رفع الملامة .........
.. في الآداب العامة
جارٍ تحميل الكتاب…
رفع الملامة .........
.. في الآداب العامة
بسم الله الرحمن الرحيم
رفع الملامة
في الآداب العامة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، صاحب الخلق والأدب الجميل، وعلى آله وصحبه ومَن سار على دربه واهتدى بهديه واقتدي بأدبه وسار على نهجه، وتخلق بخلقه إلى يوم الدين.
وبعد:
بعد أن يسَّر الله تعالى فتح «قسم الإصلاح الإسري» في «كلية الفقه الحنفي»، الذي لا مثيل له في الدراسات الجامعية، بحيث اعتمد علم التزكية والتربية والتصوف في بناء الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، عوضاً عن الأفهام والنظريات الشرقية والغربية التي ضيَّعت الإنسان وهَدمت الأسرة ودَمرت المجتمع؛ لأنها آراء وأقوال في كثير منها خدمة لأجندات في حرب الإسلام خاصّة والبشرية عامّة، حتى يبقى الفاسدون يُسيطرون على ثروات هذا العالم، ويتحكَّمون في الدُّول كيف شاؤوا.
وكان من الواجب علينا تجهيز المناهج المناسبة مستقاةً من القرآن والسُّنة والصَّحابة والسَّلف وعلم التصوف والتزكية، ومن بين هذه المقررات مادة الآداب العامة.
والكلام فيها واسع لا نهاية له؛ لأنّ كلَّ أقوالها وأفعالنا وسلوكياتنا تنضبط بالأدب في شتى المجالات وسائر الأوقات وعامة الأماكن.
وجمع ما يتعلَّق بذلك يحتاج إلى مجلداتٍ عديدةٍ، ولا أَظنّ أننا يُمكن أن نُوفيه حقَّه، والمقصود هاهنا تجهيز مادة دراسية يُمكن دراستها من الطلبة ابتداء والانتفاع منها من المسلمين انتهاءً.
وبالتالي سيكون الاقتصار على أبرز الآداب وليس الاستيعاب لها، فيكون فيما ذُكِر إرشادٌ وتعريفٌ بما لم يذكر بعد التعرف على الأساس والأصل في الأشياء.
وفقهاؤنا عادة لا يتوسَّعون في باب الآداب إلا ما يذكرونه عرضاً متفرّقاً هنا وهناك أو يفصلونه في كتاب الحظر والإباحة مما يتعلَّق بالطعام والشراب واللباس والزينة وغيرها، وبعضهم ذكراً باباً سماه: الأدب مع الكسب، كما صاحب «تحفة الملوك».
وهذا لأنّ التفات الفقهاء إلى الأحكام القضائية عند تنازع الناس أولاً، ثمّ بيان أحكام الحلال والحرام ثانياً، والآدابُ عادةً خارجةٌ عن ذلك؛ لأنها متعلِّقةٌ بالإرشادات والنصائح والكمالات، وهذا شيءٌ زائدٌ عن اهتمام الفقهاء، فيكون التَّعرُّض له تَبعاً لا قَصداً في أثناء الكلام.
واشتهر بالكتابة في الآداب عند الحنفية كتاب «شرح عين العلم وزين الحلم» لعلي القاري و «شرعة الإسلام» لسيد علي زاده، ولما كان «عين العلم» مختصراً من «إحياء علوم الدين» للغزالي، وهو الأمُّ في هذا الباب، ولا يَليق بمَن يكتب بمسائل الأخلاق والآداب والتزكية أن لا يرجع إليه، فقد جعلتُه الأساس في هذا الكتاب، فلخصتُ ما يسّر الله تعالى لي من مسائله مع إعادة ترتيبها وتنظيمها وبنيتُ غيرها عليها.
واختصرتُ كتاب «شرعة الإسلام» وضممتُ ما فيه إلى هذا الكتاب، وأضفتُ إليه شيئاً مما كتبه في الحظر والإباحة من كتاب «البيان في الأيمان والنذور والحظر والإباحة» مع زيادات نقلتُها من تعليقاتي على «تحفة الملوك» وغيرها.
ولما كان موضوعُ الكتاب متعلِّقٌ بالإرشاداتِ والنَّصائح كان الرُّجوعُ للحديث النَّبويِّ الشَّريف ضرورياً؛ لأنه بعد أن استقيت الأحكام الفقهية والعقدية من الكتاب والسنة بقي وظيفتهما في الترغيب والترهيب موجودةً، بحيث نرغب الناس للقيام بالخيرات، ونرهبهم بترك الرذائل.
وأعظم كتاب في ذلك كتاب المنذري المعروف بـ «الترغيب والترهيب»، فهو العمدة في هذا الباب؛ لذلك اعتكفت عليه أياماً طوالاً في اختصاره فيما عدا أبواب العبادات، وأخذتُ زبدة ما ورد فيه من أحاديث، وأضفتُها لمادة الكتاب مع التعليق عليها واستفادة الآداب منها.
ورتبت هذا الكتب على مباحث:
المبحث التميهد: في مقدمات عامة.
والمبحث الأول: في آداب الطعام والشراب، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في آداب الأكل والشرب.
والمطلب الثاني: في آداب الضيافة.
والمبحث الثاني: في آداب اللباس والزينة، ويشمل على مطلبين:
المطلب الأول: في آداب اللباس.
والمطلب الثاني: في آداب الزينة.
والمبحث الثالث: في آداب الكلام والمجالس والنوم وغيرها، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: في آداب الكلام.
والمطلب الثاني: في آداب المجالسة.
والمطلب الثالث: في آداب النوم.
والمطلب الرابع: في آداب المشي.
والمطلب الخامس: في آداب السفر.
والمطلب السادس: في آداب طلب الحوائج.
والمطلب السابع: في المؤمن المبتلى.
والمبحث الرابع: في آداب النكاح.
والمبحث الخامس: في آداب الاكتساب والتجارة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في فضل الكسب وحكمه والورع فيه.
والمطلب الثاني: في آداب الكسب.
والمطلب الثالث: في آداب الوظائف العامة.
والمبحث السادس: في آداب الأبوين والرحم والجار، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في آداب الوالدين.
والمطلب الثاني: في آداب الأرحام.
والمطلب الثالث: في آداب الجوار.
والمبحث السابع: في آداب الأخوة والصحبة، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: في فضيلة الألفة والأخوة.
والمطلب الثاني: في معنى الأخوة في الله تعالى.
والمطلب الثالث: في الصفات المشروطة للصاحب.
والمطلب الرابع: في حقوق الأخوة والصحبة.
والمبحث الثامن: في الأداب مع الخلق، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في فضل معاشرة الخلق.
والمطلب الثاني: في أسس المعاشرة للآخرين.
والمطلب الثالث: في آداب معاشرة الخلق.
وسميته هذا الكتاب:
«رفع الملامة في الآداب العامة»
راجياً من الله تعالى بعد هذا الجهد الجهيد أن أكون جمعتُ مادةً مناسبة نافعةً في بابها، منظمةً ومترتبةً ومهذبةً، ومدللة ينتفع بها.
وآملناً أن يكون الكتاب لبنة بناءً في حلّ الأزمة الأدبية التي تعيشها أمة الإسلام، فإننا نعيش فيما بيننا بالأدب والأخلاق، فإن فُقِدَت فَقَد فُقِد أداء العيش البشرية، فخرجنا عن الطبيعة البشرية، ولحقنا بمن يعيش في الغابات، فإنها لا قانون فيها إلا قانون القوة والبطش والسيطرة لا الأدب والرقي الإنساني والسلوك الأخلاقي القويم، فيا أمة الإسلام لا حياة لك بغير الأدب، فعلينا أن نتعلمه ونجاهد أنفسنا على العمل به، ونعلمه لأبنائنا وأصحابنا وطلابنا ومجتمعنا.
وفي الختام نسأله سبحانه أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا فيه القبول في القبول، ويعيننا على العمل به، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في تاريخ 18 ـ 6 ـ 2022 م
في صويلح، عمان، الأردن
المبحث التمهيدي
مقدمات عامّة
نتعرف فيه معنى الأدب، ونذكر الأخلاق جملةً، ونُبيِّنُ أهميةَ الآداب والأخلاق والتزكية، وفضل الأدب والخلق، ومراتب النّاس في قَبول الآداب، وكيفية اكتساب الآداب والأخلاق، والميزان الذي نعرف به وجود الآداب وحسن الخلق فينا في النقاط الآتية:
أولاً: معنى الأدب لغة:
الأدب: من أدبته أدباً من باب ضَرَب علمته رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد والأزهري: الأدب يقع على كلِّ رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل.
فالأدب اسم لذلك والجمع آداب، مثل سبب وأسباب، وأدبته تأديباً مبالغة وتكثيراً، ومنه قيل: أدبته تأديباً إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب.
وأدَّبه غيرُهُ فتأدَّب واستأدَب، وتركيبه يدلّ على الجمعِ والدعاءِ، ومنه الأدْبُ: وهو أن تجمع الناسَ إلى طعامِك وتدعوَهم، ومنه قيل: للصنيعِ
مَأدُبة كما قيل له مَدْعاةٌ، ومنه الأدَب؛ لأنه يأدِبُ الناسَ إلى المحامد: أي يدعوهم إليها (¬1).
والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي في جمعه للمحامد وتركه للقبائح واشتماله على محاسن الأخلاق والحاجة إلى المجاهدة لتحصيله.
ثانياً: الأخلاق:
في هذا الكتاب لا نتكلَّم عن الأخلاق بذاتها، وإنما نتكلم عن جانب منها، وهو الأدب، وهو التصرَّف الصحيح المناسب لأمر من الأمور، وهذا جزء من الأخلاق، فمدارُ الأخلاق عليه، بل كثيرٌ من الأخلاق، هي عبارة عن الأدب، وبالتالي تلتقي الآداب والأخلاق كثيراً، وبينهما عموم وخصوص.
ونذكر الأخلاق جملةً للدلالة على ذلك، وهي على النحو الآتي:
قال المناوي (¬2): «حاول بعضهم جمع الأخلاق الحسنة فقال: الإحسان، والإخلاص، والإيثار، واتباع السيئة بالحسنة، والاستقامة، والاقتصاد في العبادة والمعيشة، والاشتغال بعيب النفس عن عيب الناس، والإنصاف، وفعل الرخص أحياناً، والاعتقاد مع التسليم، والافتقار الاختياري، والإنفاق بغير تقتير.
¬
(¬1) ينظر: المصباح1: 9، والمغرب1: 32، ولسان العرب1: 206.
(¬2) في فتح القدير3: 386. وينظر: طريقة محمدية2: 44.
وإنفاق المال لصيانة العرض، والأمر بالمعروف، وتجنب الشبهة، واتقاء ما لا بأس به لما به بأس، وإصلاح ذات البين، وإماطة الأذى عن الطريق، والاستشارة، والاستخارة، والأدب، والاحترام، والإجلال لأفاضل البشر والأزمنة، والأمكنة، وإدخال السرور على المؤمن، والاسترشاد، والإرشاد بتربية وتعليم، وإفشاء السلام، والابتداء به، وإكرام الجار، وإجابة السائل، والإعطاء قبل السؤال، واستكثار قليل الخير من الغير، واحتقار عظيمه من نفسه، وبذل الجاه والجهد.
والبشر، والبشاشة، والتواضع، والتوبة، والتعاون على البر، والتقوى، والتؤدة، والتأني، وتدبير المنزل، والمعيشة، والتفكر، والتكبر على المتكبر، وتنزيل الناس منازلهم، وتقديم الأهم، والتغافل عن زلل الناس، وتحمل الأذى، والتهنئة، والتسليم لمجاري القدر، وترك الأذى، والبطالة، ومعاداة الرجال، والتكلف، والمراء، والتحميض لدفع الملالة، والتحدث بالنعمة، والتكثير من الإخوان والأعوان، وتحمل المعسر.
والتسمية باسم حسن مع تغيير اللقب القبيح، والتوسعة على العيال، وتجنب مواقع التهم، ومواضع الظلم، والكلام المنهي عنه، والتعرف بالله، والتطبيب بالطب النبوي، والثبات في الأمور، والثقة بالله، وجهاد النفس، وجلب المصالح، والحب في الله، والبغض في الله تعالى، والحلم، والحياء، وحفظ الأمانة، والعهد، والعرض، وحسن الصمت، والتفهم، والتعقل في المقال، والسمت، وحسن الظن، وطلب المعيشة، والمعاشرة.
والحمية، وخدمة الصلحاء والفقراء والعلماء والإخوان والضيف، والخشوع، وخوف الله تعالى، وخداع الكفار، ودرء المفاسد، ودوام التفكر والاعتبار، والدأب في طلب العلم، والذِّلّة لله تعالى، والرفق في المعيشة، ورحمة الصغار والمساكين واليتيم والحيوان والمريض، والرضا بالدون من المجالس، والرجاء، والرقة للغير لتأذيه، والزهد، والسخاء، والسماح، والسلام عند اللقاء حتى على من لا يعرف، والشجاعة، والشهامة، والشفاعة.
والشكر، والصبر، والصدق، والصلح، والصداقة، والصحبة، وصلة الرحم، والصمت، وضبط النفس عن التفرقة، وطهارة الباطن، والعفة، والعدل، والعفو، والعزلة، وعلو الهمة، والغضب لله تعالى، والغيرة الحميدة، والغبطة، والفزع إلى الصلاة عند الشدائد، والفراسة، وفعل ما لا بُدّ منه، والقيام بحقّ الغير، وقبول الحقّ وقوله، وإن كان مُرّاً، وقضاء حوائج الناس، وكظم الغيظ، وكفالة اليتيم، ولقاء القادم.
ولزوم الطهارة، والتهجد، والصلاة المأثورة، والفوائد الجميلة، والمداراة، والمخاطبة بلين الكلام، ومحاسبة النفس، ومخالفتها، والمعاشرة بالمعروف، ومعرفة الحق لأهله ولمن عرفه لك، ومحبة أهل البيت، والمعافاة، والمزح العدل، والنهي عن المنكر، والنصح، والنزاهة، والورع، وهضم النفس، واليقين، ونحو ذلك».
ومَن ينظر لهذه الأخلاق يرى صدق ما ذكرنا سابقاً من اختلاف بحث الآداب عن الأخلاق؛ لوجود خصوصيات لكلِّ منهما، كما سيأتي مُفصَّلاً في
طَيَّات هذا الكتاب مع الآداب، وأشير لشيء من خصوصيات الأخلاق مثلاً، حيث يحتاج الكلام فيها إلى تفصيل ومناقشة لكلِّ منها، ومن ذلك:
عند بحث خلق الشجاعة لا بد من تعريفه وبيان طرق اكتسابه وفضائله وغيرها، وهذا يستغرق صفحات، فمثلاً من فضائل الشجاعة:
1.كبر النفس: وهو استحقار اليسار والفقر والكبر والصغر.
2.عظم التهمة: وهو عدم المبالاة بسعادة الدنيا وشقاوتها.
3.الصبر: وهو قوة مقاومة للآلام والأهوال.
4.النجدة: وهو عدم الجزع من المخاوف مع ملكة الثبات للنفس.
5.الحلم: وهو الطمأنينة عند ثورة الغضب.
6.السكون: وهو التأني في الخصومات والمعاملات.
7.التواضع: وهو استعظام ذوي الفضائل، ومن دونه في المال والجاه بعد نفسه دون مراتبهم.
8.الشهامة، وهي الحرص على مباشرة أمور عظيمة.
9.الاحتمال: وهو إتعاب النفس في الحسنات.
10.الحمية: وهي المحافظة على الحرام والدين.
11.الرقة: وهي التأذي من أذى يلحق الغير (¬1).
¬
(¬1) ينظر: طريقة محمدية3: 152
والبحث لا يختلف كذلك مع العفة، فمثلاً من فضائل العفة:
1.الحياء: وهو انحصار النفس عن ارتكاب القبائح شرعية أو عقلية أو عرفية.
2.الصبر: وهو حبس النفس عن متابعة الهوى.
3.الدعة: وهي السكون عند هيجان الشهوة.
4.النزاهة: وهي اكتساب المال من غير مهانة ولا ظلم، وإنفاقه في المصارف الحميدة فمع المهانة تفريط، ومع الظلم إفراط.
5.القناعة: وهي الاقتصار على الكفاف بمعنى تسوية المدخل والمصرف.
6.الوقار: وهو التأني في التوجه نحو المطالب.
7.الرفق: وهو حسن الانقياد.
8.حسن السمت: وهو محبة ما يكمل النفس.
9.الورع: وهو ملازمة الأعمال الحميدة بموافقة الشرع والعرف والمروءة.
10.الانتظام: وهو تقرير الأمور وترتيبها بحسب المصالح.
11.السخاء: وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي (¬1).
¬
(¬1) ينظر: طريقة محمدية3: 153.
وكذلك الحال مع السخاءن، ومثلاً من فضائل السخاء:
1.الكرم: وهو الإعطاء بالسهولة وطيب النفس.
2.الإيثار: وهو ترجيح الغير على حاجة نفسه.
3.النيل: وهو الإعطاء مع السرور.
4.المواساة: وهو مشاركة الأصدقاء في الانتفاع في البذل.
5.السماحة: وهو البذل تفضلا بلا وجوب عليه ولا توقع مجازاة.
6.المسامحة: وهو ترك ما لا يجب تركه تنزهاً (¬1).
وهذا كما يُرى بحثٌ مختلفٌ عَمَّا سيأتي من ذكر الآداب، وبينهما اتفاقٌ واختلافٌ، ولكلٍّ منهما خصوصياتُه.
ثالثاً: أهمية الآداب والأخلاق والتزكية:
إن بحث الأهمية يتفق ما بين الثلاثة، وإن كانت التزكية أعلى مقاماً، ولكنها تنفذ لهما، وكلُّ منهما ينفذ للآخر؛ لذلك كانت سعادة المرء الدنيوية والأخروية بقدر تحصيله لهذه الثلاثة، ويرتقي حالُه ومقامُه عند البشر ورب البشر بما نال منها ومن الدرجة التي وصلها في كلٍّ منها؛ لأنَّ لكلٍّ منها درجاتٌ لا تنتهي.
¬
(¬1) ينظر: طريقة محمدية3: 153.
وننقل هاهنا كلام الغزالي باستخدام مصطلح الخلق، لكن المقصود بها الثلاثة، وليس الخلق خاصة، قال (¬1): «الخلق الحسن صفة سيد المرسلين، وأفضل أعمال الصديقين، وهو على التحقيق شطر الدين، وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين، والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى، الموقدة التي تطلع على الأفئدة كما أنّ الأخلاقَ الجميلةَ هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن.
والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب، وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد، ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان، وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية، فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب، وفي مرضها فوت حياة باقية أولى.
وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كلِّ ذي لب؛ إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها، ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها، فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين3: 49.
[الشمس:9]، وإهمالها هو المراد بقوله: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:10]».
رابعاً: فضل الأدب والخلق:
لما كان اشتراك واضحٌ بين الأدب والخلق في كثير من الأفراد كان الفضل لهما مشتركاً، ولأنه يعبر عن الأدب بالخلق في عامّة النصوص القرآنية والنبوية وأقوال السلف؛ لعدم التفريق في المصطلح فيها، وبالتالي يكون لفظ الخلق محمولاً على كل منهما؛ لذلك كان الأولى ذكر الفضل لهما معاً على النحو الآتي:
قال الله تعالى لنبيه وحبيبه مثنياً عليه ومظهراً نعمته لديه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم:4]، فهذا مدحٌ من ربِّ العزة لله تعالى على حسن الخلق؛ ليتأسى به الناس، ويتسابقوا في تحصيل الأدب وكمال الخلق.
وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف:199]، فهذه الآية تحثنا على أمهات الآداب من مراعاة الأمور الحسنة في كلِّ شيء، وهو المقصود بالعرف.
وعن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلقه القرآن» (¬1)، والقرآنُ يشتملُ على أكمل الآداب والأخلاق، فمَن حصّلها وصل إلى أعلى الكمالات البشرية.
¬
(¬1) في صحيح مسلم، كما في المغني3: 49.
وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -، قال: لقيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدرته فأخذت بيده وبدرني فأخذ بيدي فقال: «يا عقبة، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك، ألا ومن أراد أن يمدّ في عمره ويبسط في رزقه فليصل ذا رحمه» (¬1)، وهذه من الآداب التي سيأتي بحثها، وقد عبَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها بالأخلاق.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬2)، فكأن الإسلام جاء لتأكيد وإكمال الآداب والأخلاق الحسنة عند الناس.
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق» (¬3)، قرن الأدب والخلق مع التقوى؛ لعلو مقامهما، وأن الحياة تكون بهم جميعاً؛ لأن التقوى هي التزكية السابق ذكرها.
وعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوصني فقال: «اتق الله حيثما كنت، قال زدني قال: أتبع السيئة الحسنة تمحها، قال: زدني، قال: خالق الناس بخلق حسن» (¬4)، فكانت وصيةُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأدب الكامل مع البشر؛ لأنّ الناس يعيشون فيما بينهم بالأدب، فمتى فُقِد قُلبت حياتهم إلى جحيم.
¬
(¬1) في المستدرك4: 178، وسنن البيهقي10: 398، والمعجم الكبير17: 269.
(¬2) أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي، كما في المغني3: 49.
(¬3) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، كما في المغني3: 49.
(¬4) أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، كما في المغني3: 50.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «قيل: يا رسول الله: أي المؤمنين أفضل إيماناً، قال: أَحسنهم خلقاً» (¬1)، ربط من النبي - صلى الله عليه وسلم - للخلق بالإيمان؛ لأن كمال خلقه يكمل به إيمانه.
وعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا عقل كالتَّدبير، ولا حسب كحسن الخلق» (¬2)، فالحسب والنسب أهميته بإفضائه إلى حسن الخلق، فمَن حصل الأدب والخلق يكون حاصلاً على كمال الحسب والنسب.
وقال الحسن: مَن ساء خلقه عذب نفسه.
وقال أنس - رضي الله عنه -: إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة، وهو غير عابد، ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك في جهنم، وهو عابد.
وقال وهب ابن منبه: مثل السيء الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طيناً.
وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبُّ إلي من أن يصحبني عابدٌ سيء الخلق.
وقال الجنيد: أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه: الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق، وهو كمال الإيمان.
¬
(¬1) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم، كما في المغني3: 50.
(¬2) أخرجه ابن ماجه وابن حبان، كما في المغني3: 51.
وقال الكناني: التصوف خلق، فمَن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف.
وقال عمر - رضي الله عنه -: خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال.
وقال يحيى بن معاذ: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات.
وقال عطاء: ما ارتفع مَن ارتفع إلا بالخلق الحسن، ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فأقرب الخلق إلى الله تعالى السَّالكون آثاره بحُسُن الخلق (¬1).
وأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة وهي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل، والباقي فروعها.
ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه، فكل مَن قَرُب منه في هذه الأخلاق، فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلُّ مَن جمع كمال هذه الأخلاق استحقَّ أن يكون بين الخلق ملكاً مطاعاً يرجع الخلق كلهم إليه، ويقتدون به في جميع الأفعال، ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد، فإنّه قد قَرُب من الشيطان اللعين المبعد.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 52.
وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} [الحجرات:15]، فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين، وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة، والمجاهدةُ بالمال هو السَّخاء الذي يرجع إلى ضبط قوّة الشَّهوة، والمجاهدة بالنَّفس هي الشَّجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحدّ الاعتدال (¬1).
خامساً: مراتب الناس في قبول الآداب:
تتفاوت أحوال الناس في قبولهم للآداب إلى أربعة مراتب:
1. أن يكون غافلاً لا يميز بين الحق والباطل والجميل والقبيح، بل بقي كما فطر عليه خالياً عن جميع الاعتقادات، ولم تستتم شهوته أيضاً باتباع اللذات، فهذا سريع القبول للعلاج جداً، فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد وإلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة، فيحسن خلقه في أقرب زمان.
2.أن يكون قد عرف قبح القبيح، ولكنه لم يتعوَّد العمل الصالح، بل زين له سوء عمله، فتعاطاه انقياداً لشهواته وإعراضاً عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه، ولكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأول؛ إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه؛ إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولاً من
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 55
كثرة الاعتياد للفساد، والآخر أن يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح، ولكنه بالجملة محلٌّ قابلٌ للرياضة إن انتهض لها بجدّ وتشمير وحزم.
3. أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة، وأنها حقٌّ وجميل وتربى عليها، فهذا يكاد تمتنع معالجته، ولا يرجى صلاحه إلا على الندور، وذلك لتضاعف أسباب الضلال.
4.أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد، وتربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشر، واستهلاك النفوس ويُباهي به، ويَظن أن ذلك يَرفع قدره، وهذا هو أصعب المراتب (¬1).
وهذا التقسيمُ يُفيدنا في تعليم الآداب للناس، ومدى قبولهم لها، فنعلم مَن يتقبلها ممن لا يتقبلها، فيبذل مع كلِّ العلم الذي يناسبه.
سادساً: اكتساب الآداب والأخلاق:
إن مدارَ اكتساب الآداب والأخلاق على تعلُّمِها ابتداءً، ثمّ المجاهدة للنفس على تحصيلها، فكما أننا نكتسب المعارف المختلفة بالتَّعلُّم لها، فتتحصَّل الآداب بذلك، وهذا يقتضي إلى متابعةِ النفس في تحصيلها وتدريبها على القيام بها.
وقد فَصَّل الغَزاليُّ هذا فقال (¬2): «الأخلاقُ الجميلةُ يُمكن اكتسابها بالرياضة، وهي تكلُّفُ الأفعال الصَّادرة عنها ابتداءً؛ لتصير طبعاً انتهاء،
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 56.
(¬2) في إحياء علوم الدين3: 60ـ62.،
وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن، فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح، حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكلُّ فعل يجري على الجوارح، فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور.
فمَن أراد أن يصيرَ فقيه النفس، فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء، وهو التكرارُ للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه، فيصير فقيه النفس.
ومن أراد أن يصيرَ سخياً عفيفَ النفس حليماً متواضعاً، فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفاً حتى يصير ذلك طبعاً له، فلا علاج له إلا ذلك.
وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة، ولا ينالها بتكرار ليلة، فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم.
ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم تتداعى قليلاً قليلاً حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأساً، فيفوتها فضيلة الفقه، وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة.
وكما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه النفس، بل يظهر فقه النفس شيئاً فشيئاً على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع القامة، فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال، ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة، فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة، وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد، فلكل واحد منها تأثير، فما من طاعةٍ إلا ولها أثرٌ وإن خفي فله ثواب لا محالة، فإن الثواب بإزاء الأثر، وكذلك المعصية.
وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوف نفسه يوماً فيوماً إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه، فكذا من يستهين صغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة؛ إذ القليل يدعو إلى الكثير، فيصير القلب مقيداً بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها، وهو المعنى بانسداد باب التوبة، وهو المراد بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون} [يس:9].
فالأخلاق الحسنة تارةً تكون بالطبع والفطرة، وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم، وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح؛ إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعاً، فمن تظاهرت في حقِّه الجهات الثلاثة حتى صار ذا فضيلة طبعاً واعتياداً وتعلماً، فهو في غاية الفضيلة، ومن كان رذلاً بالطبع واتفق له قرناء السوء، فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشرّ حتى اعتادها، فهو في غاية البعد من الله
عز وجل، وبين الرتبتين من اختلفت فيه من هذه الجهات، ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صورته وحالته ....
والاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها، كما أنّ الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له، والميل عن الاعتدال مرض فيه.
وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً، وإنما يَكمل ويقوى بالنشو والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم.
وكما أن البدن إن كان صحيحاً فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة، وإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحة إليه، فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة، فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة إليها واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء، فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة المرض لا تعالج إلا بضدها، فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدِّها، فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفاً.
والطريق الكلي لمعالجة القلوب سلوك مسلك المضاد لكلّ ما تهواه النفس وتميل إليه، وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كملة واحدة فقال تعالى:
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:41].
والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم، فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها، ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختباراً، فينبغي أن يصبر ويستمر، فإنه إن عوَّد نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت، وإذا اتفق منه نقض عزم، فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه، وإذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته وحسنت عنده تناول الشهوة، فتفسد بها الرياضة بالكلية».
سابعاً: ميزان الأدب وحسن الخلق:
كلُّ إنسان جاهل بعيوب نفسه، فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدةً حتى ترك فواحش المعاصي ربّما يظنُّ بنفسه أنه هذب نفسه وحسن خلقه، واستغنى عن المجاهدة، فلا بُدّ من إيضاح علامة حسن الخلق، فإن حسن الخلق هو الإيمان، وسوء الخلق هو النفاق، وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في كتابه، وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق، فلنورد جملة من ذلك لتعلم آية حسن الخلق.
قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون. وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُون. أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون} [المؤمنون:10]
وقال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين} [التوبة:112].
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون. أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال:4]
وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا. وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًاقُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان:77]
فمَن أَشكل عليه حاله، فليعرض نفسَه على هذه الآيات، فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود
بعضها دون بعض يدلُّ على البعض دون البعض، فليشتغل بتحصيل ما فقده، وحفظ ما وجده، وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤمن بصفات كثيرة وأشار بجميعها إلى محاسن الأخلاق.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه» (¬1)، وهذا الحديث أصل للآداب والأخلاق.
وعن أبي شريح الخزاعي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (¬2)، وإكرام الضيف من كمال الآداب.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (¬3)، وأداء حقوق الجار من حسن الأدب.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (¬4)، وفي صون اللسان تحصيل أكثر الآداب.
وعن أبي خلاد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهداً في الدنيا وقلّة منطق، فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة» (¬5)؛ لأن مَن تمسَّك بالدنيا ساء خلقه وكثر شره.
¬
(¬1) متفق عليه، كما في المغني: 69.
(¬2) متفق عليه، كما في المغني: 69.
(¬3) متفق عليه، كما في المغني: 69.
(¬4) متفق عليه، كما في المغني: 69.
(¬5) أخرجه ابن ماجه، كما في المغني3: 69.
وعن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مؤمن» (¬1)؛ لأن الإنسان بخير ما دام يذم نفسه، ومتى مدحها فقد ساء خلقه وحاله.
وجمع بعضهم علامات حسن الخلق، فقال: هو أن يكون كثير الحياء قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، برّاً وصولاً، وقوراً صبوراً، شكوراً رضياً، حليماً رفيقاً عفيفاً شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً، ولا نماماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشاشاً هشاشا، يحبُّ في الله تعالى، ويبغض في الله تعالى، ويرضى في الله تعالى، ويغضب في الله تعالى، فهذا هو حسن الخلق.
قال حاتم الأصم: المؤمن مشغول بالفكر والعبر، والمنافق مشغول بالحرص والأمل، والمؤمن آيس من كلِّ أحد إلا من الله تعالى، والمنافق راج كلّ أحد إلا الله تعالى، والمؤمن آمن من كلِّ أحد إلا من الله تعالى، والمنافق خائف من كل أحد إلا من الله تعالى، والمؤمن يقدم ماله دون دينه، والمنافق يقدم دينه دون ماله، والمؤمن يحسن ويبكي، والمنافق يُسيء ويضحك، والمؤمن يحبُّ الخلوة والوحدة، والمنافق يحب الخلطة والملأ.
والمؤمن يزرع ويخشى الفساد، والمنافق يقلع ويرجو الحصاد، والمؤمن يأمر وينهى للسياسة فيصلح، والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد، وأولى ما
¬
(¬1) أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه على شرطهما، كما في المغني3: 69.
يُمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى، واحتمال الجفاء، ومَن شكا من سوءِ خلق غيره دلَّ ذلك على سوء خلقه، فإن حسن الخلق احتمال الأذى.
وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم، فقال: من قيس بن عاصم، قيل: ما وبلغ من حلمه، قال: بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء فسقط من يدها فوقع على ابن له صغير فمات، فدهشت الجارية، فقال لها: لا روع عليك أنت حرّةٌ لوجه الله تعالى.
فقيل: إن أويساً القرني كان إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة، فكان يقول لهم: يا إخوتاه إن كان ولا بُدّ فارموني بالصغار حتى لا تدموا ساقي، فتمنعوني عن الصلاة.
وشتم رجل الأحنف بن قيس، وهو لا يجيبه، وكان يتبعه فلما قَرُب من الحي وقف، وقال: إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله كي لا يسمعك بعض سفهاء الحي فيؤذوك.
وقالت امرأةٌ لمالك بن دينار: يا مرائي، فقال: يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة.
وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء، فقيل له: لم تمسكه، فقال: لأتعلم الحلم عليه.
فهذه نفوس قد ذُللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها، ونقيت من الغِش والغل والحقد بواطنها، فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى، وهو منتهى حسن الخلق، فإن مَن يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به، فهو غاية سوء خلقه
فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرناه، فمَن لم يصادف من نفسه هذه العلامات، فلا ينبغي أن يغترّ بنفسه، فيظنُّ بها حسن الخلق، بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حُسُن الخلق، فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون (¬1).
* * *
¬
(¬1) ينظر: الإحياء3: 69ـ 72.
المبحث الأوّل
آداب الطعام والشراب
كان من سنة الخالق سبحانه أن جعل قوام حياة البشر بالطَّعام والشَّراب، فهي مَن تمدهم بالطاقة؛ ليتمكنوا من القيام بأعمالهم، كما أنّ الآلات المختلفة تحتاج لطاقة الوقود أو الكهرباء لتعمل.
وبالتالي كان الطعام والشراب وسيلة للتقوية لا غاية ومقصداً، وخلق سبحانه وتعالى المحبة له من أجل أن نَرغب به لنتقوى، فمَن جعل الطعام غاية والرغبة به مقصداً وشهوةً، واستسلم لنفسه في ذلك فقد أوقع نفسه في المهالك، وعَمِل بالأمر على خلاف ما وضع.
قال الغزالي (¬1): «إن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلى بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبَّه ربُّ العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون:51].
¬
(¬1) ينظر: الإحياء 2: 2.
فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل، ويقوي به على التقوى، فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملاً سدى يَسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى، فإن ما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه، ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه».
وهذا يقتضي أن نقف على الآداب المتعلقة بالطعام والشراب؛ ليكون لنا لا علينا، ويكون وسيلة لا غاية، وقربة لا معصية، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: آداب الأكل والشرب:
وتتنوع الآداب للأكل والشرب بآداب قبل الأكل وآداب حالة الأكل وآداب للشرب وآداب بعد الطعام وآداب للأكل جماعة وآداب الدخول للطعام وآداب لتقديم الطعام نعرضها في النقاط الآتية:
أولاً: الآداب قبل الأكل:
1.أن يكون الطعام بعد كونه حلالاً في نفسه، طيباً في جهة مكسبه، موافقاً للسُّنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع، ولا بحكم هوى ومداهنة في دين في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام، وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب، وهو الحلال، وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيماً لأمر الحرام، وتعظيماً لبركة الحلال.
فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} [النساء:29].
فالأصل في الطعام كونه طيباً، وهو من الفرائض وأصول الدين (¬1)؛ لأنه قوام الخير كلِّه، والحلال الطيب من أصعب الأمور؛ لأن الحلَّ والطِّيب يبطل بأدنى شيء (¬2).
2. غسل اليد قبل الطعام وبعده؛ لأنّ اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال، فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادة، فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة؟
فعن سلمان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (¬3): أي الوضوء اللغوي وهو الغسل.
عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل طعاماً، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الإحياء: 2: 3.
(¬2) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص289.
(¬3) في جامع الترمذي 4: 281،والمستدرك 3: 699، وسنن أبي داود 3: 345، ومسند أحمد 5: 441، وغيرها.
(¬4) رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، وقال حديث حسن غريب. كما في ترغيب المنذري3: 148.
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها» (¬1).
3.أن يوضع الطعام على السُّفرة الموضوعة على الأرض.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا أتي بطعام وضعه على الأرض» (¬2)، فهذا أقرب إلى التَّواضع، فإن لم يكن فعلى السُّفرة فإنها تذكر السفر، ويتذكر من السفر سفر الآخرة، وحاجته إلى زاد التقوى.
4.أن يحسن الجلسة على السُّفرة في أول جلوسه، ويستديمها كذلك (¬3).
فعن عبد الله بن بشير - رضي الله عنه -: «أتوا القصعة فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأكل على ركبتيه، وجلس على ظهر قدميه، ورُبّما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى» (¬4).
وعن أبي جحيفة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا آكل متكئاً» (¬5).
فعليه أن يجلس على الطعام جلسة المتواضعين، بحيث لا يتكئ على شيء، وإن كان على إحدى يديه، ولا يضطجع على جنبه، ولا يعتمد على شيء بحيث لا يسند ظهره إلى شيء، ولا يقعد على وجه التمكن من الأرض
¬
(¬1) رواه مسلم والنسائي والترمذي وحسنه. كما في ترغيب المنذري3: 148.
(¬2) أخرجه أحمد والبزار، وفيه جماعة وثقة أحمد وضعفه الدارقطني، كما في المغني2: 4.
(¬3) ينظر: الإحياء2: 4.
(¬4) أخرجه أبو داود والنسائي، كما في المغني2: 4.
(¬5) أخرجه البخاري، كما في المغني2: 4.
والاستواء جالساً على هيئة التربع، بل السنة فيه أن يقعد عند الأكل مائلاً إلى الطعام مُنحنياً نحوه.
ويجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى نصباً، أو يجلس محتفزاً: أي جامعاً نفسه ويقعد منتصباً غير مطمئن على الأرض جالساً على رؤوس قدميه (¬1).
5.أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى؛ ليكون مطيعاً بالأكل ولا يقصد التلذُّذ والتنعُّم بالأكل.
قال إبراهيم بن شيبان: منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئاً لشهوتي.
ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل، فإنّه إذا أكل لأجل قوَّة العبادة لم تصدق نيَّتُه إلا بأكل ما دون الشَّبع، فإنَّ الشَّبع يَمنع من العبادة، ولا يقوى عليها، فمن ضرورة هذه النيّة كسر الشَّهوة وإيثار القناعة على الإتساع (¬2).
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم يأكل في معي واحد، والكافر
في سبعة أمعاء» (¬3).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الجوع في وجوه أصحابه، فقال: أبشروا! فإنه سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد، ويراح عليه بمثلها. قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير؟ قال: بل
¬
(¬1) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص290.
(¬2) ينظر: الإحياء2: 5.
(¬3) رواه مالك والبخاري ومسلم وابن ماجة وغيرهم. كما في ترغيب المنذري3: 134.
أنتم اليوم خير منكم يومئذ» (¬1).
6.أن لا يأكل من غير جوع، فإنه يوجب المقت؛ لأنّ الأكل إنما هو لأجل التقوي به على طاعة الله تعالى لا للتلذذ به والتنعم، فإذا أكل لأجل قوّة العبادة لم يُصدَّق نيّته، إلا بأن لا يمدّ يده إلى الطعام إلا وهو جائع ويرفع يده عنه قبل الشبع، ومَن فعل ذلك استغنى عن الطبيب.
ولا ينام نهاراً من غير سَهَر بالليل، ولا يداوم على الشبع، ويجوع نفسه بقدر ما استطاع، لكن التجويع ينبغي أن يكون على نيّة صحيحة، فإن لذّة الأكل على قدر الجوع؛ ولئلا ينسي الجائعين، وليصفو عقله، فإن الشبع يورث النسيان، ويعمي القلب، وينشرح صدره ويستنير قلبه (¬2).
فعن أبي جحيفة - رضي الله عنه -، قال: «أكلت ثريدة من خبز ولحم، ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعلت أتجشأ، فقال: يا هذا كف عنا من جشائك، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة» (¬3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «تجشأ رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة» (¬4).
¬
(¬1) رواه البزار بإسناد جيد. كما في ترغيب المنذري3: 139.
(¬2) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص290.
(¬3) رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد. كما في ترغيب المنذري 3: 136.
(¬4) رواه الترمذي، وابن ماجة والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن. كما في ترغيب المنذري3: 137.
6.أن يرضى بالموجود من الرِّزق والحاضر من الطَّعام، ولا يجتهد في التَّنعُّم وطلب الزِّيادة وانتظار الأدم، بل من كرامة الخبز أن لا ينتظر به الأدم.
7.أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده (¬1).
فعن وحشي بن حرب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه» (¬2).
8.أن لا يأكل ويشرب من إناء ذهبٍ وفضّة سواء في ذلك الرجال والنِّساء، وكذا الأكل بملعقتهما والاكتحال بميلهما ونحوهما من الاستعمالات كمكحلة ومرآة وقلم ودواة وطست وإبريق وفناجين القهوة وساعات ونحوها (¬3)، فمن فعل ذلك كره تحريماً (¬4) لما ورد فيها من النهي.
فعن أم سلمة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الذي يشرب في إناء الفضة، إنِّما يُجَرْجِرُ (¬5) في بطنِهِ نارَ جهنَّم» (¬6).
وعن حذيفة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 5.
(¬2) أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن، كما في المغني2: 5.
(¬3) التبيين 6: 11، ودرر الحكام 1: 310، والدر المختار ورد المحتار 6: 341 - 342.
(¬4) صرح بالكراهة التحريمية الزيلعي في التبيين 6: 12، وغيره.
(¬5) الجَرْجَرةُ: الصوت: أي يرددها في جوفه مع صوت، وقيل: الجرجرة الصب. ينظر: طلبة الطلبة ص20
(¬6) في صحيح البُخاري 5: 2133، و صحيح مسلم 3: 1634، وغيرهما.
آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة» (¬2).
وعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له» (¬3).
فإذا ثبت ذلك في الشرب والأكل فكذا في التطيب وغيره؛ لأنه مثله في الاستعمال فيكون الوارد فيهما وارداً فيما هو بمعناها دلالة، ولأنه تنعم بتنعم المترفين (¬4).
ويُباح الأكل والشُّرب من إناءِ رصاص، وزجاج، وبِلَّور (¬5)، وعَقيق (¬6) (¬7)،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1638، وصحيح البخاري 5: 2069، وغيرهما.
(¬2) رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد. كما في ترغيب المنذري3: 127.
(¬3) رواه البخاري وابن ماجة والنسائي. كما في ترغيب المنذري3: 96.
(¬4) ينظر: التبيين 6: 12، والشرنبلالية 1: 310، ورد المحتار 6: 341، وغيرها.
(¬5) بلور: حجرٌ معروف، وأحسنه ما يجلبُ من جزائر الزنج، وفيه لغتان كسر الباء مع فتح اللام مثل: سِنَّور، وفتح الباء مع ضم اللام وهي مشددة فيهما مثل: تَنُّور. ينظر: المصباح (ص60).
(¬6) العقيق: حجر يعمل منه الفصوص. ينظر: المصباح (ص422).
(¬7) وقال الشافعي يكره ; لأنه في معنى الذهب والفضة في التفاخر به. ينظر: التبيين 6: 12، والدر المختار 6: 343، وغيرهما.
ونحاس (¬1) وصفر، وحديد، وخشب، وطين (¬2)، وخزف ـ وهو ما عمل من طين وشوي بالنار حتى يكون فخاراً (¬3) ـ.
فعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -: «أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضّأ» (¬4).
وعن زينب بن جحش رضي الله عنها، قالت: «كنت أرجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مخضب من صفر» (¬5)، ويُمكن أن يستدلّ بها على إباحة غير الذهب والفضة؛ لأنه في معناه بل عينه (¬6).
ويباح الشرب من إناءٍ مفضّض ـ أي مزوق ومرصع بالفضة ـ أو مضبب ـ أي مشدود بالضباب ـ بشرط أن يكون متقياً لموضع الفضة، فلا يجعلها في موضع الفم، وقيل (¬7): موضع اليد عند الأخذ (¬8).
¬
(¬1) يكره الأكل في النحاس قبل طليه بالقصدير والشب؛ لأنه يدخل الصدأ في الطعام فيورث ضرراً عظيماً. ينظر: الدرر المباحة ص34، وغيره.
(¬2) ينظر: رد المحتار 6: 343، وغيره.
(¬3) ينظر: الدرر المباحة ص35، وغيره.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 83، والمستدرك 1: 274، وسنن أبي داود 1: 25، وغيرها.
(¬5) في مسند أحمد 6: 324،ومسند أبي يعلى 13: 36، والمعجم الكبير 19: 243، وسنن ابن ماجه 1: 160، والآحاد والمثاني 5: 430، وغيرها.
(¬6) ينظر: التبيين 6: 12.
(¬7) كذا عبر في الهداية والجوهرة والاختيار والتبيين وغيرها فأفاد ضعف ما في الدرر كما نبه عليه في الشرنبلالية. ينظر: رد المحتار 3: 343.
(¬8) ينظر: التبيين 6: 12، وغيره.
فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «أن قدح النبي - صلى الله عليه وسلم - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة» (¬1).
وعن عاصم - رضي الله عنه - قال: «رأيت عند أنس - رضي الله عنه - قدح النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ضبة من فضة» (¬2).
9. أن لا يواظب ولا يلازم أكل اللحم والمرقة، فإنه يوجب قساوة القلب، ولا يواظب على ترك اللحم والدَّسِم والمرقة أربعين ليلاً، فيتغيّر طبعه ويسوء خُلقه.
فعن علي - رضي الله عنه -: من ترك اللحم أربعين يوماً ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يوماً قسى قلبه.
10. أن يباكر الطعام ما استطاع، ففيه فوائد للبدن والطبع؛ إذ به يبقى الحلم ويزول الطيش ويقلل شهوة ما يرى في السوق.
11. أن يأكل بعد الزوال بشيء ولو قليلاً؛ لأن ترك الأكل مظنّة للضعف والهرم.
12.أن لا يتناول شيئاً من الطعام الحار حتى يبرده؛ لما فيه من الضرر بالمعدة والأمعاء والأسنان، ويغطيه بشيء حتى يبرد، فإن الستر بشيء أعظم بركة.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 1131، وسنن البيهقي الكبير 1: 29، والمعجم الأوسط 8: 87، وغيرها.
(¬2) في مسند أحمد 3: 139، وغيره.
13.أن يمقل ويغمس الذباب الواقع في الطعام حاراً أو بارداً مقلاً، ثم يستخرجه ويأكل الطعام ولا يتقذره ولا يستكرهه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينْزعه، فإن في إحدى جناحيه داءً، والأخرى شفاءً» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله» (¬2).
14.أن يأكل بثلاث أصابع الإبهام والمسبحة والوسطى، وهو أولى من الأكل بالملعقة مراعاة للسُّنة، ولا يأكل بالإبهام والمسبحة.
ولا بأس بأن يستعين بيساره في الأكل وغيره عند الحاجة.
15.أن يَلْعَق أصابعه الثلاث إذا أكل، فلا يمسح يده حتى يلعقها بنفسه بعد الفراغ، فربما يكون البركة فيما لعق به، ثم يمسحها بالمنديل أو يغسلها بالماء ويلحس بلسانه القصعة أيضاً، فإن القصعة تستغفر للاحسها، ثم يغسلها بالماء، ويشرب ذلك الماء، ولا يعاف ولا يكره ما أسأره.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل أحدكم، فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البُخاري 3: 1206.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 392.
(¬3) رواه مسلم والترمذي. كما في ترغيب المنذري 3: 146.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها، أو يلعقها» (¬1).
16.أن يكرم الخبز بأقصى ما يُمكن، فإنه يعمل في كل لقمة يأكلها الإنسان، ومن إكرام الخبز أن يلتقط الكسرة من الأرض وإن قلَّت، فيأكلها تعظيماً لنعمة الله.
ويكسر الخبز باليدين لا باليد الواحدة، ولا يكسر الصحيح من الرُّغفان ما دام يجد مكسوراً من الرغيف احترازاً عن السرف.
17.أن لا يضع القصعة على الخبز ولا غيرها كالمملحة إلا ما يؤكل به من الإدام؛ لأنَّ ذلك فيه إهانة للخبز، فإنَّه من بركات السماء والأرض، ومن إكرامه أن لا ينتظر على الإدام إذا حضر (¬2).
فعن أنس - رضي الله عنه - قال: «ما علمت النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل على سكرجة قط، ولا خبز له مرقق قط، ولا أكل على خوان قط، قيل: لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر» (¬3)، والسكرجة: هي قصاع يوضع فيها المشهيات: كالسلطة ونحوها، والسفر: جمع سفرة: وهي جلد مستدير حوله حلق من حديد يضم به ويعلق، وكان يوضع فيه زاد المسافر الذي هو السفرة في الأصل، ويمكن أن يطلق على كل ما يوضع على الأرض ويوضع عليه الطعام.
¬
(¬1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة. كما في ترغيب المنذري3: 148.
(¬2) ينظر: هدية الصعلوك ص257
(¬3) في صحيح البخاري 5: 2059.
18.أن لا يأكل وجهه خاصّة؛ لأنَّه من الإسراف؛ ولأنَّ فيه نوع تجبر، إلا أن يكون غيره يأكل ما تركه، فلا بأس به، كما إذا اختار رغيفاً دون رغيف (¬1).
19.أن يكون بصره إلى ما يأكل بين يديه، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ويُصغر اللقمة ويمضعها مضغاً بالغاً، فلا يمدّ يده إلى لقمة أخرى، فإن ذلك عجلة.
20.أن لا يفتح فاه فتحاً بالغاً، ولا يمس شيئاً من جسده، ولا من ثيابه؛ لاحتمال أن يكره غيره من أصحابه، فإذا سعل أو عطس حول وجهه عن الطعام، ولا ينظر إلى لقمة أصحابه، ولا يقطع الخبز بالسكين، ولا يمسح يده بالخبز إلا إذا أكله، ولا ينفخ الطعام الحار نفحاً، ولا يشم الطعام مطلقاً.
والحاصل أنه ينبغي ان لا يفعل ما يستقذره غيره، فلا ينفض يده في القصعة، ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه، وإذا أخرج شيئاً من فيه مثل النواة والعظم صرف وجهه عن الطعام، وأخذه بيساره، ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل، ولا الحل في الدسومة، واللقمة التي قطعها بسنه لا يغمس بقيتها في المرقة والخل، ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات، ولا يسكت، بل يتحدث بحكايات الصالحين.
¬
(¬1) ينظر: نفع المفتي والسائل ص372، والدرر المباحة ص15.
21.أن لا يكره من الطعام شيئاً إلا ما يضره من محترق أو متكرج أو متروح، ولا يطرح من الطعام شيئاً، ولا يُضيعه، وتضييعه أن يأكل كثيراً منه حتى يثقل بدنه ويتّخم ويفتره عن العبادة ويخبث طبعه ويقسو قلبه.
ومن إفساد الطعام أن يعمل بعد الشبع في معاصي الله، ومن إكرام الطعام أن ينوي بأكله امتثال أمر الله تعالى، وينوي به إصلاح بدنه وبنيته التي هي مطيته، فمن كان من عزمه ذلك، فإنه يأكل مقدار الشبع، بل ما دونه، ولا يغفل عن ذكر الله وحمده وشكره فيه.
فعن أبي برزة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم، وفروجكم، ومضلات الهوى» (¬1).
وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث به إلى اليمن قال له: إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» (¬2).
22.أن لا يدعو أحداً إلى الطعام حتى يسلم عليه ذلك الأحد، يعني أنه لا يلزم عليه الدعوة إليه قبل السلام، وأما بعده فالظاهر أنه يلزم عليه ذلك بحسب العادة؛ لكون سلامه بمنزلة السؤال، فينبغي أن لا يجلس على طعامه إلا بأمرهـ فيجلس حيث أمره صاحب الطعام؛ لأنه أعرف بعورة بيته من غيره، ولكن يجتنب الدخول على قوم في وقت أكلهم.
¬
(¬1) رواه أحمد والطبراني والبزار، وبعض أسانيدهم رجاله ثقات. كما في ترغيب المنذري3: 141.
(¬2) رواه أحمد والبيهقي، ورواة أحمد ثقات. كما في ترغيب المنذري3: 142.
23.أن يقوم عن الطعام بالخوف، يخاف أن يؤاخذه الله تعالى بجائعي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل من أي شيء.
ويخاف أن يكون ما أكله عدته في المعصية أو يكون سبباً وآلة له فيها، ويخاف طول السؤال والحساب عليه في القيامة، ويتدبر ويتفكر أن عاقبة أمره المستراح، فيتمنى الخلاص منه وبعده بلاء على نفسه.
24.أن لا يأكل كل ما يشتهيه دفعة واحدة؛ لأنه من السَّرَف، وما كان لغير الله تعالى، فهو سرف وإن قلّ.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت» (¬1).
25.أن لا يأكل شيئاً من الأطعمة بشهوة نفسه، فيحرِّم الحكمة على نفسه إن أكله بشهوة نفسه لا يقصد القيام على طاعة ربه، فلا بُدّ وأن يأكله إلى الشبع، بل إلى ما فوقه، فيُحرم الحكمة: أي يجعلها حراماً على نفسه؛ لما قالوا: إنه لا يسكن الحكمة معدة ملئت طعاماً.
ومهما كان أجوع فليكن أدبه في الأكل أحسن، فيكون على التأني والوقار لا على الحرص والعجلة (¬2).
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كلوا، واشربوا، وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة» (¬3).
¬
(¬1) رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع، والبيهقي، وقد صحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا، وحسنه غيره. كما في ترغيب المنذري3: 141.
(¬2) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص289ـ 301.
(¬3) رواه النسائي وابن ماجة، ورواته ثقات يحتج بهم في الصحيح. كما في الترغيب 3: 142.
26.أن لا يتنعم بأنواع الفاكهة وإن كان التنعُّمُ بأَنواع الفاكهةِ مباحٌ؛ لقوله - جل جلاله -: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57]، ولكن ترك هذا التنعم أفضل؛ لئلا ينقص في الآخرة من درجاته؛ لأنَّه متى أذهب طيباته في حياته واستمتع بها نقص من درجاته في الآخرة، فيدخل تحت قوله - جل جلاله -: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الاحقاف: 20] (¬1).
27.أن لا يجمعُ بين أَنواع الأَطعمة؛ لأنَّه إسرافٌ؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين} [الأنعام: 141]، إلا أن يكون من قصده أن يدعو الأضياف قوماً بعد قوم حتى يأتوا على آخره؛ لأنَّه فيه فائدة (¬2).
فلا يستكثر من الطعام والشراب، فإنه اسراف وتنعم وموت للقلب بالقساوة؛ لأن والشبع أصل كل داء، والجوع أصل كلّ دواء، فإن الأمراض سببها العادي كثرة الأكل وحصول فضلة الاخلاط في المعدة والعروق، ثم المرض يمنع من العبادات، ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر، وينغض العيش ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب، وكل ذلك يحتاج الى مؤن وتعبات لا يخلو الإنسان فيها بعد التعب عن أنواع من المعاصي، واقتحام الشبهات، وفي الجوع ما يدفع عن ذلك كله.
والدرجة الدنيا في قلّة الأكل والشرب أن يجعل ثلث بطنه للطعام، وثلثه للشراب، وثلثه للنفس، فعن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما
¬
(¬1) ينظر: منحة السلوك 3: 257.
(¬2) ينظر: الفتاوى الهندية 5: 336.
ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، حسب الآدمي، لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس» (¬1).
والدرجة المتوسطة أن يأكل ويشرب في نصف بطنه.
والدرجة العليا أن يكون أكله كأكل المريض، ونومه نوم الغريق في الماء.
ويجتنب الأكل على الشبع، فإنه مكروه.
فعن جعدة - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً عظيم البطن، فقال بأصبعه: لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك» (¬2).
28.أن لا يقطع اللحم بالسكين، ولكن ينهسه نهساً بالأسنان، فإنه أهنأ وامرأ (¬3).
فعن صفوان بن أمية - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «انهسوا اللحم نهساً، فإنه أهنأ وأمرأ» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: سنن ابن ماجة2: 1111.
(¬2) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد جيد، والحاكم والبيهقي. كما في ترغيب المنذري3: 138.
(¬3) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص289ـ 301.
(¬4) رواه أبو داود والترمذي، واللفظ له والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. كما في ترغيب المنذري3: 132.
ثانياً: الآداب حالة الأكل:
1.أن يبدأ ببسم الله في أوله وبالحمد لله في أخره، ولو قال: مع كلِّ لقمة بسم الله، فهو حسنٌ حتى لا يشغله الشَّره عن ذكر الله تعالى، ويجهر به ليذكر غيره (¬1).
فعن معاذ بن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل طعاماً، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه» (¬2).
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها» (¬3).
فإن نسي البسملة، فليقل: باسم الله أوله وآخره، يرفع صوته بالبسلمة؛ ليلقن غيره، ولا يرفع صوته بالحمد إلا أن يكونوا فرغوا من الأكل، والحمد يكون كيفما كان.
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليقل حين يذكر بسم الله في أوله وآخره، فإنه يستقبل طعامه جديداً ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 5.
(¬2) رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، وقال: حسن غريب. كما في الترغيب3: 148.
(¬3) رواه مسلم والنسائي والترمذي وحسنه. كما في ترغيب المنذري3: 148.
(¬4) في صحيح ابن حبان 12: 12، والمستدرك 4: 121، وجامع الترمذي 4: 288.
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء» (¬1).
وعن عائشة رضي الله عنها: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل طعامه في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي، فأكله بلقمتين، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أما إنه لو سمى كفاكم» (¬2).
وعن أمية بن مخشي - رضي الله عنه -: «وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً كان يأكل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر، فلم يسم الله حتى كان في آخر طعامه فقال: بسم الله أوله وآخره، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مازال الشيطان يأكل، معه حتى سمى، فما بقي في بطنه شيء إلا قاءه» (¬3).
وهو اعتراف من العبد بأن هذا الطعام إنما رزقه الله تعالى بفضله، ولم يكن المرء ليحصل عليه إلا برزق منه، ومتى فعل ذلك صار الأكل كله طاعةً وعبادةً، وأَصبح سبباً لإحكام العلاقة بالله - جل جلاله - (¬4).
2.أن يُصغر اللُّقمة، ويُجوِّد مضغها وما لم يبتلعها لم يمدّ اليد إلى الأخرى، فإن ذلك عجلة في الأكل.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1598، وصحيح ابن حبان 3: 100، ومسند أبي عوانة 5: 162.
(¬2) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه. كما في ترغيب المنذري3: 124.
(¬3) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. كما في ترغيب المنذري3: 124.
(¬4) تكملة فتح الملهم 4: 3، وغيره.
3.أن لا يذمّ مأكولاً، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «كان - صلى الله عليه وسلم - لا يَعيب مأكولاً كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه» (¬1).
4.أن يأكل مما يليه إلا الفاكهة، فإن له أن يجيل يده فيها، فعن عمر بن أبي سلمة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل مما يليك» (¬2).
وعن عكراش بن دويب - رضي الله عنه -: «وجالت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطبق، فقال: يا عكراش كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد» (¬3).
5.أن لا يوضع على الخبز قصعةً ولا غيرها إلا ما يأكل به (¬4).
فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أكرموا الخبز وإن كرامة الخبز أن لا ينتظر به، فأكله وأكلنا» (¬5).
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» (¬6).
¬
(¬1) متفق عليه، كما في المغني2: 5.
(¬2) متفق عليه، كما في المغني2: 5.
(¬3) أخرجه الترمذي وابن ماجه، كما في المغني2: 5.
(¬4) ينظر: الإحياء2: 5.
(¬5) في المستدرك3:136، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(¬6) في صحييح مسلم1606.
6. أن لا يأكل وسط الخبز، ويترك حواشيه، أو يأكل ما انتفخ منه ويترك الباقي؛ لأنه من الإسراف، ولأنّ فيه نوع تجبر، إلا أن يكون غيره يأكل ما تركه فلا بأس به، كما إذا اختار رغيفا دون رغيف (¬1).
فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه» (¬2).
7.أن لا ينفخ في الطعام الحارّ؛ بل يصبرَ إلى إن يَسْهُلَ أكله.
8.أن يأكل من التمر وتراً سبعاً أو إحدى عشرة أو إحدى وعشرين أو ما اتفق.
9.أن لا يجمع بين التمر والنوى في طبق، ولا يجمع في كفِّه، بل يضع النواة من فيه على ظهر كفِّه، ثم يُلقيها، وكذا كلُّ ماله عجمٌ وثفلٌ.
10.أن لا يترك ما استرذله من الطَّعام ويطرحه في القصعة، بل يتركه مع الثفل حتى لا يلتبس على غيره فيأكله.
11.أن لا يكثر الشُّرب في أثناء الطَّعام إلا إذا غصَّ بلقمةٍ أو صدق عطشه، فقد قيل: إن ذلك مستحب في الطبّ، وإنه دباغ المعدة (¬3).
¬
(¬1) الفتاوى الهندية 5: 336، ونفع المفتي والسائل ص372، والدرر المباحة ص15.
(¬2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. كما في ترغيب المنذري3: 130.
(¬3) ينظر: الإحياء2: 5.
12.أن لا يأكل من وسط القصعة، وأن يأكل مما يَليه؛ لأنه طعام واحد، بخلاف طبق فيه ألوان وثمان، فإنه يأكل من حيث شاء (¬1).
فعن عمر بن أبي سلمة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» (¬2).
عن عكراش بن ذؤيب - رضي الله عنه -: «أتينا بجفنة كثيرة الثريد والوذر وأقبلنا نأكل منها فخبطت بيدي من نواحيها وأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى، ثم قال: يا عكراش كلّ من موضع واحد، فإنه طعام واحد، ثم أتينا بطبق فيه ألوان الرطب، قال فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطبق، وقال: يا عكراش كلّ من حيث شئت، فإنه غير لون واحد» (¬3).
13.أن يأكل بيمينه إلا من عذر، وهو مستحب (¬4)، ولا بأس بأن يستعين بيساره؛ لأن مواظبته - صلى الله عليه وسلم - لا تفيد السنية إلا إذا كانت على سبيل العبادة، وأما
¬
(¬1) من أراد التوسع في سنن الطعام فليرجع إلى البحر الرائق 8: 208، والدر المباحة ص12 - 15، والفقه الحنفي 5: 315 - 319، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1533، وغيرها.
(¬3) في جامع الترمذي 4: 283، وسنن ابن ماجه 2: 1089، والمعجم الأوسط 6: 180، والمعجم الكبير 18: 82، وغيرها.
(¬4) قال العراقي: الأكل مما يليه والأكل باليمين حمله أكثر أصحابنا على الندب، وبه صرح الغزالي والنووي، ونص الشافعي في الأم على وجوبه، ورجح الحافظ في الفتح 9: 522 الوجوب لما في أحاديث مسلم من الوعيد على الأكل بالشمال. ينظر: عمدة القاري 9: 654، وتكملة فتح الملهم 4: 4، وغيرهما.
إذا كانت على سبيل العادة فتفيد الاستحباب والندب لا السنية كلبس الثوب، ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على التيامن كانت من قبيل الثاني فلا تفيد السنية (¬1).
فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليأكل أحدكم بيمينه، ويشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله» (¬3).
وما روي «أن رجلاً أكل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه» (¬4)، فدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه بأن لا يتمكن أبداً من استخدام اليمين، فلعله لما علم بالوحي أو غيره بأنه كذب في هذا الاعتذار، ولم يحمله على ذلك إلا الكبر، وجزم القاضي عياض - رضي الله عنه - بأنه كان منافقاً (¬5).
¬
(¬1) البحر الرائق 1: 29، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1598، وصحيح ابن حبان 12: 30، وغيرهما.
(¬3) رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. كما في ترغيب المنذري3: 128.
(¬4) في صحيح مسلم 3: 1599، وغيره.
(¬5) ينظر: تكملة فتح الملهم 4: 6، وغيره.
14. أن لا يسكت حالة الأكل؛ لأنه تشبه بالمجوس، ويتكلم بالمعروف، ولا يذكر على الطعام ما يقذر الطبع (¬1).
15. أن لا يترك اللقمة السَّاقطة من اليد بل يرفعها أولاً ويأكلها قبل غيرها؛ لأنه إسراف (¬2).
فعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان» (¬3).
16.أن لا يأكل في الطَّريق؛ لأنه مما يخل بالمروءة، خصوصاً بأصحاب الهيئات.
17.أن لا يأكل في المقابر؛ لما فيه من التهاون باحترام قبور المؤمنين، والإخلال بالعبرة التي إنما تزار القبور لأجلها (¬4).
18.أن لا يعيب الطعام من أجل سوء صنعته، فإن كان المقصود منه تحقير الطعام، أو إكفار النعمة، أو تحقير الصانع فهو مكروه، وأما إذا كان لأجل إصلاح الصانع، وليتنبَّه على ما أخلّ في صنعته، فيجتنب عن الخطأ فيما يستقبل، فالظاهر أنه ليس من العيب الممنوع إذا كان برفق لا يكسر به قلب
¬
(¬1) الدرر المباحة ص15، وغيرها.
(¬2) الفتاوى الهندية 5: 337، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1607، وغيره.
(¬4) الدرر المباحة ص15، وغيرها.
الصانع من غير ضرورة، وكذلك إذا كان إخباراً عن كراهية طبيعية في قلب الطاعم.
أما إن كان عيب الطعام من أجل خلقته فهو مكروه؛ لكونه عيباً لخلق الله - جل جلاله - (¬1).
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً قطّ، كان إذا اشتهى شيئاً أكله، وإن كرهه تركه» (¬2).
19. أن لا تشربُ المرأةُ لسؤر الرجل، ولا يشربُ الرجل لسؤرها؛ لأن الرَّجل يصير مستعملاً لجزء من أجزاء الأجنبية، وهو ريقُها المختلط بالماء، وبالعكس فيما لو شربت سؤره، وهذا فيما عدا الزَّوجة والأقارب.
20.أن يتقدَّمَ الآكل على الطعام، ولا يأمر بتقديم الطعام إليه، فإنه استهانة واستحقار وترفع، ويخلع نعليه عند الطعام (¬3).
21. أن يأكل من أطراف القصعة لا من وسطها، فعن عبد الله بن بسر - رضي الله عنه -: «كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - قصعة يقال لها: الغراء يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا، وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني، وقد أثرد فيها، فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) تكملة فتح الملهم 4: 85، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1632، وصحيح ابن حبان 14: 347، ومسند أبي عوانة 5: 212.
(¬3) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 1: 221، والدرر المباحة ص36، وغيرها.
إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها» (¬1).
22. أن يكثر من أكل الخلّ، فعن جابر - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فدعا به، فجعل يأكل به، ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل، قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، قال طلحة بن نافع: وما زلت أحبّ الخل منذ سمعتها من جابر - رضي الله عنه -» (¬2).
وعن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلت: لا إلا كسرة يابسة وخل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قربيه، فما افتقر بيت من إدام فيه خل» (¬3).
23.أن يكثر من أكل الزيت والادهان منه، فعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كلوا الزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» (¬4).
¬
(¬1) رواه أبو داود وابن ماجة. كما في ترغيب المنذري3: 130.
(¬2) رواه مسلم أبو داود والترمذي وابن ماجة. كما في ترغيب المنذري3: 131.
(¬3) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. كما في ترغيب المنذري3: 131.
(¬4) رواه ابن ماجة والترمذي الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو كما قال. كما في ترغيب المنذري3: 132.
ثالثاً: آداب الشرب:
1.أن يأخذ الكوز بيمينه، ويقول: بسم الله، ويشربُه مصّاً لا عباً.
2.أن يشربَ قائماً من ماءِ زمزم أو من فضل وضوئه، وهو مستحب، وفي غير هذين الموضعين فلا بأس بالشُّرب قائماً، ولو شرب قاعداً فهو أحسن (¬1)، والأحاديث مختلفة في ذلك منها:
وعن أنس - رضي الله عنه -: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب قائماً» (¬2).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب من زمزم من دلو منها، وهو قائم» (¬3).
وعن ن عليّ - رضي الله عنه -: «أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه ورجليه ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال إن ناساً يكرهون الشرب قياماً وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل ما صنعت» (¬4).
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام» (¬5).
¬
(¬1) الدرر المباحة ص35، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1600، وصحيح ابن حبان 12: 140، وجامع الترمذي 4: 30.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1602، وجامع الترمذي 4: 301، وغيرهما.
(¬4) في صحيح البخاري 5: 2130، وغيره.
(¬5) في سنن الترمذي 4: 300 وصححه، وصحيح ابن حبان 12: 141، وغيرهما.
وعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم -: «كانوا يشربون قياماً» (¬1).
وعن عائشة وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم -: «كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأساً» (¬2).
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - وابن الزبير - رضي الله عنه -: «كانا يشربان قياماً» (¬3) (¬4).
وقد اختلف العلماء في الجمع، فقيل: إن النهي ناسخ للفعل، وقيل: بالعكس، وقيل: إن النهي للتنزيه والفعل لبيان الجواز. وقال النووي: إنه الصواب، وجنح الطحاوي إلى أنه لا بأس به، وأن النهي لخوف الضرر لا غير (¬5).
3.أن يراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه، وينظر في الكوز قبل
¬
(¬1) في موطأ مالك 2: 925، وغيره.
(¬2) في موطأ مالك 2: 926، وغيره.
(¬3) في موطأ مالك 2: 926، وغيره.
(¬4) وقد طعن القاضي عياض في أحاديث النهي عن الشرب قائماً، وقال: لم يخرج مالك ولا البخاري أحاديث النهي لعدم صحتها عندهما، وإنما خرجا أحاديث الإباحة، وذكر مسلم من أحاديث النهي ثلاثة كلها معلولة ... كما في شرح الأبي 5: 37، ولكن الحافظ في الفتح 10: 83 رد عليه. وعليه فيحمل النهي على التنزيه فلا يعارض أحاديث الجواز، وهو الذي اختاره أكثر فقهاء المذاهب الأربعة. ينظر تفصيل هذا البحث واختلاف العلماء فيها والمسالك في الجمع بين الأحاديث: تكملة فتح الملهم 4: 9 - 14، وغيره.
(¬5) ينظر: رد المحتار 1: 129 - 130، وتكملة فتح الملهم 4: 10 - 11، وغيرهما.
الشُّرب ولا يتجشأ، بل يُنحيه عن فمه بالحمد، ويردُّه بالتَّسمية (¬1).
4. أن كلَّ ما يُدار على القوم يُدار على يَمْنة (¬2)، لما رُوي «أنها حلبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة .. فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدح فشرب منه حتى إذا نزع القدح من فيه وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي، فقال عمر وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه ثم قال: الأيمن فالأيمن» (¬3).
5. أن يُشرب في ثلاثة أنفاس، ولا يتنفَّس في الكوز (¬4).
فعن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» (¬5).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «نهى أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه» (¬6).
وعن أنس - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس في الإناء ثلاثاً» (¬7): أي يقطع شربه بأن يبين القدح عن فيه، لا أنه يتنفس داخل الإناء؛ لأنه صحت
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 6.
(¬2) الدرر المباحة ص35، وغيره.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 830، وصحيح مسلم 3: 1604، ومسند أبي عوانة 5: 155.
(¬4) الدرر المباحة ص35، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري 5: 2133، واللفظ له، وصحيح مسلم 3: 1602، وغيرهما.
(¬6) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه. كما في ترغيب المنذري3: 128.
(¬7) في صحيح مسلم 3: 1602، والمستدرك 4: 154، وغيرهما.
الأحاديث في النهي عن ذلك ... (¬1).
6.أن يكون الإناء مخمراً، وهو سنة.
7.أن لا يشرب أحد من النهر والحوض كرعاً، وهو التناول من نهر وغيره بفمه بلا واسطة كفٍّ ولا إناء، ولا من فم السقاء، ولا من ثلمة الإناء، فإنه مجمع الوسخ.
8.أن يسمي أوله بالبركة ويدعو الله أن يجعله طهراً وحياة وبركة، ويشكر في المرة الأولى ربه فيما أنعم عليه، وفي المرة الثانية يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم مخافة أن يشركه فيه، وفي المرة الثالثة يسأل أن يجعله الله شفاء له ويحمد الله في آخر كل مرة.
9.أن لا يشرب الماء دفعة واحدة في نفس واحد، فإنه من دأب الدواب بل يشريه مثنى أو ثلاث، فإنه أهنأ وامرأ وأشفي وأروى وأبرأ.
10.أن يتبرك بسؤر أخيه المسلم لا سيما بسؤر الكبار من المشايخ والعلماء والزهاد، وإذا استسقاه قوم بدأ بالشيوخ ثم بالشبان ونحوهم إلا أن يكون الشاب اعلم، فيقدم على الشيخ الجاهل في الأكل والشرب والمشي والجلوس وغير ذلك، أو يكون الشاب هو المتبوع والمقتدى (¬2).
11. أن لا يكسر رأس الإناء للشرب منه، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -:
¬
(¬1) تكملة فتح الملهم 4: 16، وغيره.
(¬2) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص325ـ 330.
«نهى رسول الله صلى عن اختناث الأسقية، يعني أن تكسر أفواهها، فيشرب منها» (¬1).
رابعاً: الآداب بعد الطعام:
1.أن يمسك قبل الشَّبع، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غداً في الآخرة» (¬2).
2.أن يلعق الأصابع قبل غسلها ومسحها، فعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» (¬3).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يَمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها» (¬4).
3.أن يلتقط فتات الطَّعام.
4.أن يتخلل ولا يبتلع كلّ ما يخرج من بين أسنانه بالخلال إلا ما يجمع من أصول أسنانه بلسانه، أما المخرج بالخلال، فيرميه وليتمضمض بعد الخلال.
5.أن يلحس القصعة حتى لا يرمي ما يبقى فيها من بقايا الطعام.
¬
(¬1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. كما في ترغيب المنذري3: 129.
(¬2) رواه الطبراني بإسناد حسن. كما في ترغيب المنذري3: 137.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1607، ومسند أبي عوانة 5: 168، وجامع الترمذي 4: 159.
(¬4) في صحيح مسلم 3: 1605، وصحيح البخاري 5: 2077، وغيرهما.
فعن أم عاصم رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» (¬1).
وعن جابر - رضي الله عنه -: «امر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» (¬2).
6.أن يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه، فيرى الطعام نعمة منه، قال تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ} [البقرة:172]، ومهما أكل حلالاً، قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، اللهم أطعمنا طيباً واستعملنا صالحاً.
7.إن أكل شبهة، فليقل: الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك، ويقرأ بعد الطعام: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص:1]، و {لإِيلاَفِ قُرَيْش} [قريش:1].
8.أن لا يقوم عن المائدة حتى ترفع أوّلاً، فإن أكل طعام الغير، فليدع له وليقل: اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته ويسر له أن يفعل فيه خيراً، وقنعه بما أَعطيته، واجعلنا وإياه من الشاكرين.
فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل أحدكم طعاماً، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً، فليقل: اللهم بارك لنا فيه
¬
(¬1) في سنن الترمذي 4: 259، وسنن ابن ماجه 2: 1089، وسنن الدارمي 2: 131، ومسند أحمد 5: 76، وشعب الإيمان 5: 82، ونوادر الأصول ص384، وغيرها.
(¬2) رواه مسلم. كما في ترغيب المنذري3: 146.
وزدنا منه» (¬1).
وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة.
9.أن يكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء بدموعه وحزنه حرّ النار التي تعرض لها، فعن كعب بن عجرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يربوا لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به» (¬2).
ويستحب عقيبِ شيء، ولا يكفى منه شيء، أطعمت من جوع وآمنت من خوف، فلك الحمد آويت من يتم، وهديت من ضلالة، وأغنيت من عيلة، فلك الحمد حمداً كثيراً دائماً طيباً نافعاً مباركاً فيه، كما أنت أهله ومستحقه، اللهم أطعمتنا طيباً، فاستعملنا صالحاً، واجعله عوناً لنا عن طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك (¬3).
* * *
¬
(¬1) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه، كما في المغني2: 7.
(¬2) أخرجه الترمذي وحسنه، كما في المغني2: 7.
(¬3) ينظر: الإحياء2: 7.
خامساً: أداب الأكل جماعة:
إن تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير، فعن صهيب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم مَن أطعم الطعام» (¬1).
وقال علي - رضي الله عنه -: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أَحبُّ إليّ من أن أعتق رقبة.
وقال ابن عمر - رضي الله عنهم -: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه.
وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق، وكانوا - رضي الله عنهم - يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن ذواق (¬2).
وعن وحشي بن حرب - رضي الله عنه -: «قالوا يا رسول الله: إنا نأكل، ولا نشبع؟ قال: تجتمعون على طعامكم أو تتفرقون؟ قالوا: نتفرق قال: اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه» (¬3).
وإن اجتمع الإخوان على الطعام فعليهم مراعاة آدابه، ومنها:
1.أن لا يبتدئ بالطعام ومعه مَن يستحقّ التَّقديم بكبر سنٍّ أو زيادة فضل إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به، فحينئذٍ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له.
¬
(¬1) أخرجه أحمد والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، كما في المغني2: 9.
(¬2) ينظر: الإحياء2: 9.
(¬3) رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه. كما في ترغيب المنذري3: 133.
2.أن لا يسكتوا على الطعام، فإن ذلك من سيرة العجم، ولكن يتكلمون بالمعروف، ويتحدثون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
3.أن يُرفق برفيقه في القصعة، فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله، فإن ذلك مكروهٌ إن لم يكن موافقاً لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركاً،
بل ينبغي أن يقصد الإيثار، ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم، فإن قَلَّلَ رفيقه نشَّطه ورغَّبه في الأكل، وقال له: كُلْ ولا يَزيد في قوله: كل، على ثلاث مرات، فإن ذلك إلحاح وإفراط.
فعن جابر - رضي الله عنه -: «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع بعد ثلاث» (¬1).
وعن أنس - رضي الله عنه -: «كان يعيد الكلمة ثلاثاً» (¬2).
فأمّا الحلف عليه بالأكل فممنوع، قال الحسن بن علي - رضي الله عنهم -: الطعام أهون من أن يحلف عليه.
4. أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: كل، قال بعض الأدباء: أحسن الآكلين أكلاً مَن لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل، وحمل عن أخيه مؤنة القول.
ولا ينبغي أن يدع شيئاً مما يَشتهيه لأجل نظر الغير إليه، فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد، ولا ينقص من عادته شيئاً في الوحدة، ولكن يُعوِّد نفسَه
¬
(¬1) أخرجه أحمد وإسناده حسن، كما في المغني2: 8.
(¬2) أخرجه البخاري، كما في المغني2: 8.
حسن الأدب في الوحدة، حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع.
ولو قلَّل من أكله إيثاراً لإخوانه، ونظراً لهم عند الحاجة إلى ذلك، فهو حسن، وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فهو مستحب، وكان ابن المبارك يُقدِّم فاخر الرطب إلى إخوانه، ويقول: من أكل أكثر أُعطيته بكل نواةٍ درهماً، وكان يَعُدُّ النوى ويعطي كلَّ مَن له فضل نوى بعدده دراهم، وذلك لدفع الحياء، وزيادة النشاط في الإنبساط.
وقال جعفر بن محمد: أحبُّ إخواني إلي أكثرهم أكلاً، وأعظمهم لقمة، وأثقلهم على من يحوجني إلى تعهده في الأكل.
وكلُّ هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع، قال جعفر: تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله.
5. أن يغسل اليد في الطست، وله أن يتنخم فيه إن أكل وحده، وإن أكل مع غيره فلا ينبغي أن يفعل ذلك، فإذا قدم الطست إليه غيره إكراماً له فليقبله.
وقد اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني - رضي الله عنهم - على طعام فقدم أنس - رضي الله عنه - الطست إليه، فامتنع ثابت، فقال أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها، فإنّما يكرم الله تعالى.
ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة، فهو أقرب إلى التواضع وأبعد عن طول الإنتظار.
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: اجتمعوا على غسل اليد في طست واحد، ولا تستنوا بسنة الأعاجم.
ففي الطست إذا سبعة آداب: أن لا يبزق فيه، وأن يقدم به المتبوع، وأن يقبل الإكرام بالتقديم، وأن يدار يمنة، وأن يجتمع فيه جماعة، وأن يجمع الماء فيه، وأن يكون الخادم قائماً، وأن يمج الماء من فيه ويرسله من يده برفق حتى لا يرش على الفراش وعلى أصحابه، وليصبَّ صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه.
6.أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون، بل يغض بصره عنهم، ويشتغل بنفسه، ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، بل يمدُّ اليد ويقبضها ويتناول قليلاً قليلاً إلى أن يستوفوا، فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء، وقلَّل الأكل حتى إذا توسَّعوا في الطعام أكل معهم أخيراً، فقد فعل ذلك كثير من الصحابة - رضي الله عنهم -، فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعاً للخجلة عنهم.
7.أن لا يفعل ما يستقذره غيره، فلا ينفض يده في القصعة، ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه، وإن أخرج شيئاً من فيه صرف وجهه عن الطَّعام وأخذه بيساره، ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 8.
8.أن يجتهد في تكثير الأيد على الطعام ولو من أهله وولده (¬1)، فعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «طعام الرجل يكفي رجلين وطعام رجلين يكفي أربعة وطعام أربعة يكفي ثمانية» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» (¬3).
9.أن لا يأكل الطعام مع القوم الأشرار ولا يشاركهم، ويأكل مع أهل التقوى وأهل العلم، وكذا يشاركهما، فإنه يورث الحكمة، ولا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر أو يشرب بعدها.
10.أن يأكل بالإيثار لإخوانه من آثرت فلاناً على نفسي: أي اخترته، يعني أنه ينبغي أن يأكل أقل ممن يرافقه ويؤاكله في القصعة، ولا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله، فإن ذلك مكروه إن لم يكن مرافقاً لرضاء رفيقه مهما كان الطعام مشتركاً بينهما، هذا إذا أكل مع الغير، أما إذا أكل وحده، فمعنى الأكل بالإيثار أن يأكل بحيث يفضل شيء من الطعام؛ ليتصدق بما فضل منه على اليتامى والمساكين.
¬
(¬1) ينظر: البيان ص207.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1630، ومسند أبي عوانة 5: 207، ومسند أبي يعلى 4: 192، وغيرها.
(¬3) رواه البخاري ومسلم. كما في ترغيب المنذري3: 133.
11.أن يأذن صاحب الطعام لغيره في الأكل، ولا بأس بأن يجلس هو مع الأضياف، كما في قصة الخليل صلوات الله تعالى عليه، حيث لم يجلس مع أضيافه الملائكة الذين أتوه في صورة الضيف، وأذن لهم في الاكل، قال تعالى: {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُون} [الذاريات:27].
12.أن لا يرفع الآكل يده عن الطعام وإن شبع حتى يرفع القوم أيديهم، وليرهم أنه يأكل؛ لأن ذلك يخجل جليسه.
والحاصل أنه ينبغي أن لا يمسك يده قبل إخوانه إذا كانوا يستحيون من الأكل بعده، بل يمد اليد ويقبضها، ويتناول قليلاً إلى ان يستوفوا، فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلل الأكل حتى إذا توسطوا في الطعام أكل معهم آخراً.
13.أن لا يذكر على المائدة أمراً هائلاً مخوفاً، ولا ما يقذَره ويكرهه الطبع من قذرت الشيء، ومن ذلك ذكر الموت والمرض والنار ونحوها.
14.أن لا ينظر إلى الجانب الذي يؤتى منه الطعام؛ لأنه يوهم الحرص.
15.أن لا يقوم عن الطعام إلى أمر حتى يقضي حاجته من الطعام، فإن من إكرام الطعام وآدابه أن لا يخلل بين الأكل بأمر من الأمور، ولا يقوم عن الطعام، وبه بعض الحاجة وإن اقيمت الصلاة، إلا لمن يخاف فوت الجماعة، أو لم يكن في الوقت سعة.
16.أن لا يمنع طعام لواحد عن الاثنين، فإنه يكفيهما، فعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام
الأربعة يكفي الثمانية» (¬1)، يعني أن معنى كفاية طعام الواحد للاثنين أن شبع الواحد أي مقدار شبعه قوت الاثنين، فإن الإنسان لا يموت من جوع إذا أكل نصف شبعه، والفرض أنه ينبغي أن يقنع بنصف الشبع ويعطي الزائد للمحتاج.
سادساً: آداب الدخول للطعام:
1.أن لا يقصد قوماً متربَّصاً لوقت طعامهم، فيدخل عليهم وقت الأكل، فإن ذلك من المفاجأة وقد نهي عنه قال الله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه}، يعني منتظرين حينه ونضجه.
2.أن لا يأكل ما لم يؤذه له، فحقٌّ الداخل إذا لم يتربص واتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له: كل نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبّة لمساعدته فليساعد، وإن كانوا يقولونه حياء منه، فلا ينبغي أن يأكل، بل ينبغي أن يتعلل.
أمّا إذا كان جائعاً فقصد بعض إخوانه؛ ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به.
3. أن يأكل إن علم رضا صاحب الطعام، فمن دخل ولم يجد صاحب الدار، وكان واثقاً بصداقته عالماً بفرحه إذا أكل من طعامه، فله أن يأكل بغير
¬
(¬1) في صحيح مسلم3: 1630.
إذنه؛ إذ المراد من الإذن الرضا لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة، فرب رجل يصرّح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروهٌ، ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب، وقد قال تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور:61] (¬1).
سابعاً: آداب تقديم الطعام:
1.أن يترك التكلف أولاً وتقديم ما حضر، فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك، فيشوش على نفسه، وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته، ولم تسمح نفسه بالتقديم، فلا ينبغي أن يُقدِّم.
قال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه، فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه.
2.أن لا يقترح الزائر ولا يتحكم بشيء بعينه، فربما يشقّ على المزور إحضاره، فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخيَّر أَيسرهما عليه.
فعن عائشة رضي الله تها: «ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين شيئين إلا اختار أيسرهما» (¬2).
3.أن يشهي المزور أخاه الزائر، ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت نفسه طيبة بفعل ما يقترح، فذلك حسن وفيه أجر وفضل جزيل.
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 10.
(¬2) متفق عليه، كما في المغني2: 12.
4. أن لا يقول له هل أقدم لك طعاماً، بل ينبغي أن يقدم إن كان، قال الثوري: إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك، ولكن قدم فإن أكل وإلا فارفع.
وإن كان يريد أن يطعمهم طعاماً، فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو يصفه لهم، قال الثوري: إذا أردت أن لا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك (¬1).
5.أن لا يتخذ ألوان الأطعمة وأن لا يضع الخبز على المائدة أكثر من الحاجة سرف إلا أن يكون من قصده أن يدعو الأضياف قوماً بعد قوم حتى يأتوا على آخره؛ لأن فيه فائدة (¬2).
* * *
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 12.
(¬2) الفتاوى الهندية 5: 336، وغيرها.
المطلب الثاني: آداب الضيافة:
الضيافةُ من سنن الإسلام، ومظان الآداب فيها ستةٌ: الدعوة أولاً، ثم الإجابة، ثم الحضور، ثم تقديم الطعام، ثم الأكل، ثم الانصراف.
أولاً: آداب الدعوة:
1.أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق، وإطعام التقي إعانة على الطاعة، وإطعام الفاسق تقوية على الفسق؛ لذلك لا يضيف إلا كلِّ مؤمن تقي.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أكل طعامك الأبرار» (¬1).
2. أن يقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء» (¬2).
3.أن لا يهمل أقاربه في ضيافته، فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم، وكذلك يُراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه، فإن في تخصيص البعض إيحاشاً لقلوب الباقين.
4.أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر، بل استمالة قلوب الإخوان والتسنن بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب المؤمنين.
¬
(¬1) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، كما في المغني 2: 16.
(¬2) متفق عليه، كما في المغني 2: 16.
5.أن لا يدعو مَن يعلم أنه يشقُّ عليه الإجابة، وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب.
6.أن لا يدعو إلا مَن يحبُّ إجابته، قال سفيان: من دعا أحداً إلى طعام، وهو يكره الإجابة، فعليه خطيئة، فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان؛
لأنه حمله على الأكل مع كراهة، ولو علم ذلك لما كان يأكله (¬1).
7. أن يرى أن مؤنة الضيف على الله، ولا يدعو أحداً إلى الطعام إلا الله، ويجانب الرياء والمراء والمباهاة.
8.أن لا يدعو من دار واحدة الأب دون الابن والأخ إذا كانا كبيرين، فإن ذلك جفاء.
9.أن يقدم في الدعوة الأفضل علماً والأكبر سناً، ولا يكرم الضيف بما يخالف السنة، ولا بما يشقّ عليه.
10.أن لا يجيب إلى طعام البخيل، ولا إلى طعام صنع رياء وسمعة، ولا إلى مائدة يُدار عليها الخمر أو بعدها، ولا إلى طعام الفاسق، وليكن على باله إجابة الله تعالى بقلبه، فينهض إلى الدعوة لسرور المؤمن لا لشهوة نفسه.
11.أن لا يذهب بأحد الى الضيافة إلا بإذن المضيف.
12.أن يمشي إلى الضيافة هوناً من غير عجلة وشره (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 13.
(¬2) ينظر: شرح شرعة الإسلام ص498ـ 509.
13.أن يصنع طعاماً للعرس؛ لأنه سنة، فعن أنس - رضي الله عنه -: «أنَّ عبد الرحمن بن عوف تزوج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وزن نواة من ذهب، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أولم ولو بشاة» (¬1).
14.أن يصنع طعاماً للولادة والعقيقة والختان وقدوم المسافر والموت لوجه الله تعالى؛ لأنه قربة وإن لم يكن بسنّة.
فطعام العقيقة قربة، وهي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، كانت في الجاهلية ثم فعلها المسلمون في أوّل الإسلام فنسخها ذبح الأضحية فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل.
فعن علي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «محى ذبح الأضاحي كل ذبح كان قبله، وذكر صوم رمضان والزكاة والغسل من الجنابة بمثل ذلك» (¬2).
وعن أبي رافع - رضي الله عنه - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الحسن بن عليّ لَمّا وُلِد أرادت أُمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين، فقال: لا تعقي عنه، ولكن احلقي شعر رأسه، ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله، ثم ولد حسين بعد ذلك فصنعت مثل ذلك» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1042، وصحيح البخاري 5: 1983.
(¬2) في سنن الدارقطني 4: 278، وقال التهانوي في إعلاء السنن 17: 121: حسن.
(¬3) في مسند أحمد 6: 392، والمعجم الكبير 1: 311، 3: 30، وسنن البيهقي الكبير 9: 3041.
وعن إبراهيم النخعي ومحمد بن الحنفية - رضي الله عنهم -: «إنَّ العقيقة كانت في الجاهلية فلما جاء الإسلام رفضت» (¬1).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة، فقال: إنَّ الله لا يحب العقوق، وكأنَّه كره الاسم، قالوا: يا رسول الله، إنَّما نسألك عن أحدنا يولد له، قال: مَن أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة»، وهذا ينفي كون العقيقة سنة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - علق العق بالمشيئة، وهذا أمارة الإباحة (¬2).
ثانياً: آداب الإجابة:
فهي سنة مؤكدة، وقد قيل: بوجوبها في بعض المواضع.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت» (¬3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» (¬4).
وعن أبي عمر - رضي الله عنهم -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه» (¬5).
¬
(¬1) في الآثار 1: 238.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 69، وغيرها.
(¬3) أخرجه البُخاريّ،، كما في المغني2: 17.
(¬4) رواه البخاري ومسلم وأبو داود. كما في ترغيب المنذري3: 145.
(¬5) رواه مسلم وأبو داود. كما في ترغيب المنذري3: 145.
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (¬2).
وللإجابة آداب منها:
1.أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير، فذلك هو التكبر المنهي عنه.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان يجيب دعوة العبد» (¬3).
2.أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة؛ لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافة يُمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك.
3.أن لا يمتنع لكونه صائماً، بل يحضر، فإن كان يسرُّ أخاه إفطاره فليفطر، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أَخيه ما يحتسب في الصوم، وذلك في صوم التطوع وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدقه بالظاهر وليفطر، وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل.
فعن جابر - رضي الله عنه -: «صنع رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً فدعاً النبي
¬
(¬1) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. كما في ترغيب المنذري3: 145.
(¬2) رواه البخاري ومسلم. كما في ترغيب المنذري3: 145.
(¬3) أخرجه الترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم،، كما في المغني2: 17.
- صلى الله عليه وسلم - وأصحاباً له، فلما أتى بالطعام تنحى أحدهم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما لك؟ قال: إني صائم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: تكلف لك أخوك وصنع ثم تقول: إني صائم كل وصم يوما مكانه» (¬1).
4.أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعامُ طعام شبهة أو الموضع أو البساط المفروش من غير حلال، أو كان يُقام في الموضع منكر من إناء فضة أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو استماع الغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب وشبه ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها ويوجب كراهيتها.
وكذلك إذا كان الداعي ظالماً أو مبتدعاً أو فاسقاً أو شريراً أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر.
5.أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن، فيكون عاملاً في أبواب الدنيا، بل يحسن نيَّته ليصير بالإجابة عاملاً للآخرة، وذلك بأن تكون نيَّته الاقتداء بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وينوي إكرام أخيه المؤمن اتباعاً، ينوي إدخال السرور على قلبه امتثالاً، وينوي مع ذلك زيارته؛ ليكون من المتاحبين في الله.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وجبت محبتي للمتزاورين في والمتباذلين» (¬2).
وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه، ويطلق اللسان فيه
¬
(¬1) في سنن الدارقطني3: 140.
(¬2) أخرجه مسلم، كما في المغني2: 18.