حكم التشبه بغير المسلمين ........
............. عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
حكم التشبه بغير المسلمين ........
............. عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
حكم التشبه بغير المسلمين
عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
خلاصة البحث:
تعرَّضت في هذا البحث لمسألة مجتمعية تقع مع كل مسلم، ويكثر النقاش فيها، ويُشدّد بها على الناس بحيث يحرم فعل ما أو يباح نتيجة الاعتماد عليها في الحكم، فتبيّن من خلال البحث أنّ في الأمر سعةً كبيرةً عند الحنفية، حتى جعلوا أن مدار ترك التشبه بغير المسلمين على الاستحباب والسنية، حيث جمعت ما يزيد عن أربعين حديثاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - في التشبه، وذكرت فهم الحنفية لها، فإن قالوا بالوجوب كان لمعاني أخرى في المسألة غير التشبه، وذكروا أنَّ للتَّشبُّه المذموم الذي يأثم صاحبه ضوابط منها: أن يكون شعاراً لغير المسلمين، وأنّ يقصد به التشبه، وأن يفعله المسلمون ابتداءً قبل أن يشيع فيكون عرفاً، وقسمت البحث إلى تمهيد في أنواع التَّشبُّه، والمبحث الأول في ضوابط وحالات التشبه بغير المسلمين، والمبحث الثاني: في تطبيقات التَّشبُّه على تأصيل الحنفية، وخاتمة في أهم النتائج.
* * *
Abstract
In this research, a social issue of Imitating non-Muslims in acts is with every Muslim, whereas this issue includes of frequent discussion around it, and It is emphasized on the people by that Imitating non-Muslims is permissible or forbidden according to ruling issue. So it is clear through research that is in important at the Hanafi in Imitating non-Muslims that if this act is desirable or Sunnah, while in this research contains of more than forty sayings of the Prophet about Imitating non-Muslims and explanation of Hanafi in it, and there are reprehensible Imitating non-Muslims that depends on conditions including: to be a slogan of non-Muslims, to be an intention and to be custom. Then the research was divided into introduction In the types of Imitating non-Muslims, The first
chapter is in contains and cases of Imitating non-Muslims , the second chapter is examples of Imitating non-Muslims, and a conclusion in the most important results.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنَّ التغييرات الهائلة التي طرأت في هذا العالم من حيث سرعة الانتقال بين دول العالم، وإمكانية التواصل من خلال برامج التواصل الاجتماعي، وشيوع الأفلام والفضائيات، أحدثت اطلاعاً كبيراً على ثقافات الأمم المتعددة وسلوكياتهم وأفعالهم.
وأصبح موضوع التشبه بغير المسلمين من أكثر الموضوعات تناولاً في المجالس الخاصة والعامة؛ لما ورد فيه من أحاديث وأقوال للفقهاء.
وهذا يُظهر أهمية الموضوع وحاجة المسلمين إلى معرفة حكم التشبه بغيرهم من الأمم، هل هو ممنوع مطلقاً، أم له حدود وضوابط.
وتكمن مشكلة البحث في الإجابة عن سؤال رئيسي، وهو: ما حكم التشبه بغير المسلمين عند الحنفية؟ ويندرج تحته أسئلةٌ فرعيةٌ: ما هي
أنواع التشبه؟ وما هي ضوابطه؟ وما الحكم لحالاته المختلفة؟ وما هو تفسير الحنفية للتشبه الوارد في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وما هي التطبيقات المعاصرة للتشبه على قول الحنفية؟
الدراسات السابقة:
لم أقف على دراسة خاصة بتأصيل التشبه وأنواعه وضوابطه ومجالاته وفهم ما ورد فيه من أحاديث عند الحنفية، وإنَّما وقفت على دراسات عامة في التشبه، ومنها:
1.مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين: لأشرف بارقعان.
2. الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين: لحمود التويجري.
3. التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلامي: لجميل المطيري، وهي رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في قسم الفقه بجامعة أم القرى.
4. السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار: لسهيل عبد الغفار، وهي رسالة علمية مقدمة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
5.التدابير الواقية من التشبه بالكفار: لعثمان أحمد دوكري، وهي رسالة مقدمة لجامعة الإمام محمد بن سعود.
وظاهر من عناوينها عدم التأصيل للمسألة على مذهب الحنفية، فيكون هذا البحث محاولة لتأصيل المسألة عند الحنفية.
ولتحقيق هذا المقصود فقد قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين.
تمهيد: في تعريف التشبه وبيان أنواعه.
والمبحث الأول: في ضوابط وحالات التشبه بغير المسلمين، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في ضوابط التشبه المذموم.
والمطلب الثاني: في حالات التَّشبُّه بغير المسلمين وأحكامها.
والمبحث الثاني: في تطبيقات التَّشبُّه على تأصيل الحنفية، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في فهم الحنفية لما ورد من أحاديث في التَّشبُّه.
والمطلب الثاني: في تطبيقات التشبه بغير المسلمين مُخرَّجة على مذهب الحنفية.
والخاتمة: في أهم نتائج البحث.
راجياً من الله التوفيق والسداد.
تمهيد:
التَّشبه لغةً: من شبه: الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ، وَالْجَمْعُ أَشْباهٌ، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ: مَاثَلَهُ (¬1)، وشَبَّهْتُ الشَّيْءَ بالشَّيء أَقَمْتُهُ مُقَامَهُ؛ لِصِفةٍ جامعةٍ بينهما، وتكون الصِّفةُ ذاتيَّةٌ ومعنوِيَّةً، فالذَّاتيَّةُ نحو: هذه الدَّراهم كهذا الدَّرهم، والمعنوِيَّةُ نحو: زيد كالأسد (¬2).
وبناءً على المعني اللغوي يُمكن القول: بأنَّالتِّشبه بغير المسلمين: هو المماثلةُ لهم في فعل أو قول دينيّ أو دنيويّ.
ولا شَكّ أننا نشترك مع غير المسلمين في العديد من الصِّفات والسُّلوكيات لكوننا بشرٌ، تجمعنا قواسمُ مشتركةٌ ومتعدِّدةٌ، ولا سيما فيما يتعلَّق بالأُمور المدنيّةِ المشتركةِ بين الشُّعوبِ كافّة، وكذلك نشترك في الأخلاق الحميدة؛ بدليل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق) (¬3)،
¬
(¬1) ينظر: ابن منظور، لسان العرب ج13، ص503.
(¬2) ينظر: الفيومي، المصباح المنير ج1، ص303.
(¬3) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، الحاكم، المستدرك ج2، ص670، وصححه، والطبراني، المعجم الأوسط ج7، ص74.
فبَني آدم لهم أخلاق حميدةً متعدِّدة يتفقون عليها، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أرسل لإكمالها وتتميمها.
وبالتَّالي فإنَّالتَّشبه بغير المسلمين على نوعين:
الأَوَّل: التَّشبُّه المذموم:
ويقصد به ـ من خلال الاستقراء والتَّقصي ـ الآتي: هو قصدُ مماثلتهم فيما هو من شعارهم ابتداءً وكان مستقبحاً في غير الأمور المدنية.
فهذه خمسةُ عناصر يشتمل عليها التَّعريف، وسيأتي معناها في المبحث الأوَّل عند الكلام على الضَّوابط للتَّشبُّه، وأقتصر هاهنا على القول:
أنَّ التَّشبُّه ما لم يكن مقصوداً فلا يكون منهيٌّ عنه.
ولا بُدَّ أن يكون فيما هو شعارٌ لهم ويختصون به، وإلا كان من الأُمور العامّة المشتركة بين البشريّة.
ولا بُدَّ أن يكون التَّشبُّه بهذا الفعل بغير المسلمين ابتداءً، لا بعد أن يشيع ويُصبح من ثقافةِ المجتمع وسلوكِه، فيكون من الأمور المباحة، ولا يتبادر إلى الذَّهن عند القيام به أنَّه سلوكٌ لغير المسلمين.
ويُعتبر التَّشبُّه المنهيّ في غير الأمور المدنية التي فيها صلاح الإنسانية من الاتصالات والموصلات والتكنولوجيا وغيرها من العلوم والمعارف التي يشترك بها الناس أجمع، ونحتاج إليها في الحياة.
ويكون التَّشبُّه منهيّاً إن كان في الأمور المستقبحة من السُّلوكيات والتُّصرُّفات المنافية للأخلاق الحميدة: كأكل المحرَّمات وكشفِ العورات وغيرها.
قال مفتي مصر مُحمّد العباسيّ المهديّ الأزهريّ الحنفيّ (¬1): «التَّشبُّه بالكفّار قد يكون صورياً بأن يفعل كفعلهم من غير قصد التَّشبُّه بهم، وقد يكون حقيقياً بأن يفعل ذلك قاصداً التَّشبُّه بهم، وعلى كلٍّ إمّا أن يتشبّه بهم في محرمٍ أو لا، فإن فعل في الأوَّل فهو آثمٌ مطلقاً قصد أو لم يقصد، وإن فعل في الثّاني إن قصد أثم وإلا فلا ... ».
الثَّاني: التَّشبُّه الممدوح:
ويعتبرالتَّشبُّه ممدوحاً ما لم تتوفَّر فيه العناصر الخمسة السابقة في التَّشبُّه المذموم مما يكون في الأخلاق الحميدة والسُّلوكيات الحسنة والأُمور المدنيّة التي تُسهِّل الحياة الإنسانية.
¬
(¬1) في الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية ج5، ص307ـ 308.
ويُمكن التَّعبير عن التَّشبُّه الممدوح: هو مماثلتُهم فيما لا يكون شعاراً لهم قصداً ولا مستقبحاً وكان من الأمور المدنية والحياتية.
فما لم يكن شعاراً لهم لا يكون ممنوعاً: كاللباس الذي لا يختصُّ بهم.
وما لم يكن يقصد التَّشبُّه بهم لا يكون التّشبُّه مذموماً.
وما لم يكن التَّشبُّه في الأمور المستقبحة لا يكون مذموماً.
وإن كان التَّشبُّه متعلقاً بالأمور المدنيّة من صناعة وتكنولوجيا وأمور حياتية تُسهِّل العيش فلا شكّ أنَّه ممدوح.
وهذا التَّشبُّه الممدوحُ يُحمل عليه ما ورد عن النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من محبته لموافقةِ أهل الكتاب مع ما ورد من أحاديث كثيرة ستأتي في ترغيبه - صلى الله عليه وسلم - في مخالفتهم، فتحمل على التَّشبُّه المذموم، فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، فسدل النّبي - صلى الله عليه وسلم - ناصيته، ثمّ فرَّق بعد) (¬1).
ومعنى «موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه»: أي بشيء من مخالفته، قال ابن ملك: أي فيما لم ينزل عليه حكم بالمخالفة (¬2)، ولأنَّهم أقرب إلى
¬
(¬1) في البخاري، الصحيح ج4، ص189، ومسلم، الصحيح ج4، ص1817.
(¬2) ينظر: القاري، مرقاة المفاتيح ج7، ص2817.
الحقّ من المشركين عبدة الأوثان، وقيل: لأنَّه كان مأموراً باتباع شريعتهم فيما لم يوح إليه فيه شيء (¬1).
والمراد بسدل أشعارهم: إرسال الشّعر حول الرَّأس من غير أن يقسم نصفين، نصف من جانب يمينه ونحو صدره، ونصف من جانب يساره كذلك (¬2).
ومن أمثلة مشابهة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمشركين: أنَّهم كانوا يصومون عاشوراء وكان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلم يخالفه طالما أنَّه أمرٌ ممدوحٌ وحسنٌ في نفسه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا فُرِضَ رمضان ترك يوم عاشوراء، فمَن شاء صامه ومَن شاء تركه) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: العيني، عمدة القاري ج16، ص111.
(¬2) ينظر: القاري، مرقاة المفاتيح، ج7، ص 2817.
(¬3) مسلم، الصحيح، ج2، ص792.
والتّرغيب بالاستفادة والانتفاع مما عند الأُمم الأُخرى من الخيرات ومحاسن التّصرُّفات مما لا يكون شعاراً لهم هو نهج النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -،فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها) (¬1).
فالحكمة تصدر من المسلم وغيره، والمسلمُ أحقُّ الناس بأخذها والانتفاع بها، ولذلك لا يمتنع من أخذها ولو صدرت من غير مسلم، فعن علي - رضي الله عنه -: «العلمضالة المؤمن فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه» (¬2).
وتحصيل الحكمة هي وسيلة لتطوير المسلم نفسه ومجتمعه، فهي من الخيرات بين البشر التي يتسابقون لتحصيلها، ولهذا قال أبو يوسف حين قيل: بم أدركت العلم؟ قال: ما استنكفت من الاستفادة من كلِّ أحدٍ وما بخلت من الإفادة (¬3).
¬
(¬1) الترمذي، السنن ج5، ص51، وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المخزومي يضعَّف في الحديث من قبل حفظه»، وابن ماجه، السنن ج2، ص1395، والروياني، المسن
ج1، ص75، والشهاب، المسند ج1، ص 118.
(¬2) ابن عبد البر، جامع بيان العلم ج1، ص421.
(¬3) ينظر: الزرنوجي، تعليم المتعلم ص43.
ونخلص مما سبق: إلى وجود نوعين من التشبه: ممدوح ومذموم، وللتمييز بينهما، ومعرفة الفوارق لكلِّ منهما، يلزمنا أن نعرض لضوابط التّشبُّه المذموم، وحالات التَّشبُّه مطلقاً في المبحث الآتي.
* * *
المبحث الأول
ضوابط وحالات
التشبه بغير المسلمين
المطلب الأول: ضوابط التشبه المذموم:
إنَّ اعتبار التشبه المذموميقتضي منا أن نُحقِّق المقصود بحقيقةِ المخالفة لغير المسلمين المنهيّ عنها من قبل الشارع الحكيم؛ لأننا جميعاً من بني الإنسان، وهذا يقتضي التوافق في العديد من الصِّفات والسُّلوكيات البشرية.
ومن خلال التتبع والاستقراء لعبارات الفقهاء يمكننا أن نذكر ضوابط المخالفة المنهي عنها لغير المسلمين على النحو الآتي:
الأول: التَّشبُّه بما هو شعارٌ لهم ومختصٌّ بهم، بحيث يتميَّزون به عن غيرهم:
فمَن قلّدهم بما هو شعارهم نُسِب لهم في سلوكه وتصرفه، قال القاري (¬1): «ولا يخفى أنَّ التشبه الممنوع إنَّما هو فيما يكون شعاراً لهم مختصّاً بهم».
وقال العينيّ (¬2) في شرح: «وأمّا الظفر فمدى الحبشة»: «المعنى فيه أن لا يتشبَّه بهم؛ لأنَّهم كفّار، وهو شعار لهم»، وسيأتي تفصيله في المبحث الثاني.
فهذه العبارات شاخصةٌ على أنَّالمنع من التَّشبُّه مختصٌّ بما كان من شعار غير المسلمين، لا بكلّ ما يفعلونه.
ويندرج تحت هذا الضابط ما يلي:
1.اتخاذ القُنُع والنَّاقوس لليهود والنَّصارى للإعلام بالصلاة، فعن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: (اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القُنُع - يعني الشبور - فلم يعجبه ذلك، وقال - صلى الله عليه وسلم -: هو من أمر اليهود، قال: فذكر له الناقوس، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو من أمر النصارى ... ) (¬3)، والشاهد في
¬
(¬1) القاري، مرقاة المفاتيح ج6، ص2648.
(¬2) العيني، عمدة القاري ج13، ص 47.
(¬3) أبو داود، السنن ج1، ص134، والبيهقي، السنن الكبير ج1، ص574.
الحديث: «هو من أمر اليهود»، و «هو من أمر النصارى» أي شعارٌ لهم مختصٌّبهم، فعلينا أن لا نُقلِّدهم فيه.
2.نزع النعل في الصلاة بسبب فرش المساجد بالسجاد، وشيوع هذا في عامة بلاد المسلمين، فكان دخولها بالنعل من سوء الأدب، ولم يعد نزع النعل شعاراً لليهود، فكان أمر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة اليهود في لبس النِّعال في الصَّلاة محمولعلى كونه شعاراً لهم ومختصّ بهم، فعن شداد بن أوس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خالفوا اليهود فإنَّهم لا يُصلون في نعالهم، ولا خفافهم» (¬1)، قال ابنُ عابدين (¬2): «النَّعلُ والخُفُّ الطاهرين أفضل مخالفة لليهود».
وهذا كان في الزمان الأول عندما كانت المساجد تفرش بالحصى، وبعدما أصبحت تفرش بالسجاد، كَره الفقهاء الصلاة فيها بالنعال، وجعلوه من سوء الأدب، قال ابن عابدين (¬3): «إذا خشي تلويث فرش المسجد بها ينبغي عدمه وإن كانت طاهرة، وأما المسجد النبوي فقد كان مفروشاً بالحصى في زمنه - صلى الله عليه وسلم - بخلافه في زماننا، ولعلّ ذلك محمل ما في «عمدة المفتي» من أنَّ دخول المسجد متنعلاً من سوء الأدب».
¬
(¬1) أبو داود، السنن ج1، ص176، والبزار، المسند ج8، ص405.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص657.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص657.
ويلاحظ أنَّ هذه المخالفة لليهود لم تتجاوز درجة الاستحباب إن قصد مخالفتهم، قال ابن حَجَر (¬1): «فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة»، وإن لم يقصد الاستحباب فتبقى على الإباحة الأصلية.
الثاني: أن لا يكون المتشبه به مما فيه صلاح العباد والخير لهم:
فإنَّ ما كان بهذا الوصف يكون المسلمونبحاجة له، ولا يجوز لنا منعهم منه: كركوب السيارات والطائرات، فهذه من الأمور المدنية لكل البشرية، ولا يختص بها قوم عن قوم، بل ترجع منفتعها لهم جميعاً.
قال ابنُ مازه (¬2): «قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخسوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا الحديد بأساً؟ قال: لا، فقلت: إنَّ سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأنَّ فيه تشبهاً بالرُّهبان، فقال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس النِّعال التي لها شعر، وأنَّها من لباس الرُّهبان) (¬3)، فقد أشار
¬
(¬1) ابن حجر، فتح الباري ج1، ص494.
(¬2) ابن مازه، المحيط البرهاني ج5، ص403.
(¬3) فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أنَّ ألبسهما) البخاري، الصحيح ج5، ص2199، ومسلم، الصحيح ج2، ص844، وابن حبان، الصحيح ج9، ص79، وأبو داود، السنن ج2، ص150، والنسائي، السنن الكبرى ج5، ص418، وغيرها.
إلى أنَّ صورة المشابهة فيما تعلَّق به صلاح العباد لا يضرّ، وقد تعلَّق بهذا النَّوع من الأحكام صلاح العباد، فإنَّ الأرض ممَّا لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النَّوع من الإحكام» (¬1).
ورَفْضُ أبو يوسف لكون النعلين بهذا الوصف تشبهاً بالرهبان يدّل على دقّة فقهه ورسوخ علمه، فأفيد من كلامه كما ذكر ابن مازه: أنَّ كلّ ما فيه صلاح العباد والخير لهم مما يشترك به البشر، فهو من الحكمة الضالة ـ كما سبق ـ، فعلينا الاستفادة من غير المسلمين في ذلك.
ويندرج تحت هذا الضابط ما يلي:
1.جواز استخدام الأسلحة المصنوعة عند غير المسلمين؛ لأنَّها من وسائل تقوية المسلمين، ولا ضير فيها؛ لأنَّها من الأمور المدنية والصناعات التي يشترك فيها البشر، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بترك استخدام القوس الفارسية محمول على الإباحة، فيحمل الحديث لو صحّ على ترغيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يكون للمسلمين صناعة للأقواس كما هو الحال عند أهل فارس، فعن عبد الأعلى البهراتي، قال - صلى الله عليه وسلم -: (يا صاحب القوس ألقها؛ فإنَّها ملعون حاملها، وعليكم بهذه القِسِيِّ العربية، ـ وأشار بقوسه
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص624، وابن عابدين، منحة الخالق ج2، ص11، والفتاوى الهندية ج5، ص333.
ـ بهذه وأشباهها، والرّماح والقنا يشدّ الله تعالى دينكم، وبها يُمكّن الله تعالى لكم في البلاد) (¬1).
وقال علي - رضي الله عنه -: (رأى رجلاً يرمي بقوس فارسية، فقال: ارم بها، ثم نظر إلى قوس عربية، فقال: عليكم بهذه وأمثالها ورماح القنا، فإنَّ بهذه يُمَكِّن الله لكم في البلاد ويؤيدكم في النصر) (¬2).
قال السَّرَخْسيّ (¬3): «كثيرٌ من النّاس مَن كره الرَّمي بالقوس الفارسية, ورووا في ذلك حديثاً، ولكنَّه شاذٌّ فيما تعمُّه البلوى، وهو مخالفٌ للكتاب، قال الله - جل جلاله -: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ومن القوة الرمي بالقوس الفارسية، فإن قال: إنَّما يكره ذلك؛ لأنَّها من أمر العجم, ينبغي للغازي أن يستعمل في القتال ما هو من أمر العرب. قلنا: فالمنجنيق من أمر العجم, وقد نصبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الطائف حين أشار عليه به سلمان - رضي الله عنه -، واتخاذ الخندق من أمر العجم, وقد فعله رسول
¬
(¬1) أبو داود، المراسيل ص246، وقال: «قد أسند هذا الحديث، وليس بالقوي، وعبد الله بن بسر هذا ليس بالقوي، كان يحيى بن سعيد يضعفه».
(¬2) البيهقي، السنن الكبير ج10، ص24، وقال: «أشعث - هو أبو الربيع السمان وليس بالقوي، وخالفه إسماعيل بن عياش فرواه عن عبد الله بن بسر هذا، عن عبد الرحمن بن عدي البهراني، عن أخيه عبد الأعلى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منقطعاً، وعبد الله بن بسر هذا ليس بالقوي»، والطيالسي، المسند ج1، ص30.
(¬3) السرخسي، شرح السير الكبير ص1485.
الله - صلى الله عليه وسلم - بإشارة سلمان - رضي الله عنه -، فتبيّن أنَّ ما يكون من مكايدة الحرب فلا بأس به, سواء كان من أمر العجم مما لا يعرفه أو كانوا يعرفونه».
وهذه المناقشة من الإمام السَّرَخْسيِّ لما ورد في غاية الدِّقَّة والرَّوعة، حيث جعلت هذا الحديث متعارضاً مع غيره من الأحاديث التي تجوز استعمال سلاح العجم، فيكون محمولاً على حالة خاصَّة، وهي التشجيع على تصنيع المسلمين لسلاحهم، والله أعلم.
2.إباحة بيع الشحوم لما فيها من المنافع والمصالح للعباد، وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ سبب لعن اليهود هو تلاعبهم ببيع الشحوم بعد تحريمها عليهملم يستفد منه منعها في حقّ المسلمين، فكان حكم بيعها على الإباحة، فعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها» (¬1)، قال السَّمرقنديّ (¬2): «ويجوز السَّلَم في الأليات والشحوم وزناً بلا خلاف».
والمقصود من ذكر أقوال الفقهاء فيما سبق هو التَّنبيه علىنَّ مخالفة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لغير المسلمين في أمثال هذه الأمور أفادت إباحتها لنا لا أنَّها واجبة علينا.
¬
(¬1) البخاري، الصحيح ج4، ص170، ومسلم، الصحيح ج3، ص1207.
(¬2) السمرقندي، تحفة الفقهاءج2، ص15.
الثَّالث: أن يقصد التَّشبُّه بهم، فلا يكفي مجرد صورة المشابهة بالفعل:
فإنَّ وجود صورة المشابهة في الأفعال حاصلة بين المسلمين وغيرهم؛ لكونهم بشر يأكلون ويلبسون ويتعايشون، وليس هذا ممنوعاً، وإنَّما المنع متعلِّق بقصد التَّشبُّه بغير المسلمين؛ لما له من تأثير على اعتقادِه وتميزه وشعوره بالعزّة، فيفقد حلاوة الإيمان، قال ابن نجيم (¬1): «اعلم أنَّ التَّشبُّه بأهل الكتاب لا يُكره في كلِّ شيءٍ، فإنَّنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنَّما الحرام هو التَّشبُّه فيما كان مذموماً وفيما يقصد به التَّشبُّه، كذا ذكره قاضي خان في «شرح الجامع الصغير»»؛ لأنَّ قضيةَ التَّشبُّه متعلِّقة بالاعتقاد والقلب لا بالأفعال، وذكر الأفعال فيها إظهار لما عليه الاعتقاد والقلب، فإن لم يكن به اعتقاد ولا قصد فلا عبرة حينئذٍ بالفعل.
وعلَّق ابنُ عابدين (¬2) على النَّقل السَّابق عن ابنِ مازه: «وفيه إشارةٌ أيضاً إلى أنَّ المرادَ بالتَّشبُّه أصل الفعل: أي صورة المشابهة بلا قصد»: أي أنَّ التَّشبُّه في الفعل بلا قصد لا يَضرّ.
¬
(¬1) ابن نجيم، البحر الرائق ج2، ص11.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص624.
ويندرج تحت هذا الضابط ما يلي:
1.إباحة مشابهة غير المسلمين في أكلهم، وهذا ما أشار له النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعدم التَّحرج في ذلك؛ لإباحته للمسلمين، ما لم يكن في نفسه محرماً؛ لأنَّ عامّة الأطعمة يشترك بأكلها جميع بني آدم، فما لم يكن محرِّماً فإنَّه يبقى على الإباحة، ولا يؤثر في منع أكله مشابهة النَّصارى، فعن هُلْب - رضي الله عنه - سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طعام النصارى فقال: «لا يختلجن في صدرك طعام ضارعت فيه نصرانيَّة» (¬1)، فكأنَّه أراد لا يتحركنّ فيقلبك شكٌّ إن شابهت به النَّصارى حرام أو مكروه (¬2). قال الجصاصُ (¬3): «خصَّ الله تعالى طعام أهل الكتاب بالإباحة، ووجب أن يكون محمولاً على الذبائح التي يختلف حكمها باختلاف الأديان».
2. جواز صيام يوم السبت ما لم يقصد تعظيم ذلك اليوم كما تفعل اليهود، فكان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة المشركين بأن نصوم يوم السبت محمول على إباحة الصيام لمن رغب؛ لمعارضته غيره من الأحاديث، فعن أم سلمة رضي الله عنها: (كان النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: إنَّهما يوما عيد المشركين، فأنا أحب أن
¬
(¬1) ابن ماجه، السنن ج2، ص944، وابن حنبل، المسند ج36، ص303.
(¬2) ينظر: السيوطي، شرح سنن ابن ماجه ج1، ص203.
(¬3) الجصاص، أحكام القرآن ج3، ص320.
أخالفهم) (¬1)، قال الطحاوي (¬2): «فأبيح صيام يوم السبت والأحد»، وَقُدم على حديث عبد الله بن بسر عن أخته، وهي الصماء، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا عودَ عنبةٍ أو لحاءَ شجرةٍ فليمضغها) (¬3)، وكره الحنفية أن يخص الرَّجل يوم السبت بصيام؛ لأنَّ اليهود تعظم يوم السبت، والكراهة تنزيهية (¬4).
الرابع: أن يكون التَّشبُّه بغير المسلمين ابتداءً قبل يصبح عرفاً وعادةً بين المسلمين:
فبعد أنينتشر الفعل في المجتمعيكونحينئذ فعلُها للعرف لا للتَّشبه بغير المسلمين، كما حصل في لباس البنطال والقميص والبدلة والقرافة
¬
(¬1) ابن حنبل، المسند ج44، ص330، وابن حبان، الصحيح ج8، ص 407، والنسائي، السنن الكبرى 3: 214، والطبراني، المعجم الأوسط ج4، ص156، وقال: «لا يروى هذا الحديث عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: بقية».
(¬2) الطحاوي، شرح معاني الآثار ج2، ص80.
(¬3) ابن خزيمة، الصحيح ج3، ص317، والحاكم، المستدرك ج1، ص601، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وله معارض بإسناد صحيح وقد أخرجاه من حديث همام عن قتادة عن أبي أيوب العتكي عن جويرية بنت الحارث: (أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: صمت أمس؟ قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غداً ... ) الحديث. وعن ابن شهاب أنَّه كان إذا ذكر له أنَّه نهى عن صيام يوم السبت، قال: هذا حديث حمصي، وله معارض بإسناد صحيح. وفي جامع الترمذي ج3، ص120، وقال: حديث حسن.
(¬4) ينظر: الرازي، تحفة الملوك ص180.
وغيرها في هذا الزمان، فمَن لبسها ابتداءً تشبهاً بغير المسلمين، كان واقعاً في التَّشبُّه المنهيّ عنه، لكن فيما بعد أصبحت هي العرف الشَّائع في بلاد العرب عموماً، ولم يَعُد يخطر بالبال عند لبسها التَّشبُّه بالغرب، وإنَّما أصبحت زِيّ المجتمع، قال ابنُ حجر (¬1): «وإنَّما يصلح الاستدلال بقصّة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة (¬2) من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فيما بعد، فصار داخلاً في عموم المباح».
واستدللت هنا بكلام ابن حجر رغم أنَّ البحث في المذهب الحنفي؛ لأنَّ كلام الحنفية في كونه شعاراً لهم يقتضيه، ولأنَّ كلامَ ابن حجر صريحٌ في الموضوع، وهو لا يخالف قواعد الحنفيّة، كما سيأتي في المبحث الثاني.
ويندرج تحت هذا الضابط ما يلي:
1.اتخاذ المسلمين المحاريب في المساجد، حيث شاعت وانتشرت في بلادهم ومساجدهم، وصارت عرفاً عامّاً، ولم يعد يلتفت في بنائها أنَّها تشبّه بالنصارى، وكان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بترك المذابح «المحاريب» في المساجد، كما هو الحال عند النّصارى عندما كانت شعاراً لهم قبل أن
¬
(¬1) ابن حجر، فتح الباري ج10، ص 275.
(¬2) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «يتبع الدجال من يهود أصبهان، سبعون ألفاً عليهم الطيالسة» مسلم، الصحيح 4: 2266.
تصبح معتادة بين المسلمين، فعن موسى الجهني - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزال هذه الأمة، ـ أو قال: أمتي ـ بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى) (¬1).
وما وردمن كراهة الفقهاء إنَّما هو للزخرفة وأمثالها مما يكون في المحراب؛ لأنَّهيُشغل قلب المصلي، لا للمحراب نفسه، قال ابن مازه (¬2): «وكره بعض مشايخنا القوس على المحراب وحائط القبلة؛ لأنَّ ذلك يشغل قلب المصلي إذا نظر فيه»، وقال الزَّركشيُّ: اتخاذه ـ أي المحراب ـ جائز لا مكروه، ولم يزل عمل الناس عليه بلا نكير، وفَسَّر ابنُ الأثير المحاريب بصدور المجالس: أي لم يكن يحبّ أن يجلس في صدور المجالس ويرتفع على النَّاس (¬3).
2.إباحة زخرفة المساجد؛ لانتشار العرف والعادة بذلك، وما ورد من النَّهي في زخرفة المساجد محمولٌ على فعل الزَّخرفة للمسجد دون أداء حقّه من الصَّلاة فيه أو زخرفتها تشبُّهاً بأهل الكتاب، أمّا بعدها شاعتالزَّخرفة للمساكن في بلاد المسلمين فليس محظوراً أن تنال المساجد عناية أكبر من باب التعظيم لها: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ .... } [الحج:32]،
¬
(¬1) ابن أبي شيبة، المصنف ج3، ص508، وعبد الرزاق، المصنف ج2، ص412، عن موسى الجهني مرسلاً.
(¬2) ابن مازه، المحيط البرهاني ج5، ص316.
(¬3) ينظر: المناوي، فيض القدير ج1، ص144.
والتعمير: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة:18]، فكانت الزخرفة مباحة للتعظيم والتوقير للمسجد، فعن ابنُ عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أمرت بتشييد المساجد» (¬1)، قال ابن عبَّاس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» (¬2).
وهذا ما استفاضت عبارة الحنفية في حكايته، قال القُدُوريّ (¬3): «ولا بأس بتحلية المصحف ونقش المسجد والزَّخرفة بماء الذهب»؛ لأنَّ المقصود بذلك التَّعظيم والتَّشريف، ويكره فعل ذلك بطريق الرياء وزينة الدنيا (¬4).
الخامس: أن لا يكون التَّشبُّه بهم بالفجور والفحشاء والتَّصرُّفات القبيحة:
وهذه الأفعال متعددة وكثيرة ومنها: شرب وأكل المحرمات، وكشف العورات، وإشاعة الفاحشة، وما سبق من النقل عن ابن نجيم
¬
(¬1) أبو داود، السنن ج1، ص122، وابن حبان، الصحيح ج4، ص 493، قال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف.
(¬2) البخاري، الصحيح ج1، ص 96 معلقاً.
(¬3) القدوري، المختصر ج4، ص 140.
(¬4) ينظر: الحدادي، الجوهرة النيرة ج2، ص283.
صريح في ذلك، حيث قال (¬1): «إنَّما الحرام هو التَّشبُّه فيما كان مذموماً ... ».
وقال الحصكفيّ (¬2): «التَّشبُّه بهم لا يُكره في كلِّ شيءٍ، بل في المذموم، وفيما يقصد به التَّشبُّه».
وقال ابن عابدين (¬3): «ويكره التشبه بهم ـ أي النصارى ـ في المذموم وإن لم يقصده».
ويندرج تحت هذا الضابط: أكل غير المسلمين للميتة، فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باجتناب طريقة أهل الحبشة بقتل الحيوانات بطريق الخنق؛ لمعارضته القرآن: {وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة:3]، وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة:3]، حيث يقتلونها بأظفارهم المتصلة فتختنق قبل أن تقطع عروقها، فعن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السِّنّ والظُّفر، وسأحدثكم عن ذلك، أمّا السِّنّ فعظم، وأمَّا الظفرُ فمدى الحبشة) (¬4)، قال العيني (¬5): «فمعنى الكلام: أنَّ أهل الحبشة يدمون
¬
(¬1) ابن نجيم، البحر الرائق ج2، ص11.
(¬2) الحصكفي، الدر المختار ج1، ص624.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص648.
(¬4) البخاري، الصحيح ج2، ص881، ومسلم، الصحيح ج3، ص1553.
(¬5) ينظر: العيني، عمدة القاري ج13، ص47.
مذابح الشاة بأظفارهم حتى تزهق النَّفس خنقاً وتعذيباً، ويحلونها محلّ الذَّكاة، فلذلك ضرب المثل به».
وهذه الضوابط هي المذكورة في كتب الحنفية عند كلامهم عن التشبه، فيلزم عند تطبيق التشبه تحري تحقيقها كما سيأتي في المبحث الثاني.
المطلب الثاني: حالات التَّشبُّه بغير المسلمين وأحكامها:
في هذا المطلب نذكر أنَّ للتَّشبُّه أحوالٌ مختلفةٌ من التَّعظيم أو القصدِ أو مجردِ المشابهة من غير قصدٍ، وكلُّ حالةٍ منها لها حكمٌ مختلفٌ عن الأُخرى على النَّحو الآتي:
الأُولى: يَكفرُ بالتَّشبُّه بقصد التَّعظيم للفعل والاستخفاف في الدِّين:
وسببُ هذا الكفر أنَّ الاستخفافَ بالدِّين هو استهزاءٌ بالدِّين، وهذا كفر، قال الجصاص: «الاستهزاء لشيء من الشرائع كفر» (¬1)؛ لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [النور: 65].
¬
(¬1) العيني، البناية ج9، ص156.
ومن أمثلة ذلك:
1.مَن عظَّم عيداً عند غير المسلمين دلَّ على اعتقاده لدينهم واستخفافه بالإسلام، فيُخاف عليه من الكفر، قال قاضي خان (¬1): «رجلٌ اشترى يوم النّيروز شيئاً لم يشتره في غير ذلك اليوم، إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما يعظِّمه الكفرة يكون كفراً، وإن فعل ذلك لأجل السَّرف والتَّنعم لا لتعظيم اليوم لا يكون كفراً ... وعن الإمام أبي جعفر الكبير: إذا عبد الرَّجلُ خمسين سنة ثمّ جاء يوم النيروز وأهدى إلى بعض المشركين بيضةً يُريد به تعظيم يوم النَّيروز فقد كَفَر بالله وحبط عمله».
2.من لبسَ شيئاً من لباسهم أو فعل شيئاً من أفعالهم، وهو يعتقد أنَّ مَن فَعَلَهُيكفر، فعملُه لهذا الفعل مع هذا الاعتقاد له أفاد أنَّه يرضى بالكفر، فمثلاً: مسلمٌ وضع على رأسه قلنسوة المجوس، قال أبو بكر محمد بن الفضل: لا يكفر بذلك، وقال قاضي خان (¬2): «وهذا الجواب إنَّما يصحُّ إذا فعل ذلك ضرورة ولا يعتقد أنَّه يصير به كافراً فإن فعل ذلك وظَنَّ أنَّه يصير به كافراً أو يقصد به الاستخفاف في الدِّين فإنَّه يصير كافراً، وعن عبد الله بن أبي حفص: أنَّه قال: إن فعل ذلك يريد به تقبيح فعلهم لا يكون كفراً».
¬
(¬1) قاضي خان، الفتاوى الخانية ج3، ص578.
(¬2) قاضي خان، الفتاوي الخانية ج3، ص363.
الثانية: يجب ترك قصد التشبه بما هو من شعارهم:
فيجب على المسلم ترك التَّشبُّه بغير المسلمن فيما تحقّقت فيه ضوابط التَّشبُّه المذموم من القصد للتشبه فيما هو من شعار غير المسلمين، وفعله ابتداءً قبل أن يصبح عادة للمجتمع، ولم يكن مما فيه صلاح العباد، حتى لا يقع في الإثم، قال المهدي الحنفي (¬1): «ومعنى فهو منهم: أنَّه كافر مثلهم إن تشبّه بهم فيما هو كفرٌ، كأن عظَّم يوم عيدهم تبجيلاً لدينهم أو لبس زنارهم أو ما هو من شعارهم قاصداً بذلك التشبه استخفافاً بالإسلام، كما قيده به أبو السعود والحموي على «الأشباه»، وإلا فهو مثلهم في الإثم لا الكفر».
الثالثة: يُستحبُّ ترك المشابهة في حالات:
1.ترك عادة غير المسلمين في يوم أعيادههم ومناسباتهم المشهورة وإن اعتاده المسلمون؛ لما فيه من الشبهة، فلا يماثل النصارى في أعياد رأس السنة في عاداتهم وأفعالهم تنزهاً عن التُهم والشبهات.
قال قاضي خان (¬2): «وإن أهدى يوم النَّيروز إلى إنسانٍ شيئاً ولم يرد به تعظيم اليوم وإنَّما فعل ذلك على عادة النَّاس لا يكون كفراً، وينبغي أن
¬
(¬1) العباسي، الفتاوى المهدية ج5، ص309.
(¬2) قاضي خان، الفتاوى الخانية ج3، ص578.
لا يفعل في هذا اليوم ما لا يفعله قبل ذلك اليوم ولا بعده وأن يحترز عن التَّشبُّه بالكفرة» (¬1).). وكلمة: «ينبغي» تفيد أنَّه يستحب له ترك ذلك.
2.ترك التَّقرُّب بعبادة في أيام أعيادهم كالصِّيام، خشية مشابهتم في تعظيم ذلك اليوم.
قال ابنُ مازه (¬2): «ويُكره صوم النَّيروز والمهرجان إذا تعمّده، ولم يوافق يوماً كان يصومه قبل ذلك، وهكذا قيل في صوم السَّبت والأحد، ومن المشايخ مَن قال: إن صامه تعظيماً لعيد المجوس، فهو مكروهٌ، وإن صامه شكراً لانقضاء الشَّيء فلا بأس به، وذكر الصَّدر الشَّهيد في «واقعاته»: أنَّ صوم يوم النَّيروزَ جائزٌ من غير كراهة، هو المختار، فإن كان يصوم قبله تطوّعاً، فالأفضل أن يصوم، فإن كان لا يصوم قبله تطوعاً، فالأفضل أن لا يصوم؛ لأنَّه يشبه تعظيم هذا اليوم وإنَّه حرام».
3. عدم إجابتهم دعواهم في مناسباتهم الخاصة إن كان فيها شيء من شعائر دينهم؛ لما فيه من الموافقة على فعلهم:
قال قاضي خان (¬3): «وإذا اتخذ مجوسيّ دعوة لحلق رأس ولده وجز ناصيته فأجاب مسلم وحضر دعوته لا يكون كفراً، والأولى أن لا
¬
(¬1) ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق ج8، ص555.
(¬2) ابن مازه، المحيط البرهاني ج2، ص394، والزيلعي، تبيين الحقائق ج6، ص228.
(¬3) قاضي خان، الفتاوى الخانية ج3، ص578.
يفعل ولا يوافقهم على مثل ذلك».
4.ترك ما أَمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم فيه إن بقيت العلّة من النَّهي، وهو التَّشبُّه بهم، بخلاف ما لو أصبح شائعاً معتاداً بين المسلمين دون التفات للتَّشبُّه بهم.
ومثاله: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة أهل الكتاب في كيفية حفر القبر باللحد لا بالشق تفيد السنية، فعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللحدُ لنا، والشقُّ لأهل الكتاب» (¬1). قال الموصلي (¬2): «ولأنَّه صنيع اليهود، والسنة مخالفتهم». قال الكاساني (¬3): «وأما سنة الحفر فالسنة فيه اللحد عندنا».
وأفدنا من عبارة الموصلي أنَّ المخالفة لغير المسلمين مدارها على السنية، وهي صريحة في ذلك.
¬
(¬1) ابن حنبل، المسند ج31، ص545، والطحاوي، شرح مشكل الآثار ج7، ص259، والبيهقي، شعب الإيمان ج6، ص163، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (اللحد لنا والشق لغيرنا) أبو داود، السنن ج2، ص231، والترمذي، السنن ج3، ص363، وحسّنه، وابن ماجه، السنن ج1، ص496، وغيرها، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ج2، ص256: «في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف، وصححه ابن السكن، وقد روي من غير حديث ابن عباس».
(¬2) الموصلي، الاختيار ج1، ص96.
(¬3) الكاساني، البدائع ج1، ص 308.
والفرق بين هذه النُّقطة وبين وجوب ترك التَّشبُّه: هو وجود المشابهة فيما هو شعارٌ منهم بدون قصد للتَّشبُّه، فكان المستحبُّ ترك التَّشبُّه، وفي حالة الوجوب وجد التَّشبُّه فيما هو شعارٌ لهم مع قصد التَّشبُّه فوجب تركه وأثم بفعله وقصده، والله أعلم.
الرَّابعة: يُباح التَّشبُّه إن لم يتوفر فيه أحد الضَّوابط السَّابقة في التَّشبُّه بغير المسلمين:
فإن لم يكن الفعل المتشبه به شعاراً لهم: كاستخدام الكمبيوتر والهاتف، فإنَّه من المباحات إن لم يقصد التشبه بغير المسلمين.
وإن كان الفعل المتشبّه شائعاً منتشراً في المجتمع المسلم كلبس جورب وحذاء فوقه أو لبس بدلة مع قرافة لها وأشباهها فإنَّه من المباحات إن لم يقصد التَّشبُّه بهم.
* * *
المبحث الثاني
تطبيقات التَّشبُّه
على تأصيل الحنفية
نعرض في هذا المبحث لمطلبين في تطبيقات التَّشبُّه:
مطلب في تطبيقات التَّشبُّه الواردة في أحاديث النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفهم الحنفية لها، وحكمها عندهم.
ومطلب في تطبيقات التَّشبُّه لمسائل معاصرة في زماننا مخرَّجةٌ على أُصول الحنفية في باب التَّشبُّه ـ كما سَبَق تقريره ـ.
المطلب الأول: فهم الحنفية لما ورد من أحاديث في التَّشبُّه:
وهذا المطلب إكمالاً لما سبق في بيان توجيه وفهم الحنفيّة لأحاديث التَّشبُّه بغير المسلمين، وقد مرّ قدراً كبيراً منها من خلال عرضها تحت الموضوع المناسب لها، وهنا نعرض لما تبقى من أحاديث واردة في التَّشبُّه بغير المسلمين والمعنى الذي حُملت عليه عند الحنفية.
وإنَّ الناظر في فهم الحنفية للأحاديث الواردة في المنع من التشبه بغير المسلمين يجد أنَّمدارها على الاستحباب والسنية عموماً، وممكن أن تحمل على الإباحة أو الوجوب لمقتضيات أخرى، والظاهر في فهمهم لها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد من المسلمين التميز عن غيرهم وأنيفتخروا بدينهم ويعتزوا به، خشية أن تتطرق المشابهة في الصورة إلى المشابهة في الاعتقاد والرِّضا بدين غير المسلمين.
وهذا ما تبيَّن عند الكلام عن حالات التَّشبُّه، فما كان تشبُّهاً بالصُّورة بدون الاعتقاد كان حكمُه الاستحباب في التَّرك، وإنَّما يفيد الإثم إن كان شعاراً لغير المسلمين وقصد التَّشبُّه ولم يكن معتاداً، فدار أمر التَّشبُّه الممنوع على الاعتقاد لا صورة الفعل، وإنَّما صورة الفعل دالّة عليه، أمَّا الصُّورة فحسب فهي خلاف الأُولى المفيدة للاستحباب أو ترتقي إلى السُّنية.
وبهذا يتقرَّر أنَّ المشابهة بنفسها بغير المسلمين بغير قصد لا تصلح أن تكون سبباً للوجوب الذي يترتب عليه العقاب بالنّار، قال ابن حجر (¬1) في اتخاذ الأواني من الذهب: «وقيل: العلّة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله ومجرد التَّشبُّه لا يصل إلى ذلك». وقال
¬
(¬1) ابن حجر، فتح الباري ج10، ص 98.
حرملة في الشُّرب في آنية الذهب: «النهي فيه للتنزيه؛ لأن علته ما فيه من التَّشبُّه بالأعاجم» (¬1).
وهذا ما نلحظه من فهم للحنفية لأحاديث النَّهي عن التَّشبُّه الآتية:
1.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة اليهود في صباغة الرأس واللحية بالحناء وغيره، محمولٌ على الإباحة لهذا الفعل، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) (¬2). قال العيني (¬3): «إباحة منه أن يغير الشيب بكل ما شاء المغير له»، وقال الرازيّ (¬4): «ولا بأس بخضابِ الرأسِ واللحية بالحناء».
2.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة أهل الكتاب في تناول السحور، محمول على الاستحباب، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) (¬5)، ولأنَّ معنى الاستعانة فيه أبلغ؛ ولأنَّه يستعان به على صيام النهار (¬6)، قال الزيلعي (¬7): «اعلم أنَّ
¬
(¬1) ينظر: ابن حجر، فتح الباري ج10، ص 94.
(¬2) البخاري، الصحيح ج4، ص 170، ومسلم، الصحيح ج3، ص 1663.
(¬3) العيني، عمدة القاري ج22، ص 50.
(¬4) الرازي، تحفة الملوك ص227.
(¬5) مسلم، الصحيح ج2، ص 770.
(¬6) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع ج2، ص105.
(¬7) الزيلعي، تبيين الحقائق ج1، ص 343.
التسحر مستحب، وقيل: سنة».
3.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم السياحة في الأرض بغير قصدٍ، محمولٌ على الاستحباب، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -: إنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى» (¬1)، وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه من تعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإنَّ هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدِّين (¬2)، قال الطيبي: السياحة مفارقة الأمصار، والذهاب في الأرض كفعل عباد بني إسرائيل، قال القاري (¬3): «فلا ينافي سياحة السادة الصوفية لرؤية المشايخ وتحصيل العلوم والمعارف، ولحصول الخمول وغيرها من المقاصد المرضية في الشريعة المصطفوية».
4.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتنظيف الأفنية مخالفة لليهود، محمول على الاستحباب، فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «نظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود» (¬4): أي طيبوا كل ما أمكن تطييبه، ونظفوا كل ما سهل
¬
(¬1) أبو داود، السنن ج3، ص 5، والحاكم، المستدرك ج2، ص 83، وصححه الذهبي والحاكم.
(¬2) ينظر: العيني، عمدة القاري ج14، ص 79.
(¬3) القاري، مرقاة المفاتيح ج2، ص 607.
(¬4) الترمذي، السنن ج5، ص 111، وقال: حديث غريب، والبزار، المسند ج3، ص 320، وأبو يعلى، المسند ج2، ص 122.
لكم تنظيفه حتى أفنية الدار، وهي متسع أمام الدار، وهو كناية عن نهاية الكرم والجود، فإنَّ ساحة الدار إذا كانت واسعة نظيفة طيبة كانت أدعى بجلب الضيفان، وتناوب الواردين والصادرين (¬1).
5.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم معاشرة المشرك والسكنى معه، محمول على الاستحباب، فعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من جامع المشرك وسكن معه فإنَّه مثله» (¬2): أي في سلوكه وتصرفاته، فكان الأولى الابتعاد عن معايشة غير المسلم والسكنى معه؛ تجنباً لهذه المخاطر، وبنى عليه الشيخ تقي العثماني كراهية العيش في بلاد غير المسلمين، فقال (¬3): «أما إذا كان الرَّجل تتيسر له وسائل المعاش في بلده المسلم على مستوى أهل بلده، ولكنَّه هاجر إلى بلاد الكفار للاستزادة منها، والحصول على محض الترفه والتنعم، فإنَّ ذلك لا يخلو من كراهة، لما فيه من عرض النفس على المنكرات الشائعة هناك، وتحمل خطر الانهيار الخلقي والديني من غير ضرورة داعية لذلك، والتجربة شاهدة على أنَّ الذين يتجنسون بهذه الجنسيات الأجنبية لمجرد الترفه، ينتقص فيه من الوازع الديني، فيذوبون أمام الإغراءات الكافرة ذوباناً ذريعاً، ومن هنا ورد في الحديث النهي عن مساكنة المشركين بدون حاجة ملحة».
¬
(¬1) ينظر: القاري، مرقاة المفاتيح ج7، ص 2847.
(¬2) أبو داود، السنن ج3، ص 93، والطبراني، المعجم الكبير ج7، ص 251.
(¬3) ينظر: العثماني، بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص331.
6.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة رهبانية النصارى في التشديد في الصلاة بالإطالة، محمولٌ على السنية في تخفيف الصلاة مع الإمام، فعن سهل بن أبي أمامة، أنَّه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فإذا هو يُصلِّي صلاة خفيفة دقيقة كأنَّها صلاة مسافر أو قريباً منها، فلمَّا سَلَّم قال أبي: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أو شيء تنفلته، قال: إنَّها المكتوبة، وإنَّها لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه، فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإنَّ قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] (¬1))، قال ابن ملك (¬2): «وتخفيفُها مع الإمام سنةٌ ثابتةٌ؛ لما فيه من حَقّ مراعاة النّاس في التخفيف؛ لئلا يؤدي التطويل إلى التنفير»، فعن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - قال: (كان آخر ما عهد إليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن صلِّ بأصحابك صلاة أضعفهم، فإنَّ فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة) (¬3).
¬
(¬1) أبو داود، السنن ج4، ص 276، وأبو يعلى، ج6، ص 365، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج6، ص 256: «رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، وهو ثقة».
(¬2) ابن ملك، شرح التحفة ق45/ب.
(¬3) الطبراني، المعجم الكبير ج9، ص56، وأبو نعيم، حلية الأولياء ج8، ص 134، وابن ماجه، السنن ج1، ص316، وابن خزيمة، الصحيح ج3، ص 50، وعند البخاري ج1، ص 142 بلفظ: «إنَّ منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإنَّ فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة».
7.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم حلق بعض الرأس وترك بعضه، مخالفة لليهود، محمولٌ على السنية كما سبق، فعن عمر - رضي الله عنه -: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القزع) (¬1)، وفُسِّر بما روي عن الحجاج بن حسان قال: (دخلنا على أنس بن مالك - رضي الله عنه - فقال: حدثتنى أختى قالت: دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنت يومئذ غلام ولك قرنان، فمسح رأسك وبرك عليك، وقال: احلقوا هذين أو قصوهما، فإنَّ هذا زي اليهود) (¬2)، والقزع: هو أن يحلق من رأس الصبي مواضع وتترك مواضع (¬3)، قال ابن عابدين (¬4): «ويكره القزع وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعاً مقدار ثلاثة أصابع».
8.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بترك القعدة على الألية مع الاعتماد على اليدين، محمولٌ على السنية، فعن الشريد بن سويد - رضي الله عنه - قال: (مرَ بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليُسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي، فقال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟) (¬5). قال القاري (¬6):
¬
(¬1) البخاري، الصحيح ج7، ص 163.
(¬2) أبو داود، السنن ج4، ص 84، والبيهقي، شعب الإيمان ج8، ص 441.
(¬3) ينظر: اليحصبي، مشارق الأنوار ج2، ص 182.
(¬4) ابن عابدين، رد المحتار ج6، ص 407 عن الطحطاوي.
(¬5) أبو داود السنن ج4، ص 263، وابن حبان، الصحيح ج12، ص 488، وابن حنبل، المسند ج32، ص 24، والحاكم، المستدرك ج4:، ص 299، وصححه الحاكم والذهبي، والطباني، المعجم الكبير ج7، ص 316.
(¬6) القاري، مرقاة المفاتيح ج7، ص 2985.
«وتتوقف صحّته على أن يكون هذا شعارهم، والأظهر أن يراد بالمغضوب عليهم أعمّ من الكفّار والفجّار المتكبرين المتجبرين ممَّن تظهر آثار العجب والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم ونحوهما». والظاهر أنَّ هذه القعدة قريبة من الإقعاء، قال ملا خسرو (¬1): «ويكره ... إقعاؤه للنهي عنه أيضاً، وهو أن يقعد على أليتيه وينصب ركبتيه ويضع يديه على الأرض فإنَّه يشبه إقعاء الكلب».
9.أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم الإطراء عليه كفعل النصارى مع سيدنا عيسى - عليه السلام -، محمولٌ على السُّنية فيما لا حاجة له، لا فيما يكون من باب بيان شمائله وخصائصه والتأدب والتلطف معه، فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنَّما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) (¬2)، فالإطراء: هو المديح بالباطل، تقول: أطريت فلاناً: مدحته فأفرطت في مدحه، كما أطرت النصارى: أي في دعواهم في عيسى بالإلهية وغير ذلك (¬3).
10. أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة النصارى في مواصلة الصيام لأكثر من يوم، محمولٌ على التحريم؛ لما فيه من تغيير الكيفية التي شرع فيها
¬
(¬1) ملا خسرو، درر الحكام ج1، ص107.
(¬2) البخاري، الصحيح ج4، ص 167، ومالك، الموطأ ج1، ص 104.
(¬3) ينظر: العيني، عمدة القاري ج16، ص 37.
الصيام، عن ليلى امرأة بشير قالت: «أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير، وقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وقال: يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» (¬1). ومعنى الكراهة فيه: أنَّ ذلك يضعفَه عن أداء الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب الذي لا بد منه (¬2)، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال رحمة لهم) (¬3)؛ ولذلك كره الحنفية هذه المواصلة كراهة تحريم، قال الرَّازيّ (¬4): «ويُكره صوم الوصال».
¬
(¬1) الطبراني، المعجم الكبير ج2، ص 44، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج3، ص 158: «وليلى لم أجد من جرحها، وبقية رجاله رجال الصحيح».
(¬2) ينظر: ابن الهمام، فتح القدير ج2، ص 349، والشلبي، حاشية على تبيين الحقائق 1: 332، وابن نجيم، البحر الرائق ج2، ص 278، والكاساني، بدائع الصنائع ج2، ص 78، وقاضي خان، الفتاوى الخانية ج1، ص 205.
(¬3) مسلم، الصحيح ج2، ص 776.
(¬4) الرازي، تحفة الملوك ص179.
المطلب الثاني: تطبيقات التشبه بغير المسلمين مُخرَّجة على مذهب الحنفية:
بعد هذا الانفتاح الكبير بين دول العالم وانتشار العولمة ووصف العالم بأنَّه قرية صغيرة؛ لقدرة الناس على التواصل فيما بينهم من خلال هذه التقنيات الضخمة التي شاعت في هذا الزمان، فاصبح تبادل الثقافات المختلفة بين الشعوب منتشراً جداً، ولم تعدّ قضية التشبه محصورة في قرية معينة يعيش فيها مسلمون وغير مسلمين، بل أصبح متسع ليشمل الشعوب المختلفة على وجه الأرض.
وهذه المشابهة بين الشُّعوب مما لا تنحصر مسائله، ولا نقصد ذلك هنا، وإنَّما نريد التَّمثيل على بعض الصُّور من المشابهة في بعض المجالات ليقاس عليها غيرها، طالما وُضِعَت الضَّوابط لهذه المشابهة والأحكام لحالاتها المتعددة.
أولاً: في الملابس:
1.لبس البنطال والقميص للرِّجال، فهو داخل في الإباحة العامة؛ لأنَّه صار من عرف المجتمع في اللبس، وغيره من اللبس هو المستغرب إجمالاً، قال المهدي الحنفي (¬1): «ولم يُبيّن الشارع للبس هيئة مخصوصة،
¬
(¬1) العباسي، الفتاوى المهدية ج5، ص 308.
فيجوز لبس ثيابهم عند عدم قصد التشبه بهم ... ».
2.لبس البدلة والقرافة للرِّجال، فهي مباحة؛ لشيوعها في المجتمع وكونها من عرفه.
3.لبس البنطال للمرأة من غير لبس ما يغطيه أويُفصِّل جسدها كالفخذين، لا يجوز؛ لأنَّه لا يعتبر ساتر للعورة، فيكون من التشبه المذموم بغيرالمسلمين. قال البَزَّازيّ (¬1): ((ولباسها إن كان ملتزقاً ببدنها أو رقيقاً، فالنظرُ من ورائها كالنظر إلى بدنها، والنظر إلى العورة لا يجوز إلا للضرورة))، وقال محمد شفيع العثماني (¬2): ((وقد عمت البلوى في بلادنا من لبس الثياب الملتزقة ببدنها والرقيقة، وهي لا تجوز عند المحارم أيضاً غير الزوج، فكيف بالأجانب، والناس عنه غافلون)).
4.لبس بدلة الزفاف للمرأة، فإن كانت ساترةً فيها نفسها أمام الأجانب، فهي داخلة في المباحات؛ لتعارف الناس عليها، وإن كان فيها كشف للعورات أمام الأجانب فلا تجوز؛ لكونها من التشبه المذموم بغير المسلمين.
5.لبس الأحذية المختلفة للنساء، فهي داخلة في عموم المباح كما هو الحال في أحذية الرِّجال، ولو كانت صناعتها في بلاد غير المسلمين؛ لما
¬
(¬1) ابن البزاز، الفتاوى البزازية ج 6، ص 370.
(¬2) الجصاص، أحكام القرآن ج3، ص 483.
فيها من صلاح العباد، إلا إذا كانت من الأحذية التي تخرج صوتاً عند المشي للنساء فلا تجوز؛ لأنَّها من التشبه المذموم، قال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
6.لبس بلوزة رياضية لأحد أفرقة القدم وأمثاله من غير المسلمين ممن اختصوا بها، فكان شعاراً لهم يميزهم عن غيرهم بقصد التشبه بهم، فيكره لاسيما في أيام البطولات، وينبغي للمسلم أن يترفَّع عن مثل هذا، ويحمل همَّ الإسلام والمسلمين لا أن يشتغل بما لا قيمة له.
7.لبس طاقية على الرأس يلبسها غير المسلمين، فإن أصبحت شائعة في المجتمع ولم تعد شعاراً لغير المسلمين فهي داخلة في عموم المباح، وإن لم تكن شائعة ولم يكن فيها صلاح العباد، وقصد فيها التشبه بهم وهي شعارٌ لغير المسلمين فيكره لبسها، والله أعلم.
8.لبس الساعة في اليد اليسار تدخل في عموم المباحات؛ لكونها عرفاً بين المسلمين، ولما فيه من صلاح العباد، ولسنا بحاجة إلى التَّكلُّف في وضعها في اليد اليُمنى؛ لشيوع العرف بها.
9.وضع السلاسل في الأعناق والأيدي للرِّجال، فهو من المكروهات لما فيه من العبث؛ لأنَّ الرجل ليس بمحل للزينة، وتعتبر من
التشبه في الأمور المذمومة بغير المسلمين، قال صدر الشريعة (¬1): «إنَّ من عادةِ بعضِ النَّاسِ شدُّ الخيوط على بعضِ الأعضاء، وكذا السَّلاسلُ وغيرُها، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّه محضُعبث».
10.عدم تغطية الرأس للرِِّجال، فهو من المباحات؛ لانعدام العورة، وشيوع العرف فيه، ولا تُكره الصَّلاة كاشفاً لرأسه ما لم يكن عرف المجتمع على تغطيةِ الرَّأس فيُكره تنزيهاً حينئذٍ، قال عبد الحليم اللكنوي: «تكره الصلاة بدون العمامة في البلاد التي عادة سكانها أنَّهم لا يذهبون إلى الكبراء بدون العمامة، بل ولا يخرجون من بيوتهم إلا متعممين، وأما في البلاد التي لا يعتادون فيها ذلك فلا، وقد اشتهر بين العوامّ أنَّ الإمامَ إن كان غير متعمم والمقتدون متعممين فصلاتُهم مكروهة، وهذا أيضاً خرق من القول لا دليل عليه، فاحفظ» (¬2).
ثانياً: في الأكل والشرب:
1.الأكل بالملعقة والشوكة والسكينة، فهو من المباحات لشيوعه بين المسلمين، ولما فيه من الصلاح للعباد، وسبق في المبحث الأول مناقشة هذه المسألة، قال مفتي مصر المهدي الحنفي (¬3): «وأمَّا أكل الطَّعام على
¬
(¬1) عبيد الله بن مسعود، شرح الوقاية ص826 - 827.
(¬2) ينظر: اللكنوي، نفع المفتي والسائل ص 38.
(¬3) العباسي، الفتاوى المهدية ج5، ص 309.
السَّرير وقطع الخبز واللَّحم بالسِّكين فلا يوجب كراهة التَّحريم ما لم يقصد التَّشبُّه بالكفّار ... ».
2.الأكل على طاولة خاصة بالطعام، فهو من المباحات؛ للعرف الشائع، ولمصلحة للعباد، كما قال المهدي في المسألة السابقة.
3.الأكل ماشياً، فهو خلاف الأولى وعلى حسب عرف المجتمع في ذلك، فعن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام» (¬1).
4.الشُّرب قائماً، فهو خلاف الأولى، ولو شرب قاعداً فهو أحسن، فروي: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - شَرِبَ من زمزم من دلو منها، وهو قائم» (¬2)،وروي: «أنَّ عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم - كانوا يشربون قياماً»، و «أنَّ عائشة رضي الله عنها وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأساً»، و «أنَّ عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وابن الزبير - رضي الله عنه - كانا يشربان قياماً» (¬3).
¬
(¬1) الترمذي، السنن ج 4، ص 300 وصححه، وابن حبان، الصحيح ج12، ص 141، وغيرهما.
(¬2) مسلم، الصحيح ج 3، ص 1602، والترمذي، السنن ج4، ص 301، وغيرهما.
(¬3) هذه الروايات في موطأ مالك ج2، ص 925 - 926، وغيره.
5.الشُّرب من الأشربة الطاهرة المختلفة الشائعة عند غير المسلمين: كالببسي وغيره فهو من المباحات، إلا إذا ثبت في نوع منها ضرر، فيكره بقدر ما يسببه من ضرر.
ثالثاً: الركوب:
1.ركوب السيارات والدراجات والطائرات والقطارات والبواخر وغيرها من وسائل النقل المتعددة داخل في عموم المباحات لما فيها من صلاح العباد.
2.ركوب المرأة لسيارة مخرجة نفسها من أعلاها أو من الشباك لا يجوز؛ لما فيه من التشبه المذموم، ولما يقتضيه الكشف للمرأة دون الستر الذي عليه مبنى أحكامها، ولما يشمل عليه من الضرر، والأمر في الذكور قريب من ذلك. قال الرازي (¬1): «ولا تركبُ المرأةُ على السّرج إلا لضرورة في سفر الحجّ فتركب مستترة»، وهذا فيما إذا ركبت متهلية أو متزينة؛ لتعرض نفسها على الرِّجال إلا إذا ركبت للضرورة في سفر الحج، فإنَّها تركب مستترة كيلا تقع في الفتنة، فإنَّ الضرورات تبيح المحظورات (¬2).
¬
(¬1) الرازي، تحفة الملوك ص291.
(¬2) ينظر: ابن ملك، شرح تحفة الملوك، ق116/أ، والزيلي، هدية الصعلوك ص234.
رابعاً: تحسين الهيئة:
1.قصُّ المرأة لشعر رأسها، فهو من المباحات ما لم يشبه شعر الرِّجال؛ لما فيه من صلاح العباد من تزيّن المرأة لزوجها، بخلاف الحلقَ فهو ممنوعٌ للمرأة؛ لما فيه الشناعة والبشاعة للمرأة، فيذهب جمالها وزينتها، قال السَّرَخْسيّ (¬1): «ولأنَّ الحلق في حقها مثلة، والمثلة حرام، وشعر الرأس زينة لها كاللحية للرَّجل فكما لا يحلق الرَّجل لحيته عند الخروج من الإحرام لا تحلق هي رأسها».وقال القاري (¬2): «وذلك لأنَّ الذوائب للنساء كاللحى للرِّجال في الهيئة والجمال».
2.حلق الرَّجل لحيته، فهو مخالف لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكره، وأما تقصيرها فهو راجع لعرف المجتمع في مقدار إطلاقها، فالأولى موافقة ما عليه العرف، فإن كان تقصير الرَّجل لحيته أو حلقها لا يعد مثلة في العرف، لم تعد هذا الحرمة قائمة، وهذا ما أجاب به ابن العماد عندما «سئل في شهادة محلوق اللحية هل تقبل أم لا؟ فقال: لم أجد نقلاً صريحاً في المسألة مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، فإن كان حلق اللحية يُخِلُّ بالمروءة يُمنع القبول، وإلا فلا، قال في «المنح» ما يُخِلُّ بالمروءة يمنع قبولها، والمروءة أن لا يأتي الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط ج4، ص 33.
(¬2) القاري، مرقاة المفاتيح ج7، ص2845.
عند أهل الفضل اهـ، ومثله في «البحر»، قال في «غاية البيان»: قال محمد: وعندي المروءة الدِّين والصلاح» (¬1)، ومعلوم أنَّ المروءة مرجعها للعرف.
وما ورد في بعض روايات أحاديث اللحية يبينأنَّالسبب في إعفاء اللحية، هو مخالفة المشركين، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) (¬2)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس) (¬3)، قال ابن الهمام (¬4): «فهذه الجملة واقعة موقع التعليل»: أي جملة: «خالفوا المشركين»، أو «خالفوا المجوس».
وهذا صريحٌ في النَّصّ بأنَّ علَّةَ الإعفاء هي المخالفةُ لغير المسلمين على اختلاف أصنافهم من مشركين أو مجوس أو أهل كتاب، وهذه العلَّة في المخالفة تفيد الإثم إن كان حلق اللحية شعاراً لهم ويقصد التشبه بهم ويفعله ابتداءً وليس عرفاً عاماً في المجتمع، ولم يبق شيءٌ من هذه الضوابط عموماً، فلم يعد الحلق شعاراً لغير المسلمين، بل إنَّ رجال
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ج1، ص 429، ولم يوافق ابن عابدين ابن العماد على التأصيل للحية، والفقه في المسألة مع ابن العماد، والله أعلم.
(¬2) مسلم، الصحيح ج1، ص 222.
(¬3) مسلم، الصحيح ج1، ص 222.
(¬4) ابن الهمام، فتح القدير ج2، ص 348.
الدِّين عندهم مشهورون بإطالة اللحى فأصبحت المخالفة تقضتي عدم الإطالة، ولا يُقصد التشبه بغير المسلمين في الحلق، وصار الحلق والتقصير عرفاً عاماً في المجتمع، فلم يبق الحكم لهذه العلة كما كان، والله أعلم.
3.أخذ المرأة من شعر وجهها وحواجبها، فهو داخل في التزين للمرأة، فما زاده عن حده منه بحيث أصبح من الزينة الممنوع إظهارها للرِّجال كره، وعليها تغطية وجهها أمام الأجانب إن فعلته، وإلا فهو مستحبّ للمرأة لا سيما أمام زوجها.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحُسن المغيرات خلق الله» (¬1)، والنمص: هو نتف الشعر، وهي التي تطلب إزالة شعر وجهها، وعارضه ما روي عن أبي إسحاق عن امرأة بن أبي الصقر أنَّها كانت عند عائشة رضي الله عنها فسألتها امرأة، فقالت: «يا أم المؤمنين، إنَّ في وجهي شعرات أفأنتفهن، أتزين بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإذا أمرك فلتطيعيه ... » (¬2)، وغيره
¬
(¬1) البخاري، الصحيح ج4، ص 1853 واللفظ له، ومسلم، الصحيح ج3، ص 1678، وأبو داود، السنن ج2، ص 476، والنسائي، السنن الكبرى ج6، ص 484، وابن حنبل، المسند ج1، ص433.
(¬2) عبد الرزاق، المصنف ج3، ص 146، وابن الجعد، المسند ج1، ص80.
من الآثار الآمرة بالتزيين والتجمّل: كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله جميل يحب الجمال» (¬1)، لا سيما تزين المرأة لزوجها.
فوفق الحنفية بينها بأنَّعدم جواز الأخذ من الحواجب للمرأة مقيد بحالة كونه للأجانب ممن يحرم عليها إظهار الزينة لهم، أو أن يكون في أخذه إيذاء، وعلى ذلك حملوا النهي الوارد، قال ابن عابدين: «ولعله محمول - أي النهي الوارد في الحديث - على ما إذا فعلته لتتزين للأجانب، وإلا فلو كان في وجهها شعر ينفر زوجها عنها بسببه ففي تحريم إزالته بعدٌ؛ لأنَّ الزينة للنساء مطلوبة للتحسين، إلا أن يحمل على ما لا ضرورة إليه؛ لما في نتفه بالمنماص من الإيذاء» (¬2).
4.أخذ الرجل لشعر خديه أو حاجبيه، فيكره منه ما يكون تشبهاً بالمخنثين، وما لم يصل إلى هذا الحدّ فهو مباح، ولا يوجد فرق بين النتف والحلق في الحكم، ففي «المضمرات»: ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث. اهـ، ومثله في «المجتبى»، وقال الطحطاوي: «ولا بأس بأن يأخذ شعر الحاجبين وشعر وجهه ما لم يتشبه بالمخنثين،
¬
(¬1) ومسلم، الصحيح ج1، ص93.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج6، ج 373. ومثله في الفتاوى الهندية ج5، ص 359، والخادمي، بريقة محمودية ج4، ص 174، و ج4، ص 83.
ومثله في «الينابيع» و «المضمرات»، والمراد ما يكون مشوهاً؛ لخبر: «لعن الله النامصة والمنتمصة»» (¬1).
5.تسريح الشَّعر للرَّجل من المباحات ما لم يخالف المعتاد مما يخلُّ بالمروءة، فعن عائشة رضي الله قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيمُّن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كله) (¬2)، وفسَّروا (¬3): والتَّرجُّل: تسريح شعر الرأس بالمشط، قال القاري (¬4): «يستحب تسريح الشعر دفعاً للمشابهة بالهيئة البشيعة».
خامساً: استخدام التكنولوجيا المتعددة:
1.استعمال التلفون، فهو من المباحات في نفسه؛ لأنَّه من صلاح العباد؛ لما فيه من التواصل على الخيرات وتسهيل للحياة، لكن يحذر في استخدامه المحرمات من العلاقات المحرمة أو إضاعة الأوقات فيما لا فائدة فيه أو الغيبة أو النميمة أو غيرها من الموبقات.
2.استعمال التلفاز والشاشات المختلفة لمتابعة القنوات المتعددة فهو من المباحات في نفسه؛ لما يستفاد منه في الخيرات، لكن الواقع الآن أنَّه
¬
(¬1) الطحطاوي، حاشية على المراقي ج2، ص 512. وينظر: الفتاوى الهندية ج5، ص359، والخادمي، بريقة محمودية ج4، ص174، و ج4، ص 83.
(¬2) البخاري، الصحيح ر168، ومسلم، الصحيح ر268.
(¬3) ينظر: البابرتي، العناية ج1، ص 35.
(¬4) القاري، مرقاة المفاتيح ج8، ص 3457.
مليئ بالمفسدات بأنواعها المختلفة، فيقتصر على الانتفاع به في الصالحات والنافعات لا غير.
3.الأجهزة البيتية المختلفة من غسالة وثلاجة وغيرها فهي من المباحات؛ لما فيها من صلاح العباد.
4.الألعاب المختلفة على الكمبيوترات أو التلفونات أو غيرها فهي داخلة في الكراهة؛ لأنَّها من التشبه المذموم، ولما فيه من إضاعة العمر في غير منفعة واستيلاء الفكر الفاسد وإضاعة العديد من الواجبات. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن لعب بالنردشير، فكأنَّما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» (¬1)، قال ابن عابدين (¬2): ((إنَّما كره؛ لأنَّ من اشتغل به ذهب عناؤه الدنيوي, وجاءه العناء الأخروي، فهو حرام وكبيرة عندنا)).
واتفقت كلمة الفقهاء (¬3) على النصّ بالقول: «يكره اللَّعب بالشطرنج والنَّرد وكلُّ لهو»، وهذا بيان منهم لعلّة الحرمة، وهي اللهو، فكل ما ثبت فيه هذه العلّة من الألعاب يلحق بحكمها.
¬
(¬1) مسلم، الصحيح ج4، ص 1774، وابن ماجه، السنن ج2، ص 1238، والطبراني، المعجم الأوسط ج5، ص 369، وابن حنبل، المسند ج5، ص352، وغيرها.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج 6، ص 394.
(¬3) مشى على هذا المتون وغيرها. ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق ج6، ص 32، والمرغيناني، الهداية ج10، ص 64، وملا خسرو، درر الحكام ج1، ص 321، وشيخ زاده، مجمع الأنهر ج2، ص 554، والحصكفي، الدر المختار ج6، ص 395، وابن عابدين، رد المحتار ج6، ص 395، وغيرها.
قال شفيع العثماني (¬1): «واللَّهو: هو الاشتغال بما لا يعني وما ليس له غرض ومقصد صحيح»، وحرمة اللهو؛ لأنَّه مَظنَّة فَوْت الصَّلاة، وتضييع العمر، واستيلاء الفكر الباطل، حتى لا يحسَّ بالجوعِ والعطشِ فكيف بغيرهما؛ ولأنه فيه الصدُّ عن ذكر الله - عز وجل - غالباً فيكون حراماً، وإن صلَّى فقلبُه متعلِّقٌ به فكان في إباحتِه إعانة الشيطان على الإسلام والمسلمين؛ ولأنَّ منفعتَه مغلوبة تابعة، والعبرةُ للغالب في التحريم ألا ترى إلى قوله - جل جلاله -: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219]، فاعتبر الغالب في التحريم، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس من اللهو إلا ثلاثة تأديب الرّجل فرسه وملاعبته زوجته ورميه بنبله عن قومه) (¬2)، وعن عبد الله بن عبد الرحمن، وعقبة بن عامر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ارموا واركبوا؛ ولَأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، كلّ ما يلهو به الرَّجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهنّ من الحق) (¬3)، وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كلّ شيء
¬
(¬1) العثماني، الناهي عن الملاهي ج3، ص 192.
(¬2) الحاكم، المستدرك ج2، ص 104، وصححه، وأبو داود، السنن ج3، ص 13.
(¬3) الترمذي، السنن ج4، ص 174، وقال حسن صحيح، وابن أبي شيبة، المصنف ج5، ص 303، والأزدي، الجامع ج11، ص 461.
ليس من ذكر الله فهو سهو ولهو إلا أربع مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وتعلمه السباحة، وملاعبته أهله) (¬1).
سادساً: الاحتفال بالمناسبات:
1.الاحتفال بعيد الميلاد من المباحات، ما لم يشتمل على مخالفات شرعية من غناء أو موسيقى أو اختلاط أو غيرها، بخلاف ما إذا اشتمل على الصالحات والخيرات كقراءة القرآن والذكر والطعام للأرحام والفقراء والصدقات وغيرها من أنواع البر فإنَّه مستحن، واهتمام المسلم بيوم ميلاده يدخل في باب تذكر نعم الله تعالى عليه في خلقه، واهتمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيوم ميلاده فكان يصوم كل يوم اثنين، فعن أبي قتادة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: (ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي) (¬2)، وإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في فضل يوم الجمعة: (فيه خلق آدم) (¬3)، وقال تعالى على لسان سيدنا عيسى - عليه السلام -: {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حية}، وفي هذه النصوص إشارةٌ واضحةٌ إلى أنّ اعتناءَ المسلم بيوم ميلاده من المستحسنات، والله أعلم.
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبير ج10، ص 115، والنسائي، السنن ج5، ص 303، وغيرها، قال المنذري في الترغيب ج2، ص 180: رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد.
(¬2) مسلم، الصحيح ج2، ص 819.
(¬3) مالك، الموطأ ج1، ص 108، والترمذي، السنن ر491، وصححه.
2.الاحتفال بعيد الأم من المباحات ما لم يكن سبباً لقطيعتها في بقية الأيام، وأنَّه لا حقّ لها علينا إلا في هذا اليوم، فإن كان فيه تذكرة بحقّ الأم علينا، ويزيد في العناية بها أكثر فأكثر، ويكون سبباً لبرّها والقيام بواجبها، فهو حسن، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الجنة تحت أقدام الأمهات) (¬1): أي كناية عن غاية الخضوع ونهاية التذلل للأم (¬2)، كما في قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}، وعن ابن عمرو - رضي الله عنهم - قال: (جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد، فقال: ألك والدان؟، قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) (¬3).
3.الاحتفال بعيد العمال أو الشجرة أو غيرها من المباحات؛ لأنَّ هذه الأمور من المستحسنات بين البشر، وفيها نشر للفضيلة والصفات الكريمة، فتوافق رسالة الإسلام، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: (لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى، وبني إسرائيل على فرعون، ونحن
¬
(¬1) الشهاب، المسند ج1، ص 102، والطبراني، المعجم الكبير ج2، ص 289، وبلفظ: «فالزمها فإنَّ الجنة عند رجليها»، في السنن الكبرى للنسائي ج4، ص272، وابن حنبل، المسند ج24، ص 299، والعجلوني، كشف الخفاء ج1، ص 387: قال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقب بالاضطراب.
(¬2) القاري، مرقاة المفاتيح ج7، ص 3097.
(¬3) الترمذي، السنن ج4: ص 191، وقال: حسن صحيح.
نصومه تعظيماً له، فقال - صلى الله عليه وسلم -: نحن أولى بموسى منكم، ثم أمر بصومه) (¬1)، فلمّا كان ما يفعلونه خيرٌ وصلاحٌ، فعله النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأمر به، ولم يمتنع من فعله؛ لكونه من التَّشبه بهم، وهكذا الحال في كلِّ الخيرات والصالحات، والله أعلم.
4.الاحتفال بالمولد النَّبويّ والمناسبات الدينيّة: كالهجرة والغزوات من المستحسنات؛ لما فيه من التَّعظيم للأنبياء؛ لأنَّ الاحتفال يشتمل على ذكر مولده الكريم ومعجزاته وسيرته والتعريف به - صلى الله عليه وسلم - مع قراءة القرآن وقراءة الأحاديث والسير والطعام للفقراء، قال السُّيوطيّ (¬2): «إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في مولده من الآيات ... هو من البدع التي يُثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف».
وقال ابنُ حجر العسقلانيّ: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابع
¬
(¬1) البخاري، الصحيح ج5، ص 70.
(¬2) السيوطي، الحاوي للفتاوى ص2528.
التابعين، ولكنَّها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمَن تحَرَّى المحاسن وتجنب ضدّها كان بدعة حسنة، وإلا فلا» (¬1).
5.وضع الزِّينةُ على البيوت وغيرها في الأعياد والمناسبات الدينيّة، فهي من المستحسنات المشتملة على تعظيم شعائر الله تعالى، وإشاعة البهجة بأمور الدين بين المسلمين لا سيما صغارهم، قال أبو شامة المقدسيّ: «ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق مولده - صلى الله عليه وسلم - من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن في ذلك ما فيه من الإحسان للفقراء إشعاراً بمحبته - صلى الله عليه وسلم -» (¬2).
واستحبُّ الفقهاء (¬3) أن يلبس المسلم في يوم العيد أحسن ثيابه، لما ورد عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس يوم العيد بردة حمراء) (¬4)، وعن نافع: (إنَّ ابن عمر - رضي الله عنه - كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه) (¬5)،ولأنَّفيه إظهار فرحة وبهجة العيد بين المسلمين، وكما أنَّ الزينة
¬
(¬1) أبو الحاج، الدر البهي في الاحتفال بالمولد النبوي ص7.
(¬2) أبو الحاج، الدر البهي في الاحتفال بالمولد النبوي ص6.
(¬3) ينظر: الرازي، تحفة الملوك ص109.
(¬4) الطبراني، المعجم الأوسط ج7، ص 316، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج2، ص 198: «رجاله ثقات».
(¬5) البيهقي، السنن الكبير ج3، ص 281، قال ابن حجر في فتح الباري ج2، ص 429: «إسناده صحيح».
مستحبة في الملابس فهي مستحبة في غيرها مما يحقِّق هذا المعنى، والله أعلم.
6.تهنئة غير المسلمين بمناسباتهم الدينية، من المباحات ما لم يشتمل على ألفاظ متعلقة بالموافقة على اعتقادهم، ويُستحبُّ أن لا يحضر في مكان يظهرون فيها شيئاً من شعائرهم المخالفة لديننا، كما سبق في المبحث الأول.
قال مصطفى الزرقا (¬1): «إنَّ تهنئةَ الشَّخص المسلم لمعارفه النصارى بعيد ميلاد السيد المسيح - عليه السلام -، هي في نظري من قبيل المجاملة لهم والمحاسنة في معاشرتهم، وإنَّ الإسلامَ لا ينهانا عن مثل هذه المجاملة أو المحاسنة لهم ... ومَن يتوهم أنَّ هذه المعايدة لهم في يوم ميلاده - عليه السلام - حرام؛ لأنَّه ذات علاقة بعقيدتهم في ألوهيته فهو مخطئ، فليس في هذه المجالة أي صلة بتفاصيل عقيدتهم فيه وغلوهم فيها ... وإذا عرفنا الرأي الشَّرعي في التهنئة يعرف حكم طباعة البطاقات والمتاجرة بها؛ لأنَّ ما كان من وسائل المباح فهو مباح».
* * *
¬
(¬1) مصطفى الزرقا، الفتاوى ص355 - 356.
الخاتمة:
نقتصر فيها على ذكر أهم نتائج البحث على النحو الآتي:
1.إنَّ التشبه على نوعين: ممدوح ومذموم، والمذموم: هو قصدُ مماثلة غير المسلمين فيما هو من شعارهم ابتداءً ومستقبحاً في غير الأمور المدنية. والممدوح: هو مماثلتُهم فيما لا يكون شعاراً لهم قصداً ولا مستقبحاً من الأمور المدنية والحياتية.
2.لا يعدُّ المسلم متشبهاً إلا إذا تحققت فيه ضوابط التشبه المذموم، وهي:
أ. التَّشبُّه بما هو شعارٌ لهم ومختصٌّ بهم بحيث يتميَّزون به عن غيرهم.
ب. أن لا يكون المُتَشَبَّه به مما فيه صلاح العباد والخير لهم.
ج. أن يقصد التَّشبُّه بهم، فلا يكفي مجرد صورة المشابهة بالفعل.
د. أن يكون التَّشبُّه بغير المسلمين ابتداءً قبل يصبح عرفاً وعادةً بين المسلمين.
هـ. أن لا يكون التَّشبُّه بهم بالفجور والفحشاء والتَّصرُّفات القبيحة.
3.للتشبه حالات متعدِّدة، فمنها ما يكون كفراً إن كان فيه استخفاف بالدِّين، ومنها ما يكون واجب الترك فيما توفرت فيه ضوابط التشبه المذموم، ومنها ما يكون مستحب الترك إن كان في الصورة مثلاً، ومنها ما يكون مباحاً مما لم يتوفر فيه الضوابط السابقة.
4. لم يشدد الحنفية في مسألة التشبه، فكان في نظرهم سعة كبيرة، حيث جعلوا مدار الأحاديث الواردة في التشبه على الاستحباب والسنية عموماً، وممكن أن تحمل على الإباحة أو الوجوب لمقتضيات أخرى، والظاهر في فهمهم لها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد من المسلمين التميز عن غيرهم ويفتخروا بدينهم ويعتزوا به، خشية أن تتطرق المشابهة في الصورة إلى المشابهة في الاعتقاد والرِّضا بدين غير المسلمين.
5.إنَّ نظرة الحنفية للتشبه تفتح لنا مجالاً واسعاً في الاستفادة من الثقافات الأخرى، وتجعل الأمر فيه محكوماً بالعرف والقصد، فلا يأثم المسلم في عامة تصرفاته وسلوكياته المشابهة لغير المسلمين صورة.
* * *
المراجع:
1. ابن أبي شَيْبَةَ، ع، (1409هـ) المصنف في الأحاديث والآثار، الرياض: مكتبة الرشد.
2. ابن البَزَّاز، م، (1310هـ) الفتاوي البَزَّازية، مصر: المطبعة الأميرية ببولاق.
3. ابن الجعد، ع، (د. هـ) المسند، بيروت: مؤسسة نادر.
4. ابن الشلبي، أ، (1313هـ) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ط1، مصر: المطبعة الأميرية.
5. ابن حِبَّان، م، (1414هـ) صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، ط2، بيروت: مؤسسة الرسالة.
6. ابن حَجَر، أ، (1379هـ) فتح الباري شرح صحيح البُخَاري، بيروت: دار المعرفة.
7. ابن حجر، أ، (1384هـ) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير، المدينة المنورة.
8. ابن حنبل، أ، (د. هـ) مسند أحمد بن حنبل، مصر: مؤسسة قرطبة.
9. ابن خزيمة، م، (1390هـ)، صحيح ابن خزيمة، بيروت: المكتب الإسلامي.
10. ابن عابدين، م، (1300هـ) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، مصر: المطبعة الميرية ببولاق.
11. ابن عابدين، م، (د. هـ) ردّ المحتار على الدر المختار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
12. ابن عابدين، م، (د. هـ) منحة الخالق على البحر الرائق، ط2، دار المعرفة.
13. ابن عبد البر، ي، (1398هـ) جامع بيان العلم، بيروت: دار الكتب العلمية.
14. ابن ماجه، م، (د. هـ) سنن ابن ماجه، بيروت: دار الفكر.
15. ابن مَازَةَ، م، (424 هـ - 2004 م) المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
16. ابن ملك، ع، شرح تحفة الملوك والسلاطين، من مخطوطات دار صدام، برقم (9866).
17. ابن منظور، م، (د. هـ) لسان العرب، دار المعارف.
18. ابن نجيم، إ، (د. هـ) البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق، بيروت: دار المعرفة.
19. أبو الحاج، ص، (2006م) الدر البهي في الاحتفال بالمولد، منشورات كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة العلوم الإسلامية.
20. أبو داود، س، (1408هـ) مراسيل أبي داود، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة.
21. أبو داود، س، (د. هـ) سنن أبي داود، بيروت، دار الفكر.
22. أبو عوانة، ي، (د. هـ) مسند أبي عوانة، ط1، بيروت: دار المعرفة.
23. أبو نُعَيْم، أ، (1403هـ) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
24. الأزدي، م، (1402هـ) الجامع، ط2، بيروت: المكتب الإسلامي.
25. البَابَرْتي، م، العناية على الهداية، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
26. البُخَارِيّ، م، (1407هـ) صحيح البخاري، ط3، بيروت: دار ابن كثير واليمامة.
27. البَزَّار، أ، (1409هـ) مسند البَزَّار (البحر الزخار)، ط1، بيروت: مكتبة العلوم والحكم.
28. البيهقي، أ، (1410هـ) شعب الإيمان، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
29. البَيْهَقِي، أ، (1414هـ) سنن البَيْهَقِي الكبير، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز.
30. الترمذي، م، (د. هـ) سنن الترمذي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
31. الحاكم، م، (1411هـ)، المستدرك على الصحيحين، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، بيروت.
32. الحَدَّادِيّ، أ، (1322هـ) الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري، ط1، المطبعة الخيرية.
33. الحصكفي، م، (د. هـ) الدر المختار شرح تنوير الأبصار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
34. الخادمي، م، (د. هـ) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية، دار إحياء الكتب العربية.
35. الرازي، م، (1997م) تحفة الملوك، ط1، بيروت: دار البشائر الإسلامية.
36. الروياني، م، (1416هـ) مسند الروياني، ط1، القاهرة: مؤسسة قرطبة.
37. الزرقا، م، (2004م) الفتاوي، ط3، دار القلم.
38. الزرنوجي، (د. هـ) تعليم المتعلم طريق التعلم، الإصدار 1، مركز أنوار العلماء.
39. الزيلعي، ع، (1313هـ) تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، ط1، مصر: المطبعة الأميرية.
40. الزيلي، م، (1295هـ) هدية الصعلوك شرح تحفة الملوك، ايدنمشدر.
41. السرخسي، م، (1406هـ) المبسوط، بيروت: دار المعرفة.
42. السرخسي، م، (1971هـ) شرح السير الكبير، مطبعة شركة الإعلانات الشرقية.
43. السَّمَرْقَنْدِي، م، (د. هـ) تحفة الفقهاء، بيروت: دار الكتب العلمية.
44. السيوطي، ع، (1424 هـ - 2004م)، الحاوي للفتاوي، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر.
45. السيوطي، ع، (د. هـ) شرح سنن ابن ماجه، كراتشي: قديمي كتب.
46. شيخِ زاده، ع، (1316هـ) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة.
47. صدر الشريعة، ع، (2006م) شرح الوقاية، عمان: مؤسسة الوراق.
48. الصنعاني، ع، (1403هـ) المصنف، ط2، بيروت: المكتب الإسلامي.
49. الطَّبَرَاني، س، (1404هـ) المعجم الكبير، ط2، الموصل: مكتبة العلوم والحكم.
50. الطبراني، س، (1415هـ) المعجم الأوسط، القاهرة: دار الحرمين.
51. الطحاوي، أ، (1333هـ) مشكل الآثار، ط1، الهند: حيدر آباد.
52. الطَّحَاوي، أ، (1399هـ) شرح معاني الآثار، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
53. الطَّحْطَاوِيّ، أ، (1418هـ) حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
54. العباسي، م، (1301هـ) الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية، ط1، مصر: المطبعة الأزهرية المصرية.
55. العثماني، م، (1407هـ) الناهي عن الملاهي، ط1، كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية.
56. العثماني، م، (1419هـ) بحوث في قضايا فقهية معاصرة، ط1، دمشق: دار القلم.
57. العجلوني، إ، (1405هـ) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث، ط4، بيروت: مؤسسة الرسالة.
58. العَيْنِي، م، (1300هـ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
59. العَيْنِي، م، (1980مـ) البناية في شرح الهداية، ط1، بيروت: دار الفكر.
60. الفيومي، أ، (1909م) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، مصر: المطبعة الأميرية.
61. القاري، ع، (د. هـ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، المكتب الإسلامي.
62. قاضي المارستان، م، (1422هـ) أحاديث الشيوخ الثقات (المشيخة الكبرى)، ط1، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.
63. قاضي خان، ح، (1310هـ) الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان)، مصر: المطبعة الأميرية ببولاق.
64. القُضَاعي، م، (1407هـ) مسند الشهاب، ط2، بيروت: مؤسسة الرسالة.
65. الكاساني، أ، (1402هـ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، بيروت: دار الكتاب العربي، بيروت.
66. اللكنوي، ع، (2001هـ) نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل، بيروت: دار ابن حزم.
67. مالك، م، (د. هـ) الموطأ، مصر: دار إحياء التراث العربي.
68. مجموعة من العلماء، (1310هـ) الفتاوي الهندية، مصر: المطبعة الأميرية ببولاق.
69. المرغيناني، ع، (د. هـ) الهداية شرح بداية المبتدي، الطبعة الأخيرة، مطبعة مصطفى البابي.
70. مسلم، م، (د. هـ) صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
71. مُلا خسرو، م، (1310هـ) درر الحكام شرح غرر الأحكام، الشركة الصحفية العثمانية.
72. المناوي، ع، فيض القدير شرح الجامع الصغير، (1356هـ) ط1، مصر: المكتبة التجارية الكبرى.
73. المنذري، ع، (1417هـ) الترغيب والترهيب، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
74. الموصلي، ع، (د. هـ) الاختيار لتعليل المختار، دار الأرقم.
75. النَّسَائِي، أ، (1411هـ) سنن النَّسَائيّ الكبرى، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
76. الهيثمي، ع، (د. هـ) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت: دار الكتاب العربي.
77. اليحصبي، ع، (د. هـ) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، المكتبة العتيقة، ودار التراث.