حياة الأنفاس .......
. بمسائل الحيض والنفاس
جارٍ تحميل الكتاب…
حياة الأنفاس .......
. بمسائل الحيض والنفاس
حياة الأنفاس
بمسائل الحيض والنفاس
للعلامة الفقيه نوح أفندي بن مصطفى الرُّوميّ الحنفيُّ
(تُوفي سنة 1070 هـ)
حقَّقه وخرج أحاديثه وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فمَن المعلوم أنّ مسائل الحيض من أدقّ الفقه وأَصعبها، قال الشُّرنبلالي (¬1): «الحيضُ من غوامض الأبواب، وأعظم المهمّات لأحكام كثيرة: كالطلاق، والعدّة، والنَّسب، وحلّ الوطء، والصَّلاة، والصوم، وقراءة القرآن، ومسّه، والاعتكاف، ودخول المسجد، وطواف الحجّ، والبلوغ».
وهو من العلوم التي اندرست في هذا الزَّمان، ولم يعد المعلمون والمتعلمون والنِّساء يلقون له بالاً، مع كثرةِ ما يترتب عليه من أحكام، وهذا يؤدّي إلى انتهاك حرمات الشَّرع وترك صيانتها، وهو مدعاةٌ لسخط الله تعالى، ونزول البلاء.
لذلك رغبت بتحقيق هذه الرِّسالة للعلامة الكبير نوح أفندي المنتشرة على الشَّبكة المعلوماتية (الانترنت)، وقد ذكرني بها الأخ الفاضل فراز رباني عندما أرسلها إلي قبل أشهر، لكن الفرصة لم تتيسر لذلك.
¬
(¬1) في مراقي الفلاح 1:
وسعيتُ للحصول على نسخة أخرى لها، فلم أظفر إلا بهذه النسخة، فلعل الله - عز وجل - ييسر ذلك في قابل الأيام؛ حتى يكون تصحيحها على أتمّ وأحسن صورة؛ لأنّ بعض المواضع فيها بقيت خفيةً عليّ.
واستطعتُ بفضل من الله تعالى تصحيح عامّة ما فيها من مواضع بمراجعة الأصول التي نَقَلَ عنها المصنِّف، لكن بقي بعضُها خفي عليَّ، لذلك كان لزاماً أن تقابل على نسخة أخرى متى تيسرت.
وقد نَسَبَ المؤلِّف هذه الرَّسالة لنفسِه في مقدمتِها، وهذه من أقوى الطُّرق في إثبات صحّةِ نسبةِ المخطوطِ للمؤلف.
ورأيتُ من المناسب أن أُقَدِّم بين يدي الرِّسالة بدراستين:
الأولى: في بيان قواعد الحيض والنفاس عند السَّادة الحنفية، مأخوذة من بحثي: «إعلام النساء بقواعد الحيض والنفاس».
والثَّانية: في ترجمة لمؤلف الرسالة، العلامة نوح بن مصطفى الرُّومي، وسميتُها: «الزَّهر النَّدي في ترجمة نوح أفندي».
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا به يوم المعاد، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في صويلح، عمان، الأردن 23 ـ 3 ـ 2020 م
الدراسة الأول
قواعد الحيض والنفاس
المطلب الأول: الدماء المختصة بالنساء:
(القاعدة: 1)
الدِّماء المختصة بالنِّساء ثلاثةُ حيض ونفاس واستحاضة.
فما عداها من دماء، فتشمل الرَّجل والمرأة، كدم الرُّعاف والفصد ونحو ذلك.
• • •
(القاعدة: 2)
الحيض: هو دمٌ ولو حكماً، صادر من رحم امرأةٍ بالغة، لا داء بها ولا حبل ولم تبلغ سن الإياس (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الكليات ص 399، والوقاية ص 120، وذخر المتأهلين ص 32.
فالدم الحكمي: ما يكون من طهر متخلل بين الدم الحقيقي، فله حكم الدم الحقيقي.
والدم الصَّادر من الرَّحم لمرض ليس بحيض، وإذا استمرَّ الدم كان سيلان البعضِ طبيعياً، فكان حيضاً، وسيلان البعض بسبب المرض، فلا يكون حيضاً؛ لأنَّه قد يجتمع الحيضُ والاستحاضة في دم واحد باختلاف الأزمان، فما كان في عشرةِ أَيّام له حكم الحيض، وما زاد كان استحاضة (¬1).
ومَن بها حَبل يكون الدم الخارج منها دم استحاضة؛ لأنَّ اللهَ - جل جلاله - أَجرى عادته بانسدادِ فمِ الرّحمِ بالحَبَل، فلا يَخْرُجُ منه شيءٌ حتى يخرج الولدُ أو أَكثرُه.
• • •
(القاعدة: 3)
النِّفاس: دمٌ ولو حكماً، خارج من الرحم من القُبل عقِب خروج ولد أو أكثره (¬2).
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية 1: 120، وشرح الوقاية ص 120.
(¬2) ينظر: القاموس 2: 265، والبحر الرائق 1: 229.
يعني لا يبدأ النِّفاس قبل خروج أكثر الولد، بأن ظهر صدرُه إن خرج من جهة الرأس، وظهرت سرّته إن خرجت جهة رجليه، فإن ولدت ولم تر دماً فعليها الغسل؛ لأنّ الولدَ لا ينفك عن بلّة دم.
ولو خرج الولد من غير الفرج بإن أُخرج الولد بشقّ البطن، فلا تكون المرأة نفساء، إلا إذا سال الدَّم من الرَّحم من القبل، فإنَّها تكون
نفساء، وإن لم يخرج دم من الفرج فتكون ذات جرح.
• • •
(القاعدة: 4)
الاستحاضة: وتسمى دماً فاسداً: دم ولو حكماً خارج من فرج داخل لا عن رحم، وهو ما ينقص عن ثلاثة أيام، ويزيد عن عشرة في الحيض، وعن أربعين في النفاس.
والدماء الفاسدة هي:
1.ما تراه الصغيرة أعني مَن لم يتم لها تسع سنين.
2.ما تراه الآيسة غير الأسود والأحمر.
3.ما تراه الحامل بغير ولادة (¬1).
4.ما جاوز أكثر الحيض والنفاس.
5.ما نقص من الثلاثة في مدة الحيض.
6.ما بعد مقدار عدد العادة بشرط مجاوزة العشرة.
• • •
المطلب الثاني: أنواع الدماء من حيث الصحة:
(القاعدة: 5)
الدّم الصحيح: ما لا ينقص عن ثلاثة، ولا يزيد على العشرة في الحيض، ولا عن أربعين في النفاس.
يُقصد بالدَّم الصَّحيح ما يكون حيضاً، وله أحكامُ الحيض، وهو ما بين ثلاثة أيام إلى عشرة أيام في الحيض، وفي النِّفاس من لحظةٍ إلى أَربعين يوماً.
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها في الحامل ترى الدم قالت: «الحامل لا تحيض تغتسل وتصلي» في سنن الدارقطني 1: 219، وسنن البيهقي الكبير 7: 423، وسنن الدارمي 1: 243، قال اللكنوي في العمدة: ويدلّ عليه ما وردَ برواياتٍ متعدِّدة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (منعَ من وطء السبايا الحاملة حتى تضع)، وعن وطء غير الحاملةِ حتى تستبرأ بحيضة، وما ذلك إلا لتعرّف براءة رحمها من الحمل، فجعلَ الحيض علامةَ البراءة، فعُلِمَ أَنَّ الحاملَ لا تحيض، وتمام هذا البحث في مشكل الآثار 9: 220.
• • •
(القاعدة: 6)
الدّم الفاسد: ما يَنقص عن ثلاثة، وزاد على عشرة في الحيض، وزاد عن أربعين في النِّفاس.
يُقصد بالدم الفاسد ما لا يُعَدُّ حيضاً، فلم تتوفر فيه شروط الحيض، بحيث نقص عن ثلاثة أيام وزاد عن عشرة في الحيض، وزاد عن أربعين يوماً في النفاس.
• • •
المطلب الثالث: أنواع الطهر:
(القاعدة: 7)
الطهر الصَّحيح، ويسمّى الطهر التام: ما لا يكون أقلّ من خمسة عشر يوماً، ولا يشوبه دم، ويكون بين الدَّمين الصَّحيحين.
فيكون الطهر صحيحاً بحيث تأخذ أحكام الطاهرات إن زاد عن خمسة عشرة يوماً، ولم يتخلله دم، وكان بين حيضتين.
• • •
(القاعدة: 8)
الطُّهر الفاسد، ويُسمّى الطهر الناقص: ما خالف الطُّهر الصَّحيح في واحد مما سبق.
أي كان الطهر أقل من خمسة عشر يوماً، فلا يكون طهراً صحيحاً يُمكن أن يفصل بين الحيضتين.
وكذلك إن تخلَّل دمٌ فلم يَعُد فاصلاً واحتاج إلى طريقة أُخرى في الحساب، كما سيأتي.
وإن لم يكن بين الطهر بين حيضتين كان طهراً ممتداً، وليس محلَّ بحثنا هنا؛ لأننا نتحدَّث عن طهر يفصل بين الحيضات.
• • •
(القاعدة: 9)
الطهر المتخلل بين الدمين في مدة الحيض حيض.
فكلُّ ما يقعُ من طُهر بين الدِّماء في مدة الحيض يُعَدُّ من الحيض، فإن توقف دم المرأة أثناء الحيض لدقائق أو ساعات أو أيام، فإن هذا التوقف يعد طهراً متخللاً، فتبقى فيه على أحكام الحيض.
ومدّةُ الحيض هي عشرةُ أَيام، فما توقَّف من دم في خلالها له حكمُ الدم المستمر.
• • •
المطلب الرابع: أحوال النساء في الحيض:
(القاعدة: 10)
المعتادة: مَن سَبَق منها دمٌ وطهرٌ صحيحان أو أحدُهما.
فلو كانت المخالفة في الحيض، فإن جاوز الدَّم العشرة، فتردّ إلى أيام عادتها، وما جازوها يكون استحاضة، وإن لم يجاوز العشرة، فيكون كل ما ترى حيض.
ولو كانت المخالفة في النِّفاس، بإن جاوز الدم الأربعين، فالعادة باقية ورُدَّت إليها، والباقي استحاضة، وإن لم يجاوز الأربعين انتقلت إلى ما رأته، فالكل نفاس.
• • •
(القاعدة: 11)
المبتدأة: مَن كانت في أوَّل حيض أو نفاس.
فإن رأت المبتدأة ساعة دماً، ثم أربعة عشر يوماً طهراً، ثم ساعة دماً، فالعشرة من أوله حيضٌ، فتغتسل وتقضي صومها، فيجوز ختم حيضها بالطهر لا بدؤها.
ولو ولدت فانقطع دمها، ثم رأت آخر الأربعين دماً، فكلُّه نفاس.
وإن انقطع في آخر ثلاثين ثمّ عاد قبل تمام خمس وأربعين، فالأربعون نفاس وإن عاد بعد تمام خمس وأربعين، فالنفاس ثلاثون فقط.
• • •
(القاعدة: 12)
المضللة، وتُسمّى الضالة والمتحيرة: مَن نسيت عادتها من حيض أو نفاس.
يجب على كل امرأة حفظ عادتها في الحيض والنفاس والطهر عدداً ومكاناً، فإن جنت أو أغمي عليها أو لم تهتم لدينها فسقاً، فنسيت عادتها، فاستمر الدَّم، فعليها أن تتحرَّى، فإن استقرّ ظنّها على موضع حيضها وعدده عملت به، وإلا فعليها الأخذ بالأحوط في الأحكام، بحيث إن تردَّدت تُصلِّي وتصوم احتياطاً، ولا يقدر طهرها وحيضها إلا في حقّ العدّة في الطلاق.
• • •
(القاعدة: 13)
الآيس: مَن بلغت خمساً وخمسين سنة (¬1).
فهو العمر الذي ينقطع فيه حيض المرأة عادةً، وقدّروه بخمس وخمسين سنة.
ويرى الأطباء أنَّ المرأة تبلغ سنّ الإياس غالباً ما بين سنّ الخامسة والأربعين وسنّ الخامسة والخمسين، وربما حدث قبل سنّ الخامسة والأربعين، وربما تأخر عن الخامسة والخمسين، ولكن تأخره عن هذه السنّ يكون نادراً (¬2).
وإن رأت المرأة بعد سن الإياس دماً قويَّاً: كالأسودِ والأحمرِ القاني كان حيضاً، كما لو طُلِّقت الآيسة فاعتدّت بالأشهر بناء على أن عدّةَ الآيسة ثلاثة شهور، ثم عاد دمها قوياً، فإن كان ذلك في أثناء تلك الأشهر يحكم ببطلان تلك العدّة، ويجب عليها استئناف العدّة بثلاثة حيض، لتبين كونها ذات حيض، وإن كان ذلك بعد تمام الأشهر الثلاثة لا يحكم
¬
(¬1) هذا اختيار مشايخ بخارا وخوارزم وهو المختار، ظهيرية، كما في العناية 1: 145، والهدية العلائية ص 43، وفي المحيط: وكثير من المشايخ أفتوا به، وهو أعدل الأقوال، وذكر في الفيض وغيره: إنَّه المختار، وفي الدر المختار عن الضياء: وعليه الاعتماد، وينظر: شرح الوقاية ص 120، ومنهل الواردين ص 60.
والثاني: ستون سنة، وهذا اختيار أكثر المشايخ، كما في شرح الوقاية ص 120.
والثالث: خمسون سنة، قال صاحبُ الكفاية 1: 142: وعليه الفتوى في زماننا.
والرابع: خمس وأربعون سنة، كما في المشكاة ص 79.
(¬2) ينظر: الحيض والنفاس ص 154.
ببطلانها، حتى لو نكحت زوجاً آخر بعد ثلاثة أشهر لا يفسدُ ذلك النكاح، نعم يجب عليها العدَّةُ في المستقبل بالحيض (¬1).
(القاعدة: 6)
مبدأ الحيض من وقتِ خروجِ الدَّمِ إلى الفرجِ الخارج.
يعني إن خرج من الفرج الداخل أو حاذى حرفه، فإن أحسّت ابتداءً بنزوله ولم يظهر، أو منعت منه بالشّدّ، أو الاحتشاء، فليس له حكم، وإن منع بعد الظهور أولاً فالحيض والنفاس باقيان دون الاستحاضة.
ومعلوم أن للمرأة فرجان فرج ظاهر، وفرج باطن على صورة الفم، وللفم شفتان وأسنان وجوف. فالفرج الظاهر: بمنزلة الشفتين والأسنان، وموضع البكارة بمنزلة الأسنان، والركنان بمنزلة الشفتين، والفرج الباطن بمنزلة المأكل ما بين الأسنان وجوف الفم (¬2).
¬
(¬1) اختار هذا التفصيل صدر الشريعة في شرح الوقاية ص 121، وصاحب الدر المختار 1: 202، وقال صاحب النهر: أعدل الروايات، وفي المجتبى أنَّه الصَّحيح المختار، وفي تصحيح القدوري: وهذا التصحيح أولى من تصحيح الهداية وهو بطلان العدَّة بالأشهر بعود الدم مطلقاً، كما في ردّ المحتار 1: 202، والعمدة 1: 121
(¬2) ينظر: المحيط البرهاني ص 433 - 434.
ووضع الكرسف للبكر سنة عند الحيض فقط، وللثيب مطلقاً في الحيض وغيره، ويكره وضع الكرسف في الفرج الداخل، وإن ابتلّ شيء من الكرسف الموضوع في الفرج الخارج يثبت الحيض.
وأما إذا كان الكرسف في الفرج الداخل والخارج، فإن ابتل الجانب الداخل ولم تنفذ البلّة إلى ما يحاذي حرف الفرج الداخل لا يثبت الحيض، إلا أن يخرج الكرسف.
(القاعدة: 13)
أقلُّ الحيض ثلاثة أيام ولياليها.
أعني اثنين وسبعين ساعةً، ومن أمثلته:
لو رأت عند طلوع شمس يوم الأحد ساعةً، ثم انقطع إلى فجر يوم الأربعاء، ثمّ رأت قبيل طلوعها، ثمّ انقطع عند الطلوع، يكون حيضاً.
ولو استمر من طلوع شمس الأحد إلى فجر يوم الأربعاء يكون حيضاً.
ولو رأت عند طلوع شمس الأحد وانقطع قبل طلوع فجر الأربعاء بزمان يسير، ولم تر دماً إلى تمام خمسة عشر يوماً لم يكن حيضاً.
• • •
(القاعدة: 14)
أكثر الحيض عشرة أيام.
فعن وواثلة بن الأسقع وأنس وعائشة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أَقلُّ الحيضِ ثلاثٌ وأكثرُه عشرةٌ) (¬1).
• • •
¬
(¬1) في المعجم الكبير 8: 126، واللفظ له، والمعجم الأوسط 1: 190، وسنن الدارقطني 1: 218، وطرقُه يعضد بعضها بعضاً، وقد رُوِي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه، كما في نصب الراية 1: 191، والدراية 1: 84.
(القاعدة: 15)
أقلُّ النِّفاس لا حَدّ له (¬1).
يعني إذا ولدت المرأة وانقطع الدَّم تغتسل وتُصلِّي؛ إذ لا حاجة إلى أَمارةٍ زائدةٍ على الولادة، ولا دليل للحيض سوى امتداده ثلاثة أيّام، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: «لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي» (¬2).
(القاعدة: 16)
أكثره النفاس أربعون يوماً.
ومعدل المدّة لدى أغلب النساء في تقدير الأطباء (24) يوماً، وتزيد المدة إذا لم ترضع المرأة وليدها، ... وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً، وإذا طالت مدة نزول الدم أكثر من ذلك دلّ على وجود بقايا من المشيمة في الرّحم، أو أنَّ الرّحم انقلب إلى الخلف بدلاً من وضعه الطبيعي إلى الأمام أو لوجود أورام ليفية أو التهابات (¬3).
¬
(¬1) المعتمد أنَّها تصير نفساء وإن لم ترَّ دماً؛ لأنَّ الولدَ لا ينفك عن بلّة دم، وهو قول أبي حنيفة وأكثر المشايخ أخذوا به، وبه يُفتى، كما في المحيط، وصححه في الظهيرية والسراج، فكان هو المذهب كما في البحر، كما في منهل الواردين ص 34، 56، وذخر المتأهلين ص 56.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 1: 342، وسنن الدارقطني 1: 223، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 331: رجاله ثقات وسنده مما لا بأس به.
(¬3) ينظر: الحيض والنفاس ص 150، 161.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (وقَّت النفاس أربعون يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك) (¬1).
• • •
(القاعدة: 17)
الحيضان المتواليان والنفاس والحيض لا بد من طهر تام بينهما.
يعني لا بُدّ أن يكون بين الحيضين من طهر صحيح، وكذلك لا بد من طهر صحيح بين النفاس والحيض.
• • •
(القاعدة: 18)
أقلُّ الطُّهر في حق النِّفاسين ستّة أشهر.
يعني لا بد أن يكون بين النفاسين حمل، وأقل مدة الحمل هي ستة أشهر.
• • •
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 220، وغيره، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 329: ولما رواه طرق متعدِّدة من أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا ينزل حديثه هذا عن الحسن.
(القاعدة: 19)
الدَّمان المحيطان بالطُّهر التّام حيضان إن بلغ كلٌّ نصاباً، وإلا فاستحاضة.
يعني الطهر الصحيح يفصل بين حيضتين، فيكون الدم المحيط بالطهر حيض، فإن لم يكن الطُّهر صحيحاً كان الدُّمُ دمَ استحاضة لا دم حيض.
• • •
(القاعدة: 20)
الطُّهر النَّاقص كالدَّم المتوالي لا يفصل بين الدَّمين مطلقاً.
يعني إن كان الطهر ناقصاً، وهو أقلّ من خمسة عشر يوماً، فإنّه يكون كالدم المتوالي، فلا يفصل بين حيضتين.
• • •
(القاعدة: 21)
الطهر الفاسد في النفاس ما يكون في الأربعين فهو كالدم المتوالي.
يعني الطهر المتخلل في النِّفاس يُعدّ كالدَّم المتوالي، حتى لو رأت عشرين يوم دماً، ثم خمسة عشر يوم طهراً، ثم ثلاثة أيام دم، فإنّه الطّهر المتخلل يعدّ دماً فاسداً، ويكون نفساها ثمانية وثلاثين يوماً.
• • •
(القاعدة: 22)
أكثر الطُّهر لا حَدَّ له إلا عند نصب العادة.
يعني لا حاجة إلى تقدير مدّة للطُّهر، فتُصلّي وتصوم ويأتيها زوجها، إلا إذا طُلِّقت، فحينئذٍ لا بُدّ من تقدير عدّة لها.
(القاعدة: 23)
العادةُ تثبتُ بمرّةٍ واحدةٍ في الحيض والنفاس دماً أو طهراً إن كانا صحيحين.
يعني تنتقل العادة زماناً بأن لم تر في زمان عادتها دماً، أو رأت قبل زمان عادتها دماً، فيعتبر ما رأت عادة لها.
وتنتقل عادتها عدداً إن رأت ما يخالف عدد عادتها السابقة صحيحاً طهراً أو دماً، فيكون العدد الجديد هو عادتها.
• • •
(القاعدة: 24)
يثبت الحيض إن كان دماً صحيحاً من بنت تسع سنين (¬1) أو أكثر.
يعني أدنى سنّ للبلوغ للفتاة هو تسع سنين، فما تراه من دم بعدها يعدّ دم حيض، وما تراه من دم قبلها، فليس بدم حيض.
• • •
(القاعدة: 25)
الدَّمُ الخارجُ بعد سِقطٍ لم يَستبن خلقه كالشعر والظفر حيض، وإن استبان نفاس.
يعني إن خرج سقط لم يستبن بعض خَلقه: كالشعر والظفر، فلا تكون المرأة نفساء، ويكون ما رأته من الدم حيضاً، إن بلغ نصاباً وتقدمه
¬
(¬1) التقدير بتسع سنين مشى عليه في شرح الوقاية ص 120، والهدية العلائية ص 43، وذخر المتأهلين ص 52، وفي المحيط البرهاني: وأكثر مشايخ زماننا على هذا، وفي السراج: وعليه الفتوى، كما في منهل الواردين ص 52.
طهر تام، وإلا فاستحاضة، ويرجح هذا ما قاله الأطباء من أن الإجهاض قبل الشهر الرابع لا يشبه الولادة؛ إذ يقذف الرحم في هذه الحالة محتوياته الجنين وأغشيته، ويكون السقط في هذه الحالة محاطاً بالدم غالباً، أما الإجهاض بعد الشهر الرابع فإنه يشبه الولادة، إذ تنفجر الأغشية أولاً وينزل منها الحمل، ثم تتبعه المشيمة (¬1).
• • •
(القاعدة: 26)
النفاس من الولد الأول لمن ولدت ولدين أو أكثر في بطن واحد.
• • •
(القاعدة: 28)
جميع ألوان الدم ما عدا البياض الخالص في حكم الدم.
والمعتبر في اللون حين يرتفع الحشو وهو طري، ولا يعتبر التّغير بعد ذلك.
¬
(¬1) ينظر: الحيض والنفاس ص 148 - 149، وذخر المتأهلين ص 57، والبحر الرائق 1: 229.
• • •
(القاعدة: 29)
تعتبر طاهرة من وضع الكرسف إن رأت البياض عند الرَّفع.
يعني لو وضعت في الليل، وهي حائضة أو نفساء، فنظرت في الصباح، فرأت عليه البياض حكم بطهارتها من حين وضعت، فعليها قضاء العشاء.
ولو أنّ امرأةً طاهرةً وضعت الكرسف، فرأت عليه الدم، فإنها تكون حائضاً من حين رفعت.
• • •
(القاعدة: 30)
إن انقطع الدم لتمام عشرة أيام في الحيض وأربعين في النفاس حلّ الوطء بلا غسل.
ولكن يُستحب الغسل قبل الوطء، ولو بقي من وقت الصلاة مقدار أن تقول: الله يجب قضاؤه، وإن لم يبق لا يجب؛ لأن المعتبر في ثبوت الصلاة الجزء الأخير من الوقت.
• • •
(القاعدة: 31)
إن انقطع الدَّم لأقلّ من عشرة في الحيض وأربعين في النّفاس إن في كان الوقت متسع للاغتسال والتحريمة حلت للوطء.
فزمان الغُسل أو التَّيمم حيض ونفاس حتى إذا لم يبق بعده من الوقت مقدار التحريمة لا يجب القضاء، ولا يجوز وطؤها إلا أن تغتسل أو تتيمم، فتصلي أو تصير صلاة ديناً في ذمّتها، حتى لو انقطع قبيل طلوع الشمس لا يجوز وطؤها حتى يدخل وقت العصر إن لم تغتسل.
• • •
(القاعدة: 32)
إن انقطع الدم بعد ثلاثة أيام لأقل من عادتها تغتسل وتصلي وتصوم، وتؤخر الوطء لتمام العادة.
المرأة كلما انقطع دمها في الحيض قبل ثلاثة أيام تنتظر إلى آخر الوقت المستحبّ وجوباً، فإن لم يعد تتوضأ وتصلي، وتصوم، وإن عاد بطل الحكم بطهارتها فتقعد، وبعد الثلاثة إن انقطع قبل العادة فكذلك
لكن تُصلي بالغُسل كلّما انقطع، لكن التّأخير مستحبٌّ لا واجب، والنفاس كالحيض غير أنه يجب الغسل فيه كلّما انقطع على كلّ حال.
(القاعدة: 33)
إن استمر الدم في المعتادة، فطهرها وحيضها ما اعتادت في جميع الأحكام.
يعني أنّ المرأة إن كان لديها عادة معروفة، ثم استمر دمها، فإنها تلتزم بما كانت عليه عادتها من حيض وطهر، فتأخذ بأحكام الحيض في أيام حيضها، وأحكام الطهر في أيام طهرها.
• • •
(القاعدة: 34)
إن استمر الدم في المبتدأة، فحيضها من أوّل الاستمرار عشرة وطهرها عشرون أبداً.
إن بلغت الفتاةُ بخروج الدَّم واستمر بها، فإنّ عادتها تكون من أوَّل بدء الدَّم عشرة أيام، ثمّ يكون عشرين يوما طهر لها، وهكذا يكون دأبها.
• • •
(القاعدة: 35)
الحدث مطلقاً يحرم الصلاة والسجدة مطلقاً:
فتحرم الصلاة والسجدة مطلقاً بلا وضوء أو طهارة من حيض أو نفاس أو جنابة، ولا تقضى الصلاة بعد الطهارة من الحيض والنفاس، لكن يستحبّ لها إذا دخل وقت الصّلاة أن تتوضأ المرأة وتجلس عند مسجد بيتها مقدار ما يمكن أداء الصلاة فيه تسبح وتحمد.
فعن معاذة سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (¬1).
• • •
(القاعدة: 36)
المعتبر في كلِّ وقت آخره مقدار التحريمة.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 265.
يعني مقدار قولنا: «الله»، فإن حاضت المرأة في آخر الوقت سقط عنها الصَّلاة، فلم يجب عليها قضاؤها في المستقبل بعد طهارتها.
ولو انقطع الدم في آخر الوقت بما يكفي للاغتسال والتحريمة تجب الصلاة.
• • •
(القاعدة: 37)
الحيض والنفاس يُحرِّم الصِّيام.
لكن يجب قضاء الواجب من الصِّيام، فإن رأت ساعة من نهار ولو قبيل الغروب فسد صومها فرضاً أو نفلاً، ويجب قضاؤه.
(القاعدة: 38)
الحدث الأكبر يُحرِّم قراءة القرآن مطلقاً.
فلا يجوز القراءة بقصد القرآنية ولو دون آية، فإن لم تقصد، فيجوز للآية الطَّويلة والقصيرة، وأما المعلمة تقطع بين كلّ كلمتين، فعن عليّ - رضي الله عنه - قال: «كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه عن قراءة القرآن ما خلا الجنابة» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 510، وسنن الترمذي 1: 273، وقال: حسن صحيح، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 99، ومسند أحمد 1: 83، ومسند أبي يعلى 1: 459، وقال ابن حجر في فتح الباري 1: 281: الحقُّ أنَّه حَسَنٌ يصلحُ للحُجية، كما في فقه سعيد بن المسيب 1: 146.
(القاعدة: 39)
الحدث مطلقاً يحرم مسّ القرآن.
يحرم مسّ القرآن ممن معه حدث أصغر أو أكبر، ولو كتب على درهم أو لوح.
قال تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون} [الواقعة:79]، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) (¬1).
(القاعدة: 40)
يجب الطهارة من الحدث الأكبر في الطواف.
فيحرم الطواف مع الحيض والنِّفاس والطَّواف، ويجب بدنة في طواف الإفاضة لمن طاف مع الحدث الأكبر، ويجب شاة في طواف الصَّدر؛ لأنَّ الطوافَ في البيت مثل الصّلاة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) في المستدرك 3: 552، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والمعجم الأوسط 3: 327، والمعجم الكبير 3: 205، 12: 313، والمعجم الصغير 2: 277، والمراسيل لأبي داود ص 122، وسنن الدارمي 2: 214، والموطأ 1: 199، وفي رواية: (إلا على طهر) في مصنف عبد الرزاق 1: 341.
(الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمَن تكلَّم فيه فلا يتكلَّمن إلا بخير) (¬1).
• • •
(القاعدة: 41)
الحدث الأكبر يحرم دخول المسجد.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ووجوه بيوت أصحابه - رضي الله عنهم - شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثمّ دَخَلَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يصنع القوم شيئاً رجاء أن ينزل لهم في ذلك رخصة فخرج عليهم بعد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (¬2).
• • •
¬
(¬1) في سنن الترمذي 3: 293، ومسند أبي يعلى 4: 467.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 2: 284، وسنن أبي داود 1: 60، ومسند إسحاق بن راهويه 3: 1032، وسنن البيهقي الكبير 2: 442، وصححه أبو زرعة، وحسنه ابن القطان، كما في إعلام المبيح 1: 60.
الدراسة الثانية
ترجمة موجزة لمؤلف الرسالة
نوح أفندي الحنفي
تمهيد:
يعدّ عالمنا من أبرز المتأخرين من علماء السادة الحنفية؛ لكثرة تأليفاته وتحقيقاته، فقد اشتهرت حاشيته على «الدرر» كثيراً، وكَثُر عنايةُ العلماء بها، وقد نَقَلَ عنه ابنُ عابدين في «رد المحتار» و «منحة الخالق» في أكثر من مائة موضع، وهذا يدل على رسوخ قدمه في علم الفقه، ومقامه العالي فيه.
وفي هذا الصفحات نسعى للوقوف على شيءٍ من ذكراه العطرة، وذكره الشَّذي، ومؤلفاته الرَّائقة، وسيرته الطَّيبة، فأعرض فيها عرضاً موجزاً لاسمه ونسبته وولادته وثناء العلماء عليه وشيوخه ومؤلفاته ووفاته في المطالب الآتية:
المطلب الأول: اسمه ونسبته وولادته ووظائفه:
أولاً: اسمه ونسبته:
اتفق مَن ترجم له (¬1) على أنّ اسمَه ونسبتَه: نوح بن مصطفى الرُّوميّ الحنفيّ، وزاد بعضُهم (¬2): القَونويّ، وزاد آخرون (¬3): الأماسي العثماني الصوفي الخلوتي، المعروف بوجدي.
والرومي نسبة إلى أنّه من بلاد الرُّوم.
والقونوي نسبة إلى قونيا، فإنه صار مفتياً لها.
والأماسي نسبة إلى أماسية، فإنه ولد فيها.
والعثماني نسبة للدَّولة العثمانية؛ لأنه من أبرز علمائها.
والصُّوفي الخلوتي نسبة للطريقة الصوفية الخلوتية المشهورة في تربية نفسه وتهذيبها، وسلوكه لله تعالى.
وقد اشتهر اسمه في كتب الحنفية بنوح أفندي، كما يظهر لمن يُطالع حاشية ابن عابدين وغيرها.
ثانياً: ولادتُه ورحلاتُه ووظائفُه:
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الأثر 4: 458، وسلم الوصول 3: 375، والأعلام 8: 51، وهدية العارفين 2: 498، ومعجم التراث 5: 3857
(¬2) ينظر: هدية العارفين 2: 498، و معجم التراث 5: 3857.
(¬3) ينظر: معجم التراث 5: 3857.
ولد وتعلم في أماسية (¬1)، ثم رحل إلى مصر في طلب العلم، كما سيأتي، ثمّ تولى إفتاء قونيا (¬2)، ثمّ استقرّ به الأمر في مصر حتى توفي (¬3).
• • •
المطلب الثاني: ثناء العلماء عليه:
كثرت كلمات العلماء في الثناء عليه، ومنها:
¬
(¬1) ينظر: الأعلام 8: 51.
(¬2) ينظر: الأعلام 8: 51، وسلم الوصول 3: 375.
(¬3) ينظر: الخلاصة 4: 458.
قال المحبي (¬1): «الإمام العلامة، سابق حَلَبة العلوم، سار ذِكرُه، واشتهر علمُه، وهو في علوم عديدة من الفائقين، سيما التَّفسير والفقه والأصول والكلام، وكان حَسَن الأخلاق، وافر الحشمة، جمّ الفضائل، ولد ببلاده، ثمّ رحل إلى مصر وتديرها، ... مقيماً بخدمة الدِّين، مصون العرض والنَّفس، متمتعاً بما مَنّ الله عليه من فضله».
وقال حاجي خليفة (¬2): «العالم الفقيه».
وقال محمد أنور شاه الكشميري (¬3): «نوح أفندي وهو فاضل ذكي متيقِّظ بعد الشيخ ابن الهُمَام، وله حاشية مبسوطة على «الدر المختار»، أودع فيها مباحث لطيفة، ويُعلم منها أنه رجل محقق».
• • •
المطلب الثالث: شيوخه:
¬
(¬1) في الخلاصة 4: 458.
(¬2) في سلم الوصول 3: 375.
(¬3) في فيض الباري 2: 16.
لا شَكّ أن عالمنا تلقى العلم على عدد كبير من العلماء الفضلاء، وقد ذكر منهم المحبي:
1. السّوسيّ، فقال (¬1): «أخذ الفقه عن العلامة عبد الكريم السوسي تلميذ شيخ الاسلام على ابن غانم المقدسى».
2.حجازي، فقال (¬2): «وقرأ علوم الحديث روايةً ودرايةً على محدّث مصر محمد حجازي الواعظ».
3.حَسَن الخلوتيّ، فقال (¬3): «وتلقن الذِّكر ولَبِس الخرقةَ، وأخذ علوم المعارف بالله حسن بن علي بن أحمد بن ابراهيم الخلوتي».
• • •
المطلب الرابع: مؤلفاته:
¬
(¬1) ينظر: الخلاصة 4: 458.
(¬2) ينظر: الخلاصة 4: 458.
(¬3) ينظر: الخلاصة 4: 458.
قال اللكنوي (¬1): «له مؤلفات كثيرةٌ، ومجاميعُ متعدّدةٌ ومتنوعةٌ لرسائله التي بلغت نحو مائة رسالة، وله حاشية على «الدرر والغرر»».
وقال الزَّركليُّ (¬2): «له مجموعة رسائل، فيها عشرون رسالة في الفقه والتصوف والتوحيد والمناقب والمصطلح، ومجموعة رسائل ثانية، فيها خمس رسائل في أبحاث فقهية مختلفة، ومجموعة رسائل ثالثة، فيها سبع وستون رسالة».
ونعرض بعض هذه المؤلفات على النحو الآتي:
1. «أشرف المسالك في المناسك» (¬3).
2. «أشرف المقالة في معنى النبوة والرسالة» (¬4).
3. «البلغة المترجم في اللغة» (¬5).
¬
(¬1) في تحفة الطلبة ص 52.
(¬2) في الأعلام 8: 51.
(¬3) ينظر: هدية العارفين 2: 498، ومعجم المؤلفين 13: 119، وفي معجم التراث 5: 3857: «الظاهريَّة الفقه الحنفي رقم 10282 ورقة 12؛ مدرسة الحجيّات بالموصل مجامع رقم 6/ 45/ 22».
(¬4) ينظر: معجم التراث 5: 3857، وفيه: «تاريخ التأليف 1033 هـ؛ وهبي أفندي رقم 789؛ دار الكتب المصريّة طلعت مجامع 2/ 102 رقم ورقة 58 - 108».
(¬5) ينظر: سلم الوصول 3: 375، وهدية العارفين 2: 498، وفي معجم التراث 5: 3857: «جامعة الكويت رقم 254».
4. «الخلاصة في بيان الروح» (¬1).
5. «الدر المنظم في مناقب الإمام الأعظم» (¬2).
6. «السَّيف المجرم في قتال من هتك حرم الحرم المحرم» (¬3).
7. «الصَّلاة الرَّبانية في حكم مَن أدرك ركعة من الصلاة الثلاثية أو الرباعية» (¬4).
8. «الفوائد السنية في المسائل الدينية» (¬5).
9. «الفوائد المهمة في اشتراط التبري في إسلام أهل الذّمة» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «المكتبة الخديويَّة مجموعة 5/ 9102».
(¬2) ينظر: الأعلام 8: 51، وهدية العارفين 2: 498، ومعجم المؤلفين 13: 119، وفي معجم التراث 5: 3858: «ولي الدين أفندي رقم 4/ 571 ورقة 66 - 79؛ القاهرة مجموعة 373؛ الأزهر مجموعة 228 ورقة 33 - 48؛ خزانة جامع الزيتونة بتونس مناقب 3860 ورقة 12».
(¬3) ينظر: الأعلام 8: 51، وسلم الوصول 3: 375، وهدية العارفين 2: 498.
(¬4) ينظر: هدية العارفين 2: 498، ومعجم التراث 5: 3859، وفيه: «مكتبة الأوقاف العامّة 7/ 13837 ورقة 8؛ 1332 هـ؛ رقم 6/ 5338 ورقة 9؛ 1086 هـ؛ الظاهريّة. الفقه الحنفي 11282، ورقة 100 - 105؛ 1134 هـ؛ إزمير ملّي 7/ 1046 ورقة 165 - 177».
(¬5) ينظر: هدية العارفين 2: 498، ومعجم المؤلفين 13: 119.
(¬6) ينظر: سلم الوصول 3: 375، وفي معجم التراث 5: 3859: الفقه الحنفي 18101 Karahisar ورقة 9.
10. «القول الأظهر في بيان الحج الأكبر» (¬1).
11. «القول الدّالّ على حياة الخضر ووجود الأبدال» (¬2).
12. «الكلام المسبوق لبيان مسائل المسبوق» (¬3).
13. «الكلمات الشَّريفة في تنزيه أبي حنيفة» (¬4).
14. «اللمعة في آخر ظهر الجمعة» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين 2: 498، وسلم الوصول 3: 375، وفي معجم التراث 5: 3859: «المكتبة القادريّة رقم 11/ 1432 ورقة 50 - 53؛ 1145 هـ؛ Konya رقم 2/ 85 ورقة 17 - 19؛ عبد الله نشأت بالموصل رقم 6/ 16».
(¬2) ينظر: الخلاصة 4: 459، وهدية العارفين 2: 498، والأعلام 8: 51، ومعجم المؤلفين 13: 119، وفي معجم التراث 5: 3859: «أسعد أفندي مجموعة رقم 1446؛ ولي الدين أفندي رقم 571، 1147، مكتبة الأوقاف العامّة رقم 13/ 13782 ورقة 25؛ رقم 4810 ورقة 22؛ Akseki رقم 3/ 232 ورقة 79 - 111؛ الرصيد العمومي رقم 4 ورقة 36».
(¬3) ينظر: هدية العارفين 2: 498.
(¬4) ينظر: سلم الوصول 3: 375، وهدية العارفين 2: 498، وفي معجم التراث 5: 3859: «القاهرة ملحق رقم 25393/ ب ورقة 32؛ المكتبة الخديويّة مجموعة 6/ 9094، 1190 هـ».
(¬5) ينظر: هدية العارفين 2: 498، وفي معجم التراث 5: 3859: «جامعة أمّ القرى رقم 1414 ورقة 15».
15. «المقاصد الحسنة» (¬1).
16. «بستان قدس وكلستان أنس» (¬2).
17. «تاريخ مصر» (¬3).
18. «تحفة الذاكرين في فضائل كلمة التوحيد» (¬4).
19. «ترجمة الملل والنحل في تاريخ الأديان للشهرستاني» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: معجم التراث 5: 3859، وفيه: «جامعة القاهرة 4829 ورقة 77؛ 1178 هـ؛ أسعد أفندي 991؛ أحمد ثالث 1199 ورقة 61؛ دار الكتب المصريّة طلعت الفقه الحنفي 75 ورقة 75، 1075 هـ؛ مجامع 42 ورقة 59، 1191 هـ؛ مصطفى فاضل مجامع 16 ورقة 161 - 215».
(¬2) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «في المعجزات والكرامات (ت) حاجي محمود رقم 2653 ورقة 273؛ 1023 هـ؛ رقم 4544 ورقة 170؛ 1235 هـ؛ جلبي عبد الله رقم 275 ورقة 198؛ 1127 هـ؛ 356، Dugumlu Baba رقم 356 ورقة 150؛ 1180 هـ؛ أسعد أفندي رقم 2514 ورقة 158؛ 1204 هـ؛ دار الكتب المصريّة طلعت أدب 150؛ 210؛ دار الكتب المصريّة س/ 4622 ورقة 286؛ 1252 هـ، عثمان أركين رقم 271 ورقة 194؛ 1266 هـ؛ رقم 549 ورقة 201؛ 1231 هـ؛ 1/ 63/ A/ TDK ورقة 46، 1000 هـ».
(¬3) ينظر: الأعلام 8: 51.
(¬4) ينظر: معجم المؤلفين 13: 119، وهدية العارفين 2: 498، وفي معجم التراث 5: 3858: «المكتبة الخديويّة مجموعة رقم 1/ 9102».
(¬5) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «دار الكتب المصريَّة طلعت أدب رقم 3 ورقة 6/ 132؛ 1096 هـ؛ رقم 5 ورقة 103؛ 1139 هـ؛ دار الكتب المصريّة طلعت مجامع 2/ 5 ورقة 73 - 180؛ إزمير ملّي 1537 ورقة 162؛ 1090 هـ؛ ديانت رقم 666 ورقة 148؛ 1092 هـ؛ جامعة القاهرة 3871؛ 3911؛ 3914؛ 5989، أسعد أفندي رقم 1149؛ روان كوشكي 511 ورقة 207؛ 1172 هـ؛ ملّي كتبخانه رقم A /7/ 2927 ورقة 58 - 138، 11102 هـ؛ رقم 1/ 2336، 1209 هـ، رقم 2854 ورقة 126؛ رقم 3577 ورقة 16 - 127؛ جامعة الكويت رقم 500؛ طبعت في بولاق 1263 وفي Istanbul 1279؛ 1304».
20. «تنوير بصائر أولي الألباب بتفسير دقائق أمّ الكتاب» (¬1).
21. «راحة الأشباح في بيان الأرواح» (¬2).
22. «رسالة في ألفاظ الكفر» (¬3).
23. «رسالة في الفرق بين الحديث القدسي والقرآن والحديث النبوي» (¬4).
24. «رسالة في بيان حقيقة النوم والرؤيا» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «دار الكتب المصريّة طلعت مجامع 102 ورقة 57».
(¬2) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «المكتبة الخديويّة مجموعة 2/ 9102».
(¬3) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «المكتبة الخديويّة مجموعة رقم 4/ 9102».
(¬4) ينظر: الأعلام 8: 51، وفي معجم التراث 5: 3858: «رقم Balikesir رقم 10/ 1209 ورقة 30 - 31؛ دار الكتب الوطنية بتونس رقم 11/ 7328 ورقة 187 - 189؛ دولة البحرين رقم 65 ورقة 2؛ الخزانة التيموريّة مصطلح الحديث مجامع رقم 303؛ 1135 هـ؛ رقم 155».
(¬5) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «المكتبة الخديويّة مجموعة 3/ 9102».
25. «رسالة في بيان صلاة المفروضة» (¬1).
26. «رسالة في حكم صلاة الجمعة والركعات الّتي تليها والجواب على ذلك» (¬2).
27. «رسالة في سبب وجوب مقاتلة الروافض وجواز قتلهم هل هو البغي على السلطان أم الكفر» (¬3).
28. «رسالة فيمَن أدرك ركعة من الرباعي كيف يصلي» (¬4).
29. «رفع الظنون عن حقيقة الطاعون» (¬5).
30. «زبدة الكلام فيما يحتاج إليه الخاصّ والعام» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «أسعد أفندي رقم 1190؛ حالت أفندي ملحق 6/ 70 ورقة 110 - 126؛ وهبي أفندي رقم 2/ 115 ورقة 77 - 88؛ 1127 هـ؛ Laleli رقم 1/ 2234؛ دار الكتب المصريّة قوَلَه كلام رقم 30 ورقة 79 - 114».
(¬2) ينظر: معجم التراث 5: 3858، وفيه: «دار الكتب المصريّة طلعت مجامع رقم 469 ورقة 17 - 18؛ القاهرة ملحق مجموعة 21533/ ب ورقة 3».
(¬3) ينظر: معجم التراث 5: 3859، وفيه: «القاهرة ملحق مجموعة / 21523 ب ورقة 4 - 8».
(¬4) ينظر: سلم الوصول 3: 375.
(¬5) ينظر: هدية العارفين 2: 498، وهدية العارفين 2: 498.
(¬6) ينظر: هدية العارفين 2: 498، ومعجم التراث 5: 3859، وفيه: «قيصري راشد أفندي 1427 ورقة 230؛ 1149 هـ؛ جامعة القاهرة 4997؛ ورقة 250؛ رقم 6226 ورقة 232؛ Tekelioglu 1/ 153 ورقة 191؛ رقم 219 ورقة 1335 - ؛ همدان، 7753، 1059 هـ؛ المكتبة الخديويَّة رقم 56 [2] ورقة 248، 1162 هـ؛ رقم 5622 ورقة 208؛ رقم 8565 ورقة 198، 1127 هـ».
31. «شرح دعاء القنوت» (¬1).
33. «عقد المرجان في فضل ليلة النصف من شعبان» (¬2).
34. «عمدة الراغبين في معرفة أحكام عماد الدين» (¬3).
35. «فتح الجليل على عبده الذليل في استخلاف الجمعة» (¬4).
36. «مرشد الهدى في حقّ أبوي الرسول - عليه السلام -» (¬5).
37. «مرشد الهدى في شرح وترجمة سبل الهدى» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: الأعلام 8: 51.
(¬2) ينظر: هدية العارفين 2: 498، وفي معجم التراث 5: 3859: «دار الكتب الوطنيّة بتونس رقم 12/ 7328 ورقة 189 - 194».
(¬3) ينظر: هدية العارفين 2: 498، ومعجم المؤلفين 13: 119.
(¬4) ينظر: هدية العارفين 2: 498، ومعجم التراث 5: 3858: «القاهرة ملحق رقم 21606/ ب مجموعة ورقة 4 - 5».
(¬5) ينظر: معجم التراث 5: 3859، وفيه: «أسعد أفندي رقم 428؛ Emanet Hazinesi 1166 ورقة 116، 1072 هـ؛ دار الكتب المصريّة طلعت مجامع 102، ورقة 110 - 225؛ ورقة رقم 10 ورقة 130».
(¬6) في هدية العارفين 2: 498.
38. «مسألة الثمانية في الصلاة» (¬1).
39. «مطلع البدر في فضل ليلة القدر» (¬2).
40. «مولد المصطفى وموالد الخلفاء» (¬3).
41. «نتائج النظر في حواش الدرر والغرر» (¬4).
• • •
¬
(¬1) ينظر: معجم التراث 5: 3859، وفيه: «دار الكتب الوطنيّة بتونس رقم 14/ 7328 ورقة 196 - 198».
(¬2) ينظر: هدية العارفين 2: 498، وفي معجم التراث 5: 3859: «دار الكتب الوطنيّة بتونس رقم 13/ 7328 ورقة 194 - 196».
(¬3) ينظر: معجم التراث 5: 3859، وفيه: «نشر في 1878/ 1296 Bombay طبع حجر».
(¬4) ينظر: الخلاصة 4: 459، وهدية العارفين 2: 498، والأعلام 8: 51، وفي معجم التراث 5: 3859: «راشد أفندي رقم 316/ 1 - 2 ورقة 427 + 674، الظاهريّة الفقه الحنفي 2479؛ 2480؛ 232 جزء 1 - 2؛ سيواس ضيا بيك رقم 6؛ 1154 هـ؛ أسعد أفندي 652؛ 653؛ 654 جزء 1 - 3؛ محمود ثاني 974؛ ورقة 75، طبع في 1314 Istanbul».
المطلب الخامس: وفاته:
توفى بمصر، واتفق من ترجم له (¬1) على أن وفاته كانت في سنة (سبعين بعد الألف)، وذكر كحالة (¬2) أنها كانت في (22) ذي القعدة، وبيَّنَ المحبي (¬3): أنه دُفن بالقرافة الكبرى، وبنى عليه بعضُ الوزراء قُبّةً عظيمة.
وشَذَّ كاتب جلبي (¬4) فذكر أنه توفي (1055 هـ).
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
• • •
الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة:
¬
(¬1) ينظر: الأعلام 8: 51، ومعجم المؤلفين 13: 119، وهدية العارفين 2: 498.
(¬2) في معجم المؤلفين 13: 119.
(¬3) في الخلاصة 4: 459.
(¬4) في سلم الوصول 3: 375.
الصفحة الأخيرة من النسخة المخطوطة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
فيقول العبد الفقير العاجز الذَّليل الرَّاجى عفو مولاه القادر الجليل نوح بن مصطفى الحنفي ـ عامله الله تعالى بلطفه الخفى ـ: إنّي لما رأيتُ مسائل الحيض والنِّفاس من أصعب المسائل التي عجزت عن فهمها كثيرٌ من النَّاس أردت أن أُألف رسالةً تذلِّلُ للطَّالبين صعابها، وتكشف لهم عن وجوهِ مخدَّراتها نقابها، فألَّفت هذه الرِّسالة مع ما بي من العوائق، وتزاحم العلائق، ومن الاشتغال بأُمور الخلائق وجعلتُها مشتملةً على خمسةٍ من الفصول راجياً من الله سبحانه الإعانة وحُسْن القَبول، وطالباً دعوةً صالحةً ممن نظر فيها من الطَّلاب لعلّي أفوز بها يوم العرض والحساب.
وسمّيتُها: «حياة الأنفاس بمسائل الحيض والنفاس»
الله المستعان، وعليه التكلان.
الفصل الأوَّل
في بيان معنى الحيض لغةً وشرعاً
الحيض لغةً: سيلان الدَّم من الفرج.
قال في «القاموس» (¬1): «حاضت المرأةُ تحيضُ حيضاً ومَحيضاً ومحاضاً، فهي حائض، وهن حوائض، وحُيّضٌ وحيضاً: سال دمها، والحيضُ اسمٌ ومصدرٌ، قيل: ومنه الحَوْض؛ لأنّ الماءَ يسيل إليها، والحيضةُ المرّة، وبالكسر الاسم، والخرقة التي تَسْتَنْفِرُ بها، والتَّحييض: التَّسييلُ، والمجامعةُ في الحيض.
والمستحاضةُ: مَن يسيل دمُها لا من الحيض، بل من عِرقِ العاذِل، وحَيْضٌ جبلٌ بالطَّائف، وتَحَيَّضَتْ قَعَدَة أيام حيضها عن الصَّلاة»، انتهى (¬2).
¬
(¬1) لمحمد بن يعقوب بنِ محمد الفَيْرُوزآبادي الشِّيرَازِيّ، أبي طاهر، مجد الدين، من مؤلفاته: «سفر السعادة»، «شرح صَحِيح البُخَارِيّ»، و «المرقاة الوفية في طبقات الحَنَفِيَّة»، (729 - 817 هـ). ينظر: الضوء اللامع 10: 79 - 86، بغية الوعاة 1: 273.
(¬2) من القاموس 1: 641.
وقال في «الصِّحاح» (¬1): حاضت المرأةُ تحيض حَيْضاً ومَحيضاً، فهى حائض وحائضةٌ أيضاً، ونساءٌ حُيَّض وحوائض، والحيضةُ المرّة الواحدة، والحِيضة بالكسر الاسم، والجمعُ حِيَضُ، والحيضةُ: الخرقة التي تَسْتَنْفِرُ بها، وقالت عائشة رضي الله عنها: «ليتني حيضة ملقاة» (¬2)، وكذلك المِحْيَضَةُ والجمع المَحايض، واستُحضَت المرأةُ إذا استمرَّ بها الدَّم بعد أيامها، فهي مستحاضة، وتحيضت: أي قعدت أيام حيضها عن الصَّلاة، وفي الحديث: «تحيض في علم الله ستّاً أو سبعاً» (¬3)، انتهى.
¬
(¬1) لإسماعيل بن حماد الجَوْهَرِيّ الفَارَابي، أبي نصر، قال السُّيُوطِيُّ: أول من التزم الصحيح مقتصراً عليه الجوهري، ولهذا سمى كتابه «الصِّحاح». ومن مؤلفاته: «العروض»، ومقدمة في النحو، (ت 393 هـ). ينظر: النجوم الزاهرة 4: 207 - 208، والكشف 2: 1072.
(¬2) لم أقف عليه.
(¬3) فعن حمنة بنت جحش رضي الله عنها قالت: «كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها، فقد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: «أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم» قالت: هو أكثر من ذلك، قال: «فتلجمي» قالت: هو أكثر من ذلك، قال: «فاتخذي ثوبا» قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سآمرك بأمرين: أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويت عليهما فأنت أعلم»، فقال: «إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي، كما تحيض النساء وكما يطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلين حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك» فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وهو أعجب الأمرين إلي» في سنن الترمذي 1: 221، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 76، وسنن ابن ماجة 1: 205.
وقال في «النِّهاية» (¬1): «تَحَيَّضت المرأةُ قَعَدَتْ أيّام حيضها تنتظر انقطاعه، وتحيض في علم الله ستاً أو سبعاً: أي عُدّي نفسك حائضاً وافعلي ما تفعل الحائض، انتهى (¬2).
والحيضُ شرعاً: اسم لدم يخرج من رحم لا داء بها.
فخرج الدَّم الذي تَراه الصَّغيرةُ، وهي التي تكون عمرها أقلَّ من سَبْع سنين، فإنّه استحاضة، وهو دمُ عِرقٍ لا دَم رحمٍ.
ويخرج بقولنا: «لا داء بها»؛ النِّفاس، فإنّه يخرج من رَحم به داء.
وأقلُّ مدّة من الحيض عندنا ثلاثةُ أيام بلياليها في ظاهر الرِّواية.
وأكثر مدّته عشرة بلياليها.
وما نقص عن الثَّلاث، وزاد على العشرة استحاضة؛ لأنّ دم الرَّحم
¬
(¬1) لمبارك بن محمد بن محمد الشيباني، أبي السعادات، مجد الدين، المعروف بابن الأثير الجَزَريّ، قال ابن المستوفي: أشهر العلماء ذكراً، وأكثر النُّبلاء قدراً، وأوحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم، من مؤلفاته: «النهاية في غريب الحديث»، و «جامع الأصول في أحاديث الرسول»، و «الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف»، (544 - 606 هـ). ينظر: مرآة الجنان 4: 11 - 13، والأعلام 6: 152.
(¬2) من النهاية 1: 469.
لا ينقص عن ثلاثةٍ، ولا يَزيد على عشرةٍ، وهذا قولُ الإمام آخراً، وكان يقول أوَّلاً: أكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً ثمّ رجع عنه، فقال: أكثرُه عشرةَ أيام بلياليها؛ لما ثَبَتَ أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّره بذلك في أحاديث:
1.منها: ما أخرجه الطَّبرانيُّ (¬1) عن أبي أُمامة - رضي الله عنه - أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أقلُّ الحيض للجارية البكر والثَّيب ثلاثةُ أيّام، وأكثره عشرةُ أيّام» (¬2).
وأخرجه الدَّارقُطنيُّ (¬3) وابنُ عَدي (¬4)، وزاد في آخره: «فإذا زاد فهي استحاضة».
¬
(¬1) في المخطوط: الطبري، والحديث موجود في المعاجم، والطبراني: وهو سليمانُ بنُ أحمدَ بنِ أَيُّوبٍ اللَّخْمِيّ الطَّبَرَانِيّ، أَبو القَاسِم، قال اللكنوي: صاحب المعاجمِ المشهورة، كان ثقةً صدوقاً عارفاً واسعَ الحفظِ بصيراً بالعللِ والرِّجالِ، كثيرَ التصانيفِ النَّافعةِ، (260 - 360 هـ). ينظر: العِبَر 3: 315 - 316، ومرآة الجنان 3: 372.
(¬2) في المعجم الكبير 8: 126، والمعجم الأوسط 1: 190.
(¬3) وهو علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن، والدَّارَقُطْنِيّ نسبة إلى دار القُطْن، محلة كبيرة ببغداد قال أبو الطيب الطَبَري: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. من مؤلفاته: «السنن الكبرى»، و «المختلف والمؤتلف»، و «الأفراد»، (306 - 385 هـ). ينظر: العبر 3: 28، ووفيات 3: 297 - 299.
(¬4) وهو عبد الله بن عَدِيّ بن عبد الله الجُرْجَانيّ، أبو أحمد، ويعرف بابن القطَّان، قال السَّهْمي: كان حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه مثله، من مؤلفاته: «الكامل في ضعفاء الرجال»، (ت 365 هـ). ينظر: العبر 2: 337، ومرآة الجنان 2: 381.
2.ومنها: ما أخرجه الدَّارقُطنيُّ عن واثلةِ بنِ الأسقع - رضي الله عنه - أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام، وأكثرُه عشرةُ أيّام» (¬1).
3.ومنها: ما أخرجه ابنُ عَدي والعُقيليّ (¬2) عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك، فهي استحاضة، تتوضّأ لكلِّ صلاة، إلا أيام أقرائها، ولا نفاس فوق الأربعين، فإن رأت النُّفساء الطُّهرَ دون الأربعين صامت وصلَّت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين» (¬3).
وأخرجه العُقيليُّ من وجهٍ آخر مختصر: «لا حيض أقلّ من ثلاثةِ أيام، ولا فوق عشرة».
4.ومنها: ... ما ... أخرجه ... الخَطيبُ (¬4) ... في ... «تاريخه» ... وابنُ
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 406، وقال فيه: ابن منهال مجهول ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف.
(¬2) وهو محمد بن عمرو بن موسى العُقَيْلِيّ المَكِّيِّ، أبو جعفر، قال الكتاني: العالم الثقة في الحديث، من مؤلفاته: «الضعفاء»، (ت 322 هـ). ينظر: العبر 2: 294، والنجوم الزاهرة 3: 248.
(¬3) في الكامل لابن عدي 7: 322.
(¬4) وهو أحمد بن علي بن ثابت، المعروف الخَطيب البَغْداديّ، أبو بكر، من مؤلفاته: «تاريخ بغداد»، و «الكفاية في علم الرواية»، و «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، (392 - 463 هـ). ينظر: طبقات ابن هداية الله ص 164 - 166، ومعجم الأدباء 4: 13 - 45.
الجَوزي (¬1) في «العلل المتناهية» عن أبي سعيد الخُدريّ - رضي الله عنه - أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أقلُّ الحيض ثلاثة، وأكثرُه عشرة، وما بين الحيضتين خمسةَ عشرة» (¬2).
5.ومنها: ما أخرجه ابنُ حبَّان (¬3) عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكثر الحيض عشرة، وأقلُّة ثلاثة».
6.ومنها: ما أخرجه ابنُ عَدي عن أنس - رضي الله عنه - أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحيضُ ثلاثة أيّام وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة، فإذا جاوز العشرة، فهي الاستحاضة» (¬4).
وأسانيد هذه الأحاديث كلُّها ضعيفةٌ، إلا أنّ علماءَ الحديث قد نصَّوا في القديم والحديث على أنّ الحديثَ الضَّعيفَ إذا وَرَدَ عن طرق،
¬
(¬1) وهو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القُرْشِيّ التَّيْمِي البَكْرِي البَغْدَادِيّ الحَنْبَلِيّ الواعظ، أوي الفرج، جمال الدِّين، المعروف بابن الجَوْزجوز، حكي مرَّة أن مجلسه حُزِرَ بمئة ألف، من مؤلفاته: «زاد المسير في علم التفسير»، و «المنتظم»، و «الموضوعات»، (508 - 597). ينظر: وفيات 3: 140 - 142، وتذكرة الحفاظ 4: 1342.
(¬2) في العلل المتناهية 1: 383، والتحقيق 1: 260.
(¬3) وهو محمد بن حِبَّان بن أحمد التَّمِيمِيّ البُسْتيّ الشَّافِعِيّ، أبو حاتم، قال ابن السمعاني: كان إمام عصره تولَّى قضاء سمرقند مدَّة، من مؤلفاته: «الصحيح» المسمَّى «الأنواع والتقاسيم»، و «الثقات»، و «معرفة المجروحين»، (ت 354 هـ). ينظر: العبر 2: 300، وطبقات الأسنوي 1: 201.
(¬4) في الكامل لابن عدي 3: 127.
بل من طريقين تقوّى وارتقى إلى درجة الحَسَن لغيره، وهو حجةٌ كالحَسَن لذاته.
وحاصلُه أن الحديثَ الضَّعيفَ ينجبر ضعفُه بتعدُّد الطُّرق (¬1)، ويرتقي الى درجة الحسن المحتجّ به، وهذا الحديث قد تعدَّدت طُرقُه، كما ترى، فصحّ الاحتجاج على المدَّعي.
وقال الشَّيخُ كمال الدِّين (¬2) بعد سَرْد الأحاديث الواردة في الباب: «فهذه عدّةُ أحاديث عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - متعدِّدةُ الطُّرق، وذلك يرفع الحديث إلى درجة الحَسَن.
والمقدرات الشَّرعية مما لا يدرك بالرَّأي، فالموقوفُ فيها في حكم المرفوع، بل تسكن النَّفس بكثرة ما رُوِي عن الصَّحابة (¬3) والتَّابعين، إلا (¬4) أنّ المرفوعَ مما أجاد فيه ذلك الرَّاوي الضَّعيف.
¬
(¬1) ينظر طرق الحديث في نصب الراية 1: 191، والدراية 1: 84، والبناية 1: 616 - 617.
(¬2) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، الشهير بابن الهمام السكندري السيواسي، كمال الدين، قال اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، من مؤلفاته: «فتح القدير على الهداية»، و «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد»، (790 - 861 هـ). ينظر: الضوء اللامع 6: 127، والفوائد ص 296 - 298.
(¬3) فعن سفيان بلغني عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «أدنى الحيض ثلاثة أيام» في سنن الدارمي 1: 231، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 327: «رجاله رجال مسلم، وسفيان هو الثوري، وهو من كبار أتباع التابعين ... فهذا الأثر منقطع، والانقطاع غير مضر عندنا لا سيما إذا صدر عن إمام كالثوري، والموقوفات في مثل هذا مما لا يدرك بالرأي كالمرفوعات».
وعن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - قال: «الحائض إذا جاوزت عشرة أيام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي» في سنن البيهقي 1: 86، وسنن الدارقطني 1: 210، وقال البيهقي: لا بأس بإسناده. كما في إعلاء السنن 1: 326، وغيره.
(¬4) في المخطوط: إلى.
وبالجملةِ فله أصلٌ في الشَّرع، بخلاف قولهم: أكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً لم نعرف فيه حديثاً حسناً ولا ضعيفاً، وإنّما تمسّكوا بما رَوَوه عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال في صفة النِّساء: «تمكث إحداكنّ شطر عمرها لا تُصلّي»، وهو لو صحّ لم تكن فيه حُجّة، قال البَيْهَقيّ (¬1): أنّه لم يجده، وقال ابنُ الجَوْزيُّ في «التَّحقيق»: هذا حديثٌ لا يُعرَفُ، وأقرَّه عليه صاحبُ (¬2) «التَّنقيح» (¬3)، انتهى كلامه (¬4).
¬
(¬1) وهو أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِرْدي البَيْهَقِيّ، أبو بكر، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عُنُقِهِ منَّة إلا البيهقي، فإن له المنّة على الشافعي نفسه، وعلى كل شافعي لما صنفه في نصرة مذهبه من ترجيح الأحاديث، كـ «السنن الكبير»، و «السنن الصغير»، و «معرفة السنن والآثار»، وجمعه لنصوصه في كتابه المسمَّى بـ «المبسوط»، وتصنيفه في مناقبه، (ت 458 هـ). ينظر: العبر 3: 242، وطبقات الأسنوي 1: 98 - 99.
(¬2) وهو محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الصالحي الدِّمَشْقِيّ الحنبلي، شمس الدين، المعروف بابن عبد الهادي، من مؤلفاته: «تنقيح التحقيق في مسائل التعليق»، و «شرح التسهيل»، و «الصارم المنكي في الرد على السبكي»، (705 - 744 هـ). ينظر: الدرر الكامنة 3: 331 - 332، ومعجم المؤلفين 3: 113.
(¬3) قال البَيْهَقيّ في معرفة السنن 2: 160: «أما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية من قعودها شطر عمرها، وشطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسناداً بحال»، وقال ابنُ عبد الهادي الحنبلي في تنقيح التحقيق 1: 243: «وأصحابنا قد ذكروا أن رسول الله قال تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي، وهذا لفظ لا أعرفه». وقال ابن الجوزي: إنه لا يُعرَف، وقال ابن مَنْدَه: لا يَثْبُتُ هذا بوجهٍ من الوجوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في فتح باب العناية 1: 134، والحديث الثابت: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكنّ، قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلّي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين) في صحيح البُخاري 1: 116، وصحيح مسلم 1: 86.
(¬4) أي كلام ابن الهمام من فتح القدير 1: 162 ـ 163 بتصرّف يسير جدا.
قلتُ: الصَّحيحُ أنّ مَن قال: إنّ أقلَّه يومٌ وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً لم يستدلّ بهذا الحديث، بل بالاستقراء.
تنبيه:
حديث أنس - رضي الله عنه - أخرجه ابنُ عَدي من طريقين: في أحدهما: الحسن بن دينار، وفي «مسلم» إنّما ضعَّفه من طريق خالد بن أيوب، فغيرُ مسلم، فإنّ الشَّيخَ تقي الدِّين ابنَ دقيق العيد (¬1) نظر في «الإمام» في وجه تضعيفه، ودفعه أحسن دفع، فليطلع ثَمّ.
¬
(¬1) وهو مُحَمَّدِ بنِ عليِّ بنِ وهب القُشَيري المنفلوطي الأصل المصري، أبو الفتح، تقي المعروف بابنِ دقيق العيد، وسبب تسميته أن جد أبيه كان عليه طيلسان شديد البياض في يوم عيد، فقيل: كأنه دقيق العيد، فلقب به، من مؤلفاته: «الإمام»، و «الإلمام في أحاديث الأحكام»، و «شرح على مختصر أبي شجاع»، قال صاحب الكشف 1: 158: الإلمام جمع فيه متون الأحاديث المتعلقة بالأحكام مجردة عن الأسانيد، ثم شرحه وبرع فيه وسماه «الإمام»، قيل إنه لم يؤلف في هذا النوع أعظم منه لمافيه من الاستنباطات والفوائد، لكنه لم يكمله، وذكره البقاعي في «حاشية الألفية» أنه أكمله ثم لم يوجد بعد موته من إلا القليل، فيقال: إن بعض الحسدة عدمه؛ لأنه كتاب جليل القدر لو بقي لأغنى الناس عن تطلب كثير من الشروح. (625 - 702 هـ). ينظر: طبقات الأسنوي 2: 102 - 106، والدرر الكامنة 4: 91 - 96.
وقال تاجُ الدَّين السُّبكيُّ (¬1): «ولم ندرك (¬2) أحداً من مشايخنا يختلف في أنّ ابنَ دقيق العيد العالم المبعوث على رأس المائة السَّابعة، المشار إليه في الحديث، فإنّه أستاذ زمانه علماً وديناً، انتهى (¬3).
على أنّ حكمَ المحدِّث على الحديث بالضَّعيف لا يَمنع احتجاج الفقيه بذلك الحديث، كما نصّ عليه غيرُ واحدٍ من العلماء في القديم والحديث.
اعلم أنّ الدَّمَ الخارجَ من الرَّحم إمّا أن يستوعبَ العشرة، أو لا، وإن استوعبها، فإمّا أن ينقطع عند تمامها، فالعشرةُ كلُّها حيضٌ سواء كانت مبتدأة أو معتادةً بعشرة أو بأقلّ منها، وسواء رأت الدَّم في أوَّل أيام عادتها أو قبلها.
وإذا استوعبها ولم ينقطع عند تمامها، فالمرأةُ إمّا أن تكون مبتدأةً
¬
(¬1) وهو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الأنصاري السلمي السُّبْكي الشافعي، أبو نصر، تاج الدين، من مؤلفاته: «طبقات الشافعية الكبرى»، و «جمع الجوامع»، و «الأشباه والنظائر»، (727 - 771 هـ). ينظر: الدرر الكامنة 2: 425 - 428، والنجوم الزاهر 11: 108 - 109.
(¬2) في المخطوط: نر، والمثبت من الطبقات.
(¬3) من طبقات الشافعية الكبرى 9: 209.
أو معتادة، فإن كانت مبتدأةً، فالعشرةُ حيضٌ وما زاد عليها استحاضة.
وإن كانت معتادةً رُدَّت إلى أيام عادتها، فما زاد استحاضة.
وإن لم يستوعبها، فالمرأةُ إمّا أن تكون مبتدأةً أو معتادة، فإن كانت مبتدأةً، فالكلُّ حيضٌ.
وإن كانت معتادةً، فإمّا أن ينقطع عند عادتها أو يزيد عليها، فإن كان الأوَّل، فالكلُّ حيضٌ أيضاً، وإن كان الثَّاني رُدَّت إلى أيام عادتها، فما زاد عليها كان استحاضة (¬1).
وكلُّ لون تَراه المرأةُ في مدّة الحيض سوى البَياض (¬2) الخالص (¬3) حيضٌ: أي معدود منه، وإن لم يُحط الدَّم بطرفيها.
وكذا الطَّهر المتخلِّل بين الدَّمين فيها حيضٌ: أي معدود منه إذا أحاط الدَّم بطرفيها، فيُعلم من هذا أنّ عَدَّ البياض الواقع بين الدَّمين منه أولى.
¬
(¬1) هذا محلُّ نظر، فإنّ العادةَ تنتقل إلى العدد الجديد طالما أنّه لم يتجاوز العشرة، ويكون كلُّ ما رأت من الدَّم حيضٌ، والله أعلم.
(¬2) قيل: هي شيء كالخيط الأبيض يخرج عند انقطاع الدم، وقيل: معناه حتى تخرج الخرقة كالجص الأبيض فالقصة الجصّ، كما في طلبة الطلبة ص 12.
(¬3) فعن أم علقمة مولاة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة)) في الموطأ 1: 59، وصحيح البخاري 1: 121، وصحيح مسلم 2: 650.
الفصل الثاني
في بيان معنى الطهر لغةً وشرعاً
الطُّهرُ لغةً وشرعاً: نقيضُ الحيض: يعني انقطاع دم المرأة.
والمرادُ به هنا ما يقع بين الدَّمين، وهو قسمان:
1.صحيحٌ فاصلٌ بين الحيضتين.
2.وفاسدٌ غيرُ فاصل بينهما.
أمّا الطُّهرُ الفاسدُ الغير الفاصل بين الحيضتين، فهو ما يكون أقلّ من خمسةَ عشرَ يوماً، فأقلُّه يومٌ (¬1)، وأكثرُه أربعةَ عشرَ يوماً، وفيه عن الإمام - رضي الله عنه - ثلاث روايات:
الرِّاوية الأولى: بيان الطُّهر إذا تخلَّل بين الدَّمين المحيطين بطرفي مدّة الحيض لا يفصل بينهما، فيكون دماً حكماً تبعاً لهما.
ولا فرق في ذلك بين المبتدأة والمعتادة؛ لأنّ استيعابَ الدَّم مدّة
¬
(¬1) وإن كان أقل من يوم يعدّ فاسداً من باب أولى، والله أعلم.
الحيض ليس بشرطٍ إجماعاً، فيُعتبر أوّلها وآخرُها كالنِّصاب في باب الزكاة.
مثاله: مبتدأةٌ أو معتادةٌ رأت يوماً دماً وثمانية طهراً ويوماً دماً، فالعشرةُ كلُّها حيضٌ لإحاطة الدَّم بطرفي المدّة.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط م.
ولو خَرَجَ الدَّم الأوّل والثَّاني من المدّة لا يكون شيءٌ من ذلك حيضاً.
مثال الأوّل: معتادة رأت قبل عادتها يوماً دماً وتسعاً طهراً ويوماً دماً لا يكون شيء منها حيضاً؛ لخروج الدَّم الأوّل من المدّة.
فهذة صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط ط م.
ومثال الثَّاني: مبتدأةٌ رأت يوماً دماً وتسعةً طهراً ويوماً دماً لا يكون شيء من ذلك حيضاً؛ لخروج الدَّم الأخير من المدة.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط ط م.
فعلى هذه الرِّواية لا تجوز بداية الحيض لا بالطُّهر ولا ختمُه به؛ لأنّ الطَّهرَ ضدُّ الحيض، والشَّيء لا يبدأ بضدِّه، ولا يختم به، إلا أنّ الطُّهرَ المتخلّلَ بين الطَّرفين يُجعل دماً تبعاً لهم، فيكون دماً حكماً.
فالدَّمُ في قولهم: الحيض دمٌ أعمّ من أن يكون دماً حقيقةً أو حكماً، وهذه الرِّواية رواها محمّد - رضي الله عنه - عن الإمام - رضي الله عنه -، لكنه لم يأخذ بها.
قال الشَّيخُ زين (¬1) في «البحر»: «وقد اختار أصحاب المتون هذه الرِّواية، ولكن لم تصحَّح (¬2) في الشُّروح، ولعلَّه لضعفِ وجهها، فإنّ قياسَها على النِّصاب غيرُ صحيح؛ لأنّ الدَّمَ منقطعٌ في أثناء المدّة بالكلية، وفي المقيس عليه: يشترط بقاء جزءٍ من النِّصاب في أثناء الحول، والمشروط وجودُه ابتداءً وانتهاءً إنّما هو بتمامه»، انتهى (¬3).
وقال أخوه (¬4) في «النهر»: «لا نُسلِّم أنّ هذا قياس، بل تنظير، ولئن سُلِّم (¬5)، فالدَّمُ موجودٌ حكماً وإن انعدم حسّاً، بدليل ثبوت أحكام
¬
(¬1) وهو إبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، «الرسائل الزينية»، و «الأشباه والنظائر»، قال اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970 هـ). ينظر: التعليقات السنية ص 221 - 222، والكشف 1: 385، 2: 1515.
(¬2) في المخطوط: تصح، والمثبت من البحر.
(¬3) من البحر الرائق 1: 217.
(¬4) وهو عمر بن إبراهيم بن محمد، المشهور ابن نُجَيْم المِصْريّ الحنفي، سراج الدين، أخو صاحب «البحر الرائق»، من مؤلفاته: «النهر الفائق بشرح الكنز الدقائق»، و «إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل»، و «عقد الجواهر في الكلام على سورة الكوثر»، (ت 1005 هـ). ينظر: خلاصة الأثر 3: 306 - 307، وطرب الأماثل ص 509.
(¬5) في المخطوط: بل نظير وشبه مسلم، والمثبت من النهر.
الحيض كلِّها في هذه الحالة، واعتمادُ أصحاب المتون على شيءٍ ترجيحٌ له، والله الموفق»، انتهى (¬1).
قلت: هذا مسلّمٌ فيما إذا لم يصحَّح خلافُه، وههنا صُحِّح خلافُه، بل صُرِّحَ بأنّ الفتوى عليه (¬2)، كما سيأتي.
والرِّواية الثَّانية: أنّ الطُّهر المتخلّل بين الدَّمين إذا كان أقلّ من خمسةَ عشرَ يوماً لا يفصل بينهما؛ لأنّه طُهْرٌ فاسدٌ، وهو لا يصلح للفصل بين الحيضتين.
وكذلك لا يصلح للفصل بين الدَّمين؛ لأنّ الفاسدَ لا تتعلّق به أحكام الصَّحيح شرعاً.
وهذه الرِّواية رواها أبو يوسف - رضي الله عنه - عن الإمام - رضي الله عنه -، وأخذ بها، قيل: إنّها آخر أقوال الإمام - رضي الله عنه - في مسائل الحيض.
وعلى هذه الرِّواية: تجوز بداية الحيض وختمه بالطُّهر بشرطِ إحاطة الدَّم بطرفي الطُّهر المتخلِّل، وهذا يشمل وجوهاً ثلاثة:
الأوَّل: أنّه يكون ابتداؤه وختمُه به.
¬
(¬1) من النهر الفائق 1: 137، وينظر: منحة الخالق 1: 217.
(¬2) يعني أن كلام صاحب النهر مسلم في اعتبار تصحيح المتون إذا لم يصحح خلاف ما فيها، وفيما نحن فيه صحح أيضاً خلاف ما في المتون، وذكر أن الفتوى عليه.
مثاله: معتادةٌ رأت قبل عادتها يوماً دماً، وعشرة طهراً ويوماً دماً، فالعشرة التي لم تر فيها الدَّم حيضٌ، والدَّمان المكتففان إلى العشرة استحاضةٌ.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط ط ط م.
فهذه بدءٌ بالطُّهر وختمٌ به.
والثَّاني: أن يكون ابتداؤه بالطُّهر، وختمُه بالحيض.
مثاله: معتادةٌ بعشرةٍ رأت قبل عادتها يوماً دماً وتسعةً طهراً ويوماً دماً، فالدَّمُ الأوَّلُ استحاضةٌ، والتِّسعةُ مع ما بعدها حيضٌ.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط ط م.
ففي هذه الصُّورة، بدءٌ بالطُّهر وختمٌ بالحيض.
والثَّالثُ: أن يكون ابتداؤه بالحيض وختمُه بالطُّهر.
مثاله: معتادةٌ رأت في أوّل أيام عادتها يوماً دماً وتسعةً طهراً ويوماً دماً.
فالعشرةُ من أوَّل ما رأت حيضٌ، والدَّمُ الذي رأته بعدها استحاضةٌ.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط ط م.
ففي هذه الصُّورة بدء الحيض وختم بالطُّهر.
فإحاطةُ الدَّم بالطَّرفين شرطٌ في الرِّوايتين، إلا أنّ المرادَ بالطَّرفين في روايةِ محمّد - رضي الله عنه - طرفا مدّة الحيض، وفي روايةِ أبي يوسف - رضي الله عنه - طرفا الطُّهر المتخلّل بين الدَّمين وإن خرج من المدّة.
قال في «الظَّهيرية» (¬1): قال الإمام حسام الدِّين (¬2): الفتوى في مسائل الحيض على قول أبي يوسف - رضي الله عنه - تسهيلاً على النِّساء، انتهى.
وقال صدرُ الشَّريعة (¬3): وقد ذُكِر أنّ الفتوى على ما رَواه أبو يوسف - رضي الله عنه - تيسيراً على المفتي والمستفتي، انتهى (¬4).
¬
(¬1) وهو محمد بن أحمد بن عمر المحتسب البُخَاريّ الحَنَفي، ظهير الدين، ومن مؤلَّفاته: «الفتاوي الظهيرية»، و «الفوائد الظهيرية»، قال اللكنوي: طالعت «الفتاوي الظهيرية» فوجدته كتاباً متضمناً للفوائد الكثيرة. (ت 619)، ينظر: الفوائد ص 257، والكشف 2: 1226.
(¬2) وهو عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالصدر الشهيد، أبو محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «الفتاوى الصغرى»، و «الفتاوى الكبرى»، (483 - 536 هـ). ينظر: الجواهر 2: 649 - 650، والفوائد ص 242.
(¬3) وهو عبيد الله بن مسعود بن محمود المَحْبُوبِيّ جمال الدِّين البُخَاريّ الحَنَفيّ، قال طاشكبرى زاده: كان رحمه الله بحراً زاخراً لا يدرك له قرار، وطوداً شامخاً لا يرتقي إلى قنته ولا يصار، ولقد كان آيةً كبرى في الفضل والتَّدقيق، وعروةً وثقى في الاتقان والتَّحقيق. من مؤلفاته: «التوضيح في حل غوامض التنقيح»، و «شرح الوقاية»، و «النِّقاية»، (ت 747 هـ). ينظر: تاج التراجم ص 203، ومفتاح السَّعادة 2: 162،170 - 171.
(¬4) من شرح الوقاية لصدر الوقاية 2: 83.
وقال صاحب (¬1) «الهداية»: والأخذُ بهذا القول أيسر، انتهى (¬2): أي الأخذ بقول أبي يوسف - رضي الله عنه - أيسر على المفتي والمستفتيات؛ لأنّ في سائر الأقوال الآتية قيودٌ أو تفاصيلٌ يشقُّ ضبطها على الحُيَّض القاصرات العقل، ولا يستفيد منها المفتي معيار عادتهنّ؛ ليفتي بموجبها.
والرِّوايةُ الثَّالثة: أنّ الطُّهرَ المتخلِّلَ بين الدَّمين في المدّة لا يَفصل بينها إذا كان مجموعهما نصاباً، ويَفصل إذا لم يكن نصاباً، والنِّصاب ثلاثة أيام، ولأنّ الحيضَ لا يكون أقلّ منها.
مثالُ الأوّل: مبتدأةٌ أو معتادةٌ رأت يومين دماً وسبعةً طهراً ويوماً دماً، فالعشرةُ كلُّها حيضٌ؛ لوجود النِّصاب.
صورته: م م ط ط ط ط ط ط ط م.
ومثال الثَّاني: مبتدأةٌ أو معتادةٌ رأت يوماً دماً وثمانيةً طهراً ويوماً دماً لا يكون شيءٌ من ذلك حيضاً؛ لعدم النِّصاب.
¬
(¬1) وهو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبو الحسن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً حافظاً مفسِّراَ جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً نظاراً مدققاً زاهداً ورعاً بارعاً فاضلاً ماهراً أصولياً أديباً شاعراً لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، ومن مؤلفاته: «الهداية»، و «التجنيس»، و «مختارات النوازل»، (ت593هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 627 - 629، ومقدِّمة الهداية3: 2 - 4.
(¬2) من الهداية1: 34.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط م.
وهذه الرِّواية رواها ابنُ المبارك (¬1) عن الإمام - رضي الله عنه -، وأخذ بها زُفر - رضي الله عنه -.
فتجتمع هذه الرِّواية بالأُولى في اشتراط إحاطة الدَّم بطرفي المدّة، وتنفرد عنها باشتراط كون الدَّمين نصاباً.
اعلم أنّ الرِّوايةَ الثَّالثةَ أَخصّ من الرِّوايتين السَّابقتين مطلقاً.
والرِّواية الثَّانية أَعمّ من الأولى والثَّالثة مطلقاً.
والأُولى أخصُّ من الثَّانية مطلقاً، وأعمّ من الثَّالثة مطلقاً.
توضيحه: أنّ الطَّهر إمّا أن يتخلَّلَ بين الدَّمين في المدّةِ أو في خارجها.
فإن تخلَّلَ بين الدَّمين في المدّة.
فإمّا أن يكون مجموعُ الدَّمين نصاباً أو لا.
فإن كان الأوَّل، فالطُّهر الواقع بين الدَّمين لا يفصل بينهما باتفاق الرِّوايات، بل يكون بمنزلةِ الدَّم المتوالى، فيكون الكلُّ حيضاً.
¬
(¬1) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المروزي، أبو عبد الرحمن، وقال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم، من مصنَّفاته: «الجهاد»، و «الرَّقائق»، (118 - 181هـ). ينظر: وفيات3: 3234، والمستطرفة ص37.
صورته: م م ط ط ط ط ط ط ط م.
وإن كان الثَّاني، فإنّه يفصل بينهما على الرِّواية الثَّالثة، فلا يكون شيءٌ من ذلك حيضاً، ولا يفصل بينهما على الرِّواية الأولى والثَّانية، فيكون الكلُّ حيضاً.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط م.
وإن تخلَّل بينهما في خارج المدّة، فإنّه يفصل بينهما على الرِّواية الأُولى والثَّالثة، فلا يكون شيءٌ من ذلك حيضاً، ولا يفصل على الرِّواية الثَّانية، فتكون العشرةُ من أوَّل ما رأت حيضٌ، وإنّما زاد عليها ما كان فيه دمٌ فاستحاضة، وإلا فطهرٌ.
صورته: م ط ط ط ط ط ط ط ط ط ط ط ط ط ط م.
فاجتمعت الرِّوايات الثَّلاث في الصُّورة الأولى، وانفردت الأُولى والثَّانية عن الثَّالثة في الصُّورة الثَّانية، وانفردت الثَّانية عن الأولى والثَّالثة في الصُّورة الثَّالثة.
واختار محمد - رضي الله عنه - الرِّواية الثَّالثة، إلا أنّه زاد عليها شرطاً آخر، وهو كون الطُّهر مساوياً للدَّمين أو أقلّ منها.
مثال الأوّل: امرأةٌ رأت يومين دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً، فستّةٌ حيضٌ؛ لوجودِ الشَّرط، وهو كون الطُّهر مساوياً للدَّمين.
صورته: م م ط ط ط م.
ومثال الثَّاني: امرأةٌ رأت يومين دماً ويومين طهراً ويوماً دماً، فالخمسةُ حيضٌ؛ لوجود الشَّرط، وهو الطُّهر أقلّ من الدَّمين.
صورته: م م ط ط م.
وحاصل مذهبه: أنّ الطُّهْرَ المتخلِّل بين الدَّمين إن نقص (¬1) عن ثلاثة أيام، ولو ساعةً لا يفصل بينهما؛ لأنّ ما دون الثَّلاث من الدَّم لا حكم له، فيُجعل كحال الطُّهر.
وكذا ما دون الثَّلاث من الطُّهر لا حكم له، فيجعل كالدَّم المتوالى.
وإذا بلغ ثلاثةَ أيام فصاعداً، إن كان مثل الدَّمين أو أقلّ منها فلا يفصل البتة؛ لأنّ الدَّمَ في موضعه، فكان أولى بالاعتبار، وإن كان أكثر منهما فَصَل.
ثمّ ينظر إن كان في أحد الجانبين ما يُمكن أن يجعل حيضاً، فهو حيضٌ، والآخر استحاضةٌ، وإن لم يكن، فالكلُّ حيضٌ.
ولا يُتَصَوَّرُ أن يكون في الجانبين ما يُمكن جعلُه حيضاً؛ لأنّه يصير الطُّهر أقلّ من الدَّمين، إلا إذا زادَ على العشرة، فحينئذٍ يُمكن أن
¬
(¬1) أي الدم عن ثلاثة أيام فلا يعتبر؛ لأنه لم يبلغ نصاباً.
يُجعل الأَوَّل حيضاً؛ لسبقه دون الثَّاني.
واختلف المشايخ على قوله: فيما إذا اجتمع طهران، أحدُهما غير أكثر ممّا اكتنفه، والآخر أكثر مما اكتنفه، وجَعل غير الأكثر حيضاً، هل يتعدَّى حكمه إلى الطُّهر الآخر أو لا يتعدى؟
قال أبو زيد الكبير (¬1): يتعدَّى حتى يصير الكلُّ حيضاً، سواء كان ذلك الطُّهر الآخر الزَّائد على ما اكتنفه مؤخراً عن الطُّهر الغير الزَّائد على ما اكتنفه أو مُقدَّماً عليه.
مثال الأوّل: رأت يومين دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً، فالعشرةُ كلُّها حيضٌ؛ لأنّ الدَّمَ المحيط بطرفي الثَّلاثة الأولى في المثال المذكور استوى بالطُّهر، فيُجعل الطُّهر المحاط به كالدم المستمر، فكأنّها رأت السِّتةَ دماً وثلاثةً طهراً ويوماً، فتعدَّى حكم الطُّهر الأَوَّل المجهول دماً إلى الطُّهر الثَّاني، فصارت العشرة كلُّها دماً حكماً.
صورته: م م ط ط ط م ط ط ط م.
¬
(¬1) لعله: عبيد الله بن عمر بن عيسى الدَّبوسِيّ الحَنَفيّ، أبو زيد، قال الذهبي: كان أحد من يصرب المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود، وكان شيخ تلك الديار، من مؤلفاته: «الأسرار في الأصول والفروع»، و «تقويم الأدلة»، و «النظم في الفتاوى»، (ت430هـ). ينظر: وفيات3: 48، والفوائد ص184.
وهذا معنى قول صدر الشَّريعة والمولى خسرو (¬1): «ثمّ إذا صار الطُّهر دماً عنده، فإن وُجد في عشرةٍ هو فيها طهرٌ آخر يغلب الدَّمين المحيطين به، لكن يصير مغلوباً إن عُدّ ذلك الدَّم الحكمي دماً، فإنّه يُعَدّ دماً حتى يُجعل الطُّهر الآخر حيضاً أيضاً إلا في قول أبي سَهل (¬2).
ولا فرق بين أن يكون الطُّهر الآخر مقدماً على ذلك الطهر أو مؤخراً»، انتهى (¬3).
المراد بالطُّهر الآخر الطُّهر الغالب على الدَّمين المحيطين به، وبالدَّم الحكمي الطُّهر المساوي للدَّمين المحيط به، قال أبو سَهل الغَزَالي: لا يتعدَّى حكم الطُّهر الذي جُعل دماً إلى الطُّهر الآخر سواء قُدِّم أو أُخّر.
¬
(¬1) وهو محمد بن فرامُوز بن علي، محيي الدين، المعروف بمُلا خسرو، وسبب التسمية: أن أبوه زوج بنتاً له من أمير يُسمّى خسرو، وابنه محمد هذا كان في حجر خسرو، وبعد وفاة أبيه اشتهر بأخي خسرو زوجة خسرو، ثم غلب عليه اسم خسرو، قال الكفوي: كان بحراً زاخراً عالماً بالمعقول والمقول، وحبراً فاخراً جامعاً للفروع والأصول، من مؤلفاته: «غرر الأحكام»، وشرحه «درر الحكام»، و «حواشي التلويح»، و «حاشية شرح الوقاية»، (ت885هـ)، ينظر: الضوء اللامع8: 279، والفوائد ص302 - 303.
(¬2) في المخطوط: سهيل، والمثبت من شرح الوقاية، وهو أبو سهل الزُّجاجي الغَزَالي الفَرَضي، درس على الكرخي، وأبي سعيد البردعي، قال الصاحب بن عباد: كان أبو سهل إذا دخل مجالس النظر تتغير وجوه المخالفين لقوة نفسه وحسن جدله، من مؤلفاته: كتاب «الرياض»، ينظر: الجواهر4: 51 - 52، وتاج التراجم ص335 - 336.
(¬3) من شرح الوقاية 2: 84، ودرر الحكام لملا خسرو1: 41.
قال في «المحيط»: وهو الأصحّ.
فعلى قوله: السِّتّةُ الأولى في المثال الأوَّل، والسِّتّة الثَّانية في المثال الثَّاني حيضٌ لا غير؛ لأنّه تخلَّل بين العشرة طهران، كلُّ واحد منها تمام ثلاثة أيام، فإذا لم يتميز أحدُهما عن الآخر كان الطُّهر غالباً، فلا يُمكن جَعلُه حيضاً، فالعبرةُ عنده بالدَّم الحقيقيّ دون الحكميّ.
قال صدرُ الشَّريعة: «وقد ذُكِر أنّ كثيراً من المتقدِّمين والمتأخرين أَفتوا بقول محمَّد - رضي الله عنه -، انتهى (¬1).
وقال في «البُرهان» (¬2): قال في «المبسوط» (¬3): وهو الأصحّ، وعليه الفتوى، انتهى.
¬
(¬1) من شرح الوقاية 2: 85.
(¬2) لإبراهيم بن موسى بن أبي بكر الطرابلسي، برهان الدين، نزيل القاهرة، له: «مواهب الرحمن في مذهب النعمان»، قال: وقد صنفت هذا الكتاب على نحو القاعدة التي اخترعها صاحب «مجمع البحرين»، وله شرح عليه سمَّاه «البرهان»، وله: «الإسعاف في حكم الأوقاف»، (853 - 922هـ). ينظر: النَّور السافر ص104، والكشف2: 1895.
(¬3) لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر، شمس الأئمة، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سَرَخْس من بلاد خُراسان، قال الكفوي: كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، من مؤلفاته: «المبسوط»، و «شرح السير الكبير»، و «أصول السرخسي»، و «شرح مختصر الطحاوي»، (ت نحو 500هـ)، ينظر: تاج التراجم ص234، والجواهر المضية3: 78.
وقال مسكين (¬1): والفتوى على مذهب محمّد - رضي الله عنه -، كذا في «المبسوط»، انتهى.
وقال الشَّيخ زين: «وقد صُحِّح قولُ محمّد - رضي الله عنه - في «المبسوط» و «المحيط» (¬2)، وعليه الفتوى.
وقال الشَّيخ كمال الدين (¬3): وفي نسخ «المبسوط»: «أنَّ الفتوى على قول محمَّد - رضي الله عنه - وقول أبي يوسف - رضي الله عنه - أولى»، انتهى (¬4).
قلت: يعني حيث اختلف في الفتوى، فالأخذ بقول أبي يوسف - رضي الله عنه - أولى؛ لأنّه روايةٌ من صاحب المذهب، والله أعلم.
وقال الحَسَن بنُ زياد: والطُّهر المتخلِّل بين الدَّمين إن نقص عن ثلاثة لا يَفصل، ويكون الكلُّ حيضاً.
مثال: رأت يوماً دماً ويومين طهراً ويوماً دماً، فالأربعة كلُّها
¬
(¬1) وهو معين الدين الهروي المعروف بملاّ مسكين، من مؤلفاته: «شرح الكنز»، (ت954هـ). ينظر: الكشف2: 1515.
(¬2) لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: «المحيط البرهاني»، و «ذخيرة الفتاوي»، (ت616). ينظر: الجواهر3: 233 - 234، والفوائد ص291 - 292.
(¬3) في فتح القدير1: 173.
(¬4) من البحر الرائق1: 217.
حيضٌ؛ لأنّ الطُّهر ناقصٌ عن ثلاثة، فلا يفصل بين الدَّمين.
صورته: م ط ط م.
وإن كان ثلاثة أو أكثر يَفصل مطلقاً: أي سواء أحاط الدَّم بطرفي المدَّة أو لا، وسواء كان الدَّمان نصاباً أو لا، وسواء كان الطُّهر مساوياً للدَّمين أو أقل منها.
ثمّ يُنظر، فإن أمكن أن يُجعل الدَّم في إحدى الجانبين حيضاً، فهو حيضٌ، والآخر استحاضة.
مثاله: رأت ثلاثة دماً وأربعةً طهراً وثلاثةً دماً.
صورته: م م م ط ط ط ط م م م.
ولنضع مثالاً يجمع الأقوال الخمسة: رأت يومين دماً وخمسةً طهراً ويوماً دماً ويومين طهراً ويوماً دماً.
صورتُه: م م ط ط ط ط ط م ط ط م.
فعلى روايةِ محمّد - رضي الله عنه -: الثَّمانية حيضٌ؛ لخروج الدّم الثاني من مدّة الحيض، وختمُ الطُّهر بالحيض لا يجوز على هذه الرِّواية، كما تقدَّم بيانه.
وعلى رواية أبي يوسف - رضي الله عنه -، وهو قولُه: العشرةُ كلُّها حيضٌ إن كانت مبتدأةً أو معتادة، وكانت عادتُها عشرةٌ، فإنَّ ختمَ الحيضَ بالطُّهر يجوز على هذه الرِّواية، كما سبق بيانه، والدَّمُ الخارج من المدّة استحاضة.
وعلى رواية ابن المبارك، وهو اختيار زُفر - رضي الله عنه -: الثَّمان حيض؛ لوجود النِّصاب وتخلّل الطُّهر بين الدَّمين في المدَّة.
وعند محمّد - رضي الله عنه -: الأربعة منه آخرها حيض؛ لأنّه تعذَّر جَعْلُ الطُّهر الأوَّل حيضاً؛ لأنّ الغلبة فيه شرط؛ لأنّ شرط جعل الطُّهر المتخلِّل بين الدَّمين حيضاً عنده أن يكون مساوياً للدَّمين أو أقلّ منهما، فطرحنا الدَّم الأوَّل، فبَقِي بعده يومٌ دمٌ ويومان طهرٌ ويومٌ دمٌ، فالطُّهر مساوٍ للدَّمين، فجَعلنا الأربع حيضٌ.
وكذا عند الحسن - رضي الله عنه -: لأنّ الطُّهرَ أقلّ من ثلاثة، وهو لا يفصل عنده، كما ذُكِر آنفاً؛ إذ لا خلاف بينه وبين محمّد - رضي الله عنه - في طهر نقص من ثلاثة، وإنّما الخلاف بينهما في طُهر بلغ الثَّلاثة، فإنّه يفصل عند الحَسَن - رضي الله عنه - مطلقاً، ولا يفصل عند محمد - رضي الله عنه - إلا إذا كان مجموع الدَّمين غير نصاب، أو كان الطُّهر أكثر من الدَّمين.
وما ذُكِر من الخلاف بين أبي زيد الكبير وأبي سَهل الغَزالي لا يتأتى في المثال المزبور، كما لا يخفي على المتأمّل بالكلام المذكور.
وأمّا الطُّهرُ الصَّحيحُ الفاصلُ بين الحيضتين فأقلُّه خمسةَ عشرَ يوماً لإجماع الصَّحابة - رضي الله عنهم - عليه، ولأنّه مدّة اللزوم، فصار كمدّة الإقامة، ولا حَدّ لأكثره؛ لأنّه قد يمتدُّ إلى سنةٍ وإلى سنتين، وقد لا يُرى الحيضُ أصلاً، فلا يُمكن تقديره، فحينئذٍ تصوم وتُصلي ما تَرَى الطّهر وإن استغرق
ذلك جميع عمرها، إلا عند الاحتياج إلى نصب العادة في زمان استمرار الدّم بها، فحينئذٍ يكون لأكثره حدٌّ عند عامة المشايخ، وهذا شامل لثلاث مسائل:
الأولى: مسألةُ مَن بلغت مستحاضةً.
والثَّانية: مسألةُ المبتدأة التي بلغت، فحاضت عشرةً وطهرت سنةً مثلاً، ثمّ استمر بها الدَّم.
والثَّالثة: مسألةُ المعتادة التي نسيت أيام حيضها وأيام طهرها.
أمّا الأولى: فيقدَّر حيضاً بعشرة أيام وطهرها بما بقي من الشَّهر، ورُوى عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنّ حيضَها يُقدَّرُ في الصَّلاة والصَّوم ثلاثة أيام، وفي حقِّ الوطءِ بعشرةٍ أخذاً بالاحتياط.
وأمّا الثَّانية: فقد اختلف المشايخ فيها:
فذهب بعضُهم: إلى أنّه لا يُقَدَّر طهرُها بشيء، فيكون حيضاً وطهراً بقدر ما رأت أوّلاً؛ لأنّ نصب المقادير بالتَّوقيف، ولم يوجد.
وذهب عامتُهم: إلى أنّه يقدَّر للضَّرورة، ثمّ اختلفوا فيما يقدر به:
قال محمّدُ بنُ شجاع (¬1): يُقَدَّرُ بثلثي الشَّهر، واختاره صاحبُ (¬2) «البدائع» حيث قال مثال ذلك: مبتدأةٌ حاضت عشرةَ أيام وطهرت سنةً، ثمّ استمر بها الدَّم، فعند أبي عصمة: تدع من أوَّل الاستمرار عشرةً وتُصلي سنةً هكذا دأبها؛ إذ لا غايةَ لأكثر الطُّهر عنده، فإن طلَّقها زوجها تنقضي عدَّتُها بثلاثِ سنين وثلاثين يوماً.
وعند العامّة: تدع أوّل الاستمرار عشرة، وتُصلِّي عشرين، كما لو بلغت مستحاضة، انتهى.
وقال في «المواهب»: ولا حَدّ لأكثر الطُّهر إلا إذا بلغت، فحاضت عشرة وطهرت سنةً، ثمّ استمر بها الدَّم ... (¬3)، فإنّه يُقدَّر عند العامَّة بثلثي الشَّهر، انتهى.
¬
(¬1) وهو محمد بن شجاع الثَّلْجِيّ، أبو عبد الله، كان فقيه العراق في وقته، والمقدم في الفقه والحديث مع ورع وعبادة، من مؤلفاته: «تصحيح الآثار»، و «النوادر»، و «المضاربة»، (ت266هـ). ينظر: الفوائد ص281 - 282، والعبر2: 33.
(¬2) وهو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين، ملك العلماء، تفقه على محمد بن أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم كتبه، وزوجه شيه ابنته فاطمة، وقيل: إن سبب تزويجها أنها كانت من حسان النساء، وكانت حفظت التحفة لأبيها وطلبها جماعة من ملوك بلاد الروم، و لما صنف صاحب الترجمة «البدائع»، وهو شرح «التحفة»، وعرضه على شيخه ازداد به فرحاً وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقالوا في عصره، شرح «تحفته»، وزوجه ابنته، من مؤلفاته: «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»، «الكتاب الجليل»، و «السلطان المبين»، (ت587هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي ص101 - 102، والفوائد ص91.
(¬3) في المخطوط: دمها.
وقال محمّدُ بنُ سلَمة (¬1) [و] الزَّعفرانيّ (¬2): يُقَدَّرُ بسبعةٍ وعشرين يوماً؛ لأنّ الشَّهرَ يشتملُ على الحيض والطُّهر، وأقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام، فنرفعُ من كلِّ شهر، فيبقى الطُّهر سبعةً وعشرينَ يوماً.
وقال محمّدُ بن مقاتل الرَّازي (¬3) وأبو عليّ الدَّقاق (¬4): يُقَدَّر بسبعةٍ وخمسين يوماً؛ لأنّه إذا زاد عليه لم يبقَ من الشَّهرين (¬5) ما يُمكن جعلُه حيضاً.
وقال محمّدُ بنُ إبراهيم الميدانيّ (¬6): يُقَدَّرُ بستّةٍ أشهر إلا ساعةً؛ لأنّ العادةَ نقصان طهرُ غير الحامل عن طهر الحامل، وأقلّ مدّة الحمل ستّة
¬
(¬1) وهو محمد بن سلمة البَلْخِيّ، أبو عبد الله، تفقه على أبي سليمان الجُوزَجاني، وشدَّاد بن حكيم، (192 - 278هـ). ينظر: الجواهر3: 162 - 163، والفوائد ص279.
(¬2) وهو الحسن بن أحمد بن مالك الزعفراني، أبو عبد الله، قال اللكنوي: كان إمامًا ثقة رتب «الجامع الصغير» لمحمد ابن الحسن ترتيباً حسناً، ومَيَّزَ خواص مسائل محمّد عمَّا رواه عن أبي يوسف وجعله مبوَّباً، ولم يكن قَبْلُ مبوباً، وله كتاب «الأضاحي»، ينظر: الفوائد البهية ص60.
(¬3) وهو محمد بن مقاتل الرَّازِيّ، من أصحاب محمد، قاضي الرَّي، (ت248هـ). ينظر: الجواهر3: 372، والفوائد ص329، والتقريب ص442.
(¬4) وهو أبو علي علي الدَّقَّاق الرَّازيّ، يُقال لمن يَبيع الدَّقيق ويعمله، تفقه على موسى بن نصر الرَّازي، وتفقَّه عليه أبو عيسى البردعي. ينظر: تاج التراجم ص337، الجواهر المضية4: 69.
(¬5) في المخطوط: الشهر، والمثبت من البناية1: 661، والتبيين1: 63.
(¬6) وهو محمد بن إبراهيم الضرير المَيْدانيّ، أبو بكر، قال الذهبي: من أئمة الحنفية، وقال اللكنوي: شيخ كبير عارف بالمذهب، قل ما يوجد مثله في الأعصار من أقران أبي أحمد العياضي. ينظر: الفوائد البهية ص254، والجواهر المضية 3: 16.
أشهر، وانتقص عن هذا بشيءٍ، وهو السَّاعة، والمرادُ بها الزَّمان القليل لا ما هو متعارف المنجمين، قال صاحبُ «صدر الشَّريعة» (¬1) وصاحب «الدُّرر» (¬2) هذا هو الأصحّ.
وقال الحاكمُ الشَّهيد (¬3): يُقَدَّر بشهرين؛ لأنّ العادةَ مأخوذةٌ من العَوْد، ومنها المعاودة، والحيضُ والطُّهرُ مما يتكرَّران في الشَّهر عادةً؛ إذ الغالب أنّ المرأةَ تحيض في كلِّ شهر مَرّةً، فإذا طَهُرَت شهرين لا يعود في الشَّهرين، فقد طهرت في أيام عادتها.
والعادةُ تُنتظر بمرَّتين، فصار ذلك عادةً لها، فوجب التَّقدير به، وهو روايةُ محمّد بن سَماعة (¬4) عن محمّد بن الحسن، واختاره أبو سَهل الغَزَالي، وعليها الفتوى؛ لأنّه أيسر على ... المفتي والنِّساء، كذا في
¬
(¬1) شرح الوقاية2: 92.
(¬2) درر الحكام1: 40.
(¬3) وهو محمد بن محمد بن أحمد المَرْوَزِيّ السُّلَميّ البَلْخِيّ، أبو الفضل، الحاكم الشَّهيد، قال السمعاني: إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره. ومن مؤلفاته: «المنتقى»، و «الكافي»، و «المختصر»، (ت 334هـ). ينظر: الجواهر3: 313 - 315)، والفوائد ص305 - 306.
(¬4) وهو محمد بن سَماعة بن عبيد الله التَّميميّ، أبو عبد الله، وكان سبب كَتْبِ ابن سماعة النوادر عن محمد، أنّه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر، فاستعبر ذلك، فقيل: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجهد أن لا يفوتك منه لفظة، فبدأ حينئذ، فكتب عنه النوادر، من مؤلفاته: «أدب القضاء»، و «المحاضر والسجلات»، (ت233هـ). ينظر: التقريب ص417، والجواهر3: 168 - 170.
«النِّهاية» (¬1) و «العناية» (¬2) و «فتح القدير» (¬3).
وأمّا الثَّالثة، فإنّها تتحرَّى وتعمل بأكبر رأيها إن كان لها رأي، وإن لم يكن لها رأي، وهي المحيّرةُ، وتُسمّى المضلَّلة لا يُحكم لها من الطُّهر والحيض على التَّعيين، بل تأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام، فتجتنب ما تجتنبُه الحائض.
واختلفوا في تقدير طهرها في حَقّ انقضاء العدّة:
قال أبو عصمة المروزى (¬4) ......................................
¬
(¬1) لحسين بن علي بن حجاج السِّغْنَاقي، حسام الدين، قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً نحوياً جدلياً، ومن مؤلفاته: «شرح التمهيد في قواعد التواحيد» لأبي المعين المكحولي، و «الكافي شرح أصول البزدوي»، قال اللَّكْنَوِيُّ: طالعت من تصانيفه «النهاية» وهو أبسط شروح «الهداية» وأشملها، قد احتوى على مسائل كثيرة وفروع لطيفة. (ت بعد 710هـ). ينظر: تاج التراجم ص160، والفوائد ص106.
(¬2) العناية شرح الهداية1: 175؛ لمحمد بن محمد بن محمود الرومي البَابَرْتي، أبي عبد الله، أكمل الدين، قال الكفوي: إمام محقِّق مدقِّق متبحر حافظ ضابط، لم تر الأعين في وقته مثله، كان بارعاً في الحديث وعلومه، ذا عناية باللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان، من مؤلفاته: «العناية على الهداية»، و «حواشي الكشاف»، ويتحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار»، (714 - 786). ينظر: النجوم الزاهرة11: 302 - 303، وتاج التراجم ص276.
(¬3) فتح القدير1: 176.
(¬4) وهو عصام بن يوسف بن مَيْمون البلخي، أبو عصمة، وهو أخو إبراهيم بن يوسف، وقد كانا شيخي بلخ في زمانهما بغير مدافع لهما (ت210هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 527 - 528، والفوائد البهية ص195.
والقاضي أبو خازم (¬1): لا يُقَدَّر بشيءٍ، ولا تنقضي عدّتها.
وقال عامّةُ المشايخ: يُقَدَّر وتنقضي عدّتُها.
ثمّ اختلفوا فيما يُقَدَّر به على وفق ما ذُكر في المسألة الثَّانية.
ومسألةُ المضلَّلة على (¬2) ثلاثة أقسام:
الأوّل: الانتقال بالعدد.
والثّاني: الانتقال بالمكان.
والثَّالث: الانتقال بهما.
ولكلِّ قسم أحكامٌ تخصُّه، ومَن أراد الاطلاع عليها، والوقوف بها، فعليه بـ «المحيط».
• • •
¬
(¬1) وهو عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو خازم، أخذ العلم عن بكر العَمِّي، ولي القضاء بالشام والكفوة والكرخ، وتفقه عليه أبو جعفر الطحاوي، قال القرشي: كان رجلاً ديناً ورعاً عالماً بمذهب أبي حنيفة وأصحابه، (ت292هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 366 - 368.
(¬2) في المخطوط: مع.