درجات أقوال ....
.. فقهاء الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
درجات أقوال ....
.. فقهاء الحنفية
الطبعة الأولى
1445 هـ ـ 2024 م
درجات أقوال
فقهاء الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص البحث:
اهتممتُ في هذا البحث ببيان درجات الأقوال لفقهاء الحنفية: أي الاعتبار الذي حصلته قبولاً أو رداً، بحيث يمكن معرفة درجة هذا الأقوال، فيكون أعلى درجة معتمداً، ثم معتبراً، ثم قولاً مصححاً، ثم قولاً، ثم ضعيفاً، ثم خطأً، ثم شاذاً، مع بيان قواعد الترجيح بين الأقوال المختلفة في المذهب، وقد بلغت عشرة طرق.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن درجات الأقوال مختلفة عن طبقات المسائل، كما هو مبيّن في مطلب خاص به، بحيث يتبين لنا في درجات الأقوال ما الرتبة التي حصل عليها هذا القول في الاعتبار وعدمه، بعد الترجيح الذي تمّ في هذه المسألة؛ لأن عامة المسائل فيها خلاف بين الفقهاء في ترجيحها.
ويجب علينا الأخذ بما رجحه المرجحون، وهذا بعد التتبع للخلاف الذي حصل بينهم فيها، فيكون في المسألة عدة أقوال، وكلُّ قول له نوع اعتبار أو رَدّ.
فإذا كان يوجد قولين قريبين في الترجيح كان أحدُهما معتمداً والآخر معتبراً، وأمكننا العملُ بالمعتبر مع وجود المعتمد لمطلق وجود حاجة لذلك.
وإن تباعد الترجيح بين القولين كان أحدهما معتمداً والآخر مُصحَّحاً، ولم يجز العمل بالمُصحَّح ما لم توجد حاجة ظاهرة لذلك.
في حين لو كان أحد القولين خطأً أو شاذاً، فإنه لا يجوز العمل به البتة؛ لأنه لم يعد قولاً صالحاً للعمل.
وأهمية البحث: تكمن في الوقوف على درجات أقوال الفقهاء، بحيث نتمكَّن من معرفة قوة القول وضعفه، وكونه محلاً للعمل أو لا، بسبب كثرة الترجيح وكثرة الاختلاف وتَعدُّد الأقوال، فلا بُدَّ من التّمييز بينهما، ووضع الأقوال في المسألة الواحدة في درجات تُمكِّن من الاستفادة منها أو عدمها.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: ما هي درجات أقوال فقهاء الحنفية؟ وما هو الفرق بين طبقات المسائل ودرجات الأقوال؟ وهل درجات الأقوال مطبقة عملياً في كتب الفقهاء؟ وما هي قواعد الترجيح بين الأقوال المختلفة في المذهب؟
ولم أقف على دراسةٍ سابقةٍ اهتمّت ببيان درجات أقوال فقهاء الحنفية، تُظهر الرُّتبة العملية الحاصلة لكل قول في كتب الفقهاء.
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في دراسة أقوال فقهاء الحنفية، على حسب الاعتبار والرَّدِّ لها في كتب الفقهاء، ثمّ المنهج التّحليلي
للتعرّف على الدرجات التي يُمكن أن تصنف من خلالها، بحيث يكون استيعاب لهذا التطبيق الموجود في الكتب الفقهية.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمتُ البحث إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة:
فالتمهيد في طبقات المسائل.
والمبحث الأول: في متعلقات الأقوال وقواعد ترجيحها:
والمبحث الثاني: في درجات أقوال الفقهاء.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
تمهيد في طبقات المسائل:
ذكرت في بحث طبقات مسائل الحنفية: أنّ طبقات مسائل الحنفية على الإجمال ثلاثة: ظاهر الرواية وغير ظاهر الرواية والنوازل، وعلى التفصل على النحو الآتي:
الأول: مسائل الأصحاب، وهي أربعة:
أولاً: مسائل أبي حنيفة:
1.ظاهر الرواية، وهي الأعلى درجة، وتمثل المذهب على الحقيقة.
2.غير ظاهر الرواية، وهي أقوال الضعيفة؛ لضعف أصولها أو ثبوتها.
ثانياً: مسائل الصاحبين:
1.ظاهر الرواية، وهي الرتبة الثانية بعد ظاهر الرواية عند أبي حنيفة، فيؤخذ بها لحاجة تقتضيها.
2. غير ظاهر الرواية، وهي أدنى رتبة من أقوال أبي حنيفة في غير ظاهر الرواية، فيؤخذ بها للضرورة بشرطها.
ثالثاً: مسائل زفر والحَسن:
وهي أقلُّ رتبةً من قول أبي حنيفة والصاحبين في غير ظاهر الرواية.
رابعاً: مسائل سائر الأصحاب سوى مَن ذكر، وهي أقلُّ رتبةً من قول زُفر والحَسَن.
الثاني: مسائل المشايخ، «علماء القرن الثالث والرابع»:
أولاً: التخريجات، وهي ثلاثة درجات:
1.التخريجات المعتبرة؛ لتوافق أكثرُ المشايخ على التخريج.
2. التخريجات الضعيفة؛ لإعراض عامة العلماء عنها مثل هذا التخريج، وإنما يبقى قولاً لبعضهم.
3.التخريجات الخاطئة؛ لسبق ذهن حصل من الفقيه، فلا يعد قولاً في المذهب.
ثانياً: المستنبطات، وهي درجتان:
1.الاستنبطات المعتبرة: لاعتبار مَن جاء بعدهم، وصارت قولاً له اعتبار، واجتهاداتُ هذه الطبقةِ أقلُّ حالاً من الاجتهادات ممن سبقهم.
2.الاستنبطات الضعيفة: فلم يأخذوا بها، ولم يُصحِّحوها، فتكون قولاً ضَعيفاً في المذهب، يُمكن العملُ به للضَّرورة.
الثالث: مسائل الفقهاء «علماء القرن الخامس إلى يومنا»:
أولاً: التخريجات، وهي ثلاثة درجات: معتبرة وضعيفة وخاطئة، كما سبق، لكنها في رتبة أقل من تخريجات المشايخ؛ لنزول رتبتهم الاجتهادية.
ثانياً: المستنبطات، وهي مردوة بكاملها؛ لفقدان أهلية الاستنباط في هذه العصور.
المبحث الأول
متعلقات الأقوال وقواعد ترجيحها
ويشتمل هذا المبحث على أربعة مطالب في الفرق بين طبقات الأقوال وطبقات المسائل، وطبقات الأقوال في كتب الحنفية، وأهمية معرفة درجات الأقوال، وقواعد الترجيح بين الأقول المختلفة في المذهب على النحو الآتي:
المطلب الأول: الفرق بين درجات الأقوال وطبقات المسائل:
ينفذ كل من الطبقتين إلى بعضهما البعض، بحيث أن طبقة المسائل تبين لنا قوتة المسألة وضعفها من حيث المجتهد الصادرة عنه كالأصحاب أو المشايخ أو الفقهاء، ومن قوة النقل واعتبار أصول البناء في ظاهر الرواية وغيره، وهذه الطبقة للقول مؤثرة في اعتبار القول معتمداً أو غيره.
لا سيما التفصيل الأخير لطبقات المسائل يُساعد كثيراً في التحليل الذي نتمكَّن من خلاله معرفة مراتب الأقوال.
فمعرفة طبقة المسألة مؤشر فعال في معرفة طبقة القول، فهو أداة مهمة في القياس، لكنّ الاعتماد الأقوى في تحديد القول، هو اعتماد الفقهاء له في سائر طبقات الفقهاء؛ لأنه ما يقارب نصف أقوال ظاهر الرواية عند أبي حنيفة التي يفترض أن يكون العمل عليها؛ لتوفر أعلى الشروط في اعتبارها أعلى طبقة في المسألة اعتمد غيرها، فقد ترك العمل بها في أبواب كاملة كما في باب المزارعة والمساقاة والحجر والوقف.
قال قاضي خان (¬1): «إن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان: كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقولِ صاحبيه؛ لتغيير أحوال النّاس، وفي المزارعة والمعاملة ونحوها يختار قولهما؛ لإجماع المتأخرين على ذلك».
¬
(¬1) في فتاوى قاضي خان 1:1.
وكذلك في كتب القضاء صار العمل على قول أبي يوسف، قال ابن عابدين (¬1): «الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء، كما في «القنية» و «البزازية»: أي لحصول زيادة العلم له به بالتجربة؛ ولذا رجع أبو حنيفة عن القول بأنَّ الصدقة أفضل من حج التطوع لما حج وعرف مشقته، وفي «شرح البيري»: أنَّ الفتوى على قول أبي يوسف أيضاً في الشهادات».
وبالتالي كان مبحث طبقات الأقوال مختلف تماماً عن بحث طبقات المسائل؛ لأنك تجد طبقات مسائل متأخرة مثال أقوال زفر والحسن، ولكنها صارت معتمدة فقهية ومقدَّمة على ظاهر الرواية.
وهذا مثل اعتمادهم لعشرين مسألة لزُفر رغم تأخر قوله والإفتاء بها وجعلها المعتمد في المذهب، قال ابن عابدين (¬2): «فصارت جملة المسائل ـ أي المعتمدة من قول زفر ـ عشرين، وقد نظمتها كذلك».
فطبقاتُ المسائل لها قانونها ونظامها، ودرجات الأقوال لها قواعدها وأصولها التي تُعتبر بها، ولا يُغني واحدٌ منهما عن الآخر في عمل الفقهاء؛ لأنهم حدَّدوا طبقة المسألة، وطبقة القول أيضاً، فيقولون: من النوادر، والفتوى عليه، ويذكرون أنها من ظاهر الرواية، والفتوى على غيرها، وهذا لا يُحصى كما سيأتي.
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 71.
(¬2) في رد المحتار 3: 607.
المطلب الثاني: درجات الأقوال في كتب الفقهاء:
مصطلح «درجات الأقوال» لم يستخدمها الفقهاء، واستخدموا مصطلح «أقوال» في مسألة فيها خلاف، كقولهم (¬1): «الماء المستعمل ثلاثة أقوال: أظهرها كقول محمد»، وقولهم (¬2): «لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال»، ولكن هذا مختلفٌ عن الطبقات، فهو يبيِّن أنّ في المسألة اختلافاً وأقوالاً، والمقصود بالطبقات معرفة رتبة كل واحد من الأقوال، وبالتالي هذه التسمية لا يعرف لها استعمال في كتب الفقهاء.
أمّا من جهة الاستخدام العَملي، فهي موجودةٌ لا سيما عند علماء ما بعد الألف هجري حيث اعتنوا عنايةً فاقةً بجمع الأقوال لكل مسألة، وبيان رتبةَ كل واحد منهما، كما يظهر هذا جلياً في حواشي «الدر المختار» للحلبي والطحطاوي وابن عابدين و «عمدة الرعاية على شرح الوقاية» للكنوي وغيرها من شروح «الكنز» و «الملتقى».
مثلاً: قال ابن عابدين (¬3): «فهذه أربعة أقوال كلها مصححة، وذكر التمرتاشي في «منح الغفار» أن المعتمد ما في «فصول العمادي» أعني القول الثالث، وأن شيخه صاحب «البحر» أفتى به، ... لكن الذي اعتمده ففيه النفس الإمام قاضي خان هو القول الأول».
¬
(¬1) ينظر: العناية 1: 86.
(¬2) ينظر: البدائع 5: 192.
(¬3) في رد المحتار 3: 154.
وقال (¬1): «الحاصل أن في المسألة أربعة أقوال كلها مصححة والأول قول الإمام وهو ظاهر الرواية وعليه المتون والأخيران أفتى بهما المتأخرون لتغير الزمان».
فيكون البحثُ تنظيماً لعمل الفقهاء ضمن طبقاتٍ للأقوال يتعرَّف من خلالها طبقة كلّ قول من الأقوال على حَسَب المرتبة التي يُعطونها له، وتيسيراً لمعرفة المعتمد من غيره من خلال قوانين الفقهاء، بحيث يُعمل استقراءٌ لأفعال العلماء في اعتماد الأقوال وردِّها، ثم وضعُها في قالبٍ يُمكن من خلاله معرفة طبقة كلِّ قول على عرف القوم.
فالبحث يسعي إلى إكمال حلقة في علم رسم المفتي بتيسير الوصول لمعرفة درجة كلّ قول، من خلال اصطلاح الفقهاء واستعمالهم، بحيث تُبيَّن معادلة الفقهاء في الحكم على اعتبار كلِّ قول وردِّه، ويُتحاكمُ إليها في سائر المسائل.
وبسبب هذا الغموض الذي يكتنف المنهجية التي يتَّبعها الفقهاء في الوصول لمرتبة القول، فقد نَدُرَ في زماننا مَن يَتَمكن من هذه المعرفة بحيث يُميِّز قوَّة الأقوال وضعفها ومعتمدها وضعيفها.
وهذا غايةٌ في الخطورة؛ لأنّ الاستفادةَ من الفقة شرطُها معرفة مكانة القول، حتى نتمكّن من العمل به أو تركه، وهذا يجعل علم الفقه نظرياً تاريخياً، لا عملياً وديناً يُعاش.
¬
(¬1) في رد المحتار2: 105.
وبالتالي التُّمكن من فهم قانون الفقهاء في معرفة الراجح من غيره، ضمن منهجيةٍ علميةٍ فقهيةٍ منضبطةٍ يَفتح باباً واسعاً في خدمة الفقه خاصّة والدين عامة، وييسر على المسلمين عيش الإسلام، ويسهل على الطلبة والكملة فهم الفقه والعمل به والإفتاء للناس بما فيه.
المطلب الثالث: أهمية معرفة درجات الأقوال:
يشيع في كتب الفقهاء التصحيحات المختلفة للأقوال والاعتماد والرد، فلا بد من ميزان نستطيع من خلاله فهم هذه الترجيحات، بحيث يوضع نظرية تساعد على معرفة المعتمد من غيره، فتمكن أهمية ذلك فيما يلي:
1.الوصول للمعتمد في المذهب، فبعد معرفة مراتب درجات الأقوال، نتمكن من معرفة أقواها، وهو المعتمد الفقهي.
2.التمكن من الاختيار بين الأقوال المعتمدة والمعتبرة؛ لقوّتها وقربها من بعضها، فلا ينكر الأخذ بالمعتبر مع وجود المعتمد.
3.الأخذ بالقول المصحح في المذهب إن وجد حاجة مقتضية له؛ لكونه نال اعتباراً.
4.الاستفادة من الأقوال غير المصححة في المذهب إن وجد حاجة ملحة لها؛ لأنها محل للعمل بصدورها عن مجتهدين، ولم يحكم بضعفها.
5. تجنب الأقوال الضعيفة في العمل إلا لضرورة؛ لأن مرتبته متدنية.
6. اعتبار القول الخاطئ والشاذ من دائرة العمل مطلقاً؛ لأنها ليست حكماً شرعياً.
7.إنزال كل قول منزلته من الاعتماد والاعتبار والتصحيح والتضعيف والترك، بحيث تكون الرؤية واضحة لمراتب هذه الأقوال.
المطلب الرابع: قواعد الترجيح بين الأقوال المختلفة في المذهب:
واعتماد القول يرجع لاعتبارات منها: طبقة القائل كمجتهد مطلق أو منتسب أو مذهب، ودرجته بين الأصحاب أو فقيه النفس أو فقيه أو محقق أو مفتي أو عالم، وطبقة المسألة من جهة الظاهر وغيره والنوازل، وطبقات الكتب من جهة الاعتماد والاعتبار والمردود، ومن جهة العمل ضرورة أو عرفاً أو تيسيراً، ومن جهة موافقة أصول الأبواب والمسائل، على تفصيلها على النحو الآتي:
أولاً: الترجيح بطبقة القائل من مجتهد مطلق أو منتسب أو مذهب:
لا شكّ أنّ اجتهاد المطلق مقدَّم على المنتسب، والمنتسب على المذهب، فإنّ كان القول صادراً باجتهاد مطلق من المجتهدين المطلقين، فمقامه أعلى فيما لو كان صادراً مجتهد منتسب كالطحاوي، وهكذا؛ لتقدم كل طبقة في الاجتهاد على التي تليها.
قال الحلبي (¬1): «فلله درّ الإمام الأعظم ما أَدَقّ نظرَه وما أَسدَّ فكرَه وإلاّ ما جَعَلَ العلماءُ الفتوى على قولِهِ في العبادات مُطلقاً، وهو الواقعُ بالاستقراء ما لم يكن عنه رواية كقولِ المخالف: كما في طهارةِ الماءِ المستعمل، والتيمُّمِ فقط عند عدمِ غيرِ نبيذ التَّمر».
ثانياً: الترجيح بدرجة القائل في طبقة المجتهدين المطلقين المتنوعة أو بدرجته في طبقة المجتهدين المنتسبين أو في المذهب من فقيه نفس أو فقيه أو محقق أو مفتي أو عالم:
فمثلاً: تقدم درجة أبي حنيفة على غيره في الترجيح، فإذا كان أحد القولين المصححين قول الإمام الأعظم والآخرُ قول بعض أصحابه كأبي يوسف ومحمّد، فإنّه يُقدَّم قول أبي حنيفة؛ لأنَّه عند عدم التَّرجيح لأحدهما يُقَدَّمُ قولُ الإمام فكذا بعده (¬2).
ومثلاً: يُقَدَّم ترجيح فقيه النفس في طبقة المجتهدين المنتسبين طبقة المجتهدين في المذهب؛ لأنّ العبرة في الترجيح بقوة اجتهاد القائل، فكلّما ارتفعت درجة القائل في الاجتهاد كان قوله أقوى من غيره، قال ابن قُطْلُوبُغا (¬3): «ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس».
¬
(¬1) في شرح المنية ص66.
(¬2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص460.
(¬3) في تصحيح القُدوريّ ص134.
ثالثاً: الترجيح من جهة طبقة المسألة في الظاهر وغيره والنوازل:
وإذا كان أحدُهما ظاهر الرِّواية والآخر غيره، فالرَّاجح ما هو ظاهر الرِّواية، قال ابنُ عابدين: «إذا كان أحدُهما ظاهر الرِّواية فيُقَدَّم على الآخر».
وقال ابنُ (¬1) نُجيم: «الفتوى إذا اختلفت كان التَّرجيحُ لظاهر الرِّواية».
وقال أيضاً (¬2): «ما خَرَجَ عن ظاهرِ الرّوايةِ فهو مرجوعٌ عنه، والمرجوعُ عنه لم يبقَ قولاً للمجتهد كما ذكروه».
رابعاً: الترجيح من جهة طبقات الكتب في الاعتماد والاعتبار والردّ:
معلوم أن الكتب لها طبقات من الاعتماد والاعتبار الردّ، فإن كان في الكتب المعتمدة فهو مقدَّمٌ على الكتب المعتبرة، وما في الكتب المعتبرة مقدَّمٌ على ما في الكتب المردودة.
فيعتبر اعتماد الكتاب إن اختلف الترجيح، فكلّما كان الكتاب أكثر اعتماداً كان ما فيه من التّرجيح مُقدَّمٌ على ترجيح غيره، ومن ذلك:
1.إذا كان أحد التَّصحيح مذكوراً في المتون والآخر مذكوراً في غيرها، فالراجح ما في المتون؛ لأنّ أعلى مراتب التَّصحيح أن يكون تصحيحاً صريحاً في المتون؛ لأنّ المتونَ التزمت أن تذكر الصَّحيح، فإن صرَّحوا بالتصحيح قدم على غيره، ولأنَّه عند عدم التَّصحيح لأحدِ القولين يُقَدّمُ ما
¬
(¬1) في البحر3: 239.
(¬2) في البحر 6: 294 باختصار.
في المتون؛ لأنَّها الموضوعةُ لنقل المذهب، فكذا إذا تعارض التَّصحيحان، قال (¬1): «فقد اختلف التَّصحيح، والفتوى والعمل بما وافق المتون أولى».
2.لا يقدم ما في الكتب المردودة كالفتاوى من جهة أصل المذهب:
قال الطَّرسوسيُّ: «لا يفتى بنقول الفتاوى، بل نقول: الفتاوى إنَّما يُستأنس بها إذا لم يوجد ما يُعارضها من كتب الأصول ونقل المذهب، أمّا مع وجود غيرها لا يلتفت إليها، خصوصاً إذا لم يكن نصٌّ فيها على الفتوى» (¬2).
خامساً: الترجيح من جهة العمل ضرورة أو عرفاً أو تيسيراً:
فما كان من الأقوال أنسب للناس قُدِّم على غيره؛ لأنّ الإسلامَ وُجد ليعمل به، والفقهاءُ يَسعون لتطبيق الشريعة بما لا يُخالف القواعد، فالإفتاءُ بلا نظر للواقع ممتنعٌ، وليس بفقه، ومن ذلك:
1.إن كان أحدهما أوفق بالزّمان كان راجحاً على غيره، قال ابن عابدين (¬3): إذا كان أحدُهما أَوْفق لأهل الزَّمان، فإنَّ ما كان أوفق لعرفهم أو أَسهل عليهم فهو أولى بالاعتماد عليه؛ ولذا أفتوا بقول الإمامين في مسألةِ تزكية الشُّهود وعدم القضاء بظاهر العدالة؛ لتغيّر أحوالِ الزَّمان، فإنَّ الإمامَ كان في القرن الذي شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيريّة بخلاف عصرهما، فإنَّه قد فشى فيه الكذب فلا بُدّ فيه من التزكية.
¬
(¬1) في البحر الرائق 2: 92.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص446 عن أنفع الوسائل.
(¬3) في شرح العقود ص461.
وكذا عَدَلوا عن قولِ أئمتنا الثلاثة في عدمِ جوازِ الاستئجار على التعليم ونحوِه؛ لتغيُّر الزَّمانِ ووجودِ الضرورةِ إلى القولِ بجوازِه».
2. يُقدَّم قول أبي يوسف في أبواب القضاء على غيره؛ لزيادة تجربته:
الرّاجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء المختلفة؛ لتجربته الطويلة فيه، وهذا يؤكد أنّ التّرجيح بين المجتهدين برسم المفتي، فلمّا كانت تجربة لأبي يوسف في القضاء كانت أقواله متوافقة مع الواقع وملائمة له، فجعلوا الفتوى على قوله؛ لما فيه منَ التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ولأنَّ الفقه وسيلةٌ لتنظيم الحياة وليست غايةً في نفسِه، وإنَّما الغاية مرضاة الله بالتّقوى، فما كان من أقوال الأئمة أنسب للحياة فهو أولى بالفتوى والعمل، كما رأينا من تطبيقهم.
قال ابن عابدين (¬1): «الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء، كما في «القنية» و «البزازية»: أي لحصول زيادة العلم له به بالتجربة؛ ولذا رجع أبو حنيفة عن القول بأنَّ الصدقة أفضل من حج التطوع لما حج وعرف مشقته، وفي «شرح البيري»: أنَّ الفتوى على قول أبي يوسف أيضاً في الشهادات».
3. يقدّم قول محمّد في مسائل الأرحام من الفرائض:
الرّاجح قول محمّد في جميع مسائل الأرحام من باب الفرائض.
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 71.
قال الحلبي (¬1) في مسألة القسمة على ذوي الأرحام: «وبقول مُحمّد يُفتى».
سادساً: الترجيح من جهة موافقة أصول الأبواب والمسائل:
فكلُّ باب من الأبواب الفقهيّة له مقصدٌ وُضِع من أجل تحقيقِه، فما كان من الأقوال محقِّقاً لمقصدِه وأصلِه قُدِّم على غيره، ومن أمثلته:
1.يقدم أحد القولين إن كان أنفع للفقراء فيما يتعلّق بالزكاة:
إن كان أحد القولين أنفع للفقراء، فهو أولى من غيره في باب الزكاة؛ لموافقة أصل الباب في فرضية الزَّكاة بنفع الفقير، فما يكون من الأقوال يُحقِّق هذا المعنى يُقدّم على غيره، فيُفتى بقول أبي حنيفة في باب الزروع؛ لأنه يوجبها في كلِّ ما يخرج من الأرض بلا شرط نصابٍ ولا بلوغٍ ولا عقلٍ ولا حولٍ؛ لكثرة النَّفع للفقراء به.
2.يُقدَّم أحد القولين المصحَّحين إن كان أنفع للوقف فيما يتعلَّق بالوقف:
لما كان الوقفُ مشروعاً لتحقيق النَّفع لمصارف الوقف بإيصال الخير لهم وزيادة البر بهم، والواقف وقف ماله لتحقيق هذا المعنى، فإنّه يُرجَّح القول الذي يحقِّق مصلحته ويزيده ويحافظ عليه.
¬
(¬1) في الملتقى ص 525.
قال ابنُ عابدين (¬1): «إذا كان أحدُهما أَنفع للوقف لما صرَّحوا به في «الحاوي القدسي» وغيره: من أنَّه يُفتى بما هو أَنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه».
3. يُقدَّم أحد القولين إن كان أدرأ للحدّ في باب الحدود:
ما يكون من الأقوال المصحّحة فيما يتعلَّق بالحدود، وهو أدرأ لإيقاع الحدّ، فإنه أولى من غيره؛ لأنّ مبنى الحدود على الدَّرء، فالقول الموافق لقاعدة الباب يُقدَّمُ على غيره.
4. يُقدَّم القول الأبعد عن الحرمة من القول الآخر:
إذا كان التَّعارض بين الحلِّ والحرمة، فالرَّاجحُ هو المحرَّم (¬2)؛ لأنّ تركَ المباح لا حرج فيه، بخلاف الوقوع في الحرام ففيه حرجٌ.
سابعاً: الترجيح من جهة الترجيح الصريح والالتزامي:
وبيان ذلك: أن الترجيح نوعان: صريح والتزامي، وفيه ما يلي:
1.يقدَّم الترجيح الصريح على الترجيح الالتزام عادة:
وهذا لأنه نصّ واضحٌ على الاعتبار، وهذا ليس مطلقاً، وإنما له تقديم في الاعتبار لا غير؛ لأننا نجد تصحيح المتون التزامي، ومع ذلك يقدم عادة
¬
(¬1) في شرح العقود ص461.
(¬2) ينظر: أصول الإفتاء ص36 - 37، وغيرهما.
على غيره، وكذلك ما التزمته العديد من الكتب المعتمدة في اعتبارها، فكان مقدماً وإن لم يكن صريحاً.
قال اللكنوي (¬1): «إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى، فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثم للفتاوى؛ إلا إذا وجد التَّصحيح ونحو ذلك فيما في الشُّروح والفتاوى، ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يُقدَّم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى».
2. ألفاظ الترجيح:
ومنها: به نأخذ، أو عليه فتوى مشايخنا، أو هو المعتمد، أو هو الأشبه، أو هو الأوجه، أو به يعتمد، أو عليه الاعتماد، أو عليه العمل اليوم، أو هو الظاهر، أو هو الأظهر، أو هو المختار، أو به جرى العرف اليوم، أو هو المتعارف، أو به أَخذ علماؤنا، وغيرها، فجميع هذه الألفاظ متساوية.
قال الرملي (¬2): «وفي أَوّل «المضمرات»: أمّا العلامات للإفتاء فقوله: وعليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وعليه عمل الأمّة، وهو الصحيح، وهو الأصحّ، وهو الأظهر، وهو المختار في زماننا، وفتوى مشايخنا، وهو الأشبه وهو الأوجه».
والمعتبر أنَّ الأصحّ أرجح من الصّحيح إن صدر القولان من شخص، فيكون ذكره للأصح ترجيحاً على الصّحيح، وإن كان من شخصين فأكثر،
¬
(¬1) في النافع الكبير ص25ـ 26.
(¬2) في الفتاوى الخيرية ق 319/ أ.
فالأَولى عدم التّرجيح باللَّفظ، وإنَّما النّظر للكتاب الذي ذُكِرَت فيه والعالم القائل له، فيرجح بهما لا باللفظ؛ لأنهم يريدون الترجيح ولا يهتمون للفظ الذي استخدم في الترجيح.
قال ابنُ عابدين (¬1): «إن كان كلٌّ منهما بلفظ الأصحّ أو الصحيح، فلا شبهة في أنَّه يتخيّر بينهما إذا كان الإمامان المصحِّحان في رتبةٍ واحدة.
أمّا لو كان أحدُهما أعلم، فإنَّه يَختار تصحيحه: كما لو كان أحدُهما في «الخانيّة» والآخر في «البَزّازيّة» مثلاً، فإنَّ تصحيح قاضي خان أقوى، فقد قال العلامةُ قاسم: «إنَّ قاضي خان من أحقِّ مَن يُعْتَمَدُ على تصحيحه» (¬2).
ولا التفات للفظ في الترجيح من جهة التطبيق العملي، وإنَّما يرجح بالقائل والكتاب المذكور فيه لفظ التّرجيح، وهذا هو الظاهر من استخدام ألفاظ الترجيح في الكتب، حيث تجد أنَّ المفتي لو اهتم باللفظ ولم ينتبه للقائل والكتاب لن يستطيع التوصل للراجح؛ لوجود التساهل في إطلاق ألفاظ الترجيح المتنوعة على ما يرجحون، وأنَّهم لا يقصدون التفضيل بين الألفاظ، وإنَّما يُعبّر كلٌّ منهم برجحان ما اختار من قول بأي لفظ من ألفاظ الترجيح.
¬
(¬1) في شرح العقود ص458.
(¬2) انتهى من التصحيح والترجيح 1: 5 بتصرف يسير.
وما يعرض من نقاش في الكتاب في التَّرجيح بالألفاظ هو نقاش نظري، يرجع للاستخدام اللغوي، لا إلى التطبيق العملي الشائع في كتب المذهب
3.وجوه الترجيح الالتزامي:
يكون التَّرجيح الالتزامي بمعرفة مناهج علماء مذهبه في تأليف كتبهم؛ إذ أنّ لكلِّ مؤلِّف طريقة في الترجيح بين الأقوال، يتعرفها المفتي بكثرة مطالعة الكتب وشروحها وحواشيها بالإضافة للنَّظر فيما أُلف في رسم المفتي، ومن هذه الحالات:
أ. تقديم القول الرَّاجح:
قد التزم بعض المؤلِّفين بأنَّهم يُقدِّمون القول الرَّاجح عندهم في الذِّكر على الأقوال المرجوحة، قال ابنُ عابدين (¬1): «إنَّ أوّل الأقوال الواقعة في «فتاوى الإمام قاضي خان» له مَزِيَّة على غيره في الرُّجحان».
ب. تأخير دليل القول الراجح:
فإنّ عامة الكتب التي التزمت ذكر الدَّلائل كـ «الهداية» و «المبسوط» وغيرهما، فعادتهم المعروفة أنهم يذكرون دليل القول الراجح في الأخير، ويجيبون عن دلائل أقوال أخر، فالدليل المذكور في الأخير يدلّ على رجحان مدلوله عند المؤلّف.
¬
(¬1) في شرح العقود ص450.
قال ابنُ عابدين: «وما عداهما ـ أي «الخانية» و «الملتقى» ـ من الكتب التي تُذْكَرُ فيها الأقوال بأدلّتها: كـ «الهداية» وشروحها، وشروح «الكنز»، و «كافي النَّسفيّ»، و «البدائع» (¬1)، وغيرها من الكتب المبسوطة، فقد جرت العادة فيها عند حكاية الأقوال: أنَّهم يؤخرون قول الإمام، ثمّ يذكرون دليل كلّ قول، ثمّ يذكرون دليل الإمام متضمناً للجواب عمّا اسْتَدلّ به غيرُه، وهذا ترجيحٌ له، إلاّ أن ينصّوا على ترجيح غيره».
ج. ذكر دليل القول الراجح:
وهذا إذا ذكر دليل قول واحد فقط وأهمل دليل الآخر، فالراجح ما ذكر دليله، والظَّاهر أنَّ الكتب التي تهتمّ بذكر الاستدلال لا ترجّح من جهة الدليل إلاّ قول الإمام، وإن كانت الفتوى على خلاف قوله، فيرجحون القول الآخر من جهة أصول التطبيق من ضرورة وعرف وغيرها.
قال ابن عابدين (¬2): «وكذا لو ذكروا قولين مثلاً وعلَّلوا لأحدهما، كان ترجيحاً له على غيرِ المُعلَّل».
ثامناً: الترجيح من جهة اختيار الأكثر له:
¬
(¬1) لكن قال العثماني في أصول الإفتاء ص35: «ويظهر من صنيع صاحب البدائع أنَّه يفعل ذلك ـ أي تقديم القول الراجح ـ أيضاً في الغالب».
(¬2) في شرح العقود ص 452.
فيُقدَّم أحدُهما إن كان مختار أكثر المشايخ والآخر مختار قليل منهم، فالراجح ما اختاره الأكثر، قال ابن عابدين (¬1): «إذا كان أحد القولين المصحّحين قال به جلّ المشايخ العظام».
وقال البيري: «إنَّ المقرَّرَ عن المشايخ أنَّه متى اختلف في المسألة،
فالعبرة بما قاله الأكثر» (¬2).
تاسعاً: الترجيح من جهة أن يكون القول استحساناً:
فيُقدَّم أحد القولين المصححين إن كان قياساً والآخر استحساناً، فالراجح الاستحسان، قال ابن عابدين (¬3): «إذا كان أحدُهما الاستحسان والآخر القياس؛ لما قدَّمناه من أنَّ الأرجح الاستحسان إلاّ في مسائل».
وأكثر هذا الاستحسان يرجع لرسم المفتي، ويُعدُّ ترجيحاً لما هو أنسب للواقع من أقوال الفقهاء، والأولى عدّه من الجانب التطبيقي للفقه، فيكون ذكره ترجيحاً.
قال ابن عابدين: «ما في عامّةِ الكتبِ من أنَّه إذا كان في مسألةٍ قياسٌ واستحسانٌ، تَرَجَّحَ الاستحسانُ على القياس، إلاّ في مسائل، وهي إحدى عشر مسألة على ما في «أجناس الناطفي»،وذكرها العلامةُ ابنُ نجيم
¬
(¬1) في شرح العقود ص461.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص461 عن شرح الأشباه للبيري.
(¬3) في شرح العقود ص461.
في «شرحه على المنار»، ثم ذكر أنَّ نجمَ الدين النَّسفيّ أَوصلَها إلى اثنتين وعشرين (¬1)».
عاشراً: الترجيح من جهة اختيار عامة المتون له:
لما كانت المتون تمثل أُسس بناء المذهب وأهم قواعده، فما يكون فيها مُقدَّم على غيره؛ لكونه أَوفق بالأصول المختارة من قبل الكبار.
قال خيرُ الدين الرَّمليُّ (¬2): «وحيث عُلِمَ أنَّ القولَ هو الذي تواردت عليه المتون، فهو المعتمد المعمول به؛ إذ صرَّحوا بأنَّه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى، فالمعتمد ما في المتون، وكذا يُقَدَّمُ ما في الشُّروح على ما في الفتاوى».
وقال ابن نجيم (¬3): «والعملُ على ما في المتون؛ لأنَّه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى، فالمعتمد ما في المتون، كما في «أنفع الوسائل»، وكذا يُقَدَّمُ ما في الشروح على ما في الفتاوى».
¬
(¬1) كما في فتح الغفار بشرح المنار ص388.
(¬2) في الفتاوى الخيرية ق 173/ أ.
(¬3) في البحر 6: 310.
المبحث الثاني
درجات أقوال الفقهاء
فمن خلال الاستقراء كانت الطبقات للأقوال سبعةٌ، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ يُمكن من خلالها استيعاب إطلاقات الفقهاء حكمَهم على الأقوال بالقَبول وعدمه، مع العلم أنها تحتمل الزِّيادة والنُّقصان؛ لأنّ كلَّ طبقةٍ منها تشتمل على درجاتٍ، فالأمرُ تقريبيٌّ فيها لا قطعيٌّ؛ لأنها من الاجتهاد.
الدرجة الأولى: القول المعتمد:
هذا اصطلاحٌ حادثٌ يَرمز به إلى التَّعبير عن أكثر الأقوال قوَّة، بحيث استحقَّ الاعتماد والثقة به سواء من جهة أصل المذهب أو جهة العمل، ويحدِّد هذا سبب الاختلاف بين الفقهاء، فإن كان الاختلاف راجعاً لأصول الاستنباط كان الاعتمادُ لها، وإن كان راجعاً لأصول البناء كان الاعتماد راجعاً لها، وإن كان راجعاً لأصول التطبيق كان الاعتماد راجعاً.
وهذا الأمرُ مطردٌ دائماً في كلِّ درجات الأقوال، فليس من الدقة العلمية هو إطلاق الاعتماد والطبقة مطلقاً بدون الالتفات إلى أصلها؛ لأنها مبنية عليه وتابعة لها.
واستعمل الفقهاء مصطلح: «المعتمد» في كتبهم مئات المرات منها: في «المبسوط» (4) مرات، وفي «الهداية» مرة، وفي «العناية» (6) مرات، وفي
«البدائع» مرتان، وفي «درر الحكام» (11)، وفي «الاختيار» واحدة، وفي «فتح القدير» (10) مرات، وفي «البناية» (9) مرات، وهكذا.
واستعملوا مصطلح: «وعليه الاعتماد» في كتبهم منها: في «المبسوط» مرتان (¬1)، وفي «الهداية» مرتان، وفي «العناية» (5) مرات، وفي «البدائع» واحدة، وفي «درر الحكام» (4) مرات، وفي «فتح القدير» (4) مرات، وفي «البناية» (7) مرات، وهكذا.
فهي عبارة ترجيح بين الأقول نصطلح بها على أقوى الأقوال سواء استنباطاً أو بناء أو تطبيقاً، على حسب سبب الاختلاف.
الدرجة الثانية: القول المعتبر:
لا يوجد اصطلاح من الفقهاء في استعمال هذا اللفظ في الترجيح إلا نادراً، كما قال قاضي خان (¬2): «وليس في هذا قول معتبر، وهذا ظن ما استند إلى دليل فلا يورث شبهة» (¬3).
فهو اصطلاحٌ حادثٌ من جهة الاستقراء في قولين توافقت أقوال العلماء على اختيارهما وترجيحهما، لكن وجد ميزةٌ لأحدهما بحيث قُدِّم، وإن كان الثاني قريبٌ منه جداً فلا يُنكر على آخر تقديمه.
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 21: 19.
(¬2) في الفتاوى 1: 217.
(¬3) ينظر: رد المحتار 2: 412.
وبالتالي لزم العمل بالقوم المعتمد، ويُمكن العمل بالقول المعتبر لتقاربها، ويَدخل في باب تعارض التصحيح الذي نصُّوا على جواز الاختيار بين القولين.
قال ابنُ عابدين (¬1): «هذا كلُّه إذا تعارض التَّصحيح؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من القولين مساوٍ للآخر في الصحّة، فإذا كان في أحدِهما زيادةُ قوّة من جهةِ أُخرى، يكون العملُ به أَولى من العمل بالآخر.
وكذا إذا لم يُصرَّح بتصحيح واحدٍ من القولين، فيُقَدَّم ما فيه مرجِّح من هذه المرجِّحات: ككونه في المتون، أو قول الإمام، أو ظاهر الرّواية ... الخ».
وقال ابن عابدين (¬2): «وإذا كان في المسألة قولان مصححان جاز الإفتاء والقضاء بأحدهما «بحر» وتمرتاشي».
فمثلاً: مسألة: نقض الوضوء بالنوم قاعداً، فالقولُ المعتمدُ أن العبرة بالظهر، فلو استند إلى ما لو أُزيل لسقط، واختاره صاحب «الوقاية» (¬3)، و «النقاية» (¬4)، و «ملتقى الأبحر» (¬5)، والطحاوي (¬6)، والقُدُوريّ (¬7)، وصاحب «الهداية» (¬8)، وصاحب «الاختيار» (¬9)، وصاحب «المحيط» (¬10).
¬
(¬1) في شرح العقود ص462.
(¬2) في رد المحتار4: 363.
(¬3) ص89.
(¬4) ص5.
(¬5) ص3.
(¬6) في مختصره ص19.
(¬7) في مختصره ص2.
(¬8) ص15.
(¬9) ص16 - 17.
(¬10) ص144.
والقول المعتبر: أن لا ينقض ما لم ترتفع المقعدة، واختاره صاحب «الدر المختار» (¬1)، وصحَّحه صاحب «البدائع» (¬2)، وقال: وبه أخذ عامة المشايخ، وصحَّحه الزَّيْلَعي (¬3)، وقال: رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة.
فنلاحظ أن القول الأول كان معتمداً؛ لاختيار المتون له، والقول الثاني معتبراً؛ لاختيار الكبار له كالكاساني والزيلعي وغيرهم، فيكون المفتي مخيراً بالعمل بأيهما؛ لا سيما للمسافر بالطائرة أو الباص أو القطار أو السيارة، فالقول الثاني أسهل عليه في العمل ما لم يرفع رجليه فترتفع مقعدته.
الدرجة الثالثة: القول المصحح:
هذه المصطلح مشهور في كتب الفقهاء لا سيما المتأخرة كـ «رد المحتار»، وإطلاقهم العام له أن هذا القول أو الأقوال وَرَدَ عليها تصحيح واعتماد بحيث يُمكن العمل بها إجمالاً.
¬
(¬1) 1: 95.
(¬2) 1: 31.
(¬3) في التبيين 1: 10.
قال الشُّرُنْبُلاليّ (¬1): «وهذا أحد أقوال ثلاثة مصححة»، وقال (¬2): «وذكر في «البحر» ستة أقوال فيها مصححة».
وقال ابن عابدين (¬3): «ونفي كراهة النافلة وقت الاستواء على قول أبي يوسف المصحَّح المعتمد».
وقال (¬4): «والحاصل أنهما قولان مصححان، وأن المعتمد الثاني؛ لكونه ظاهر الرواية والمتون»، وقال (¬5): «والقول بوجوب الصدقة فيه هو المذهب المصحح»، وقال (¬6): «اعلم أن المذهب المصحح الذي عليه الفتوى».
والمراد به مصطلح خاص مختلف إجمالاً عن هذا الاستعمال، وهو أن القول ورد عليه تصحيح من واحد أو أكثر، وغيره من الأقوال اعتمد أو اعتبر؛ لكثرة ما اهتم العلماء به واختاروه، فيكون القول أقل درجة من القول المعتبر، ولا يجوز العمل إلا لحاجة ظاهرة، بحيث يترك ما اعتمدوه أو اعتبروه ويؤخذ به، فهو محل للعمل في الجملة مع الحاجة.
¬
(¬1) الشرنبلالية1: 335.
(¬2) في الشرنبلالية 1: 402.
(¬3) رد المحتار2: 165.
(¬4) رد المحتار2: 373.
(¬5) رد المحتار2: 556.
(¬6) رد المحتار3: 578.
ويخطئ مع يَعمل به ابتداء أو يُفتي به مع وجود ما هو أقوى منه اعتماداً.
ومن هذا استعمال ابن عابدين (¬1) في قوله: «ينبغي أن يصح على قول أبي يوسف المصحح»، ومن أمثلته في «رد المحتار»:
ـ قول الصّاحبين بقبول شهادة أهل المحلّة على مَن قتل واحد فيها: قال ابن عابدين (¬2): «وقد وقعت هذه الحادثة في زماننا، وتكرَّرَ السؤال عنها، وملت فيها إلى الجواب بقول الإمامين؛ لأنه قولٌ مصحَّحٌ أيضاً، فقد قال في «الدر المختار» عن «الحاوي القدسي»: وبقولِهما نأخذ؛ ولأنه يلزم على قولِ الإمام في زماننا حصول ضرر عظيم على جهةِ الأوقاف وغيرها لا يقول به أحدٌ».
ـ قبول شهادة المستور: قال ابن عابدين (¬3): «اذا كان في السماء علّة من نحو غيم أو غبار قبل لهلال رمضان خبر عدل في ظاهر الرواية أو مستور على قول مصحح لا ظاهر فسق اتفاقاً».
ـ الرد بالغبن الفاحش: قال ابن عابدين (¬4): «وهل الرد بالغبن الفاحش قول مصحح في المذهب».
¬
(¬1) رد المحتار4: 397.
(¬2) في نشر العرف ص41.
(¬3) تنبيه الغافل1: 234.
(¬4) تحبير التحرير2: 66.
الدرجة الرابعة: القول غير المصحيح:
والمقصد به أن يوجد قول ليس له تصحيح صريح ولا دلالة، ولا تضعيف صريح ولا دلالة، فمثل هذا أعلى رتبة من الضعيف وأقل درجة من الصحيح، فيحتاج إلى ضرورة أقلّ حالاً مما في يحتاجه القول الضعيف.
ومثل هذا كثير جداً لا سيما في أقوال الصاحبين مما لم تصحَّح ولم يعمل بها في المذهب من قبل كافّة العلماء، لكنها تُنقل وتُنسب لهما، فيُمكن أن توصف بالضَّعيفة؛ للإعراض عنها، ولكن جعلها في درجة أعلى من الضعيف؛ لعدم النص عليها صريحاً بالضعف أو دلالة أولى.
ومن أمثلة ذلك:
ـ صلاة سنة العشاء الليل كلّه، وفيها ثلاثة أقوال:
1.وقتها قبل الوتر وبعده حتى لو فاته بعضها، وقام الإمام إلى الوتر أوتر معه، ثم صلى ما فاته، وهذا القول اختيار صاحب «الوقاية» (¬1)، و «الكنز» (¬2)، و «الملتقى» (¬3)، و «المراقي» (¬4)، وظاهر اختيار ملا مسكين في «شرح
¬
(¬1) ص 171.
(¬2) ص 17.
(¬3) ص 19.
(¬4) ص 405.
الكنز» (¬1)، وصحَّحه صاحبُ «الاختيار» (¬2)، وقال صاحب «الدر المختار» (¬3): هو الأصحّ.
2.ما بين العشاء والوتر، وصحّحه في «الخلاصة»، ورجحه في «غاية البيان» بأنَّه المأثور المتوارث (¬4).
3.أنَّ وقتها الليل كله قبل العشاء وبعده، وقبل الوتر وبعده؛ لأنَّها قيام الليل، قال صاحب «البحر» (¬5): لم أر مَن صححه.
ـ يقنت المؤتم في الفجر مع إمامه، وفيها أقوال:
1.إن قنتَ إمامُه فيه سكتَ هو قائماً، واستظهره صاحب «الملتقى» (¬6)، و «التنوير» (¬7)، ليتابع الإمام فيما يجب متابعته فيه.
2.قال أبو يوسف: يقنت المؤتم في الفجر تبعاً لإمامه؛ لالتزامه متابعته بالاقتداء به (¬8).
¬
(¬1) ص40.
(¬2) 1: 93.
(¬3) 1: 473.
(¬4) ينظر: رد المحتار1: 473.
(¬5) 2: 73.
(¬6) ص18.
(¬7) 1: 449.
(¬8) وتمامه في فتح باب العناية 1: 325، والمنحة 1: 208.
الدرجة الخامسة: القول الضعيف:
وهذا مصطلح مستعمل في الكتب فيما يكون من الأقوال ضعيفاً، قال ابن الهمام (¬1): وهذا «مبني على قول ضعيف»، وقال (¬2): «هذا قول ضعيف نقل عن بعض الأصحاب».
وقال ابن نجيم (¬3): «إن قولهم: بأن ماء البئر يصير مستعملاً عند الكل، مبني على قول ضعيف عن محمد، والصحيح من مذهب محمد أن ماء البئر لا يصير مستعملاً مطلقاً؛ لأنّ المستعمل هو ما تساقط عن الأعضاء، وهو مغلوب».
وقال ابن نُجيم (¬4): «فظهر بهذا أن ما ذكره في المتن: من أنّ البعرتين لا ينجسان؛ للإشارة إلى أنّ الثلاث تنجس إنما هو على قول ضعيف».
والمقصود بالقول الضعيف هنا القول الذي نصوا على ضعفه صريحاً أو دلالة، فلم يبقَ محلاّ للعمل إلا إذا وُجِدت ضرورةٌ، حيث جوَّزا فيها العمل بالقول الضعيف فيها.
ومن أمثلته:
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 10: 432.
(¬2) ينظر: فتح القدير 2: 65.
(¬3) ينظر: البحر الرائق 1: 104.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 1: 119.
ـ جواز لبس الحرير إن عمت به البلوى: ففي مسألةِ لبس الحرير فالمعتمد حرمةلبسها للرَّجل سواءٌ كانت ملتصقةً على الجسم أو يوجد حائل بينها وبين الجسم، وعن أبي حنيفة: إنَّما يحرم إذا مست الجلد. قال في «القنية»: وهي رخصةٌ عظيمةٌ في موضع عَمَّت به البلوى (¬1)، فلا يكره لبس الحرير إذا لم يتصل بجلده حتى لو لبسه فوق قميص من غزل أو نحوه لا يكره (¬2).
ـ إجزاء الكفارة في تعليق النذر بما لا يريده: ففي مسألة النذر بشرط ووجد الشرط وفّى بالمنذور وإن علَّقه بشرط لا يريد كونه: كإن شربت الخمر فعليّ ألف دينار، وعن أبي حنيفة: أنّه مخيّر بين الوفاء أو الكفّارة؛ لأنَّ فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره نذرٌ، فيتخيّر ويميل إلى أي الجهتين شاء بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام معنى اليمين فيه، قال في «الهداية» وهذا التفصيل هو الصحيح وبه كان يفتي إسماعيل الزاهد كما في «الظهيرية»، وقال الولوالجي: مشايخ بلخ وبخارى يفتون بهذا، وهو اختيار شمس الأئمة؛ لكثرة البلوى في هذا الزمان (¬3).
ـ التوسع في زلة القاري: ففي مسائل زلة القارئ توسع المتأخرون: كابن مقاتل وابن سلام وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني، بخلاف المتقدمين: كأبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد،
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار1: 351.
(¬2) ينظر: معين الحكام1: 378.
(¬3) ينظر: البحر الرائق4: 320، ومن قواعد المتقدمين: أنَّ المعتبر عدم الفساد عند عدم تغيّر المعنى كثيراً وجود المثل في القرآن عند أبي يوسف، والموافقة في المعنى عندهما.
فقالوا: إنَّ الخطأ في الإعراب لا يفسد مطلقاً ولو اعتقاده كفراً؛ لأنَّ أكثر النَّاس لا يميزون بين وجوه الإعراب. قال قاضي خان: وما قال المتأخرون أوسع، وما قاله المتقدمون أحوط؛ وإن كان الخطأ بإبدال حرف بحرف، فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة كالصاد مع الطاء بأن قرأ الطالحات مكان الصالحات فاتفقوا على أنَّه مفسد، وإن لم يمكن إلا بمشقة كالظاء مع الضاد والصاد مع السِّين فأكثرهم على عدم الفساد؛ لعموم البلوى (¬1).
الدرجة السادسة: القول الخطأ:
وهذا المصطلح معروف في كتب الفقهاء، قال علي حيدر (¬2): «قال صاحب «الأشباه» بعدم الضمان بهذا التجهيل، إلا أن هذا القول خطأ، «الطحطاوي»».
وهو ما لا يُعدُّ قولاً في المذهب؛ لكونه مخالفاً لرواياته وأُصوله، فكان صادراً من قائل نتيجة سبق ذهن أو سبق قلم، وإلا فالقواعد تأباه ونقول المعتبرات لا ترضاه.
ومثله حقّ الرد وعدم العمل والفتوى به؛ لكونه مخالفاً للشرع، فلا يلتفت إليه وينبه عليه.
واهتم ابن عابدين (¬3) وابن نجيم (¬4) بهذه القضية من وجود أقوال خطأ في المذهب ولو شاعت وانتشر في المذهب، فقال ابن عابدين: «وقد يتفق نقل
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 631.
(¬2) في درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3: 372.
(¬3) في «شرح عقود رسم المفتي» ص 13.
(¬4) في البحر الرائق 6: 200 - 201.
قول في نحو عشرين كتاباً من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأ أخطأ به أول واضع له فيأتي من بعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض».
وقال ابن نجيم (¬1): «وأنا متعجب لكونهم تداولوا هذه العبارات متوناً وشروحاً وفتاوى ولم يتنبهوا لما اشتملت عليه من الخطأ بتغير الأحكام، والله الموفق للصواب، وقد يقع كثيراً أن مؤلفاً يذكر شيئاً خطأ في كتابه فيأتي من بعده من المشايخ فينقلون تلك العبارة من غير تغيير ولا تنبيه، فيكثر الناقلون لها، وأصلها لواحد مخطئ».
وقال ابن عابدين (¬2): «ولهذا الذي ذكرناه نظائر كثيرة، اتفق فيها صاحب «البحر»، و «النهر»، و «المنح»، و «الدر المختار»، وغيرهم، وهي سهوٌ، منشؤها الخطأ في النقل، أو سبق النظر، نبَّهت عليها في حاشيتي «ردّ المحتار»؛ لالتزامي فيها مراجعة الكتب المتقدمة التي يعزون المسألة إليها، فأذكر أصل العبارة التي وقع السهو في النقل عنها، وأضمُّ إليها نصوص الكتب الموافقة لها؛ فلذا كانت تلك الحاشية عديمة النظير في بابها، لا يستغني أحدٌ عن تطلابها، أسأله سبحانه أن يعينني على إتمامها.
¬
(¬1) في البحر الرائق: 201.
(¬2) في شرح عقود رسم المفتي ص43.
فإذا نظر قليلُ الاطّلاع، ورأى المسألة مسطورةً في كتابٍ أو أكثر، يَظُنُّ أنَّ هذا هو المذهب، ويفتي به، ويقول: إنَّ هذه الكتب للمتأخرين الذين اطّلعوا على كتب مَن قبلهم وحرَّروا فيها ما عليه العمل، ولم يدرِ أنَّ ذلك أَغْلَبيّ، وأنَّه يقع منهم خلافه ـ كما سطّرناه لك ـ».
ومن أمثلته:
ـ مسألة: اشتراط عدم التمييز بتبعية الصبي لأحد والديه ديناً، قال ابن عابدين (¬1): «إن الصبي يصير مسلماً؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين ديناً، ولا فرق بين كون الولد مميزاً أو لا، ونقل الخير الرملي: وأن الشِّلبي أَفتى باشتراط عدم التمييز، لكن صرَّح السَّرْخَسي في «شرح السير» بأن هذا القول خطأ».
ـ مسألة: عدم قبول توبة ساب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عابدين (¬2): فقد نقل صاحبُ «الفتاوى البَزَّازيّة»: أنَّه يجب قتلُه عندنا، ولا تقبلُ توبتُه، وإن أَسْلَم ... وذكروه في كتبِهم، حتى خاتمة المحقِّقين ابنُ الهُمام (¬3)، وصاحبُ «الدرر» و «الغرر» (¬4)، مع أنَّه خلال المنقول في كتب المذهب المتقدِّمة: ككتاب «الخراج» لأبي يوسف (¬5)، و «شرح مختصر الإمام الطحاوي»، و «النتف» (¬6)،
¬
(¬1) في رد المحتار2: 230.
(¬2) في شرح عقود رسم المفتي ص38.
(¬3) في فتح القدير 6: 98.
(¬4) في درر الحكام 1: 301.
(¬5) في الخراج ص 199.
(¬6) في النتف 2: 694.
وغيرها من كتب المذهب ـ كما أوضحت ذلك غاية الإيضاح بما لم أُسْبَق إليه، ولله الحمد والمِنّة في كتاب سميته: «تنبيه الولاة والحكّام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام».
ـ مسألة ضمان الرهن بدعوى الهلاك، قال ابن عابدين (¬1): «قد ذكر في «الدرر» (¬2) و «شرح المجمع» لابن ملك: أنَّه يضمن بدعوى الهلاك بلا بُرهان، وتبعهُما في متن «التنوير»، ومقتضاه: أنَّه يضمن قيمته بالغة ما بلغت، وبه أَفتى العلامة الشيخ خير الدين، وأنَّه لا يضمن شيئاً إذا برهن، مع أنَّ ذلك مذهب الإمام مالك، ومذهبنا ضمانه بالأقلّ من قيمتِه ومن الدين، بلا فرق بين ثبوت الهلاك ببرهان وبدونه، كما أوضحه في «الشرنبلاليّة» (¬3) عن «الحقائق»، ونبهتُ عليه في حاشيتي «ردّ المحتار على الدر المختار»، مع بيان مَن أَفتى بما هو المذهب، ومَن رَدَّ خلافَه».
الدرجة السابعة: القول الشاذ:
ويقصد بها القول المخالف للإجماع؛ لأن مخالفة الإجماع مسقطة لاعتبار القول، فلا يجوز العمل؛ لأنه لم يبق شريعة؛ لكون الإجماع أقوى الحجج القاطعة في الاعتبار.
¬
(¬1) في شرح عقود رسم المفتي ص 41.
(¬2) ينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام 2: 249.
(¬3) الشرنبلالية 2: 249.
فلا يجوز الفتوى ولا العمل قطعاً بما يخالف الإجماع.
ويطلق الشاذّ من قبل الفقهاء ويراد به المخالف للإجماع عادة، ومنها:
ـ الإجماع على جواز تزويج الولي للصغار، قال الجصاص (¬1): «قال أحمد: أما الأب والجد، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في أنّ لهما أن يزوجا الصغار، إلا شيء يحكى عن عثمان البتي وابن شبرمة، أنهما قالا: لا يزوج الأب الصغيرة، وهو قولٌ شاذٌّ في الأمة قد سبقهما بخلافه الصدر الأول».
ـ عدم جواز الاستئجار على التلاوة المجردة، قال ابن عابدين (¬2): «فكيف يسوغ لأحد القول بجواز الاستئجار على التلاوة المجردة التي لم تدع ضرورة أصلاً إلى جواز الاستئجار عليها، فقد ظهر لك أن ما نقله التمرتاشي عن «صرة الفتاوى» عن «الحاوي» قول شاذ مخالف للمنقول في المتون والشروح والفتاوى، و «الحاوي» للزاهدي مشهورٌ بنقل الروايات الضعيفة، ولذا قال ابن وهبان وغيره إنه لا عبرة بما يقوله الزاهدي مخالفاً لغيره، وعزوه هذه المسألة إلى «المبسوط» الله أعلم بصحته لما علمت من مخالفته؛ لما في كتب المذهب».
واعتبروا مَن يأخذ بالقول الشاذ يكون من الشواذ، قال ابن الهمام (¬3): «واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دفن ابنها، وهي غائبة في غير بلدها فلم
¬
(¬1) ينظر: شرح الجصاص للطحاوي4: 293.
(¬2) ينظر: العقود الدرية2: 127.
(¬3) في فتح القدير 2: 239.
تصبر، وأرادت نقله على أنه لا يسعها ذلك، فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يُلتفت إليه».
الخاتمة وأهم النتائج:
خلص البحث إلى ما يلي:
1.أن طبقات المسائل مختلف تماماً عن درجات الأقوال، لكن طبقة المسألة مؤشر قوي على طبقة القول، فطبقة المسألة راجعة الزمان والقائل وصحة النقل وموافقة أصول الأبواب، لكنّ الاعتماد الأقوى في تحديد القول، هو اعتماد الفقهاء له في سائر طبقات الفقهاء، وهذا بالالتفات لرسم المفتي.
2.وجود الطبقات للأقوال في كتب المتأخرين عملياً لا نظرياً، فالبحث يُقَدِّم إطاراً نظرياً لأفعال الفقهاء، بحيث يضع اصطلاحات نميز من خلالها كيفية اعتمادهم للأقول وترجيحها، فيُقدِّم نظرية كاملة لدرجات الأقوال من خلال الاستقراء يتمكَّن الباحثون من خلالها فهم فعل الفقهاء، والقدرة على الحكم على طبقة الأقوال.
3.للترجيح له قواعد عديدة لها جهات متعددة، منها:
أ. الترجيح بطبقة القائل من مجتهد مطلق أو منتسب أو مذهب.
ب. الترجيح بطقة المجتهد بدرجة المجتهدين المطلقين المتنوعة، أو بدرجة في طبقة المجتهد المنتسب.
ج. الترجيح بطبقة المسألة من الظاهر وغيره والنوادر.
د. الترجيح بطبقات الكتب في الاعتماد والاعتبار والرد.
هـ. الترجيح بالعمل للضرورة أو للعرف أو للتيسير، أو غيره.
و. الترجيح بموافقة أصول الأبواب والمسائل.
ز. الترجيح بالترجيح الصريح أو الالتزامي.
ح. الترجيح باختيار الأكثر.
ط. الترجيح من جهة الاستحسان.
ي. الترجيح باختيار عامة المتون.
4.أن للأقوال طبقات تعرف من الاستقراء لفعل الفقهاء، وهي:
الدرجة الأولى: القول المعتمد: وهو أعلى الأقوال طبقة؛ لتقديم الفقهاء له على غيره، فكان هو المعول عليه في المذهب.
والدرجة الثانية: القول المعتبر: وهو قريب جداً من المعتمدة؛ لكثرة اعتبار الفقهاء له بحيث قارب طبقته المعتمد، فيجوز العمل به ابتداء مع المعتمد؛ لأنه اختلف التصحيح يجوز الاختيار بين الأقوال إجمالاً.
والدرجة الثالثة: القول المصحح: وهو أقل حالاً بكثير من المعتمد؛ لأنه تصحيح قليل قام به واحد أو أكثر، بخلاف المعتمد كثر التصحيح والاعتماد عليه، فيجوز العمل به بوجود حاجة ظاهرة.
والدرجة الرابعة: القول غير المصحَّح: وهو استنباطٌ أو تخريجٌ صادرٌ من أهله لم يلاق اعتماداً أو تَصحيحاً، فلم يوجد له ترجيحٌ صريح أو دلالة، فلا يُعمل به ما لم تكن حاجة شديدة.
والدرجة الخامسة: القول الضعيف: وهو ما نصّ الفقهاء على ضعفه صريحاً أو دلالة، فلم يعد مكاناً للعمل إلا للضرورة.
والدرجة السادسة: القول الخطأ: وهو ما لا يُعدُّ قولاً في المذهب؛ لكونه مخالفاً لرواياته وأُصوله، فكان صادراً من قائل نتيجة سبق ذهن أو سبق قلم، فلا يجوز العمل به بحال.
والدرجة السابعة: القول الشاذ: وهو القول المخالف للإجماع، فلا يعتبر، ولا يُذكر إلا للتنبيه عليه كالحديث الموضوع.
* * *
المراجع:
1. أصول الإفتاء: لمحمد تقي الدين العثماني، مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند.
2. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت 970 هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
3. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت 587 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط 2، 1402 هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
4. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت 743 هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط 1، 1313 هـ.
5. التصحيح والترجيح على مختصر القدوري لقاسم بن قطلوبغا (ت 879 هـ)، ت: ضياء يونس، دار الكتب العلمية، ط 1، 2002 م.
6. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879 هـ)، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1996 مـ.
7. تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252 هـ)، ضمن مجموع رسائله، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9. شرح عقود رسم المفتي: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252 هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار البشائر الإسلامية، ط 1، 2015 م.
10. شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الجصاص (ت370هـ)، ت: د. سائد بكداش وآخرون، طبعة دار البشائر، ط1، 2010هـ.
11. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، المطبعة الميرية ببولاق، مصر، 1300هـ.
12. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13. غنية المستملي شرح منية المصلِّي: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة سنده، 1295هـ.
14. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
15. الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان): لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310هـ.
16. الفتاوي الخيرية لنفع البرية: لخير الدين بن أحمد الرَّمْلِي الحَنَفي (993 - 1081هـ)، دار المعرفة، ط2، 1974مـ، أعيدة بالأوفست عن الطبعة الأميرية، 1300هـ.
17. فتح الغفار بشرح المنار: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ.
18. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
19. فتح باب العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
20. كتاب الخراج: لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت182هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، ط1، 1302هـ.
21. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
22. معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام: لعلي بن خليل الطرابلسي الحنفي، (ت844هـ)، دار الفكر.
23. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
24. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، تحقيق: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ج2، 1421هـ.
25. النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، عالم الكتب، ط1، 1406هـ.
26. النتف في الفتاوى: لعلي بن الحسين السغدي (ت461هـ)، تحقيق: الدكتور صلاح الدين الناهي، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1975م.
27. نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف: لمحمد أمين ابن عابدين الحنفي، بعناية وتعليق الدكتور صلاح أبو الحاج، مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات.