حكم الاقتداء بالمخالف ...
........... في المذهب الحنفي
جارٍ تحميل الكتاب…
حكم الاقتداء بالمخالف ...
........... في المذهب الحنفي
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
حكم الاقتداء بالمخالف
في المذهب الحنفي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن سار على هديهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
عندنا يدور الحديث مع أستاذٍ أو طالبٍ عن أهمية مذهب أهل السنة بالتزام أحد مذاهبه الفقهية من الحنفية والشافعية وغيرهما، يعترض على ذلك بالتعصّب الذي حصل بين أرباب هذه المذاهب، من عدم الصلاة خلف بعضهم في الحرم والمسجد الأموي وغيرهما، ومنع زواج بعضهم من بعض، وأن هذه الأشياء منافية للدين البتة، مما يدلّ على بطلان هذه المذاهب وسوء طريق أتباعها؛ لذلك لا ينبغي علينا أن نلتزمها ونتبعها حتى لا يصل بنا الحال إلى ما وصل بهم.
وإن هذا الكلام ليظهر أن صاحبَه لم يدرك قواعد العلم والفقه، وأن بضاعته فيه مزجاة، ويُخشى عليه من الهلاك والضياع، بخلاف مَن ضبط وأتقن الفقه وأصوله، فإن بمنأى من ذلك، ويصدق في الفرق
بينهما قوله - جل جلاله -: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:109].
وحتى لا نكون من الظالمين لغيرنا من أئمة الإسلام، ولأنفسنا بالانحراف بها عن سواء السبيل، فللننظر للمسألة بمنظار العلم والعقل دون العاطفة، ولنعرض لكلِّ مسألة منهما في مبحث:
* * *
المبحث الأول
عدم حلِّ المناكحة
بين أصحاب المذاهب الفقهية
إن هذا الحكم غير صحيح البتة، وإنما هي من صنيع مَن أراد أن ينفرَ الناس عن مذهب أهل السنة بالتزام أحد مذاهبه الفقهية، وتبشيع صورة هذه المذاهب، وتقبيح حال أهلها، ومما يدلّ على ذلك:
1. إن مَن يذكر هذه المسألة فليبين العلّة من ورائها، وما هو الدافع لهذا التحريم، أهو مجرد الهوى والمزاج كما يظنّ هؤلاء بالمذاهب أهلها، أم هناك مسألة فقهية ينبني عليها هذا التحريم، ومهما بحث ونقب فلن يجد لضالته من سبيل، بل سيجد كلّ العبارة والنصوص الفقهية دالة وظاهر في حلية زواج أصحاب المذاهب من بعضهم البعض.
2. إن هذه المسألة وإن ذكرت في بعض كتب الفتاوى، ولكنها ليست راجعة إلى اختلاف فقهي بين المذاهب، وإنما إلى ما حصل من اختلافات عقدية بين علماء الأمة المحمدية، ولا شأن للخلاف الفقهي فيها، وإنما
يعرض الحكم الفقهي المترتب على الخلاف العقدي، فحقّ مَن يتكلم بهذه المسألة أن يبيِّن أن الخلاف فيها مبنيّ على اختلافات عقدية، لا تعصبات فقهية.
3. إن هذا الحكم غير منقول عن المجتهدين، بل عمَّن هم دونهم، ومعلوم أنه لا عبرة إلا باجتهاد المجتهد وحكم الفقيه، وما سواهم لا كلام لهم في بيان الأحكام، وإظهار شعائر الإسلام، فبعضُ ما يقع في الكتب من التكفير لا يؤخذ به إلا بعد التمحيص والتدبير، وقد ذكر في «المحيط»: «يقع في كلام أهل المذاهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل مَن غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء». كما نص عليه في عامة الكتب (¬1).
4. إن الكتب الفقهية ليست بمنزلة سوية، بل متفاوتة في الدرجات والاعتبار والاعتماد، فلا بدّ لكل راجع إليها من معرفتها مراتبها، وأحوال مؤلفيها؛ لأن كثيراً منها جمع الغثّ والسمين والرطب واليابس، القارئ فيها من غير دراية ولا روية كحاطب ليل يظنّ الأفعى حطباً ويأخذها فتلدغه، وإن هذه المسألة ذكرها بعض أصحاب الفتاوى،
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير (6: 100)، والبحر الرائق (5: 151)، ورد المحتار (6: 298)، وغيرها.
ومعلوم أنها كالصحارى، قال اللكنوي (¬1): «إن الفقيه مَن يتدبَّر ويتفكَّر لا مَن يمشي على الظاهر ولا يتدبّر، ولنعم ما خطر بخاطري، الفتاوي كالصحاري تجمع الرطب واليابس لا يأخذ بكل ما فيها إلا الناعس».
وقال أيضاً (¬2): «واعلم أنه ينبغي للمفتي أن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كل كتاب، لا سيما الفتاوي التي هي كالصحاري، ما لم يعلم حال مؤلفه، وجلالة قدره، فإن وجد مسألة في كتاب لم يوجد لها أثر في الكتب المعتمدة، ينبغي أن يتصفّح ذلك فيها، فإن وجد فيها، وإلا لا يجترئ على الإفتاء بها».
5. إن هذه المسألة ذكرها فحول علماء المذهب لبيان بطلانها والردّ عليها لا لتأييدها وإن كانت مبنيّة على خلاف عقدي؛ إذ نقلوا كلام الرستغفني: لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال، ثم كلام الفضل: لا يجوز بين مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى; لأنه كافر، وبيَّنوا أن بعضهم بنى عليها: منع مناكحة الشافعية، ومع ذلك اختلف فيها هكذا، قيل: يجوز، وقيل: يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته، وعلل هذا القول في «البزّازية» بقوله: تنزيلاً لهم منزلة أهل الكتاب. ثمّ أنكروا ذلك وردّوه أشدّ ردٍّ، ومن ذلك:
¬
(¬1) في إحكام القنطرة (ص190).
(¬2) في النافع الكبير (ص26).
قول ابن نجيم (¬1): «إن القول بتكفير مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، غلطٌ، ويجب حمل كلامهم على مَن يقول ذلك شاكاً في إيمانه، والشافعية لا يقولون به, فتجوز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة. وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حلّ مناكحتهم; لأن الحقّ عدم تكفير أهل القبلة كما قدمنا نقله عن الأئمة في باب الإمامة». فانظر كيف أنهم لم يكفروا الفرق الأخرى كالمعتزلة، وجوّزوا مناكحتهم، فكيف يحرمون نكاح أهل السنة؟!.
وقول ابن الهمام (¬2): «ولا يخفى أن مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، فإنما يريد إيمان الموافاة صرَّحوا به، يعنون الذي يقبض عليه العبد؛ لأنه إخبارٌ عن نفسه بفعل في المستقبل أو استصحابه إليه، فيتعلّق به قوله - جل جلاله -: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إلاّ أن يَشَاءَ الله} [الكهف:23 - 24]، وعلى هذا فيكون قوله: إن شاء الله شرطاً لا كما يقال: إنه لمجرد التبرك, وكيف كان لا يقتضي ذلك كفره غير أنه عندنا خلاف الأولى؛ لأن تعويد النفس بالجزم في مثله ليصير ملكة خير من إدخال أداة التردد في أنه هل يكون مؤمناً عند الموافاة أو لا؟
¬
(¬1) في البحر الرائق (3: 110).
(¬2) في فتح القدير (3: 231).
وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حلّ مناكحتهم؛ لأن الحقّ عدم تكفير أهل القبلة، وإن وقع إلزاماً في المباحث, بخلاف مَن خالفَ القواطع المعلومة بالضرورة من الدين مثل: القائل بقدم العالم، ونفي العلم بالجزئيات على ما صرح به المحققون ... ».
وهنا فائدة أخرى أن هذه المباحث نظرية لا عملية يفيده قول ابن الهمام إنه من باب الإلزام في المباحثة.
وإذا ألقيت بالاً لما سبق علمت أن هذه دعوى جوفاء، لا ينبغي لصاحب العقل الزرين، والنفع العميم أن يعير لها انتباهاً، ويترك لها مجالاً في الفساد والإفساد، والله الموفق للسداد.
* * *
المبحث الثاني
تعدد الجماعات
لاختلاف المذاهب الفقهية
إن عرض هذه المسألة على أنها من التعصّب والهوى، ولا يمكن أن يكون لها وجه من الدين البتة، وتصوير العصور السابقة بعلمائها وأئمتها بأنهم متبعين لأهوائهم، جامدين في قرائحهم، منغلقين على أنفسهم، ليس له في الحقّ من سبيل، بل هو محض تجنٍّ عليها؛ لذلك آثرت تحقيق رسالتين في الموضوع لأكبار العلماء، وهما علي القاري ورحمة الله السندي، ليكون القارئ الكريم بهما على بصيرة، أن المسألة لا محلّ للهوى فيها، وأحببت هاهنا أن أذكر خطوطاً عريضة في التنبيه على ذلك، ومنها:
الأولى: إن هذه مسألة علمية، والخلاف فيها خلاف علميّ فقهيّ، ولا دخلَ للهوى والمزاج فيها، فبعد أن قعِّدت القواعد، بُنيت عليها فروعها المتنوعة، التي اقتضت اعتبار الاختلاف بين المذاهب الفقهية،
فمثلاً لمس المرأة ومسّ الذكر ناقض للوضوء عند الشافعية، غير ناقض عند الحنفية، وهكذا، وعليه فمَن لمس زوجته ولم يعد الوضوء فصلاته باطلة عند سادتنا الشافعية، وغير باطلة عند السادة الحنفية. وبناءً على هذه الاختلاف في الفروع الفقهية المؤسس على القواعد المرضية من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - حصل الاختلاف في الصلاة خلف المخالف للمذهب ممن وقع منه اختلال في شروط الصلاة وأركانها للمقتدي خلفه.
الثانية: إن هذه مسألة ورع وتقوى، والباحث فيها حريص على إرضاء الله - جل جلاله -، لا السير خلف نفسه وهواه، فهو حريص كلَّ الحرص على أن تكون عبادة صحيحة سليمة لا يعتريها أدنى شبهة وشكّ؛ لذلك اهتمّ بالصلاة خلف الموافق له في المذهب؛ لئلا يكون قد صدر من المخالف ما هو ناقض للصلاة عنده، لا عند للإمام، فيعتري صلاته الشكّ والنقصان. وهذا معنى عبارة القاري عند الكلام تعدد الجماعة: إنه الأولى من جهة الآخرة.
الثالثة: إن تعدد الجماعات لم تكن منتشرة في كل البلاد وبين جميع العباد، وإنما كانت واقعة في عدّة مساجد يأتيها المسلمون من حدب وصوب؛ ليؤدوا شعائر الله - جل جلاله -، وكلٌّ منهم ضبط مذهباً ومنهجاً في الأحكام الفقهية لا يحسن غيره، ويقع في قلبه شكّ إن لم يفعل مثله،
ويخشى من الغلط والارتباك إن تركه وفعله كغيره، كما يحصل في هذه الأيام ممّن يحجّون بيت الله الحرام، فهذه المساجد التي يحصل فيها هذا التعدد محدودة محصورة، في حين أن الملايين من مساجد المسلمون يصلى فيها جماعة واحدة على حسب المذهب المنتشر والشائع هنالك، فترك هذا الانتظام للصلاة الحاصل للملايين، والمحاسبة على أفراد من المساجد يحصل بها هذا الجمع، لهو الظلم والافتراء بعينه، فأي عقل هذا، وأي فهم هذا، الذي يترك كل هذا الخير العظيم الذي عمّ بسبب انتشار المذاهب، وخلو المساجد عن الفتن والمصائب، ويبقى يتكلّم عن آحاد هذه المساجد ليعيب على هذه المذاهب، فما بالك إن علمت أن هذا أيضاً ليس بعيب.
الرابعة: إن تعدد هذه الجماعات أنكره بعض العلماء، وأجازوه أخرون، فالمسألة خلافية لا اتفاقية، قال ابن عابدين (¬1): «وقد ألف جماعة من العلماء رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما من تعداد الأئمة والجماعات, وصرَّحوا بأن الصلاة مع أول إمام أفضل, ومنهم صاحب المنسك المشهور العلامة الشيخ رحمه الله السندي تلميذ المحقق ابن الهُمام. فقد نقل عنه العلامة الخير الرملي في (باب الإمامة) أن بعضَ مشايخنا سنة إحدى وخمسين وخمسمائة أنكر ذلك، منهم: الشريف
¬
(¬1) في رد المحتار (1: 377).
الغزنوي، وأن بعضَ المالكية في سنة خمسين وخمسمئة أفتى بمنع ذلك على المذاهب الأربعة، ونقل عن جماعة من علماء المذاهب إنكار ذلك أيضاً. اهـ.
لكن ألَّفَ العلامةُ الشيخُ إبراهيمُ البيري شارح «الأشباه» رسالة سمّاها «الأقوال المرضية» أثبت فيها الجواز وكراهة الاقتداء بالمخالف؛ لأنه وإن راعى مواضع الخلاف لا يترك ما يلزم من تركه مكروه مذهبه: كالجهر بالبسملة والتأمين ورفع اليدين وجلسة الاستراحة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في القعدة الأولى ورؤيته السلام الثاني سنة، وغير ذلك مما تجب فيه الإعادة عندنا أو تستحبّ.
وكذا ألف العلامة الشيخ علي القاري رسالةً سماها «الاهتداء في الاقتداء» أثبت فيها الجواز, لكن نفى فيها كراهة الاقتداء بالمخالف إذا راعى في الشروط والأركان فقط ... ».
وإن ألقيت سمعاً لما سبق عرفت أن قذف المذاهب الفقهية بهذه التهمة الردية ليس من الانصاف، وإنما محلُّه الاعتساف والانحراف، وايفاءً للموضوعة حقّه من الموضوعية، فإنني سأعرض هذه المسألة في نقاط جلية تدفع الغمة، وترفع الهمّة لالتزام طريق هذه المذاهب العلية، ولتكون تمهيداً وتيسيراً لفهم رسالة القاري والسندي لمن أراد مطالعتهما:
أولاً: إن تعدد الجماعات في المسجد الواحد لم ترد في أصل المذهب، ولم يتكلم بها الأئمة صريحاً، وإنما فهمت من مسائل وردت عن هؤلاء المجتهدين، وهي:
1.إن قنت الإمام في الفجر، فإن المؤتم لا يتبعه في القنوت عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -؛ لأنه منسوخ ولا اتباع في المنسوخ، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يتابعه؛ لأن الأصل المتابعة والقنوت مجتهد فيه فلا يترك الأصل بالشكّ.
2.إن الذين تحروا في الليلة المظلمة وصلى كلّ إلى جهة مقتدين بأحدهم, فإن مَن علم منهم بحال إمامه فسدت لاعتقاد إمامه على الخطأ.
3.إن العبرةَ في جواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حقِّ نفسه لا لرأي إمامه، فلو عَلِمَ المقتدي من الإمام ما يُفسدُ الصلاةَ على زعم الإمام كمسِّ المرأةِ وغيره يجوز الاقتداء؛ لأنه يرى جوازها، والمعتبر في حقِّه رأيه لا غير فوجب القول بجوازها. ولو عَلِمَ منه ما يفسد الصلاة عنده لا عند الإمام لا يجوز الاقتداء به.
ثانياً: اختلف في تعدد الجماعات على أقوال:
الأول: يجوز الاقتداء بشافعيٍّ مطلقاً، قياساً على قول الرازي من صحّة الاقتداء بمن رعف، كما في «خلاصة التحقيق» (¬1). قال اللكنوي (¬2): «والحق الصّراح هو الجواز مطلقاً، كما حقَّقه مؤلّف «الإتمام بمقلّد كلّ إمام»». ونصره ابن فروخ المكي في «القول السديد»؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقتدي بعضهم ببعض، وكذا التابعون وفيهم المجتهدون بلا نكير منهم في ذلك.
وردّه النابلسيّ (¬3)، فقال: «والحاصل أن الاحتجاج بقول الرازي لا يكاد يصح لمرجوحيته».
الثاني: لا يجوز الاقتداء بشافعيٍّ من غير أن يطعن في دينهم، قاله أبو اليسر؛ لما روى مكحول النسفي في كتاب سماه «الشعاع» عن أبي حنيفة أن مَن رفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه تفسد صلاته وجعل ذلك عملاً كثيراً, فصلاتهم فاسدة عندنا فلا يصح الاقتداء بهم.
¬
(¬1) (ص5).
(¬2) في عمدة الرعاية (2: 392).
(¬3) في الخلاصة (ص5).
ووجه رد هذا القول:
1. إن هذه رواية شاذة كما صرّح بها صاحب «النهاية»، وتابعه ابن الهمام (¬1)، وقال ابن نجيم (¬2): «وليست بصحيحة رواية ودراية».
2. إن المختار في العمل الكثير ما لو رآه شخص من بعيد ظنه ليس في الصلاة، وهذا غير واقع هنا.
3. إن فساد الصلاة عند رفع الرأس من الركوع برفع اليدين لا يمنع صحة الاقتداء في الابتداء لجواز صلاة الإمام إذ ذاك.
الثالث: يجوز اقتداء الحنفي بالشافعي إذا كان الإمام يحتاط في موضع الخلاف، وهذا الذي اختاره شيخي زاده (¬3)، والزيلعي (¬4).
ثالثاً: حكم فساد الصلاة الراجع إلى زعم المقتدي؛ بأن فعل الإمام ما يبطل الصلاة عند المقتدي، ولا يبلطها عند الإمام، فله الصور التالية:
¬
(¬1) في فتح القدير (1: 437).
(¬2) في البحر (2: 49).
(¬3) في مجمع الأنهر (1: 130).
(¬4) في التبيين (1: 171).
1.إن تيقَّنَ مراعاة الإمام للخلاف في الفرائض من شروط وأركان في تلك الصلاة وإن لم يراع الواجبات والسنن، فلا تكره الصلاة خلفه. قال القاري (¬1): «الصحيح جواز اقتداء الحنفي بالشافعي وغيره إذا لم يتيقن بالمفسد».
2.إن تيقَّنَ عدم مراعاة الإمام للخلاف فلا تصحّ صلاته خلفه؛ لأن العبرة في جواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حق نفسه، لا لرأي إمامه، قال المرغيناني (¬2): «إذا علم المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه الاقتداء به».
3.إن شَكَّ في مراعاة الإمام للخلاف فتكره الصلاة خلفه. كما في عامة الكتب (¬3).
رابعاً: حكم فساد الصلاة الراجع إلى زعم الإمام، وهذا فيما لو علم المقتدي من الإمام ما يفسد الصلاة على مذهب الإمام كمس المرأة، والإمام لا يدري بذلك:
¬
(¬1) في فتح باب العناية (1: 388).
(¬2) في الهداية (1: 437).
(¬3) كما في الدر المختار، ورد المحتار (1: 563)، والعناية (1: 438)، والشرنبلالية (1: 86)، والبحر الرائق (2: 50)، ومنحة الخالق (2: 50 - 51)، وحلبي صغير (ص140).
1. أنه تجوز صلاته، وذكر التمرتاشي أن أكثر مشايخنا جوزوه، قال الزيلعي (¬1): «وهو الأصح»؛ لأن المقتدي يرى جواز صلاة إمامه, والمعتبر في حقّه رأي نفسه فوجب القول بجوازها.
2. أنه لا تجوز صلاته عند بعضهم، ومنهم الهندواني، ورجحه في «النهاية»؛ لأن الإمام يرى بطلان هذه الصلاة فتبطل صلاة المقتدي تبعاً له (¬2).
خامساً: مواضع الخلاف التي ينبغي مراعاتها هي:
1.أن يكون من الشروط والأركان فيجب مراعاتها بأن يتوضأ من الفصد والحجامة والقيء والرعاف، وألا يتوضأ في الماء الراكد القليل, وأن يغسل ثوبه من المني إن كان رطبا أو يفرك اليابس منه، ويراعي الترتيب في الفوائت، وأن يمسح ربع رأسه، ونحو ذلك.
2.أن يكون من السنن والواجبات والمكروهات فلا يجب مراعاتها، مثل أن يكون سنة عنده مكروه عندنا; كرفع اليدين في الانتقالات, وجهر البسملة وإخفائها, فهذا وأمثاله لا يمكن فيه الخروج عن عهدة الخلاف , فكلهم يتبع مذهبه ولا يمنع مشربه كما في «الاهتداء»، وفصل الخير
¬
(¬1) في التبيين (1: 171).
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق (1: 171)، والعناية (1: 438).
الرملي وإبراهيم البيري أنه يكره الاقتداء بمن لا يراعي الواجبات كراهة تحريم، وبمن لا يراعي السنن كراهة تنزيه (¬1).
وخلص ابن عابدين (¬2): «أن الاقتداء بالمخالف المراعى في الفرائض أفضل من الانفراد إذ لم يجد غيره، وإلا فالاقتداء بالموافق أفضل».
سادساً: إذا تعددت الجماعات في المسجد وسبقت جماعة الشافعية، اختلفوا إلى ما يلي:
1. أن الأفضل الاقتداء بالشافعي، بل يكره التأخير؛ لأن تكرار الجماعة في مسجد واحد مكروه عندنا على المعتمد, إلا إذا كانت الجماعة الأولى غير أهل ذلك المسجد, أو أديت الجماعة على وجه مكروه؛ لأنه لا يخلو الحنفي حالة صلاة الشافعي, إما أن يشتغل بالرواتب لينتظر الحنفي وذلك منهي عنه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وإما أن يجلس وهو مكروه أيضاً لإعراضه عن الجماعة من غير كراهة في جماعتهم على المختار، كما قال ابن نجيم ونحوه قال الشيخ محمد أكرم ومحمد أمين ميزباد شاه وإسماعيل الشرواني, فإنهم رجحوا أن الصلاة مع أول جماعة أفضل.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار (1: 563).
(¬2) في رد المحتار (1: 564).
وقال الشيخ عبد الله العفيف في «فتاواه العفيفية» عن الشيخ عبد الرحمن المرشدي: وقد كان شيخنا شيخ الإسلام مفتي بلد الله الحرام الشيخ علي بن جار الله ابن ظهيرة الحنفي لا يزال يصلي مع الشافعية عند تقدم جماعتهم وكنت أقتدي به في الاقتداء بهم.
2. أن الأفضل عدم الاقتداء بالشافعي وإن كان مراعياً للخلاف، وهذا ما ذهب إليه البيري والسندي والقاري، وقال القاري في «الاهتداء»: «ولو كان لكل مذهب إمام كما في زماننا فالأفضل الاقتداء بالموافق سواء تقدم أو تأخر, على ما استحسنه عامة المسلمين وعمل به جمهور المؤمنين من أهل الحرمين والقدس ومصر والشام, ولا عبرة بمن شذ منهم» (¬1).
وقال ابن عابدين (¬2): «والذي يميل إليه القلب عدم كراهة الاقتداء بالمخالف ما لم يكن غير مراع في الفرائض؛ لأن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا أئمة مجتهدين وهم يصلون خلف إمام واحد مع تباين مذاهبهم, وأنه لو انتظر إمام مذهبه بعيداً عن الصفوف لم يكن إعراضاً عن الجماعة للعلم بأنه يريد جماعة أكمل من هذه الجماعة».
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار (1: 564).
(¬2) في رد المحتار (1: 564)
سابعاً: إن صلى الحنفي خلف الشافعي الوتر، ففيه الخلاف الآتي:
1.أنه يُصلِّي خلفه إن لم يكن يسلم على رأس الركعتين، وصححه الزيلعي (¬1).
2.أنه يُصلِّي خلفه وإن كان يسلم على رأس الركعتين ويصلي معه بقية الوتر، وهذا قول أبي بكر الرازي. وقيل: إذا سلم الإمام على رأس الركعتين قام المقتدي وأتم الوتر وحده. قال ابن الهمام (¬2): «وكان شيخنا سراج الدين يعتقد قول الرازي، وأنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك مرويا عن المتقدمين حتى ذكرته بمسألة «الجامع» في الذين تحروا في الليلة المظلمة وصلى كل إلى جهة مقتدين بأحدهم, فإن جواب المسألة أن من علم منهم بحال إمامه فسدت لاعتقاد إمامه على الخطأ».
3.أنه لا يقتدي بالشافعي في الوتر مطلقاً؛ لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل كما في «الإرشاد». ورده الزيلعي (¬3): «بأن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على الحنفي».
¬
(¬1) في التبيين (1: 171).
(¬2) في فتح القدير (1: 437).
(¬3) في التبيين (1: 171).
وفيما ذكر كفاية للمتبصِّرين، وتجلية لطريق الحقّ المبين، وإنارة لسبيل المؤمنين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
المراجع:
6. إحكام القنطرة في أحكام البسملة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304 هـ)، مطبع جشمة فيض، لكنو، 1305 هـ، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح محمد سالم أبو الحاج، مؤسسة الرسالة، 2001 مـ.
7. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت 970 هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
8. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت 743 هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط 1، 1313 هـ.
9. حلبي صغير: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت 956 هـ)، مطبوع في اسطنبول، 1303 هـ.
10. خلاصة الدلائل شرح القدوري للرازي، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الفتح، عمان، ط 1، 2016 م.
11. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ.
13. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
14. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
15. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
16. فتح باب العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
17. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
18. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
19. النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، عالم الكتب، ط1، 1406هـ.
20. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.