دفع الغواية في .......
.... تهذيب بداية الهداية
جارٍ تحميل الكتاب…
دفع الغواية في .......
.... تهذيب بداية الهداية
دفع الغواية
في تهذيب بداية الهداية
لحجة الإسلام الغزاليّ (ت 505 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على فضله ورحمته، وجزيل الشُّكر على مننه ومغفرته، والصلاة والسلام على سيد الخلق، نبينا وحبيبنا ورسولنا محمّد، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وعلى آله وصحبه الكرام، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
لمّا كانت الدَّار الدُّنيا دار امتحان وابتلاء، وقد أعطانا الله فيها الصِّحَّة والوقت والمال والزَّوجة والأولاد والوالدين والأقرباء والعلم وكلُّ ما نعايشه في دنيانا؛ ليبتلين به لا ليكون مقصوداً وغاية لنا؛ لأن كلَّ ما معنا وحولنا هو محل امتحان لنا، هل نخرج عنه لله - عز وجل -، كما أعطانا إيّاه تعالى، فنجعله لله - عز وجل -.
فعلينا أن نصرف مالنا لله تعالى بنية صادقة، فلا يكون تصرُّفنا فيه في غير مرضاته، ونقصد في كلِّ نفقتنا فيه وجهه الكريم.
والصَّحّةُ نبذلها في عبادة الله وطاعته والقيام بأوامره، ونفني كلّ جوارحنا في رضاه سبحانه وتعالى بنية خالصة لله تعالى.
والعلم نتعلّمه ونُعلِّمه وننشره ابتغاءَ مرضاته تعالى.
والوقت يكون كلُّه يُصرف في سبيل الله تعالى، فلا تضيع لحظةٌ في غير عمل وذكر وعبادة وخدمة للإسلام والمسلمين.
والأولاد نربيهم ونتعتني بهم حتى يكون خدماً لشريعة الله تعالى.
وهكذا كلُّ ما في حياتنا، فلا يتعلق قلبنا بغير الله تعالى، وتكون العلاقة الحاكمة بيننا وبين غيرنا هي إرضاء الله - عز وجل -، فلا نسلك طريقة المعصية قصداً أبداً، إلا ما يصدر منا نتيجة الطبيعة البشرية عفوياً.
فهذه الدُّينا التي رَزقنا الله إيّاه بفضل وكرم منه يُريد منا أن نخرج عنها لوجهه سبحانه، ولا نجاح في امتحان الدنيا إن بقيت في قلوبنا.
ولا يُمكن لنا أن نُحقِّق ذلك إلا بمجاهدةٍ كبيرةٍ في زمن طويل، حتى نخرج من الدنيا، وقد حصلنا النية الخالصة لوجهه تعالى في كلِّ شيء، ووصلنا إلى رتبة الإحسان، بأن نعبد الله - عز وجل - كأنّك تراه.
ولا يكون هذا إلا بالاهتمام منا بأنفسنا وتربيتها، فتكون مقصودنا الأوّل، فلا ننشغل بجمع مال أو علم أو جاه أو ولد أو غيرها من متاع الدنيا، وننسى هذه الوظيفة الأساسية لوجودنا، فمَن لم يصرف جلّ وقته لتهذيب نفسه لم يفهم الدُّينا، وكان غافلاً وضائعاً.
ومقدار سعادتنا في الدنيا قبل الآخرة ليس بمتاعها وجاهها ومالها، ولكن بقدر تهذيبنا لها؛ لأن فيه الراحة والطمأنية والقناعة والرّضا، ولا يُمكن تحصيل هذه الصفات العظيمة بغير اشتغال بتربية النفس.
فهذه المعاني اللطيفة في تحقيق الكمال البشري المقصودة لها مراحلة عديدة، لا بُدّ لنا من السِّير فيها لتحقيق رسالتنا وغايتنا وسعادتنا الكبرى، وقد اعتني بها علم خاصّ اشتهر باسم التَّصوف، وبرز فيه أعلامٌ كبارٌ كان لهم شأنٌ كبيرٌ في التَّنبيه على معانية وتقعيدِ قواعده للسَّالكين في طريق الله - عز وجل -، وكان من أبرزهم حجّة الإسلام، الإمام الغزاليّ المشهور، فله كتب عديدة في هذا الفنّ، أبرزها كتاب «إحياء علوم الدين»، وهو من أجمع الكتب في هذا العلم.
وقد وضع هذا الإمام كتاباً لمن يُريد أن يسلك طريقه تهذيب نفسه، يُساعده في بدايته أمره، سماه: «بداية الهداية»، نبّه فيه على كثيرٍ المعاني التي يجب علينا أن نعتني بها في حياتنا.
ولما كان الجانب الفقهيّ فيه مسطوراً على مذهب الشافعية، واحتاج أتباع المذهب الحنفي للاستفادة من علم هذا الإمام رأيتُ أن أقوم بتحويل ما وَرَدَ فيه من فقهٍ؛ ليكون على مذهب السَّادة الحنفية رضوان الله عليهم.
وكذلك عالجت ما وَرَدَ فيه روايات من الأحاديث؛ لأنّ بعضَها كان موضوعاً أو بغير الألفاظ الواردة في كتب السُّنة الشَّريفة، فاستبدلتها بما يوافق كتب الحديث، وحذفت ما لا يصحّ نسبته للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وحذفت وغيرت نزراً يسير مما لا يتناسب مع عصرنا وزماننا، وحرصت على إبقاء عبارة الإمام الغزالي كما هي للاستفادة من نورها وخيرها مع ترتيب وتهذيب.
وسميت هذا العمل:
«دفع الغواية في تهذيب بداية الهداية»
وجعلت قبله ثلاث مقدمات:
الأولى: في الذكر.
والثانية: في الخشوع.
والثالثة: في آثار الصلاة والعبادة على حياة المسلم، واختصرت المقدمتين الأخيرتين من بحثي «أثر الصَّلاة في حياة المسلم».
سائلاً من الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، كما تقبل أصله، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا القبول والإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح، عمان، الأردن بتاريخ 6 ـ 2 ـ 2020 م
المقدمة الأولى
في الذكر
أولاً: حث الشريعة على الإكثار من الذكر:
يُعَدّ الذِّكر وكثرة العبادة العامل الرَّئيس في تغيير سلوك الإنسان والوصول به إلى كماله البشري، وتخليصه من الصِّفات الذَّميمة واستبدالها بصفات حميدة، وهو المحرِّرُ له من عبودية نفسه ودنياه وماله وشهواته، فمَن أراد الارتقاء بنفسِهِ وتحقيق الرَّاحة النَّفسية والطَّمأنينية في حياته، فعليه الإكثار من الذِّكر والعبادة والتقرب لله، ولا تحصى النُّصوص القرآنية والنَّبوية التي حثت على فضل الذِّكر ومكانته، وإليك بعضها:
قال - عز وجل -: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون} [البقرة: 152].
وقال - عز وجل -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41].
وقال - عز وجل -: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران:191].
وقال - عز وجل -: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]
وقال - عز وجل -: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين} [الأعراف: 205].
وقال - عز وجل -: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار} [آل عمران:41].
وعن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك؟ قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدّ لك عبادةً، وأشدّ لك تمجيداً وتحميداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 86.
أنهم رأوها كانوا أشدّ عليها حرصاً، وأشدّ لها طلباً، وأعظم فيها رغبةً، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فراراً، وأشدّ لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» (¬1).
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى. قال: ذكر الله تعالى»، قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرَّب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (¬3).
وعن عبد الله بن بُسْر - رضي الله عنه - «أن رجلا قال: يا رسول الله إن شرائع
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 86.
(¬2) في الموطأ2: 295، وسنن الترمذي5: 459.
(¬3) في صحيح البخاري9: 121.
الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قَعَدَ مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرّةٌ ـ أي حسرة وندامة ـ، ومَن اضطجع مضجعاً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرّةٌ» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرةً» (¬3).
ثانياً: المحافظة على الورد القرآني اليومي:
لا بُدّ للمسلم من قراءة القرآن في كلِّ يوم، فيحدِّد لها مقداراً يلتزمه، ولا يتركه ثمّ يزيد فيه، حتى يصل إلى قراءة جزء يومياً، فيُحافظ على هذا إلى ما شاء، ويَزيد إن رأى في نفسِهِ قوّة على ذلك، فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأ القرآن في شهر، قلت: إنّي أجد قوَّة حتى قال: فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك» (¬4).
ومعلومٌ أننا جميعاً فقراء الله - عز وجل -، وقراءة القرآن من أكثر الطرق في كسب الثّواب الجزيل، والحسنات الطيبات، التي تعيننا في يوم نلقاه، فعن ابن
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 457، وحسنه.
(¬2) في سنن أبي داود4: 264.
(¬3) في سنن أبي داود4: 264.
(¬4) في صحيح البخاري6: 196.
مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قرأ حرفاً من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف؛ ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (¬1).
فإن كنا نُسَرّ من قراءة كلام بعض البشر، ونسعد به، فكيف بسماع كلام ربّ البشر، فلا خير أعظم من قراءته والإقبال عليه، ولا سرور أكثر من مداومة قراءته وصحبته، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -، قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله - عز وجل - خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (¬2).
وهذا القرآن العظيم هو نصائحُ الله - عز وجل - لعباده في حياتهم ومعادهم، فعلينا الإكثار من الاستماع لها؛ لأن فيها طمأنينتنا وراحتنا، فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرءوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزَّهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنّهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 175، وقال: حسن صحيح غريب.
(¬2) في صحيح مسلم1: 552.
أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ـ أي السحرة ـ» (¬1).
ثالثاً: استحباب تحديد أعداد وأوقات معيّنة للذّكر:
أجمعت الأمّة على استحباب تحديد أوراد خاصّة بأعداد معيّنة في أزمان محددة، وهذا ما شهد به القرآن في فضيلة الذكر في زمن بعينه، قال تعالى: وقال تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 41].
والسُّنة طافحت بذلك، وبتقدير أعداد في الذِّكر، ومن ذلك:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشَّيطان، يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (¬3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب، في اليوم إليه مائة مرة» (¬4).
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 553.
(¬2) في الموطأ2: 293، وصحيح البخاري4: 126.
(¬3) في سنن الترمذي5: 383.
(¬4) في صحيح مسلم4: 2075.
وعن الأغر المزني - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» (¬1).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «إن كنا لنعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم» (¬2).
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنه -،: قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قال: سبحان الله مائة مرّة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها كان أفضل من مائة بدنة، ومن قال: الحمد لله مائة مرّة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها كان أفضل من مائة فرس يحمل عليها، ومَن قال: الله أكبر مائة مرّة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، كان أفضل من عتق مائة رقبة، ومَن قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، لم يجئ يوم القيامة أحد بعمل أفضل من عمله إلا من قال قوله أو زاد» (¬3).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قال: حين يُصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة، بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود2: 84.
(¬2) في سنن أبي داود2: 85.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى9: 302.
(¬4) في صحيح مسلم4: 2071.
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قرأ كلَّ يوم مائتي مَرَّة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين»، وفي لفظ: «من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الربُّ: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة» (¬1).
وعن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: أتيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله، دلني على عمل، فإني قد كبرت وضعفت وبدنت، فقال: «كبري الله مائة مرة، واحمدي الله مائة مرة، وسبحي الله مائة مرة خير من مائة فرس ملجم مسرج في سبيل الله، وخير من مائة بدنة، وخير من مائة رقبة» (¬2).
فكلُّ هذه الأحاديث وغيرها ناطقةٌ بالأعداد والأوقات للذكر، فكانت مستنداً للفقهاء على استحباب التَّقدير والتَّحديد ترغيباً للذَّاكرين، وتيسيراً على السَّالكين لرضى رَبِّ العالمين.
قال الدكتور معاذ حوا في «التَّزكيّة على منهاج النُّبوَّة»: «أفضل ما يجعله المسلم لنفسه وِرْداً؛ هو ما جعله الشرع له وِرْداً، أي ما أمره به بعدد معين وفي وقت معين، كفرائض الصلاة التي حددت بوقت معين وحد معين، وسننها الرواتب، وكالأذكار التي حددت بعد الصلاة أو في الصباح والمساء، ونحو ذلك.
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 168، وقال: غريب.
(¬2) في سنن ابن ماجة2: 1252.
فإذا أراد المسلم أن يكون أكثر ذكراً، فيمكنه أن يكثر من الذكر بلا عدد ولا تحديد وقت، وذلك جائز ومشروع، لكنه يستحسن ويندب ويُسَنُّ أن يُلزِم المسلمُ نفسَه بأوراد يحرص عليها ويداوم عليها ويكررها في كل يوم وفي وقت معين، من الأذكار المشروعة المسنونة التي أَمَرَنا بها الشرع ولم يحدد لنا عدداً فيها ولا وقتاً لها.
وتحديدنا هذا لأنفسنا لا نَعتبر معه هذا العدد وهذا الوقت سنة، وإنما هو سنة بشكل عام من جهة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا أن «أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل» (¬1)، والحديث لا يتكلم عن الأعمال والعبادات التي فرضها الله أو سنها النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت معين بعدد معين، فذلك مطلوب بذاته، ولا مجال لأن يزيد أو يقل، وإنما يتكلم الحديث عن العبادات المشروعة التي لم تحدد بوِرْدٍ معين، فيحب الله أن نداوم عليها، ولا تكون المداومة إلا بالثبات عليها بحد معين في وقت معين.
ومن الأدلة على مشروعية تحديد المسلم لنفسه وِرْداً مُعَيَّناً: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كتب له كأنما قرأه من الليل» (¬2)، فقوله: «حزبه»؛ يدلُّ على أن كلَّ واحدٍ يجعل لنفسه حظّاً معيّناً فيكون وِرْدَه وحِزبه الذي يُداوم عليه،
¬
(¬1) في صحيح البخاري ر5523، وصحيح مسلم ر783، عن عائشة رضي الله عنها، وفي حديث مسلم قال: «وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته».
(¬2) في صحيح مسلم ر747، وسنن الترمذي ر581 عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
بل ويقضيه إن فاته.
وهذه الأدلة تدلُّ على أن اتخاذ ورد وتحديد عدد معيّن أو وقت معيّن ليس من البدعة، وإنما تكون البدعة إذا اعتقد المسلم أن العدد المحدَّدَ الذي عيَّنه لنفسه والوقت المحدد الذي عينه لنفسه سنة معيّنة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعندئذ يعتبر مبتدعاً، لأنه أضاف إلى الدِّين ما لم يُعينه الدِّين.
وحينما يحدد ذلك لنفسه ويلزم نفسه به لا يجوز أن يجعله أهم من الواجبات والسنن المحددة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحينما يُداومُ عليه يداومُ عليه من باب طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي يأمر بالمداومة، لا على سبيل إيجاب ما لم يجب في شرع الله، وينبغي أن يجعل ما يحدده لنفسه لا يتنافى مع السنن والواجبات، ولا يغيرها، ولا يحل محلها، ومِن غَير أن نعتقد أن ما حددناه لأنفسنا سنةً لازمةً أو واجباً.
وإذا ألزم الإنسان نفسه بشيء من هذا النوع على هذا الوجه، فإنّه يكون أحرص عليه وأثبت وأدوم فيجد محبّة الله لفعله ويجد البركة والثَّواب والعون، فإنّ النَّفس إذا تركت على هواها تهرَّبت من الطَّاعات، أمَّا إذا ألزمها الإنسان بها لم يعد يجد للخواطر النَّفسية المثبطة وللشيطان وساوس تدعوه إلى ترك هذه الطَّاعات».
* * *
المقدمة الثانية
في الخشوع
الخشوع لغةً:
من خَشَع يَخْشَعُ خُشوعاً، واخْتَشَع وتَخَشَّعَ: رَمَى بِبَصَرِهِ نحو الأَرض وغَضَّه وخفَضَ صَوْتَهُ، واخْتشعَ إِذا طأْطأَ صَدْرَه وتواضَعَ، وقيل: الخُشوع قَرِيبٌ من الخُضوع إِلا أنّ الخُضوع في البَدَن، والخُشوعَ في البدَن والصوْت والبَصَرِ: كقوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُم} القلم: 43 (¬1)، والخشوعُ: السُّكون والتَّذلُّل (¬2).
واصطلاحاً: كثُرت العبارات في بيان أوصافه، ومنها:
قال ابن رجب: «وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكسارُه، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنَّها تابعة له، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « ... ألاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا
¬
(¬1) ينظر: اللسان 8: 71.
(¬2) ينظر: القاموس 1: 713.
صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (¬1).
والخشوع: خمودُ نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصدور، وإشراق نور التعظيم في القلب، واستحضار عظمة الله وهيبته وجلاله.
قال الجنيد: الخشوع: تذلُّل القلوب لعلام الغيوب.
والقلبُ أمير البدن، فإذا خَشَعَ القلب، خشع السَّمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ عنها، حتى الكلام.
والخشوع يقظةٌ دائمةٌ لخلَجَات القلب وخفقاته ولفتاته حتى لا يتبلَّد، وحذَرٌ من هواجسه ووساوسه، واحتياط من سهواته وغفلاته ودفعاته، خشية أن يزيغ وتعتريه القسوة (¬2).
ويلاحظ أنَّ الخشوع على صورتين: في الصلاة وخارجها، وما يكون منه في الصلاة طريق لتحقيقه في خارجها، والعكس بالعكس.
ويمكن تعريف خشوع الصلاة: هو سكون القلب لله تعالى وتعلُّقه به دون سواه.
وخشوع خارج الصلاة: خضوع الجوارح لأوامر الله في أقوالها وأفعالها مع الإخلاص والتَّذلُّل له دون سواه.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 20، وصحيح مسلم 3: 1219، وغيرهما.
(¬2) ينظر: الخشوع للقحطاني ص 12، وكيف تخشعين في الصلاة ص 3، والخشوع للصباغ ص 16، وفصل الخطاب ص 8: 420.
وبيان مقتضى كلِّ واحدٍ من التَّعريفين سيكون ملاحظاً في طيَّات البحث، فلا حاجة للوقوف مع كلٍّ منهما.
ومن حقائق حياتية وكونية وشرعية متعلّقة بالخشوع:
الأولى: صعوبةُ الحياة وشدّتها:
وهذا ما قَرّره القرآن الكريم بقوله - جل جلاله -: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَد} البلد: 4: أي لقد خلقنا ابن آدم في شدّةٍ وعناءٍ ونصبٍ كما قال ابن عَبَّاس والحَسَن وقَتادة (¬1)، والواقعُ يُصدِّقُ هذا، فيولد المرءُ في صعوبةٍ وشدّةٍ عظيمةٍ تكاد أن تكون هي الأشدُّ على أمِّه، ويخرج من الدُّنيا بعناءٍ كبيرٍ، حتى اعتبر الله تعالى الموت مصيبة: {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} المائدة: 106، وأَخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته عن شدّة الأمر فقال: «لا إله إلا الله، إنَّ للموت سكرات» (¬2).
الثّانية: البلوى والاختبار:
وهذا تأكيدٌ للحقيقة الأولى وتكملةٌ لها، فلم يكن وجدونا في الدُّنيا إلا للامتحان، فيعرف أهل الجنة من أهل النار؛ قال - جل جلاله -: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} البقرة: 214، وقال - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) تفسير الطبري 24: 433.
(¬2) في صحيح البخاري 6: 13.
«إنَّ العبد إذا سبقت له من اللهِ منزلةٌ، لم يبلغها بعملِه ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده» (¬1).
الثالثة: ضعفُ الإنسان:
وهذا ما يُقرِّره الشارع الحكيم في قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} النساء: 28: أي عاجزاً عن مخالفةِ هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه، حيث لا يصبِرُ عن اتّباع الشَّهواتِ، ولا يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ، وعن الحَسَن البصري: أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ (¬2).
الرَّابعة: عونُ الدَّين للمسلم في الحياة:
وهذا موضوعٌ واسعٌ جداً وليس محلّاً لبحثنا حتى نستوفي جوانبه، وإنَّما يهمنا الإشارة والتذكير به هاهنا فحسب، فالدينُ يصحِّح نظرة الإنسان للحياة، فيبيّن له حقيقتها، وكيفية التَّعامل معها، والهدف منها، ويكشف اللثام عن نفسه، ويُبيِّن له أمراضها وعلاجها، ويُعطيه الإرشادات المناسبة لكلِّ أفعاله وأحواله وحاجياته، حتى كان الحكم الشَّرعي أشبه بنصيحةٍ يُقدِّمها الله تعالى لعبادِه في كافّة مناحي حياتهم بما يحقِّق لهم السَّعادة في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} الملك: 22.
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 183، والمعجم الكبير 22: 318، وغيرها.
(¬2) ينظر: تفسير أبي السعود 2: 169.
الخامسة: سعادة الدنيا بالرضا والقناعة:
إن العقول تحار في حقيقةِ السَّعادة، وهي المعبَّرُ عنها في القرآن بالحياة الطيبة، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} النحل: 97، قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرِّضا والقناعة.
وقال ابن أبي رواد: ليس الشأن في أكل الشَّعير ولبس الصُّوف، ولكن في الرَّضا عن الله تعالى.
وقال ميمون بن مهران: مَن لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء.
وقال رجل لابن كرام: أوصني، فقال: اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك (¬1).
السَّادسُة: النَّفس الأمارة:
مما ينبغي تقريره والتَّذكير به حال نفوس عامّة البشر، التي هي من صنفِ النَّفس الأمارة بالسُّوء، ومَثَّل الغزاليُّ (¬2) لحال المؤمن مع نفسِهِ فقال: «بدنُه كمدينةٍ، وعقلُه كملك مُدبّر لها، وقواه المدركة من الحواس الظَّاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه، وأعضاؤه كرعيته، والنَّفسُ الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب، كعدوّ ينازع في مملكته، ويسعى في إهلاك رعيته،
¬
(¬1) ينظر: فيض القدير 6: 137.
(¬2) في ميزان العمل ص 239.
فصار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوّه وأسره وقهره على ما يجب، حمد أثره إذا عاد إلى حضرته تعالى، وإن ضيّع ثغره وأهل رعيته، ذمّ أثره وانتقم منه عند لقاء الله تعالى ... »، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصَّرعة، إنّما الشَّديد الذي يملك نفسَه عند الغضب» (¬1).
* * *
¬
(¬1) في صحيح البخاري 8: 28، وصحيح مسلم 4: 2014.
المقدمة الثالثة
آثار الصلاة والعباة
على حياة المسلم
1.ترك كافة الفواحش وجميع المنكرات:
وهذا صريحٌ في القرآنِ الكريم: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت: 45، والفحشاء: الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً، والمنكر هو ما يُنكره الشَّرع والعقل (¬1).
فالحاصل أنَّ الصَّلاة والعبادة أفضلُ وسيلةٍ للاستقامة بترك الفواحش والمنكرات لمن يؤدِّها بحقِّها ويُجاهد نفسَه في التزام أوامرها، لا مَن تكون وسيلةً له للرِّياء والنِّفاق في الدُّنيا، فستكون حجةً عليه لا له، وتزيده معصيةً ووزراً وإثماً وبعداً عن الله بأن جعلها وسيلة للدنيا لا للآخرة، فعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: تفسير النسفي 2: 678.
(¬2) في المعجم الكبير 11: 150، ومسند الشهاب 1: 305.
2.الإعانة على تحمَّل أعباء الحياة:
سبق تقرير أنَّ مبنى الحياة على الشِّدَّةِ والصُّعوبة والابتلاءِ والامتحان، ومبنى حال الإنسان على الضَّعف، فلا بُدَّ له من معين على عبء الدُّنيا، وإلاّ لهلك وسقط وفشل في حياته، ومن عظيم نعم الله علينا أن أمدنا بهذه الصَّلاة العظيمة المعينة على الحياة، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة} البقرة: 45.
وقال القشيريُّ (¬1): «الصَّبرُ فطم النَّفس عن المألوفات، والصَّلاة التَّعرُّض لحصول المواصلات، فالصُّبرُ يشير إلى هجران الغير، والصَّلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلاّ على مَن تجلّى الحقّ لسرّه».
3.الرَّاحة النَّفسية وعدم ضيق الصَّدر:
مبنى هذه الرَّاحة على الفكر والقلب، فمَن كانت نظرته صحيحة للحياة نال هذه الراحة، ومَن أخطأ في فهمه لها عاش حياةً ضنكاً، والصلاة هي رأسُ المناجاة والذِّكر وحسن الفهم للدنيا؛ لما تشتمل عليه من تربية ومعاني لا تدرك في غيرها، فمَن حرم الصلاة والخشوع فيها لم يكن من حَزِرَ الحياة الدُّنيا وفهمها، ولا أحرزَ الصِّفات الأصيلة التي يسعد بها الإنسان في حياته.
¬
(¬1) في تفسيره 1: 87.
قال القشيري: (¬1): «مَن أعرض عن استدامة ذكره سبحانه بالقلب توالت عليه من تفرقةِ القلب ما يسلب عنه كلّ روح، ومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشَّيطان، وهواجس النّفس بما يوجب له وحشة الضَّمير، وانسداد أبواب الرَّاحة والبسط».
قال تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} طه: 124، ومعنى ذلك: أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله، وعلى قسمته، فصاحبه يُنفق ما رزقِه بسماح وسهولةٍ، فيعيش عيشاً رافعًاً كما قال تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة} النحل: 97، والمعرضُ عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلطٌ عليه الشحُّ الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشُه ضنكٌ وحالٌه مظلمةٌ، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلاّ أظلم عليه وقته وتشوَّش عليه رزقه (¬2).
4.وضوحُ الطَّريق ومعرفةُ الهدف من الحياة:
تؤثر الصَّلاة والعبادة في بيانِ غايةِ الإنسانِ من الحياةِ، وهو رضاءُ الله والعيشُ له وحده، وتوضح له الطَّريق الذي يُسلك في تحقيقِها، بأن يلتزمَ أوامر الله تعالى ونواهيه ويراعي حدوده، ففي كلِّ صلاةٍ تذكرةٌ لغايته من الحياةِ، وبكلِّ قراءةٍ وخشوعٍ يعرفُ الطَّريق الموصل له، قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى} الملك: 22: أي ما ظهرَ من سوءِ حالِهِم
¬
(¬1) في تفسيره 2: 486.
(¬2) ينظر: تفسير الكشاف 3: 95، وتفسير النسفي 2: 388.
وخرورِهِم في مهاوِي الغرورِ وركوبِهِم متنَ عشواءِ العتوِّ والنفورِ وعدمِ اهتدائِهِم في مسلكِ المُحاجَّةِ إلى جهةٍ يتوهمُ فيها رشدٌ في الجملة، {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} الملك: 22: أي قائماً سالماً من الخبطِ والعثارِ {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الملك: 22: مستوِي الأجزاءِ لا عِوَجَ فيهِ ولا انحرافَ (¬1).
5.تحقيق التَّوكل التّام:
والتوكل: هو تفويضُ المسلم أمره إليه تعالى، طالباً عرفانه وقربه، ورضاءه مُنقاداً لحكمِه من النَّفع والضَّرر والمحنةِ والضر، راضياً بقضائه وشاكراً لنعمائه، وصابراً لبلائه (¬2).
ومعلوم أنَّ الأمورَ كلَّها بيد الله من خير ورزق وعلم ونفع، ونحن مطالبون بالاعتماد عليه، والصَّلاة هي المعينُ الأكبر في تحقيق هذا، بحيث ترتفع بالمرء بعدم قبول إلا الحقّ، وهو أن لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق؛ لأنَّه مَن رضي من الدُّنيا بالدُّنيا فهو ملعونٌ، ومَن رضي من الزُّهد بالثَّناء فهو محجوبٌ، ومَن رضي من الحقِّ بشيء مما دون الحقِّ كائناً ما كان فهو طاغ، فالحذر الحذر عمَّ سوى الحق، قال تعالى: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام: 162، فالسَّالك لا يرغب إلى شيء سوى الله تعالى، ويطهر قلبه عن كلِّ شيء غير الله تعالى، ويزين جميع أركانه
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود 9: 9.
(¬2) ينظر: السراج ص 80.
وجوارحه بحدود الله تعالى بأن يكون صادقاً في طلب الله تعالى (¬1).
ويفيد التَّوكل الثقةُ باللهِ والاعتماد عليه بأن يرزقه ولو بسبب نحو الكسب بلا ثقة واعتماد على نفس الكسب (¬2)، قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} آل عمران: 37، فانظر كيف ربط سبحانه ما بين الرزق وبين التقرب له.
6.تربيةٌ متواصلة للنَّجاح في الحياة:
النجاح في الحياة بالقرب من الرَّحمن، والبُعد عن الشَّيطان، وترك هوى النَّفس ورغباتها، وبمقدار تعلُّقك بربِّك واستحضارُه في لحظاتِ حياتِك تحقِّق نجاحك وفلاحِك في دنياك وأُخراك، وبقدرِ قربك من شيطانك وأوهام نفسك ونزواتها وشهواتها فشلُك وضلالُك وضياعُك وسقوطُك.
قال الخادميُّ (¬3): «الرَّاحةُ هو الخلاص من أماني النفس»: أي هواها ورغباتها.
7.تقوية للمسلم على شيطانه:
للمؤمن عدوان، وهما: الشَّيطان والنَّفس، إن انتصر عليهما سَعِد ونَجَح، وإن انتصرا عليه خاب وخسر، ولا بُدّ له من معينٍ عظيم عليهما، ولا
¬
(¬1) ينظر: السراج ص 65.
(¬2) ينظر: السراج ص 81.
(¬3) في السراج ص 56.
معين له عليهما إلا الله تعالى، وأقوى صلة له بربِّه سبحانه هي الصَّلاة، فهي المناجاةُ مع الله والالتجاء والتوكُّل عليه، قال سهل التستري: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان» (¬1).
قال ابن الجوزي (¬2): «اعلم أنَّ الآدميَّ لما خُلِق رُكِب فيه الهوى والشهوة؛ ليجتلب بذلك مَا ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به مَا يؤذيه، وأُعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخُلِق الشَّيْطَان محرضا لَهُ عَلَى الإسراف فِي اجتلابه واجتنابه، فالواجب عَلَى العاقل أن يأخذ حذره من هَذَا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم عليه السلام».
8.تقويةٌ للمسلم على نفسِهِ:
يجب أن يكون علمُ وعملُ المسلم لإرضاء الله تعالى وتهذيب أخلاقِهِ وكسرِ النَّفسِ الأَمارة (¬3)، قال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم} يوسف: 53: أي: ما عصم ربي؛ لأنَّ النَّفسَ جُبِلَت وطُبِعَت على الميلِ إلى الشَّهواتِ واللَّذاتِ والهوى فيها، والرَّغبةُ والتَّوقي عن المكروهاتِ والشَّدائد؛ ألا ترى أنَّه قال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ
¬
(¬1) ذكره الثعالبي في تفسيره، 3: 64 وعزاه لسهل التستري أيضاً، ومثله الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز، 1: 722.
(¬2) في تلبيس إبليس ص 23.
(¬3) ينظر: أيها الولد ص 24.
مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات: 37 - 41: أثبت للنَّفس الهوى وإيثار الحياة الدُّنيا وشهواتها (¬1).
قال العز بن عبد السلام (¬2): «النُّفُوس مجبولة على طلب مَا يلائمها من شهواتها ولذاتها وَمن أعظم شهواتها التَّعْزِير والتَّوقير وَدفع مَا يؤلمها وجلب مَا يلذ لَهَا».
9.التفكُّر والتَّدبُّر في ملكوتِ السَّموات والأرض بقلوب صافية:
يحيى الإنسان في عوالم من الخيالات والأوهام اكتسبها من لغطِ النَّاس وجهالاتهم وعاداتهم، وبمقدار هدايته من الله تعالى ترتفع عنه هذه الظلمات بنور الله المبين، وتظهر له الأمور على حقيقتها، وتتكشف له أحوال الدنيا، وأقوى سبل هداية الله هو الصلاة بتمامها، قال الغزالي (¬3): «والصَّلاةُ مفتاحُ القلوب فيها تنكشف أَسرار الكلمات، فهذا حقُّ القراءة، وهو حقُّ الأذكار والتَّسبيحات أيضاً».
10.التخلص من الصفات الذميمة:
إنَّ الصَّلاةَ تهيئ المسلم للنَّجاح في الحياة، فتخلصه من الصَّفات القبيحة التي أساسها الكبر، حتى جعل مبنى الكراهات في الصلاة على ترك
¬
(¬1) ينظر: تفسير الماتريدي 6: 254.
(¬2) في مقاصد الرعاية 1: 56.
(¬3) في إحياء علوم الدين 1: 168.
الكبر، قال السرخسي (¬1) والبرهاني (¬2) والكاشغري (¬3): «ويكره للمصلي ما هو من أخلاق الجبابرة»، قال عبد الغني النابلسي (¬4): «أي كل ما كان من أفعال الجبابرة المتكبرين من الناس كرفع الثوب عند السجود؛ لئلا يتترب، ومن ذلك وضع المنديل للسجود عليه؛ لمجرد التكبر من غير عذر، والامتناع من السجود على الأرض بدون حائل»؛ لأنَّ الصلاة مقام التَّواضع والتذلل والخشوع فالتكبر والتجبر ينافيها (¬5)، فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمَن ينازعني عذبته» (¬6).
11.الطمأنية والترويح عن النفس:
الطمأنينة تكون بذكر الله (¬7)، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد: 28، دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات (¬8)، فالمعنى: أَلا بِذكر الله تسكن الْقُلُوب، وطمأنينة الْقلب بِزَوَال الشَّك منه واستقرار الْيَقِين فيه، فإِن قال قائل: أَلَيْسَ الله تعالى قال: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}
¬
(¬1) في المبسوط 1: 34.
(¬2) في المحيط البرهاني 1: 377.
(¬3) في منية المصلي ص 149.
(¬4) في الجوهر الكلي ق 23/أ.
(¬5) ينظر: حلبي صغير ص 102.
(¬6) في صحيح مسلم 4: 2024، ومسند أبي حنيفة ر 4.
(¬7) ينظر: السراج ص 72.
(¬8) ينظر: تفسير أبي السعود 5: 20.
الأنفال: 2، فكيف توجل وتطمئن فِي حالة واحدة؟ والْجَوَاب: أَن الوجل بِذكر الْوَعيد والْعِقَاب، والطمأنينة بِذكر الْوَعْد وَالثَّوَاب، فَكَأَنَّهَا توجل إِذا ذكر عدل الله وَشدَّة حسابه، وتطمئن إِذا ذكر فضل الله وكَرمه.
12.تحصيل الصفات الممدوحة:
فكما أنَّ الصَّلاةَ تُخلص المسلم من الصِّفات الذَّميمة فلا شكّ أنها تكسبه مكارم الأخلاق كالتواضع والصَّبر والإخلاص وغيرها.
ففي الصَّلاةِ أسرارٌ لأجلها كانت عماداً، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركَّوع وبالسُّجود، وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم. وبه أمر سائر الخلق (¬1).
13.القدرة على التركيز وتفريغ القلب:
الصَّلاةُ تعوِّدُ صاحبها على التّركيز الكامل في أفعال الصَّلاة أثناء أدائها، وهو ما يُسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النَّجاح في أيّ عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كلَّ يوم خمس دروس في ترسيخ هذا
¬
(¬1) ينظر: موعظة المؤمنين ص 250.
السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
ومفاتيح التدبر ... تركيز القلب: أي منع الهواجيس في الصلاة كلها ... (¬1)، قال الغزاليُّ (¬2): «ومَن عَرَفَ سِرَّ الصَّلاة عَلِمَ أَنَّ الْغَفْلَةَ تضادها، وحاصل الكلام أنَّ حضور القلب هو روحُ الصَّلاة، وأنَّ أقلّ ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التَّكبير، فالنُّقصان منه هلاكٌ وبقدر الزِّيادة عليه تنبسط الرُّوح في أجزاء الصلاة».
14.تنظيم الوقت والحياة:
الصلاة تنظم الأوقات للمسلم وتعرِّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل، وهذا سبيل النَّاجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته وترتيب حياته وجعل لكلِّ وقت عملاً كان أنجح في حياته، قال الخادمي (¬3): «العمر جوهر لا يعادله قيمة، بل كل نفس من أنفاسه لا يناله الإنسان بخزائن الملوك ... ولكل نفس وظيفة فهو رأس مال المؤمن لاكتساب سعادة الآخرة».
15.التربية على الصبر:
الصلاة وسيلة فعَّالة في تحقيق الصبر، والصبر يمنع من فعل ما لا يحسن
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص 50 - 52.
(¬2) في الإحياء 1: 161.
(¬3) في السراج ص 63.
ولا يجمل، وهو قوّةٌ من قوى النَّفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها. وقال ابن جبير: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه». وقال الجنيد: وقد سئل عن الصبر: «هو تجرع المرارة من غير تعبس» (¬1).
16.تصلح دين المسلم وحياته:
كلّما صدق الإنسان مع الله تعالى في صلاته كان ذلك سبباً في إصلاح باقي عباداته، ومحفزاً عليها من صدقة وصيام وعمرة وحجّ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أوّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (¬2).
قال الحسن البصري: «يا ابن آدم أي شيء يعجز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك» (¬3).
17. إخلاص العبودية لله:
الإخلاص: هو أن يكون أعمال لله تعالى لا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا يتأسى بمذامهم (¬4).
¬
(¬1) ينظر: غذاء الألباب 2: 523.
(¬2) في سنن الترمذي 2: 269، وحسنه، وسنن أبي داود 1: 290.
(¬3) في شعب الإيمان 3: 153.
(¬4) ينظر: السراج ص 81.
والعبودية: محافظةُ أمر الشرع، والرضاء بالقضاء، ومخالفة النفس (¬1).
وإخلاص العبودية لله وحده، هذا هو أساس مقاصد الصلاة وقاعدتها ومنه تتفرع بقية المقاصد (¬2).
وخشوع الصلاة هو كمال الإخلاص؛ لأنَّه «جعل القلب لله تعالى وعدم الانشغال بغيره ونسيانه» (¬3)، فعن عثمان بن أبي دهرش قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله من عبدٍ عملاً حتى يشهد بقلبه مع بدنة» (¬4).
18. الزُّهد بالدنيا:
حقيقة الدُّنيا حبُّ البقاء لطاعة الهوى وموافقة الهوى في حبّ العرض لأجل البقاء، فدخل أحد هذين في الآخر؛ لأنّ حُبّ البقاء لأجل المتعة، هو من الهوى الذي هو صفةُ النَّفس الأمّارة بالسوء وطاعة الهوى الذي هو
¬
(¬1) ينظر: أيها الولد ص 80.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص 16.
(¬3) ينظر: السراج ص 27.
(¬4) فعن أبي بن كعب - رضي الله عنه - وعن رجل من آل الحكم بن أبي العاص: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس، فقرأ سورة فأغفل منها آية فسألهم هل تركت شيئاً؟ فسكتوا فقال: ما بال أقوام يقرأ عليهم كتاب الله لا يدرون ما قرئ عليهم فيه، ولا ما ترك، هكذا كانت بنو إسرائيل، خرجت خشية الله من قلوبهم، فغابت قلوبهم، وشهدت أبدانهم ألا وإن الله عز وجل لا يقبل من أحد عملا حتى يشهد بقلبه ما شهد ببدنه» في تعظيم قدر الصلاة ص 199، والفردوس بمأثور الخطاب للديلمي 4:114، وجامع الأصول لابن الأثير 5: 648، وجامع الأحاديث للسيوطي 32: 304، وينظر: كنز العمال 8: 295.
عيش النَّفس إنما يكون لحبّ البقاء؛ لأنَّ العبد لو أيقن بالموت ساعته لآثر الحقّ على الهوى، ولو أيس من البقاء لما رغب في العرض الأدنى، فصار حبّ البقاء من الهوى، وصار إيثار الهوى إنَّما هو لحبّ البقاء، فكان ذلك حقيقة الدنيا.
وكان أقصرُ النَّاس أملاً للبقاء أزهدُهم في الدُّنيا حتى لا يدّخر شيئاً لغد؛ لأنّه عنده غير باق إلى غدٍ وصار أرغب النَّاس في الدُّنيا أطولُهم أملاً؛ لأنّ رغبتَه اشتدَّت فيها، وحرصَه كثر عليها للامتداد أمله للحياة فيها؛ إذ لو قصر أمله لغدٍ لاختار الفقر حينئذٍ، واختيار الفقر هو الزهد (¬1)، وتمام الكلام في هذه الآثار في بحثي «أثر الصلاة على حياة المسلم»، فليراجع.
* * *
¬
(¬1) ينظر: قوت القلوب 1: 412.
دفع الغواية
في تهذيب بداية الهداية
لحجة الإسلام الغزاليّ
توفي سنة (505 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده، والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه، محّمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده.
أمّا بعد:
فاعلم أيُّها الحريصُ المقبل على اقتباس العلم، المظهُر من نفسه صدق الرَّغبة، وفرط التَّعطش إليه، أنّك إن كنت تقصد بالعلم المنافسة، والمباهاة، والتَّقدُّم على الأقران، واستمالة وجوه النَّاس إليك، وجمع حطام الدُّنيا، فأنت ساع في هدم دينك، وإهلاك نفسك، وبيع آخرتك بدنياك، فصفقتُك خاسرةٌ، وتجارتُك بائرةٌ، ومعلمُك معينٌ لك على عصيانك، وشريكٌ لك في خسرانك، وهو كبائع سيف لقاطع طريق، ومَن أعان على معصية ولو بشطر كلمةٍ كان شريكاً فيها.
وإن كانت نيَّتك وقصدك، بينك وبين الله تعالى، من طلب العلم: الهداية دون مجرد الرِّواية؛ فأبشر؛ فإن الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت، وحيتان البحر تستغفر لك إذا سعيت، ولكن ينبغي لك أن تعلم قبل كلِّ شيء، أنّ الهداية التي هي ثمرةُ العلم لها بدايةٌ ونهايةٌ، وظاهرٌ وباطنٌ، ولا
وصول إلى نهايتها إلا بعد إحكام بدايتها، ولا عثور على باطنها إلا بعد الوقوف على ظاهرها.
وهأنا مشير عليك ببداية الهداية؛ لتجرب بها نفسك، وتمتحن بها قلبك، فإن صادفت قلبك إليها مائلاً، ونفسك بها مطاوعة، ولها قابلة، فدونك التَّطلع إلى النَّهايات، والتَّغلغل في بحار العلوم.
وإن صادفت قلبك عند مواجهتك إيّاها بها مسوِّفاً، وبالعمل بمقتضاها مماطلاً، فاعلم أن نفسك المائلة إلى طلب العلم هي النَّفس الأمارةُ بالسُّوء، وقد انتهضت مطيعةً للشَّيطان اللعين ليدليك بحبل غروره؛ فيستدرجك بمكيدته إلى غمرة الهلاك، وقصدُه أن يُروِّج عليك الشَّرّ في معرض الخير حتى يلحقك: {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} [الكهف:104].
وعند ذلك يتلو عليك الشَّيطان فضل العلم ودرجة العلماء، وما ورد فيه من الأخبار والآثار.
ويلهيك عن ما رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أشدّ النَّاس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه اللهُ بعلمه» (¬1)، وعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهمّ إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن
¬
(¬1) في المعجم الصغير 1: 305، وشعب الإيمان 3: 273، وضعفه المنذري كما في التيسير شرح الجامع الصغير 1: 156.
دعوةٍ لا يُستجاب لها» (¬1).
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «رأيتُ ليلة أُسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، فقال: الخطباء من أُمتك، يأمرون النَّاس بالبرّ وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» (¬2).
قال الحَسَنُ البصريُّ - رضي الله عنه -: «مَن أحبَّ الدُّنيا وسرَّته خرج خوف الآخرة من قلبه، ومَن ازداد علماً، ثمّ ازداد على الدُّنيا حرصاً لم يزدد من الله إلا بُعداً، ولم يَزدد من اللهِ إلا بغضاً» (¬3).
فإيّاك يا مسكين أن تذعن لتزويره، فيدليك بحبل غروره، فويل للجاهل حيث لم يتعلّم مرّة واحدة، وويل للعالم حيث لم يعمل بما عمل ألف مرّة.
واعلم أنّ النَّاس في طلب العلم على ثلاثة أحوال:
1. رجل طلب العلم ليتخذه زاده إلى المعاد، ولم يقصد به إلا وجه الله والدار الآخرة؛ فهذا من الفائزين.
2.ورجلٌ طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، ويَنال به العزّ والجاه والمال، وهو عالم بذلك، مستشعرٌ في قلب ركاكة حاله، وخسّة مقصده، فهذا
¬
(¬1) في صحيح مسلم 4: 2088.
(¬2) في صحيح ابن حبان 1: 259.
(¬3) في الزهد لابن أبي الدنيا ص 156.
من المخاطرين، فإن عاجله أجله قبل التَّوبة خيف عليه من سوء الخاتمة، وبقي أمره في خطر المشيئة، وإن وُفِّق للتَّوبة قبل حلول الأجل، وأضاف إلى العلم العمل، وتدارك ما فَرَط منه من الخلل التحق بالفائزين، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائب من الذَّنب، كمَن لا ذنب له» (¬1).
3.ورجلٌ ثالثٌ استحوذ عليه الشَّيطان؛ فاتخذ علمه ذريعةً إلى التَّكاثر بالمال، والتَّفاخر بالجاه، والتَّعزُّز بكثرة الأتباع، يدخل بعلمه كلّ مدخل رجاء أن يقضي من الدُّنيا وطرَه، وهو مع ذلك يُضمر في نفسه أنّه عند الله بمكانة، لاتسامه بسمة العلماء، وترسمه برسومهم في الزّي والمنطق، مع تكالبه على الدُّنيا ظاهراً وباطناً، فهذا من الهالكين، ومن الحمقى المغرورين؛ إذ الرَّجاء منقطع عن توبته؛ لظنِّه أنّه من المحسنين، وهو غافلٌ عن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون} [الصف:2]، وهو ممن روي فيهم عن ثوبان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أخاف على أُمّتي الأئمة المضلين» (¬2).
وهذا لأنّ الدَّجال غايته الإضلال، ومثل هذا العالم وإن صرف النَّاس عن الدُّنيا بلسانه ومقاله، فهو دافعٌ لهم إليها بأعماله وأحواله، ولسان الحال أفصح من لسان المقال، وطباع النَّاس إلى المساعي في الأعمال أميل منها إلى المتابعة في الأقوال، فما أفسده هذا المغرور بأعماله أكثر مما أصلحه بأقواله؛ إذ لا يستجرئ الجاهل على الرَّغبة في الدُّنيا إلا باستجراء العلماء، فقد صار
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 2: 1419، والمعجم الكبير 10: 150، ومسند الشهاب 1: 97.
(¬2) في سنن أبي داود 4: 97، وسنن الترمذي 4: 504، وصححه.
علمه سبباً لجرأة عباد الله على معاصيه، ونفسه الجاهلة مذلّة مع ذلك تمنيه وترجيه، وتدعوه إلى أن يمنّ على الله بعلمه، وتخيل إليه نفسه أنّه خير من كثير من عباد الله.
فكن أيها الطَّالب من الفريق الأَوَّل، واحذر أن تكون من الفريق الثَّاني، فكم من مسوف عاجله الأجل قبل التَّوبة فخسر، وإياك ثم إياك أن تكون من الفريق الثَّالث، فتهلك هلاكاً لا يُرجى معه فلاحك، ولا ينتظر صلاحك.
فإن قلت: فما بداية الهداية لأجرب بها نفسي، فاعلم أن بدايتها ظاهرةُ التَّقوى، ونهايتها باطنةُ التَّقوى، فلا عاقبة إلا بالتَّقوى، ولا هداية إلا للمتقين.
والتَّقوى: عبارةٌ عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، فهما قسمان، وهأنا أشير عليك بجمل مختصرة من ظاهر علم التَّقوى في القسمين جميعا، وألحق قسماً ثالثاً؛ ليصير هذا الكتاب جامعاً مغنياً، والله المستعان.
• • •
القسم الأوَّل
في الطاعات
توطئة:
اعلم أنّ أوامر الله تعالى فرائض ونوافل، فالفرضُ رأس المال، وهو أصل التِّجارة، وبه تحصل النَّجاة، والنَّفل هو الرِّبح، وبه الفوز بالدَّرجات، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قال: مَن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يَزال عبدي يتقرُّب إليَّ بالنَّوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يَسمع به، وبَصرَه الذي يُبصر به، ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يَكره الموت وأنا أكره مساءته» (¬1): أي إساءته بفعل ما يكره.
ولن تصل أيّها الطَّالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك
¬
(¬1) في صحيح البخاري 8: 105.
وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك، حين تصبح إلى حين تمسي.
فاعلم أن الله تعالى مطلع على ضميرك، ومشرف على ظاهرك وباطنك، ومحيط بجميع لحظاتك، وخطراتك، وخطواتك، وسائر سكناتك وحركاتك، وأنك في مخالطتك وخلواتك متردد بين يديه، فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن، ولا يتحرك متحرّك، إلا وجبار السموات والأرض مطلع عليه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصُّدور، ويعلم السِّرّ وأخفى.
فتأدب أيها المسكين ظاهراً وباطناً بين يدي الله تعالى تأدب العبد الذَّليل المذنب في حضرة الملك الجبار القهار، واجتهد ألا يراك مولاك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
ولن تقدر على ذلك إلا بأن توزع أوقاتك، وترتب أورادك من صباحك إلى مسائك، فاصغ إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى عليك من حين تستيقظ من منامك إلى وقت رجوعك إلى مضجعك.
• • •
آداب الاستيقاظ من النوم
فإذا استيقظت من النَّوم، فاجتهد أن تستيقظ قبل طلوع الفجر، وليكن أول ما يجري على قلبك ولسانك ذكر الله تعالى؛ فقل عند ذلك:
الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، أصبحنا وأصبح الملك لله، والعظمة والسلطان لله، والعزة والقدرة لله رب العالمين، أصبحنا على فطرة الاسلام، وعلى كلمة الاخلاص، وعلى دين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ملّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين؛ اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور، اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في هذا اليوم إلى كل خير، ونعوذ بك أن نجترح فيه سوءاً أو نجره إلى مسلم، أو يجره أحد إلينا؛ نسألك خير هذا اليوم، وخير ما فيه، ونعوذ بك من شرّ هذا اليوم، وشرّ ما فيه.
• • •
آداب اللباس
فإذا لبست ثيابك فانو به امتثال أمر الله تعالى في ستر عورتك، واحذر أن يكون قصدك من لباسك مراءاة الخلق فتخسر.
فعن معاذ بن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لبس ثوباً: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوّة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (¬1).
• • •
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 42، والمستدرك1: 687، وصححه.
آداب دخول الخلاء
فإذا قصدت بيت الماء لقضاء الحاجة، فقدم في الدُّخول رجلك اليُسرى، وفي الخروج رجلك اليُمنى، لا حافي القدمين.
ويُكره الدخول للخلاء ومعه شيءٌ مكتوبٌ فيه اسم الله أو قرآن، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء نزع خاتمه» (¬1).
وقُل عند الدخول: باسم الله، أعوذ بالله الشيطان الرجيم، فعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «سِتْرُ ما بين أَعين الجنِّ وعورات بني آدم إذا دَخَلَ أحدُكم الخلاءَ أَن يقولَ: بسم الله» (¬2)، وعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الحشوشَ مُحتضرة، فإذا أَتى أحدُكم الخلاءَ فليقل: أَعوذ بالله من الخُبُث والخبائث» (¬3).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 4: 229، وسنن النسائي الكبرى 5: 456، والمجتبى 8: 178، ومحل الكراهة إن لم يكن مستوراً، فإن كان في جيبه، فإنَّه حينئذٍ لا بأس به، وفي القُهُستاني عن المنية: الأفضل أن لا يدخل الخلاء وفي كمه مصحف إلاّ إذا اضطر، ونرجو أن لا يأثم بلا اضطرار، اهـ، وأقرَّه الحمويُّ، وفي الحلبيّ: الخاتم المكتوب فيه شيء من ذلك إذا جعل فصّه إلى باطن كفِّه، قيل: لا يكره، والتحرز أولى، اهـ، كما في الطحطاويّ 1: 89.
(¬2) في سنن الترمذي 2: 505، وسنن ابن ماجة 1: 109، ومسند البزار 2: 144.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 49، وسنن النسائي الكبرى 6: 24، وسنن ابن ماجة 1: 108، وصحيح ابن حبان 4: 252.
وعند الخروج: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى في ما ينفعني، فعن عائشة رضي الله عنها: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك» (¬1)، وعن أنس - رضي الله عنه -، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء، قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (¬2) وعن عائشة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ نوحاً - عليه السلام - لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى منفعته في جسدي، وأخرج عنِّي أذاه» (¬3)، وعن إبراهيم التيمي: «إنَّ نوحاً النَّبيّ - عليه السلام - كان إذا خَرَجَ من الغائط قال: الحمدُ لله الذي أَذْهَب عنِّي الأذى وعافاني» (¬4).
وينبغي أن تستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة، وأن تستعمل ما يُجفف محلّ الاستنجاء، وأن تستبرئ من البول بالتَّنحنح وغيره.
وإن كنت في الخلاء، فابتعد عن عيون النَّاظرين واستتر بشيءٍ إن وجدته، ولا تكشف عورتك قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس.
ويكره تنزيهاً استقبال عين الشَّمس والقمر؛ لأنها آيتان عظيمتان (¬5).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 55، وسنن ابن ماجة 1: 110، وصحيح ابن حبان 4: 291، وقال الأرنوؤط: إسناده حسن، وصحيح ابن خزيمة 1: 48، والمستدرك 1: 261، وسنن البيهقي الكبير 1: 97، والأدب المفرد 1: 240
(¬2) قال الكناني في مصباح الزجاجة 1: 44: هذا حديث ضعيف.
(¬3) في شعب الإيمان 4: 113، والفردوس 4: 290.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 12.
(¬5) ينظر: تفصيله في منة الفتاح والطحطاوي 1: 87، ورد المحتار 1: 342.
ويُكره تحريماً استقبال القبلة واستدبارها؛ فعن أبي أيوب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول، ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا» (¬1).
ويكره في متحدث الناس، أو تحت الشجرة المثمرة؛ لإتلافِ الثمر، أو الأرض الصلبة، أو مهب الريح؛ لئلا يرتدّ إليه، أو في الجحر؛ لأذية ما فيه، فعن عبد الله بن سرجس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولن أحدكم في جحر» (¬2).
ويكره تحريماً في الطريق أو الظل الذي يُجلس فيه؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلَّى في طريق الناس، أو في ظلهم» (¬3).
ويكره تحريماً في الماء، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» (¬4).
ويكره تنزيهاً البول قائماً احترازاً من الرشاش، فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - سباطة قوم فبال قائماً، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 244.
(¬2) وتمامه: قيل لقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال: إنَّها مساكن الجن، في سنن أبي داود 1: 55، وسنن النسائي الكبرى 1: 70، والمجتبى 1: 33.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 53، والسنن الصغرى 1: 48، واللاعنان هما اللذان سبب اللعن والشتم غالباً، فكأنَّهما لاعنان، كما في الطحطاوي 1: 88
(¬4) في صحيح البخاري 1: 94، وصحيح مسلم 1: 235.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 90، واختلف في توجيهه: فقيل: إنَّما بال قائماً إذ كان به وجع الصلب، وقيل: معناه قائماً على باطن الركبة، وقيل: تعليماً للجواز، كما في البناية 1: 116.
واستنجِ باليد اليسرى، فعن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه» (¬1).
وقُلْ عند الفراغ من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من النِّفاق، وحصن فرجي من الفواحش.
واغسل يدك بعد تمام الاستنجاء بما ينظفها ويزيل رائحتها.
• • •
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 69، وصحيح مسلم 1: 225.
آداب الوضوء
فإذا فرغت من الاستنجاء، فلا تترك السِّواك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلّ وضوء» (¬1)، فإنّه مطهرةٌ للفم، ومرضاةٌ للرَّبّ، ومسخطةٌ للشَّيطان، فعن عائشة رضي الله عنها: «السِّواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (¬2)، وصلاةٌ بسواكٍ أفضل من سبعين صلاة بلا سواكٍ، فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفاً» (¬3).
وقُل: بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام (¬4)، فعن أبي
¬
(¬1) في صحيح البُخاري 2: 682.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 682 معلّقاً، وسنن النَّسائي الكبرى 1: 64، والمجتبى 1: 10، وصحيح ابن حبان 3: 349.
(¬3) في مسند أحمد 6: 273، وشعب الإيمان 3: 26، وقال المنذري في الترغيب 1: 102: «رواه أحمد والبَزّار وأبو يعلى وابن خزيمة في صحيحه، وقال في القلب من هذا الخبر شيء، فإنّي أخاف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمعه من ابن شهاب، ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم كذا قال، ومحمد بن إسحاق إنَّما أخرج له مسلم في المتابعات».
(¬4) قاله الطحاوي، وهو المنقول عن السلف، وقيل: إنَّه مرفوع إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، كما في العناية 1: 21،
وقيل: الأفضل: بسم الله الرحمن الرحيم بعد التعوذ، وفي المجتبى يجمع بينهما، اهـ، وفي شرح الهداية للعيني المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (باسم الله والحمد لله) رواه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة بإسناد حسن اهـ، كما في رد المحتار 1: 109.
هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمَن لا وضوء له، ولا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1).
ثمّ اغسل يديك ثلاثاً، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنّه لا يدري أين باتت يده» (¬2).
وقل: اللَّهمَّ إنّي أسألك اليمن والبَركة، وأعوذ بك من الشُّؤم والهلكة.
ثمّ يسن أن تنوي رفع الحدث واستباحة الصَّلاة، فعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنِّيات، ولكلِّ امرئ ما نوى» (¬3).
ثمّ تمضمض ثلاثاً بثلاث غرفات، فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً» (¬4).
¬
(¬1) في المستدرك 1: 246، وصححه، وسنن الترمذي 1: 38.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 1: 74، وصحيح ابن حبان 3: 345، والمعجم الأوسط 1: 290، ومسند الحميدي2: 422، ومسند الطيالسي 1: 317.
(¬3) في صحيح البُخاري 1: 3، وصحيح ابن حبان 2: 113، وغيرهما.
(¬4) في المعجم الكبير 19: 180، قال التهانوي في إعلاء السنن1: 56: «صحح صاحب السعاية
أحاديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وأثبت احتجاج الأئمة بحديثه عن أبيه، ويؤيده سكوت أبي داود ثم المنذري عنه، وتحسين ابن الصلاح له، قال العيني: سكت عنه أبو داود، وهو دليل رضاه بالصحة».
وبالغ في المضمضة إلا أن تكون صائماً فترفق، فعن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (¬1).
وقُلْ: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذِّكر لك، وثبتني بالقول الثَّابت في الحياة الدُّنيا وفي الآخرة.
ثمّ استنشق ثلاثاً بثلاث غرفات، واستنثر ما في الأنف من رطوبة؛ لامتهانها.
وقُلْ في الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة وأنت عني راض.
وفي الاستنثار: اللهم إني أعوذ بك من روائح النَّار وسوء الدَّار.
ثمّ اغسل وجهك ثلاثاً، وحدُّه طولاً: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وحَدُّه عَرضاً: ما بين شحمتا الأُذُنين، والبياضُ الذي بين العِذار والأُذُن، فيُفْتَرضُ غسلُه، ولا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشَّارب والحاجب واللحية، فيغسل ظاهر اللحية الكثة التي ترى بشرتها، ويغسل بشرة اللحية الخفية، ويُسَنّ تخليل اللحية.
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 722، وسنن الترمذي 3: 155، وسنن النسائي الكبرى 1: 84، وغيرها.
وقُلْ عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسوّد وجهي بكلماتك يوم تُسوِّد وجوه أعدائك.
ثمّ اغسل ثلاثاً يدك اليمنى، ثم اليُسرى مع المرفقين وزيادة، فإنّ الحلية في الجنة تبلغ مواضع الوضوء، فعن نعيم بن عبد الله، أنّه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى السَّاقين، ثم قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» (¬1).
وقُلْ عند غسل اليد اليُمنى: أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حسابا يسيراً.
وعند غسل الشمال: اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري.
ثمّ امسح ربع رأسك فرضاً وكلّها سُنّة، بأن تبل أيداك وتلصق رؤوس أصابع يدك اليمنى باليسرى، وتضعهما على مقدّمة الرَّأس، وتمررهما إلى القفا، ثمّ ترددهما إلى المقدمة.
وقُلْ: اللهم غشني برحمتك، وأنزل على من بركاتك، وأظلني تحت
ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم حرم شعري وبشري على النار.
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 216.
ثم امسح أذنيك ظاهرهما وباطنهما بماء الرأس سنةً، وأدخل مسبحتك في صماخ أذنيك، وأمسح أذنيك ببطن إبهاميك، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ... ثمّ غرف غرفةً، فمَسَحَ برأسه وأُذنيه داخلهما بالسَّبابتين، عدا بإبهاميه إلى ظاهرِ اليُسرى فمسح ظاهرهما وباطنهما» (¬1).
وقُلْ: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أسمعني منادى الجنة في الجنة مع الأبرار.
ثم امسح رقبتك استحباباً، فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال»، وفي رواية: «أول القفا» (¬2)، والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس (¬3).
وقُلْ: اللهم فكّ رقبتي من النّار، وأعوذ بك من السَّلاسل والأغلال.
ثمّ اغسل رجلك اليُمنى، ثمّ اليُسرى مع الكعبين وزيادة، وخلل
بخنصر اليُسرى أصابع رجلك اليُمنى مبتدئاً بخنصرها، حتى تختم بخنصر اليُسرى، وتدخل الأصابع من أسفل.
وقُلْ: اللهم ثبت قدمي على الصِّراط المستقيم مع أقدام عبادك الصالحين.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 3: 367، وصحيح ابن خزيمة 1: 77.
(¬2) في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 30، والمعجم الكبير 19: 18، والسنن الكبير للبيهقي 1: 60، وتاريخ بغداد 6: 169.
(¬3) ينظر: اللسان 5: 3561.
وكذلك تقول عند غسل اليُسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تزول قدمي عن الصِّراط في الَّنار يوم تزل أقدام المنافقين والمشركين.
فإذا فرغت فارفع بصرك إلى السماء، وقُلْ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أنت التَّواب الرَّحيم، اللهم اجعلني من التَّوابين؛ واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني صبوراً شكوراً، واجعلني أذكرك ذكراً كثيراً، وأُسبحك بكرةً وأصيلاً، فعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثّمانية يدخل من أيها شاء» (¬1)، وعن ابنِ عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضّأ وذكرَ اسم الله عليه كان طَهوراً لجسدِه، ومَن توضّأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضائه» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 209، وسنن أبي داود 1: 91، وغيرها.
(¬2) في سنن الدارقطني 1: 74، وسنن البيهقي الكبير 1: 200.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا طهر أحدكم فليذكر اسم الله عليه، فإنَّه يطهر جسده كلَّه، وإن لم يذكر اسم الله عليه، لم يطهر منه إلاّ ما مرّ عليه الماء، فإذا فرغ من طهوره، فليشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله ثم ليصلّ عليّ، فإذا قال ذلك، فتحت له أبواب الجنة) في سنن البيهقي 1: 44، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن البيهقي الكبير 1: 45، وسنن الدارقطني 1: 73.
فمَن قرأ هذه الدَّعوات في وضوئه (¬1) خرجت خطاياه من جميع أعضائه، وختم على وضوئه بخاتم، ورفع له تحت العرش، فلم يزل يُسبح الله تعالى ويُقدسه، ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أنَّ لا إله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كُتب في رقّ، ثمّ طُبِع بطابع فلم يُكسر إلى يوم القيامة» (¬2).
واجتنب في وضوئك: الإسراف في صبّ الماء والتقتير، فعن عبد الله بن عمرو مَرَّ - صلى الله عليه وسلم - بسعد، وهو يتوضأ: «ما هذا السَّرف يا سعد؟ فقال: أفي
¬
(¬1) قال النووي في الأذكار ص117 - 118: «وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الفقهاء: يستحب دعوات جاءت عن السلف، وزادوا ونقصوا فيها .... ثم ذكر شيئاً من هذه الأدعية، ومما يقال:
عند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
عند الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة، ولا ترحني رائحة النار.
عند غسل وجهه: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
عند غسل يده اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً.
عند غسل اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري.
عند مسح رأسه: اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك.
عند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
عند مسح عنقه: اللهم أعتق رقبتي من النار.
عند غسل قدمه اليمنى: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام.
عند غسل رجله اليسرى: اللهم اجعل ذنبي مغفوراً وسعيي مشكوراً وتجارتي لن تبور».
(¬2) في سنن النسائي 6: 25، والمستدرك 1: 752، وصححه، وشعب الإيمان 3: 21.
الوضوء سرف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار» (¬1)، وعن كنانة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ الأمور أوساطها» (¬2).
وضرب الوجه بالماء؛ لمنافاته شرف الوجه، فيلقيه برفق عليه.
والتَّكلُّم بكلام النَّاس؛ لأنَّه يشغلُه عن الأدعية.
والاستعانة بغيره؛ ليقيم العبادة بنفسِه من غيرِ إعانةِ غيره عليها بلا عذر، فعن أبي الجنوب - رضي الله عنه - قال: «رأيتُ عليّاً - رضي الله عنه - يستقي ماءً لوضوئه فبادرته أستقي له، فقال: مه يا أبا الجنوب، فإني رأيت عمر يستقي ماء لوضوئه فبادرته أستقي له فقال: مه يا أبا الحسن، فإنّي رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستقي ماء لوضوئه فبادرته أستقي له فقال: مه يا عمر، فإنّي أكره أن يشركني في طهوري أحد» (¬3).
وهذا على سبيل الأولية والتنزيه؛ لأنّه صحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وأصحابه الاستعانة بالغير في الوضوء (¬4).
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 147، ومسند أحمد 3: 221، وشعب الإيمان 3: 32، وضعفه ابن حجر في التلخيص 1: 144.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 3: 273، وقال: هذا منقطع، وشعب الإيمان 5: 169.
(¬3) في مسند أبي يعلى 1: 200، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 227: رواه أبو يعلى والبزار وأبو الجنوب ضعيف.
(¬4) ففي صحيح البخاري: «إنَّ أسامة - رضي الله عنه - صبّ الماء على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في وضوئه»، وفي شرحه لمغلطاي: قال في الطبري: صحّ عن ابن عباس - رضي الله عنهم - «أنَّه صبّ على يدي عمر - رضي الله عنه - الوضوء»، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهم - المنع عنه، والصحيح خلاف، وثبت أنَّ مجاهداً - رضي الله عنه - كان يسكب الماء على ابن عمر - رضي الله عنهم - فيغسل رجليه. ينظر: حاشية الشلبي 1: 7.
والزِّيادة عن ثلاث مرات، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال: «جاء أعرابيّ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً ثمّ قال: هكذا الوضوء فمَن زاد على هذا فقد أَساء وتَعَدَّى وظَلَم» (¬1).
وفرض الوضوء: غسلُ الوجه واليدين مع المِرفقين، ومسح رُبع الرأس، وغسل الرِّجلين إلى الكعبين مرّةً، وما عداها سنن مؤكدةٌ فضلُها كثيرٌ، وثوابُها جزيٌل، والمتهاونُ بها خاسرٌ، بل هو بأصل فرائضه مخاطرٌ، فإنّ النَّوافل جوابرٌ للفرائض.
• • •
¬
(¬1) في سنن النسائي الكبرى 1: 82، وسنن النسائي 1: 88، ومسند أحمد 2: 180، وقال الأرنؤوط: صحيح وهذا إسناد حسن.
آداب الغُسل
فإذا أصابتك جنابةٌ من احتلام أو وقاع، فيفرض عليك غسل جسدك كاملاً بما فيها الفم والأنف، فعن أبي هريرة وغيره - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر» (¬1)، وعن علي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن ترك موضع شعرة من جسده من جنابة لم يصبها الماء فعل به كذا وكذا من النار» (¬2).
ويُسَنُّ لك النية وغسل يديك أوّلاً ثلاثاً، وأزل ما على عورتك وبدنك من قذر، وتوضّأ كما سبق في وضوئك للصَّلاة مع جميع الدَّعوات، وأَخر غسل قدميك إن كانتا في مجمع الغسالة، فإذا فرغت من الوضوء، فصُبّ الماءَ على رأسِك ثلاثاً، ثمّ على شقك الأيمن ثلاثاً، ثمّ على الأيسر ثلاثاً، وادعك ما أقبل من بدنك وما أدبر ثلاثاً، وخلل شعر رأسك ولحيتك، وأوصل الماء
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 178، واللفظ له، وسنن أبي داود 1: 65، ومجمع الزوائد 1: 272، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ومسند الربيع 1: 16، ومسند ابن راهويه 3: 964، ومسند الشاميين 1: 416، ومسند ابن الجعد 1: 35.
(¬2) في مسند أحمد 1: 101، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 96، وسنن البيهقي الكبير 1: 227، وسنن ابن ماجه 1: 196، والمعجم الصغير2: 179، والأحاديث المختارة 2: 74.
إلى معاطف البدن، ومنابت الشَّعر ما خفّ منه وما كثف.
فعن عائشة رضي الله عنها: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله» (¬1).
• • •
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 99.
آداب التيمم
فإن عجزت عن استعمال الماء؛ لبعده ميلاً، أو لعذر من مرضٍ، أو لمانع من الوصول إليه من سَبُع أو حبس، أو كان الماء الحاضر تحتاج إليه لعطشك أو لعطش رفيقك، أو ملكاً لغيرك ولم يبع إلا بأكثر من ثمن المثل، أو كان بك جراحةٌ أو مرضٌ تخاف منه على نفسك، فاقصد ما كان من جنس الأرض إن كان طاهراً؛ لقوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا} [المائدة: 6].
فاضرب عليه بكفيك؛ لقوله - جل جلاله -: {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]، وانو استباحة فرض الصلاة، وامسح بهما وجهك كلّه مرّةً، ولا تتكلّف إيصال الغُبار إلى منابت الشَّعر خفّ أو كثف.
ثمّ انزع خاتمك، واضرب ضربةً ثانية، وامسح بهما يديك مع مرفقيك، فعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «التيمّمُ ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين» (¬1)، وعن الأسلع - رضي الله عنه - قال: «أراني كيف علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التيمّم فضرب بكفيه الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثمّ
¬
(¬1) في المستدرك 1: 287، وصحّحه، وسنن الدارقطني 1: 180، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 146.
أعادهما إلى الأرض، ثم مسح بهما الأرض، ثمّ دلك إحداهما بالأخرى، ثمّ مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما (¬1).
وصل به ما شئت من الفرائض والنَّوافل؛ فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» (¬2).
• • •
¬
(¬1) في سنن الدارقطني1: 179.
(¬2) في صحيح ابن حبان4: 139، ومصنف ابن أبي شيبة1: 144، ومسند أحمد5: 146.
آداب الخروج إلى المسجد
فإذا فرغت من طهارتك فصل في بيتك ركعتي الصُّبح إن كان الفجر قد طلع، كذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يتوجه إلى المسجد، فعن عائشة رضي الله عنها: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح» (¬1).
ولا تدع الصَّلاة في الجماعة، لا سيما الصُّبح، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (¬2)، فإن كنت تتساهل في مثل هذا لربح، فأي فائدة لك في طلب العلم؟ وإنّما ثمرةُ العلم العمل به.
فإذا سعيت إلى المسجد، فامش على هينةٍ وتؤدةٍ وسكينةٍ، ولا تعجل، وقُل في طريقك: اللهم إني أسألك بحقّ السَّائلين عليك، وبحقّ الرَّاغبين إليك، وبحقّ ممشاي هذا إليك؛ فإنّي لم أخرج أشرًا ولا بطراً، ولا رياءً، ولا
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 501، وصحيح ابن خزيمة 2: 160، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 450، وصحيح البخاري 1: 231، وغيرها.
سمعةً، بل خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تنقذني من النّار، وأن تغفر لي ذنوبي، فإنّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت.
• • •
آداب دخول المسجد
فإذا أردت الدُّخول إلى المسجد، فقَدِّم رجلك اليُمنى، وقُلْ: اللَّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وصحبه وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك.
ومهما رأيت في المسجد مَن يبيع أو يَبتاع، فقل: لا أربح اللهُ تجارتك، وإذا رأيتَ فيه مَن يُنشد ضالةً، فقُلْ: لا رَدّ اللهُ عليك ضالّتك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك» (¬1).
فإذا دخلت المسجد، فادع بالدعاء المأثور، فعن أبي أسيد - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» (¬2).
ويستحبُّ أن تصلي ركعتي التَّحية، فعن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (¬3)، فإن لم تكن صليت في
¬
(¬1) في سنن الترمذي3: 602، وقال: حسن غريب.
(¬2) في صحيح مسلم1: 494.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 495، والسنن الصغرى 1: 492.
بيتك ركعتي الفجر، فيجزئك أداؤهما عن التحية؛ لأنها لتعظيمِه وحرمتِه، وقد حَصَلَ ذلك بما صلاّه، ولا تفوت بالجلوس عندنا، وإن كان الأفضلُ فعلَها قبله.
فإذا فرغت من الرَّكعتين، فانو الاعتكاف، وادع بعد ركعتي الفجر، بالدعاء المأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ من صلاته:
«اللَّهمَّ إنّي أسألك رحمة من عندك، تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها ألفتي وتصلح بها ديني وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، ولتهمني بها رشدي، وتقضي لي بها حاجتي، وتعصمني بها من كل سوء.
اللَّهمَّ إني أسألك إيماناً خالصاً دائماً يُباشر قلبي، ويقيناً صادقاً، حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبته عليَّ، ورضني بما قسمته لي.
اللَّهمَّ إني أسألك إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، وأسألك رحمةً أنال بها شرف كرامتك في الدُّنيا والآخرة.
اللَّهمَّ إني أسألك الفوز عند اللقاء والصَّبر عند القضاء، ومنازل الشُّهداء، وعيش السُّعداء، والنَّصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء.
اللَّهمَّ إنّي أنزل بك حاجتي، وإن ضعف رأيي وقصر عملة، وافتقرت إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السَّعير، ومن دعوة الثّبور، ومن فتنة القبور.
اللَّهمَّ ما قصر عنه رأيي، وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي وأُمنيتي، من خير وعدته أحداً من عبادك أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك، فإنّي أرغب إليك فيه، وأسألك إيّاه يا رب العالمين.
اللّهمَّ اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، حرباً لأعدائك سلماً لأوليائك، نحبُّ بحبك النَّاس، ونُعادي بعداوتك من خالفك من خلقك.
اللَّهمَّ هذا الدُّعاء، وعليك الإجابة، وهذا الجهد، وعليك التكلان، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللَّهمَّ ذا الحبل الشَّديد، والأمر الرَّشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقربين الشُّهود، والرُّكع السُّجود، الموفين لك بالعهود، إنك رحيمٌ ودودٌ، وإنك تفعل ما تريد، سبحان من تعطف بالعزّ وقال به، سبحان مَن لبس المجد وتكظرّم به، سبحان مَن لا ينبغي التَّسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي الجود والكرم، سبحان الذي أحصى كلّ شيء بعمله.
اللَّهمَّ اجعل لي نوراً في قلبي، ونوراً في قبري، ونوراً في سمعي، ونوراً في بصري، ونوراً في شعري، ونوراً في بشري، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي، ونوراً في عظامي، ونوراً من بين يدي، ونوراً من خلفي، ونوراً من يمين، ونوراً عن شمالي، ونوراً من فوقي، ونوراً من تحتي.
اللَّهمَّ زدني نوراً، وأعطني نوراً أعظم نور، واجعل لي نوراً برحمتك يا أرحم الراحمين» (¬1).
فإذا فرغت من الدُّعاء، فلا تشتغل إلى وقت الفرض إلا بفكر وتسبيح أو قراءة قرآن، فإذا سمعت الأذان في أثناء ذلك، فاقطع ما أنت فيه، واشتغل بجوابِ المؤذن، فإذا قال المؤذن: اللهُ أكبر، فقُلْ مثل ذلك، وكذلك في كلّ كلمةٍ إلا في الحيعلتين فقل فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (¬2).
فإذا قال: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم، فقل: صَدَقْتَ وبَرَرَتْ، وأنا على ذلك من الشاهدين.
فإذا سمعت الإقامة فقل مثل ما يقول، إلا في قوله: قد قامت الصَّلاة، فقل: أقامها الله وأدامها ما دامت السَّموات والأرض.
فإذا فرغت من جواب المؤذن، فقل: اللَّهمَّ إنّي أسألك عند حضور صلاتك وأصوات دعاتك، وإدبار ليلك، وإقبال نهارك: أن تؤتي محمداً الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد، يا أرحم الراحمين، فعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قال حين يسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 482، وصحيح ابن خزيمة2: 165، والمعجم الأوسط4: 95، والمعجم الكبير10: 283 بألفاظ متقاربة.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 221.
الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (¬1)، وفي رواية: «إنك لا تخلف الميعاد» (¬2).
فإذا سمعتَ الأذان وأنت في الصَّلاة فتمِّم الصَّلاة، ثمّ تدارك الجواب بعد السَّلام على وجهه.
فإذا أحرم الإمام بالفرض، فلا تشتغل إلا بالاقتداء به، وصل الفرض كما يُتلى عليك في كيفية الصَّلاة وآدابها، فإذا فرغت فقُلْ: اللَّهمَّ صلى على محمَّد وعلى آل محمد وسلم، اللهم أنت السَّلام، ومنك السَّلام، وإليك يعود السلام، فحينا ربّنا بالسَّلام، وأدخلنا الجنة دار السَّلام؛ تباركت يا ذا الجلال والإكرام، سبحان ربي العلى الأعلى الوهاب، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يُحي ويُميت، وهو حيٌّ لا يَموت، بيدِه الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، لا إله إلا الله، أهل النِّعمة والفضل والثَّناء الحسن، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون.
ثمّ ادع بعد ذلك بالجوامع الكوامل، وهو ما علَّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة رضي الله عنها، فقل: «اللهم إني أسألك من الخير كلّه، عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرّ كلّه عاجله وآجله، ما علمت وما لم أعلم، وأسألك الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، وأسألك من الخير الذي سألك عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأعوذ بك من النَّار، وما قرب
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 222، وغيره.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 1: 410، وغيرها.
إليها من قول وعمل، وأعوذ بك مما استعاذ منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشداً» (¬1).
ثمّ ادع بما أوصى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة رضي الله عنها، ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (¬2).
ثمّ قُلْ ما كان يختم به النبي - صلى الله عليه وسلم - مجلسه: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تهون به عليّ مصائب الدُّنيا، وبارك لي في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، اللهم وخذ بثأري ممن ظلمني، وانصرني على من عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي، ولا مبلغ علمي، اللهم ولا تسلط عليّ من لا يرحمني» (¬3).
ثمّ ادع بما بَدَا لك من الدَّعوات المشهورات واحفظها، مما أوردنا في كتاب الدعوات من كتاب «إحياء علوم الدين».
ولتكن أوقاتُك بعد الصَّلاةِ إلى طلوعِ الشَّمس، موزعةً على أربع وظائف:
¬
(¬1) في شرح مشكل الآثار15: 290، والمستدرك1: 702، وصححه.
(¬2) في سنن النسائي الكبرى8: 212، وغيرها بألفاظ متعددة عن أنس غيره - رضي الله عنهم -.
(¬3) في المستدرك1: 709، وصححه عن ابن عمر - رضي الله عنه -.
1.وظيفةٌ في الدَّعوات.
2. ووظيفةٌ في الأذكار والدَّعوات؛ وتكرِّرها في مسبحةٍ.
3.ووظيفةٌ في قراءة القرآن.
4.ووظيفةٌ في التَّفكر، فتفكّر في ذنوبك وخطاياك وتقصيرك في عبادة مولاك، وتعرضك لعقابه الأليم وسخطه العظيم.
وترتب بتدبيرك أورادك في جميع يومك؛ لتتدارك به ما فرطت من تقصيرك، وتحترز من التَّعرُّض لسخط الله تعال الأليم في يومك، وتنوي الخير لجميع المسلمين، وتَعزّ ألا تشغل في جميع نهارك إلا بطاعة الله تعالى، وتقصد في قلبك الطَّاعات التي تقدر عليها وتختار أفضلها، وتتأمّل تهيئة أسبابها؛ لتشتغل بها.
ولا تدع عنك التَّفكر في قرب الأجل، وحلول الموت القاطع للأمل، وخروج الأمر عن الاختيار، وحصول الحسرة والنَّدامة بطول الاغترار.
وليكن من تسابيحك، وأذكارك عشر كلمات:
إحداهنّ: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، يحي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
الثّانيةُ: لا إله إلا الله، الملك الحقّ المبين.
الثَّالثةُ: لا إله إلا الله الواحد القهَّار، رَبِّ السَّموات والأرض، وما بينهما العزيز الغَفَّار.
الرَّابعة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، العليّ العظيم.
الخامسة: سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح.
السَّادسة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
السَّابعة: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا الله هو الحيّ القيوم، وأسأله التَّوبة والمغفرة.
الثَّامنة: اللَّهم لا مانع لما أَعطيت، ولا مُعطي لما مَنَعتْ، ولا رادّ لما قضيتْ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد.
التَّاسعة: اللهم صلى على محمّد، وعلى آل محمد وصحبه وسلَّم.
العاشرة: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، وهو السَّميع العليم.
تُكرِّرُ كلّ واحدةٍ من هذه الكلمات إمّا مائة مرّةٍ أو سبعين مرّةٍ، أو عشرَ مرّات، وهو أقلُّه، ليكون المجموع مائة، ولازم هذه الأوراد، ولا تتكلَّم قبل طلوع الشَّمس، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لأن أقعد أذكر الله وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق رقبتين أو أكثر من ولد إسماعيل، ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس أحبّ إلى من أن
أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل» (¬1)، أعني الاشتغال بالذكر إلى طلوع الشمس من غير أن يتخلله كلام.
وعن العَبَّاس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لأن أَجلس من صلاة الغداة إلى أن تطلع الشَّمس أَحبّ إليَّ من أن أُعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل» (¬2)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الملائكةُ تُصلِّي على أحدكم ما دام في مصلاّه الذي صَلَّى فيه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث» (¬3).
• • •
¬
(¬1) في مسند أحمد 5: 255، وقال الأرنؤوط: حسن لغيره، والمعجم الكبير 8: 260، وغيرها.
(¬2) في مسند البزار4: 118، ومسند أحمد3: 474.
(¬3) في سنن الصغرى 2: 98.
آدابُ ما بعد طلوع الشَّمس إلى الزَّوال
فإذا طلعت الشَّمس وارتفعت قدر رمح، فصلِّ ركعتين، وذلك عند زوال وقت الكراهة للصَّلاة، فإنّها مكروهةٌ من بعد فريضة الصُّبح إلى ارتفاع الشَّمس، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» (¬1)، و عن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه -، قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشَّمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظَّهيرة، حتى تميل الشَّمس، وحين تُضيف الشَّمس للغروب حتى تغرُب» (¬2).
فإذا أضحى النَّهار، ومضى منه قريبٌ من ربعه، صَلِّ صلاةَ الضُّحى أربعاً أو ستّاً أو ثمانية، مثنى مثنى، فقد نقلت هذه الأعداد كلِّها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي الدَّرداء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صلّى الضُّحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومَن صلَّى أربعاً كُتِب من العابدين، ومَن صلَّى ستّاً كفى ذلك
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 567، وصحيح البخاري 1: 400، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 568، والمسند المستخرج 2: 424، وصحيح ابن حبان 3: 348، وسنن الترمذي 3: 348، وسنن أبي داود 3: 208، وغيرها.
اليوم، ومَن صلَّى ثمانياً كَتَبَه اللهُ من القانتين، ومَن صلَّى ثنتى عشرة بنى الله له بيتاً في الجنة» (¬1)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين» (¬2).
والصَّلاةُ خيرٌ كلُّها، فمَن شاء فليستكثر، ومَن شاء فليستقلل، فليس بين طلوع الشَّمس والزوال راتبةٌ من الصلاة إلا هذه، فما فضل منها من أوقاتك فلك فيه أربع حالات:
* الحالة الأولى: وهي الأفضل: أن يصرفَه في طلب العلم النَّافع في الدِّين، دون الفصول الذي أكب النَّاس عليه، وسموه علماً.
والعلم النافع: هو ما يزيد في خوفك من الله تعالى، ويزيد في بصيرتك بعيوب نفسك، ويزيد في معرفتك بعبادة ربك، ويُقلِّل من رغبتك في الدُّنيا، ويَزيد في رغبتك في الآخرة، ويفتح بصيرتك بآفات أعمالك حتى تحترز منها، ويُطلعك على مكائد الشَّيطان وغروره، وكيفية تلبيسه على علماء السُّوء، حتى عرضَهم لمقتِ الله تعالى وسخطِه، حيث أكلوا الدُّنيا بالدّين، واتخذوا العلم ذريعةً ووسيلةً الى أخذ أموال السَّلاطين، وأكل أموال الأوقاف
¬
(¬1) في السنن الصغرى 1: 488، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 237: رواه الطبراني في الكبير وفيه موسى بن يعقوب الزمعي وثقة ابن معين وابن حبان وضعفه ابن المديني وغيره وبقية رجاله ثقات. وقال المنذري في الترغيب والترهيب 1: 266: رواته ثقات.
(¬2) في المستدرك1: 459، وصححه.
واليتامى والمساكين، وصرفوا همتهم طول نهارهم إلى طلب الجاه والمنزلة في قلوب الخلق، واضطرهم ذلك إلى المُراءاة والمُماراة، والمُنافسة والمُباهاة.
وهذا الفَنُّ من العلم النَّافع، قد جمعناه في كتاب «إحياء علوم الدين»، فإن كنت من أهله فحصله، واعمل به، ثمّ علمه وادع إليه، فمن عَلِم ذلك وعَمِل به، ثمّ علَّمه ودعا إليه، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السَّموات.
فإذا فرغت من ذلك كلِّه، وفرغت من إصلاح نفسك ظاهراً وباطناً، وفضل شيءٌ من أوقاتك، فلا بأس أن تشتغل بعلم المذهب في الفقه؛ لتعرف به الفروع النَّادرة في العبادات، وطريق التَّوسط بين الخلق في الخصومات عند انكبابهم على الشَّهوات.
فذلك أيضاً بعد الفراغ من هذه المهمات من جملة فروض الكفايات.
فإن دعتك نفسك إلى ترك ما ذكرناه من الأوراد والأذكار استثقالاً لذلك، فاعلم أن الشَّيطان اللعين قد دَسَّ في قلبك الدَّاء الدَّفين، وهو حُبُّ المال والجاه، فإيّاك أن تغترّ به، فتكون ضحكة له، فيهلكك، ثمّ يسخر منك.
فإن جرَّبت نفسَكَ مدّةً في الأوراد والعبادات، فكانت لا تستثقلها كسلاً عنها، لكن ظهرت رغبتُك في تحصيل العلم النافع، ولم تُرد به إلا وجه الله تعالى والدَّار الآخرة، فذلك أفضل من نوافل العبادات مهما صحّت النية، ولكن الشَّأن في صحّة النية، فإن لم تصحّ النِّية فهو معدن غرور الجهال، ومزّلة أقدام الرجال.
* الحالةُ الثَّانيةُ: ألا تقدر على تحصيل العلم النَّافع في الدِّين، ولكن تشتغل بوظائف العبادات من الذِّكر والتَّسبيح والقراءة والصَّلاة، فذلك من درجات العابدين، وسير الصَّالحين، وتكون أيضاً بذلك من الفائزين.
* الحالةُ الثَّالثةُ: أن تشتغل بما يصل منه خير إلى المسلمين، ويدخل به سرورٌ على قلوبِ المؤمنين، أو تتيسَّر به الأعمال الصَّالحة للصالحين: كخدمةِ الفقهاء والصُّوفية وأهل الدِّين، والتَّرُّدد في أشغالهم، والسَّعي في إطعام الفقراء والمساكين، والتَّردُّد مثلاً على المرضى بالعيادة، وعلى الجنائز بالتَّشييع، فكان ذلك أفضل من النَّوافل، فإن هذه عبادات، وفيها رفق للمسلمين.
* الحالةُ الرَّابعة: ألا تقوى على ذلك، فاشتغل بحاجاتك اكتساباً على نفسك أو على عيالك، وقد سَلِم المسلمون منك وآمنوا من لسانك ويدك، وسَلِم لك دينُك، إذا لم ترتكب معصية، فتنال بذلك درجة أصحاب اليمين، إن لم تكن من أهل التَّرقي إلى مقامات السَّابقين.
فهذا أقلُّ الدَّرجات في مقامات الدِّين، وما بعد هذا، فهو من مراتع الشَّياطين؛ وذلك بأن تشتغل ـ والعياذ بالله ـ بما يهدم دينك، أو تؤذي به عبداً من عباد الله تعالى، فهذه رتبةُ الهالكين، فإياك أن تكون في هذه الطبقة.
واعلم أنّ العبدَ في حقِّ دينه على ثلاث درجات:
إما سالم: وهو المقتصر على أداء الفرائض وترك المعاصي.
أو رابح: وهو المتطوّع بالقربات والنَّوافل.
أو خاسر: وهو المُقَصِّرُ عن اللوازم.
فإن لم تقدر أن تكون رابحاً، فاجتهد أن تكون سالماً، وإيّاك ثمّ إيّاك أن تكون خاسراً.
والعبد في حقِّ سائر العباد له ثلاث درجات:
الأولى: أن ينزل في حقّهم منزلة الكرام البَررة من الملائكة، وهو أن يسعى في أغراضهم؛ رفقًا بهم، وإدخالاً للسُّرور على قلوبهم.
الثَّانيةُ: أن ينزل في حقِّهم منزلة البهائم والجمادات، فلا يَنالهم خيره، ولكن يكفّ عنهم شرّه.
الثَّالثةُ: أن ينزل في حقِّهم منزلة العقارب والحيّات والسِّباع الضَّاريات، لا يرجى خيرُه، ويتقى شرُّه.
فإن لم تقدر على أن تلتحق بأفق الملائكة، فاحذر أن تنزل عن درجة البهائم والجمادات إلى درجة العقارب والحيات والسّباع الضَّاريات.
فإن رضيت لنفسك النُّزول من أعلى عليين، فلا ترض لها من الهوى إلى أسفل سافلين، فلعلك تنجو كفافاً لا لك ولا عليك.
فعليك في بياض نهارك ألا تشتغل إلا بما ينفعك في معادك أو معاشك الذي لا تستغني عن الاستعانة به على معادك.
فإن عجزت عن القيام بحقّ دينك مع مخالطة النَّاس، وكنت لا تَسْلَمُ، فالعزلةُ أولى، فعليك بها، ففيها النَّجاة والسَّلامة.
فإن كانت الوساوس في العزلة تجاذبك إلى ما لا يرضى الله تعالى، ولم تقدر على قمعها بوظائف العبادات، فعليك بالنَّوم، فهو أحسن أحوالك وأحوالنا إذا عجزنا عن الغنيمة رضينا بالسَّلامة في الهزيمة.
وأَخْسِس بحال من سلامة دينه في تعطيل حياته؛ إذ النُّوم أخو الموت، وهو تعطيل الحياة والتحاق بالجمادات.
• • •