سبل الوفاق في ...........
. أحكام الزواج والطلاق
جارٍ تحميل الكتاب…
سبل الوفاق في ...........
. أحكام الزواج والطلاق
سبل الوفاق
في أحكام الزواج والطلاق
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
إن الحمد لله على فضله الكريم، ورزقه العميم، وعلى ما أنعمه علينا من السكن إلى زوجاتنا، والسرور بأبنائنا، وصلى الله على سيدنا محمد القائل: (حبب إلي من الدنيا: النساء) (¬1)، وهذا لا يكون إلا بالزواج الذي هو سنته - صلى الله عليه وسلم -، وعلى سنة آله وصحبه والسائرين على دربه إلى يوم الدين.
وبعد:
إنني لما درست مادة الأحوال الشخصية لأول مرة اعتمدت في تدريسها كتاب شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لمحمد زيد الأبياني؛ لأنه من أفضل الكتب المعاصرة المؤلفة فيها؛ لذلك يرجع إليه كثير من القضاة، وتعتمده بعض المعاهد والكليات الشرعية؛ لسهولة عبارته والتزامه بالمذهب الحنفي إجمالاً.
¬
(¬1) في الأحاديث المختارة 5: 112، والمستدرك 2: 172، وغيرها.
وعزمت في حينها على اختصاره لما فيه من الطول (¬1)، وعلى تحرير عبارته لتساهله الفقهي أحياناً، وعلى توثيق مسائله لعدم توثيق مؤلفه للمصادر التي يأخذه منها، وعلى تخريج أدلته والتوسع فيها على حسب الإمكان، وعلى أن تكون فروعه معتمدة في المذهب الحنفي؛ لأن كتاب الأحوال الشخصية المشروح قد استلت مواده من كتب الأحناف، على أن الشارح يخرج في بعض الأحيان بترجيح غيره من المذاهب دون مرجح سوى المصلحة العقلية، وهذا بسبب تأثره بمدرسة الإصلاح الديني التي ظهرت في مصر على يد محمد عبده، وقد اعتمدت هذا المنهج المخالف لقواعد أهل السنة الفقهية كما بينت ذلك في كتاب الفقه المقارن.
ولما شرعت في العمل خرج عن كونه اختصاراً فحسب إلى كونه كتاباً مستقلاً وإن استفدت واعتمدت على شرح الأبياني مع غيره من كتب المذهب الحنفي وغيرها؛ إذ كان مقصدي هو التفصيل والبيان على المعتمد عند سادتنا الأحناف؛ لأنه أوسع المذاهب الفقهية كما قرره كبار الفضلاء المشهورين كالطنطاوي والزرقا؛ لذلك اعتمدته كثير من الدول الإسلامية في استخلاص قوانينها في الأحوال الشخصية، فكان توضيح أحكام الزوج
¬
(¬1) فهو مطبوع في ثلاثة مجلدات، أما المختصر المطبوع له في مجلد فالظاهر أن المؤلف لم يقم به ولا أحد من أهل العلم المعتد بهم؛ لأنه طريقته في الاختصار هي حذف مجموعة من الصفحات المتتالية من أماكن من الكتاب.
والطلاق عند الأحناف هو شرح لقوانينها؛ لا سيما القانون الأردني الذي أخذ من المذهب الحنفي إلا في بعض المواد كما سيأتي.
وبياناً لمدى ارتباط هذا الكتاب بقوانين الأحوال الشخصية فإنني أشرت في الهامش إلى المادة من القانون الأردني المتعلقة بما فصلته وبينته في الكتاب، وفي ظني أن هذا الكتاب أدق من غيره من الكتب المؤلفة في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني؛ لأنه مشى على تفصيل الأحكام في الزواج والطلاق على مذهب السادة الأحناف التي استقي منها قانون الأحوال بخلاف غيره من الشروح التي اعتمدت في شرحه ببيان مختلف المذاهب الفقهية دون التفصيل في المسائل على المذهب الحنفي، فصارت كمن يشرح كتاباً في الفقه الشافعي بشروح من كتب المذهب المالكي والحنفي وهكذا.
وإن هذه الطريقة بالاعتماد على مذهب فقهي واحد في التأصيل والتفريع والتدليل، هي الطريقة الصحيحة التي مشت عليها أمتنا طوال هذه القرون؛ لما فيها تنمية الملكة الفقهية لدى الطالب والقارئ، وعدم تشويش فكره بالاختلاف الفقهي الذي لا ينتهي، واطلاعه على الفروع الدقيقة التي يحتاجها في حياته اليومية.
وإنني أسأل الله - عز وجل - أن ييسر الأمر في زيادة تحرير مسائله والاستدلال لها فيما يأتي، وأن يجعله سهلاً مستحسناً عند كل حريص على دينه، محباً لمعرفة
أحكامه من القراء والقضاة والمدرسين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
6/أيلول/2005 م
الموافق 2/شعبان/1426 هـ
الأردن/عمان/صويلح
الفصل الأول
مقدمات الزواج
المبحث الأول
تعريف الزواج وحكمه
المطلب الأول: تعريف الزواج:
أولاً: لغة: الوطء حقيقة (¬1).
ثانياً: شرعاً: وردت له تعاريف اصطلاحية متقاربة منها ما عرَّفه به ملا خسرو (¬2): عقد موضوع لملك المتعة.
والمراد بالعقد مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قبول الآخر سواء كان باللفظين المشهورين من زوجت وتزوجت أو غيرهما مما سيذكر، أو كلام
¬
(¬1) في المغرب ص 473، والمصباح المنير ص 624، والقاموس 1: 263.
(¬2) في درر الحكام 1: 336، وكثير من الكتب عرفته: عقد يفيد ملك المتعة قصداً، كتنوير الأبصار 2: 260، والبحر الرائق 3: 85، والتبيين 2: 94، واحترزوا بلفظ قصداً: عن شراء الإماء؛ إذ كونه بعقد يفيد تملك المتعة ضمناً كالبيع والهبة ونحوهما; لأن المقصودَ فيها ملك الرقبة ويدخل ملك المتعة فيها ضمناً إذا لم يوجد ما يمنعه.
الواحد القائم مقامهما: أي متولي الطرفين كما سيأتي (¬1).
والموضوع: أي بوضع الشارع لا وضع المتعاقدين له.
ومعنى ملك المتعة: هو اختصاص (¬2) الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعاً؛ لأن مقاصد النكاح لا تحصل بدون هذا التمتع، فلولا هذا الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج آخر لا يحصل السكن؛ لأن قلب الزوج لا يطمئن إليها, ونفسه لا تسكن معه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (¬3)، ويفسد الفراش لاشتباه النسب; ولأن المهرَ لازم في النكاح, وأنه عوض عن الاختصاص,،فيدل على لزوم الاختصاص في النكاح أيضاً تحقيقاً للمعاوضة, وهذا الحكم على الزوجة للزوج خاصّة; لأنه عوض عن المهر, والمهر على
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 3: 85، والتبيين 2: 94، رد المحتار 3: 3، وهنا أنبّه على سبق الذهن أو القلم لصاحب الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية ص22؛ إذ نقل معنى العقد هذا عن رد المحتار، وجعله معنى لعقد الزواج، وسبق بيان معنى الزواج، والعقد هنا مفردة من تعريفه.
(¬2) فسَّر ابن نجيم في البحر 3: 85: ملك المتعة بحلّ التمتع، واستدرك عليه ابن عابدين في رد المحتار 2: 258 - 259: بأن تفسيره بالاختصاص أولى؛ لأن الاختصاص أقرب إلى معنى الملك؛ لأن الملك نوع منه، بخلاف الحلّ؛ لأنه لازم لملك المتعة، وهو لازم لاختصاصها بالزوج شرعاً. والمراد بالملك الحل لا الملك الشرعي ; لأن المنكوحة لو وطئت بشبهة فمهرها لها , ولو ملك الانتفاع ببضعها حقيقة لكان بدله له البحر 3: 85
(¬3) الروم: من الآية21.
الرجل , وقيل في تأويل قوله عز وجل: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (¬1) أن الدرجة هي الملك (¬2).
ولذلك كان المقصود من النكاح ملك المتعة دون سواه من المقاصد, وسائر المقاصد تحصل للزوجين تبعاً؛ بدليل أن ملك الطلاق الرافع لملك المتعة يختصّ به الزوج فكان هو المقصود من الزواج (¬3).
وهذا العقد يفيد استمتاعَ الرجلِ بامرأةٍ لم يمنع من العقدِ عليها مانعٌ شرعيٌّ؛ كالعقد على المحارم، مثل: الأخت، فلا يفيد حلّ الاستمتاع بها (¬4).
وسبب النكاح: هو تعلُّق بقاء العالم بالتناسل والتوالد (¬5). (¬6)
¬
(¬1) البقرة: من الآية228.
(¬2) ينظر: البدائع 2: 331.
(¬3) ينظر: المبسوط 5: 59.
(¬4) ينظر: درر الحكام 1: 336، والدر المختار 2: 258 - 259، وشرح الأحكام الشرعية 1: 4.
(¬5) ينظر: تبيين الحقائق 2: 95.
(¬6) وبهذا تبيَّن أن تعريف سادتنا الفقهاء للنكاح أصح وأدق مما نصت عليه المادة (2) من قانون الأحوال الشخصية الأردني كما في التشريعات الخاصة بالمحاكم الشرعية ص119، ومشى عليه كثيرٌ من المعاصرين كالإمام محمد أبو زهرة في الأحوال الشخصية ص17، وعبد الوهاب خلاف في أحكام الأحوال الشخصية ص15، والدكتور السرطاوي في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني ص25 - 26. وهو: عقدٌ بين رجل وامرأة تحلّ له شرعاً لتكوين أسرة وإيجاد نسل بينهما؛ لأسباب منها:
1. ... أن فيه تطويلٌ لا فائدة فيه، ومعلومٌ أنّ هذا عيبٌ في التعاريف، وأن من حسنها الإيجاز والاختصار غير المخلّ.
2. ... أنه ذكر: رجل وامرأة؛ ولا فائدة هنا من ذكر المرأة؛ لأنه يمكن أن يكون العقد مع وليها كما هو الغالب، فهذا خلل ظاهر فيه، بالإضافة إلى أنّ الرجلَ هو الذي يقبل على النكاح، وهو الذي يرغبُ في امرأةٍ معيَّنة، ويقدِّمُ لها المهر الذي تطلبُه منه مقابل أن تمكِّنَه من نفسها، وتعيشَ معه، فالمرأة لها الحقّ في أن تقبل هذا الرجل أو ترفضه؛ ولكنَّها لمَّا كانت مالكةً لمنفعةٍ مرغوبٍ فيها، وأمر الشرعُ أن لا ينتفع بها أحدٌ إلاَّ بالعقد المخصوص، كان العقد واقعاً على هذه المتعة التي بيد المرأة، فكان الصواب من جانب المرأة ذكرها ومن جانب الرجل ذكر رغبته فيها؛ ولذلك لا نجد أحد من فقهائنا في المذاهب الفقهية المختلفة في عصور إكرام المرأة وعزّتها ذكر لفظ؛ المرأة؛ مع الرجل، وإنما اقتصروا على ذكر ما هو ملك لها، وأمره بيدها؛ ولفظ: عقد؛ يفيد ذلك؛ لأنه عبارة عن الإيجاب والقبول، مع أنّ هؤلاء الفقهاء متفقين على أن الزواج ليس لقضاء الشهوة فحسب، وفي ذلك يقول السَّرَخْسيُّ في المبسوط 4: 194 «وليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة, وإنما المقصود ما بيَّناه من أسباب المصلحة, ولكن الله تعالى علَّقَ به قضاء الشهوة أيضاً؛ ليرغب فيه المطيع والعاصي، المطيع للمعاني الدينية، والعاصي لقضاء الشهوة».
3. ... أنه قال: لتكوين أسرة وإيجاد نسل بينهما؛ وما الفائدة من هذا الكلام، أليس بالتزوج يحصل هذا الأمر دون حاجة لذكره، علاوةً على أنه لو لم يرد الزوجان إيجاد نسل، فإنه لا شرع ولا قانون يجبرهما على ذلك، فينبغي بناءً على هذا التعريف أن يكون نكاحهما فاسداً.
المطلب الثاني: حكم الزواج:
إن صفةَ الزواج تختلف باختلاف أحوال الناس في توقان شهوتهم وقدرتهم على ضبطها؛ لذلك تعتريه الأحكام الآتية:
أولاً: فرض؛ ويكون عند تحقق الرجل أنه لو لم يتزوَّج لزنى؛ لأن الزنا حرامٌ قطعاً، ولا يتوصَّل إلى تركه في هذه الحالة إلاَّ بالزواج، والقاعدة: أنّ ما لا يتوصّل إلى ترك الحرام إلا به يكون فرضاً.
ثانياً: واجب؛ ويكون عند التوقان أي شدة الاشتياق إلى التزوَّج بحيث يخاف الرجل الوقوع في الزنا لو لم يتزوَّج من غير تيقّن.
وهذان القسمان مشروطان بشرطين:
1. أن يكون مالكاً للمهر والنفقة، فليس مَن خافه إذا كان عاجزاً عنهما آثم بتركه (¬1).
2. عدم خوف الجور (¬2)؛ فإن تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوَّج وخوف الجور لو تزوَّج قدم خوف الجور، فلا افتراض حينئذٍ، بل مكروه; لأن الجور معصية متعلِّقةٌ بالعباد، والمنع من الزنا من حقوق الله تعالى، وحقّ العبد مقدّمٌ عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى تعالى.
¬
(¬1) قيَّد بهذا الشرط الكاساني في البدائع 2: 229، وتبعه ابن الهمام في فتح القدير 3: 287، وابن نجيم في البحر 2: 84، والشرنبلالي في حاشية الدرر 1: 326، والحصكفي في الدر المختار 2: 260 وقيده ابن عابدين في رد المحتار 2: 260 بلو كان بالاستدانة.
(¬2) قيد بهذا الشرط ابن الهمام في الفتح 3: 187، وتبعه ابن نجيم في البحر3: 83 وابن عابدين في رد المحتار2: 261.
ثالثاً: سُنَّة (¬1)؛ وعبَّرَ بعضُهم بالاستحباب والندب لما يتساهل من إطلاق المستحب على السنة (¬2)؛ وهو في حالة الاعتدال: أي لا يكون في شدّة الاشتياق إلى التزوّج، ولا في غاية الفتور عنه، والأصحُّ أن السُنَّة هنا مؤكَّدة (¬3)؛ لأنه واظب عليه - صلى الله عليه وسلم - مدّة عمره وهذا آية التوكيد (¬4).
والدليل على السنية في حالة الاعتدال (¬5):
1. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (¬6)؛ إذ أقام الصوم مقام النكاح , والصوم ليس بواجب فدل على أن النكاح ليس بواجب أيضا , لأن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب.
¬
(¬1) قال القاري في فتح باب العناية2: 3: أنه أصح الأقوال، ومشى عليه صاحب الكنْز ص43، والتنوير ص55، والغرر 1: 326.
(¬2) كما أفاده ابن الهمام في الفتح:3: 188، وتابعه ابن نجيم في البحر 2: 86، وغيره.
(¬3) صرح به صاحب المحيط والفتح والمختار 3: 108، والملتقى ص49، والبحر 2: 84، والدر المختار ورد المحتار 2: 261، وغيرهم.
(¬4) ينظر: الاختيار 3: 109.
(¬5) هذا ما عليه الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، وذهب بعض الحنفية إلى أنه فرض كفاية، وبعضهم إلى أنه واجب عيني كصدقة الفطر والأضحية، وبعضهم إلى أنه واجب كفائي كرد السلام، وذهب بعض الظاهرية إلى أنه فرض عين، وذهب الشافعي إلى أن التخلي بالعبادة أفضل من الزواج، وأدلتهم مبسوطة في البدائع 2: 228 - 229، وشرح قانون الأحوال الشخصية الأردني ص28 - 34.
(¬6) في صحيح مسلم 2: 1018، واللفظ له، وصحيح البخاري 2: 673، وغيرهما.
2. قوله - صلى الله عليه وسلم - للنفر الثلاثة: (لكنِّي أصلِّي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمَن رغب عن سنتي فليس منِّي) (¬1).
3. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أَحبَّ فطرتي فليستنَّ بسنتي، ومن سنَّتي النكاح) (¬2).
رابعاً: مباح؛ وهو إذا لم يقصد إقامة السنة، بل قصد مجرَّدَ الشهوة ولم يخف شيئاً، لم يثب عليه؛ إذ لا ثواب إلا بالنية، فيكون مباحاً أيضاً كالوطء لقضاء الشهوة، وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) (¬3)؛ لأجل تحصين النفس (¬4).
خامساً؛ حرام؛ ويكون إذا تيقَّنَ الرجلُ عدم القيام بأمور الزوجيّة من كفاية زوجته حاجتها من الجماع؛ لأن الزواج شرع لكفاية كلُّ منها الآخر رغبته، وبعدم قدرته على ذلك يكون الجور عليها؛ وتعريضها للانحراف، وهو مشروع لمصلحة تحصين النفس وتحصيل الثواب، وبالجور يأثم ويرتكب المحرّمات، فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1020، وصحيح البخاري 5: 1949 وغيرهما.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 6: 169، وسنن البيهقي الكبير 7: 77، ومسند أبي يعلى 5: 133، وشعب الإيمان 4: 381، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 252: رجاله ثقات ... .
(¬3) في صحيح مسلم 2: 697، وغيره.
(¬4) ينظر: رد المحتار 2: 261.
(¬5) ينظر: البحر الرائق 2: 84.
سادساً: مكروه تحريماً (¬1)؛ وهو إذا خاف الرجل الجور عليها، وهو متمكن من الاحتزاز عنه: كعدم كفايتها حاجتها من الوطء.
ومشت المتون (¬2) على أن القسمة ثلاثيّة؛ وهي الوجوب والسنية والكراهة، وهذه القسمة السداسية ذكرها ابن الهمام (¬3) وابن نجيم (¬4) والشرنبلالي (¬5) وابن عابدين (¬6)، ومنهم (¬7) مَن جعلها خماسيّة فلم يذكر المباح.
• • •
¬
(¬1) صرَّح بأنها تحريمية ابن نجيم في البحر 2: 84.
(¬2) كما في التنويرص55، والملتقى ص49، والمختار 3: 109، والغرر 1: 326، واقتصر في الكنز ص43 على الوجوب والسنية.
(¬3) في فتح القدير 3: 187.
(¬4) في البحر الرائق 2: 84.
(¬5) في الشرنبلالية 1: 326.
(¬6) في رد المحتار 2: 261.
(¬7) كصاحب الدر المختار 2: 260 - 261، وشرح الأحوال الشخصية 1: 10 - 11، وغيرهما.
المبحث الثاني
الحثّ على الزواج والترغيب فيه
إن مبنى الأحكام الشرعية في الإسلام على العفّة والفضيلة، وهذا ملاحظ لدى كلِّ مَن تدبَّر كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسيرة سلفنا الصالح؛ لأنه لا سبيل إلى الحياة الهادئة المطمئنة المستقرة إلا بالعفاف، فمَن يساير رغبات نفسه ونزواته الحيوانية يعيش في اضطراب وارباك يخرجه عن طوره البشري، وهذا واضح لا سيما في المجتمعات غير المسلمة، التي تقوم حياتها على تحقيق الشهوات والرغبات دون نظر للعفة، فهي تعيش في توتر وقلق فقدت به الأمن والأمان على حياة أفرادها، وعلى عرض نسائها؛ لأن وله الإنسان في تحقيق شهواته لا ينتهي عند حدّ مما يجعله غارقاً في تحصيلها وإن كان على حساب غيره ومجتمعه؛ إذ لا سبيل لإيقاف جموح النفس إلا بالرضا والقناعة الصادرة عن الإيمان الصادق.
لذلك وجدنا الإسلام اعتنى عناية كبيرة في تخليص المجتمع من الانقياد وراء شهواته بالحثّ على الزواج المبكر، وبالدعوة إلى التعدّد، وبأمر النساء بالاحتشام وعدم إثارة الفتن، وبمنع الاختلاط، وينهى المرأة عن
الخضوع في القول، وغير ذلك من الأحكام التي شرعها؛ ليكون المجتمع طاهراً نقياً، مستطيعاً أن يحقق طموحاته التي ترتفع عن النزوات والشهوات فحسب، ومن حثّه على الزواج ما يلي:
أولاً: من القرآن:
1. قوله - عز وجل -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (¬1)، وهذا أمر.
2. قوله - عز وجل -: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} (¬2)، وهذا منع من العضل ونهي عنه.
3. قوله - جل جلاله -: في وصف الرسل ومدحهم: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّية} (¬3)، فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل.
4. قوله - جل جلاله - في مدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} (¬4).
¬
(¬1) النور:32.
(¬2) البقرة: من الآية232.
(¬3) الرعد: من الآية38.
(¬4) الفرقان: من الآية74.
ثانياً: من الحديث:
1. عن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمَن رغب عن سنتي فليس مني) (¬1).
2. عن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح) (¬2).
3. عن أبي نجيح - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قدر على أن ينكح فلم ينكح فليس منّا) (¬3)، وفي لفظ: (مَن كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا) (¬4).
4. عن عروة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (انكحوا النساء، فإنّهنّ يأتينكم بالمال) (¬5).
5. عن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان ذا طول منكم فليتزوج، ومن لا فليصم فإن الصوم وجاء قاءه للعرق) (¬6)، وفي لفظ: عن عائشة رضي الله عنها
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1020، وصحيح البخاري 5: 1949، وغيرهما.
(¬2) في مسند أبي يعلى 5: 133، وسنن البيهقي الكبير 7: 77، وشعب الإيمان 4: 381، قال العراقي في المغني 3: 25: سنده حسن.
(¬3) في سنن الدارمي 2: 177، ومسند الحارث 1: 539، وغيرها.
(¬4) في سنن البيهقي الكبير 7: 78، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 453، وشعب الإيمان 4: 382، ومراسيل أبي داود ص180، وغيرها.
(¬5) في مراسيل أبي داود ص180، وقال الشيخ شعيب: رجاله ثقات رجال الشيخين.
(¬6) في الأحاديث المختارة 5: 104، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 252: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس منى وتزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ومَن كان ذا طول فلينكح، ومَن لم يجد فعليه بالصيام فإن الصوم له وجاء) (¬1).
6. عن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لم ير للمتحابين مثل النكاح) (¬2).
7. عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (¬3)) (¬4)، وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج (¬5).
8. عن معاذ بن أنس الجهني - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أعطى لله، ومنع لله،
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 2: 94، قال الكناني في المصباح 2: 94: هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون المديني لكن له شاهد صحيح، وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود.
(¬2) في المستدرك 2: 174، وصححه، وسنن ابن ماجة 1: 593، وسنن سعيد بن منصور 1: 164، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 454، والمعجم الأوسط 3: 282، ومعجم الشيوخ 1: 244، ومسند أبي يعلى 5: 132، والمعجم الكبير 11: 17، وقال الكناني في المصباح2: 84: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(¬3) الوجاء: هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع في الصوم. ينظر: إحياء علوم الدين 3: 25، وغيره.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 703، وصحيح البخاري 5: 1950، وغيرهما.
(¬5) ينظر: الإحياء 3: 25، وغيره.
وأحبّ لله، وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل الإيمان) (¬1).
9. عن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) (¬2)، وفي لفظ: (مَن تزوج فقد استكمل نصف الإيمان فليتق الله في النصف الباقي) (¬3)، وهذا أيضاً إشارة إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصناً من الفساد، فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه، وقد كفى بالتزويج أحدهما (¬4).
ثالثاً: من الآثار:
1. قال عمر - رضي الله عنه -: (لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور) فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين.
2. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: «لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج»؛ إذ لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج، ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب.
3. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن
¬
(¬1) في المستدرك 2: 178، وصححه، وجامع الترمذي 4: 670، وحسنه، والمعجم الأوسط 9: 41، ومسند أحمد 3: 438، ومسند أبي يعلى 3: 60، وغيرها.
(¬2) في المستدرك 2: 175، وصححه، وشعب الإيمان 4: 383، وغيرهاا.
(¬3) في المعجم الأوسط 7: 337، 8: 335، ومعجم الشيوخ 1: 222، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 252: رواه الطبراني في الأوسط باسنادين وفيهما يزيد الرقاشي وجابر الجعفي وكلاهما ضعيف وقد وثق.
(¬4) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 25 - 26، وغيره.
أتزوج لكيلا ألقى الله عزباً» (¬1).
رابعاً: من المعقول: إن فوائد النكاح كثيرة منها ما يلي:
الأولى: الولد؛ وهو الأصل وله وضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الأنس، وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة، فالحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهاراً للقدرة، وإتماماً لعجائب الصنعة، وتحقيقاً لما سبقت به المشيئة، وحقت به الكلمة وجرى به القلم، ومن ثمار تحقيق الولد رغم الأمن من الفتنة:
1. موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
2. طلب محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تكثير أمته ومباهاته بهم، فعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (تزوجوا الولود الودود، فإني مكثر بكم الأمم) (¬2)، وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى) (¬3).
3. طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 26، وغيره.
(¬2) في صحيح ابن حبان 9: 363، وسنن النسائي 3: 271، والمستدرك 2: 176، وصححه، وسنن أبي داود 2: 220، وينظر: موارد الظمان 1: 302، وغيره.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 7: 78، وغيره.
علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (¬1)، ولا يوصل إلى الولد إلا بالنكاح، ودعاء المؤمن لأبويه مفيد براً كان أو فاجراً، فهو مثاب على دعواته وحسناته، فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى؛ ولذلك قال - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (¬2): أي ما نقصناهم من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيداً في إحسانهم.
4. طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) (¬3)، وعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة، قال: قلنا: يا رسول الله وابنان. قال: وابنان. قال محمود قلت لجابر بن عبد الله: إني لأراكم لو قلتم واحداً لقال واحداً. قال: والله أظن ذلك) (¬4).
الثانية: التحصن من الشيطان، وكسر التوقان، ودفع غوائل الشهوة، وغضِّ البصر وحفظ الفرج، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تزوج فقد
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1255، وصحيح ابن خزيمة 4: 122، وصحيح ابن حبان 7: 286، وغيرها.
(¬2) الطور:21.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 421، وغيره.
(¬4) في صحيح ابن حبان 7: 208، وغيره.
استكمل نصف الإيمان فليتق الله في النصف الباقي) (¬1)، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (¬2)، وفي الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق إلى الإيلاد، وهي ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت، فهي منبهة على اللذات الموعودة في الجنان؛ إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقاً لا ينفع فلو رغب العنين في لذة الجماع، أو الصبي في لذة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب، وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة؛ ليكون باعثاً على عبادة الله.
وحفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختيار الإنسان، بل لا تزال النفس تجاذبه، وتحدثه بأمور الوقاع، ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات، وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه، والله مطلع على قلبه، والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق، ورأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه.
والمواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليها ضعف في البدن، وفساد في المزاج، فالشهوة أقوى آلة الشيطان على بني آدم، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما رأيت من ناقصات
¬
(¬1) سبق تخريجه.
(¬2) سبق تخريجه.
عقل ودين أغلب لذو لبّ منكنّ) (¬1) وإنما ذلك لهيجان الشهوة، وقال الجنيد: «أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت»، فالزوجة على التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب؛ ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من وقع نظره على امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله، فعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يرد ما في نفسه) (¬2)؛ لأن ذلك يدفع الوسواس عن النفس.
الثالثة: ترويح النفس، وإيناسها بالمجالسة، والنظر، والملاعبة؛ إراحةً للقلب، وتقوية له على العبادة، فإن النفس ملول، وهي عن الحق نفور؛ لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت، وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات؛ ولذلك قال - عز وجل -: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (¬3). وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) (¬4)، والشرة الجد والمكابدة بحدة وقوة،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 86، وصحيح البخاري 2: 531، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1021، وغيره.
(¬3) الأعراف: من الآية189.
(¬4) في مسند البزار 6: 338، ومسند أحمد 2: 210، ومسند الحارث 1: 342، والسنة لابن أبي عاصم 1: 28، وقال إسناده صحيح على شرح الشيخين.
وذلك في ابتداء الإرادة والفترة الوقوف للاستراحة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) (¬1)، وهذه الفائدة يدركها من جرب إتعاب نفسه في الأفكار، والأذكار، وصنوف الأعمال.
الرابعة: تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتكفل بشغل الطبخ، والكنس، والفرش، وتنظيف الأواني، وتهيئة أسباب المعيشة، فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده؛ إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة للمنزل عون على الدين، واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب، ومنغصات للعيش.
وقال القرظي في معنى قوله - جل جلاله -: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} (¬2): المرأة الصالحة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة) (¬3)، فانظر كيف جمع بينها وبين الذكر والشكر، وفسر بعضهم: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} بالزوجة الصالحة.
الخامسة: مجاهدة النفس، ورياضتها بالرعاية، والولاية، والقيام بحقوق
¬
(¬1) في المستدرك 2: 1741، وصححه، وسنن النسائي الكبرى 5: 280، والأحاديث المختارة 4: 428، وغيرها. وقال العراقي المغني 35: إسناده جيد.
(¬2) البقرة: من الآية201.
(¬3) في سنن ابن ماجة 1: 596،والمعجم الأوسط 2: 376،ومسند أحمد 5: 282، ومسند الروياني 1: 406، وغيرها.
الأهل، والصبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسعي في إصلاحهن، وإرشادهن إلى طريق الدين، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربيته لأولاده، وكل هذه أعمال عظيمة الفضل.
فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... الرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم) (¬1)، وليس مَن اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمَن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا مَن صبر على الأذى، كمَن رفّه نفسه وأراحها، فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله، قال صلى الله عليه وسلم: (إنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك) (¬2) (¬3).
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1459، وصحيح البخاري 1: 304، وغيرهما.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1006، وصحيح مسلم 3: 1251، وغيرهما.
(¬3) هذه الفوائد مستخلصة من إحياء علوم الدين 3: 28 - 37، وينظر: أحكام القرآن للجصاص 3: 365 - 368، وغيرها.
المبحث الثالث
كيفية اختيار الزوج والزوجة
إن اختيار كلّ من الزوجين للآخر يتطلّب معرفة ما يجب عليهما من الصفات الحميدة؛ ليتمكن الطرفان من الحصول على العشير الصالح القادر على إيجاد بيت مسلم مطمئن محقق لمرضاة الله - جل جلاله -، وفي هذا المبحث سنقتصر على ذكر صفات الزوج والزوجة التي أرشد إليها هذا الدين الحنيف بما يحقق الغاية المقصودة.
المطلب الأول: صفات الزوجة:
إن من أعظم النعم أن يوفق المرء في اختيار زوجته التي يقضي معها جلّ وقته، وتربي أولاده، وتحفظ له عرضه وشرفه، وتعينه على هموم الدنيا وكدرها، وتسعده معها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة، إن أمرَها أطاعته، وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسمَ عليها
أبرته، وإن غابَ عنها حفظته في نفسها وماله) (¬1)؛ لأنها المعينة على تحصيل رضا الله تعالى بأحوالها وصفاتها الحميدة.
وخير ما يستقى منه بعد كتاب الله هو سنّة مصطفاه - صلى الله عليه وسلم - في رشاد الناس وخيرهم، وللوقوف على صفات الزوجة المطلوبة ننهل من عبق هذه السنة المطهّرة، التي وردَ فيها أحاديث عديدة في بيان ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من صفات، وقد نظمها أحدهم فقال:
صفات مَن يستحبّ الشرع خطبتها ... جلوتها لأولي الألباب مختصرا
صبية ذات دين زانه أدب ... بكر ولود حكت في نفسها القمرا
غريبة لم تكن من أهل خاطبها ... تلك الصفات التي أجلوها لمَن نظرا
فيها أحاديث جاءت وهي ثابتة ... أحاط علماً بها من في العلوم قرا (¬2)
أولاً: أن تكون صالحة ذات دين؛ وهذه أولى وأهمَّ صفة يجب مراعاتها بالنسبة للزوج، وعلى الزوجة أن تحققها في نفسها، فإنها لا يستغني عنها بيت يريد الراحة والسعادة والطمأنينة وفيها رغب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) (¬3)؛ لأن في فقدانها تعاسة وندامة، وخراب للبيوت،
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
(¬2) ينظر: المستطرف 2: 293.
(¬3) في صحيح البخاري 5: 1958، وصحيح مسلم 2: 1086، وصحيح ابن حبان 9: 344، وغيرها.
وضياع للأولاد، فالعيش كلّه مقصور على الحليلة الصالحة، والبلاء كله موكل بالقرينة السوء التي لا تسكن النفس إلى عشرتها، ولا تقر العيون برؤيتها (¬1).
قال الإمام الغزالي (¬2): «فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها، وسودت بين الناس وجهه، وشوَّشت بالغيرة قلبه، وتنغَّص بذاك عيشه، فإن سلك سبيل الحمية والغيرة لم يزل في بلاء ومحنة، وإن سلك سبيل التساهل كان متهاوناً بدينه وعرضه، ومنسوباً إلى قلّة الحمية والأنفة، وإذا كانت مع الفساد جميلة كان بلاؤها أشد؛ إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها».
وقال عبد الرحمن بن أبزى: «مثل المرأة الصالحة لبعلها كالملك المتوج بالتاج المخوص بالذهب كلما رآها قرت بها عيناه، ومثل المرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير» (¬3).
وفي وصية لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المستطرف 2: 294.
(¬2) في إحياء علوم الدين 2: 42.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559، وجامع معمر بن مرشد 11: 300، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 10: 234: رواه الطبراني بسندين ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(¬4) ينظر: حياة الحيوان الكبرى 2: 172 - 173.
ولأهميتها فقد كثرت الأحاديث فيها، ومنها:
1. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) (¬1).
2. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ألا أخبركم بخير ما يكنز: المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته) (¬2).
3. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهني، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء) (¬3).
4. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم، قيل: يا رسول الله وما الغراب الأعصم؟ قال: الذي إحدى رجليه بيضاء) (¬4)،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1090، والمسند المستخرج 4: 141، وصحيح ابن حبان9:340، ومسند أبي عوانة 3: 143، ومسند عبد بن حميد 1: 133، ومسند الشهاب 2: 236، والزهد لهناد 1: 295.
(¬2) في المستدرك 1: 567، 2: 363، وصححه. وفي سنن البيهقي الكبرى 4: 83، وسنن أبي داود 2: 126، ومسند أبي يعلى 4: 378، وشعب الإيمان 3: 194،
(¬3) في الأحاديث المختارة 1: 302، قال المقدسي: إسناده صحيح، وموارد الظمآن 1: 302، ومسند البزار 4: 20، 26، وبلفظ قريب منه في مسند أحمد 1: 168، والمستدرك 2: 157، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال المنذري في الترغيب 3: 28: رواه أحمد بإسناد صحيح.
(¬4) في المعجم الكبير 8: 201، واللفظ له، وقال الدميري في حياة الحيوان 2: 172: في النسائي بإسناد صحيح.
وأراد - صلى الله عليه وسلم - قلة الصالحة في النساء؛ لأن هذا الوصف في الغربان عزيز قليل (¬1).
5. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهنّ أن يرديهن، ولا تزوجهنّ لأموالهنّ فعسى أموالهنّ أن تطغيهن، ولكن تزوجهنّ على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل) (¬2).
وليس معنى هذه الأحاديث أن لا يلتفت الرجل إلى الحسب والجمال وغيرها من الصفات، وإنما المعنى أن يقدم ذات الدين على غيرها، ولا يرغب في امرأة لمحض جمالها إن كانت غير متدينة، وإلا فقد ثبت في عدّة أحاديث أن الجمال من موجبات الرغبة في النكاح؛ لأنّ فيه العفة وغضّ البصر، والتحصين لا يحصل إلا بأن يطمئن الرجل بزوجته (¬3)، فالممنوع إذاً هو الاكتفاء بالجمال مع قطع النظر عن صلاح الدين والكمال (¬4).
ثانياً: أن تكون ذات حسب ونسب: أي طيبة الأصل بانتسابها إلى العلماء والصلحاء (¬5)؛ لتكون من أهل بيت الدين والصلاح، فإنها ستربي بناتها وبنيها، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب والتربية (¬6)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (خير نساء
¬
(¬1) ينظر: حياة الحيوان الكبرى 2: 172.
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 597، وسنن البيهقي الكبير 7: 80، ومسند البزار 6: 314، ومسند عبد بن حميد 1: 133، ومصباح الزجاجة 2: 97، وغيرها.
(¬3) ينظر: تكلمة فتح الملهم 1: 109.
(¬4) ينظر: عين العلم وزين الحلم ص34،مطبوع جزء منه باسم شؤون الأسرة.
(¬5) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 24: 61.
(¬6) ينظر: إحياء علوم الدين 2: 46، وعين العلم وزين الحلم ص38.
ركبن الإبل: صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يد) (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تَخَيَّروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وأَنكحوا إليهم) (¬2).
ثالثاً: أن تكون بكراً؛ لم تتزوج الرجال قبله، ولم تعاشرهم وتختلط بهم، فيكون فيها شدّة المحبة والألفة له؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: (هلا تزوَّجت بكراً تلاعبُها وتلاعبك) (¬3)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بالأبكار فإنّهنّ أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير) (¬4).
وفي البكارة ثلاثة فوائد:
الأولى: أن تحبّ الزوج وتألفه فيؤثر في معنى الود، والطباع مجبولة على
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 1266، وصحيح مسلم 4: 1954، وصحيح ابن حبان 13: 164، ومسند الحميدي 2: 451، والآحاد والمثاني 5: 459، وغيرهم.
(¬2) في المستدرك 2: 176، والأحاديث المختارة 7: 198، وقال المقدسي: إسناده حسن، وسنن البيهقي الكبير 7: 133،وسنن الدارقطني 3: 299، وسنن ابن ماجه 1: 633، ومسند الشهاب 1: 390، والفردوس 2: 51، وفي هذا الحديث كلام من حيث ثبوته فصَّله ابن الجوزي في العلل المتناهية 2: 612 - 615، والعجلوني في كشف الخفاء 1: 358، وابن حجر في تلخيص الحبير 3: 146، وأفاض الكوثري فيه في مقالاته ص130 - 141.
(¬3) في صحيح البخاري 3: 1083، وصحيح مسلم 2: 1087، وغيرهما.
(¬4) في سنن ابن ماجه 1: 568، وسنن البيهقي الكبير 7: 81، والمعجم الأوسط 1: 144، والآحاد والمثاني 4: 5، والمعجم الكبير 7: 140، والفردوس 3: 21، وفي مصنف ابن أبي شيبة 4: 52 وقفه على عمر - رضي الله عنه -.
الأنس بأول مألوف، وأما التي اختبرت الرجال ومارست الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته فتقلِّي الزوج.
الثانية: أن ذلك أكمل في مودّته لها، فإن الطبع ينفر عن التي مسَّها غيره، ويثقل على الطبع مهما يذكر عنه، وبعض الطباع في هذا أشد نفوراً.
الثالثة: أنها لا تحنّ إلى الزوج الأول، وآكد الحب ما يقع مع الحبيب الأول غالباً (¬1).
وفيما يتعلق بالبكارة وأعمار النساء قصة طريفة عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، استحسنت ذكرها، فقد سئل - رضي الله عنه - عن بنات العشر من النساء، فقال: لهو اللاهين، فسئل عن بنات العشرين، فقال: لذّة المُعانقين، فسئل عن بنات الخمسين فقال: عجوز في الغابرين، فسئل عن بنات السِّتين فقال: لعنة اللاعنين (¬2).
رابعاً: أن تكون ولوداً ودوداً؛ ومن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعى صحّتها وشبابها، فإنها تكون ولوداً في الغالب مع هذين الوصفين (¬3)؛ جاء رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فقال: (إنّي أصبت امرأة ذات حسب ومنصب، إلا أنها لا تلد، أفاتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فنهاه،
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 2: 46، وعين العلم وزين الحلم ص38.
(¬2) ينظر: المبسوط 21: 36، دار المعرفة، والقلائد من فرائد الفوائد ص96 - 97.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدين 2: 46.
فقال: تزوجوا الولود الودود، فإني مكثر بكم الأمم) (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزوجنّ عاقراً ولا عجوزاً، فإني مكاثرٌ بكم) (¬2).
خامساً: أن تكون حسنة القيام بأمور البيت؛ ولهذا دور كبير في زيادة الألفة والمحبة بين الزوجين، والابتعاد عن النِّزاع والخصومات، فهي بذلك تنال رضاه، ولا يرى في بيته ما يعكر صفوه، وتكون خير قدوة لبنيها، وقائمة بمسؤلياتها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (المرأةُ راعيةٌ على بيت زوجها وولده) (¬3).
ومن الوصايا اللطيفة التي يحسن بكلِّ امرأةٍ أن تخطّها وتجعلها أمام ناظريها، ما نقل عن عمر بن حجر الكندي أنه خطب من عوف بن محلم الشيباني ابنته أم إياس، وأجابه إلى ذلك، فأقبلت عليها أمّها ليلة دخوله بها توصيها، فكان ممَّا أوصتها به أن قالت: أي بنيّة إنك مفارقة بيتك الذي منه خرجت، وعشّك الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تأليفه، فكوني له أمة ليكون لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً يكون لك ذخراً:
فأما الأولى والثانية: فالرضا والقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم أنفه منك إلا أطيب الريح.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 9: 363، وسنن النسائي 3: 271، وموارد الظمان 1: 302،
(¬2) في المستدرك 2: 329، قال ابن حجر في تلخيص الحبير 3: 115: إسناده ضعيف.
(¬3) في صحيح البخاري 5: 1996، والمنتقى 1: 275، ومسند أبي عوانة 4: 382، والأدب المفرد ص84، وغيرها.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن شدّة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حشمه وعياله.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمراً ولا تفشي له سراً، فإنّك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سرَّه لم تأمني غدره.
وإيّاك ثم إيّاك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة لديه إن كان فرحاً.
فقبلت وصية أمّها، فأنجبت له الحارث بن عمرو جدّ امرئ القيس الملك الشاعر (¬1).
سادساً: أن تكون مطيعة لزوجها؛ فلا تعصي له أمراً لا يغضب الله تعالى فيه، وأن لا تجعله نداً لها، بل تعظِّمه وتوقِّره، فإن ذلك يحملها على طاعته، وقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (قيل: يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره) (¬2).
سابعاً: أن تكون عفيفة؛ مبتعدةً كل الابتعاد عما يبتذلها، ويجعلها سلعة رخيصة في أعين الرجال، يقضي كلٌّ منهم مأربه فيها، فتقتصر في تحسين
¬
(¬1) ينظر: المستطرف 2: 294.
(¬2) في سنن النسائي 3: 271،والمجتبى 6: 68،وسنن البيهقي الكبير 7: 82،ومسند أحمد 2: 251، ونوادر الأصول 2: 150، وغيرها.
نفسها وتجميلها على زوجها؛ لما في غير ذلك من المهالك لها في الدنيا والآخرة، قال - جل جلاله -: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} (¬1)، وعن علي وأنس - رضي الله عنهم -: «خير نسائكم العفيفة» (¬2).
وقال عمر - رضي الله عنه -: «النساء ثلاثة: امرأة هينة لينة، عفيفة مسلمة، ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقلَّ ما يجدها، ثانية: امرأة عفيفة مسلمة إنّما هي وعاء للولد ليس عندها غير ذلك، ثالثة: غل قمل يجعلها الله في عنق مَن يشاء ولا يَنْزعها غيره، الرجال ثلاثة: رجل عفيف مسلم عاقل يأتمر في الأمور إذا أقبلت ويسهب فإذا وقعت يخرج منها برأيه، ورجل عفيف مسلم ليس له رأي، فإذا وقع الأمر أتى ذا الرأي والمشورة فشاوره واستأمره ثم نزل عند أمره، ورجل جائر حائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً» (¬3).
ثامناً: أن تكون ذات جمال يستحسنه الرجال؛ لما في ذلك من تحصين للرجل، وكفاية وقناعة له بها عن غيرها، وقد قالوا في مقياس جمال المرأة: أنه ليست المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد، فإذا دنت منك لم تكن كذلك، بل الجميلة التي كلَّما كرَّرت بصرك فيها زادتك حسناً (¬4). قال - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) النور: من الآية3.
(¬2) في الفردوس 2: 176.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559، وشعب الإيمان 6: 75، 416،
(¬4) ينظر: المستطرف 2: 301.
(خير فائدة استفادها المسلم بعد الإسلام امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في ماله ونفسها) (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إنّما النساء لعب فمَن اتّخذ لعبة فليحسنها أو فليستحسنها) (¬2).
تاسعاً: أن لا تكون غيرتها شديدة؛ لما في ذلك من مدخل للظنّ السيء المنغص للحياة الزوجية فيما لا يستوجب ذلك، فروى أنس - رضي الله عنه -، قالوا: (يا رسول الله؟ ألا تتزوج من نساء أنصار؟ قال: إن فيهم لغيرة شديدة) (¬3).
عاشراً: أن تكون بسيطة لا يحتاج نكاحها إلى مؤنة شديدة؛ لأن كثيراً ممَّن يطلبون المهور الغالية؛ لا يكون إلا للمباهاة والتفاخر، ومردّ ذلك إلى الفراغ النفسي الذي يسعى صاحبه لسدّه بمثل هذا، أما من امتلأ قبله بالإيمان، واكتست نفسه بالإسلام، فلا يعير انتباهاً لأمثال هذه الظواهر، وإنما يهتم بباطن مَن يأتيه وهو تدينه، ومن الأحاديث في ذلك:
1. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها) قال عروة: أن يتيسر رحمها للولادة، وأنا أقول من عندي ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها (¬4).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559، وسنن سعيد بن منصور 1: 166،
(¬2) في مسند الحارث 1: 456.
(¬3) في سنن النسائي 3: 271، والمجتبى 6: 69، وموارد الظمآن 1: 302، ولفظه: في أعينهن شيئاً.
(¬4) في مسند أحمد 6: 77، والمستدرك 2: 197 وصححه الحاكم، والمعجم الأوسط 4: 62، والمعجم الصغير ص285، وسنن البيهقي الكبير 7: 235، وصحيح ابن حبان 9: 405.
2. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة) (¬1)، وفي رواية: (أيسرهن صداقاً) (¬2).
3. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خيرهن أيسرهن صداقاً) (¬3).
الحادي عشر: أن تكون حسنة الخلق؛ فهو الزينة التي تدوم مع الزوجة في عشرتها لزوجها؛ إذ الجمال يألفه بعد حين ويعتاد عليه، فلا يعود ينتبه إليه كسابق عهده، أما جمال الخلق فبه تزداد حياتها سعادة وألفة ومحبّة؛ لأنه في كلِّ لحظة يعاملها فيها يجدها مكسوّة به، فتزداد هيبتها ومكانتها في نظره، وفي ذلك رغب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث: تنكح المرأة على مالها، تنكح على جمالها، تنكح على دينها، فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك) (¬4).
وقال عمر - رضي الله عنه -: (ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق، ودود ولود، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله من امرأة سيئة الخلق، حديدة اللسان ثم قال: إن منهن غنماً لا يحذى منه، وإن منهن غلالاً يفدى) (¬5).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 493، ومسند أحمد 6: 145، سنن البيهقي الكبير 7: 235، قال العجلوني في كشف الخفاء 1: 164: سنده جيد.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 7: 235، والمستدرك 2: 294، وصححه الحاكم.
(¬3) في صحيح ابن حبان 9: 342، والمعجم الكبير 11: 78، وموارد الظمآن 1: 306.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 560.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559،
وقال عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: (ألا أخبركم بالثلاث الفواقر: إمام جائر إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى حسنة غطّاها وإن رأى سيئة أفشاها، وامرأة السوء إن شهدتها غاضبتك وإن غبت عنها خانتك) (¬1). وعن جعدة بن هبيرة - رضي الله عنه -: (كان إذا زوج شيئاً من بناته خلا بها فينهاها عن سيء الأخلاق وأمرها بأحسنها) (¬2).
وقال الإمام الغزالي (¬3): «إذا كانت بذيئة اللسان سيئة الخلق كافرة للنعم، كان الضرر منها أكثر من النفع».
وقال بعض الحكماء: «أفضل النساء أن تكون بهية من بعيد، مليحة من قريب، غذيت بالنعمة، وأدركتها الحاجة فخلق النعمة معها، وذلّ الحاجة فيها» (¬4).
وقال بعض العرب: «لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منّانة، ولا جنّانة، ولا تنكحوا حدّاقة، ولا برّاقة، ولا شداقة.
أما الأنانة: فهي التي تكثر من الأنين والتشكي وتعصب رأسها كلَّ ساعة، فنكاح الممارضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه.
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559، وسنن البيهقي الكبير 7: 82، ومسند ابن الجعد 1: 166، وشعب الإيمان 6: 416، والزهد لهناد 2: 598، وغيرها.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559،
(¬3) في إحياء علوم الدين 2: 43.
(¬4) ينظر: بستان العارفين ص124 - 125.
والمنانة: التي تمنّ على زوجها، فتقول: فعلت لأجلك كذا وكذا.
والحنانة: التي تحنّ إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر.
والبراقة: تحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني: أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقبل نصيبها من كل شيء.
والشداقة: المتشدقة الكثيرة الكلام» (¬1)، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن أحبكم إلى الله وأقربكم مني أحسانكم أخلاقا وإن أبغضكم إلى الله وأبعدكم مني الثرثارون المتفيهقون المتشدقون) (¬2).
وهذه العجالة في صفات الزوجة الصالحة بصيرة لمن ألقى السمع وهو شهيد، ومنفعة لطالبها، فإن خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، وفي اقتفاء أثر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كلّ الخير، فهذه جملة الصفات التي حضَّ عليها واعتنى بها، فمَن اهتدى بهديه - صلى الله عليه وسلم - فيها تحصَّل له السعادة في بيته، ونال رضا ربَّه، ومن ابتعد وغرر به هواه وقع في الوعيد كما أخبر الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تزوَّج امرأة لعزِّها لم يزده الله إلا ذلاً، ومَن تزوَّجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومَن تزوَّجَها لحسنها لم يزده الله إلا دناءة، ومَن تزوَّجها لم يتزوجها إلاَّ يغض بصره ويحصن فرجه أو
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 1: 43.
(¬2) في صحيح ابن حبان 2: 231، واللفظ له، وجامع الترمذي 4: 370، وحسنه، وسنن البيهقي الكبير 10: 193، ومسند أحمد 4: 193، وغيرها.
يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه) (¬1).
المطلب الثاني: زواج القريبة:
إن إفراد الحديث عن زواج القريبة في مطلب خاص مع أنه داخل في صفات الزوجة يرجع لأهميته؛ ولطول الكلام فيه؛ لما في هذه المسألة من طول وتفصيل بسبب ما وقع فيها من خلط وتشويش يحتاج إلى البيان والتصحيح.
ولتحقيق المراد نجيب عن سؤالين، وهما:
1. هل ثبت في نصوص الشرع العظيم نهيٌ عن زواج الأقارب؟
2. هل نصّ الفقهاء الكرام على اختلاف مدارسهم الفقهيّة على كراهة زواج القريبة؟
والإجابة عن كلٍّ منها كالآتي:
أولاً: نصوص الشرع في زواج القريبة، وفيها ما يلي:
الأول: نصوص النهي عن زواج القرابة:
أورد بعض الفقهاء في كتبهم ألفاظاً لأحاديث في النهي عن زواج القرابة مستدلّين بها على ما أرادوا، ولكن من المعلوم أن كلَّ علم وفنٍّ يؤخذ
¬
(¬1) في مسند الشاميين 1: 29، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 254: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد السلام بن عبد القدوس وهو ضعيف.
من أهله فكما أن الفقه لا يؤخذ من كتب الحديث والتفسير، كذلك لا يؤخذ الحديث من مدونات الفقه، وهذا يلزمنا الرجوع إلى مصنّفات الحديث المختلفة أو كتب التخاريج التي اعتنت بتخريج أحاديث الكتب الفقهيّة لمراجعة حال هذه الأحاديث فيها وثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الأحاديث هي:
• (لا تنكحوا في القرابة القريبة، فإنه يورث ضآلة في الولد) (¬1)، أو بلفظ: (لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً) (¬2)، أو بلفظ: (اغتربوا لا تضووا) (¬3). ومعنى تضووا: قال الفيومي (¬4): «ضوي الولد ضوى من باب تعب إذا صغر جسمه وهزل، فهو ضاوي مثقل، والأصل على فاعول، والأنثى ضاوية، وأضويته أضعفته».
نقل ابن حجر العسقلاني (¬5) ... وابن المُلقِّن (¬6) وابن حجر الهيتمي (¬7)
¬
(¬1) ينظر: تلخيص الحبير 3: 304، وجواهر الأخبار: 84.
(¬2) ينظر: تلخيص الحبير 3: 304 وجواهر الأخبار: 84.
(¬3) ينظر: تلخيص الحبير 3: 304 وجواهر الأخبار: 84، ونسبا هذا اللفظ لغريب الحديث لابن قتيبة.
(¬4) في المصباح المنير ص366.
(¬5) في تلخيص الحبير 3: 304 وينظر: وجواهر الأخبار: 84.
(¬6) في خلاصة البدر 2: 179.
(¬7) في تحفة المحتاج 7: 189.
والرملي (¬1) والشربيني (¬2) وغيرهم قول ابن الصلاح فيه: «لم أجد له أصلاً معتمداً»، وأقرُّوه عليه.
وقال التاج السبكي (¬3): «لم أجد له إسناداً».
وبذلك يتَّفق الحفَّاظ وغيرهم على أن هذه الألفاظ لهذا الحديث موضوعة ولا وجه للاحتجاج بها.
• (الناكح في قومه كالمعشِّب في داره) (¬4)، هذا الحديث أحد أحاديث نسخة لسليمان ابن أيوب عن أبيه عن جدّه عن موسى بن طلحة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن عدي (¬5): «عامّة هذه الأحاديث أفراد لهذا الإسناد لا يتابع سليمان عليها أحد».
وقال يعقوب بن شيبة: «هذه الأحاديث عندي صحاح» (¬6).
قال العراقي: «ورجَّحها الضياء المقدسي في «المختارة» (¬7)» (¬8).
¬
(¬1) في نهاية المحتاج 6: 185.
(¬2) في مغني المحتاج 4: 206 - 207.
(¬3) كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين 2: 972.
(¬4) في المعجم الكبير 1: 114، والفردوس 4: 313.
(¬5) في الكامل في الضعفاء 3: 284.
(¬6) ينظر: مصباح الزجاجة 4: 36.
(¬7) 3: 21.
(¬8) ينظر: تخريج أحاديث الإحياء 2: 971 - 972.
وقال الذَّهَبِيّ (¬1) عن سليمان: «صاحب مناكير، وقد وثِّق (¬2)».
وقال ابنُ حجر (¬3): «لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً، وذكره ابن حبِّان في «الثقات»».
أما ما يستند إليه من أحاديث أخرى للاحتجاج بذلك كحديث (تخيّروا لنطفكم فإن العرق دساس)، وحديث (إياكم وخضراء الدمن)، فلا دلالة فيها على زواج القرابة من قريب أو بعيد، ومع ذلك فقد حكم أهل الشأن على عدم ثبوتها عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد فصل الكلام فيها خير تفصيل الإمام الكوثري في مقالين من مقالاته (¬4).
الثاني: نصوص إباحة زواج القرابة:
• قوله - جل جلاله -: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} (¬5).
¬
(¬1) في ميزان الاعتدال 3: 281، والمغني في الضعفاء ص277.
(¬2) وثَّقه الفضل بن سكين السندي كما في الأحاديث المختارة 3: 21، والكامل لابن عدي 3: 284.
(¬3) في لسان الميزان 3: 77.
(¬4) مقالات الكوثري ص 130 - 141.
(¬5) الأحزاب: من الآية37.
فهذه الآية كانت في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من زينب بنت جحش (¬1)، وهي بنت عمّة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، روى الحاكم (¬2) عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: (كانت زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وأمّها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عمرو بن عبد مناف، وكانت زينب عند زيد بن حارثة ففارقها فتزوَّجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيها نزلت {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} قال: فكانت تفخر على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول: زوَّجني الله من رسوله وزوجكنّ آباؤكنّ وأقاربكنّ) (¬3).
لكن يمكن أن يقال: إن هذه الآية ليست نصاً في المسألة؛ إذ هي لبيان إباحة زوجة المتبنّى. وهذا الكلام وإن كان صحيحاً لكنّه لا يمنع أن يستفاد منها أحكاماً أخرى لا سيما في مسألتنا هذه؛ إذ هي صريحة في إطلاق زواج القرابة القريبة كبنت العمّة.
• تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ كما هو متواتر ـ علياً بن أبي طالب - رضي الله عنه - من ابنته فاطمة رضي الله عنها، وهي ابنة ابن عمّه؛ إذ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلي أبناء الأعمام.
¬
(¬1) ينظر: تفسير الطبري 22: 14، وتفسير القرطبي 14: 193، وغيرهم.
(¬2) في المستدرك 4: 24.
(¬3) هذه الرواية باختصار في جامع الترمذي 5: 354، وقال: حديث حسن صحيح، ومسند أبي عوانة 3: 56، وسنن النسائي 4: 417، وغيرهم.
ويمكن أن يقال: إن خلاف الأولى من الزواج هو القرابة القريبة كبنت العم والعمة والخال والخالة أما البعيد فليس كذلك، والحديث ليس في زواج القرابة القريبة.
• تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته زينب رضي الله عنها لأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس قبل البعثة، وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد، ثمَّ ردَّها عليه بعد إسلامه بنكاح جديد (¬1).
ويمكن أن يقال فيه: إن هذا الزواج كان في الجاهلية قبل الإسلام، وفعل الرسول كان تقريراً له لما ترتَّب عليه من آثار كالأولاد والصلة بين الزوجين وهي لا شك أكبر وأعظم مما قد يتوهّم من هذه المصلحة.
نخلص من هذا العرض للنصوص الشرعيّة أنه لا يوجد نصّ يخصص أو يقيِّد إطلاق الإباحة في آيات القرآن الكريم المشتمل على زواج القريبات كما في قوله - جل جلاله -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} (¬2)، كيف لا، وقد ورد نصّ قرآني خاصّ في إباحة وإحلال زواج القريبات من القرابة القريبة قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ
¬
(¬1) في المستدرك 3: 741، 4: 50، وسير أعلام النبلاء 1: 330 - 335، ومجمع الزوائد 9: 212 - 216 وسنن البيهقي الكبير 7: 187، وسنن الدارقطني 3: 253، وسنن ابن ماجه 1: 647، وغيرهم.
(¬2) النساء:23.
اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك} (¬1).
وهذا العموم القرآني أكّده فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما مر في نصوص الإباحة رغم ما ذكر من تأويلها وحملها على خلاف المتبادر منها.
فما وجد من النهي لا يقابل هذا الوضوح في الإباحة الواردة في القرآن الكريم وتطبيق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - له؛ لأنه في ألفاظ لا تثبت عن الحضرة النبوية، أو بحديث فيه اختلافٌ كبيرٌ في ثبوته كما سبق.
وأقصى ما يستفاد من ذلك عدم استحباب المبالغة في زواج القرابة بحيث لا يزوِّجون غيرهم ولا يتزوَّجون من غيرهم، ويؤيد ذلك ما «روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة قال: قال عمر - رضي الله عنه - لآل السائب: قد أضوأتم فأنكحوا في النوابغ. قال الحربي: يعني تزوجوا الغرائب» (¬2)؛ إذ يستفاد منه أن آل السائب كانوا يقتصرون على زواج الأقارب حتى ضعف نسلهم، فأمرهم عمر - رضي الله عنه - أن يتزوّجوا من الغريبات؛ ليقوُّوه.
¬
(¬1) الأحزاب: من الآية50.
(¬2) ينظر: تلخيص الحبير 3: 304، وجواهر الأخبار: 84.
ثانياً: رأي الفقهاء في زواج القريبة:
روى ابن يونس في تاريخ الغرباء في ترجمة الشافعي عن شيخ له عن المزني, عن الشافعي قال: أيما أهل بيت لم يخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم كان في أولادهم حمق (¬1).
ولعلّ مستند الشافعي - رضي الله عنه - في كلامه إلى ما «كانت العرب تزعم أن الولد يجيء من القريبة ضاوياً لكثرة الحياء بين الزوجين لكنه يجيء على طبع قومه من الكرم» (¬2).
لذلك وجدنا فقهاء الشافعية (¬3) وبعض الحنابلة (¬4) نصوا على استحباب (¬5) زواج الأجنبيّة ومن ليست قرابة قريبة، وبيَّنوا أن المراد بالقرابة القريبة من هي في أول درجات الخئولة أو العمومة كبنت الخال وبنت العم. وذكر
¬
(¬1) ينظر: جواهر الأخبار: 84، ومغني المحتاج 4: 206، وشرح منهج الطلاب 4: 119 وغيرها.
(¬2) ينظر: المصباح المنير ص366.
(¬3) ينظر: تحفة المحتاج 7: 189، وفتاوى الهيتمي 4: 98، والمحلي 3: 208، ونهاية المحتاج 6: 185، و حاشية الجمل 4: 119، وحاشيبة البيجرمي 3: 364، و فيض القدير 2: 215، والأنوار القدسية في الأحوال الشخصية ص5 وغيرهم.
(¬4) ينظر: المغني 7: 83، والموسوعة الفقهية الكويتية 24: 61 - 62، وفي دقائق أولي النهى 2: 623: نص على سنية زواج الأجنبية.
(¬5) وعلى مثل هذا الحكم نصّ الزيدية كما في البحر الزخار 4: 84.
السادة الشافعية (¬1) أن القرابة البعيدة أولى من الأجنبيّة؛ لانتفاء المعنى في بعض التعليلات الآتية مع حنو الرحم. وحملوا كلام الشافعي - رضي الله عنه - على عشيرته الأقربين (¬2).
واستندوا في هذا الحكم لما سبق ذكره ممَّا لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولتعليلات أخرى هي:
1. أن نحافة الولد الناشئة غالباً عن الاستحياء من القرابة القريبة معنى ظاهر يصلح أصلا لذلك (¬3).
2. أن من مقاصد النكاح اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة واجتماع الكلمة، وهو مفقود في زواج القرابة (¬4).
3. أن ضعف الشهوة في القريبة, يجيء بالولد نحيفاً (¬5).
4. أن ولد الأجنبية أنجب (¬6).
¬
(¬1) ينظر: المحلي 3: 208، وشرح منهج الطلاب 4: 119، ونهاية المحتاج 6: 185، وحاشية الجمل 4: 119
(¬2) ينظر: مغني المحتاج 4: 206 - 207، وشرح منهج الطلاب 4: 119.
(¬3) ينظر: تحفة المحتاج 7: 189، ونهاية المحتاج 6: 185، وشرح منهج الطلاب 4: 119
(¬4) ينظر: مغني المحتاج 4: 206.
(¬5) ينظر: المحلي 3: 208
(¬6) ينظر: المغني 7: 83، ودقائق أولي النهى 2: 623.
5. أنه لا يأمن الفراق فيفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها (¬1).
لكن بعض الشافعية نازع في هذا الحكم لافتقاره إلى نصّ شرعيّ يستند إليه، قال السبكي: «فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل» (¬2).
وطالما أن الأمر فيما ذهب إليه الشافعية والحنابلة مستند إلى التجربة فإنه يجدر بنا أن نذكر شيئاً من الإحصاءات العصرية فيما يسببه زواج الأقارب.
ورد في كتاب «ندوة الفحص الطبي»: «يساء فهم تأثير زواج الأقارب، ويلقى باللوم على هذه العادة الاجتماعية العميقة الجذور في مجتمعنا، وكثيراً ما تتهم عادة زواج الأقارب بأنها السبب في أمراض أطفالنا وإعاقاتهم، إن هناك نسبة احتمالات معروفة؛ لإنجاب تخلقات غير طبيعية، أو أمراض وراثية، عند كل زواج أي عند كل حمل، فالنسبة بين زواج الأغراب، تكون 2%، أي أن الزوجين من غير الأقرباء لديهما فرصة 98% لإنجاب أطفال أصحاء في كل حمل، أما زواج الأقارب من أبناء العمومة الأولى، فإن احتمال فرصة الإنجاب غير الطبيعي تزيد، فتكون 4% أي أن لديهم فرصة 96% لإنجاب أطفال أصحّاء، وترتفع نسبة احتمال إنجاب
¬
(¬1) ينظر: المغني 7: 83، ودقائق أولي النهى 2: 623.
(¬2) ينظر: مغني المحتاج 4: 206 - 207.
الأمراض الوراثية كلما زادت صلة القرابة بين الزوجين، وكلما تكررت عبر أجيال متتالية في الأسرة» (¬1).
وفي ختام الكلام ننبّه على ثلاثة أمور:
1. إن هذه الإحصائية تزيل لنا الهالة الكبيرة المعطاة للحديث عن زواج الأقارب؛ إذ النسبة ضئيلة في الفرق بين زواج القرابة وغيرها.
2. إن ما اشتهر على ألسن الناس من حديث: (غربوا النكاح)، غير ثابت عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم أن الحديث الموضوع لا يجوز ذكره إلا للتنبيه على وضعه؛ فالاحتجاج لعدم زواج القرابة بأحاديث نبوية لا ينبغي لما سبق تفصيله.
3. إن الشافعية وبعض الحنابلة رأوا من الأسباب السابق ذكرها عدم استحباب زواج القرابة القريبة ولم يوصلوا ذلك للسنية؛ لأن الاستحباب أدنى درجة منها؛ ولأن ما ذكروا من التعليلات لا يستفاد منه السنية، فالأمر إذن يدور بين الاستحباب وعدمه فحسب، ولا ننسى أن مَن قال بعدم استحباب زواج القرابة القريبة نصّ على أن زواج القريبة أولى من زواج الأجنبية.
¬
(¬1) ينظر: ص 22 - 23 من ندوة الفحص الطبي قبل الزواج من منظور طبي وشرعي برعاية جميعة العفاف الخيرية: تحرير فاروق بدران وعادل بدارنه، 1994م.
المطلب الثالث: صفات الزوج:
بعد الكلام عن صفات الزوجة في المطلبين السابقين، فإننا سنتكلم هنا عن صفات الخاطب على ما يفيده الهدي النبوي والعقل الشرعي، وهذا الكلام لا يقل أهمية عن الكلام في صفات الزوجة، الذي يكثر طرحه، والنفوس تتشوق له؛ لما جبلت عليه من الميل للنساء قال - جل جلاله -: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} (¬1).
وهذه الأهمية لمعرفة صفات الخاطب ترجع إلى ما يلي:
1. إن الفتاة إذا أتاها خاطبٌ تحتار هي وأهلها للمقياس الذي يزنون به، فهل هو الشهادة الجامعية أم المال أم الجاه أم الجمال أم الأصل أم الدين أم القرابة أم غيرها.
2. إن الشاب يحتاج إلى معرفة ما هي الصفات التي ينبغي أن تتوفّر فيه؛ ليكوِّن بيتاً سعيداً مع مَن اختارها زوجة له، حتى إذا لم يكن بعض هذه الصفات موجودة لديه سعى إلى إيجادها.
وسيكون حديثنا في بيان هذا الميزان الذي يفترض أن يحتكم إليه المسلمون فيمن هو الرجل المناسب للفتاة المسلمة في إيجاد أسرة إسلامية سعيدة مطمئنة، يعيش هذان الزوجان في كنفها، وقد رضيا أن يكون الإسلام هو الحكم في كل أمور حياتهما.
¬
(¬1) آل عمران: من الآية 14.
وخير ما نستقي منه هذا المعيار هو سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -،فعن أبي حاتم المزني - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه، قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات) (¬1).
وفي لفظ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا خطب إليكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) (¬2).
قال الإمام السيوطيّ (¬3) في معنى الحديث: «إلا تفعلوا ... الخ: أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرد الحسب والجمال تكن فتنة وفساد؛ لأنهما جالبان إليها، وقيل: إن نظرتم إلى صاحب مال وجاه يبقى أكثر النساء والرجال بلا تزوج فيكثر الزنا ويلحق العار والغيرة بالأولياء فيقع القتل ويهيج الفتنة».
¬
(¬1) في سنن الترمذي 3: 395، وقال: حسن غريب. وسنن البيهقي الكبير 7: 82، وسنن سعيد بن منصور 1: 190، والآحاد والمثاني 2: 351،والمعجم الكبير 22: 299، والكنى للبخاري 1: 26، والجرح والتعديل 9: 363، والثقات 5: 499، والكامل 5: 72، والمراسيل لابن أبي حاتم 1: 250، والمراسيل لأبي داود 1: 192، وغيرها.
(¬2) في جامع الترمذي 3: 394، والمعجم الأوسط 1: 142، 7: 131، وغيرهما.
(¬3) في شرح ابن ماجة 1: 141.
وقال المباركفوري أيضاً (¬1): «قوله: (إذا خطب إليكم): أي طلب
منكم أن تزوجوه امرأة من أولادكم وأقاربكم (من ترضون): أي تستحسنون، (دينه): أي ديانته، (وخلقه): أي معاشرته (فزوجوه): أي إياها، (إلا تفعلوا): أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرد الحسب والجمال أو المال، (وفساد عريض): أي ذو عرض أي كبير؛ وذلك لأنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج، وأكثر رجالكم بلا نساء فيكثر الافتتان بالزنا، وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد، ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة».
وتفصيل الكلام في هذا الميزان يتمثّل في صفتين رئيستين بيَّنهما الحديث، وهما:
الأولى: الدين:
وهو الخضوع والامتثال لأوامر الله تعالى في كلّ أفعاله وأقواله؛ إذ أنه يكون راضياً بحكم الله فيما له وما عليه، وهذه الصفة يكون بها عماد السعادة الزوجية لأمور، منها:
¬
(¬1) في تحفة الأحوذي 4: 173.
1. إن الحياة الزوجية في صورتها البسيطة معاشرة بين شخصين، ولا بدّ لهما من قانون يوضّح ما لكل منهما وما عليه، ويكون هو الحاكم بينهما فيما يختلفان فيه، ولا يختلف العقلاء أن ما يكون من عند ربّ العباد أولى بالقبول والأخذ مما هو من عند العباد كالعادات والأعراف والمبادئ والنظريات المختلفة التي يمكن أن تجعل هي الحكم بينهما.
2. إن الحياة الزوجية لا تنتظم بلا تسامح وتجاوز وتغافل في كثير من التصرّفات البسيطة الواقعة بين الزوجين؛ لأن التدقيق على كلّ شيء وقود للمشاكل والخلافات بينهما؛ إذ الخطأ صفة أصيلة في بني آدم، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كلّ بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) (¬1)، وذكر عن بعض الفضلاء: «إن مبنى السعادة الزوجية على التغافل؛ لأن 95% من المشاكل الزوجية يحلّ به؛ إذ أنها في العادة تكون في أمور بسيطة لا قيمة لها»، ومعلوم أن المسلم كلما زاد تدينه زاد تسامحه، ولم يعد يلتفت إلى سفاسف الأشياء.
3. إن حال المرأة مبنيّ على الضعف، وحال الرجل مبنيّ على القوة، فإن كان الرجلُ متديناً رحم المرأة، ولم يظلمها ويتجبر ويتحكم بها، ويذكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: «إنما النكاح رق، فلينظر
¬
(¬1) في المستدرك 4: 242، وقال الحاكم: إسناده صحيح، وجامع الترمذي 4: 659، وسنن الدارمي 2: 392، وسنن ابن ماجة 2: 1420، ومصنف ابن أبي شيبة 7: 62، وغيرها.
أحدكم أين يرق عتيقته» (¬1)، ووجه الرق فيه هو ضعف المرأة، فكان على العاقل أن لا يضع ابنته وأخته إلا عند من يصونها ويحفظها.
4. إن المرأة بطبيعة بنيتها خاضعة مستسلمة تابعة لزوجها، حتى أن الله - جل جلاله - حرم على المسلمة أن تتزوج كافراً، وأباح للمسلم الزواج من كافرة كتابية؛ لما هو معلوم من تبعية المرأة لزوجها، فإن كان الزوج غير متدين ويرضى بالرذيلة لأهله فلا يهتم إذا اختلطت زوجته بالرجال من أجل المال أو المجاملة لأصدقائه وأقربائه أو المناسبات الاجتماعية أو غيرها، فهذا يكون سبباً لانحراف الزوجة وانسياقها في طرق لا تحمد عقباها، يعلم ذلك كل صاحب بصيرة ينظر إلى حال مجتمعه.
والملاحظ على مجتمعاتنا العصرية هو التفلت والفسق بصورة عامة، وهذا النوع من الرجال هو الذي حذر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة وسماه فيها بالديوث؛ لأنه ينبغي للرجل أن يكون غيوراً على أهله، صائناً لعرضه، ومن هذه الأحاديث:
أ. عن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء) (¬2)، وفي لفظ: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 7: 82، وقال: وروي ذلك مرفوعاً والموقوف أصح.
(¬2) في المستدرك 1: 144، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والأحاديث المختارة 1: 308، وسنن البيهقي الكبير 10: 226، وغيرها.
لوالديه والمدمن من الخمر والمنان بما أعطى) (¬1)، وفي لفظ: (ثلاثة قد حرَّم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث) (¬2).
ب. عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الغيرة من الإيمان، وإن المذاء
من النفاق) (¬3)، قال: فقال رجل من أهل الكوفة لزيد: ما المذاء؟ قال: الذي لا يغار يا عراقي، وهو أن يدخل الرجل على أهله الرجال، ويقال له: القنذع والديوث، وهما كلمتان سريانيتان، وهو مأخوذ من المذى؛ لأنهم يماذي بعضهم بعضاً (¬4).
ت. عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (سيكون في آخر أُمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات ... ) (¬5).
¬
(¬1) في سنن النسائي الكبرى 2: 42، والمجتبى 5: 80، والمعجم الأوسط 3: 51، ومسند الروياني 2: 401، ومسند أبي يعلى 9: 408، والمعجم الكبير 12: 302.
(¬2) في مسند أحمد 2: 69، 128.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 10: 225، واللفظ له، وفي مسند الشهاب 1: 123، وغيرهما.
(¬4) ينظر: مسند الشهاب 1: 123، وكشف الخفاء 2: 105، وغيرهما.
(¬5) في المستدرك 4: 483، وصححه، والمعجم الصغير 9: 131، ومسند أحمد 2: 223، والمعجم الصغير 2: 257، وموارد الظمآن 1: 351، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 137: رجال أحمد رجال الصحيح.
الثاني: الخلق:
الناظر لأول وهلة يظنّ أن التدين والخلق أمر واحد، إلا أن بينهما فروقاً؛ لأننا نرى أناساً متخلقين بأجمل الأخلاق والتصرّفات ويمكن أن يكونوا كفّاراً أو غير متدينين، فليس الخلق مستلزماً للتدين مطلقاً، ولتوضيح ذلك نبيّن ما المقصود بالخلق بصورة عامة فيما يلي:
1. إنه يراد بالخلق الأصل بأن يكون الرجل من أصل معروف بالمكانة والشرف والطيبة وغيرها من الصفات المرغوبة، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الناس معادن في الخير والشر، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) (¬1)، وفي لفظ: (الناس معادن في الخير والشر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (¬2).
فمَن كان معدنه طيب خير يقدر ويحترم من أمامه ومنهم زوجته، ولا تسمح له نفسه بالقيام برذائل الأشياء، فيتصرف بأدب وذوق رفيع مع زوجته، ويصفح عن زلاتها؛ لأن حاله يقتضي هذه الرفعة.
ومَن كان صاحب أصل شريف وتزيّن بالدين جمع الخير كله كما في الحديث بأن أصبح خير أهل الإسلام؛ لأن جمع خير الأصل، وخير الإسلام، فوصل إلى الكمال البشري المقصود.
¬
(¬1) في مسند أحمد 2: 485، والجامع لمعمر بن راشد 11: 316،
(¬2) في مسند أحمد 2: 485،
2. إنه يراد بالخلق التربية الطيبة العطرة بأن يكون الخاطب تربى على يدي مَن يحسن التربية، لأن الزمان كما هو معروف في نزول يوماً بعد يوم في القيم والأخلاق والمبادئ، قال - صلى الله عليه وسلم -: (يوشك أن يغلب على الناس أو على هذا الأمر لكع بن لكع، وأفضل الناس مؤمن بين كريمين) (¬1)، قال معمر فقال
رجل للزهري: ما كريمين؟ قال: شريفين موسرين (¬2).
هذا تصريح واضح كل الوضوح من الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا الزمان أن يكون الملجأ إلى الشرفاء والكرماء أصحاب الأصول والتربية الخيرة؛ لأن درجتهم تمنعهم من السقوط كباقي الناس، وكلّ عاقل يسعى إلى أن يزوج ابنته أو أخته من أحسن الرجال، ففي حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - بيان لمَن هو أفضل الناس، وهو مَن كان بين والدين كريمين شريفين، ربّياه فأحسنا تربيته.
3. أن يراد بالخلق مَن يحمل مكارم الصفات، بأن يكون أدّب نفسه وهذّبها، وارتقى بسلوكه، وارتفع عن الأقوال والأفعال المذمومة، ورأى لنفسه من المكانة والعزة ما يجعله طامحاً لكل خير وفضل بأن كان ينزل الناس منازلهم من الاحترام والتقدير، وكان الحياء جزءاً من شخصيته الكريمة وهكذا.
¬
(¬1) في الجامع لمعمر بن راشد 11: 316، والمعجم الأوسط 3: 257، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 325: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
(¬2) ينظر: الجامع لمعمر بن راشد 11: 316.
وهذا المعنى للخلق هو المقصود إذا أطلق ابتداءً، والنقطتان السابقتان موصلتان لهذه النقطة؛ لهذا ذكرتهما، ولأهميتهما في إظهار ما عليه الناس من الطبائع والأخلاق الكريمة.
إذا علم ما سبق فإنه على الفتاة وأهلها أن يعتنوا كل العناية بهاتين الصفتين دون ما سواهما؛ لأن بهما يكون قوام البيت السعيد والراحة والطمأنينة، وهما حقيقة المقياس الصحيح لاختيار الأزواج، لا ما تعارفه الناس من الشهادة أو المال أو الجاه أو غيرها، فمَن يعايش الناس يرى أن كثيراً منهم لديه شهادات أو مال أو غيرها ولكنه غير سعيد مطلقاً مع أهله، بل كان المال والشهادة سبب للنفرة والتعاسة والمشاكل بين الزوجين، ولا نقصد هنا الشهادة التي يمكن أن ترتفع بصاحبها وترتقي به إلى مكانة مرموقة في التصرف والخلق، فإنها ممدوحة لأن حاله دخل في إحدى الصفتين السابقتين، ومثل ذلك ينطبع على المال والجاه وغيره، وإنما نقصد مَن يكون اختياره لمجرد الشهادة أو المال أو غيره بغض النظر عن الدين أو الخلق، فتكون الشهادة والمال وغيرها مقصودة لذاتها، فهذا هو المذموم حقيقة.
وأما الممدوح فهو أن يكون صاحب شهادة ومال وغيرها ومعها دين وخلق، فالدين والخلق هما الأساس وما عداهما تبع لهما.
وكل ما سبق بيانه مستفاد من حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ لا قيمة حقيقة في الخاطب لغير هاتين الصفتين؛ لأن مرد كل خير في الرجل راجع لهما.
ونختم كلامنا في هذا المطلب بقوله - جل جلاله -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (¬1)؛ إذ فيه أمر وإرشاد من الله تعالى بأن نزوج مَن يحقّ لنا زواجهنّ من الصالحين، وهم مَن توفّر فيهم ما سبق دون التفات إلى المال وغيره؛ لأن الله تعالى يغني ويرزق مَن يشاء بفضله وكرمه، فليس الفقر معوّق لتزويج الصالحين المتدينين الخلوقين، والله أعلم وعلمه أحكم.
• • •
¬
(¬1) النور:32.
المبحث الرابع
العلاقة بين الزوجين قبل الزواج
يعد هذا الموضوع من أكثر الموضوعات طرحاً في هذه الأيام؛ لما طرأ على حياة المسلمين من تغيّر نتيجة الغزو الفكري الذي نعايشه، حتى غدا هذا الأمر مشكلاً عند غالبية الناس، يكثرون من الاستفسار عنه، مع تقبل عجيب منهم للأفكار المستوردة فيه، واستغراب لتفصيل الإسلام له، وإن هذا الأمر كان في غابر الزمان بدهي للناس لا يحتاج إلى سؤال وجواب؛ لتسليم الناس بأحكام دينهم واعتقاد صدقها وصحتها وثقتهم الكبيرة به.
وتحقيقاً للمقصود من بيان النظرة الشرعية للعلاقة بين الجنسين قبل الزواج نضع أصولاً وأسساً متفقة لدى العقلاء لبناء هذا الحكم عليها.
الأساس الأول: إن حكمة الله - جل جلاله - اقتضت خلق الأرض وإرادة إعمارها بجعل بني الإنسان خلائف فيها، كل منهم يخلف مَن بعده في القيام بهذا الواجب، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (¬1)، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ} (¬2)، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ} (¬3)، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه} (¬4)، ولا يمكن حصول هذا الاستخلاف والاستعمار لها؛ إلا بديمومة الجنس البشري فيها، وهو مكوّن كباقي الأجناس من ذكر وأنثى، ولا يحصل التكاثر بينهما إلا بالالتقاء، وهذا الالتقاء يحتاج إلى شوق كل منهما للآخر وميله له وإلا لم يحصل التعاشر بينهما، ولزهدا في بعضهما البعض، ولم يحصل التناسل والتكاثر الذي به يرتبط وجود الإنسان.
فحقيقة اشتياق الجنسين لبعضهما أمر لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان للحكمة المترتبة عليه، وقد قرّر الله - جل جلاله - هذه الحقيقة في مواطن عديدة:
1. أنه - جل جلاله - عدَّ النساء من الشهوات المحبوبة للرجال، فقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} (¬5).
¬
(¬1) البقرة: 30.
(¬2) الأنعام: 165.
(¬3) يونس: 14.
(¬4) هود: 61.
(¬5) آل عمران: 14.
2. أنه عبَّر - جل جلاله - عنهما بالنفس الواحدة؛ لتمام الانسجام الحاصل بينهما؛ ولعدم تكامل الإنسان في تلبية حاجياته إلا باجتماعهما، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} (¬1)، وقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} (¬2).
3. أنه - عز وجل - بيَّن أن السكن والاستقرار والراحة يكون بالتقاء الجنسين، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (¬3).
إذا استحضرنا هذا فإن انتباه واهتمام وميل كل من الجنسين إلى الآخر أمر طبيعي، جبلنا وفطرنا عليه ليستمر الوجود البشري، ولا استنكار لذلك، وإن من أعظم ما تتميّز به الشريعة الربانية المنسجمة مع الفطرة البشرية أنها نظمت العلاقة ما بين هذين الطرفين؛ لأن في ترك اجتماعهما بلا حدود وقيود ما لا تحمد عقباه بتحقق الظلم على البشرية، ومن صوره:
1. إن في اتصالهما لا بد من حصول التوالد الذي من أجله جعل الاشتياق بينهما، وهذا التناسل يحتاج إلى العناية والاهتمام، ولا يكون ذلك حقيقة إلا بوجود أب وأم ينعم في الحياة بينهما حتى تتكامل حاجاته النفسية
¬
(¬1) النساء: 1.
(¬2) الأعراف: 189.
(¬3) الروم: 21.
والعاطفية والجسدية والتربوية مع بعضها البعض، فمهما حاولوا من إيجاد المؤسسات المختصة برعاية أولاد الزنا، فلن توفر لهم ما يمكن أن يوجد لدى الأبوين، إضافة لما يكون عليه من النظرة لمجتمعه عندما يفقد أسمى معاني الحياة من وجود أسرة وأهل، وعندما يعرف أنه كان وليد شهوة عابرة لا مبالية.
2. إن في تقديم المرأة نفسها للرجال بلا مقابل ظلم كبير لها، فكل يقضي وطره منها ويمضي، وهي تتحمل أعباء هذا الحمل الذي لا تعرف ممن حصل، وإن عرفت فلا أحد يستطيع إلزامه بشيء، فبدل أن تقضي مدة الحمل مدللة فرحة بمولود سيأتي لها، تقضيه منغصة مهمومة متعبة فلا أحد يعترف لها به ولا أحد يعينها ويواسيها، ولا أحد يتحمل مشاق تربيته، مما يؤدي بها إلى أن تتخلص منه بأي وسيلة دون أي رحمة يحملها البشر. وهذا غيض من فيض.
إذا تمهّد هذا عُلِمَ عظم تشريع الإسلام للتزاوج بين البشر، وأنه الوسيلة الوحيدة لاجتماع هذين الجنسين المشتاقين لبعضهما، وقد شجعت عليه في نصوص كثيرة كما سبق، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (¬1).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1018، وصحيح البخاري 5: 1950، والمنتقى 1: 169، وغيرها.
وفي نفس الوقت الذي يقرر فيه الإسلام هذه الحقيقة بين الجنسين من رغبة كلّ منها الشديدة بالآخر قرر أساس آخر وهو الآتي.
الأساس الثاني: إن الإسلام حرص تمام الحرص في تشريعاته على المحافظة على المجتمع أن يبقى طاهراً نقياً بعيداً عن كلِّ أسباب الفساد التي تنتج عن هذا الميل العاطفي والجنسي بينهما، ومن ذلك:
1. إنه أباح الزواج مبكراً: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْن} (¬1).
2. إنه أباح التعدد: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} (¬2).
3. إنه أمر بغض البصر بينهما: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} (¬3)، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} (¬4).
4. إنه أمر بحفظ الفروج: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (¬5)، {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (¬6).
¬
(¬1) الطلاق: 4.
(¬2) النساء: 3.
(¬3) النور:30.
(¬4) النور: 31.
(¬5) النور:30.
(¬6) النور: 31.
5. إنه أمر المرأة بالحجاب والاحتشام: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (¬1).
6. إنه حرم عليها التبرج: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (¬2).
7. إنه حرم عليها إبداء زينتها لغير محارمها: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... } (¬3).
8. إنه حرم عليها القيام بأي فعل فيه إثارة لمن حولها ولفت لانتباههم وإن كان ذلك بإخراج صوت عند المشي: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (¬4).
9. إنه أمرها بعدم الخروج من بيتها إلا للضرورة والحاجة: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (¬5)
ففي ضوء هاتين الحقيقتين العظيمتين: ميل الجنسين، وطهارة المجتمع، يمكننا أن نخوض هذه المسألة الحسّاسة للغاية، وهي هل أجازت الشريعة تكوين علاقة بين الجنسين قبل الزواج؟
¬
(¬1) النور: 31.
(¬2) الأحزاب: 33.
(¬3) النور: 31.
(¬4) النور: 31.
(¬5) الأحزاب: 33.
إن هذه العلاقة يمكن أن يطلق عليها الحب أو التعارف، فإنهم يقولون: إنه ينبغي لكل مَن يتزوجا أن يكونا متحابين أو أن يقوم كل طرف منهما بدراسة عن الآخر، فيرى هل يناسبه في طبائعه وأحواله وصفاته أم لا؛ لأنهما إن لم يكن بينهما جسور قوية من المحبة أو الانسجام والتوافق في الطبائع والصفات كيف يمكن لهما أن يتعايشا طوال عمرهما مع بعضهما البعض، فإننا إن أردنا أُسراً متماسكة تنعم بالسعادة والهناء فلا بدّ من ذلك.
إن هذا الكلام في ظاهره براقٌ وله قبول، لكننا إذا دقَّقنا النظر فيه وجدنا به مسامحات لا تغتفر ومجانبة للحقّ والصواب، وبيان ذلك فيما يأتي:
أننا إذا رجعنا إلى معنى الحب في كتب اللغة فإنه نجده بمعنى: «الوداد ونقيض البغض» (¬1)، وإن أردنا أن نخرج بمعنى عام للحبّ نتحاكم إليه، فيمكن القول أنه يدور بين: الاشتياق والميل والرغبة والأنس واللذة والإعجاب.
وهذه الأمور متوفرة بين الجنسين بصورة عامة بطبيعة فطرتهما وخلقتهما، فهما يشتاقان لبعضهما البعض، ويميل كل منهما للآخر، ويرغب فيه، ويأنس به، ويتلذذ معه، ويعجب بهيئته.
¬
(¬1) ينظر: القاموس 1: 52، واللسان 1: 742، وغيرهما.
وللإمام الغزالي تقسيم لطيف في المحبوبات وغيرها؛ إذ يقول (¬1): «المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم لهو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً، فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه، ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه، فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً، فهذا أصل في حقيقة معنى الحبّ لا بد من معرفته».
فما يظهر على أحدنا من هذه الأحوال نحو الطرف الآخر هو موافق للفطرة، لا لأنه يتبادل معه شعوراً يفقده الآخرون، حتى لو ترك الخيالات التي توحيها المسلسلات والأفلام والأغاني وعاش على سجيته من تقرير لهذا الواقع، فإنه سيجد أن هذا الشعور متجدّدٌ لديه لدى أطرف كثيرة يراها ويسمعها.
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين 4: 313 - 314.
وهذا لا يلغي تفاوت توفر هذه الأمور ما بين شخص وآخر، وإنما أردنا تقرير أنها موجودة بصورة عامة بين الجنسين، فإذا أعجب أحد الجنسين بالآخر ومال إليه بدرجة عالية، فهل يجوز له مصارحته بهذا الأمر؟
إننا لو طرحنا هذا التساؤل على مجموعة من أهل عصرنا لوجدنا بينهم اختلافاً عجيباً في الإجابة بين موافق ومعارض، فكل يجيب على حسب ثقافته وبيئته وتربيته، لكن الشارع الكريم أراحنا من عبء هذا الاختلاف، ورجّح لنا أحد الجانبين، فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (مَن عَشِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد) (¬1).
ومعنى ذلك إن حصل العشق فعلاً من طرف لآخر بغض النظر عن سببه هل كان بسبب قرابة أو جوار أو دارسة أو عمل أو غيره فإنه في هذا الموضع لا يهمنا تفحيص ذلك؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل وبيان خاصّ ليس هنا محله، وإنما الذي يهمنا أنه لو حصل هذا، فإن الحديث يرشدنا أن عليه أن يكتم ذلك ويعفّ حتى لو مات كاتماً عفيفاً فإنه شهيد بذلك، فيا هل ترى ما هو السبب لهذا الكتمان وهذه العفة، ولِمَ نال بها درجة الشهادة؟
يبدو لي والله أعلم أن في الكتمان والعفة إشارة لما سبق أن ذكرناه من شوق وميل وإعجاب كل من الجنسين ببعضهما فلا يعني حصوله هو
¬
(¬1) أفرد الحافظ السيد أحمد الصديق الغماري هذا الحديث بكتاب خاص في إثباته سمّاه: درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ.
المجاهرة به والسير في الطرق المحظورة بحجة حصوله، بل هو محض وهم وخيال ينبغي دفعه والابتعاد عنه.
لكنه رغم هذه الإشارة فإنه يقرر جازماً أن من حصل منه هذا العشق فعلاً فإن عليه أن يكتم هذا؛ لأمور منها:
1. إنه أمر خفي لا يمكن لأحد أن يطلع عليه، فهو أمر قلبي، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله تعالى، ففي إباحة الإخبار به لعبٌ بمشاعر الناس بما لا
يستطيع أحد معرفة صدقه أو كذبه، ودخول في متاهات لا أول لها من آخر.
2. إنه من باب سدّ الذريعة؛ إذ أن كثيراً من الناس سيستغلونه في تحقيق مآربهم وشهواتهم الشخصية؛ ويدرك حقيقة هذا من يتابع الواقع الذي نعيشه، فإن من بين عشرات أو مئات قصص الحبّ التي تمارس يمكن أن تصدق واحدة، والباقي هي مجرد تسلية أو لمصلحة شهوانية يقصد تحقيقها.
3. أن في إباحته تعريض لانتهاك أعراض الناس وسلب لشرفهم؛ إذ أن كثيراً من الفتيات تسلم نفسها بمجرد الثقة العمياء بمَن أمامها، ولا تدرك أنها أضحوكة بيد مَن تخصصوا بالاصطياد واللعب.
4. أن في إباحته تعليق لطرف بآخر، ممكن أن تكون هناك عوائق ـ ليس هنا محل ذكرها ـ تحول بين زواجهما، مما يجعل حسرة وندماً وفجعاً في القلب على ذلك، يؤدّي إلى تعاسة وتنغيص في حياة كل منهما مع من كان من نصيبه.
5. إن في إباحته صرف للخطّاب عن التقدم لهذه الفتاة، ويمكن أن يكون بعضهم أفضل من هذا الشخص، ولديه رغبته بها أكثر منه؛ لأن معرفة الآخرين بعلاقة بين رجل وامرأة، فتح باب شر بالكلام في شرف هذه الفتاة وعفتها وغير ذلك.
6. أنه لا فائدة حقيقية من التصريح به سواء للفتاة أو لغيرها؛ لأنه يفترض أن ينتهي بالزواج، والزواج ما زال في علم الغيب لعدم حدوثه وعدم معرفة نصيب كل منهما، فلا أحد يعلم هذه الأقدار الآتية لهما، فلو أننا جدلاً قلنا أنه لو أخبرها فإنها ستنتظره، فالأولى بدل هذا الإخبار أن يتقدم لخطبتها إن كان صادقاً، فيكون انتظار كل منهما الآخر شرعياً، أما أن تنتظره حتى يكمل دراسته أو يكوِّن نفسه فتمنع نفسها عن كل مَن يخطبها، فإن فيه ضرراً عظيماً؛ إذ أنه كما هو معلوم أن للفتاة مرحلة زهو يرغب فيها الناس بها، فإن مضت هذه المدّة قلَّ خطابها، حتى أنها لو رفضت الزواج بسببه دون أي روابط شرعية بينهما ولكن على أمل أن يخطبها فإنها قد تتجاوز سن الزواج، وكثيراً ما يحصل عوارض تمنع من خطبته لها سواء من أهله أو أهلها أو منه كرؤيته غيرها وإعجابه بها كما أعجب بها، وهذا كثير الوقوع لمن يعايش الناس.
وهذا شيء يسير من الحكم الكثيرة وراء هذا الكتمان، وعليه فيكون معنى الحديث من أعجب أو مال أو اشتاق لطرف من الجنس الآخر، فلم يتحدث بذلك وجعله سراً بينه وبين خالقه، وابتعد عن هوى النفس في
تحقيق رغبتها وشهوتها منه، فصبر واحتسب عند الله تعالى، ولو أوصله شدّة اشتياقه إلى الموت وهو على تلك الحال، فإنه له منْزلة الشهادة عند الله - جل جلاله -؛ لأنه ابتلي فاحتمل وصبر، ولم يجعل أعراض المسلمين عرضة للتفكه والتسلي، ولم يجر وراء نزوات نفسه وطلباتها، فحق له أن يكون من الصادقين عند ربهم.
إذا اتّضح شرعاً وعقلاً عدم جواز فتح علاقة بين الجنسين بدون رابطة شرعية، فإننا نضيف إلى ما سبق أن هذا الحبّ حقيقية لا يكون إلا بمعرفة المحبوب، قال الإمام الغزالي - رضي الله عنه - (¬1): «إنه لا يتصوَّر محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ... ».
وهذه العلاقة مهما فتحت وطورت، فإنها لا تبيِّن حقيقة كلٍّ من الطرفين للآخر، حتى ولو كانت بينهما خطوبة؛ لأن كلَّ طرف منهما يسعى لإظهار أفضل وأجمل ما عنده للآخر، ولا يتكلم إلا بألطف الكلام وأحلاه من الغزل والغرام معه، وهذا لا يصور ما عليه طبيعة كل منهما؛ إذ أنها لا تعرف إلا بالعشرة الزوجية التي تشتمل على مصاعب حياتية كثيرة من الحمل، والولادة، والتربية، والتنظيف، والصبر على شدّة الحال وضيقه، والشكر على فرج الله تعالى، وحسن التصرف في المواقف المختلفة، وصيانة المال والنفس، وغيرها.
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين 4: 313.
وإدراك مثل هذه الأمور يحتاج أشهر من الزواج أو سنوات، فمَن كان معدنه طيب ومن أصل خير وربّي تربية حسنة وعنده خلق ودين كان توفّر هذه الخصال لديه أكثر، وكانت قابليته للحياة مع شريكه أكبر.
فالحياة الزوجية السعيدة لراغبها أحوج ما تكون للدين دون غيره كما أرشد إليه المصطفى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: (إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها
فعليك بذات الدين تربت يداك) (¬1)؛ لأسباب عديدة، منها:
1. إنه ينظم علاقة هذين المتزوجين، ويبيِّن ما لكل منهما وما عليه، حتى لو اختصما في أمر كان حكماً بينهما في إنصاف كل منهما.
2. إنه وضَّح طبيعة نظرة المرأة للرجل، وهي نظرة إعظام وإكبار وإجلال حتى كره أن تنادي الزوجة زوجها باسمه؛ لما فيه من الإخلال بذلك، إذ عليها أن تناديه بكنيته توقيراً له، ووضح نظرة الرجل للمرأة وهي نظرة رحمة ومودة ورأفة قال - جل جلاله -: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (¬2)، وهذا يخالف نظرة الغرب التي تجعل كل منهما نداً للآخر.
3. إنه جعل الرجل المسؤول الأول في الحياة الزوجية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (¬3)، وأمر
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1087، وغيره.
(¬2) الروم: 21.
(¬3) النساء: 34.
المرأة بطاعة زوجها والقيام على أمره حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: (لو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقّه) (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما من امرأة يطلب زوجها منها حاجة فتأبى فيبيت وهو عليها غضبان إلا باتت تلعنها الملائكة حتى يصبح) (¬2)، ومن تدبّر في المشاكل وجد جلها راجع إلى عدم الطاعة والتعنت.
ومَن تدبَّر في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (أن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - خطب امرأة فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما) (¬3) عرف الهدي النبوي في هذه المسألة؛ إذ لم يقل له اذهب فتعرف عليها وادرس حالها وانسجام شخصيتها مع شخصيتك وكوِّن علاقة من الحب معها، حتى إنه لم يقل - صلى الله عليه وسلم - له: اذهب فحدثها، بل اعتبر أن النظر يكفي لمن أراد أن يتزوَّج امرأة؛ لأن به يتحقق المقصود من القبول للصورة والهيئة الخارجية مع الألفة لها أو النفرة عنها في هذه النظرة؛ لأن في الحديث (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) (¬4).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 9: 470، والمستدرك 2: 206، والأحاديث المختارة 5: 266، وغيرها.
(¬2) في مسند أحمد 2: 255، والمعجم الأوسط 8: 94، ومسند البزار 7: 107، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 296: رجاله ثقات.
(¬3) في صحيح ابن حبان 9: 531، والمنتقى 1: 170، والمستدرك 2: 179، وجامع الترمذي 3: 397، وغيرها.
(¬4) في صحيح مسلم 4: 2031، وصحيح البخاري 3: 1213 وغيرهما.
ومَن تأمل في حياة آبائنا وجد أنها أمتع وأهنأ وأوفق بكثير من حياتنا؛ لأن مجتمعهم أقل فساداً، ولم تكن هذه الأفكار الغربية منتشرة فيه، فكان أحدهم يتزوج بلا علاقة مسبقة مع زوجته، فكل علاقتهما تبنى بعد الزواج على الأسس التي سبق ذكرها، فكان الطلاق قليلاً بينهم جداً مقارنة مع ما في وقتنا رغم هذه العلاقة المفتوحة بين الرجال والنساء، والطلاق علامة على فشل الزواج وقلة السعادة فيه، فماذا أفادتنا هذه العلاقات غير الشرعية بين الجنسين إلا كثرة الفساد والزنا قبل الزواج، والتعاسة والطلاق بعد الزواج، ومن يتابع إحصائيات الطلاق يجد أن أكثر حالاتها بين المتعارفين والمتحابين قبل الزواج.
ونختم هذا المبحث بنصيحة للعلامة محمد رشيد رضا ـ صاحب تفسير «المنار» ـ للرجال والنساء في العلاقة قبل الزواج، أذكرها بطولها لما تضمنته من الفوائد الجمّة بعد التجربة الطويلة له في ذلك، وهو من المختصين في شؤون المرأة، إذ يقول (¬1): «إنني منذ ثلث قرن ونيف أدرس مسألة النساء والحياة الزوجية وأناقش فيها أهل العلم والرأي وأقرأ ما صنِّف فيها من الكتب وأتتبع ما تنشره الصحف وأتدبّر أخبار الإفرنج فيها.
وكتبت فيها شيئاً كثيراً أهمه تفسير آيات القرآن الحكيم في موضوعها ومقالات الحياة الزوجية التي نشرت في مجلد «المنار» الثامن وآخرها هذه
¬
(¬1) نداء للجنس اللطيف في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام ص138 - 139.
الرسالة، وناظرت الدعاة إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت لي الأكثرية الساحقة بالفلج ـ أي النصر والغلبة ـ وإصابة صميم الحق.
وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من الاختيار الدقيق أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من نوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج وعشق كل منهما للآخر هو رأي أفين ـ أي ناقص ـ أثبت الاختبار بطلانه وإن تحابّ الشبيبة فإنه لا ثبات له بعد الزواج غالباً، بل كانت العرب تقول: إن الزواج يفسد الحبّ.
وإنما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لامرأة خاصمت زوجها إليه وصرحت له بأنها لا تحبّه فقال لها: «إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منّا فلا تخبره بذلك، فإن أقلّ البيوت ما بني على المحبّة، وإنّما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام»، يعني أن التزام كل من الزوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات والآداب الزوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية، ويعيش الناس به العيشة الهنية.
وينبغي لكل من الزوجين أن يتكلّف التحبب إلى الآخر بأكثر ممّا يجده له في قلبه، فإن التطبع يصير طبعاً ورحم الله علية بنت المهدي أخت هارون
الرشيد حيث قالت: «تحبّب فإن الحبّ داعية الحب»، فإنه في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: (العلم بالتعلم والحلم بالتحلم) (¬1).
هذه نصيحتنا نزفّها إلى الرجال والنساء في هذا العصر الذي يشكو فيه العقلاء إعراض الشبان عن الزواج، فمَن وفَّقه الله تعالى للعمل بها منهم فسيرونها أغلى وأفضل نصيحة يستحقّ صاحبها منهم الدعاء والشكر ومن الله عز وجل المثوبة والأجر».
• • •
¬
(¬1) في المعجم الأوسط 3: 118، والزهد لهناد 2: 605، ولفظ: (العلم بالتعلم) في صحيح البخاري 1: 37، ومصنف ابن أبي شيبة 5: 284، وغيرهما.
المبحث الخامس
الخطبة وأحكامها
المطلب الأول: تعريفها وصيغتها:
أولاً: تعريفها:
الأول: لغة: خطب المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوَّج منهم، واختطبها، والاسم الخِطبة فهو خاطب، وخطَّاب مبالغة، وبه سمي، واختطبه القوم دعوه إلى تزويج صاحبتهم (¬1).
الثاني: شرعاً: الخِطبة: هي طلب التزوُّج (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير ص 173، وغيرها.
(¬2) ينظر: رد المحتار 2: 262، وغيرها.
ثانياً: صيغة الخطبة للنكاح:
لا تتعيَّن بألفاظ مخصوصة، وإن خطب بما ورد فهو أحسن (¬1)، ومنه: الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهد الله فلا مضلّ له, ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (¬2): {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (¬3)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون} (¬4)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (¬5) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 262.
(¬2) في مسند أبي يعلى 9: 151، ومراسيل أبي داود 1: 152.
(¬3) النساء:1.
(¬4) آل عمران:102.
(¬5) الأحزاب:70، 71.
(¬6) ينظر: رد المحتار 3: 7، وشرح الأحكام الشرعية 1: 24 - 25، واللطائف المستحسنة بجمع خطب السنة ص250 - 252.