حكم نفقة المريضة ........
.... قبل الزفاف عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
حكم نفقة المريضة ........
.... قبل الزفاف عند الحنفية
الطبعة الأولى
1445 هـ ـ 2024 م
حكم نفقة المريضة
قبل الزفاف عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص البحث:
اهتممتُ في هذا البحث بمسألة هامة، وهي حكم نفقة المريضة قبل الزفاف، حيث اضطربت عبارت الكتب فيها وتناقضت، واختارت المتون فيها غير ظاهر الرواية، وهو مختارُ المشايخ، وقول أبي يوسف؛ لاشتراط النفقة في التسليم الكامل من القدرة الوطء؛ لرفع الضرر عن الزوج بالتسليم الناقص، وهو مطلق الاستمتاع والاستئناس، الذي يكتفى به فيما بعد الزفاف، حيث بيَّنتُ محلَّ النِّزاع فيها وأقوال العلماء وأدلتهم والمعتمد في المذهب وسبب الاختلاف من أصول بناء أو أصول تطبيق.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنه يحصل اضطرابٌ وتنازعٌ وتناقض في عبارات الفقهاء في بعض المسائل الفقهيّة التي تحتاج إلى تحقيق وتحميص للباحثين والعاملين من المفتيين والقضاة.
وأمامنا مسألة من هذه الصنف، وهي مسألة نفقة المرأة المريضة قبل الزفاف هل تجب على الزوج فيما لو زفت إليه على هذه الحالة، أم لا تجب، وظاهر المذهب أنها واجبة على الزوج؛ لأنها النفقة تلزم بالعقد، ويكفي في ذلك التسليم الناقص، وهو أن المرأة يمكن الاستمتاع والاستئناس بها.
ومثل هذه الصورة من حالة المرأة تبقى بها مستحقّة للنفقة فيما بعد الزفاف، فلو مرضت المرأة تبقى مستحقّة للنفقة لوجود مطلق التسليم على الوصف المذكور.
ولكن المشايخ اختاروا قول أبي يوسف من اشتراط التسليم الكامل، من القدرة على الوطء، واختار أصحاب المتون قول المشايخ؛ لأنه أعدل وأوفق بأحوال الناس، وتركوا ظاهر الرواية رغم أنها المتون وضعت لنقل ظاهر الرواية.
وهذا ما حققه ابن الهمام، واعترض عليه ابنُ نُجيم ورَدَّ كلامَه، ووافقه على ذلك الحصكفيُّ وابنُ عابدين وغيرهم، ولكن الحقّ كان مع ابن الهمام، فحصل نتيجة ذلك اختلاط واضطراب في العبارات؛ لأن المتون تركت ظاهر الرواية على خلاف المعتاد، فتناقضت العبارات في شرح كلامهم.
فسعيتُ جهدي في جمع العبارات وتوجيهها وبيان الخلاف في المسألة وذكر المعتمد وسبب الاختلاف فيها.
وأهمية البحث: تكمن في تحقيق مسألة فقهية لا غنى للباحثين والمفتين والقضاة عنها وقد اضطربت عبارات المتأخرة فيها وذكرت غير المعتمد كابن نجيم والحصكفي وابن عابدين وغيرهم، فصارت متعسّرة على الفهم والتصور؛ للتناقض والاضطرابب الواقع فيها.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: هل تجب النفقة للمرأة المريضة قبل الزفاف؟ وهل خالف المتون ظاهر الرواية فيها؟ هل أخطأ المتأخرون في تقرير المسألة كابن نجيم والحصكفي وابن عابدين وغيرهم؟ وما هو سبب تركت ظاهر الرواية في المسألة؟
ولم أقف على دراسةٍ سابقةٍ اهتمّت بتحقيق مسألة حكم نفقة المرأة المريضة قبل الزفاف عند الحنفية.
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في جمع المسائل من «المراقي»، ثم المنهج المقارن في مقارنتها بالمسائل الموجودة في كتب المذهب؛ ليتميّز موافقته أو مخالفته للمعتمد في المذهب، ثم المنهج التّحليلي للتعرّف على أسباب المخالفة للمذهب.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمتُ البحث إلى مطلبين وخاتمة:
المطلب الأوّل: يقع واحدة مَن قال: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إلا أربعاً عندهما.
والمطلب الثّاني: يجوز التعريض بالخطبة للمطلقة البائنة.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل النزاع:
أولاً: صورة المسألة:
لو أن رجلاً عقد على امرأة مريصة أو مرض بعد العقد قبل الزفاف، بحيث لا يمكن للرجل جماعتها، فهل تلزم النفقة عليه لها، علماً أنه تلزم النفقة على المرأة التي مرضت بعد الزفاف، بحيث لا يقدر على جماعها؛ لوجود مطلق التسليم، وهو الاستمتاع بالمسّ مثلاً أو الاستنئاس، وهذا ما يُسمّى بالقبض الناقص، أما القبض الكامل فيكون في القدرة على الجماع للمرأة.
قال الموصلي (¬1): «وإن مرضت في منزلِه فلها النَّفقة، وكذلك إذا جاءت إليه مريضة؛ لأنّ الاحتباسَ موجودٌ، فإنّه يُستأنسُ بها وتَحْفَظُ متاعَه، ويُسْتَمْتَعُ بها لَمساً وغيرَه، ومنعُ الوطءِ لعارضٍ كالحيضِ والنِّفاس.
والقياسُ: أن لا نفقةَ لها إذا كان مَرَضاً يَمْنَعُ الجماع كالصَّغيرة.
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: إن مَرِضَت عنده لها النَّفقة؛ لأنّه صحَّ التَّسليمُ، ولو سُلِّمت إليه مَريضةً لا نفقةَ لها؛ لأنّ التَّسليمَ ما صَحَّ، وقوله: «مَرِضت في منزله» إشارةٌ إليه».
ثانياً: تحرير محلّ النزاع:
¬
(¬1) في الاختيار 4: 5.
اتفقوا على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، واتفقوا على وجوبها إن مرضت عند الزَّوج، واختلفوا في وجوبها لمريضة لم تزف لزوجها، وهذا محلُّ النقاش.
والقياس أنّ النفقةَ مستحقةٌ باحتباس موجب للجماع، فإن مرضت المرأة سقطت النفقة، ولكن استحساناً يكتفى بمطلق الاحتباس فلا تسقط النفقة؛ لأنه يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت، فكان المانع من الاحتباس الكامل عارض فأشبه الحيض (¬1).
المطلب الثاني: أقوال الفقهاء وأدلتهم:
الأول: تجب النفقة للزوجة بالعقد سواء زُفّت أم تُزف، أو مريضةً أو صحيحة، إلا إذا امتنعت عن تسليم بغير حق، ورجَّحه في «النهاية» و «الفتح» وغيرها.
ففي «الأصل» (¬2): «ألا ترى أني أجعل للرتقاء نفقة، وهي لا تستطاع أن تجامع، وكذلك المريضة، فإن النفقة لها دخل بها أو لم يدخل بها، زُفَّت إليه أو لم تزف، لها النفقة منذ يوم تزوج إذا كانت كبيرة قد فُرِضَ لها».
قال الكاسانيّ (¬3): «ولو كانت المرأةُ مريضة قبل النقلة مرضاً يمنع من الجماع فنقلت وهي مريضة، فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضاً، فإذا طلبت
¬
(¬1) ينظر: الهداية 5: 668.
(¬2) الأصل 10: 331.
(¬3) في البدائع 4: 20.
النفقة فلم ينقلها الزوج، وهي لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج وإن كانت تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة، كذا ذكر في ظاهر الرواية؛ لأنّ التسليم في حقِّ التمكين من الوطء إن لم يوجد فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع، وهذا يكفي لوجوب النفقة، كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان، وإذا امتنعت فلم يوجد منها التسليم رأساً؛ فلا تستحق النفقة.
وإن نُقلت وهي صحيحة ثم مرضت في بيت الزوج مرضا لا تستطيع معه الجماع لم تبطل نفقتها بلا خلاف؛ لأن التسليم المطلق، وهو التسليم الممكن من الوطء والاستمتاع قد حصل بالانتقال؛ لأنها كانت صحيحة كذا الانتقال، ثم قصر التسليم لعارض يحتمل الزوال، فأشبه الحيض».
وثبوت النفقة بالعقد لا يسقط أن تسلم المرأة نفسها لتستحق النفقة، قال الأقطع: تسليمها نفسها شرط في وجوب النفقة ولا خلاف في ذلك، وقال الأترازي: فعلم بهذا إذا ادعى بعض الشراح للهداية، بقوله: هذا الشرط ليس بلازم في ظاهر الرواية، فإنه ذكر في «المبسوط»، وهو ظاهر الرواية بعد صحة العقد، فإن النفقة واجبة لها وإن لم تنتقل إلى بيت الزوج، ألا ترى أن الزوج لو لم يطلب انتقالها إلى بيت الزوج جاز لها أن تطالبه بالنفقة، وقال في «الإيضاح»: وهذا لأن النفقة حق المرأة والانتقال حق الزوج، فإذا يطالبها بالنفقة، فقد ترك حَقَّه، وهذا لا يوجب بطلان حقها (¬1).
¬
(¬1) البناية5: 659.
وقال في «النهاية»: وقال بعض المتأخرين من أئمة بلخ: لا تستحقّ النّفقة إذا لم تُزف إلى بيت زوجها، والفتوى على جواب الكتاب، وهو وجوب النفقة وإن لم تُزف، فإن كان الزوج قد طالبها بالنقلة، ولم تمتنع من الانتقال إلى بيت زوجها فلها النفقة أيضًا، وأما إذا كان الامتناع بحق بأن امتنعت لتستوفي مهرها، فلها النفقة أيضًا، وإن كان الامتناع بغير حق، بأن كان أوفاها المهر، أو كان المهر مؤجلاً أو وهبته منه، فلا نفقة لها، فكل من كان محبوساً لغيره بحق مقصود، كانت نفقته عليه (¬1).
والثاني: وجوب النفقة بالعقد والتسليم الكامل الممكن من الوطء، فلا نفقة لها قبل النقلة، فإذا نقلت وهي مريضة؛ فله أن يردَّها، وهو مروي عن أبي يوسف، ومختار المشايخ.
لأنه لم يوجد التسليم؛ إذ هو تخلية وتمكين ولا يتحقق ذلك مع المانع، وهو تبوء المحلّ، فلا تستحق النفقة كالصغيرة التي لا تحتمل الوطء وإذا أسلمت نفسها وهي مريضة له أن يردها؛ لأن التسليم الذي أوجبه العقد وهو التسليم الممكن من الوطء لما لم يوجد؛ كان له أن لا يقبل التسليم الذي لم يوجبه العقد وهكذا قال أبو يوسف في الصغيرة التي لم يجامع مثلها: أن له أن يردها (¬2).
¬
(¬1) البناية5: 659.
(¬2) ينظر: البدائع4: 20.
فالمرغيناني (¬1) بعد ذكر قول أبي يوسف، «قالوا: هذا حسن، وفي لفظ الكتاب ما يشير إليه».
ومعناه أن المشايخ استحسنوا قول أبي يوسف فيمن لم تزف، وتركوا الاستحسان السابق؛ لما رأوا فيه من المضرّة الظاهرة بالزوج من لزوم النفقة عليه من امرأة مريضةٍ لا يمكن أن يُحقِّق معها مقاصد النكاح، ولم تزف إليه بعد.
وما أشار إليه الكتاب وهو القُدوري من التصريح بوجوب النفقة فيمَن مرضت بعد زفاها بأنه يجب النفقة فيها، وهذا لا خلاف فيه، وسكت عمَّن زُفَّت مريضةً، فكأنه أشار إلى أنه لا يؤخذ بظاهر الرواية فيه.
قال ابنُ الهُمام (¬2): «ولا يخفى أن إشارة الكتاب هذه مبنية على ما اختاره من عدم وجوب النفقة ... وقدَّمنا أنه مختار بعض المشايخ ورواية عن أبي يوسف، وليس الفتوى عليه، بل ظاهر الرواية، وهو الأصح تعليقها بالعقد الصحيح ما لم يقع نشوز، فالمستحسنون لهذا التفصيل هم المختارون لتلك الرواية عن أبي يوسف، وهذه فرعيتها، والمختار وجوب النفقة لتحقق الاحتباس لاستيفاء ما هو من مقاصد النكاح من الاستئناس والاستمتاع بالدواعي وهو ظاهر الرواية ....
¬
(¬1) في الهداية5: 668.
(¬2) فتح القدير4: 387.
وفي «الجامع الكبير»: سواء أصابتها هذه العوارض بعدما انتقلت إلى بيت الزوج أو قبله فيما إذا لم تكن مانعة نفسها، وهذا جواب ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف: لا نفقة للرتقاء والمريضة التي لا يمكن وطؤها قبل أن ينقلها، وإن انتقلت من غير رضاه يردها إلى أهلها، أما إذا نقلها هو إلى بيته مع علمه بذلك لا يردها إلى أهلها انتهى، كله من «الخلاصة»، وبه يظهر لك ما حكمنا به فيمن اختار قول أبي يوسف».
والمتون رغم أنها وُضعت لنقل ظاهر الرواية، إلا أنها في هذه الجزئية اختارت ما اختاره المشايخ من رواية أبي يوسف، فصرحت بقولها: «ومريضةٌ لم تزفّ»، كما في «الكنز» (¬1) و «الملتقى» (¬2)، و «الوقاية» و «الغرر» (¬3)، و «التنوير» (¬4)، قال ملا خسرو (¬5): واستحسنه في «الهداية».
وصرح الزَّيلعي (¬6) بأنه قول أبي يوسف، فقال: «ومريضة لم تزف فلعدم الاحتباس لأجل الاستمتاع بها، ولو سلمت نفسها، وهي مريضة لا تجب لها النفقة، ولو مرضت بعد التسليم تجب لها روي ذلك عن أبي يوسف»
¬
(¬1) ص313.
(¬2) ص93.
(¬3) 1: 414.
(¬4) 3: 579.
(¬5) في درر الحكام1: 413.
(¬6) في التبيين3: 53.
وقال اللكنوي (¬1): «وهو مبنيٌّ على أنّ وجوبَ النفقةِ بالتسليم، وإذ ليس فليس».
قال عمر ابن نجيم (¬2): «وادعى في «البحر» أن ما ذكر المشايخ ليس مُفرَّعًا على ما عن الثاني ـ أي أبي يوسف ـ، بل إطلاق ظاهر الرواية يُفيد بأن يمكنها الانتقال معه أما إذا لم يمكنها، فإنها لا تجب، وأنت خبير بأن ما في «الكتاب» ظاهر في أن المريضة لا نفقة لها حيث لم تُزف إليه سواء كان يمكنها الانتقال إليه أو لا، وهذا برواية الثاني أليق».
والثالث: سقوط النفقة للمريضة التي لم تُزف إن كانت بحيث لا تقدر على الانتقال، معه سواء منعت نفسها بالقول أو لا.
فهذا المعنى الذي فسّره به زينُ الدين ابن نجيم (¬3) ظاهر الرواية، بحيث لم يجعل اختلافاً بين قول المشايخ وظاهر الرواية، وخطأ ابنَ الهمام (¬4) فيما قال: إنه مختار المشايخ موافق لرواية أبي يوسف، ورَدَّه عليه أخوه عمر ابن نجيم (¬5) في ذلك، ورَجَّح كلام ابن الهمام، كما سَبَق، ومرّ معنا مُرجِّحات عديدة لما قال
¬
(¬1) في عمدة الرعاية
(¬2) في النهر الفائق2: 509.
(¬3) في البحر الرائق4: 198.
(¬4) في فتح القدير4: 387.
(¬5) في النهر الفائق2: 509.
ابنُ الهُمام، فيكون ما خَرَّجه ابنُ نجيم صار قولاً جديداً، وتبعه به من جاء بعده كالحصكفيّ وابن عابدين؛ لذلك أفردتُه كقول جديد.
قال ابنُ نجيم (¬1): «وحاصله أن المنقول في ظاهر الرواية وجوب النفقة للمريضة، سواء كان قبل النقلة أو بعدها، وسواء كان يمكنه جماعها أو لا، كان معها زوجها أو لا، حيث لم تمنع نفسها، كما صرَّح به في «البدائع» و «الخلاصة» و «الذخيرة» و «غاية البيان» معزياً إلى «كافي الحاكم» و «المبسوط» و «الشامل» و «شرح الطحاوي»، فكان هو المذهب، وصححه في «فتح القدير»، وقال: إن الفتوى عليه، وذكر أنّ القائلين بعدمه فرَّعوه على اشتراط التسليم حقيقة، وهو مروي عن أبي يوسف، وليس هو المختار.
والذي ظهر لي أن ما ذكره المشايخ إنما هو ظاهر الرواية، لا أنه مُفرَع على رواية أبي يوسف، فإن النفقة وإن كانت واجبة للمريضة في ظاهر الرواية قبل الانتقال حيث لم تمنع نفسها، لكن بشرط أن يمكنها الانتقال، فلو كانت بحيث لا يمكنها الانتقال أصلاً، فلا نفقة لها؛ لعدم التسليم تقديراً بدليل قولهم في توجيه ظاهر الرواية: إن التسليم حاصل في حقّ التمكين من الاستمتاع، وإن لم يمكن انتقالها فات التسليم بالكلية، فهذا هو مراد الفارقين بين المريضة والصحيحة.
فالمريضة التي لم تزف لا نفقة لها إن كانت بحيث لا تقدر على الانتقال معه سواء منعت نفسها بالقول أو لا، وقيد بكونها لم تزف؛ لأنها لو مرضت
¬
(¬1) في البحر الرائق4: 198.
في بيت الزوج مرضاً لا تستطيع معه الجماع لم تبطل نفقتها بلا خلاف؛ لأن التسليم المطلق هو التسليم الممكن من الوطء والاستمتاع، وقد حصل بالانتقال؛ لأنها كانت صحيحة، كذا في «البدائع».
وقال الحصكفي (¬1): «ومريضة لم تزف: أي لا يمكنها الانتقال معه أصلاً فلا نفقة لها وإن لم تمنع نفسها لعدم التسليم تقديراً».
وقال ابن عابدين (¬2): «لأنّ المذهب المصحح الذي عليه الفتوى: وجوب النَّفقة للمريضة قبل النُّقلة أو بعدها أمكنه جماعها أو لا، معها زوجها أو لا، حيث لم تمنع نفسها إذا طلب نقلتها، فلا فرق حينئذٍ بينها وبين الصحيحة؛ لوجود التَّمكين من الاستمتاع كما في الحائض والنفساء، وحينئذٍ فلا ينبغي إدخالها فيمن لا نَفقةَ لهن، لكن ظاهر «التجنيس»: أنَّه إذا كان مرضاً مانعاً من النقلة فلا نفقة لها، وإن لم تمنع نفسها؛ لعدم التسليم بالكلية، فهذا مراد من فرَّق بين المريضة والصَّحيحة، هذا حاصل ما حرَّره في «البحر»».
المطلب الثالث: القول المعتمد وسبب الاختلاف:
أوّلاً: القول المعتمد:
يعتمد القول الثاني بوجوب النفقة بالعقد والتسليم الكامل الممكن من الوطء، فلا نفقة لها قبل النقلة؛ لأنه مختار عامّة المتون المعتبرة، واختاره عامّةُ
¬
(¬1) في الدر المختار 3: 579.
(¬2) في رد المحتار 3: 579.
المشايخ، وأَعرضوا به عن ظاهر الرواية؛ لما فيه من رفع حرج عن الزوج من التزام نفقة لزوجة لا يتحقق بها مقصود النكاح، ولم يدخل بها أصلاً حتى نرتب عليه شيئاً من الآثار.
ويُعَدُّ ظاهرُ الرِّواية قولاً مُصحَّحاً في المذهب، صحَّحه بعضُ الفُضلاء كصاحب «الفتح» و «النهاية»؛ لأنه أصلُ المذهب.
ويعتبر القول الثالث، وهو تخريج خاطئ لابن نُجيم في المذهب، فلا يُعوَّل عليه وإن كان تابعه الحصكفيُّ وابن عابدين؛ لكونه مخالفٌ لجميع الكتب السابقة والأفهام للأكابر.
ثانياً: سبب الاختلاف:
بني القول الأوّل أنّ العبرة في وجوب النفقة هو وجود العقد الصحيح، بلا التفات لتحقق تسليم يتحقق به مقصد النكاح، وهو الوطء، وإنما يكفي مطلق تسليم يحصل به نوع من الانتفاع كالاستئناس واللمس وغيرهما.
قال ابنُ نُجيم (¬1): «وجه ظاهر الرواية: إن التسليم في حق التمكين من الوطء إن لم يوجد فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع، وهذا يكفي لوجوب النفقة كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان، وإذا امتنعت لم يوجد التسليم شرعاً».
¬
(¬1) في البحر الرائق4: 198.
وبنى القول الثاني على أن العبرة بالعقد والتسليم الكامل الممكن من الوطء في استحقاق النفقة ابتداء، ولم يشترطوا بقاء التسليم الكامل بعد الزفاف، بل يكفي مطلق التسليم، فكان الالتفات في هذا القول إلى رسم المفتي من رفع الحرج عن الزوج بإلزامه بتسليم لا يحصل معه مقصوده، وهو الوطء.
قال البرهاني (¬1): «إن التسليم الذي اقتضاه العقد تسليم من غير مانع يمنع من الوطء، وذلك غير موجود ههنا، فكان في التسليم نوع قصور وخلل فلا تستحق النفقة، فإذا نقلها الزوج إلى بيته مع علمه بذلك فقد رضي بالخلل، فكان عليه النفقة، فلا يجوز ردها لرضاه بالتسليم القاصر».
وبني القول الثالث على أن المقصود بالتسليم ابتداء عدم الامتناء منها قولاً أو عدم القدرة على الانتقال أصلاً بسبب المرض، وحملوا ظاهر الرواية ومختار المشايخ عليه.
* * *
¬
(¬1) في المحيط3: 521.
الخاتمة وأهم النتائج:
1.اختارات المتون خلاف ظاهر الرواية في مسألة سقوط النفقة للمريضة قبل الزفاف؛ لرفع الضرر الظاهر عن الزوج.
2.اختلفوا في المسألة على ثلاثة أقوال: ظاهر الرواية بوجوب النفقة للمريضة قبل الزفاف، وهو قول مصحح، والمعتمد وهو سقوط النفقة، وهو قول أبي يوسف وهو مختار المشايخ، وعليه المتون، والقول الثالث خاطئ، يلتفت إليه.
3. خرَّج ابن نُجيم في المسألة قولاً ثالثاً، وهو تخريجُ خاطئ وإن وافقه عليه الحصكفي وابن عابدين، وهو سقوط النفقة للمريضة التي لم تُزف إن كانت بحيث لا تقدر على الانتقال، معه سواء منعت نفسها بالقول أو لا.
المراجع:
1. الاختيار لتعليل المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، تحقيق: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع.
2. الأصل: لأبي عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (ت: 189هـ)، ت: د. محمد بوينوكالن، ط1، أوقاف قطر، 2012م.
3. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
4. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
5. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
6. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
7. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ، وأيضاً: ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، ط1، 2008م.
8. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
9. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
10. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ. وأيضاً: دار إحياء الكتب العربية
11. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز ملا خسرو (ت885هـ)، مطبوع مع شرحه درر الحكام، در سعادت، 1308هـ.
13. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
14. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
15. المحيط البرهاني: لمحمود بن أحمد بن مازه البخاري برهان الدين (ت 616)، إدارة القرآن، المجلس العلمي، كراتشي، 2004م.
16. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
17. النهر الفائق شرح كنْز الدقائق: لعمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت1005هـ)، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ.
18. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
19. وقاية الرواية في مسائل الهداية: لمحمود بن عبيد الله تاج الشريعة، من مخطوطات مكتبة الأوقاف العراقية، وأيضاً: ت: د. صلاح أبو الحاج، مع شرحها لصدر الشريعة، دارالوراق، عمان، ط1، 2005م.