درة الإمام الشرنبلالي .......
........... في الاجتهاد
جارٍ تحميل الكتاب…
درة الإمام الشرنبلالي .......
........... في الاجتهاد
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
درجة الإمام الشرنبلالي
في الاجتهاد
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة للمجمع الفقه الإسلامي، الهند.
ملخص البحث:
كان الإمام الشرنبلالي من أفرادِ الزَّمانِ الذين يهبهم الله تعالى لأمّته؛ لحفظ دينها، فبلغ مقامًا مرموقًا، وكثرت كتبه ورسائله واختياراته وترجيحاته في المذهب الحنفي، مما جعلنا بحاجة ماسة لأن نعرف درجته في الاجتهاد، ما دامت أقواله معدودة ضمن الآراء المنسوبة إلى المذهب الحنفي؛ لكي يكون تقييمنا لكلامه تقييمًا مبنيًا على أسس علمية رصينة، ولتحقيق هذا تكلّمت عن وظائف المجتهد العشرة، وتقسيم طبقات الحنفيّة الزماني، وناقشت مقدار تحقّق كلّ وظيفة منها في الإمام الشُّرُنْبُلالي؛ لتظهر معنا طبقته الفقهية، ومدى الاعتماد على كتبه، فتبين لي بوضوح أنَّه إمام كبير جدًا، لقي قبولًا عجيبًا؛ لشدّة إخلاصه وقوّة علمه، فكانت كتبُه محطَّ أنظار الفقهاء ممّن جاء بعده، فهو مجتهد في المذهب بلغ مرتبة رفيعة وإن لم يصل إلى كمالها، فنحتاج إلى التثبت والتأكد من التزامه في ترجيحه وتصحيحه وتمييزه بتحقيق قواعد رسم المفتي وأصول الأبواب بملاحظة هل وافقه غيره بما يقرِّره.
Abstract
Imam Shurunbilali was a unique figure of his time, the kind which Allah Most High gifts to His nation (ummah) in order to preserve its religion (din). He reached a lofty station. His books, treatises, jurisprudential choices, and giving preference to certain rulings over others (tarjihat) in the Hanafi School of Law (madhhab) were many, causing us to be in great need of understanding his rank in independent reasoning (ijtihad). As long as his jurisprudential declarations (aqwal) are numerous, it is guaranteed that opinions will be ascribed to the Hanafi School of Law. In order for our assessment of his statements to be founded on firm, knowledge-based foundations, I have spoken about the ten functions of a mujtahid and the classification of
the Hanafi levels [of mujtahids and jurisprudence]. I have also discussed the extent to which Imam Shurunbilali realized each of these levels so as to make his jurisprudential standing and the scope of dependence upon his books apparent to us. It has become entirely clear to me that he is a very great imam. He has met with astonishing acceptance because of the intensity of his sincerity (ikhlas) and the strength of his knowledge, so his books have becomethe object of inspection and study of the scholars of jurisprudence (fuqaha) from those who came after him. He is a mujtahid in a school of law (mujtahid fi'l madhhab) who reached a lofty rank even though he did not reach its perfection. So, we need to makesureabout what he adhered to in his giving preponderance to certain opinions of others, his critically analyzing jurisprudential rulings, and his differentiating between certain principles of giving legal verdicts
by considering: Have others agreed with him in regards to what he decides?
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ لكل مذهب من المذاهب الإسلامية علماءه، وهم يتفاوتون في مراتبهم العلمية، وقدراتهم الاجتهادية، والإمام الشرنبلالي الحنفي قد بلغ مقامًا مرموقًا، فكان من أفرادِ الزَّمانِ الذين يهبهم الله تعالى لأمّته لحفظ دينها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} الحجر: 9، فَحِفظُ الدين يكون بحفظ علماء يضبطونه ويفهمونه ويُحيونَه بتدريسه والتَّأليف فيه والتَّربية عليه، فهم حفظةُ الدَّين، وهم سُرُجُ هذه الأمّة ومناراتُها التي تهتدي بها، وهذا مصداق قوله - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» (¬1).
وعالِمنا بلا شك ولا ريب كان من أولئك الأخيار الذين حفظ الله - عز وجل - بهم دينه، وكانوا مناراتٍ يُقتدى بها، ونورًا يُضيء للمسترشدين
¬
(¬1) في سنن أبي داود2: 341، وسنن الترمذي5: 48، وغيرهما.
الطَّريق، وكتبُه وعلمُه المنتشر رغم مرور القرون دلالةٌ واضحةٌ على القَبول من الله - جل جلاله -، والنَّفعِ العظيم الذي استفاده العباد منه.
قال المحبيُّ عنه (¬1): «كانَ من أَعْيَان الْفُقَهَاء، وفضلاء عصره، مَن سار ذِكره فانتشر أمره، وهو أحسن الْمُتَأَخِّرين مَلَكَةً فِي الفِقْه، وأعرفهم بنصوصه وقواعده، وأنداهم قَلمًا في التَّحْرِير والتَّصنيف، وكان المعوَّل عليه في الفتاوي في عصره (¬2) ... وتقدم عند أرباب الدولة» (¬3).
وبلغت مؤلفاته: أربعة وسبعين (74) مؤلّفًا: سبعة (7) كتب، وسبع وستين (67) رسالة، أبرزُها متنه: «نور الإيضاح ونجاة الأرواح»، وشرحه بـ «إمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح»، واختصر هذا الشرح الكبير بشرح المختصر: «مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح».
وأهمية البحث: تكمن في الوقوف على درجة هذا الإمام: لكثرة كتبه ورسائله واختياراته وترجيحاته في المذهب الحنفي ـ خصوصًا في كتابه «مراقي الفلاح»، مما دفعني للكتابة في هذا الموضوع؛ لكي يكون تقييمنا لكلامه تقييمًا مبنيًّا على أُسس علميّة رصينة، فلا بُدّ لنا أن نعرف
¬
(¬1) خلاصة الأثر 2: 38.
(¬2) موسوعة الأعلام1: 303، والأعلام للزركلي 2: 207.
(¬3) معجم المطبوعات العربية لإلياس سركيس2: 1118.
منزلتَه وطبقته بين طبقات فقهاء الحنفيّة، ما دامت أقواله معدودةً ضمن الآراء المنسوبة إلى المذهب الحنفي.
ومشكلة البحث تظهر في الإجابة عن الأسئلة الآتية:
ما هي وظائف وطبقات المجتهد؟
وما هي الوظائف الاجتهادية التي يسلم للإمام الشرنبلالي بها وتقبل منه؟
وما هي الطبقة الاجتهادية التي وصل لها الإمام الشرنبلالي؟
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي في عامّة كتبه للنّظر في اجتهاداته، والمنهج التّحليليّ بتحليل ما جمعتُ من مؤلّفاته، والمنهج الاستنباطي باستخراج النّتائج لما قمت به من التّحليل لمسائله المختلفة.
ولم أقف في حدود علمي على دراسة خاصة في هذا الموضوع.
ولتحقيق المقصود من البحث قسمته إلى تمهيد ومبحثين:
تمهيد: تعريف الاجتهاد وركنه وترجمة الإمام الشرنبلالي.
المبحث الأول: وظائف المجتهد وطبقاته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: وظائف المجتهد.
والمطلب الثاني: طبقات الاجتهاد عند الحنفية.
والمبحث الثاني: درجة الإمام الشرنبلالي في الاجتهاد.
وننبّه القارئ الكريم أنّ المناقشة في داخل البحث ستكون على طريق فقهاء الحنفية حتى نتوصَّل لدرجة المجتهد في المذهب، وإن لم نسلك طريقة الحنفية فلن تكون النتائج دقيقةً، والله الموفق.
* * *
تمهيد: تعريف الاجتهاد وركنه وترجمة الشرنبلالي:
أولًا: تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغةً: هو بذل الوسع (¬1)، والجُهد بالضم في الحجاز وبالفتح في غيرهم: الوسع والطاقة، وقيل المضموم الطاقة والمفتوح المشقة، والجَهد بالفتح لا غير النهاية والغاية، وهو مصدر من جهد في الأمر جهدًا من باب نفع إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجهده الأمر والمرض جهدًا أيضًا إذا بلغ منه المشقة، ومنه جهد البلاء ويقال جهدت فلانًا جهدًا إذا بلغت مشقته (¬2).
واصطلاحًا: استفراغُ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظنٍّ بحكم شرعيٍّ فرعيٍّ (¬3).
فلا بدّ أن يكون مجتهدًا، ويكون الحكمُ شرعيًّا فقهيًّا ظنيًّا، لا قطعيًّا ولا كلاميًّا ولا أصوليًّا (¬4).
¬
(¬1) مختار الصحاح للرازي ص63.
(¬2) المصباح المنير للفيومي 1: 112.
(¬3) ينظر: فصول البدائع للفناري 2: 474.
(¬4) ينظر: فصول البدائع للفناري 2: 475، والإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 3: 255.
ثانيًا: ركنا الاجتهاد هما:
1.المجتهدُ، وهو ثلاثة: مجتهد مطلق، ومجتهد منتسب (مقيد)، ومجتهد مذهب.
2.المجتهدُ فيه: وهو حكمٌ شرعيٌّ فرعيٌّ ظنيٌّ عليه دليل.
وفي حديثنا عن هذا الأمر الشائك المتعلِّق بالاجتهادِ لا نستطيع أن نحيطَ بكلِّ جوانبه؛ لأنَّه يستغرقُ جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا وأوراقًا عديدةً، وليس المقام مُعدًّا له، وإنَّما بحثنا متعلِّق بدرجةِ هذا الإمام الكبير.
ثالثًا: ترجمة الشرنبلالي:
وهو حسن بن عمار الشرنبلالي المتوفى سنة (1069هـ)، ومن مؤلفاته: حاشية على درر الحكام لملا خسرو (ت880هـ)، وهي: «غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام».
وله: «مراقي السعادات» في التوحيد والعبادات، و «تيسير المقاصد شرح نظم الفوائد»: أي شرح منظومة ابن وهبان.
ومن رسائله: «الابتسامُ بأحكام الإفحام ونشق نسيم الشام»، و «إتحاف الأريب بجواز استنابة الخطيب»، و «إتحاف ذوي الإتقان
بحكم الرِّهان»، و «الأثرُ المحمود لقهر ذوي الجحود»، و «أحسن الأقوال للتخلّص من محظور الفعال» (¬1).
قال المحبي عنه (¬2): «اجْتمعَ به والِدي المرحوم في متصرّفه إِلى مصر، وذكره في رحلته، فقالَ في حقِّه: والشَّيْخُ العُمْدَةُ الْحسنُ الشُّرُنْبُلاليُّ مِصْبَاحُ الأزهر، وكوكبُه المُنِيرُ المتلالي، لو رآه صاحب السِّراج الوَهَّاج لاقتبس من نوره، أَو صاحب الظهيرة لاختفى عند ظُهُوره، أَو ابن الحسن لأحسن الثَّنَاء عليه، أَو أَبو يُوسُف لأَجله وَلم يأسف على غيره، ولم يلْتَفت إليه، عُمْدَة أَرْبَاب الخلاف، وعدّةُ أصحاب الاختلاف، صاحب التحريرات والرسائل الَّتي فاقت أَنْفَع الْوَسَائِل، مبدأِ الفَضَائِل بإيضاح تَقْرِيره، ومحيي ذَوي الإفهام، بدرر غرر تحريره، نقال المسَائِل الدِّينِيَّة، وموضح المعضلات اليقينية، صاحب خلق حسن، وفصاحة ولسن، وكانَ أحسن فُقَهَاء زَمَانه، وصنَّف كتبًا كثيرة في المذهب ... ورسائل وتحريرات وافرة متداولة».
ووصفه صاحب «سلك الدرر» (¬3): بأنَّه صاحب التآليف.
¬
(¬1) ينظر: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي 1: 539، وخلاصة الأثر للمحبي 2: 38، وسلك الدرر للحسييني 4: 42.
(¬2) في خلاصة الأثر2: 38.
(¬3) سلك الدرر للحسيني 4: 42.
ووصفه الجبرتي (¬1): بأنَّه شيخ الجماعة.
ونكتفي بهذا الموجز من حال الإمام الشرنبلاليّ ليكون كلامنا في صلب موضوع البحث في درجته الاجتهادية.
* * *
¬
(¬1) تاريخ عجائب الآثار 1: 135.
المبحث الأوَّل
وظائف المجتهد وطبقاته
يلزمنا قبل الخوض في بيان درجة الإمام الشرنبلالي الاجتهادية الإشارة إلى وظائف المجتهدين وطبقاتهم، وبعدها يتسنى لنا تطبيقها عليه، فنكون أدق فيما نتوصل عليه، ولتحقيق ذلك نعرض لكل من الوظائف والطبقات في مطلب على النحو الآتي:
المطلب الأول: وظائف المجتهد:
إنَّ المتأمّل في التّصرّفات الصادرة عن الفقهاء يرى أنَّها لا تخرج عن الوظائف الآتية:
الأولى: استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وهي نوعان:
1.الاعتماد على أصول استخرجها المجتهد بنفسه.
2.الاعتماد على أصول مقرّرةٍ في المذهب استخرج أُسسها أئمته،
قال ابنُ كمال باشا (¬1): «طبقةُ ... يستنبطون الأحكامَ من المسائل التي لا نَصَّ فيها عنه على حسبِ أصولٍ قرَّرها ومُقتضى قواعد بسطها».
الثانية: التخريج على أقوال أئمة المذهب، وهي نوعان:
1.حمل قول المجتهد المطلق على محمل معيّن بأن يكون كلامُه من الفرائض أو الواجبات أو السنن أو المبطلات أو غيرها.
2.التفريعُ على مسائلِ المجتهد وقواعدِه في المسائل المستجدة، قال النّوويّ (¬2) والمرداوي (¬3): «يتّخذ نصوصَ إمامِه أُصولًا يستنبطُ منها كفعلِ المستقلّ بنصوص الشَّرع».
الثالثة: التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوال علماء المذهب، وهي نوعان:
1.الترجيح بين الأقوال بناءً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهيّ والأُصوليّ.
2.التَّرجيحُ بين الأقوال بناءً على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغير الزَّمان والضرورة والحاجة: أي من حيث
¬
(¬1) في أصول الإفتاء للعثماني ص89 عن الطبقات.
(¬2) في المجموع 1: 76.
(¬3) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 260.
الأنسب في التَّطبيق في الواقع، قال ابنُ عابدين (¬1): «تتغيّر الأحكام لاختلاف الزَّمان في كثيرٍ من المسائل على حسب المصالح (¬2)؛ ولهذا قال في «البحر»: فالحاصلُ أنَّ المصحَّح في المذهبِ أنَّ الختمَ سنّةٌ ـ أي للقرآن في التَّراويح ـ، لكن لا يلزم منه عدم تركه إذا لزم منه تنفير القوم وتعطيل كثير من المساجد خصوصًا في زماننا، فالظَّاهر اختيارُ الأَخفّ على القوم».
الرابعة: التمييز والتفضيل بين الأقوال والرِّوايات، وهي نوعان:
1.تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال.
2.تمييز بين الأقوى والقوي، والصَّحيح والضَّعيف: أي المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال، قال ابن كمال باشا (¬3): «طبقةُ ... القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضَّعيف وظاهر الرِّواية وظاهر المذهب والرِّواية النّادرة».
الخامسة: التقرير والتطبيق في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، وهي نوعان:
¬
(¬1) في رد المحتار2: 47.
(¬2) أي: المصالح الشرعية المعتبرة المستفادة من عموم الأدلة عند المجتهد في تقرير الأحكام وترجيحها، لا المصالح العقلية المحضة التي يعتمد عليها كثير من المعاصرين.
(¬3) في أصول الإفتاء للعثماني ص 91عن الطبقات.
1. تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناءً على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها.
2.تقرير المسألة بعد تصوّرها جيدًا، وإدراك أنَّها هي المناسبة للواقعة، وفهم علَّتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل، وذكر ابنُ عابدين (¬1) مطلبًا مهمًا: «والتحقيقُ: المفتي في الوقائع لا بدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس»، ونقل هذا عن ابن الهُمام (¬2).
فهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة منها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات، فانظر كم وُجد مجتهدون في القرنين الأَولين، ولم يبقَ لأحد منهم اجتهادًا إلى يومنا إلاّ الأئمة الأربعة؛ لارتفاع درجتهم في الاجتهادِ عن غيرِهم، قال ابن حجر المكيّ (¬3): «كانت ملكة الاجتهاد فيهم أقوى من غيرهم».
وهذه المَلَكةُ تتحصَّل بقدر توفيق الله - عز وجل - من مصاحبةِ العلماءِ، والبحثِ، والتَّدريسِ، والإفتاءِ، والقدرةِ العقليّة، وإكثارِ المطالعة في كتب التاريخ والطَّبقات والفتاوى والشُّروح وغيرها.
¬
(¬1) رد المحتار2: 398.
(¬2) في فتح القدير 2: 334، وينظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده1: 246.
(¬3) في الفتاوى الكبرى1: 157.
فما نريد تقريره في علم الفقه كسائر العلوم: أنَّ الاجتهاد بدرجته الأدنى يبدأ من قدرةِ الدَّارس على تصوُّر المسائل وتطبيقها على نفسه وإفتاء غيره بها: أي تطبيق ما تعلّم على نفسِه وغيرِه، والطلبةُ متفاوتون في تحقيق هذا النوع من الاجتهاد.
ويبقى يرتقي في تحصيله لكلّ وظيفة إلى منتهاها، وإلى قدرته على تحصيل وظائف أُخرى من الاجتهاد من التَّمييز والتَّرجيح والتَّخريج، حتى يتمكَّن من معرفة ما لم ينصّ عليه من المستجدات ممَّا درس من الفروع والقواعد.
والعلماءُ في التَّخريج للمستجدات مُتفاوتون جدًّا، وإلاّ لما رُئِي هذا التَّفاوت الكبير في تخريجات الفقهاء في داخل المذهب؛ لذلك كانت تخريجات علماءِ القرنِ الثَّالثِ والرَّابع أقوى من غيرهم.
ومن باب أولى أن يكونوا مُتفاوتين جدًّا في التَّرجيح والتَّصحيح، فكان ترجيح علماء القرن الخامس والسادس أقوى من غيرهم، قال ابنُ عابدين (¬1): «ولا يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية» وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم».
¬
(¬1) في رد المحتار1: 192.
وكذلك تتفاوت درجاتهم في التمييز بين الأقوال، حتى عدّوا أصحاب المتون أبرز مَن قاموا بذلك فقدّمت متونُهم على غيرها من الكتب.
وكلُّ هذا ينبغي أن يكون من المسلّمات في الواقع لتفاوت الناس في عقولهم واجتهادهم والأسباب التي تتوفّر وغيرها من الأمور التي يطول ذكرها.
فهذه الوظائف والدرجات حاصلةٌ في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا إشكال في ذلك، وإنَّما القضية المهمة التي ينبغي أن تكون محلّ اهتمام الطلبة والعلماء هي مقدارُ تحقيقهم لكلّ واحدةٍ من هذه الوظائف، فهل ما زال في الدَّرجةِ الأدنى من الاجتهاد أو بلغ الدَّرجةَ الأعلى؟ وهل حصَّل كلَّ وظيفةٍ على تمامِها؟
فتفاوت المشتغلين في الفقه على قدر تحصيلهم لهذه الوظائف، والأهمُّ هو قدرتُهم على أداءِ كلِّ وظيفةٍ بتمامِها، بأن يبلغوا أعلى مراتب الاجتهاد فيها، والله أعلم وعلمه أحكم.
وإذا وصل بنا الكلام إلى هذا المقام، يَحسنُ بنا أنّ نرى تحقيقَ ما قُلنا في تاريخ الاجتهاد الفقهيّ وطبقات العلماء في ذلك، ومقدار تحقّق الوظائف فيهم.
المطلب الثاني: طبقات الاجتهاد عند الحنفية:
المشهور عند العلماء (¬1) تقسيم طبقات المجتهد إلى ثلاثة طبقات، وزيدت طبقة رابعة وجدت في مذاهب الحنفية، وهي متحقّقة في تلاميذ أبي حنيفة حيث وصلوا ا لدرجة الاجتهاد إلا أنهم آثروا البقاء في مذهب شيخهم، وهذه الطبقات هي:
أولًا: مجتهد مطلق:
وهو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع، مثل: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - رضي الله عنهم -.
ثانيًا: مجتهد مطلق منتسب:
وهو مَن استقل بأُصوله عن اجتهاد منه ووافق في بعض أصوله أصول مَن انتسب لمذهبه لموافقة رأيه رأي إمامه فيها، وبَنَى عليها فُرُوعًا، مثل: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد - رضي الله عنهم -.
¬
(¬1) ينظر: ابن حنبل - رضي الله عنه - لأبي زهرة ص382 - 386، وناظورة الحق للمرجاني ص58 - 64، وحسن التقاضي للكوثري ص24، والمنهج الفقهي لصلاح أبو الحاج ص161 - 168، وأصول الإفتاء للعثماني ص19 - 22، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة لأحمد سعيد حوى ص406 - 421، والمذهب الحنفي للنقيب ص157 - 217.
وانتسابهم إلى أبي حنيفة انتساب أدب، وإلا فقد خالفاه في ثُلُثَيْ مذهبه، كما نصّ عليه إمام الحرمين، وصرّحوا به في كتب ظاهر الرواية، فذكروا قولهم مع قول أبي حنيفة، وكذلك جعل الدبوسيّ في «تأسيس النظر» لهم أصولًا مخالفة لأصول أبي حنيفة، وهذا ما ذكر في كثير من كتب الأصول في الاختلاف بين أصول أبي حنيفة وأصولهم في بعض الجزئيات، وكلّ ذلك يؤيِّدُ ما وصلوا إليه من درجةِ الاجتهادِ المطلق وإن آثروا الانتساب إلى إمامهم أَدبًا معه وسعوا في نشر مذهبه مع أقوالهم، وهذا ما أيّده المرجانيّ (¬1) واللكنويّ (¬2) والكوثريّ (¬3).
ثالثًا: مجتهدٌ منتسبٌ:
وهو الذي مَشَى على أصول إمامه وفروعه إلا أنَّه قد يُخالفه في أصولٍ وفروع عن اجتهادٍ منه فيستنبط بها من الكتاب والسنة، فشرطه «ضبطُ أصولِ مقلَّدِه؛ لأنَّ استنباطَه على حسبها» (¬4)، وهذا مثل: أبي جعفر الطحاويّ وأَمثاله من علماء القرن الثالث والرابع. قال ابنُ الحسين المالكيّ (¬5): «الجمهورُ على أنَّ شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم
¬
(¬1) في ناظورة الحق ص58.
(¬2) في النافع الكبير ص15.
(¬3) في حسن التقاضي ص85 - 86.
(¬4) ينظر: فصول البدائع للفناري 2: 475.
(¬5) في تهذيب الفروق2: 188.
تتحقَّق في شخصٍ من علماء القرن الرَّابع فما بعده، وأنَّ مَن ادّعى بلوغها منهم لا تُسلَّم له دعواه ضرورة أنّ بلوغَها لا يثبت بمجرد الدَّعوى ... ».
رابعًا: طبقة المجتهدين في المذهب:
ويتمثل في علماء المذهب من بعد القرن الرابع إلى يومنا، قال الفناريّ (¬1): «فممارسةُ الفقه طريقٌ إلى تحصيلِ الاجتهادِ في زماننا هذا»، ويتلخص عملهم فيما يلي:
1.التخريج على فروع وقواعد أئمة المذهب خاصّة دون الكتاب والسنة، وقد تميّزوا بذلك إلى حدٍّ كبير؛ لاهتمامهم بضبط أُصول المذهب، فبنوا عليه كثيرًا من الفروع المستجدة.
2.الترجيحُ والتصحيحُ بين أَقوالِ أئمّةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي كما صرّح بذلك قاضي خان، ويدخل في ذلك أخذهم واعتمادهم لأقوال بعض المجتهدين المنتسبين في المذهب وترجيحهم لقولهم على مَن سبقهم أو التَّرجيح بين أقوال المنتسبين.
4.التقعيد والتأصيل لفروع المذهب بصورة أدق وأحكم ممَّن سبقهم بحيث أنَّهم اهتموا بربط الفروع بقضايا الأصول الكلية، وألفوا كتبًا في الأصول: كأصول البزدوي، وأصول السرخسي، والميزان
¬
(¬1) في فصول البدائع2: 475.
للسمرقندي، وغيرها التي بيَّنت الأُصول الكلية التي مشى عليه أئمة المذهب، وكل مَن جاء بعدهم عالة عليهم في الأصول، كما صرّح بذلك جمع من العلماء.
5.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل، كما نصّ عليه ابن كمال باشا، فألفوا المتون في إظهار ظاهر الرّواية في المذهب والمعتمد من مسائله، وتُعدُّ متونهم أدق كتب المذهب في نقله وبيان المعوّل عليه فيه، فإذا أُطلقت المتون عند مَن جاء بعدهم فالمقصود بها متونهم، وهذا راجع للملكة القوية لديهم في الاعتناء في حفظِ المذهب وتمييز الراجح فيه.
6.تأصيل قواعد الأصول للمجتهد والاستدلال والتفريع عليها على طريق الفقهاء كـ «أصول البزدوي» و «أصول السرخسي»، وكذلك التأليف على طريق الجمع بين أصول المتكلمين والفقهاء؛ إذ قام جمع من علماء هذا الزمان بمحاكاة أصول المتكلّمين وعرض أصول فقهاء الحنفية على هيئتها وصورتها كترتيب وتنظيم، وذكر لبعض المباحث التي لم يتعرّض لها في أصول الفقهاء ذكروها في أصول المتكلمين، ويظهر هذا جليًّا في «بديع النظام» لابن الساعاتي، و «التوضيح شرح التنقيح» لصدر الشريعة.
7.جمع الأقوال المصححة والمرجَّحة؛ إذ ظهرت الحاجة للتمييز بين الأقوال العديدة التي رُجِّحت وصُحِّحت في الطبقات السابقة، فاهتم علماء هذه الطبقة بجمعها وتنقيح الخلاف فيها، وبيان أَقواها تصحيحًا وترجيحًا، كما فعل ذلك إسماعيل النابلسيّ، والبيريّ، وابن عابدين.
8.الاهتمام بتقعيد علم رسم المفتي، بجمع قواعده المختلفة من كلام السابقين، بما يدلّ عليه فعل الفقهاء في كتبهم، فهو عبارة عن شذرات متفرّقة في كتب علماء الطبقات السابقة.
وهذا التقسيم أولى بالقبول من طبقات ابن كمال باشا، وأقرب إلى الحقّ في فهم الفقه ومراتب أئمته، وأرى أنَّه أفضل تقسيم في معرفةِ درجات وطبقات فقهاء المذهب، وفهم اجتهاداتهم وترجيحاتهم، وتصوُّر التّسلسل التّاريخيّ في نموّ المذهب وتطوُّره وانتقاله من مرحلةٍ إلى مرحلة.
* * *
المبحث الثاني
الدرجة الاجتهادية للشرنبلالي
وبعد كلِّ هذا التَّفصيل يمكننا أن نتكلَّم عن درجةِ إمامنا الشُّرُنْبُلاليِّ في الاجتهاد؛ إذ لو نظرنا لطبقات المجتهدين السابقة سنجده عاش في طور المجتهدين في المذهب، فقد ولد سنة (994هـ) وتوفي سنة (1069هـ)، فهو إذن من طبقة المجتهدين في المذهب بلا شكٍّ ولا ريب، وهذا أمر واضح.
وإنَّ ما نحتاج إلى مناقشته وتحقيقه هو مقدارُ الاجتهاد الذي حقَّقه في المذهب، وذلك بالنَّظر إلى القدرِ الذي حصَّله من هذه الوظائف للمجتهد.
ونستطيع أن نتوصَّل إلى ذلك بتطبيق قيامِه بوظائف المجتهد، فكلُّ وظيفةٍ ـ كما مَرَّ ـ هي درجاتٌ عديدةٌ ومتفاوتةٌ بين العلماء في مقدار تحصيلها.
وفي هذه الصفحات نحاول أن نرى مقدار تحقّق هذه الوظائف في الإمام الشُّرُنْبُلاليّ على طريقة البحث عند الحنفيّة في المناقشة، وهذا الوظائف على النَّحو الآتي:
الوظيفة الأُولى: الاستنباطُ من الكتاب والسُّنة:
وهو ما قام به الإمامُ الشُّرُنْبُلالي في مسائل منها: إباحتُه لبس الأحمر رغم كراهته التحريميّة في المذهب، وألَّف رسالة فيه سمَّاها: «تحفةُ الأكمل والهُمام المُصَدَّر لبيان جواز لبس الأحمر»، واستخدم نوعي هذا الاستنباط من اعتماد على أصل له: كالعمل بظواهر الأحاديث، أو بنائه على أصول المذهب: كقوله هنا: «وللدليل القطعيِّ المثبت حلّه بقوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأعراف: 31؛ لأنَّ المأمور بأخذه عامٌ، وحكم العام إجراؤه على عمومِه، كما هو مقرَّر» (¬1).
لكن مَن جاء بعده من علماء المذهب لم يقبلوا هذا الاستنباط منه وعلى رأسهم ابن عابدين لأسباب منها:
1.إنَّه خالف ما عليه عامّة كتب الحنفية من الكراهة التحريميّة فيه، قال ابن عابدين (¬2): «الذين اختاروا الكراهة الأكثر، فسقط بهذا ما
¬
(¬1) ينظر: الشُّرُنْبُلاليّة للشرنبلالي1: 312.
(¬2) في تنقيح الفتاوى الحامدية2: 324.
قاله الشُّرُنْبُلاليّ في رسالته المشهورة في لبس الأحمر من جواز لبس الأحمر عن الأكمل وغيره».
2.إنَّ ما استند له من أدلة لا تدلّ على المراد، من بينها: قطعيّة النص: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأعراف: 31، قال ابن عابدين (¬1): «وليس في عبارته النصّ على لبس الأحمر بل لبس المعصفر».
3.إنَّ حديثَ البَراء - رضي الله عنه -: «كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مربوعًا، وقد رأيته في حلّة حمراء ما رأيت شيئًا أحسن منه» (¬2) مؤوّل، قال ابن عابدين (¬3): «محمولٌ على أنَّ فيها خطوطًا حمرًا وخضرًا كما تأوّل ذلك أهل الحديث»، ويشهد للكراهة، ما ورد عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -، قال: «مرَّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل عليه ثوبان أحمران فسلَّمَ عليه فلم يردّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -» (¬4).
4.إنَّ استنباطه لا يقارن باستنباط أبي حنيفة - رضي الله عنه - الذي بلغ الدرجة العليا في الاجتهاد في عصور السلف والخيرية، قال ابن عابدين (¬5): «وما نقله الشُّرُنْبُلاليّ عن العينيّ في استنباط الأحكام من جواز لبس الأحمر
¬
(¬1) في تنقيح الفتاوى الحامدية2: 324.
(¬2) في صحيح البخاري 5: 2198، وصحيح مسلم 4: 1818.
(¬3) في تنقيح الفتاوى الحامدية2: 324.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 450، وسنن الترمذي 5: 116، وحسنه، والمستدرك للحاكم 4: 211، وصححه، والمعجم الأوسط للطبراني 2: 91.
(¬5) في تنقيح الفتاوى الحامدية2: 324.
من الحديث الشريف، فذاك من حيث الاستنباط لا من حيث نقل المذهب».
5.انتهاء مرحلة الاجتهاد بالاستنباط والانتقال بالاجتهاد لمراحل جديدة اقتضاها العلم، وشهد بها الاستقراء، قال قاضي خان (¬1): «المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ وسُئِل عن واقعةٍ، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في الرِّوايات الظّاهرة بلا خلاف بينهم، فإنَّه يميلُ إليهم ويُفتي بقولهم ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهدًا متقنًا؛ لأنَّ الظاهرَ أن يكون الحقّ مع أَصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجّته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلة ومَيَّزوا بَيْن ما صَحّ وثبت وبين ضدّه»، حيث اعتبر قاضي خان أنَّه حصل تحقيقٌ وتحريرٌ للاجتهاد بطريق الاستنباط بما فيه الكفاية، فلا يعتبر الاجتهاد بهذه الطريقة، وهو يحكي حال أهل تلك الطبقة، ويخبر عن تلك المرحلة من الاجتهاد.
وسبقه في التمهيد لهذه المرحلة من الاجتهاد الكرخيّ، حيث قال (¬2): «إنَّ كلّ خبرٍ يجيء بخلاف قول أصحابنا، فإنَّه يحمل على النَّسخ أو على أنَّه معارضٌ بمثله، ثُمَّ صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به
¬
(¬1) في فتاواه1: 1.
(¬2) في الأصول ص84.
أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق، وإنَّما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه».
وبالتالي لم يُعتبر هذا الاستنباط من الإمام الشرنبلالي، حيث قال ابنُ عابدين (¬1): «على أنَّ الذي يجب على المقلِّد اتباعُ مذهب إمامه»، لا اتباع مثل هذه الاجتهادات لعدم اعتبارها؛ لأنَّها كما رأيت ليست مبنيّة على أصل متين، وإنَّما اعتمد فيها على ظواهر الأحاديث في ذلك.
ويلاحظ أنَّ علماء مدرسة محدّثي الفقهاء من متأخري الحنفية: كإمامنا الشرنبلاليّ، وافقوا سير طبقة المجتهد المنتسب في اعتمادِهم أُصولًا للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوتًا ظاهرًا بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر فيها ضعف ترجيحاتهم بخلاف طبقة المنتسب، فإنَّ ترجيحَها من أقوى التَّرجيحات، وكذلك تخريجها وأصولُها التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة.
وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتِهم يرجِّحون من خلالها، حتى أنَّ إمامَ هذه المدرسة ـ وهو الإمامُ ابنُ الهُمام ـ تكلّموا فيه أنَّه لم يكن من المشتغلين والمتمرّسين في علم الحديث، حيث وصفه
¬
(¬1) في تنقيح الفتاوى الحامدية2: 324.
تلميذه السَّخاوي (¬1) بقوله: «وكان إمامًا علامّة عارفًا بأصولِ الدِّيانات والتَّفسير والفقه وأصوله والفرائض والحساب والتَّصوف والنَّحو والصَّرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدل والأدب والموسيقى وجلّ علم النَّقل والعقل، متفاوت المرتبة في ذلك، مع قلّةِ علمِه في الحديث، عالم أهل الأرض ومحقِّق أولى العصر، حجة أعجوبة، ذا حجج باهرة، واختيارات كثيرة، وترجيحات قويّة، بل كان يصرّح بأنَّه لولا العوارض البدنية من طول الضعف والأسقام وتراكمهما في طول المدد لبلغ رتبة الاجتهاد ... ».
وقال تلميذه ابن قطلوبغا: إنَّه لا يتلفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب (¬2)، ونقل عن الكشميري (¬3): «أنَّ الشيخ ابن الهمام كل ما ذكره في «فتحه» من أدلة مذهبنا، مستفاد من تخريج الإمام الزيلعي، ولم يزد عليه دليلًا، إلا في ثلاثة مواضع: منها مسألة المهر، وقدر ما يجب» ـ.
ويظهر من حالهم غفلةٌ واضحةٌ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقبولها وردّها، قال الجصّاص (¬4): «لا أعلم أحدًا من الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم»، لاسيما أنَّ الوقوفَ على
¬
(¬1) في الضوء اللامع8: 131.
(¬2) ينظر: رد المحتار لابن عابدين3: 74.
(¬3) كما في مقدمة نصب الراية للكوثري1: 8.
(¬4) في شرح مختصر الطحاوي4: 244.
النّصوص الحديثيّة بصورتها الأدقّ والأحكم بالنسبة إلى طبقة المنتسب أقوى؛ لقربها من العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأثبتُ وأَصوب، كما صَرَّح الذهبيُّ (¬1): «وهذا في زماننا يعسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنَّ أولئك الأئمة: كالبُخاريّ وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَت العباراتُ المُتيقّنة، وبمثلِ هذا ونحوه دَخَل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرُّفِهِ في المستدرك».
ويلاحظ عدم انتباه مَن في هذه المدرسة لقضيّة النَّقل المدرسيّ المتوارث المعتبر عند الحنفيّة والمالكيّة ـ وقد فصلتُ ذلك كلَّه في عدّة أبحاث ـ.
وهذا يفسّر ردّ ابن عابدين لكثير من أقوالِهم وترجيحاتِهم والرجوع إلى مَن سبقهم في الوقوف على المعتبر من المذهب، ونقصد بهذه المدرسة المتأخرة ابنُ الهمام ـ وهو شيخها ـ ومَن جاء بعده: كابن أمير حاج، والحلبيّ، والحصكفيّ، والطرابلسيّ، والقاري، والشُّرنبلاليّ، واللكنويّ، وغيرهم، وهم متفاوتون في الاعتماد على الحديث.
فإن لم تكن وظيفة الاستنباط مسلّمة لابن الهمام ـ مع ما وصفه به تلاميذه ـ، بسبب انتهاء عصر الرواية في زمنه بخلاف أهل القرون الأربعة الأولى، وعدم تسليم الاجتهاد من الكتاب والسنة في
¬
(¬1) في الموقظة ص46.
المذهب بعد القرن الرابع، فالأولى في حاله وحال الإمام الشرنبلاليّ أن يكونوا من المجتهدين في المذهب المعترف لهم بالوظائف الأُخرى على تفاوتٍ في حالهم فيها، وهذه طبقة أهل زمانهم، وعدم مسايرتهم فيما يرجّحون فيه بالحديث، والله أعلم.
الوظيفةُ الثَّانية: التَّخريج:
على المعنى الأول السَّابق للتخريج ـ وهو بيان مجمل كلام الإمام ـ، وأبرز مَن قام به هم طبقة المجتهد المنتسب، وليست طبقة الإمام الشرنبلالي، إلا أنَّ له عملًا على هذه الوظيفة.
ولعلَّ منه: فهمه أنَّ التَّحريمةَ بالعربية، حيث قال: «التحريمة: كونها بلفظ العربية للقادر عليها في الصحيح»، وأيضا: «التحريمة: أن لا يكون بالبسملة»، وأيضًا: «التحريمة: أن يأتي بالهاوي، وهو الألفُ في اللام الثانية، فإذا حذفه لم يصحّ»؛ لذلك لم يسلّم له في بعض المسائل فهمه لقول الإمام، قال اللكنوي (¬1): «ما ذكرَ أنَّه لا يجوزُ أن يأتيَ بها إلا العاجزُ عن العربيَّةِ ليس مذهبًا لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، بل هو مذهبُ صاحبيه، وأمَّا عندهُ فالقادرُ والعاجزُ سواء ... ».
¬
(¬1) في آكام النفائس ص35 - 44.
فيمكن أن ندرج تحتها العديد من المسائل التي تصدر عن العالم في فهم كلام الإمام، وحمل كلامه على محمل معيّن، وأشهر طبقة اعتبرت في تفسير كلام المجتهد المطلق هي طبقة المجتهد المنتسب من علماء القرن الثالث والرابع، وإن كان هذا التفسير حاصلًا في جميع الطبقات، ولم أرغب في التوسع في هذا؛ لأنَّه مبحث واضح، وفيما ذكرته من مسائل إشارة لقيام إمامنا الشرنبلاليّ به، فيمكن أن يُسلَّم له ببعضها ولا يُسلَّم له بأخرى.
وأما المعنى الثاني للتخريج، وهو التفريع على أقوال الإمام وأئمّة المذهب، فهي لا غنى عنها في كلّ زمان ومكان، وقام بها إمامنا الشرنبلالي حيث خرّج مسائل عديدة جدًا منها:
1.خرَّج النفساء على مسألة الجنب في غسل فمه وأنفه بعد موته، وإن كانت مسألة الجنب ليست بمسلّمة، قال الطحطاوي (¬1): «هذا بحث للمصنِّف كما تفيده عبارته في الشرح قياسًا لهما على الجنب للاشتراك في افتراض المضمضة والاستنشاق فيما بينهم، وقد علمت ردَّه في الجنب والكلام فيهما كالكلام فيه».
2.خرَّج من كانت آلته قصيرة على العنِّين، «بحث فيه الشرنبلالي في «شرحه على الوهبانية» فقال: إنَّ هذا دون حال العنّيّن؛ لإمكان زوال
¬
(¬1) في حاشيته2: 204.
عنّته فيصل إليها، وهو مستحيل هنا، فحكمه حكم المجبوب بجامع أنَّه لا يمكنه إدخال آلته القصيرة داخل الفرج، فالضرر الحاصلُ للمرأة به مساوٍ لضرر المجبوب، فلها طلب التفريق، وبهذا ظهر أنَّ انتفاء التفريق لا وجه له، وهو من «القنية» فلا يُسلَّم» (¬1)، لكنَّ ابن عابدين لم يقبل هذا التخريج، وبيَّن أنَّ المنقول في الكتب المعتمدة خلافه، حيث قال (¬2): «وقد علمت نقله هنا عن «المحيط» أيضًا فعدم تسليمه ممنوع».
3.خرَّج وجوب التكبير للتشريق على المقيم المقتدي بمسافر، وتبعه الحصكفي، فقال: «ويجب على مقيم اقتدى بمسافر»، قال ابنُ عابدين (¬3): «الظاهر أنَّه بحث لصاحب «الشرنبلالية»، حيث قال: « ... على هذا يجب على من اقتدى به من المقيمين؛ لوجدان الشرط في حقّهم»، اهـ. ... لكن في حاشية أبي السعود عن الحموي ما نصّه: وفي «هداية الناطفي»: إذا كان الإمام في مصر من الأمصار فصلّى بالجماعة وخلفه أهل المصر فلا تكبير على واحدٍ منهم عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما عليهم التكبير، اهـ، والمرادُ الإمام المسافر، دلّ عليه سياق كلامه».
¬
(¬1) ينظر: منحة الخالق لابن عابدين 4: 133.
(¬2) في منحة الخالق4: 133.
(¬3) في رد المحتار2: 180.
4.خرَّج رجوع العدل على الراهن إن ضمن المستحقّ أكثر من الثمن في مسألة: المستحقُّ إذا ضمَّن العدل القيمة، فقد تكون القيمة أكثر من الثمن الذي أخذه العدل من المرتهن، فمَن يضمن تلك الزيادة؟ قال ابن عابدين (¬1): «ورأيت الشرنبلالي ذكر بحثًا: أنَّه ينبغي أن يرجع بالزيادة على الراهن، اهـ. وذكر الشرنبلالي بحثًا آخر .... ».
5.خرَّج لا حدّ بالعِرْقِ المُسْتَقْطَرِ من فضلات الخَمْر بلا سكر، ففي «قرة عين الأخيار» (¬2): «أنّه مبنيٌّ على خلافِ المفتى به كما أفاده كلام القُهُستاني، تأمل».
وأطلت في هذه الوظيفة؛ تأكيدًا على صدورها من إمامنا، وأنَّها هي الطريقة المعتبرة في معرفة ما يجدّ من أحكام، عوضًا عن وظيفة الاستنباط التي كانت في مرحلة سابقة من أطوار الفقه، فهي الوظيفة التي يحيى بها الفقه في الواقع، والوصول إليها بعد كل هذا التنقيح لعلوم الفقه ممكن ومتيسر لمَن وفّقه الله تعالى.
والملاحظ من الأمثلة السابقة أنَّ بعض تخريجات الإمام الشرنبلالي لم يُسلَّم له بها، مما يدلّ على أنَّه لم يبلغ في هذه الوظيفة كمالها.
¬
(¬1) في رد المحتار6: 506.
(¬2) قرة عين الأخيار لعلاء الدين 7: 5.
الوظيفة الثالثة: الترجيح والتصحيح:
ومرَّ معنا أنَّ هذه الوظيفة على وجهين، فهي بالوجه الأول الترجيح على مباني الأبواب وتحقّق أصولها، وهي متحقّقة في فقه الشرنبلالي في مسائل عديدة: كقوله: «(والعصبُ نجسٌ في الصحيح) من الرواية؛ لأنَّ فيه حياة بدليل التألم بقطعه، وقيل: طاهر؛ لأنَّه عظم غير صلب»، فاعتبر الإمام الشرنبلالي مبنى العلّة فيه وهي عدم الحياة، فاعتبر وجودها لتحقق الألم فيه بخلاف العظم، واعتبر أكثر العلماء عدم وجودها، وأنَّه أقرب للعظم من اللحم.
ولم يراعِ أصول الأبواب في مسائل: كقوله: «(ويجب التَّأخير) عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - (بالوعد بالثوب) على العاري (أو السِّقاء): كحبل أو دلو»، فلم يلتفت الإمام الشرنبلالي للتفريق ما بين الماء والثوب والدلو، بحيث يجب في الماء، ولا يجب في غيره؛ لأنَّ الأصل في الماء الإباحة فيتعلّق به الوجوب، والأصل في غير الماء الحظر فلا يتعلق به الوجوب.
وكذلك في اعتماده لظاهر الرواية في مسألة رؤية الهلال في قوله: «لا فرق في ظاهر الرواية بين أهل المصر ومَن وَرَدَ من خارج المصر»، فعدم القبول لمَن كان في المصر مبنيٌّ على التهمة في رؤية الهلال، فرد مع توفر الأسباب حتى يرى الجمع، ولم تبق هذه التهمة موجودة لمَن يأتي من
الخارج، فكان العمل على هذا، قال ابن عابدين (¬1): «وهذا وإن كان خلاف ظاهر الرواية فينبغي ترجيحُه في زماننا تبعًا لهؤلاء الأئمة الكبار الذي هم من أهل الترجيح والاختيار».
وأيضًا: في مسألة تأمين المقتدي في السِّرية بالجماعة الكثيرة إن سمع من مقتدٍ آخر مثله، بأن كان مقتد مثله قريبًا من الإمام يسمع قراءته فأمَّن ذلك المقتدي تأمين مثله القريب من الإمام فيؤمن؛ لأنَّ المناطَ العلم بتأمين الإمام، وليس هذا مقيّد بالجمعة والعيد، قال ابن عابدين (¬2): «التقييدُ بالجمعة والعيد كما وقع في «الجوهرة» غير قيد، كما بحثه في الشرنبلالية بقوله: ينبغي أن لا يختص بهما بل الحكم في الجماعة الكثيرة كذلك».
والوجه الثاني: الترجيح بمراعاة قواعد رسم المفتي، وهو ظاهر فقه كتب إمامنا، ومنه قوله: «(و) يفسدها: (ظهور عورة مَن سبقه الحدث) في ظاهر الرواية، (ولو اضطر إليه) للطهارة: (ككشف المرأة ذراعها للوضوء)، أو عورته بعد سبق الحدث على الصحيح»، فهذا الاختيار مبناه على الضرورة، ولا بد منها، وإلا لم يصحّ حكم البناء
¬
(¬1) في تنبيه الغافل ص79.
(¬2) في رد المحتار1: 493.
أصلاً، فكيف تتوضأ المرأة بدون أن تكشف شيئًا من عورتها، والضرورة أهم قواعد رسم المفتي المعتبرة في الترجيح.
ولم يراعِ رسم المفتي في بعض المسائل كما في قوله: قال: «(والفأفأة والتمتمةِ واللَّثَغ) ... لا يكون إمامًا لغيره»، فَحَكَمَ ببطلان إمامتهم لعدم نظره للضرورة في هذا الباب التي راعاها أئمة التّرجيح في عدم إبطال صلاة المقتدي به.
فالإمام الشرنبلاليّ قام بهذه الوظيفة كعامّة مَن يشتغل في الفقه ويبلغ فيه درجة عالية، ولكن كما رأيت لم يقبل ترجيحه مطلقًا؛ لعدم مراعاته قواعد الرسم ومباني الأبواب دائمًا، وذلك لانشغال إمامنا بالترجيح بطريقة غير معتبرة عند مدرسة الفقهاء، وهو التَّرجيح بظواهر الأحاديث وإن اعتمدتها مدرسة محدثي الفقهاء ممَّا تسبب في ضعفِ تصحيحاتهم وترجيحاتِهم؛ لأنَّ مراعاةَ قواعد رسم المفتي ثابتةٌ بأدلّة قطعيّة، فعدم مراعاتها تمامًا مخالفٌ لهذه النُّصوص القطعيّة، وجعل الفقه علمًا نظريًا لا واقعيًا، فلم يكن عند الفقيه خيار في التزامها.
والترجيحُ بأصول الأبواب، هي المعاني التي تَوصل لها المجتهد باستقرائه لما ورد في الباب من قرآن وأحاديث وآثار، وبالتالي هي معاني إما قطعيّة أو ظنيّة قويّة صادرة من مجتهد معتبر لا يقول بخلاف القرآن والسنة أبدًا، فإن ترك ظاهر حديث فقد وافق ما هو أقوى منه من معاني
القرآن والأحاديث الأخرى، فإهمال تأصيله للفقه في الترجيح، والتَّرجيح بظواهر الأحاديث بعيد عن الصّواب؛ ولذلك لم يلتفت له أئمتنا في مدرسة الفقهاء لإدراكهم هذا المعنى، وغفلة محدّثي الفقهاء عن هذا جعلتهم يسلكون مسلك الترجيح بظواهر النصوص، وإمامنا الشرنبلاليّ كان من مدرسة محدّثي الفقهاء فرجَّح كثيرًا بهذه الطريقة، ومن أمثلة ذلك:
1.قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بقصد القرآنية، قوله: «وجاز قراءةُ الفاتحة بقصد الثناء كذا نُصَّ عليه عندنا، وفي البُخاريِّ عن ابنِ عَبَّاس - رضي الله عنهم -: «أنَّه صَلَّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنَّه من السنّة» (¬1)، وصحَّحه التِّرْمِذِيّ، وقد قال أئمتنا: بأنَّ مراعاةَ الخلاف مستحبّة، وهي فرضٌ عند الشافعيِّ - رضي الله عنه -، فلا يُمانع من قصد القرآنية بها؛ خروجًا من الخلاف وحقِّ الميت»»، وهذا خلاف المذهب من كراهة قراءتها؛ لأنَّ مبنى الصلاة على الدعاء، وقد وردت أحاديث تؤيد عدم القراءة في صلاة الجنازة.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 448، وفي لفظ: «شهدت ابن عبّاس - رضي الله عنهم - صلّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فلما انصرف قلت له: أتقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: نعم يا ابن أخي، سنّة وحقّ» في صحيح ابن حبان7: 341.
2.سنيّة مسح الرقبة في قوله: قال: «(و) يُسَنُّ (مسح الرقبة)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «توضّأ وأَومأ بيديه من مُقَدَّمِ رأسه حتى بلغ بهما أَسفل عنقه من قِبَلِ قَفَاه» (¬1)»، حيث مال للحديث كما علَّل، وهو ضعيف، فالأحاديث الواردة في المسح ضعيفة لا تقوى لأن يثبت منها السنيّة؛ لذلك مال أئمتنا إلى الاستحباب.
3.جواز السنة القبلية والبعدية للجمعة بتسليمتين إن كان عذرٌ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا، فإن عَجَّل بك شيءٌ فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت» (¬2)، قال ابن عابدين (¬3): «وينبغي تقييدُه بعدمِ العذرِ للحديث المذكور آنفًا، كذا بحثه في «الشرنبلالية»»، وقال (¬4): «مؤيِّدٌ لما بحثه الشرنبلاليُّ من جوازها بتسليمتين لعذر».
الوظيفة الرابعة: التمييز بين ظاهر الرواية وغيرها، وبين القوي والأقوى والضعيف:
وهي بالمعنى الأول في ظاهر الرواية وغيرها واضحٌ في فقه الإمام الشرنبلالي، حيث ألف متنًا، والمتون عادة موضوعة لظاهر الرواية،
¬
(¬1) في معجم الطبراني الكبير19: 180.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 600.
(¬3) في رد المحتار 2: 13.
(¬4) في رد المحتار2: 16.
ولكن يؤخذ عليه أنَّه أدرج فيه بعض روايات شاذّة، واعتبر أنَّ ظاهرَ الرِّواية شاذّ، ومنها:
1.اشتراطه طهارة موضع اليدين والرُّكبتين في السُّجود في قوله: «(و) منها طهارة موضع (اليدين والرُّكبتين) على الصَّحيح؛ لافتراض السُّجود على سبعةِ أعظم، واختاره الفقيهُ أبو الليث - رضي الله عنه -، وأنكرَ ما قيل من عدمِ افتراضِ طهارةِ موضعِها؛ ولأنَّ روايةَ جواز الصلاة مع نجاسة موضع الكفّين والرُّكبتين شاذّة»، فاعتبر ظاهر الرواية في عدم الاشتراط شاذّ.
2.اعتباره الشفق الأحمر لانتهاء وقت الغروب، قال: «(و) أَوّلُ وقتِ (المغرب منه): أي غروب الشمس (إلى) قبيل (غروب الشفق الأحمر على المفتى به)، وهو رواية عن الإمام، وعليها الفتوى، وبها قالا؛ لقول ابن عمر - رضي الله عنهم -: «الشفق الحمرة»، وهو مرويٌّ عن أكابر الصحابة - رضي الله عنهم -، وعليه إطباق أَهل اللسان، ونُقِل رجوع الإمام إليه»، فعدَّ ظاهر الرواية وهو الشَّفق الأبيض قولًا مردودًا، مع أنَّ عليه عامّة المتون المعتبرة.
3.اعتباره عدم الإشارة في التشهد لا أصل له في قوله: «(و) تُسَنُّ (الإشارةُ في الصَّحيح)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «رفع أصبعه السبابة، وقد أحناها
شيئًا» (¬1)، ومَن قال: إنَّه لا يشير أصلًا فهو خلافُ الرواية والدراية»، مع أنَّها ظاهر الرواية، وبها أخذ عامّة المتون والكتب المعتمدة.
وهذا يؤثر بإنزال مرتبة متنِهِ إلى درجة أقل من المتون المتقدّمة.
وأما تمييزه بين القوي والأقوى والضعيف، فهو ظاهر في كتبه، ففي كلِّ صفحة من صفحاتها يصرَّح بالتصحيح والترجيح بين الأقوال، لكن في بعضِ المسائل لا يصيب في تعيين الأقوى منها، ومنها:
1.جمع الإمام بين التَّسميع والتَّحميد في قوله: «فيجمع بين التسميع والتحميد (لو) كان (إمامًا) هذا قولُهما، وهو روايةٌ عن الإمامِ - رضي الله عنه - اختارَها في «الحاوي القدسي»، وكان الفضليُّ والطحاويُّ وجماعةٌ من المتأخرين يَميلون إلى الجمع، وهو قول أهل المدينة»، قال ابنُ عابدين (¬2): «لكنَّ المتون على قول الإمام - رضي الله عنه -»، وهو عدم الجمع.
2.اشتراطه نيّة استقبال القبلة في قوله: «والمرادُ منها بقعتَها لا البناء، حتى لو نَوَى بناء الكعبة لا يجوز إلاّ أن يُريدَ به جهةَ الكعبة، وإن نوى المحراب لا يجوز»، قال التمرتاشيّ والحصكفيّ (¬3): «ونيّةُ استقبالِ
¬
(¬1) فعن نمير الخزاعي - رضي الله عنه -، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدًا في الصلاة واضعًا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا أصبعه السبابة قد أحناها شيئًا وهو يدعو» في المجتبى للنسائي 3: 39، وسنن النسائي الكبرى 1: 377.
(¬2) في رد المحتار1: 497.
(¬3) في التنوير والدر1: 425.
القبلة ليست بشرط مطلقًا على الرَّاجح، فما قيل: لو نوى بناء أو المقام أو محراب مسجده لم يجز مفرَّع على المرجوح».
3.اعتباره لغسل فم وأنف الميت الجنب في قوله: «(ويُمْسَحُ فمُه وأنفُه بخرقة، عليه عمل الناس، (إلا أن يكون جنبًا)»، قال الطحطاوي (¬1): «قد علمت ردَّه في الجنب والكلام فيه».
وهذا يجعلنا بحاجة إلى التثبت والاحتياط في مسائل كتبه وعدم اعتبارها مطلقًا، ومثل هذا قليل فلا يسقط درجتها إلى أن تكون كتب غير معتبرة، والله أعلم.
الوظيفة الخامسة: التقريرُ والتطبيقُ في العمل والإفتاء والقضاء:
فهذه أقلُّ المراتب الاجتهاديّة، فهي بلا شَكٍّ حاصلةٌ للإمام الشرنبلالي، والنَّاظرُ في رسائلِهِ يرى مصداق هذا، فأكثرُها هي عبارةٌ عن أجوبةٍ لأسئلةٍ وردت إليه، مقرِّرًا الحكمَ فيها في المذهب بما يتوافق مع فهم المسائل وتصويرها ومراعيًا فيها قواعد رسم الإفتاء، ومنها:
1.قوله: «وإن خالفَه تصحيح الزَّيلعيّ فقد اتسع الأمر باختلاف التصحيح، فليرجع «للكنز»، فإنَّه واسع»، حيث جعل اختلاف الفقهاء
¬
(¬1) في حاشيته2: 204.
في المذهب سبب في التوسعة على الناس، وهذا من أهم قواعد رسم الإفتاء.
2.قوله: «العبرةُ في اختلاف الترجيح بما عليه الأكثر، وهم القائلون بالسقوط هنا، كما المراقي»، وهذه قاعدة مهمة في التعرف على الراجح.
3.قوله: «ولا ننهى كسالى العوام عن صلاة الفجر وقت الطلوع؛ لأنَّهم قد يتركونها بالمرّة، والصحّة على قول مجتهدٍ أولى من الترك»، ومراعاة حال الناس لا بدّ منه للمفتي.
بعد هذا العرض المختصر والموجز للوظائف الاجتهادية التي قام بها الإمام الشرنبلالي، فإنَّه يتضح لنا الدرجة الاجتهاديّة التي وصل إليها.
فالوظيفةُ الأولى ـ وهي الاستنباط ـ وإن فعلها متأثرًا باتجاه مدرسة محدّثي الفقهاء، فإنَّه غير مُسلَّم له لا من حيث تأصيل المذهب ولا أطوار الاجتهاد ولا الأهليّة له؛ لذلك ذكر ابن عابدين (¬1) عن هذه الدرجة: «لأنَّ أحدًا ليس من أهل الاجتهاد في زماننا ... »، فينبغي
¬
(¬1) في رد المحتار5: 419.
الإعراض عن مسائله المستنبطة هكذا؛ لأنَّ تقليد المجتهد الأعظم من عصر السلف والخيرية صاحب الأصول المسطورة المشهورة مقدّم.
وأما الوظائف الأخرى فاجتهاده فيها مقبول، وينتبه فيه إلى ما كان ترجيحه بطريق الحديث وليس مراعٍ فيها قواعد الإفتاء وأصل ومبنى الباب، فهذه هي الطريقة المعتبرة عند أئمتنا الفقهاء؛ لأنَّ معاني الأحاديث والقرآن أصبحت مختصرة في أصول بنيت عليها الأبواب، مقرّةٍّ من قبل المجتهد الأعظم، ووافقه عليها أئمة الاجتهاد في المذهب طوال التّاريخ، وهو أولى من ترجيح لظاهر حديث معارض بغيره مما هو أقوى منه.
وفيما عدا ذلك نحتاج إلى التحقق من التزامه في ترجيحه وتصحيحه وتمييزه بتحقيق قواعد رسم المفتي وأصول الأبواب بملاحظة هل وافقه غيره بما يقرِّره.
وعلى كلٍّ فهو إمام كبير جدًا، لقي قبولًا عجيبًا؛ لشدّة إخلاصه وقوّة علمه، فكانت كتبُه محطَّ أنظار الفقهاء ممّن جاء بعده، فالحصكفيُّ يعتمد عليه كثيرًا، وهذا يجعل اجتهاده في التخريج أو الترجيح أو التمييز مذكورٌ في كتب مَن جاء بعده، كما رأينا هذا في الصفحات الماضية، فما يكون من اجتهاده مجانبًا للصواب نرى ردّهم عليه وعدم قبولهم له.
وبالتالي كتبه معتبرة إلا فيما ذكرنا، والأكمل قراءة ما فيها مع كتب غيره للتثبت أكثر، ومراجعة حاشية ابن عابدين مفيد جدًا في ذلك، فهو شديد التتبعّ للإمام الشرنبلاليّ في كتبه.
إذن فهو مجتهد في المذهب بلغ مرتبة رفيعة وإن لم يصل إلى كمالها، نحتاج إلى التثبت والتأكد من تخريجاته وترجيحاته وتميزاته بحيث يكون مَن جاء بعده وافقه عليها.
خاتمة البحث:
وفي نهاية هذا البحث توصلت إلى هذه النتائج ولخصتها في النقاط الآتية:
1.تنحصر تصرّفات المجتهدين في عشرة وظائف: استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير، ولكلّ واحدة جانبان، وكلُّ وظيفة منها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، وهي تتحصَّل بقدر توفيق الله - عز وجل - من مصاحبةِ العلماءِ، والبحثِ، والتَّدريسِ، والإفتاءِ، والقدرةِ العقليّة، وإكثارِ المطالعة في كتب التاريخ والطَّبقات والفتاوى والشُّروح وغيرها.
2.تنقسم طبقاتُ الحنفية إلى أربعةِ طبقاتٍ: مجتهدٌ مطلق، ومجتهد مطلق منتسب، ومجتهد منتسب، ومجتهد مذهب، وهو تقسيم زماني أولى
بالقبول من طبقات ابن كمال باشا؛ لما فيه من تصوُّر التسلسل التاريخي في نموّ المذهب وتطوره وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة.
3.لم يُسَلَّم للشرنبلالي بالوظيفةُ الأولى ـ وهي الاستنباط ـ لا من حيث تأصيل المذهب ولا أطوار الاجتهاد ولا الأهليّة له، وأما الوظائف الأخرى فاجتهاده فيها مقبول، وينتبه فيه إلى ما كان ترجيحه بطريق الحديث فلم يُسَلَّم في المذهب.
4.الإمام الشرنبلالي إمامٌ كبير جدًا، لقي قبولًا عجيبًا؛ لشدّة إخلاصه وقوّة علمه، فكانت كتبُه محطَّ أنظار الفقهاء ممّن جاء بعده، فهو مجتهد في المذهب بلغ مرتبة رفيعة وإن لم يصل إلى كمالها، نحتاج إلى التثبت والتأكد من من التزامه في ترجيحه وتصحيحه وتمييزه بتحقيق قواعد رسم المفتي وأصول الأبواب بملاحظة هل وافقه غيره بما يقرِّره، ومراجعة حاشية ابن عابدين مفيد جدًا في ذلك، فهو شديد التتبعّ للإمام الشرنبلاليّ في كتبه.
المراجع:
1. ابن حنبل حياته وعصره آراؤه الفقهية وفقهه: للإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.
2. الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول: لعلي بن عمر الكافي السبكي (ت756هـ)، ت: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1404هـ.
3. أصول الإفتاء: لمحمد تقي الدين العثماني، مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند.
4. أصول الكرخي: لأبي الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم الكرخي (260 - 340هـ)، مطبعة جاويد بريس - كراتشي، بعناية: عصمت الله عنايت الله.
5. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، بدون دار طبع، وتاريخ طبع.
6. آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس: لعبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)، المطبع المصطفائي، لكنو، 1300هـ.
7. تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار: لعبد الرحمن بن حسن الجبرتي المؤرخ (ت1237هـ)، دار الجيل، بيروت.
8. تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ضمن مجموع رسائله، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9. حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح: لأحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ الحنفي (ت1231هـ)، ت: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ.
10. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: لمحمد أمين المحبي (ت1699م)، دار صادر.
11. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13. سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر: لأبي الفضل محمد خليل مراد الحسيني (ت1206هـ)، دار البشائر الإسلامية، دار ابن حزم، ط3، 1408هـ - 1988م.
14. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
15. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
16. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
17. شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الجصاص (ت370هـ)، ت: د. سائد بكداش وآخرون، طبعة دار البشائر، ط1، 2010هـ.
18. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
19. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
20. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
21. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ طبع.
22. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، المطبعة الميرية ببولاق، مصر، 1300هـ.
23. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضًا: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
24. الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان): لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310هـ.
25. فصول البدائع في أصول الشرائع: لمحمد بن حمزة الفناري، مطبعة يحيى أفندي، 1289هـ.
26. قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار على «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»: لعلاء الدين محمد بن (محمد أمين المعروف بابن عابدين) بن عمر بن عبد العزيز عابدين الحسيني الدمشقي (ت: 1306هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان.
27. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
28. مختار الصحاح: لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت666)، ت: حمزة فتح الله، مؤسسة الرسالة، 1417هـ.
29. المدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان: للدكتور أحمد سعيد حوى، دار الأندلس الخضراء، جدة، ط1، 1423هـ.
30. المذهب الحنفي: لأحمد بن محمد نصير النقيب، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1422هـ.
31. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
32. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
33. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، ت: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
34. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
35. معجم المطبوعات العربية والمعربة: لإلياس سركيس، مطبعة سركيس، مصر، 1928م.
36. مقدمة نصب الراية: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (ت1371هـ)، ضمن مقدمات الكوثري، دار الثريا، دمشق، ط1، 1997م.
37. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
38. المنهج الفقهي للإمام اللكنوي: للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، دار النفائس، عمان، 1422هـ.
39. موسوعة الأعلام (تراجم موجزة للأعلام)، موقع وزارة الأوقاف المصرية.
40. الموقظة في علم مصطلح الحديث: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط1، 1405هـ.
41. ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق: لشهاب بن بهاء الدين المرجاني (ت1306هـ)، طبعة قازان، 1287هـ.
42. حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي: لمحمد بن زاهد الكوثري (ت1378هـ)، دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر، 1368هـ.
43. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
* * *