خلاصة آداب طالب العلم .........
....... من التبيان للإمام النووي
جارٍ تحميل الكتاب…
خلاصة آداب طالب العلم .........
....... من التبيان للإمام النووي
خلاصة آداب طالب العلم
من التبيان في آداب حملة القرآن
لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على الهداية، والشكر له على الدراية والعناية، وأفضل الصلاة والسلام على سيد الأنام، خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
وبعد:
فأثناء تجهيز مادة علوم القرآن، وقد اختصرتها من أفضل كتب علوم القرآن، وهو «مناهل العرفان في علوم القرآن» لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت 1367 هـ ـ 1948 م).
ولما لم يتعرَّض الزَّرقاني لآداب حامل القرآن، فقد اختصرتها من أشهر كتبها، وهو كتاب «التبيان في آداب حامل القرآن» للإمام النَّووي، وكان جزءاً من كتاب «التبيان» يتحدَّثُ عن آداب طالب العلم عموماً، فلم يكن من المناسب أن يتضمن في مادة علوم القرآن، ورغبت أن أُضمنها في كتابي «ومضان النور في طلب العلم المبرور» حرصاً على الإفادة من هذه الكلمات المخلصة والنصائح الصادقة من هذا الإمام العظيم للرَّاغبين بدراسة العلم الشَّرعي.
ورأيت من المناسب أن تطبع أيضاً لوحدها سعياً في نشرها وإشهارها
وإفادة الطلبة والكملة منها لما فيها من الفوائد والدرر التي يحتاجها كلُّ مَن يُقبل على طلب العلم الشَّرعي.
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولمشايخي وأبائي وكل مَن له حقّ علينا وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح، عمان، الأردن
2 ـ 12 ـ 2020 هـ
آداب لطالب العلم
أولاً: آداب معلم القرآن ومتعلمه:
أوّل ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى، قال الله - عز وجل -: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} [البينة:5]: أي الملة المستقيمة.
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1)، وهذا الحديث من أصول الإسلام.
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: «إنّما يُعطى الرجل على قدر نيته»، وعن غيره: «إنما يعطى الناس على قدر نياتهم».
وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري: الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب الى الله تعالى دون شئ آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة أو مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى، قال: ويصح أن
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 6، وصحيح مسلم 3: 1515.
يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين.
وعن حذيفة المرعشي: الإخلاص استواء أفعال العبد في الظاهر والباطن.
وعن ذي النون: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية العمل في الأعمال، واقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة.
وعن الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
وعن سهل التستري: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا.
وعن السري: لا تعمل للنّاس شيئاً، ولا تترك لهم شيئاً، ولا تغط لهم شيئاً، ولا تكشف لهم شيئاً.
وعن القشيري: أفضل الصدق استواء الصدق والعلانية.
وعن الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي، ولو خرج عن كلِّ قدر له في قلوب الخلائق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطلاع النّاس على مثاقيل الذّر من حسن عمله، ولا يكره إطلاع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم، وليس هذا من أخلاق الصِّديقين.
وعن غيره: إذا طلبت الله تعالى بالصدق أعطاك الله مرآة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة.
وأقاويل السلف في هذا كثيرة أشرنا إلى هذه الأحرف منها تنبيهاً على المطلوب.
وينبغي أن لا يقصد به توصلاً إلى غرض من أغراض الدُّنيا من مال أو رئاسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو ثناء عند النّاس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحو ذلك.
ولا يشوب المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض مَن يقرأ عليه سواء كان الرفق مالاً أو خدمة وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه، قال - عز وجل -: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب} [الشورى:20]، وقال - عز وجل -: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء:18].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلم علماً يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (¬1).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 323، وقال النووي: إسناده صحيح، والمستدرك 1: 160، وصححه.
وعن أنس وحذيفة وكعب بن مالك - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله - عز وجل - النار» (¬1).
ثانياً: إخلاص المعلم له:
وليحذر كلّ الحذر مَن قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه، والمختلفين إليه.
وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يُبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بيّنة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجّةٌ قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله - عز وجل - بتعليمه لما كَره ذلك بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلت، وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم فلا عتب عليه.
فعن عليّ - رضي الله عنه - قال: يا حملة القرآن أو قال: «يا حملة العلم اعملوا به، فإنّما العلم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً يُباهي بعضهم بعضاً، حتى أنّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في
¬
(¬1) في سنن الترمذي 5: 32، وسنن ابن ماجة 1: 93، وسنن الدارمي 1: 378.
مجالسهم، تلك إلى الله تعالى» (¬1).
وقد صحّ عن الإمام الشافعي أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم ـ يعني علمه وكتبه ـ على أن لا ينسب إلي حرف منه.
ثالثاً: مكارم الاخلاق:
وينبغي للمعلم أن يتخلّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، والخصال الحميدة والشيم المرضية التي أرشده الله إليها من الزهادة في الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر والتنزه عن دنئ المكاسب، وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك، والإكثار من المزاح، وملازمة الوظائف الشرعية كالتنظيف وتقليم بإزالة الأوساخ، والشعور التي ورد الشرع بإزالتها: كقص الشارب وتقليم الظفر وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة.
وليحذر كلّ الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار غيره وإن كان دونه.
وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات، وأن يراقب الله ... تعالى في سره
¬
(¬1) في سنن الدارمي 1: 382.
وعلانيته، ويحافظ على ذلك، وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى.
ثالثاً: الإحسان للمتعلم:
وينبغي له أن يرفق بمَن يقرأ عليه، وأن يرحب به، ويحسن إليه بحسب حاله، فعن أبي هرون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - فيقول: مرحباً بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً» (¬1).
رابعاً: إخلاص النصيحة له:
وينبغي أن يبذل لهم النصيحة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (¬2)، ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه إكرام قارئه وطالبه، وإرشاده إلى مصلحته، والرفق به ومساعدته على طلبه بما أمكن، وتأليف قلب الطالب، وأن يكون سمحاً بتعليمه في رفق متلطفاً به، ومحرضاً له على التعلم.
وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك ليكون سبباً في نشاطه، وزيادة في رغبته ويزهده في الدنيا، ويصرفه عن الركون إليها، والإغترار بها.
¬
(¬1) في سنن الترمذي 5: 30، وسنن ابن ماجة 1: 91.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 74.
ويذكره فضيلة الإشتغال بالقرآن، وسائر العلوم الشرعية، وهو طريق العارفين، وعباد الله الصالحين، وأن ذلك رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وينبغي أن يشفق على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده، ومصالح نفسه، ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه، والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره في قلّة أدبه في بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص لا سيما إن كان صغير السن.
وينبغي أن يحبّ له ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره له ما يكره لنفسه من النقص مطلقاً، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (¬1)، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: «أكرم الناس علي جليسي، الذي يتخطى النّاس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت» (¬2)، وفي رواية: «إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني» (¬3).
وينبغي أن لا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم، ويتواضع معهم، فقد جاء في التواضع لآحاد الناس أشياء كثيرة معروفة، فكيف بهؤلاء
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 12.
(¬2) في شعب الإيمان12: 111.
(¬3) في المنتقى1: 149، ومكارم الأخلاق1: 235.
الذين هم بمنزلة أولاده مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن، مع ما لهم عليه من حقّ الصحبة، وترددهم إليه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لينوا لمن تعلمون، ولمن تتعلمون منه» (¬1).
وعن أبي أيوب السِّختيانيّ: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله - عز وجل - (¬2).
خامساً: تأليف المتعلم:
وينبغي أن يؤدب المتعلِّم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية، ورياضة نفسه بالدقائق الخفية، ويعوده الصيانة في جميع أموره الباطنة والجلية، ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، ويعرفه أن لذلك تتفتح عليه أنوار المعارف، وينشرح صدره، ويتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويُبارك له في علمه وحاله، ويوفق في أفعاله وأقواله.
سادساً: حكم التعليم:
تعليم المتعلمين فرض كفاية، فإن لم يكن مَن يصلح إلا واحد تعين، وإن كان هناك جماعةٌ يحصل التَّعليم ببعضهم، فإن امتنعوا كلّهم أثموا،
¬
(¬1) في الفوائد المنتقاة الحسان للخلعي 2: 225.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 19: 495.
وإن قام به بعضُهم سقط الحرج عن الباقين، وإن طلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين أنه لا يأثم، لكن يكره له ذلك إن لم يكن عذر.
سابعاً: إخلاص المعلم:
يستحب للمعلم أن يكون حريصاً على تعليمهم مؤثراً ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية، وأن يفرغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلّها، وهي كثيرةٌ معروفةٌ.
وأن يكون حريصاً على تفهيمهم، وأن يعطي كلّ إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا يُقصر لمن يحتمل الزيادة، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويثني على مَن ظهرت نجابته ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب أو غيره.
ومَن قصَّر عنَّفه تعنيفاً لطيفاً في ما لم يخش عليه تنفيره، ولا يحسد أحداً منه لبراعة تظهر منه، ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه، فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم، فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد، ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناء الجميل.
ويُقدِّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول، فإن رضي الأول بتقديم غيره قدَّمه، وينبغي أن يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه، ويتفقد أحوالهم، ويسأل عمَن غاب منهم.
قال العلماء: ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبهم للعلم نية، وقالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله - عز وجل -، معناه كانت غايته أن صار لله تعالى.
ثامناً: أدب المعلم
ومن آدابه المتأكدة وما يعتنى به:
أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة، ويجلس بوقار، وتكون ثيابه بيضاً نظيفة، وإذا وصل إلى موضع جلوسه، صلى ركعتين قبل الجلوس، سواء كان الموضع مسجداً أو غيره، ويجلس متربعاً إن شاء أو غير متربع، وروى ابن أبي داود عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: كان يقرئ الناس في المسجد جاثيا على ركبتيه.
وأن لا يذل العلم، فيذهب إلى مكان ينسب إلى مَن يتعلم منه؛ ليتعلم منه فيه وإن كان المتعلم خليفة، فمن دونه، بل يصون العلم عن ذلك، كما صانه عنه السلف - رضي الله عنهم - وحكاياتهم في هذا كثيرة مشهورة.
وينبغي أن يكون مجلسه واسعاً؛ ليتمكن جلساؤه فيه، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خير المجالس أوسعها» (¬1).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 4: 257، وقال النووي: إسناده صحيح.
تاسعاً: آداب المتعلم:
وجميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم.
ومن آدابه: أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببا لا بد منه للحاجة.
وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس؛ ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (¬1).
وقد أحسن القائل بقوله: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة.
وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه وإن كان أصغر منه سناً وأقل شهرة ونسباً وصلاحاً وغير ذلك.
ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركه، وقد قالوا نظماً:
العلم حرب للفتى المتعالي .... كالسيل حرب للمكان العالي
وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره، ويقبل قوله، كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق وهذا أولى.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 20، وصحيح مسلم 3: 1219.
ولا يتعلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحقَّقت معرفتُه، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: هذا العلم دينٌ، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته، ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به، وكان بعضُ المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدَّق بشيء، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني، وقال الربيع صاحب الشافعي: ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له.
وعن عليّ - رضي الله عنه -: من حقّ المعلم عليك أن تُسلِّم على الناس عامة، وتخصّه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته.
وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي - رضي الله عنه -، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر، فإن تعذَّر عليه ردّها فارق ذلك المجلس.
ويدخل على الشيخ كامل الخصال متصفاً بما ذكرناه في المعلم متطهراً مستعملاً للسواك، فارغ القلب من الأمور الشاغلة.
وأن لا يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان، وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل ويخصه دونهم بالتحية.
وأن يسلم عليه وعليهم إذا انصرف، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم المجلس فليسلم، فإذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الثانية» (¬1).
ولا يتخطى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، إلا أن يأذن له الشيخ في التَّقدُّم أو يعلم من حالهم إيثار ذلك.
ولا يقيم أحداً من موضعه، فإن آثره غيره لم يقبل اقتداء بابن عمر - رضي الله عنهم - إلا أن يكون في تقديمه مصلحة للحاضرين أو أمره الشيخ بذلك.
ولا يجلس في وسط الحلقة إلا لضرورة.
ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما وإن فسحا له قعد وضم نفسه.
عاشراً: أدبه مع رفاقه:
وينبغي أن يتأدب مع رفقته، وحاضري مجلس الشيخ، فإن ذلك تأدب مع الشيخ، وصيانة لمجلسه، ويقعد بين يدي الشَّيخ قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين، ولا يرفع صوته رفعاً بليغاً من غير حاجة، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها، ولا يلتفت يميناً، ولا شمالا من غير حاجة، بل يكون متوجهاً إلى الشيخ، مصغياً إلى كلامه أدبه، مع شيخه.
¬
(¬1) في المعجم الصغير1: 230، وشعب الإيمان11: 231.
ومما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ، وملله واستيفازه سنة وروعه وغمه وفرحه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك مما يشقّ عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط، وأن يغتنم أوقات نشاطه.
ومن آدابه أن يتحمّل جفوةَ الشَّيخ وسوء خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، ويتأول لأفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التَّوفيق أو عديمه، وأنّ جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أنّ الذَّنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الدُّنيا والآخرة، وأنقى لقلب الشَّيخ.
وقد قالوا: مَن لم يصبر على ذلِّ التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومَن صبر عليه آل أمره إلى عزِّ الآخرة والدنيا، ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «ذللت طالباً، فعززت مطلوباً» (¬1).
وقد أحسن من قال:
مَن لم يذق طعم المذلة ساعة .... قطع الزمان بأسره مذلولاً
الحادي عشر: حرصه على العلم:
ومن آدابه المتأكدة: أن يكون حريصاً على التَّعلم، مواظباً عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من
¬
(¬1) في المجالسة وجواهر العلم 4: 439.
الكثير، ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملل، وضياع ما حصل، وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال.
وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظر، ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته، إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك، بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه، وأنّه لا يُقرئ في غيره.
وإذا وجد الشيخ نائماً أو مشتغلاً بمهم لم يستأذن عليه، بل يصبر إلى استيقاظه، أو فراغه، أو ينصرف والصبر أولى كما كان ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهم - وغيره يفعلون، وينبغي أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التَّحصيل في وقت الفراغ، والنشاط، وقوة البدن، ونباهة الخاطر، وقلَّة الشَّاغلات قبل عوارض البطالة، وارتفاع المنزلة، فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «تفقهوا قبل أن تسودوا» (¬1).
معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم قبل وأنتم أتباع قبل أن تصيروا سادة، فإنكم إذا صرتم سادة متبوعين امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم، وكثرة شغلكم، وهذا معنى قول الإمام الشَّافعيّ: «تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه» (¬2).
وينبغي أن يبكر بقراءته على الشيخ أول النهار؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 25.
(¬2) في المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي 1: 266.
«اللهم بارك لأمتي في بكورها» (¬1).
وينبغي أن يحافظَ على قراءة محفوظه.
وينبغي أن لا يؤثر بنوبته غيره، فإن الإيثار مكروهٌ في القرب، بخلاف الإيثار بحظوظ النَّفس، فإنّه محبوبٌ، فإن رأى الشَّيخ المصلحة في الإيثار في بعض الأوقات لمعنى شرعي، فأشار عليه بذلك امتثل أمره، ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به، ألا يحسد أحداً من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها، وأن لا يعجب بنفسه بما خصَّه الله، وقد قدمنا إيضاح هذا في آداب الشيخ وطريقه في نفي العُجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله.
ولا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه، بل أودعه الله تعالى فيه،
وطريقه في نفي الحسد: أن يعلم أن حكمةَ الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا.
فينبغي أن لا يعترض عليها، ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى ولم يكرهها.
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 35، وسنن الترمذي 3: 509، وسنن النسائي الكبرى 8: 120، وصحيح ابن حبان 11: 62.
المراجع:
1. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273 هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
2. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275 هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
3. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279 هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
4. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385 هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386 هـ.
5. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدارمي (ت 255 هـ)، تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، ط 1، 1407 هـ، دار التراث العربي، بيروت.
6. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت 303 هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1411 هـ.
7. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458 هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1410 هـ.
8. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354 هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2، 1414 هـ.
9. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256 هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط 3، 1407 هـ.
10. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
11. الفوائد المنتقاة الحسان الصحاح والغرائب (الخلعيات): لعلي بن الحسن بن الحسين الخِلَعي الشافعيّ (ت492هـ)، مخطوط، المكتبة الشاملة.
12. المجالسة وجواهر العلم: لأبي بكر أحمد بن مروان بن محمد الدينوري القاضي المالكي، دار ابن حزم، بيروت، 2002م، ط1.
13. المدخل إلى السنن الكبرى: لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت458هـ)، ت: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي.
14. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
15. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
16. المعجم الصغير: لسليمان بن أحمد الطَّبَرَانِي (ت360هـ)، تحقيق: عمر شكور محمود، المكتب الإسلامي، دار عمار، بيروت، عمان، ط1، 1405هـ.
17. مكارم الأخلاق: لعبد الله بن محمد القرشي (208 - 281هـ)، تحقيق: مجدي السيد، مكتبة دار القرآن، القاهرة، 1411هـ.
18. المنتقى من السنن المسندة: لعبد الله بن علي بن الجارود (ت307هـ)، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت، ط1، 1408هـ.