن محمد بن علي القرشي البسطي القلصادي (815 - 891 هـ) (¬3).
5.شرح أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى الشهاب البرنسي المغربي الفاسي المالكي، ويعرف بزروق (¬4).
6.شرح خلف بن محمد بن محمد الزين أبو محمد المشالي ثم الشيشيني القاهري الشاذلي (¬5).
7. «أحكام الحكم لشرح الحكم»؛ لبرهان الدّين أبو الطيب إبراهيم بن
¬
(¬1) ينظر: شجرة النور 1: 589.
(¬2) نيل الابتهاج 1: 557.
(¬3) ينظر: تراجم المؤلفين التونسيين 4: 107.
(¬4) ينظر: الضوء اللامع 1: 222.
(¬5) ينظر: الضوء اللامع 3: 185.
محمود بن أحمد بن حسن أوقصرائي (ت 908 هـ) (¬1).
8.شرح أبي الطيب إبراهيم بن محمود الأقصرائي المواهبي المصري الشاذلي الحنفي، (ت 914 هـ)، وهو شرحٌ حسنٌ، وكان ينفق نفقة الملوك، ويلبس ملابسهم، وذلك من غيب الله تعالى لا يدري أحد له جهة معينة تأتيه منها الدنيا، ولم يطلب الطريق حتى لحقه المشيب.
فجاء إلى سيدي محمد المغربي الشّاذلي وطلب منه التربية، فقال له: يا إبراهيم، تريد تربية بيتية وإلا سوقية. فقال له: ما معنى ذلك؟ قال: التربية السوقية: هي أن أعلمك كلمات في الفناء والبقاء ونحوهما، وأجلسك على السجادة، وأقول لك خذ كلاماً وأعط كلاماً من غير ذوق ولا انتفاع.
والتربية البيتية بأن تفني اختيارك في اختياري، وتشارك أهل البلاء، وتسمع في حقِّك ما تَسمع فلا تتحرك لك شعرة اكتفاء بعلم الله تعالى، فقال أطلب التربية البيتية، قال: نعم لكن لا يكون فطامك إلّا بعدي على يد الشيخ أبي المواهب، وكان الأمر كذلك، ولذلك لم يشتهر إلا بالمواهبي.
ثم قال له الشيخ محمد: قف غلاما اخدم البيت والبغلة، وحسّ الفرس، وافرش تحتها الزبل، وكب التراب، فقال: سمعا وطاعة، فلم يزل يخدم عنده حتّى مات، فاجتمع على سيدي أبي المواهب ولم يزل عنده يخدم كذلك ولم يجتمع مع الفقراء في قراءة حزب ولا غيره حتّى حضرت سيدي أبا المواهب
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذهب 10: 52.
الوفاة، فتطاول جماعة من فقرائه إلى الأذن، فقال الشيخ: هاتوا إبراهيم فجاءه، فقال: افرشوا له السجادة فجلس عليها، وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق فأبدى الغرائب والعجائب، فأذعن له الجماعة كلهم (¬1).
9.شرح شهاب الدّين أحمد بن عمر بن سليمان الجعفري الدمشقي الشافعي الصّوفي الوفائي (ت 920 هـ)، وهو شرح لطيف، وضعه على أسلوب غريب كلما تكلّم على حكمة اتبعها بشعر عقدها فيه فمن ذلك قول:
أجلّ أوقاتِ عارفٍ زَمَن ... يشهد فيه وجود فاقته
متّصفاً بالذي يُقرِّبه ... من رَبِّه من وجود زلّته
عقد فيه قول ابن عطاء الله: «خير أوقاتك وقت شهدت فيه وجود فاقتك، وتردّ إلى وجود ذلّتك».
وقال أيضاً:
خير ما تطلب منه ... هو ما يطلب منكا
فاطلب التوفيق منه ... للذي يرضيه عنك
عقد فيه قول ابن عطاء الله: «خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذهب 10: 91.
(¬2) ينظر: شذرات الذهب 10: 138.
10.شرح أحمد بن محمد بن عبد الرحمن البتروني الحلبي، شرح حكم ابن عطاء الله في مجلد ضخم (¬1).
11. «الدرر الجوهرية» لعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين، الملقب زين الدين الحدادي ثم المناوي (¬2).
12.شرح محمد شريف بن المنلا يوسف بن القاضى محمود بن المنلا، كمال الدين الكورانى الصديقى الشاهوى الرويسى الشافعى، صدر من صدور الأئمة، كان عالماً ولياً قدوة فى أفراد العلماء الزاهدين (¬3).
13.شرح الولي الصالح المعتقد المجذوب العالم العامل الشيخ علي ابن حجازي بن محمد البيومي الشافعي الخلوتي ثم الأحمدي، (ت 1083 هـ) (¬4).
14.شرح العلامة أبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي، (ت 1206 هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الأثر 1: 345.
(¬2) ينظر: خلاصة الأثر 2: 416، وكشف الظنون 1: 675.
(¬3) ينظر: خلاصة الأثر 4: 280.
(¬4) ينظر: تاريخ العجائب 1: 379.
(¬5) ينظر: عجائب الآثار 2: 137.
15.شرح مصطفى أبو العُلا، (ت 1406 هـ)، شرح فيه حكم ابن عطاء الله السكندري (¬1).
16.شرح احمد بن عمر بن سليمان الجعفري، الدمشقي الوفائي، الشافعي شهاب الدين، (ت 920) (¬2).
17. «إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عطاء الله»؛ لأحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني، الإدريسي، الشاذلي، الفاسي، أبي العباس، (1160 ـ 1224 هـ) (¬3).
18.شرح حسن بن عوض بن مخدم، (1260 - 1331 هـ) (¬4).
19.شرح علي بن حجازي بن محمد البيومي، الحسني، الادريسي، الشاذلي، الشافعي، الخلوتي، الدمرداشي، الأحمدي، (1108 - 1183 هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير 3: 2655.
(¬2) ينظر: معجم المؤلفين 2: 32.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين 2: 163.
(¬4) ينظر: معجم المؤلفين 3: 267.
(¬5) ينظر: معجم المؤلفين 7: 56.
20.شرح أبي القاسم الرماح، من أهل طرابلس الغرب، (ت 887 هـ) (¬1).
21.شرح محمد بن عبادة بن بري العدوي المالكي، (ت 1193 هـ) (¬2).
22.شرحان للحكم لمحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن احمد جسوس، (1109 - 1182 هـ) (¬3).
23.شرح محمد بن يوسف بن احمد بن علي البدري الدجاني، القشاشي، القدسي الأصل، المدني، (ت 1044 هـ) (¬4).
24. شرح عبد الله بن حجازي الشرقاوي، (ت 1227 هـ) (¬5).
25. شرح محمد بن إبراهيم الحلبي، المعروف بابن الحنبلي، (972 ـ 971 هـ) (¬6).
26. «غيث المواهب العلية»؛ لمحمد بن إبراهيم بن عباد النفزي
¬
(¬1) ينظر: معجم المؤلفين 8: 100.
(¬2) ينظر: معجم المؤلفين 10: 118.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين 11: 146.
(¬4) ينظر: معجم المؤلفين 12: 122.
(¬5) ينظر: اكتفاء القنوع ما هو مطبوع 1: 200.
(¬6) ينظر: كشف الظنون 1: 675.
الرندي، الشاذلي، (ت 792 هـ) (¬1).
27. شرح محمد رمضان سعيد البوطي، (ت 2013 هـ).
28. «سراج الظلم شرح تلخيص الحكم»؛ لأبي بكر بن محمد بن عمر الملا الإحسائي الملا، (ت 1270 هـ).
طبعات الكتاب:
طبع في في بولاق سنة 1285 هـ، وفي القاهرة 1302 هـ، مع شرحين اثنين الاول لمحمد النفري الرندي، والثاني لعبد الله بن حجازي الشرقاوي (ت 1227 هـ (¬2).
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 1: 675.
(¬2) ينظر: اكتفاء القنوع ما هو مطبوع 1: 200.
شرح الحكم العطائية
للعلامة أبي محمَّد عبد المجيد الشُّرنوبي الأزهري
توفي سنة (1348 هـ)
اعتنى به وخرج أحاديث وترجم لمؤلفه وأعلامه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
ومعه التعليقات المُسمَّاة
اللطائف النوارانية
على شرح الحكم العطائية
للدكتور معاذ سعيد حوى
ومعه في الخاتمة
مكاتبات ومناجاة الإمام ابن عطاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عطاؤه قِسَم وصُنعُهُ حكم، والصلاة والسلام على أفضلِ من نصح وأعدلِ من حكم سيدنا محمّد سيدِ الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فيقول أفقر العباد إلى مولاه الغني عبد المجيد الشرنوبي الأزهري ـ بلّغه الله الأمل ووفقه لصالح العمل ـ: لما كانت حكم السيد السري العارف بالله تعالى سيدي أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري من أنفع ما يَتَوَصَّلُ به المريد إلى معرفة طريق العارفين الموصلة إلى ذي العرش المجيد لاشتمالها على دقائق التوحيد المنيفة مع اختصار عباراتها الرَّائقة اللطيفة أردت أن أشرحها بشرح وسطٍ خال من التَّطويل والغلط يراه النّاظر لها كالمصباح، ويتحقَّق أنه ثمرة ما غرسه الشراح، فإني دخلت بستان العارفين الأعلام واجتنيت يانع الثمرات من حدائق الأفهام وقربت للجاني الجنى ورجوت من الله بلوغ المنى مع اعترافي بأن باعي قصير وذهني كليل لكن أردت التَّشبه بهؤلاء السَّادة على حدَّ ما قيل:
فَتَشَبَّهوا إن لم تكونُوا مثلَهم ... إن التَّشَبُّهَ بالكرام فلاح
وقد اختبرتها بالعدّ، فإذا هي مائتان وأربع وستون حكمةً غير مكاتباته لبعض إخوانه ومناجاته المشتملة على الحكم المهمة، فاخترت أن أذكر كلَّ حكمةٍ بتمامها بين قوسين، وأتبعها بالشَّرح ليقرب للنَّاظر فهمها، وتقرّ منه العين، وقصدت بذلك دخولي في عداد مَن خدم حكم هذا العارف الكبير راجياً الاستمداد من بحر أفضاله، فإنّه ذو المدد الشَّهير، وقد فتح على كثير من أهل الأزهر ببركاته، نفعنا الله به، وأعاد علينا من باهر نفحاته.
كان رضي الله عنه ترجمان الحقيقة، ومعدن السلوك والطريقة، مالكي المذهب، نشأ بالإسكندرية، وكانت وفاته سنة تسع وسبعمائة بمصر المحمية، وعلى مقامه في سفح الجبل من الأنوار ما يبهر الزوار.
ثم اعلم أنّ الحكم جمع حكمة، وهي كلُّ كلمةٍ حصل لك بها نفع، وقال العلامة الأمير: «الحِكَم جمع حكمة، وهي العلم النافع، وليس ذلك إلا علم الشريعة الشامل للفقه والتوحيد والتصوف، لكن لما كان علم التَّصوف هو العلم الباحث عن تهذيب النفس وتصفيتها من الصفات المذمومة، والتنبيه على ما يعرض للعبادات والمعاملات من الآفات المهلكة كالكِبْر والرياء والعجب، وتعريف الطرق المخلصة من ذلك كان أنفع العلوم فخص باسم الحكم»، اهـ.
وهذا أوان الشروع في المقصود، فأقول متوسِّلاً في القبول بحبيب الملك المعبود:
قال العارف رضي الله عنه:
(1)
(من علامة الاعتمادِ على العَمَلِ نُقْصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّللِ)
يعني أنّ من علامات تعويل العامل على عملِه أن يَنقص رجاؤه في رحمة الله عند وجود زلله (¬1)، ومفهومه رجحان الرَّجاء عند التَّحلي بالعمل والتَّخلي
¬
(¬1) وقد وردت الآيات والأحاديث بالمعاني التي تعمق معاني الرجاء والطمع في رحمة الله ومغفرته، فمن ذلك: قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]، وقال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر:53]، وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة؛ فله عشر أمثالها أو أزْيد، ومن جاء بالسيئة؛ فجزاءُ سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً، تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً؛ تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة، ومن لقيني بقُراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً؛ لقيته بمثلها مغفرة» رواه مسلم رقم 2687. قال النووي في رياض الصالحين: «معنى الحديث: من تقرب إلى بطاعتي تقربت إليه برحمتي، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، وقراب الأرض ... : ما يقارب مِلأَها، والله أعلم» (رياض الصالحين ت الفحل رقم 413)، وعن جابر - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك به شيئاً دخل النار» رواه مسلم رقم 93، ونحوه البخاري رقم 1181 ومسلم رقم 92 عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» رواه البخاري (7404) ومسلم (2751)، وفي رواية: سبقت (7422)، والرجاء أثر عن الإيمان بصفات الله: الرحمن الرحيم الكريم الغفور العفو البر ... وقد بين الله عز وجل أن الرجاء سبب في ولاية الله للعبد وحمايته، كما في قوله تعالى ذاكراً قول المؤمن: {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئاتِ ما مكروا} [غافر:44].
عن الزلل، وهذه الحكمة إنما تناسب العارفين الذين يشاهدون أن الأعمال كلَّها من رَبِّ العالمين، لملاحظتهم قوله سبحانه في كتابه المكنون: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [96: الصافات].
فلا يعظم رجاؤهم بالأعمال الصَّالحة حيث إنهم لا يشاهدون لأنفسهم عملاً، ولا ينقص أملهم في رحمة الله إذا قصَّروا في الطَّاعة أو اكتسبوا زللاً؛ لأنهم غرقى في بحار الرِّضا بالأقدار، متمسكون بحبل قضاء: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [68: القصص]، فإن الرِّضا بالقضاء واجبٌ من حيث إرادتُه له، ومذمومٌ من حيث الكسبُ ما انفكت الجهة (¬1)، وقد قال المصنِّف في بعض قصائده:
ولا يَمْنَعْهُ ذنبٌ من رَجَاءٍ ... فإنَّ الله غَفارُ الذُّنوب
وأما السالكون، فإنَّما يُناسبهم الفرح بصالح العمل، وتقديم الخوف (¬2)
¬
(¬1) أي عن العمل بأن يعتمد على القضاء ولا يقوم بالأسباب المأمور بها من عند الله تعالى؛ لأنه لا بدّ أن يقوم بالأسباب، ويرضى بما يقدره الله تعالى بعدها، والله أعلم.
(¬2) وقد وردت الآيات بالمعاني التي تعمق معاني الخوف والخشية لله، فمن ذلك: قال تعالى: {وإياي فارهبون} [البقرة:40]، وقال: {إن بطش ربك لشديد} [البروج:12]، {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران:28]، {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46]، {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41]، فجعل الخوف شرطاً من شروط الجنة.
وفي السنة وردت أحاديث كثيرة توجب الخوف وتدل عليه، كأحاديث الحساب والموقف والسؤال والعذاب والخوف من غضب الله وناره، ومن ذلك: عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: « ... فوالذي لا إله غيره؛ إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخُلُها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» أخرجه البخاري رقم 3036 ومسلم رقم 2643، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -. وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبهم فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» فغطى أصحاب رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - وجوهم، ولهم خنين. أخرجه البخاري ومسلم. أخرجه البخاري رقم 4345 ومسلم نحوه رقم 2359 عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، والخنين: صوت من يبكي إذا اشتد بكاؤه وظهر صوت من أنفه. وفي رواية عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني أرى ما لا ترون، أطت السماء [الأطيط: صوت الرحل والقتب وشبههما] وحق لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» أخرجه الترمذي رقم 2312 وقال: غريب حسن، ونحوه أحمد رقم 21555.
وإيمان المؤمن بأن الله عظيم وجليل وكبير ومتعال وشديد العقاب يوجب الخوف من الله تعالى.
والخوف من الله ثمرته الاجتهاد في الأعمال والمسارعة إليها والبعد عن المعاصي، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من خاف [أي خاف البيات، كناية عن خوف العذاب في الآخرة] أدلج [أي سار من أول الليل، كناية عن التشمير في الطاعة وإرضاء الله تعالى]، ومن أدلج بلغ المنزل، إلا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» أخرجه الترمذي رقم 2450 وحسنه، والحاكم رقم 7851 وصحح إسناده، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
المستلزم لنقصان الرجاء عند وجود الزلل، على حدِّ قول الإمام الدردير (¬1):
وغَلِّبِ الخوفَ على الرجاءِ ... وسِرْ ... لمولاك بلا ... تَناءِ
لا سيما في هذه الأزمنة التي رقَّت فيها الدِّيانة، وكثرت الجراءة على المعاصي، وقلَّتْ فيه الأمانة، فإنّ الله تعالى جَعَل الأعمال الصَّالحة سبباً لرفع الدَّرجات بدار القرار، والأعمال الطَّالحة موجبة للدرك الأسفل من النار، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)} [الليل 5 ـ 10].
¬
(¬1) وهو أحمد بن محمد بن أحمد العَدَوي الخلوتي المالكي، أبو البركات، الشهير بالدردير، ولد في بني عَدِيّ (بمصر) وتعلم بالأزهر، وتوفي بالقاهرة، وكان من كبار الصوفية فى عصره، الإسلام، وبركة الأنام، قال البيطار: العالم العلامة أوحد وقته في الفنون العقلية والنقلية، شيخ أهل له كلمات حسنة العبارة، وبديعة الحقيقة والاستعارة، من مؤلفاته: «أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك»، و «منج التقدير في شرح مختصر خليل»، و «تحفة الإخوان في علم البيان»، (1127 - 1201 هـ)، ينظر: حلية البشر 1: 185، والأعلام 1: 244، وموسوعة الأعلام 1: 213.
وإنما بدأ المصنف بما يُناسب مقام العارفين (¬1) وإن كان مقتضى التَّرقي البداءة بمقام السَّالكين من الحثِّ على حسن المَتابِ والتَّمسك بالأسباب الموصلة إلى الكريم التواب ليكون السالك حَسن البداية التي بها تشرق النهاية.
فمقصوده بهذه الحكمة تنشيط السالك المجد في الأعمال ورفع همته عن الاعتماد عليها واعتماده على محض فضل ذي العزة والجلال، كما أشار لذلك ابن الفارض (¬2) بقوله:
تمسَّكْ بأذيالِ الهوى واخلَعِ الحَيا ... وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جَلُّوا
فإنّه لم يُرِدْ الأمرَ بترك العبادة؛ لأنه كان من أعظم العُبَّاد، بل أراد عدم التعويل عليها، والاعتماد على فضل الكريم الجواد، وفي الحديث: «لن يُدْخِلَ أحداً عملُهُ الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله
¬
(¬1) العارف بالله يوازن بين الخوف والرجاء، والمبتدئ يرجح الخوف على الرجاء، وعند الموت يقدم الرجاء على الخوف، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» رواه مسلم 2877 عن جابر - رضي الله عنه -.
(¬2) وهو عمر بن علي بن مرشد الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، أبو حفص وأبو القاسم، شرف الدين ابن الفارض: أشعر المتصوفين، يلقب بسلطان العاشقين، له ديوان شعر، مشتمل على اللطائف، والسلوك، والمحبة، والمعارف، والشوق، والوصل، وغير ذلك من الاصلاحات في العلوم الحقيقة المعروفة في كتب المشائخ الصوفية (576 ـ 632 هـ)، ينظر: مرآة الجنان 4: 60، والأعلام 5: 55.
بفضله ورحمته» (¬1).
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -:: «لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت: إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب» في صحيح البخاري 7: 121.
وليس معنى ذلك ترك العمل، بل التنبيه إلى أن ثمرة العمل وقبوله لا تكون إلا بفضل الله، وتنبيه إلى وجوب التوكل على الله تعالى في العمل، كما تتوكل على الله تعالى مع سائر الأسباب. فأنت حينما تطلب الرزق، تعلم أن الله هو الرزاق وليس طلب الرزق هو الرزاق، لكن طلب الرزق مطلوب، وكذلك أعمال العبادة مطلوبة، لكنها ليست هي التي تدخلك الجنة، بل فضل الله تعالى، وما هي إلا أسباب، وهي أسباب مطلوبة، فقد أمرنا الله تعالى ورسوله بالعمل: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105]، {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7]، {أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة} [البقرة: 43]، {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15]،» اعملوا فكل ميسر لما خلق له «أخرجه البخاري 4666 ومسلم 2647.
وليس مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المذكور أن يصرفنا عن العمل أو يقلل من شأنه، فإن الحديث نفسه قد حث على العمل إذ قال في أوله:» قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو ... «كما في إحدى روايات مسلم للحديث رقم 2816، فأمر بالعمل مع التنبيه إلى التوكل على الله فيه، وكيف يقلل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شأن العمل والله تعالى يخبرنا أنه سبب دخول الجنة ـ بعد رحمته التي أشار إليها الحديث ـ قال تعالى: {تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43]، فالعمل هو الذي أدخلهم الجنة، كما في ظاهر الآية، والجمع بين الآية والحديث أن العمل هو مظهر الرحمة والقبول: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56]، فإذا وجد العمل ـ والإحسان هو العمل مع الإخلاص والمراقبة ـ فذلك سبب الرحمة، فيدخل بالرحمة، لكن العمل هو مظهر الرحمة، كما رأيت.
وقد جُمع بين هذا الحديث وآية: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [32: النحل] بأن العمل لا يكون معتبراً إلا إذا كان مقبولاً، وقبوله بمحض الفضل، فصحَّ أن دخول الجنة بمحض فضل الله تعالى، وأن العمل سبب ظاهري متوقَّف عليه، والله تعالى يُوفِّقنا لما فيه رضاه (¬1).
¬
(¬1) والحكمة تُنَبِّه إلى وجوب التوكل والاعتماد على الله، إذ التوكل حالة وصفة واجبة من صفات القلب ومقاماته الإيمانية، تلقي بظلالها على الأعمال والأقوال، وهو ثمرة الإيمان بأن الله وكيل، وحسيب، ونافع، ومعطي ومانع ... ولما كان التوكل مما يقتضيه الإيمان فهو واجب وفرض قلبي مثلُه، والواجباتُ والفرائض المرتبطة بالإيمان والعقائد أعظمُ من الواجبات المرتبطة بالأعمال والفقه، وقد بين الله تعالى لنا أن التوكل من شروط الإيمان بل ومن شروط الإسلام فقال: {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84].
وقد ذكر الله تعالى ورسوله لنا فضل التوكل والمتوكلين فمن ذلك أنه سبب لمحبة الله لنا: {فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159]. وأنه سبب في الحفظ من الشيطان: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99]. وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن التوكل سبب في دخول الجنة بغير حساب: «سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب؛ الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» رواه البخاري رقم 6107 ومسلم رقم 217، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي رواية عندهما: «ولا يكتوون»، والتوكل سبب في تيسير الأسباب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً» حديث صحيح، أخرجه أحمد رقم 205، والترمذي رقم 2344، وابن ماجة رقم 4164، وابن حبان رقم 730، والحاكم رقم 7894، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وبعضهم لفظه: «وتروح بطاناً»، وهذا المعنى جاء في قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3].
وليس التوكل هو تركَ الأسباب، كما يظن بعض الناس، بل هو الاعتماد على الله في الأسباب عند وجودها، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - ـ لمن ظن أن التوكل يعني ترك الأسباب ـ فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أربط ناقتي أم أتوكل فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اعقلها وتوكل» حديث حسن، أخرجه الترمذي رقم 2517 عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، وقال: غريب، وابن حبان رقم 731، عن عمرو بن أمية - رضي الله عنه -.
ومن أعظم طرق التحقق بالتوكل؛ الإكثارُ من ذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله، وذكر: حسبي الله ونعم الوكيل.
• • •
(2)
(إرادتُكَ التجريدَ مع إقامةِ الله تعالى إِيَّاكَ في الأسباب من الشَّهوة الخفيةِ وإرادتُكَ الأسبابَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في التجريد انحطاطٌ عن الهِمَّةِ العَلَيَّةِ)
يعني أن عزمك ـ أيها المريد ـ على التَّجرد أي لتخلص من الأسباب التي أقامك الله تعالى فيها كطلب الرِّزق الحلال والاشتغال بالعلم الظَّاهر من الشهوة الخفية.
أما كونها من الشهوة فلعدم وقوفك مع مراد مولاك.
وأمّا كونها خفيةً، فلكونك لم تقصد بذلك حظَّ نفسك في العاجل، بل
التقرّب بالتجرد لمن خلقك وسوَّاك، فقد زيَّنت لك النَّفس بالدسيسة الخفية الخروج عن الأسباب التي أقامك فيها العزيز الوهاب.
وكذلك إرادتك الأسباب الشاغلة عن الله الكريم مع إقامته إياك في التجريد ورزقك من حيث لا تحتسب بفضله العميم انحطاطٌ عن الهمّة العلية؛ لأنّ ذلك رجوع من الحقّ إلى الخلق، وهي رتبة دنية.
فالزم ـ أيها المريد ـ ما رضيه لك العزيز الحميد، فإنَّ ما أدخلك الله تعالى فيه تولى إعانتك عليه، وما دخلت فيه بنفسك، وكَّلك إليه: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [80:الإسراء]، فالمدخل الصدق أن تدخل فيه لا بنفسك، والمخرج الصدق أن تخرج لا بنفسك بل بربِّك.
{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [101: آل عمران]، فكن حيث أقامك الله تعالى ذو الفضل العظيم، وعلامة الإقامة حصول الاستقامة، وتيسير الأسباب من الكريم الوهاب.
• • •
(3)
(سَوابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوارَ الأَقْدَارِ)
هذه الحكمة كالتعليل لما قبلها وتوطئة لما بعدها، يعني أن ما قدَّره الله في الأزل لا تَخْرِقُ أسوارَه المحيطة به ـ فضلاً عن أن تصل إليه ـ سوابقُ الهمم أي
لهمم السَّوابق، وهي قوى النفس التي تنفعل عنها الأشياء بإرادة الله تعالى، وتكون للولي كرامة، ولغيره كالساحر والعائن إهانة.
وفيه تشبيه الأقدار بمدينة لها أسوار في الصيانة والحفظ على سبيل المكنية: أي يجب عليك ـ أيها المريد ـ أن تعتقد أن الهمم أسباب عادية لا تأثير لها، وما ينشأ عنها إنّما هو بقضاء الله تعالى وقدره، فيكون عندها لا بها، فإرادتك خلاف ما أراده مولاك لا تجدي نفعاً، ولا تأثيراً لها في الحقيقة، حتى تظن أنها توجب لك رفعاً.
• • •
(4)
(أرِحْ نَفْسَكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فما قامَ بهِ غيرُكَ عنْكَ لا تَقُم بهِ لنفسِكَ)
يعني أرح نفسك من تعبِّ التدبير المنافي للعبودية بأن تقول: لولا فعلت كذا ما كان كذا، فإن الله تعالى دبَّر الأشياء في سابق علمِه، وما قام به غيرك عنك لا تقوم به لنفسك، فإنك عاجز عن القيام به.
وأما التدبير المصحوب بالتفويض للعليم الخبير فلا بأس به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
«التدبير (¬1) نصف المعيشة» (¬2)، وللمصنف كتاب سماه: «التنوير في إسقاط التدبير» راجعه أن شئت، فإن هذه المسألة أساس طريق القوم.
• • •
(5)
(اجتهادُكَ فيما ضَمِنَ لكَ وتقصيرُكَ فيما طَلَبَ منكَ دليلٌ على انْطماسِ البصيرةِ منْكَ)
يعني أن اجتهادك ـ أيها المريد ـ في طلب ما ضَمِنَ أي كفل الله لك به من
¬
(¬1) أي النظر في عواقب الإنفاق نصف المعيشة؛ إذ به يحترز عن الإسراف والتقتير، وكمال العيش شيئان: مدة الأجل وحسن الحال فيها، وهذا لا يعارض قول الصوفية: أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك، ما ذاك إلا لأن الكلام هنا في تدبير صحبه تفويض، وكلامهم فيما لا يصحبه، كما في فيض القدير3: 280.
(¬2) قال العراقي في المغني 1: 1146: «رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس - رضي الله عنه -، وفيه خلاد بن عيسى جهله العقيلي ووثقه ابن معين»، وقال السيوطي في الجامع الصغير1: 414: «إسناده ضعيف»، قال عبد القادر الأرناؤوط في هامش شرح الحكم ص18: «لكن للحديث طرق وشواهد بمعناه يرتقي بها إلى درجة الحسن لغيره».
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم» في المعجم الأوسط7: 25، وشعب الإيمان8: 503، ومكارم الأخلاق1: 364.
الرزق بنحو قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [6: هود]، وتقصيرك أي تفريطك فيما طلب منك من العبادة بنحو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [21:البقرة]، دليل وبرهان على انطماس أي عمى البصيرة منك، وهي عين في القلب تُدْرَكُ بها الأمور المعنوية كما أن العين الباصرة تُدْرَكُ بها الأمور الحسية.
وفُهِمَ من المصنف أن دليل انطماس البصيرة هو اجتماع الأمرين أعني الاجتهاد في طلب الرزق مع التقصير في العمل، وأخبر عن الأمرين بقوله: «دليل»؛ لأن فعيلاً يستوي فيه المفرد وغيره، وأما إذا اجتهد في طلب الرزق الحلال من غير تقصير في العبادة، فإنه يدخل في حديث: «مَن بات كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له» (¬1).
• • •
(6)
(لا يكُنْ تَأخُّرُ أَمَد العَطاء مَعَ الإلْحاح في الدّعَاءِ موجبَاً ليأسِك، فهو ضَمِنَ لَكَ الإجابَةَ فيما يختارُهُ لكَ لا فيما تختاره لنَفْسكَ، وفي الوقْتِ الذي يريدُ لا في الوقْت الذي تُريدُ)
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له» في المعجم الأوسط7: 289، وضعفه العراقي في المغني1: 536، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد4: 63: فيه جماعة لا أعرفهم.
أي لا يكن تأخر وقت العطاء المطلوب مع الإلحاح أي المدوامة في الدعاء موجباً ليأسك من إجابة الدعاء، فهو سبحانه ضَمِن لك الإجابة بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [60: غافر]، فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك، فإنه أعلم بما يصلح لك منك.
فرُبما طلبت شيئاً كان الأولى منعه عنك، فيكون المنع عين العطاء، كما قال المصنف فيما يأتي: «ربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك».
يشهد ذلك مَنْ تَحَقَّقَ بمقام: {وَعَسى أن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [216: البقرة]، ولذا قال بعضُ العارفين: «ومَنْعُكَ في التحقيق ذا عين إعطائي».
وكذلك ضمن لك الإجابة في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد، فكن موسويَّ الصبر، فإن الصبر وعدم الاستعجال أولى بالعبيد، ألا ترى أن موسى كان يدعو على فرعون وقومه وهارون يُؤمن على قوله: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} [88: يونس] إلى آخر ما قصَّ الله تعالى في كتابه المكنون، وبعد أربعين سنة حصل المدعوُّ به، وقال: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [89: يونس]، وفي الحديث: «إن الله يحب
الملحين (¬1) في الدعاء» (¬2).
وورد: «أن العبد الصالح إذا دعا الله تعالى، قال جبريل - عليه السلام -: يا رب عبدك فلان اقض حاجته، فيقول: دعوا عبدي، فإني أحب أن أسمع صوته» (¬3).
فقم ـ أيها المريد ـ بما أمرك الله به من الدّعاء وسلم له مراده، فرُبَّما أجابك
¬
(¬1) أي الملازمين له جمع ملح، وهو الملازم لسؤال ربه في جميع حالاته، اللائذ بباب كرم ربه في فاقته ومهماته، لا تقطعه المحن عن الرجوع إليه، ولا النعم عن الإقبال عليه؛ لأن دعاء الملح دائم غير منقطع، فهو يسأل ولا يرى إجابة، ثم يسأل ثم يسأل فلا يرى وهكذا فلا يزال يلح ولا يزال رجاؤه يتزايد، وذلك دلالة على صحة قلبه وصدق عبوديته واستقامة وجهته، فقلب الملح معلق دائماً بمشيئته واستعماله اللسان في الدعاء عبادة وانتظار مشيئته للقضاء به عبادة، فهو بين عبادتين سريتين ووجهتين فاضلتين، فلذلك أحبه الله تعالى، وهذا عام خص منه الخواص في مقام الابتلاء، فمقام التسليم لهم فيه أفضل لكونه أدل على قوى أنفسهم ورضاهم بالقضاء، والدعاء في مثل ذلك الموطن فيه من الهلع ما لا يخفى، ينظر: فيض القدير2: 292.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» في مسند القضاعي2:145، وشعب الإيمان2: 364، والدعاء للطبراني1: 28، وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، كما في التلخيص 2: 194.
(¬3) فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عز وجل يقول للملائكة: انطلقوا إلى عبدي، فصبوا عليه البلاء صباً، فيأتونه فيصبون عليه البلاء، فيحمد الله، فيرجعون فيقولون: يا ربنا صببنا عليه البلاء صبا كما أمرتنا، فيقول: ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته» في المعجم الكبير8: 166، وشعب الإيمان12: 244، وضعفه العراقي في المغني1: 263، والهيثمي في المجمع2: 261.
وادخر لك بدل مطلوبك ما تنال به الحسنى وزيادة.
• • •
(7)
(لا يشككنك في الوعد عدم وقوعِ الموعود، وإن تَعَيَّن زمنُه؛ لئلا يكونَ ذلك قَدْحاً في بصيرتِكَ وإخماداً لنور سريرتك)
هذه الحكمة أعمّ مما قبلها، فإن الموعودَ به في تلك خصوص الإجابة، وفي هذه أعمّ؛ لأنه يشمل ما إذا كان الوعد من الله تعالى بإلهام رحماني، بأن ألهمك أنه يحصل لك في الوقت الفلاني فتحٌ، أو يحصل في هذا العام كذا كما يقع لبعض الأولياء، فيخبر بذلك ثم لا يحصل.
فإذا حصل لك ـ أيها المريد ـ مثل ذلك، ثم تأخر الموعود به، فلا تشكّ فيما وعدك الله به، وإن تعيَّن زمنه، وبالأولى إذا لم يتعيَّن لئلا يكون ذلك الشَّكِّ قدحاً: أي نقصاً في بصيرتك وإخماداً: أي إطفاءً لنور سريرتك التي هي عين القلب، فهي مرادفة للبصيرة.
وذلك لجواز أن يكون وقوع ذلك الموعود معلقاً على أسباب وشروط لم تحصل، فالعارف مَن تأدب مع ربِّه، ولم يتزلزل عند تأخر ما وعده به.
• • •
(8)
(إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ، فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ، فإنه ما
فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ، ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ)
يعني إذا فتح (¬1) لك الفتاح ـ أيها المريد ـ وجهةً أي جهةً من جهات التعرف، وتلك الجهة كالأمراض والبلايا والفاقات، فإنّها سببٌ لمعرفة الله تعالى بصفاته كاللطف والقهر وغيرهما.
والمخاطب بذلك المتيقظ دون المرتبك في حبال الغَفلة الذي يسخط عند نزولها، فلا تُبال معها ـ أيها المريد ـ أن قلَّ عملك: أي بقلّة عملك ـ فهمزة أن مفتوحةً منسكبة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء المقدرة المتعلقة بتبال ـ أي لا تغتمَّ مع تلك الجهة، ولا تهتم بقلّة الأعمال.
فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: «إذا ابتليت عبدي المؤمن، فلم يشكني إلى عواده، أنشطته من عقالي، وأبدلته لحماً خيراً من لحمه (¬2)، ودماً خيراً
¬
(¬1) مصطلح الفتح عند الصوفية مصطلح قرآني، قال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم} [فاطر: 2]، {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ؛ لقالوا إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 14 - 15].
(¬2) أي الذي أذابه شدة مقاساة المرض، ودماً خيراً من دمه الذي أحرقته الحمى بوهج حرهاً، فإن قدرت له البرء من مرضه أبرأته منه ولا ذنب له بأن أغفر له جميع ذنوبه، حتى يعود كيوم ولدته أمه، كما في رواية، وظاهره أنّ المرضَ يكفر حتى الكبائر، كما في فيض القدير3: 294.
من دمه، وليستأنف العمل» (¬1)، يعني أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، ولا يحاسب على الأعمال السيئة السالفة.
وورد: أنّ الله تعالى يقول للكرام الكاتبين عند مرض عبده المؤمن: «اكتبوا لعبدي ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» (¬2)، فصحّ أنه ما فتحها: أي لك الجهة لك إلا وهو يرد أن يتعرف إليك بواسع فضله عليك.
ولا شَكَّ أنّ هذا أعظم من كثرة الأعمال التي تُطالب بوجود سر الإخلاص فيها، كما أشار إلى ذلك بالاستفهام التقريري بقوله: ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك ... الخ.
• • •
(9)
(تَنوَّعتْ أجناسُ الأعمالِ لتنوُّعِ وارداتِ الأحوالِ)
أي اختلفت أجناس الأعمال الظاهرة لاختلاف الواردات التي هي
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن، ولم يشكني إلى عواده أطلقته من أساري، ثم أبدلته لحما خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنف العمل» في المستدرك11: 500، وصححه، والسنن الكبير للبيهقي3: 525.
(¬2) فعن ابن عمرو - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -:: «ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده، إلا أمر الله الحفظة، فقال: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدوداً في وثاقي» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 440، ومسند أبي حنيفة ر2، والمعجم الكبير113: 542 ورجاله رجال الصحيح، كما في مجمع الزوائد، ينظر: هامش الجامع الكبير10: 61.
الأحوال القائمة بالقلب، فإن الواردات ما يَرد على القلب من المعارف والأسرار، والأعمال الظاهرة تابعة لأحوال القلب؛ لما في الحديث: «ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صَلَحَ الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب» (¬1).
فإذا ورد على القلب العلم بفضائل قيام الليل توجه إليه، وآثره على غيره فتقوم به الجوارح، وكذلك الصدقة والصيام وباقي الأعمال (¬2).
¬
(¬1) فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - في صحيح البخاري1: 20.
(¬2) ومن كان حاله عظيماً ورجاؤه كبيراً فإنه يجتهد في كل طاعة وعمل، وفي حالة البسط والقبض، قال تعال: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً} [الكهف: 110]، وكذلك كان حال أبي بكر - رضي الله عنه - حيث طمع في الدخول من جميع أبواب الجنة، لأنه مجتهد في كل الأعمال، قال - رضي الله عنه -: فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» أخرجه البخاري رقم 1798 ومسلم رقم 1027 عن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -.
وإذا أصاب السالكَ حالٌ من الكسل، فتخفف من بعض النوافل حتى لا يصل إلى الملل والانتكاس؛ فلا حرج، فذلك من مسايسة الإنسان لنفسه في البدايات، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» أخرجه البخاري رقم 5523 ومسلم نحوه رقم 782. ويُروى في هذا المعنى حديث لا يصح، حسنه بعض العلماء من جهة المعنى: «رَوِّحُوا عن القلوب ساعة فساعة، فإن القلوب إذا كَلَّتْ عَمِيَتْ».
لكن إذا تكاسل عن الفرائض فلا يجوز أن يخضع لحاله وضعفه، فيجب أن يجبر نفسه عليها.
وإذا أصاب السالكَ فُتورٌ فعليه أن يجدد نيته وهمته، بتذكر ما يدفعه إلى العمل، وتذكر حق الله وعظمته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن لكل عامل شرة، وإن لكل شرة فترة، فإذا رأيتم الرجل يسدد ويقارب فارجوه، وإذا رأيتموه غير ذلك فلا تعدوه» حديث حسن، أخرجه ابن حبان 349 والترمذي رقم 2453 عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وقال حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
والواردات تصنع العبادات والعبادات تصنع الواردات والأحوال في قلب المسلم، وأثر الصلاة في قلب السالك غير أثر الصيام أو الصدقة أو الجهاد أو التفكر أو الذكر، وإن كانت جميعاً تصنع نوراً وتقوى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 21].
• • •
(10)
(الأعمالُ صُوَرٌ قائمةٌ وأرواحُها وجودُ سِرِّ الإخلاص فِيهَا)
يعني أنّ أعمال البرّ كصور قائمة أي أَشباح، وأرواحها التي بها حياتها وجود سرّ الإخلاص: أي سرٌّ (¬1) هو الإخلاص (¬2) فيها، فمَن عَمِل عَمَلاً بلا
¬
(¬1) ورد في حديث صححه النووي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإخلاص سر من أسراري أودعه قلب من أحببت من عبادي» والإخلاص منه اجتهاد العبد، ومنه عطاء الله له، فالمذكور في الحديث ما يكون عطاءً من الله بعد اجتهاد العبد، كما في قوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17].
(¬2) لا يقبل اللهُ عبادةً بلا إخلاص، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى» وفي رواية: «بالنيات»، أخرجه البخاري رقم 1 و 54، ومسلم رقم 1907، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» أخرجه مسلم رقم 2564 عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
إخلاص كان كمن أهدى جارية ميتة للأمير، يبتغي بها الثواب، وهو لا يستحقُّ على ذلك إلا أنواع العقاب.
والمرادُ مطلق الإخلاص الشامل لأنواعه، فإنّه يختلف باختلاف الأشخاص، فإخلاص العُبَّاد سلامةُ أعمالهم من الرِّياء الجلي والخفي، وكلُّ ما فيه حظٌّ للنفس، فلا يعملون العمل إلا لله تعالى طلباً للثواب، وهرباً من العقاب.
وإخلاص المحبين: هو العمل لله تعالى إجلالاً وتعظيماً؛ لأنه تعالى أهل لذلك لا لقصد شيءٍ مما ذكر، كما قالت رابعةُ العَدوية (¬1):
كلُّهم يعبدوك من خوف نار ... ويرون النجاة حظاً جزيلا
أو بأن يسكنوا الجِنانَ فيحظُوا ... بقصور ويشربوا سلسبيلا
ليس لي بالجِنانِ والنار حظ ... أنا لا أبتغي بحبي بديلا
¬
(¬1) رابعة بن إسماعيل العدوية، وكان سفيان وأقرانه يتأدبون معها، وكانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعةً خفيفة حتى يُسفر الفجر ثم تثب إلى الصلاة، وتقول: يا نفس كم تنامين، وإلى كم لا تقومين، يوشك أن تنامين نومة لا تقومين منها إلا بصرخة، ومن أقوالها: اكتموا الحسنات كما تكتمون سيئاتكم، وأيضا: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار، وأيضاً: سمعت الثوري يقول اللهم إنا نسألك رضاك، فقالت: أما تستحي أن تسأل رضا من لست عنه براض، (ت135هـ). ينظر: مرآة الجنان 1: 281 - 283. النجوم الزاهرة 1: 330. وفيات 2: 285 - 288. الأعلام 3: 31.
وأما إخلاصُ المُقَرَّبين، فهو شهودُهم انفراد الحقِّ بتحريكهم وتسكينهم مع التبرؤ من الحول والقوة، فلا يعملون إلا بالله، ولا يرون لأنفسهم عملاً.
• • •
(11)
(ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه)
أي ادفن ـ أيها المريد ـ نفسك أي شهرتُها في الخمول الذي هو كالأرض للميت في التغطية التامة، بأن لا تتعاطى أسباب الشهرة، فإن الخمول مما يُعين على الإخلاص، بخلاف حبِّ الظهور، فإنّه من جملة القواطع القاصمة للظهور.
فما نبت من الحَبّ مما لم يُدفن في الأرض لا يتم نتاجُه، بل يخرج مصفراً.
وكذلك أنت ـ أيها المريد ـ إذا تعاطيت أسباب الشهرة في بدايتك قَلَّ أن تفلح في نهايتك (¬1).
ومن ثَمَّ قال رجلٌ لبشر بن الحارث (¬2): أوصني، فقال: أَخمل ذكركَ
¬
(¬1) انظر: قضية العزلة والخلطة، ومتى تكون، ومتى يخرج من العزلة، وما أدلة ذلك، وحكم الخلوة والعزلة المرحلية، في كتاب: التزكية تصوف أهل السنة، معاذ حوى، ط3، صفحة 150 – 153 وصفحة 248 – 253.
(¬2) وهو بشر بن الحارث بن علي المروزي البغدادي، أبو نصر، المعروف بالحافي، قال ابن خلكان: أحد رجال الطريقة، كان من كبار الصالحين، وأعيان الأتقياء المتورعين، وإنما لقب بالحافي؛ لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلاً بعدها، قال المأمون: لم يبق في هذه الكورة أحد يستحيي منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث، ومن كلامه: عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه، وقال: من طلب الدنيا فليتهيأ للذل، (150 - 227 هـ)، ينظر: وفيات الأعيان1: 75، والأعلام2: 54.
وأطب مطعمك.
وقال بعضُهم: لا تصلح طريقتنا هذه إلا لأقوام كُنست بأَرواحهم المزابل.
وقال إبراهيم بن أدهم (¬1): ما صدَّقَ الله تعالى مَن أحب الشهرة.
ولله در القائل:
عِشْ خامل الذكر بين الناسِ وارضَ به ... فذاك أسلمُ في الدنيا وفي الدين
مَنْ عاشرَ النَّاسَ لم تسلمْ ديانَتُهُ ... ولم يزَلْ بين تحريكِ وتسكينِ
• • •
(12)
¬
(¬1) وهو إبراهيم بن أَدْهَم بن منصور العِجْلِيّ التميمي البلخي، أبو إسحاق، زاهد مشهور، كان أبوه من أهل الغنى في بلخ، فتقفه ورحل إلى بغداد، وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن ويشتك مع الغزاة في قتال الروم، وجاءه عبدٌ لأبيه يحمل إليه عشرة آلاف درهم، ويخبره أنّ أباه قد مات في بلخ، وخَلَّف له مالاً عظيماً، فاعتق العبد ووهبه الدرهم، ولم يعبأ بمال أبيه، (ت162هـ). ينظر: التقريب ص27 والأعلام 1: 24.
ما نَفَعَ القلبَ مثلُ عُزْلَةٍ يدخلُ بها مَيْدَانَ فكرة
أي ما نفع قلبَ المريد شيءٌ من الأشياء المطهرِّة له من الغفلات مثل عزلة عن الخلق يدخل بها ميدان فكرة: أي تفكر في مصنوعات بارئ الأرض والسماوات (¬1).
وإضافة ميدان لفكرة من إضافة المشبه به للمشبه: أي فكرة شبيهة بالميدان؛ لتردد القلب فيها كتردد الخيل في الميدان، وفي الحديث: «تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة» (¬2)؛ وذلك لأنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء، وتزداد به معرفة الله تعالى، ويطلع به المتفكر على خفايا آفات النفس، ومكائد الشيطان وغرور الدنيا.
¬
(¬1) العزلة ليست مقصودة لذاتها، إنما هي لأجل التفكر، والتفكر من العبادات التي أمر بها القرآن وبين عظيم أثرها، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191]، فالتفكر يوصل إلى معرفة حكمة الله وتنزيهه وتعظيمه، والتفكر صفاء للذهن وخروج عن معتاد الحياة وغفلاتها، والمسلم يتفكر في ما يدله على الله، ويعرفه بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتفكر في الكون، ويتفكر في الاستعداد للموت، ويتفكر لأمته ودعوته.
(¬2) أخرجه ابن حبان في «كتاب العظمة» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ ستين سنة بإسناد ضعيف، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات»، ورواه أبو منصور الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أنس - رضي الله عنه - بلفظ: «ثمانين سنة» وإسناده ضعيف جداً، ورواه أبو الشيخ من قول ابن عباس - رضي الله عنهم - بلفظ: «خير من قيام ليلة»، كما في المغني للعراقي1: 1798,
والعزلة التي ينشأ عنها هذا الفكر أحد أركان الطريق الأربعة المجموعة في قول بعضهم:
بيتُ الولاية قَسَّمَتْ أركانَهُ ... ساداتُنا فيه من الأبدالِ
ما بين صمتٍ واعتزالٍ دائمٍ ... والجوعِ والسّهرِ النَّزِيهِ الغالي
يوضحها قول الإمام أحمد بن سهل (¬1): أعداؤك أربعة:
1.الدنيا، وسلاحها الخَلقْ، وسجنها العزلة.
2.والشيطان، وسلاحه الشبع، وسجنه الجوع.
3.والنفس، وسلاحها النوم، وسجنها السهر.
4.والهوى، وسلاحه الكلام، وسجنه الصمت (¬2).
¬
(¬1) وهو أحمد بن سهل البلخي، أبو زيد، وقد سبق علماء البلدان في الإسلام كافة إلى استعمال رسم الأرض في كتابه: «صور الأقاليم الإسلامية»، قال الحموي: كان فاضلا قائما بجميع العلوم القديمة والحديثة، يسلك في مصنفاته طريقة الفلاسفة، إلا أنه بأهل الأدب أشبه، ومن مؤلفاته: «أقسام العلوم» و «شرائع الأديان» و «كتاب السياسة الكبير»، (235 - 322 هـ، ينظر: معجم الأدباء1: 274، والأعلام1: 134.
(¬2) ومجاهدة النفس ومخالفتها فيما تهواه من كثرةِ طعام وكلام ونوم واختلاط بالأنام؛ من أهم أبواب المجاهدة للنفس، بعد مجاهدتها في ترك المعاصي والكبائر، ومجاهدة النفس هي الصبر، وقد أمرنا الله بالصبر على أحكامه، مِن أَمْرٍ ونَهْي، وأمرنا بالمجاهدة بأنواعها، قال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78]، ويدخل في ذلك مجاهدة أعداء الأمة من الكافرين والمنافقين، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، ولا يزال المسلم يجاهد نفسه حتى تستقيم على أمر الله، ولا تنازع ولا تميل إلى سواه، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69].
واعلم أنّ الشَّأن في العزلة أن تكون بالقلب والقالب، بأن يتباعد صاحبها عن الخلق، وقد تكون بالقلب فقط بأن يختلط بجسمه معهم مع تعلق قلبه بالحقّ كما قالت رابعة العدوية في مقام المشاهدة القلبية:
ولقد جعلتُك في الفؤاد محدَّثي ... وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي
فالجسمُ مني للجليسِ مؤانسٌ ... وحبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي
• • •
(13)
كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من هَفَواتِهِ؟
هذه الحكمة كالتوجيه للحكمة التي قبلها؛ وذلك لأنّ العزلة المصحوبة بالفكرة يتخلّى القلب بها عن الأغيار، وبها يرحل إلى الله تعالى، ويدخل حضرته، ويتحلى بفهم دقائق الأسرار.
وأما القلبُ الذي طُبعت في مرآته صوَرُ المكوَّنات فاشتغل بها، وصار
مكبلاً: أي مقيداً بالشهوات، فإنّه لا يَنال الإشراق (¬1)، ولا يدخل في حضرة الكريم الخلاق؛ لأنه لم يتطهَّر من غفلاته الشبيهة بالجنابة، فيُمنع منها كما يُمنع الجنب من المسجد الذي هو محل المناجاة والاستجابة.
والاستفهامُ في المواضع الأربعة إنكاريٌّ بمعنى النفي: أي لا يكون إشراق القلب مع انطباع صور الأكوان التي هي كالظلمة في مرآته: أي محل ناظره الذي هو البصيرة؛ لما في ذلك من الجمع بين الضدين، ولا يُمكنه الرحيل إلى الله تعالى بقطع عقبات النفس مع كونه مكبلاً بشهواته للجمع المذكور، ولا يدخل حضرة الله تعالى أي دائرة ولايته المقتضية للطهارة مع كونه لم يتطهر من جنابة غفلاته لذلك الجمع، ولا يرجو أن يَفهم دقائق الأسرار (¬2) المتوقفة على
¬
(¬1) الإشراق مصطلح يستعمله الصوفية، ويعني إشراق النور في قلب السالك، والذي أشارت إليه آيات كقوله تعالى: {يهدي الله لنوره من يشاء} [النور: 35]، {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} [النور: 40]، {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22].
(¬2) الأسرار هي المعارف، وهي ليست سراً، لكن لما كان أكثر الناس في غفلة عنها فهي كالسر عليهم، والله تعالى جعل الإحسان والطاعة سبيلاً للمعرفة {ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً، وكذلك نجزي المحسنين} [يوسف: 22]، وجعل الله في الأمة عارفين خبراء به أمرنا بسؤالهم والتعرف على الله منهم {الرحمن فاسأل به خبيراً} [الفرقان: 59]، ويسمي الصوفية هذه المعارف حقائق أخذاً من قوله تعالى: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: 25]، ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لَبِيْد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» أخرجه البخاري رقم 3628 ومسلم رقم 2256 عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، و (لبيد): هو ابن ربيعة، كان من شعراء الجاهلية، ثم أسلم - رضي الله عنه - حين وَفَد قومه بنو جعفر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
التَّحرُّز من المعاصي مع كونه لم يتب من هفواته.
لذلك فالمطالب أربعة: إشراقُ القلب والرَّحيلُ إلى الحضرة ودخولها والإطلاع على أسرارها، وكلٌّ وسيلة لما بعده، والموانع أربعة: انطباع صور الأكوان في عين القلب، والتكبل بالشهوات، وعدم التطهير من جنابة الغفلات، وترك التوبة من الهفوات (¬1).
• • •
(14)
الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه، فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ، وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار
أي أن الكون بالنظر إلى ذاته كلُّه ظلمة: أي عدم محض؛ لأنّه لا وجود له بذاته، وإنّما أناره أي أوجده ظهورُ الحقّ تعالى فيه: أي ظهور إيجاد وتعريف، لا ظهور حلول وتكييف، بمعنى أنّه تجلى عليه بذاته، وقال له: كن فكان، وهو
¬
(¬1) هذه الحكم الأربعة تنبيه إلى الاعتناء بأمور أربعة، فحتى تخرج صور الأكوان من القلب لا بد من الذكر، وحتى يخرج من تكبيل الشهوات فلا بد من المجاهدة، وحتى يتطهر من غفلاته فلا بد من الحضور في الذكر، وحتى يتوب من هفواته فلا بد من مراقبة الخواطر وإصلاحها.
قادر على إعدامه في الحال والاستقبال، فليس ثمَّ إلا مبدع الأكوان.
ثم إن من النَّاس مَنْ حجبه الكونُ أي المكونات عن المكون تعالى، فلم يشهده سبحانه: أي فلم يشاهد تأثيره فيه، وهو الذي قد أعوزه: أي فاته وجود الأنوار، فصار محتاجاً لها لفقدها عنده، وحجبت أي غابت عنه شموس المعارف: أي المعارف التي هي كالشموس في إظهار الأشياء والكشف عن حقائقها.
فإضافة شموس إلى المعارف من إضافة المشبه به للمشبه: كإضافة سحب إلى الآثار أي الآثار ـ جمع أثر ـ بمعنى المكوَّنات الشبيهة بالسُّحُب بضمتين جمع سحاب، قد منعتْ عنه المعارف الشبيهة بالشموس الكاشفة عنه الحقائق الموصلة إلى حضرة القدوس.
ومن الناس مَن لم يحجبه الكون عن المكوِّن سبحانه وتعالى، بل شهده (¬1) فيه بتأثيره وعنده بحفظه وتدبيره، وهؤلاء الذين يشهدون الأثر والمؤثر معاً.
ومنهم: مَن شهده قبله وهم الذين يستدلون بالمؤثر على الأثر.
¬
(¬1) شهود الله معنوي علمي، كقولك: أشهد أن لا إله إلا الله، وقال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] وقال: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37]، وبين سبحانه أن العين تصير ذاكرة مع أن الذكر يكون باللسان والقلب، وهو إشارة إلى أن الذاكر يصير إذا رأى شيئاً تذكر الله، قال تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري، وكانوا لا يستطيعون سمعاً} [الكهف: 101].
ومنهم من شهده بعده وهم الذين يستدلون بالأثر على المؤثِّر.
وهذه الظروف المذكورة في كلام المصنف ليست زمانية ولا مكانية، فإن الظروف من جملة الأكوان، بل هي اصطلاحات ليس المراد منها ظاهرها عند ذوي العرفان، وإنما تدرك بالذوق لا بالتعبير، فقف عند حدك وتمسك بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [11: الشورى].
• • •
(15)
مما يَدُلُّك على وُجُودِ قَهْرِه سبحانه أن حَجَبَك عنه بما ليس بموجودٍ معه
أي ما يدلك ـ أيها المريد ـ على أنه سبحانه القاهر فوق عباده أن حجبك ـ بفتح همزة أن المصدرية المنسكبة مع ما بعدها بمصدر ـ أي حجبك عنه تعالى بالكون الذي ليس بموجود معه؛ لأنك قد علمت أنّه ظلمة أي عدم محض من حيث ذاته.
فالوجود الحقيقي إنما هو لله تعالى وما سواه لا يوصف عند العارفين بوجود ولا فقد؛ إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحدِيَّتِهِ، ولا يفقد إلا ما وجد.
وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي (¬1): إنا لننظر إلى الله تعالى بنظر الإيمان
¬
(¬1) وهو علي بن عبد الله بن عبد الشاذلي المغربي، أبو الحسن، رأس الطائفة الشاذلية، سكن «شاذلة» قرب تونس، فنسب إليها، وكان ضريراً، قال اليافعي: الشيخ الكبير العارف بالله الخبير الفقيه الإمام، علم العلماء بالله الأعلام معدن الأسرار وبحر العلوم الجمة، المودع درر المعار، وجواهر الحكمة الممنوع رفيع المقامات والأحوال السنية، المشهور بعظيم الكرامات والمناقب العلية، المعترف له بكثر العلوم، المشهود له بالقطبية جامع الفضائل والمفاخر والمحاسن، وعلوم الشريعة والحقيقة الظواهر والبواطن، الني نافت علومه على مائة علم وعشرة، من مؤلفاته: «حزب الشاذلي»، و «الأمين»، و «نزهة القلوب وبغية المطلوب»، و «السر الجليل في خواص حسبنا الله ونعم الوكيل»، (591 - 656 هـ. ينظر: مرآة الجنان4: 107، والأعلام4: 305.
والإيقان، فيغنينا ذلك عن الدليل والبرهان، ونستدل به على الخلق، فإنّه ليس في الوجود إلا الواحد الحق، فلا نراهم، وإن كان ولا بُدّ فنراهم كالهباء في الهواء، إن فتشتهم لم تجدهم شيئاً.
وقال سيدي محي الدين بن العربي (¬1): مَن شهد الخَلْق لا فِعْل لهم، فقد فاز، ومَن شهدهم لا حياة لهم فقد حاز، ومَن شهدهم عين العدم، فقد وصل، ومما قيل في هذا المعنى:
¬
(¬1) وهو محمد بن علي بن محمد ابن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي المالكي الصوفي، أبو بكر، محيي الدين، المعروف بابن عربي، من مؤلفاته: «الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية»، و «جامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام»، و «فصوص الحكم»، قال اليافعي عن الطعن في ابن العربي: إن أعظم ما يطعن الطاعنون فيه بسبب كتابه الموسوم بـ «فصوص الحكم»: وبلغني أن الإمام العلامة ابن الزملكاني شرح كتابه المذكور، ووجهه توجيهاً نفى عنه ما يظن من المحظور، ويخشى من الوقوع في المحذور، (560 - 638هـ). ينظر: مرآة الجنان 4: 100 - 101. النجوم الزاهرة 6: 339 - 340. الكشف 2: 1238، 533.
من أبصرَ الخلْق كالسراب ... فقد ترَقَّى عن الحجابِ
إلى ... وجود ... يراه رَتْقَاً ... بلا ابتعادٍ ولا اقترابِ
ولم ... يشاهدْ ... به سِوَاه ... هناك يُهدى إلى الصَّوابِ
فارفع ـ أيها المريد ـ عنك هذا الحجاب، واجعل تعلُّقك بربِّ الأرباب، فإن كلَّ شيء هالك إلا وجهه، ولا يضمن لك الوصول إلى الله تعالى إلا هذه الوجهة.
• • •
(16)
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الذي أظهر كلَّ شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الذي ظهر بكل شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الذي ظهر في كلِّ شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الذي ظهر لكلِّ شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الظاهرُ قبل وجود كل شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو أظْهَرُ من كل شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الواحد الذي ليس معه شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو أقرب إليك من كل شيء.
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ ولولاه ما كان وجودُ كل شيء.
يا عجباً كيف يَظْهَرُ الوجودُ في العَدَم؟ أم كيف يثبت الحادثُ مع مَنْ له وصْفُ القِدَم؟
بَيَّن المصنِّف في هذه الحكمة الأدلة التي تدلُّ على أنّه سبحانه لا يحتجب بالأكوان، وأتى بها على وجه استبعاد أن يتصور ذلك في الأذهان فقال:
كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ؟ وهو الذي أظهر كل شيء، حيث إنّه هو الذي أوجده بعد العدم، وما كان وجوده متوقِّفاً عليه لا يصحُّ أن يحجبَه.
وقوله: ظهر بكل شيء: أي من حيث إن كلَّ شيءٍ يدلُّ عليه، فإنّ الأثر يدلُّ على المؤثر.
وفي كلِّ شيء له آية تدلُّ على أنه الواحد، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [53: فصلت].
وقولُه: ظهر في كل شيء: أي من حيث إن الأشياء كلَّها مجالي ومظاهر لمعاني أسمائه، فيظهر في أهل العِزّة معنى كونه مُعزِّاً، وفي أهل الذِّلة معنى كونه مُذِلاً وهكذا. . .
وقولُه: ظهر لكلِّ شيء: أي تجلى لكلِّ شيء، حتى عرفه وسبَّحه، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ} [44: الإسراء].
وقولُه: وهو الظاهر قبل وجود كلِّ شيء: أي فهو الذي وجوده أزليٌّ وأبديٌّ، فوجودُه ذاتي، والذاتي أقوى من العَرَضي، فلا يصحُّ أن يكون حاجباً له.