تهذيب رشحات الأقلام
شرح كفاية الغلام
للإمام الفقيه عبد الغني النابلسي (ت1143هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان ـ الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب رشحات الأقلام
شرح كفاية الغلام
للإمام الفقيه عبد الغني النابلسي (ت1143هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان ـ الأردن
تهذيب زبدة الكلام
شرح كفاية الغلام ...........
بسم الله الرحن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فتعدّ منظومة «كفاية الغلام» للعلامة المشهور عبد الغني النابلسي المتوفى سنة (1143 هـ) من أفضل ما يبدأ به الراغب في تعلم الفقه من المنظومات؛ لوجازة عبارتها وحسن إشارتها، فقد اشتملت على (151) بيتاً في العقائد والعبادات على مذهب أبي حنيفة النعمان.
وقد وقع الاختيار عليها للحفظ في دورات الأئمة والمدرسين، وحفظها كل من انتسب لهذا الدورات وقد تجاوزا العشرة آلاف إمام ومدرس وواعظة.
واختصرت لتلك الدورات شرح النابلسي عليها الموسوم برشحات الغلام، وأدرجته مع المنظومة في «زبدة الكلام على كفاية الغلام».
ورأت من المناسب في هذه الأيام أن أفصل هذه الاختصار والتهذيب في طباعة منفردة لمن أراد أن يقتصر في دراسته على المنظومة ويحفظها ويرغب بمعرفة شرحها بهيئة موجزة.
وفي مثله فائدة كبيرة للترغيب بالحفظ لها لا سيما للصغار، فيكون في هذا التهذيب إعانةً لهم على فهمها.
وأسال الله عز وجل أن يجعل هذا التهذيب خالصاً لوجه الكريم، وأن يتقبله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
صويلح، عمان، الأردن
15 ـ 12 ـ 2020 م
منظومة كفاية الغلام
للعلّامة عبد الغني النّابلسي
1. ... الحَمْدُ للهِ عَلَى ما وَفَّقا ... ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُطْلَقا
2. ... عَلى النَّبيِّ المُصْطَفى التِّهامي ... وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرام
3. ... وَبَعْدُ فالإسْلامُ لمَّا بُنِيا ... على الشَّهادَتَيْنِ فيما رُوِيا
4. ... ثُمَّ عَلَى الصَّلاةِ والزَّكاةِ ... والصَّومِ وَالحَجِّ مِنَ الميقات
5. ... أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ في ذِي الخَمْسَهْ ... شَيْئاً بِهِ يُصْلِحُ مِثْلِي نَفْسَهْ
6. ... مَنْظُومَةً في غَايةِ اخْتِصارِ ... يَسْهُلُ حِفْظُهَا عَلى الصِّغار
7. ... سَمَّيْتُها كِفَايةَ الغُلامِ ... في جُمْلَةِ الأَرْكانِ للإسْلام
8. ... وَأَسْألُ اللهَ الكَريمَ المَغْفِرهْ ... وَأَن يَكونَ مُنْقِذِي في الآخِرَهْ
فصل في مقتضى شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
9. ... مَعْرِفَةُ اللهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضْ ... بِأَنَّهُ لا جَوْهَرٌ ولا عَرَضْ
10. ... وَلَيْسَ يَحْويهِ مَكانٌ لا وَلا ... تُدْرِكُهُ العُقُولُ جَلَّ وَعَلا
11. ... لا ذاتُهُ تُشْبِهُها الذَّواتُ ... ولا حَكَتْ صِفاتِهِ الصِّفاتُ
12. ... وما لهُ في مُلْكِهِ وَزيرُ ... ولا لَهُ مِثْلٌ وَلا نَظيرُ
13. ... فَرْدٌ لَهُ مِنْهُ تَتِمُّ المَعْرِفهْ ... وَوَاحدٌ ذاتاً وَفِعْلاً وَصِفَهْ
14. ... وَهْوَ القَدِيمُ وَحْدَهُ والباقِي ... في القَيدِ نحنُ وَهْوَ في الإطلاق
15. ... حَيٌّ عَليمٌ قادِرٌ مُرِيدُ ... في خَلْقِهِ يَفْعَلُ ما يُريدُ
16. ... وَهْوَ السَّميعُ والبَصيرُ لم يَزَلْ ... بِغَيرِ جَارِحةٍ مِنَ الأَزلْ
17. ... لَهُ كَلامٌ ليسَ كالمَعروفِ ... جَلَّ عَنِ الأصواتِ والحروف
18. ... وَبِقَضاءِ اللهِ والتَّقْديرِ ... جَميعُ ما يَجرِي مِنَ الأُمور
19. ... وَكُلُّ ما يوجَدُ مِنْ فِعْلِ البَشَرْ ... فإنَّهُ بِخَلْقِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشرْ
20. ... كَلَّفَ عَبْدَهُ وَما قَدْ جَارا ... وَهْوَ الَّذي يَجْعَلُهُ مُخْتَارا
21. ... أَرْسَلَ رُسْلَهُ الكِرَامَ فِينَا ... مُبَشِّرينَ بَلْ وَمُنْذِرِينا
22. ... أَيَّدَهُم بِالصِّدْقِ وَالأَمَانهْ ... وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيانهْ
23. ... أَوَّلُهُمْ آدَمُ ثُمَّ الآخِرُ ... مُحَمَّدٌ وَهوَ النَّبيُّ الفَاخِرُ
24. ... أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَينَا بِالهُدَى ... طُوبَى لِمَن بِشَرْعِهِ قَدِ اقتَدَى
25. ... تَنْحَصِرُ النَّجاةُ فيما جَاءَ بهْ ... وهالِكٌ مَنْ حَادَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ
26. ... وَكُلُّ ما عَنْهُ النَّبِيُّ أَخْبَرا ... فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بِلا امْتِرا
27. ... مِنْ نَحْوِ أَمْرِ القَبْرِ وَالقِيامَهْ ... وكُلِّ ما كَانَ لَها عَلامَهْ
28. ... مِثْلِ (¬1) طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها ... وَقِصَّةِ الدَّجالِ كُنْ مُنْتَبِها
29. ... وَصَحْبُهُ جَميعُهُم عَلى الهُدَى ... تَفْضِيلُهُمْ مُرتَّبٌ بِلا اعْتِدا
¬
(¬1) تنبيه: ثمة أوجه إعرابية أربعة في كلمة (مثل)، فإما أن نعربها بدل اشتمال من كلمة (كل)، فتكون عندئذ مجرورة، وإما أن نعربها نعتاً للاسم الموصول (ما)، فتكون عندئذٍ مجرورةً أيضاً، وإما أن نعربها خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو، فتكون عندئذٍ مرفوعة، وإما أن نعربها مفعولاً به لفعل محذوف تقديره: أني مثلَ، فتكون عندئذ منصوبة.
30. ... فَهُم أبو بكرٍ وَبَعْدَهُ عُمَرْ ... وَبَعْدَهُ عُثمانُ ذُو الوجهِ الأغَرْ
31. ... ثُمَّ عَليٌّ ثُمَّ باقي العَشَرهْ ... وَهْيَ التي بِجنَّةٍ مُبَشَّرهْ
32. ... وَمَا جَرَى مِنَ الحُروبِ بَيْنَهُمْ ... فَهْوَ اجتِهادٌ فيهِ شَادوا دينَهُمْ
33. ... هذا هُوَ الحقُّ المُبِينُ الواضِحُ ... وَباِلَّذي فيهِ الإنَاءُ ناضِحُ
34. ... وَمَا سِوى الإسلامِ في الأَدْيانِ ... فَإِنَّهُ وَسَاوِسُ الشَّيْطان
فصل في إقام الصَّلاة
35. ... إنَّ الصَّلاةَ أيُّها الإِنسانُ ... لَها شُروطٌ وَلهَا أَرْكانُ
36. ... فَمِنْ شُروطِها طَهارةُ البَدَنْ ... مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ وَهْيَ غُسْلُ مَنْ
37. ... أَوْلَجَ في إِحْدَى سَبِيلَيْ مِثْلِهِ ... أَو مُنْزِلٍ بِشَهْوَةٍ مِنْ أَصْلِه
38. ... كَذا بِحَيْضٍ وَنِفاسٍ انْقَطَعْ ... وَفَرْضُهُ تَعْمِيمُهُ لِلجِسمِ مَعْ
39. ... غَسْلِ فَمٍ وَالأَنْفِ بِالماءِ الطَّهُورِ ... كَرَاكِدِ الغَدِيرِ أو ماءِ النُّهُور
40. ... وَسُنَّ في أَوَّلِهِ الوُضُوءُ مَعْ ... نِيَّتِهِ دَلْكٌ وَتَثْليثٌ جَمَعْ
41. ... وَشَرْطُهَا مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ قُلْ ... تَطْهِيرُهُ وَهْوَ الوُضوءُ يا رَجُلْ
42. ... وَفَرْضُهُ أن تَغْسِلَ الوَجْهَ كَذَا ... يَدَاكَ حَدَّ المِرْفَقَيْنِ آخِذَا
43. ... وَمَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ فَرْضُ عَيْنِ ... كَغَسْلِ رِجْلَيْكَ مَعَ الكَعْبَين
44. ... وَسُنَّ فِيهِ نِيّةٌ والتَّسْمِيهْ ... غَسْلُ اليَدينِ أَوَّلاً لِلتَنْقِيهْ
45. ... ثُمَّ السِّواكُ وَالوِلَا غَسْلُ الفمِ ... وَالأنفِ وَالتَّرتيبُ فِيهِ فاعلم
46. ... تَيامُنٌ وَمَسْحُ كُلِّ الرَّأسِ مَعْ ... أُذْنَيْكَ والتَّثْلِيثَ والتَّخْليلَ ضَعْ
47. ... نَاقِضُهُ ما مِنْ سَبيلَيْكَ خَرَجْ ... وَالدَّمُ عَنْهُ الجُرْحُ كالقَيحِ انْفَرجْ
48. ... والقَيءُ مِلْءَ الفمِ والنَّومُ إذا ... أزَالَ مُسْكَةً وسُكْرٌ أَخَذَا
49. ... كذلِكَ الإغْماءُ وَالجُنُونُ مَعْ ... ضِحْكِ المُصَلِّي وَلَهُ الجارُ اسْتَمَعْ
50. ... وَشَرْطُهَا طَهارةُ المَكانِ ... والثّوبِ حتى بَدَنِ الإنسان
51. ... مِنْ نَجَسٍ غُلِّظَ فوقَ الدِّرْهَمِ ... وَفَوْقَ عَرْضِ الكَفِ في مِثلِ الدَّم
52. ... أَو خَفَّ قَدْرَ رُبْعِ أَدْنى سَاتِرِ ... كَبَوْلِ مَأْكُولٍ وَخُرْءِ الطائر
53. ... وَشَرْطُها اسْتِقبالُ عيْنِ الكَعْبَةِ ... لِمَنْ يَرَى وَغَيْرِهِ لِلْجِهَة
54. ... شَرْطُها الوَقْتُ وَسَتْرُ العَوْرَهْ ... وَنِيَّةُ الصَّلاةِ وَالتَّكْبِيرهْ
55. ... وَرُكْنُها القِيامُ والقِراءةُ ... ثُمَّ الرُّكوعُ والسُّجودُ القَعْدَةُ
56. ... في آخرِ الصَّلاةِ والخروجُ ... بِصُنْعِهِ وَخُلْفُهُ يَروجُ
57. ... واجِبُها لَفْظُكَ بِالتَّكْبِيرهْ ... وَبَعْدَهُ فاتحَةٌ وَسُورَهْ
58. ... أَو آيةٌ طَالَتْ أوِ الثلاثُ لَوْ ... قَدْ قَصُرَتْ في رَكْعَتَي فَرْضٍ رَوَوْا
59. ... والنَّفْلُ في الكُلِّ مَعَ التَّعْيينِ ... في الأُولَيَيْن والتَّشَهُّدَيْن
60. ... كَذَا الطُّمَأنينةُ والقُنُوتُ في ... وِتْرٍ وَلَفْظَةُ السَّلامِ فَاعرِف
61. ... وَزَائِدُ التَّكْبيرِ في العِيدَيْنِ ... وَالجَهْرُ وَالإسْرَارُ في الفَصْلَيْن
62. ... والقَعْدَةُ الأُولى وأَمَّا السُّنَّهْ ... فَرَفْعُهُ اليَدَيْنِ حَاذَى أُذْنَهْ
63. ... وَالجَهْرُ بِالتَّكْبيرِ لِلإمامِ قُلْ ... وَضْعُ اليدينِ تَحتَ سُرَّةِ الرَّجُلْ
64. ... والوَضْعُ فوقَ الصَّدَرِ لِلنِّساءِ ... وَبَعْدَ ذا قِراءةُ الثَّنَاء
65. ... سِرَّاً كذا تَعَوَّذٌ والتّسْمِيَهْ ... وَمِثْلُهُ التَّأمِينُ ثُمَّ التَّصْلِيَهْ
66. ... عَلَى النَّبيِّ في القُعودِ الآخِرِ ... ثُمَّ قراءةُ الدُّعاءِ الفَاخِر
67. ... وَرَفْعُكَ الرَّأْسَ مِنَ الرُّكُوعِ ... كالرَّفْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ رُوعِيْ
68. ... وهذِهِ الجلْسَةُ والتَّكْبِيرُ في ... كُلِّ انْتِقَالٍ والخُشُوعُ فَاقْتَف
69. ... وَيُكْرَهُ السَّدْلُ وَعَقْصُ الشَّعْرِ مَعْ ... كَوْنِ الإمامِ في مَكانٍ ارْتَفَعْ
70. ... مُنْفَرِداً وَعَكْسُهُ وَالإقْعَا ... وَدَفْعُهُ لِلأَخْبَثَيْنِ دَفْعَا
71. ... والالتِفَاتُ مَعْ صَلاتِهِ إلى ... وَجْهِ امْرِئٍ وَغَمْضُ عَيْنَيهِ تَلا
72. ... وَيُفْسِدُ الكلامُ مُطْلَقاً إذا ... مِثْلَ كَلامِ النَّاسِ كانَ وَكَذا
73. ... أَكلٌ وَشُربٌ وَتَنَحْنُحٌ بِلا ... ضَرُورَةٍ وَكُلُّ صَوْتٍ حَصَلا
74. ... حَرْفَانِ مِنْهُ وَكَذا الجَوابُ ... يُقْصَدُ بالقُرآنِ وَالخِطابُ
75. ... وَالعَمَلُ الكَثِيرُ والتَّحْوِيلُ في ... صَدْرٍ عَنِ القِبْلَةِ والعُذْرُ نُفِيْ
فصل في إيتاء الزكاة
76. ... شَرْطُ الزَّكَاةِ العَقْلُ والإسلامُ ... حُرِّيَّةٌ تَمْليكٌ احْتِلامُ
77. ... مِلْكُ تَمامٍ وَنِصَابٍ نَامٍ ... يَفْضُلُ عَنْ مَطالِبِ الأنام
78. ... والحَاجَةِ اللازِمَةِ الأصليّهْ ... وَحَوَلانُ الحَوْلِ ثُمَّ النِّيَّهْ
79. ... عشرونَ مِثْقالاً نِصابٌ مِنْ ذَهَبْ ... وَمائَتَا دِرْهَمِ فِضَّةٍ حَسَبْ
80. ... أو قِيمَةُ العَرْضِ أَوْ الحُلِيِّ أو ... مَغْلُوبِ غِشٍّ أَو مُسَاوٍ قَد رَوَوْا
81. ... مِقْدارُ رُبْعِ العُشْرِ يُعْطَى الفُقَرا ... وَغَارمٌ وابنُ السَّبيلِ في الوَرَى
82. ... وَكُلُّ ذِي قَرَابَةٍ غَيْرَ الأبِ ... وإنْ عَلَا كالأُمِّ فافْهَمْ أَرَبي
83. ... وغَيْرَ ابنِهِ وإنْ قَدْ سَفَلا ... وزَوْجَةٍ وَزَوْجِها بَيْنَ المَلا
84. ... وإبلٌ وغنمٌ وبَقَرُ ... تَرْعَى مُباحًا سَومُها مُعْتَبَرُ
85. ... في أكثرِ العامِ لِنفعٍ أو سِمَنْ ... فيَأْخُذُ الزَّكاةَ منها كُلُّ مَنْ
86. ... أَرْسَلَهُ السُّلطانُ والفقيرُ لا ... تُعْطى لهُ قَصداً كما قَدْ نُقِلا
87. ... وكلُّ خمسةٍ مِنَ الجِمالِ ... فيهِنَّ شاةٌ فَاستمِعْ مَقَالي
88. ... والخَمْسُ والعِشرونَ قُلْ بنتُ مخاضْ ... فيها وسِتٌّ معْ ثلاثينَ افْترَاضْ
89. ... بنتُ لَبُونٍ حِقةٌ لِمُقْتَفِي ... سِتٍّ (¬1) وأربَعينَ والجَذْعَةُ في
90. ... إحدى وَسِتِّينَ كَذَا بِنْتَا لَبُونْ ... في سِتَّةٍ وَبَعْدَهُنَّ سَبْعُون
91. ... إحدى وَتِسْعونَ بِحِقَّتَيْن ... لِمَائةٍ يا صَاحِ مَعْ عِشْرين
92. ... ثُمَّ بِكُلِّ خَمْسَةٍ شَاةٌ وَكُلْ ... خَمْسٍ وَأَرْبَعينَ والمَائةِ قُلْ
93. ... بِنْتُ مَخَاضٍ ثُمَّ حِقَّتانِ ... والمِئةُ الخَمْسُونَ فِيْها دَانِي
94. ... ثَلاثَةٌ مِنَ الحِقَاقِ ثُمَّ قُلْ ... شَاةٌ بِكلِّ خَمْسَةٍ وَلَا تَحِلْ
95. ... وَالخَمْسُ وَالعِشْرُونَ فِيْها مِثلُ مَا ... قُلْنَا كَسِتٍ وَثَلاثِينَ كَما
96. ... فِي مَائةٍ سِتٍّ وَتِسْعينَ اسْتَمِعْ ... أرْبَعَةٌ مِنَ الحِقَاقِ تَجْتَمِعْ
97. ... لِمَائَتَيْنِ ثُمَّ صَارتْ أَبَدا ... كَمَائةٍ مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ بَدَا
98. ... وَأَرْبَعونَ قُلْ نِصَابُ الغَنَمِ ... فِيهِنَّ شَاةٌ بِنْتُ حَوْلٍ فَاعْلَم
99. ... وَمَائةٌ إحْدَى وَعِشْرُونَ بِهَا ... شَاتانِ يَا صَاحِ فَكُنْ مُنْتَبِهَا
100. ... وَالمَائتَانِ مِنْهُ ثُمَّ وَاحِدَهْ ... ثَلاثَةٌ مِنَ الشِّيَاهِ المَاجِدَهْ
101. ... وَأَرْبَعٌ في أَرْبَعٍ مَنَ المِئاتْ ... ثُمَّ لِكُلِّ مَائةٍ تَزِيدُ شَاةْ
102. ... وَفِي الثَّلاثِينَ نِصَابُ البَقَرِ ... تَبِيعُ أَو تَبِيعَةٌ فَقَرِّر
¬
(¬1) تنبيه: اذا اعتبرنا الياء في مقتفي حرف إشباع، فتلفظ ستاً: على اعتبار أنها مفعول به لاسم الفاعل مقتفي، أما إذا لم نعتبرها ياء إشباع؛ فتكون ستٍ، مجرورة باعتبارها مضافا إليه، والأولى أن لا تكون الياء للإشباع؛ لأن الأصل عدمه.
103. ... وَأَرْبَعِينَ قُلْ مُسِنٌّ ومَتَى ... زَادَ فَكُنْ فِيهِ الحِسَابَ مُثْبِتَا
104. ... وَالحَمْلُ الفَصِيلُ وَالعِجْلُ مَعَا ... لا شيْءَ في ذَلِكَ إلاَّ تَبَعَا
105. ... وَلَيْسَ فِي مَعْلُوفَةٍ وَعَامِلَه ... شيءٌ وَلَا فِي العَفْوِ فَاحْفَظْ حَاصِلَهْ
فصلٌ في الصَّوم
106. ... نِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ في الأَدَا ... لِكُلِّ يومٍ مِنْ غُرُوبٍ قَدْ بَدَا
107. ... إِلَى قُبَيْلِ الضَّحْوَةِ الكُبْرَى فَقَطْ ... كَالنَّفْلِ وَالنَّذْرِ المُعَيَّنِ انْضَبَطْ
108. ... وَمُطْلَقُ النِّيَّةِ يُجْزِي فِيْهِ ... وَنِيَّةُ النَّفْلِ بِلا تَمْوِيْه
109. ... وَبِالخَطَأِ إِلّا مِنَ المَرِيضِ أَوْ ... مِنَ المُسَافِرِ فعمَّا قَدْ نَوَوْا
110. ... وَفِي قَضَاءِ الشَّهْرِ وَالْكَفَّارَهْ ... وَمُطْلَقِ النَّذْرِ خُذِ العِبَارَهْ
111. ... يُشْتَرَطُ التَّعْيينُ والتَّبْييتُ ... وَخَبَرُ العَدْلِ بِهِ ثُبُوتُ
112. ... هِلَالِ صَوْمٍ مَعَ عِلَّةٍ وَلَوْ ... قِنَّاً وَلَوْ أُنْثَى يَكُونُ قَدْ رَوَوْا
113. ... وَالفِطْرُ بِالعَّلةِ فِيْهِ يُشْتَرَطْ ... عَدْلَانِ مَعْ لَفْظِ شَهَادَةٍ فَقَطْ
114. ... وَفِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ تُرَى ... لَا بُدَّ مِن جَمْعٍ عَظيمٍ فِي الوَرَى
115. ... مُفَوَّضٍ لِرَأيِ حَاكِمٍ يَعِيْ ... وَلا اعْتِبَارَ لِاخْتِلافِ المَطْلَع
116. ... وَالأكْلُ نَاسِياً بِهِ لَا يُفْطِرُ ... وَالشُّرْبُ وَالجِمَاعُ أيْضاً قَرَّرُوا
117. ... كَذَا اكْتِحَالٌ وَادِّهَانٌ وَاحْتِجَامْ ... إِنْزَالُهُ بِنَظَرٍ أوِ احْتِلاَمْ
118. ... أَوْ دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ الغُبَارِ ... أوِ الذُّبَابِ أو دُخَانِ النَّار
119. ... ومُفْطِرَاً صَارَ لَهُ إنْ أدْخَلَا ... كَمَنْ بِتَقْبِيلٍ وَلَمْسٍ أنْزَلَا
120. ... وَالأَكْلُ عَمْدَاً إِذْ بِنِسْيَانٍ سَقَطْ ... إِنْ ظَنَّ فِطْرَهُ بِهِ يَقْضِي فَقَطْ
121. ... مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَأَمَّا المُحْتَجِمْ ... تَكْفِيرُهُ إنْ ظَنَّ فِطْراً قَدْ لَزِمْ
122. ... كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ دواءً وَغِذَا ... عَمْدَاً وَمِثْلُهُ الجِمَاعُ وَكَذَا
123. ... إِن اسْتَقَاءَ عَامِداً مِلْءَ الفَمِ ... لا إِن بِسَبْقٍ كَانَ ذَاكَ فَاعْلَم
124. ... وَالصَّوْمُ فِي العِيدَيْنِ مَكْرُوهٌ وَفِيْ ... أَيَّامِ تشْرِيقٍ كَذَا يَا مُقْتَفِيْ
125. ... وَلَيْسَ يَقْضِي مَن رَأَى جُنُونَهُ ... مُسْتَوْعِباً لِلشَّهْرِ لَا مَا دُونَهُ
126. ... أَمَّا بِإغْمَاءٍ فَيَقْضِيْ مُطْلَقَا ... لَا يَوْمَهُ أَو لَيْلَةٍ فِيها التَقَى
فصلٌ في حجِّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلا
127. ... يُفْتَرَضُ الحَجُّ عَلَى المُكَلَّفِ ... المُسْلِمِ الحُرِّ الصَّحِيحِ فَاعْرِف
128. ... ذِي بَصَرٍ وَالزَّادِ ثُمَّ الرَّاحِلَهْ ... قَدْ فَضَلا عَنْ كُلِّ مَا لا بُدَّ لَهْ
129. ... وَالأَمْنُ فِي الطَّريقِ غَالِباً وَفِي ... حَقِّ النِّسَا مَعْ مَحْرَمٍ مُكَلَّف
130. ... وَفَرْضُهُ الإحْرَامُ وَالوُقُوفُ ... بِعَرَفاتٍ بَعْدَهُ يَطُوفُ
131. ... وَالوَاجِبُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَهْ ... وَللغُرُوبِ مُدَّهُ بِعَرَفَهْ
132. ... وَالسَّعْيُ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ الصَّفَا ... وَالمَشْيُ فيهِ مَع عُذْرٍ انْتَفَى
133. ... رَمْيُ الجِمَارِ وَالطَّوَافُ للصَّدَرْ ... فِي الغُرَبَا وَالابْتِدَا مِنَ الحَجَرْ
134. ... تَيَامُنٌ فِيهِ مَعَ المَشْيِ بِلَا ... عُذْرٍ وَطُهْرٌ سَتْرُ عَوْرَةٍ تَلَا
135. ... إنْشَاءُ إِحْرَامٍ مِنَ المِيقَاتِ ... كَذَاكَ لِلقَارِنِ ذَبْحُ الشَّاة
136. ... وَذِي تَمَتُّعٍ وَرَكْعَتَانِ قُلْ ... لِكُلِّ أُسْبُوعٍ يَطُوفُهُ الرَّجُلْ
137. ... حَلْقٌ أَو التَّقْصِيرُ وَالتَّرتِيبُ في ... رَمْيٍ وَحَلْقٍ ثُمَّ ذَبْحٍ فَاعْرِف
138. ... جَعْلِ طَوَافِ الفَرْضِ يَوْمَ النَّحْرِ ... وَمَا سِوَاها سُنَنٌ فاسْتَقْر
139. ... وَأَشْهُرُ الحَجِّ بِشَوَّالٍ تَحِلْ ... وَقَعْدَةٍ وَعَشْرِ ذِي الحِجَّةِ قُلْ
140. ... وَالأفْضَلُ القِرَانُ فَالتَّمَتُّعُ ... وَبَعْدَهُ الإِفْرَادُ وَهْوَ أَسْرَعُ
141. ... وَالعُمْرَةُ الطَّوَافُ والسَّعْيُ انْضَبَطْ ... وَلا تَكُونُ غَيْرُ سُنَّةٍ فَقَطْ
142. ... يَلَمْلَمُ مِيْقَاتُ أَهْلِ اليَمَنِ ... كَذَاكَ ذُو حُلَيفَةٍ لِلمَدَنِي
143. ... وَلِلعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ سَامِي ... قَرْنٌ لِنَجْدٍ جُحْفَةٌ للشَّامِي
144. ... وَيَلْزَمُ المُحْرِمَ شَاةٌ إِنْ لَبِسْ ... يَوْماً وَإِنْ طَيَّبَ عُضْواً فَاحْتَرِسْ
145. ... كَحَلْقِ رُبْعِ رَأْسِهِ وَإِنْ قَتَلْ ... صَيْداً وَإنْ أَشَارَ أَو عَلَيْهِ دَلْ
146. ... قِيمَتُهُ كَقَطْعِ أَشْجَارِ الحَرَمْ ... مُبَاحَةً إلا إذا جَفَّ وَتَمْ
147. ... وَالحَمْدُ للهِ عَلَى الهِدَايهْ ... أَقُولُ في المَبْدَأِ وَالنِّهَايهْ
148. ... وَإنَّنِي عَبْدُ الغَنِي النَّابُلْسِي ... أَصْلَحَ لِي رَبِي أخِيرَ النَّفَس
149. ... بِحُرْمَةِ المَبْعُوثِ من عَدْنَانِ ... مُحَمدٍ مَنْ جاَء بالفُرقَان
150. ... صَلاةُ رَبِّنَا عَلَيْه وَعَلَى ... جَميعِ آلِهِ الكِرَامِ النُّبَلَا
151. ... وَصَحْبِهِ مِنْ كُلِّ شَهْمٍ مُتَّقِي ... مَا غَسَلَ الصُّبْحُ ثِيَابَ الغَسَق
بسم الله الرحمن الرحيم
1. ... الحَمْدُ للهِ عَلَى ما وَفَّقا ... ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُطْلَقا
(الحمد) أي الشُّكر، (لله) سبحانه وتعالى، (على ما وفقا) التَّوفيق: هو خلق الاستطاعة للطَّاعة في العبد، (ثم الصَّلاة): أي الرَّحمة من الله تعالى، (والسَّلام): أي الأمان من كل نقصان، (مطلقا) حال من الصَّلاة والسَّلام، أي من غير قيد بزمان دون زمان، ولا مكان دون مكان، و لا الدُّنيا و لا الآخرة، بل في جميع ذلك إلى الأبد.
2. ... عَلى النَّبيِّ المُصْطَفى التِّهامي ... وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرام
(على النَّبي) مشتق من النَّبأ. وهو الخبر؛ لأنَّه أخبر عن الله تعالى، (المصطفى) من الصَّفوة، وهي خيار الشَّيء أي المختار، (التِّهامي) نسبة إلى تهامة بالكسر مكة شرفها الله تعالى، (وآله): أي كل من آل بمعنى رجع إليه صلى الله عليه وسلم بنسب، وهم: أولاد علي وعقيل والعباس وجعفر والحارث، (وصَحبه) اسم جمع، والواحد صحابي منسوب إلى صحابة، (الكرام) جمع كريم نعت للآل والصحب، وهو من الكرم بمعنى الصَّفح أو الجود ضد اللؤم.
3. ... وَبَعْدُ فالإسْلامُ لمَّا بُنِيا ... على الشَّهادَتَيْنِ فيما رُوِيا
(وبعد) أصلها: أما بعد، (فالإسلام) وهو الخضوع والانقياد بمعنى قَبول الاحكام الشَّرعية والإذعان لها، وذلك حقيقة التَّصديق، (لما بُنيا) بالبناء للمفعول، وألف الإطلاق من بناه يبنيه استعارة تصريحية، يقال: بنيت الجدار في الأمر المحسوس، (على) الإتيان بلفظ، (الشَّهادتين) تثنية شهادة من الشُّهود،
والشَّهادتان هما قولك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، (فيما): أي في الحديث الذي، (رويا) بالبناء للمفعول، وألف الإطلاق، أي رواه الرَّاوي من الرِّواية، وهي النَّقل عن الغير.
4. ... ثُمَّ عَلَى الصَّلاةِ والزَّكاةِ ... والصَّومِ وَالحَجِّ مِنَ الميقات
(ثم) بُني الإسلام أيضاً، (على) فعل، (الصَّلاة) المفروضة، (و) إيتاء، (الزَّكاة) في المال، (و) فعل، (الصَّوم): أي صوم شهر رمضان، (و) فعل، (الحج): أي حجة الإسلام المفروضة على المكلّف حيث يجب الإحرام له، (من الميقات) وهو موضع الإحرام.
والمراد بهذا ما ورد من الحديث الصَّحيح الذي أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، والحج، وصوم رمضان»، فهذه المنظومة شرح لهذا الحديث؛ لأنَّ فيها بيان هذه الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها.
5. ... أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ في ذِي الخَمْسَهْ ... شَيْئاً بِهِ يُصْلِحُ مِثْلِي نَفْسَهْ
(أردت) جواب لما: أي قصدت من تلقاء نفسي بلا أمر أحد لي بذلك، (أن أجمع) من كتب فقه الأئمة الحنفية، (في) بيان، (ذي) أي هذه الأركان أركان الإسلام، (الخمسة): أي الخمسة المذكورة التي هي: 1 - الشَّهادتان. 2 - وإقام الصَّلاة. 3 - وإيتاء الزَّكاة. 4 - وصوم شهر رمضان. 5 - والحج، (شيئاً) مفعول أجمع، وتنكيره للتَّعظيم، أي: قصدت تصنيفاً وتأليفاً لطيفاً محتوياً على فوائد جمة، ومسائل مهمّة، متعلِّقة بالأركان المذكورة، (به) أي بذلك الشَّي، (يصلح) من أصلح ضد أفسد، (مثلي) من عباد الله تعالى المكلفين بطاعته في الظَّاهر والباطن، (نفسه): أي ذاته الجامعة لجميع صفاته وأفعاله ظاهراً وباطناً.
6. ... مَنْظُومَةً في غَايةِ اخْتِصارِ ... يَسْهُلُ حِفْظُهَا عَلى الصِّغار
(منظومة) بالنَّصب بدل من شيئاً، (في غاية): أي نهاية ما يكون، والجار مع المجرور صفة لمنظومة، (اختصار) والاختصار: هو قلة المبنى وكثرة المعنى بحيث أن أبيات هذه المنظومة الجامعة لمسائل أركان الإسلام الخمسة بلغت مائة وخمسين بيتاً، (يسهل): أي يصير سهلاً، والسَّهل ضد الصَّعب، (حفظها): أي عدم نسيان أبياتها أو إتقان مبانيها، ومعرفة أحكام معانيها، (على الصِّغار) من النَّاس في السن أو الفنّ، وهم المتعلمون المبتدؤون.
7. ... سَمَّيْتُها كِفَايةَ الغُلامِ ... في جُمْلَةِ الأَرْكانِ للإسْلام
(سميتها): أي هذه المنظومة، (كفاية): أي مقدار ما يكفي من معرفة الدين المحمدي اعتقاداً وعملاً، (الغلام) وهو الذَّكر الذي دون البلوغ، ويلتحق به من لم يبلغ سن التَّمييز في معرفة الدِّين، وإن كان شيخاً كبيرا يناهز التسعين، (في) بيان، (جملة الأركان) الخمسة المذكورة، (للإسلام) وهو ملّة محمد صلى الله عليه وسلم.
8. ... وَأَسْألُ اللهَ الكَريمَ المَغْفِرهْ ... وَأَن يَكونَ مُنْقِذِي في الآخِرَهْ
(وأسأل الله): أي أطلب منه سبحانه، (الكريم): أي الموصوف بالكرم، وهو الجود والعطاء، (المغفرة): وهي التَّجاوز عن الذنوب والمسامحة عنها، (وأن يكون): أي وأسأله تعالى كونه أي اتصافه بأنَّه، (منقذي) وهو النَّجاة والسَّلامة، (في) دار (الآخرة) وهي يوم القيامة.
9. ... مَعْرِفَةُ اللهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضْ ... بِأَنَّهُ لا جَوْهَرٌ ولا عَرَضْ
(معرفة الله) تعالى، وهي الجزم بوجوده سبحانه منزهاً عن مشابهة كلّ شي جزماً، والدَّوام على ذلك إلى الموت، (عليك) يا أيها العاقل البالغ، (تُفترض) بالبناء للمفعول أي يفترضها الله تعالى في الحال يعني يجعلها فرض عين؛ لأنَّ عبادته تعالى فرض عليك، ولا تتأتى العبادة إلا بعد معرفة المعبود والإذعان له،
وما لا يُمكن التَّوصُّل إلى الفرض، إلا به، فهو فرض، فمعرفة المعبود فرض، (بأنه) سبحانه وتعالى. والجار مع المجرور متعلق بالمعرفة؛ لأنَّها مصدر، (لا جوهر) والجوهر عند أهل السنة والجماعة هو الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يقبل الانقسام أصلاً لبساطته، وهو الذي يتركب منه الجسم، فكل جسم مركب منه، وعلى كل حال، فالله تعالى منزه عن أن يكون شيئاً من ذلك؛ لأنَّه يستحيل أن يكون جسماً؛ لأنَّ الجسم مركب، وكلُّ مركب حادث لحدوث تركبه بعد البساطة الأصلية.
وإذا استحال عليه تعالى أن يكون جسماً، استحال عليه أن يكون جزء الجسم جوهراً فرداً، وهو واحدٌ سبحانه كما سنذكره في دليل الوحدانية أو لافتقاره إلى التَّركيب، وتحيّزه، وتحديده، وهي أعراضٌ حادثة، والحادث يفتقر إليه القديم، ويستحيل عليه تعالى أيضاً.
(ولا عَرَض) وهو ما لا يقوم بذاته، بل بغيره بأن يكون تابعاً لغيره في التَّحيّز، فمعنى وجود العرض في غيره، هو أن وجودَه في نفسه هو وجوده في غيره أي في محلّه الذي يقومه، والعرض لا يقوم بنفسه، بل لا بُدّ له من جوهر يقوم به، فكيف يقوم به غير، وإذا امتنع بقاؤه وجب حدوثه، واللهُ تعالى قديم، فيستحيل عليه أن يكون حادثاً، فليس هو عرضاً سبحانه وتعالى.
10. ... وَلَيْسَ يَحْويهِ مَكانٌ لا وَلا ... تُدْرِكُهُ العُقُولُ جَلَّ وَعَلا
(وليس يحويه) تعالى أي يجمعه ويحيط به، (مكان) وهو ما يستقرّ عليه الشَّيء، والحيز: هو الفراغ الذي يشغله الشَّيء ويملؤه، وكلاهما يستحيل على الله تعالى؛ لأنَّ افتقار إلى الغير، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، (لا) تأكيد لنفي ليس: أي لا يحويه مكان.
(ولا تدركه) سبحانه وتعالى: أي تعلمه علما تاماً من جميع الوجوه، (العقول) البشرية وغيرها من العقول الملكية والجنية، وما لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى كما قال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون} [النحل:8]، فإن العقول كلها مخلوقة؛ للإجماع على أن ما عدا الله تعالى مخلوق، والمخلوقُ لا يعلم الخالق إلا علماً حادثاً، والحادثُ لا يُشابه القديم.
والعقول جمع عقل، وهو جوهر روحانيّ منبث في الدِّماغ أو في القلب تدرك به الحاضرات بواسطة الحواس، والغائبات بواسطة الفكر، (جل): أي الله تعالى يعني عظم، (وعلا): أي ارتفع عن مثال العقول، وفي ذكر الإدراك إشارة إلى أنَّ العقول تعلمه سبحانه من وجه كونه موجوداً حقّاً متصفاً بصفات الكمال، منزهاً عن صفات النُّقصان، ولا تعلمه من كلِّ وجهٍ، فتعرفه معرفة تصديق بوجوده، وذلك مقدار ما كلفها به.
11. ... لا ذاتُهُ تُشْبِهُها الذَّواتُ ... ولا حَكَتْ صِفاتِهِ الصَّفاتُ
(لا ذاته) سبحانه وتعالى القديمة الأزلية، (تشبهها) ولو بوجه من الوجوه، (الذَّوات) الحادثة كلها ما كان منها، وما لم يكن، (ولا حكت): أي ماثلت وشابهت، (صفاته) أسماءه الأزلية القديمة، (الصفات) والأسماء كلها.
12. ... وما لهُ في مُلْكِهِ وَزيرُ ... ولا لَهُ مِثْلٌ وَلا نَظيرُ
(وما له) سبحانه وتعالى (في) جميع (ملكه): أي ما يملكه من جميع مخلوقاته المحسوسة والمعقولة، (وزير): أي مدبّر ومعين، (ولا له) سبحانه وتعالى، (مِثل) وهو الشَّبيه، (ولا) له تعالى (نظير) وهو المثل الذي إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء، كذا في المجمل.
13. ... فَرْدٌ لَهُ مِنْهُ تَتِمُّ المَعْرِفهْ ... وَوَاحدٌ ذاتاً وَفِعْلاً وَصِفَهْ
(فرد) خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو فرد، والفرد: هو الذي لا شبه له، أي لا يشابهه شيء أصلاً (له) سبحانه تعالى (منه): أي من جهته تعالى لا غيره، (تتم): أي تكمل (المعرفة): أي لا يعرفه سبحانه المعرفة التامة غيره تعالى؛ لأنّه قديم، ومعرفته بنفسه قديمة، فهي تامّة، وغيره حادث ومعرفته به حادثة، والمعرفة الحادثة ناقصة، فلا تليق بالقديم.
(وواحد): أي هو واحد جل وعلا، والمراد: اتصافه بالوحدانية، (ذاتاً): أي في ذاته سبحانه، وهو انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام والتبعيض والتجزؤ وإلا لكان مركباً في ذاته، وكلُّ مركب حادث كما مَرّ، (وفعلاً): أي في أفعاله تعالى، وهو انفراده تعالى باختراع الكائنات عموماً، وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات.
(وصفة): أي في صفاته سبحانه، فلا تعدد لصفة من صفاته تعالى، بل كل صفة من صفاته واحدة، ولا يتصف غيره بصفة تشبه صفة من صفاته تعالى، ودليل الوحدانية أنه لو فرض وجود إلهين اثنين، فلا بد أن يتصف كل منهما بصفات الكمال ويتنزه عن صفات النُّقصان، وإلا لما كانا إلهين اثنين، وبعد ذلك فإما أن يقدر أحدهما على مخالفة الآخر بإعدام ما يوجده الآخر أو لا يقدر؛ فإن قدر لزم عجزهما؛ لأنَّه لا يمكن كلا منهما رفع إعدام الآخر لما يوجده، وإن لم يقدر لزم عجزهما أيضاً؛ لعدم القدرة من كل منهما على إنفاذ مراده.
14. ... وَهْوَ القَدِيمُ وَحْدَهُ والباقِي ... في القَيدِ نحنُ وَهْوَ في الإطلاق
(وهو) سبحانه وتعالى، (القديم) لا غيره، وهذه صفة سلبية، والقدم انتفاء العدم السابق على الوجود، وهو من خواص الألوهية الحقة، ودليله: أنه تعالى لو لم يكن قديماً لكان حادثاً، ولو كان حادثاً لاحتاج إلى محدث، فيلزم الدور أو التَّسلسل، وهو محال، (وحده) تأكيد للحصر المفهوم من تعريف المبتدأ والخبر.
(و) هو أيضاً (الباقي) وحده سبحانه وتعالى، والبقاء: صفة سلبية أيضاً، وهو انتفاء العدم اللاحق للوجود، والمراد: البقاء بالذات المختص بالألوهية، ودليله: أن الله تعالى لو لم يكن باقياً لكان يفنى وينعدم، وكل قابل للفناء والانعدام حادث، والله تعالى قديم، وليس بحادث، فهو باق، وأما البقاء بالغير كبقاء أهل الجنة والنار، فليس هو من صفات الله تعالى لتنزه الله تعالى عنه؛ لأنَّه افتقار إلى الغير، وهو محال على الله تعالى.
(في القيد): أي الحدّ المحدود كالصورةِ المحسوسةِ الظّاهرة والهيئة المعنويّة الباطنة، والمدّة المخصوصة، والمكان المخصوص، و إن تغيَّرت علينا هذه القيود كلها في كلِّ وقت، فإنّا لا نخرج عن قيد ما منها أصلاً، (نحن) معشر المخلوقات كلنا ما كان منا، وما لم يكن، وتقديم الخبر يفيد الحصر، أي لا غيرنا في قيد أصلاً، وذلك هو الخالق سبحانه وتعالى، (وهو) عزّ وجلّ (في) حضرة (الإطلاق) من غير قيد أي حد مطلقا في ذاته أو صفاته أو أفعاله فلا صورة له تعالى حسيّة، ولا معنوية، ولا مدّة، ولا مكان لذاته، ولا لصفة من صفاته، ولا لفعل من أفعاله.
15. ... حَيٌّ عَليمٌ قادِرٌ مُرِيدُ ... في خَلْقِهِ يَفْعَلُ ما يُريدُ
(حيّ): أي هو حي سبحانه وتعالى، يعني موصوفاً بالحياة، وهي صفة تصحح له الاتصاف بباقي الصِّفات، (عليم): أي موصوف بالعلم، وهو صفة ينكشف بها كل ما يقبل الانكشاف من غير احتمال النَّقيض. (قادر): أي له قدرة يرجح بها أحد طرفي الممكن بوجود أو عدم.
(مريد): أي له إرادة يخصص به الممكنات ببعض ما يجوز عليها من الأحوال. (في خلقه) سبحانه وتعالى أي في مخلوقاته، (يفعل ما) أي شيء أو الذي، (يريد): أي يريده من خير، أو شر، أو نفع، أو ضرّ، كما قال تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد} البروج:16.
16. ... وَهْوَ السَّميعُ والبَصيرُ لم يَزَلْ ... بِغَيرِ جَارِحةٍ مِنَ الأَزلْ
(وهو) سبحانه وتعالى (السَّميع): أي المختص بالاتصاف بالسَّمع القديم القائم بذاته تعالى الذي ليس بأذن، ولا صماخ، ولا بسبب وصول الهواء المتكيف بكيفية الصَّوت كما في سمعنا الحادث، (والبصير): أي المختص بالاتصاف بالبصر القديم القائم بذاته تعالى الذي ليس بحدقة، ولا إجفان، ولا بسبب مقابلة على الاعتدال في وجود النُّور كما في بصرنا الحادث.
(لم يزَل) يعني هو سبحانه وتعالى باق على سمعه لم يَبِنْ عنه ذلك، ولا تباعد ولا تفرق، بل هو على ما عليه كان، (بغير) متعلق بالفعل المذكور (ما) حرف زائد بين المضاف و المضاف إليه، وهو (جارحة) والجارحة العضو الذي به السَّمع، وبه البصر. وذلك هو العين ذات الحدقة والأجفان، والأذن ذات الصّماخ، (من الأَزَل) متعلق بالفعل أيضاً، وهو القديم.
17. ... لَهُ كَلامٌ ليسَ كالمَعروفِ ... جَلَّ عَنِ الأصواتِ والحروف
(له) سبحانه وتعالى لا لغيره، إذ كلام غيره ليس مثل كلامه تعالى، (كلام) قديم أزلي، (ليس كالمعروف) عندنا من كلام المخلوقين، وهو صفة له تعالى قائمة بذاته، لا تعدد فيه، ولا تكثر، ولا ابتداء له، ولا انتهاء، وهو المتصف تارة بكونه أمراً، وتارة بكونه نهياً، وتارة بكونه خبراً، وتارة بكونه استفهاماً بحسب ما تعلق به.
وهذا الاتصاف ظهوره بصورة ذلك عند المخاطبين من غير أن يتغير في نفسه عما هو عليه في حضرة ذاته تعالى كما أنَّ القوة النَّاطقة في الإنسان لا تزول بالسُّكوت، ولا تتغير عما هي عليه باختلاف ما يصدر عنها من المعاني والكلمات، ولا تكثر بكثرة ذلك، وتقل بقلته، بل تظهر بكل معنى، وبكل كلمة هي عليه ظهورا لا تتغير به عما هي عليه في نفسها.
وهذا معنى قولهم: إنَّ الكلام الإلهي هو معنى قديم قائم بذات الله تعالى فافهم ما أرادوا بالمعنى المقابل للفظ؛ لأنَّه عرض، وإنَّما أرادوا أنَّ كلام الله تعالى ليس بذات أخرى غير ذات الله تعالى، وإنَّما هو صفة قائمة بذاته تعالى لا ينفك عن ذاته أصلا كالقوة الناطقة في ذات الإنسان لا تفارق ذات الإنسان أصلا. (جل): أي عظم وتنزه (عن الأصوات) جمع صوت، (والحروف) جمع حرف، لأنَّه ليس مثل كلام المخلوقين المشتمل على الحروف والأصوات، لأنها أعراض زائلة، وكلام الله تعالى قديم.
والحاصل: أنَّ الله تعالى متكلم بكلامه القديم النَّفساني مع ملائكته وأنبيائه، وخاصة أوليائه، فيخلق في نفوسهم معاني وكلمات على اختلاف لغاتهم، وقد ألهمهم بها ما أراده تعالى مما هو في علمه القديم، فتلقوا ذلك منه على حسب قوة تجردهم واستعدادهم له.
18. ... وَبِقَضاءِ اللهِ والتَّقْديرِ ... جَميعُ ما يَجرِي مِنَ الأُمور
(وبقضاء) الجار مع المجرور في محلّ رفع على أنه خبر مقدّم، (الله) سبحانه وتعالى، وهو حكمه الأزلي بما يعلمه من أحوال الممكنات، (والتقدير) معطوف على القضاء، وهو تحديد كل مخلوق بحده الذي يوجد عليه من حسن، وقبح، و نفع، و ضر، وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من ثواب وعقاب. (جميع) مبتدأ مؤخر (ما): أي الذي (يجري) على المخلوقات (من الأمور) الوجودية والعدمية كالحركة، والسكون، والموت، والحياة، ونحو ذلك.
19. ... وَكُلُّ ما يوجَدُ مِنْ فِعْلِ البَشَرْ ... فإنَّهُ بِخَلْقِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشرْ
(وكل ما): أي أمر أو الذي (يوجد من فعل البَشر)، وهم بنو آدم، سموا بذلك لظهورهم بخلاف الجن، أو لظهور بشرتهم، (فإنَّه) أي كل ما يوجد من ذلك حاصل وكائن (بخلقه) سبحانه وتعالى، أي تقديره وإيجاده (خير) بالجر،
بدل من فعل البشر بعض من كل (وشرّ) معطوف على خير، تقديره: خيره وشره، والمراد أفعالهم الاختيارية الصَّادرة منهم منسوبة إلى قوة حياتهم العرضية، وتأثير قدرهم المجازي، وتخصيص إرادتهم، واختيارهم الجزئي، فإن الله تعالى خالق جميع ذلك منسوباً إليهم كما أن خلق أعضائهم الجسمانية منسوبة إليهم، فهي أفعالهم كسبا، وأفعاله تعالى خلقاً وإيجاداً.
20. ... كَلَّفَ عَبْدَهُ وَما قَدْ جَارا ... وَهْوَ الَّذي يَجْعَلُهُ مُخْتَارا
(كلّف): أي الله تعالى (عبده) العاقل البالغ بما كلفه به من الاعتقاد الصَّحيح المطابق لما ورد في الكتاب والسُّنة على طريقة السَّلف الصَّالحين من الصَّحابة والتَّابعين والعلماء والعمل الصَّالح الخالي من البدعة على حسب الطَّاقة بمقتضى أحد المذاهب الأربعة.
(وما قد جارا) أي ما جار سبحانه وتعالى في تكليفه له بذلك؛ لأنَّ الجور في حق مخترع جميع المخلوقات من العدم لا يتصوَّر أصلاً، فإنَّه يتصرف في ملكه بما يريد، وإنَّما الظُّلم والجور هو التَّصرف في ملك الغير، ولا غير معه تعالى يملك شيئاً أصلاً إلا بإيجاده سبحانه وتعالى وتمليكه.
فالمالكون والمملوكون كلهم ملكه جل وعلا، يتصرف فيهم كيف يشاء، فإن كان تصرفه فيهم موافقا لمرادهم في الدُّنيا كان فضلاً أو استدراجاً، وفي الآخرة فضلاً فقط؛ وإن كان تصرفه فيهم غير موافق لمرادهم في الدُّنيا والآخرة، كان عدلاً وحكمة، والجور عليه تعالى محال.
(وهو) سبحانه وتعالى لاغيره (الذي يجعله): أي يجعل عبده المكلف (مختاراً) أي خلقه كذلك يختار الخير أو يختار الشر، فيثيبه على ما يخلقه له من فعل الخير، ويعاقبه على ما يخلقه له من فعل الشر، {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} [الأنبياء:23].
21. ... أَرْسَلَ رُسْلَهُ الكِرَامَ فِينَا ... مُبَشِّرينَ بَلْ وَمُنْذِرِينا
(أرسل) سبحانه وتعالى (رسله) وهو إنسان أوحي إليه بشرع، وأمره بتبليغه (الكرام) جمع كريم (فينا) معشر بني آدم، أو المكلّفين ليدخل الجن (مبشرين) حال من رسله، أي فاعلين البشارة، (بل) حرف إضراب عن الاقتصار على الأول، أي ليسوا مبشرين فقط، ولهذا جاءت الواو العاطفة بعده المقتضية للجمع، (ومنذرينا) جمع منذر بصيغة اسم الفاعل من الإنذار والإبلاغ، والمراد بيان حكمة إرسال الله تعالى الرُّسل من الأنبياء عليهم السَّلام إلى عباده المكلّفين فضلاً منه تعالى، ورحمة من غير وجوب، وتلك الحكمة هي بشارة المطيعين له تعالى من عباده برضوانه تعالى، والجنَّة، والنَّعيم المقيم، وتخويف الكافرين، والعاصين بغضبه سبحانه وتعالى، والنَّار والعذاب الأليم كما قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} الكهف:56.
22. ... أَيَّدَهُم بِالصِّدْقِ وَالأَمَانهْ ... وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيانهْ
(أيدهم): أي الله تعالى الذي أرسلهم (بالصِّدق) وهو مطابقة الكلام للواقع، فكلهم صادقون عليهم الصَّلاة والسَّلام في جميع ما بلغوه عن الله تعالى، (والأمانه) ضد الخيانة، ومعنى الأمانة: أن يكون موثوقاً به في جميع أحواله ظاهراً وباطناً بحيث لا يغدر، ولا يخون في قليل، ولا كثير، ولا جليل، ولا حقير.
وجميع الأنبياء كذلك عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّ الله تعالى اختارهم من
بين سائر بني آدم، وآمنهم على أسرار وحيه، وهو سبحانه عالم بالسِّر وأخفى، فلو وقعت منهم خيانة في أمر من الأمور لعلم بها الله تعالى قبل كونها، فلم يؤمنهم على سر وحيه أو لانقلبت الخيانة أمانة، وذلك محال.
(والحفظ): أي الحراسة من شرور أعدائهم أن يظفروا بهم. قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} غافر:51 الآية، وقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِين.
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُون. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون} الصافات:171 ـ 173 فالرُّسل والخلفاء منهم منصورون غالبون على كل حال؛ لأن الله تعالى أمرهم بالتَّبليغ والقتال.
(والعصمة) من الذُّنوب الكبائر، والصَّغائر عمدها وسهوها، قبل النُّبوة وبعدها، وجميع ما ورد عنهم مما سمي معصية وذنباً في النُّصوص محمولٌ على كونه كذلك بالنِّسبة إلى مقامهم الشَّريف كما قالوا: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين».
(والصِّيانة): أي حفظ النَّسب، ووقاية الأعراق، والآباء والأمهات من البغي، والخسة، والرّزالة، والدّناءة.
23. ... أَوَّلُهُمْ آدَمُ ثُمَّ الآخِرُ ... مُحَمَّدٌ وَهوَ النَّبيُّ الفَاخِرُ
(أولهم): أي الرُّسل - صلى الله عليه وسلم - (آدم) أبو البشر صفوة الله - صلى الله عليه وسلم -، (ثم الآخر) منهم بحيث ليس بعده نبي، ولا رسول أصلاً، (محمد) بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعليهم وسلم.
(هو النّبي) الباقي على رسالته، وإن مات - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر الزَّمان، وانقضاء الدُّنيا، (الفاخر): أي صاحب الفخر، وهو الفضيلة والتَّعظيم.
24. ... أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَينَا بِالهُدَى ... طُوبَى لِمَن بِشَرْعِهِ قَدِ اقتَدَى
(أرسله) - صلى الله عليه وسلم - (الله) تعالى منّةً منه، وفضلاً ورحمة، (إلينا) معشر المكلفين، (بالهدى) أي دين الحق، والملّة الإسلامية (طوبى) وزنه فعلى من الطِّيب (لمن) أي للذي (بشرعه): أي شريعته الإسلامية، والجار مع المجرور متعلق بقوله ... (قد اهتدى) قدم عليه للحصر، إذ الهداية لا تكون بغيره إلى يوم القيامة.
25. ... تَنْحَصِرُ النَّجاةُ فيما جَاءَ بهْ ... وهالِكٌ مَنْ حَادَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ
(تنحصر النَّجاة): أي السَّلامة من عقاب الله تعالى، وغضبه في الدُّنيا والآخرة، (فيما): أي في متابعة الحق الذي (جاء به): أي أتى به من عند الله تعالى
من البيِّنات والهدى، (وهالك) في الدُّنيا والآخرة، (من حاد) أي مال وأعرض (عنه): أي عمّا جاء به، أو عنه - صلى الله عليه وسلم -، (فانتبه) فعل أمر من الانتباه، بمعنى الاستيقاظ من نوم الغفلة، خطاب لكلِّ مكلَّف.
26. ... وَكُلُّ ما عَنْهُ النَّبِيُّ أَخْبَرا ... فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بِلا امْتِرا
(وكل ما) أي الذي أو شيء (عنه): أي عن ذلك الشَّيء (النَّبي) - صلى الله عليه وسلم - (أخبرا) بألف الإطلاق من جميع الأمور المغيبات في الزَّمان المستقبل، مثل المغيبات في الزَّمان الماضي (فإنَّه): أي الذي أخبر عنه (محقّق) أي ثابت واقع في وقته (بلا امترا) بالقصر، وأصله المد، وهو المجادلة.
27. ... مِنْ نَحْوِ أَمْرِ القَبْرِ وَالقِيامَهْ ... وكُلِّ ما كَانَ لَها عَلامَهْ
(من نحو): أي مثل، وهو بيان لما (أمر) أي شأن (القبر) من حياة الميت فيه، وإقعاده سويا، وتفسيحه مد البصر، وسؤال منكر ونكير، وتعذيبه، وتنعيمه على ما وردت به الأحاديث الصِّحاح، (و) أمر (القيامة) من بعث الموتى، وحشرهم، والصِّراط، والميزان، والحوض، والحساب، والثَّواب، والعقاب، والجنَّة، والنَّار، وما فيهما مما أعده الله للنعيم أو العذاب الأليم، وغير ذلك مما يطول ذكره.
(وكل ما): أي شيء أو الذي (كان لها): أي للقيامة (علامة)، وهي أشراط السَّاعة يعني علامتها التي أخبر عنها النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي كثيرة.
28. ... مِثْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها ... وَقِصَّةِ الدَّجالِ كُنْ مُنْتَبِها
(مثل طلوع الشَّمس من مغربها) ولم يقبل بعد ذلك لكافر، ولا لفاسق توبة، (وقصة الدّجال): أي الكذاب، وإنَّما دجله كذبه؛ لأنَّه يدجل الحق بالباطل من الدجل، وهو تمويه الشيء، (كن) يا أيها المكلَّف، (منتبهاً) أي مستيقظاً من نوم الغفلة، واحذر من ذلك، فلعلك تدرك زمانه، فإنه ما من نبي، إلا وقد أنذر قومه
الدَّجال، فينبغي إنذار كل جيل لمن بعدهم من ذلك، وتحذيرهم تلك الفتنة العظيمة.
29. ... وَصَحْبُهُ جَميعُهُم عَلى الهُدَى ... تَفْضِيلُهُمْ مُرتَّبٌ بِلا اعْتِدا
(وصحبه): أي صحب النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني صحابته (جميعهم) والمراد المؤمنين منهم ظاهراً وباطناً دون المنافقين، والذين ارتدوا أو ماتوا على الكفر، فإنَّ الصُّحبة في حقهم مبنية على صدقهم، ودوامهم على ذلك إلى الموت، فإذا لم يوجد الصِّدق والدَّوام، فلا صحبة في نفس الأمر، (على هدى): أي دين الحق، والسُّنة النَّبوية من غير ضلال، ولا بدعة، ولا فسق.
(تفضيلهم): أي فضيلتهم، ومزيتهم التي يتفاوتون فيها، وعظمهم عند الله تعالى وشرفهم، (مرتب) بتقديم البعض على البعض، ومعنى التَّفضيل كثرة الثَّواب، ورفع الدَّرجة، وذلك لا يدرك بقياس، وإنَّما يثبت بالنَّقل، (بلا اعتدا): أي ظلم للفاضل، بتقديم المفضول عليه.
30. ... فَهُم أبو بكرٍ وَبَعْدَهُ عُمَرْ ... وَبَعْدَهُ عُثمانُ ذُو الوجهِ الأغَرْ
(فهم): أي أهل التَّفضيل المنصوص على تفضيلهم، (أبو بكر) واسمه عبدالله بن عثمان أبو قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، توفي - رضي الله عنه - بين المغرب والعشاء في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(وبعده) أي بعد أبي بكر - رضي الله عنه - في الفضيلة، (عمر) بن الخطَّاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، توفي شهيدا آخر سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(وبعده): أي بعد عمر رضي الله عنه في الفضيلة، (عثمان) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قتل في سنة خمس وثلاثين من الهجرة بعد أن حصر في داره عشرين يوماً، وكان ابن تسعين سنة - رضي الله عنه -.
(ذو): أي صاحب (الوجه الأغر): أي المشرق المنير، وكان لقبه - رضي الله عنه - ذو النُّورين؛ لأنَّه تزوَّج بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتزوَّج أولاً قبل النُّبوة رقية، وماتت عنده بعد أن ولدت له غلاماً، وسماه عبد الله، ثم تزوج أختها أم كلثوم، فماتت عنده أيضاً ولم تلد له، وقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو كانت عندي ثالثة لزوجتها لعثمان»، وهذا من الفضائل الخاصَّة به - رضي الله عنه -، فإنَّه لا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره.
31. ... ثُمَّ عَليٌّ ثُمَّ باقي العَشَرهْ ... وَهْيَ التي بِجنَّةٍ مُبَشَّرهْ
(ثم) بعد عثمان رضي الله عنه في الفضيلة (عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم كفيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومحجوره، وابن عمه، وصهره على أفضل بناته فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
(ثم) بعد الخلفاء رضي الله عنهم في الفضيلة، (باقي) الصَّحابة، (العشرة)، وهم السِّتة الباقون: 1 - طلحة بن عبيد الله، 2 - و الزُّبير بن عوام، 3 - وعبد الرَّحمن بن عوف، 4 - وسعد بن أبي وقاص، 5 - و سعيد بن زيد، 6 - وأبو عبيدة عامر بن الجرَّاح رضي الله عنهم. (وهي) أي هذه العشرة المذكورة الصَّحابة (التي بجنة): أي بدخول الجنة في يوم القيامة، وتنكيرها للتعظيم (مبشرة): أي بشرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما روى أصحاب السُّنن، وصحّحه التّرمذي.
32. ... وَمَا جَرَى مِنَ الحُروبِ بَيْنَهُمْ ... فَهْوَ اجتِهادٌ فيهِ شَادوا دينَهُمْ
(وما) أي الذي (جرى) أي كان ووقع (من الحروب) بيان لـ «ما»، (بينهم): أي بين الصَّحابة رضي الله عنهم من الاختلاف، وأولها: من مقتل عثمان - رضي الله عنه -.
(فهو) أي ذلك الجاري بينهم، والواقع منهم (اجتهاد) كان لهم في الأحق بالخلافة لقيام مصالح المسلمين، (فيه): أي في ذلك الاجتهاد، أو فيما جرى بينهم من الحروب، (شادوا): أي جصصوا، وأحكموا ومتنوا، (دينهم): أي دين الإسلام على حسب اختلاف اجتهادهم - رضي الله عنهم - في ذلك، والحق إنّهم كلُّهم عدول، ومتأولون في تلك الحروب، وغيرها من المخاصمات والمنازعات، ولم يخرج شيء من ذلك أحدهم عن العدالة؛ لأنَّهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدِّماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، والمُصيب عليّ وأصحابه، والمخطئ معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
33. ... هذا هُوَ الحقُّ المُبِينُ الواضِحُ ... وَباِلَّذي فيهِ الإنَاءُ ناضِحُ
(هذا) المذكور في شأن حروب الصَّحابة - رضي الله عنهم -، (هو الحق) لا غيره، (المبين): أي الظَّاهر، (الواضح) عند أهل الإنصاف من المؤمنين، (وبالذي) الجار مع المجرور متعلق بناضح، وقدم عليه للحصر، (فيه) الضَّمير راجع إلى قوله، (الإناء) وإن تأخر لفظا، فإنه متقدم رتبة، لأنه مبتدأ، وهو الوعاء، (ناضح) خبره من النَّضح، وهو رش الماء.
34. ... وَمَا سِوى الإسلامِ في الأَدْيانِ ... فَإِنَّهُ وَسَاوِسُ الشَّيْطان
(وما) أي الذي أو دين (سوى) دين (الإسلام في) جملة (الأديان) كلها، (فإنَّه) أي ذلك الدِّين هو غير الإسلام، (وساوس) جمع وسوسة، وهي الصوت الخفي يكون من (الشَّيطان) في صدر الإنسان، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} آل عمران:85، يعني هو مردود عليه، ومعاقب على ترك دين الإسلام.
35. ... إنَّ الصَّلاةَ أيُّها الإِنسانُ ... لَها شُروطٌ وَلهَا أَرْكانُ
(إن الصَّلاة) وهي في اللغة: الدُّعاء والثَّناء، وفي الشَّرع: عبارة عن الأفعال المخصوصة المعهودة المشتملة على الدُّعاء والثَّناء وغيرهما، (أيها الإنسان) المكلَّف بها، وهو المسلم العاقل البالغ، وإن وجب على الولي ضرب الصَّبي والصَّبية إذا بلغا عشر سنين على تركها، (لها): أي للصَّلاة، (شروط) جمع شرط، وهو ما يتوقف عليه وجود الشيء ولا يدخل فيه، بل يكون خارجه، (ولها): أي للصلاة (أركان)، وهي جمع ركن، والركن: ما يتوقف عليه وجود الشيء ويدخل فيه، فيكون جزءا من ماهيته.
36. ... فَمِنْ شُروطِها طَهارةُ البَدَنْ ... مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ وَهْيَ غُسْلُ مَنْ
(فمن) جملة (شروطها): أي الصلاة (طهارة) أي نظافة (البدن): أي بدن الإنسان (من حدث)، وهو مانعة شرعية تقوم بالأعضاء إلى غاية استعمال المزيل (أكبر) نعت للحدث، وهو الذي لا يرتفع إلا باستعمال الماء في جميع البدن، وذلك الجنابة، والحيض، والنفاس، (وهي) الطَّهارة من ذلك (غُسل من) أي الإنسان الذي.
37. ... أَوْلَجَ في إِحْدَى سَبِيلَيْ مِثْلِهِ ... أَو مُنْزِلٍ بِشَهْوَةٍ مِنْ أَصْلِه
(أولج): أي أدخل حشفة ذكره (في إحدى) تأنيث أحد؛ لأن السبيل مما يجوز تذكيره وتأنيثه (سبيلي) تثنية سبيل (مثله): أي إنسان آخر تمكن مجامعته، (أو منزل) معطوف على من أولج، وهو الذي أنزل المني، (بشهوة) حاصلة (من أصله): أي أصل الإنزال.
38. ... كَذا بِحَيْضٍ وَنِفاسٍ انْقَطَعْ ... وَفَرْضُهُ تَعْمِيمُهُ لِلجِسمِ مَعْ
(كذا): أي مثل الحكم المذكور غسل (بحيض): أي بسبب خروج حيض، وهو دم يخرج من رحم بالغة لاداء بها، (و) بسبب خروج (نِفاس)، وهو دم يعقب خروج أكثر الولد (انقطع) أي كل واحد من الحيض والنفاس، فإن الغسل إنما يجب بهما عند انقطاعهما.
(وفرضه): أي الغسل وهو ما تفوت الصِّحة بفوته، (تعميمه): أي المغتسل (للجسم): أي لجسمه، والمراد ما يمكنه غسله من ظاهر جسده بلا حرج.
39. ... غَسْلِ فَمٍ وَالأَنْفِ بِالماءِ الطَّهُورِ ... كَرَاكِدِ الغَدِيرِ أو ماءِ النُّهُور
(مع غسل فم)، وهو المضمضة، (و) غسل (الأنف)، وهما فرضان في الغسل، (بالماء) متعلّق بتعميمه (الطهور): أي الذي ليس بنجس ولا مستعمل (كراكد): أي ساكن (الغدير)، وهو مستنقع ماء المطر، (أو ماء النهور)، جمع نهر، وهو الماء الجاري، وأدناه ما يجري بتبنة، ولو وقعت فيه نجاسة، فإنَّه لا يتنجس ما لم يتغير بها لونه أو طعمه أو ريحه.
40. ... وَسُنَّ في أَوَّلِهِ الوُضُوءُ مَعْ ... نِيَّتِهِ دَلْكٌ وَتَثْليثٌ جَمَعْ
(وسُنّ) بالبناء للمفعول: أي سَنّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي سنن الغسل، (في أوله): أي الغُسل، (الوضوء) كوضوء الصَّلاة بمراعاة فرائضه وسننه، إلا غسل رجليه إذا كان في مستنقع الغسالة حتى لو كان قائماً على لوح أو حجر، لا يؤخر غسل قدميه، (مع نيته) أي الغسل بأن ينوي به استباحة الصَّلاة، ولو لم ينو شيئاً جاز عندنا، (دلك): أي دلك أعضائه في المرَّة الأولى؛ ليعم الماء البدن في المرتين الآخرتين، (وتثليث)، وهوتعميم الماء لجميع البدن ثلاث مرَّات، (جمع): أي عمم لكل الأعضاء في كلّ مرة.
41. ... وَشَرْطُهَا مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ قُلْ ... تَطْهِيرُهُ وَهْوَ الوُضوءُ يا رَجُلْ
(وشرطها): أي الصَّلاة أيضاً: (من حدث أصغر قل تطهيره) أي الحدث، (وهو): أي تطهيره، (الوضوء) مشتق من الوضاءة، وهي الحسن، (يا رجل) خطاب للغلام؛ لأنَّها كفايته، ولكن بطريق التفاؤل أو المجاز باعتبار ما يؤول إليه.
42. ... وَفَرْضُهُ أن تَغْسِلَ الوَجْهَ كَذَا ... يَدَاكَ حَدَّ المِرْفَقَيْنِ آخِذَا
(وفرضه): أي الوضوء، (أن تغسل) يا مريد الوضوء (الوجه) وطوله: من مبتدأ الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضه: من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن الأخرى، فيدخل فيه ما بين العذار والأذن، وباطن اللحية الخفيفة التي ترى بشرتها لا باطن الكثيفة، بل ظاهرها وظاهر الشارب، والحاجب لا باطن العين، (كذا): أي مثل ما ذكر في افتراض الغسل، (يداك)، فغسلهما فرض (حدّ المِرفقين) تثنية مرفق (آخذاً) حال من فاعل تغسل المقدر، والأصل أن تغسل يديك آخذاً في غسلهما حدّ المرفقين.
43. ... وَمَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ فَرْضُ عَيْنِ ... كَغَسْلِ رِجْلَيْكَ مَعَ الكَعْبَين
(ومسح ربع الرأس) بماء جديد، ومحلّ المسح على الشعر الذي فوق الأذنين، (فرض عين كغسل) في كونه فرضاً، (رجليك) يا مريد الوضوء، (مع الكعبين) تثنية كعب، وهو العظم المرتفع المتصل بعظم السَّاق من طرفي القدم.
44. ... وَسُنَّ فِيهِ نِيّةٌ والتَّسْمِيهْ ... غَسْلُ اليَدينِ أَوَّلاً لِلتَنْقِيهْ
(وسُنّ فيه): أي في الوضوء (نيّة) في ابتدائه، وهي سنة مؤكدة، وكذلك في الغسل كما مر بأن يقصد رفع الحدث، أو امتثال الأمر، أو استباحة الصَّلاة، (والتَّسمية) بأن يقول في ابتدائه: بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام، (غسل) بحذف العاطف لضرورة الوزن (اليدين) إلى الرسغين سواءً كان مستيقظاً من النَّوم أو لم يكن مستيقظاً، (أولاً): أي في ابتداء الوضوء قبل إدخالهما
الإناء ثلاثاً (للتَّنقية): أي التَّنظيف؛ لأنَّهما آلة لغسل بقيّة الأعضاء، فينبغي البداية في تنظيفهما.
45. ... ثُمَّ السِّواكُ وَالوِلَا غَسْلُ الفمِ ... وَالأنفِ وَالتَّرتيبُ فِيهِ فاعلم
(ثم السِّواك): أي استعماله بيده اليمنى كيف شاء: أي يبدأ فيه من الأسنان العليا أو السُّفلى من الجانب الأيمن أو الأيسر طولاً أو عرضاً أو بهما، ويكون بكلّ عود إلا الرمان والقصب، وأفضله: الأراك، ثم الزيتون، وعند عدم الأسنان أو عدم السِّواك يعالج بالأصبع من اليد اليمنى أو خرقة خشنة.
(والوِلا)، وهو المتابعة من والى بينهما ولاء تابع، وذلك بغسل الأعضاء على التعاقب بحيث لا يجفّ العضو الأوَّل مع اعتدال الهواء، (غسل) بإسقاط حرف العطف لاستقامة الوزن، (الفم)، وهو المضمضة بثلاث مياه، (و) غسل (الأنف)، وهو الاستنشاق بثلاثة مياه أيضاً، (والترتيب فيه): أي في الوضوء، جميعه من حين غسل اليدين إلى الرسغين إلى غسل الرجلين، (فاعلم) بصيغة الأمر، وكسر الميم لأجل القافية.
46. ... تَيامُنٌ وَمَسْحُ كُلِّ الرَّأسِ مَعْ ... أُذْنَيْكَ والتَّثْلِيثَ والتَّخْليلَ ضَعْ
(تيامن)، وهو تقديم اليد اليمنى على اليسرى، والرجل اليمنى على اليسرى، وذكر النابلسي التيامن مع السُّنن؛ لأنَّه لم يذكر المستحبات في منظومته، والمعتمد أنَّها من المستحبّات، (ومسح كلّ) أي جميع (الرّأس) مرة واحدة، بأي وجه، (مع أذنيك) تثنية أذن، والخطاب للمتوضئ المفهوم من الكلام، (والتّثليثَ): أي تثليث الغسل لأعضاء الوضوء المغسولات، (والتَّخليلَ): أي تخليل اللحية، وهو أن يدخل أصابع يديه في خلال لحيته من الأسفل إلى الأعلى بعد تثليث غسل الوجه. وتخليل الاصابع أيضاً من اليدين والرجلين بعد وصول
الماء خلالها، وإلا فهو فرض، (ضع) فعل أمر خطاب للمتوضئ أيضاً: أي اجعل ذلك في السُّنن.
47. ... نَاقِضُهُ ما مِنْ سَبيلَيْكَ خَرَجْ ... وَالدَّمُ عَنْهُ الجُرْحُ كالقَيحِ انْفَرجْ
(ناقضه): أي الوضوء (ما): أي شيء معتاد الخروج أو غير معتاده (من سبيلك) تثنية سبيل، وهو طريق البول والغائط، والخطاب للمتوضئ، (خرج) بمجرد بدوه، ولو لم يسل، (و) ناقضه أيضاً: (الدَّم) إذا كان (عنه): أي عن الدم (الجُرح) اسم لموضع الجراحة (كالقيح): أي مثل، والدم القيح أيضاً، والصديد، (انفرج) يعني انفتح، فسال منه الدم، أو القيح، أو الصَّديد، وتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير في الوضوء، أو الغسل.
48. ... والقَيءُ مِلْءَ الفمِ والنَّومُ إذا ... أزَالَ مُسْكَةً وسُكْرٌ أَخَذَا
(و) ناقضه أيضاً: (القيء) من صفراء، أو علق، أو طعام، أو ماء، لا من بلغم نازل من الرأس، أو صاعد من الجوف إذا كان ذلك القيء، (مِلء الفم)، وهو أن يضبط عن أن يخرج من الفم بتكلف ومشقة، حتى لو لم يتكلف في كظمه لخرج من فمه، (و) ناقضه أيضاً: (النوم إذا) كان بحيث (أزال مُسكة) ما يمسك الأبدان من الغذاء والشراب، (و) ناقضه أيضاً: (سُكر أخذا) والألف للإطلاق، أي أخذ المتوضئ بحيث أدخل في مشيته تمايلا.
49. ... كذلِكَ الإغْماءُ وَالجُنُونُ مَعْ ... ضِحْكِ المُصَلِّي وَلَهُ الجارُ اسْتَمَعْ
(كذلك): أي مثل ما ذكر من النَّواقض ناقضه أيضاً: (الإغماء): وهو آفة تعرض للدماغ، والقلب بسببها تتعطل القوى المدركة، (والجنون) وهو سلب القوة المدركة، (مَعْ ضِحْك)، والمقصود هنا به القهقهة وهي ما يكون مسموعاً للمقهقه ولجيرانه، (المصلي)، وهو المكلف العاقل البالغ ذكراً كان، أو أنثى،
(وله): أي لذلك المصلِّي الضَّاحك أو الضَّاحكة، (الجار): أي من يجاوره، وهو من يقرب منه، (استمع): أي سمع صوت ضحكه، فيكون ضحكه حينئذ قهقهة.
50. ... وَشَرْطُهَا طَهارةُ المَكانِ ... والثّوبِ حتى بَدَنِ الإنسان
(وشرطها): أي الصَّلاة أيضاً: (طهارة المكان): أي مكان المصلِّي الذي يُصلّي فيه، والمراد منه موضع القدم، والسجود فقط، (و) طهارة (الثَّو ب) أيضاً: أي ثوب المصلّي، المراد: ما يلبسه مما يتحرك بحركته، (حتى) شرط الطَّهارة أيضاً طهارة (بدن)، وهو ظاهر جسد، (الإنسان) المصلي.
51. ... مِنْ نَجَسٍ غُلِّظَ فوقَ الدِّرْهَمِ ... وَفَوْقَ عَرْضِ الكَفِّ في مِثلِ الدَّم
(من نجَس) متعلق بالطهارة، والنَّجَس عين النَّجاسة (غلظ) بصيغة الفعل الماضي مبنياً للمفعول: أي غلظه الشرع، يعني حكم بكونه غليظاً، وهو النَّجاسة الغليظة كبول ما لا يؤكل لحمه، وغائط، ودم، وخمر، وخرء دجاج، وبط، وروث، وبعر، إذا كان ذلك النَّجس ... (فوق): أي أعلى وأكثر من قدر (الدرهم) وهو مثقال هو خمس غرام؛ لأنَّه إذا كان قدر الدرهم كان معفواً عنه، لا يمنع صحة الصلاة، لكنه يكره كراهة تحريم لوجوب غسله، وهذا في نجس كثيف ذي جِرْم. (وفوق) معطوف على فوق الدرهم، أي أكثر من مقدار، (عرض) مقعر، (الكفّ)، وهو داخل مفاصل الأصابع، (في) نجس مغلظ رقيق يسيل، (مثل الدم) والبول، والخمر، ونحوهما. فلو كان مقدار عرض مقعر الكف كان معفواً عنه، لا يمنع صحة الصَّلاة.
52. ... أَو خَفَّ قَدْرَ رُبْعِ أَدْنى سَاتِرِ ... كَبَوْلِ مَأْكُولٍ وَخُرْءِ الطائر
(أو) من نجس (خَفّ) معطوف على «غُلِّظ»: أي كان نجساً نجاسة خفيفة، إذا كان ذلك النَّجس ... (قدر): أي مقدار (ربع أدنى): أي أقل ثوب (ساتر) لأقلّ عورة، وهي عورة الرَّجل من تحت سرته إلى تحت ركبتيه، والمعتمد
في المذهب ربع الثوب، كما سبق، (كبول) حيوان (مأكول) اللحم كالإبل، والبقر، والغنم، وبول الفرس أيضاً، (وخرء الطَّائر) أي المعهود عند الفقهاء أنَّ خرأه نجس، وهو ما لا يؤكل لحمه كالصَّقر، والبازي، والشَّاهين.
53. ... وَشَرْطُها اسْتِقبالُ عيْنِ الكَعْبَةِ ... لِمَنْ يَرَى وَغَيْرِهِ لِلْجِهَة
(وشرطها): أي الصلاة أيضاً: (استقبال عين): أي ذات لا جهة (الكعبة)، وهي البقعة والهواء إلى عنان السماء لا الحيطان، ولو صلى في مكان مرتفع عنها صح التّوجه، (لمن): أي لمصل (يرى): أي يشاهد عين الكعبة، (وغيره): أي غير من يرى، وهو من لم يكن بمعاينة الكعبة يكون استقباله، (للجهة): أي جهة الكعبة، وجهة الكعبة أن يصل الخط الخارج من جبين المصلي.
54. ... شَرْطُها الوَقْتُ وَسَتْرُ العَوْرَهْ ... وَنِيَّةُ الصَّلاةِ وَالتَّكْبِيرهْ
(شرطها): أي الصَّلاة أيضاً دخول (الوقت): أي وقت الصَّلاة المفروضة، وسبق تفصيله عند أوقات الصَّلاة. (و) شرط الصَّلاة أيضاً: (ستر) تغطية من جوانبه وأعلاه لا من أسفله (العورة) فعورة الرجل من تحت سرته إلى تحت ركبته، فالركبة عورة، والسُّرة ليست بعورة، وعورة الحرة: جميع بدنها، إلا وجهها، وكفيها، وقدميها. (وشرط) شرط الصلاة أيضاً: (نيّة): أي قصد القلب فعل (الصَّلاة) التي يريد الدخول فيها، والتلفظ باللسان مستحب. (و) شرط الصَّلاة أيضاً: (التكبيرة) وهي تكبيرة الإحرام، وجازت بما يدل على التعظيم نحو: الله أجل، أو أعظم، أو الرحمن أكبر، أو الحمد لله، وبالتسبيح، وبالتهليل، وبالفارسية، وغيرها من الألسنة لا بما يدل على الدعاء نحو: «اللهم اغفر لي».
55. ... وَرُكْنُها القِيامُ والقِراءةُ ... ثُمَّ الرُّكوعُ والسُّجودُ القَعْدَةُ
(وركنها): أي الصَّلاة (القيام)، وهو أن يكون بحيث إذا مد يديه لا ينال ركبته، وهو فرض في الصَّلاة المفروضة، ولو وتراً للقادر عليه، ونفل في غيرها.
(و) ركن الصَّلاة أيضاً: (القراءة): أي قراءة القرآن، ولو بغير العربية عند العجز عنها مقدار آية طويلة أو قصيرة في كل ركعة من ركعتي الفرض، وكلُّ ركعات الوتر، والنفل. (ثم) ركن الصَّلاة أيضاً: (الرُّكوع)، وهو أن يكون بحيث لو مد يديه نال ركبتيه، وركوع الأحدب برأسه. (و) ركن الصَّلاة أيضاً: (السُّجود)، وهو وضع الجبهة على الأرض فرضاً والأنف وجوباً، (القعدة)، وهي الجلوس بمقدار التَّشهد في آخر الصَّلاة، وسيأتي تمامه.
56. ... في آخرِ الصَّلاةِ والخروجُ ... بِصُنْعِهِ وَخُلْفُهُ يَروجُ
(في آخر الصَّلاة): وهي القعدة الأخيرة مقدار قراءة التَّشهد إلى قوله: «عبده ورسوله». (و) ركن الصَّلاة أيضاً: (الخروج) من الصَّلاة (بصنعه): أي بفعل مقصود من المصلي سواء كان سلاماً أو غيره من قول أو فعل ينافي الصلاة بعد تمامها، (وخُلْفُه): أي القول بخلافه، أي كون الخروج بصنعه ليس بفرض، (يروج): أي يترجّح، والخروج بصنعه فرض عند أبي حنيفة في تخريج البَرْدَعي أخذه من المسائل الآتي ذكرها، فقال: لو لم يبق عليه فرض لما بطلت صلاته فيها.
57. ... واجِبُها لَفْظُكَ بِالتَّكْبِيرهْ ... وَبَعْدَهُ فاتحَةٌ وَسُورَهْ
(واجبها): أي الصَّلاة، والواجب ما ثبت بدليل ظني تنقص الصَّلاة بتركه عمداً، ولا تكون باطلة، ويكره تركه كراهة تحريم، وينجبر تركه سهواً بسجود السَّهو بعد سلام واحد سجدتين في آخر الصلاة، (لفظك) يا أيها المصلِّي، أي تلفظك، (بالتَّكبيرة): أي قول: «الله أكبر» في ابتداء الصلاة، فإذا قال: «الله أجل» أو «أعظم» ساهياً، وجب عليه سجود السَّهو، وإن كان عمداً فهو مكروه. (وبعده) أي بعد لفظك بالتَّكبيرة واجب الصلاة أيضاً قراءة ... (فاتحة) الكتاب، (وسورة) معها من سور القرآن، وسيأتي تمام الكلام فيها.
58. ... أَو آيةٌ طَالَتْ أوِ الثلاثُ لَوْ ... قَدْ قَصُرَتْ في رَكْعَتَي فَرْضٍ رَوَوْا
(أو) قراءة (آية) مكان السورة (طالت): أي تلك الآية كآية الكرسي أو آية المداينة، (أو) قراءة الآيات (الثَّلاث لو قد قصرت): أي كانت قصيرة بأن كانت كل آية كلمتين أو كلمات، نحو قوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّر} المدثر:19 ـ 20، وقوله تعالى: {ثُمَّ نَظَر. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَر. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَر} المدثر:21 ـ 23، فهو مخير بين هذه الثلاثة الأشياء بعد قراءة الفاتحة. (في ركعتي فرض) أي (في) الركعتين من الصَّلاة المفروضة، فإن كانت الفريضة ركعتين كالفجر، فالقراءة فيهما، وإن كان ثلاثاً كالمغرب أو أربعاً كالظهر فالقراءة في ركعتين منها (رووا): أي نقل العلماء ذلك في كتبهم.
59. ... والنَّفْلُ في الكُلِّ مَعَ التَّعْيينِ ... في الأُولَيَيْن والتَّشَهُّدَيْن
(و) صلاة (النَّفل): أي الزائد على الفرض القطعيّ المذكور، فيدخل الوتر، وصلاة العيدين، والمنذور، والسنن الرواتب، والصلوات المستحبات، وبقية النَّوافل، (في الكل): أي القراءة المذكورة في جميع الركعات، كما سبق، (مع): أي واجب الصَّلاة أيضاً، (التَّعيين): أي تعيين قراءة ذلك، (في) الركعتين، (الأوليين) من الفرض القطعي المذكور، إذا كان ثلاثاً أو أربعاً، (و) قراءة (التَّشهدين): أي التَّشهد الأول في القعود الأول من الصَّلاة، والتَّشهد الثَّاني في القعود الثَّاني.
60. ... كَذَا الطُّمَأنينةُ والقُنُوتُ في ... وِتْرٍ وَلَفْظَةُ السَّلامِ فَاعرِف
(كذا): أي كالذي ذكر في كونه من واجبات الصلاة (الطمأنينة) في الركوع والسجود بقدر تسبيحة، وأما الطمأنينة في القومة من الركوع، وفي الجلسة بين السجدتين، فهي سنة. (و) واجب الصلاة أيضاً: (القنوت): وهو مطلق الدعاء، وسيأتي لفظه، (في) صلاة (وِتْر). (و) واجب الصلاة أيضاً: الخروج منها بذكر، ولو قال: (لفظة السلام)، ولم يزد «عليكم» لم يصر آتيا بالسنة، فعلم من
هذا أن الواجب إنما لفظ: «السلام» دون الباقي أو لفظ سلام بدون الألف واللام، والباقي سنة، (فاعرف) أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لأجل القافية.
61. ... وَزَائِدُ التَّكْبيرِ في العِيدَيْنِ ... وَالجَهْرُ وَالإسْرَارُ في الفَصْلَيْن
(وزائد التكبير): أي التكبيرات الثلاث الزوائد، (في) كلّ ركعة من صلاتي، (العيدين) حتى تجب تكبيرة القنوت أيضاً، وتكبيرة الركعة الثانية من صلاتي العيدين. (و) واجب الصلاة أيضاً: (الجهر) بالقراءة، هو إسماع غيره، (والإسرار): أي المخافتة، وهي إسماع نفسه، (في الفصلين): أي الفصل الذي يجهر بالقراءة فيه ... والفصل الذي يخافت بالقراءة فيه.
62. ... والقَعْدَةُ الأُولى وأَمَّا السُّنَّهْ ... فَرَفْعُهُ اليَدَيْنِ حَاذَى أُذْنَهْ
(و) واجب الصَّلاة أيضاً: (القعدة الأولى)، والمراد منها غير الأخيرة. (وأما السنة): أي سنن الصلاة، وهي ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الترك أحياناً، (فرفعه): أي رفع المصلي، (اليدين) في تكبيرة الافتتاح، وكذلك في تكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين، (حاذى): أي قابل بيديه (أذنه): أي أذن نفسه، أي يرفع حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه، وهذا في حق الرَّجل، وأما في حق المرأة، فترفع يديها إلى منكبيها؛ لأنَّه أستر لها.
63. ... وَالجَهْرُ بِالتَّكْبيرِ لِلإمامِ قُلْ ... وَضْعُ اليدينِ تَحتَ سُرَّةِ الرَّجُلْ
(و) سُنّة الصَّلاة أيضاً: (الجهر): أي إسماع الغير (بالتكبيرة): أي تكبيرة الافتتاح، وتكبيرات الانتقالات، (للإمام) دون المقتدي، والمنفرد إلا إذا كثرت الجماعة، فاحتيج إلى المبلغ، فيرفع المقتدي صوته بالتكبير قدر الحاجة، (قل) يا أيها القارئ لهذه المنظومة، وسنة الصلاة أيضاً. (وضع) بحذف حرف العطف لأجل
الوزن (اليدين) بأن يضع الكف اليمنى على الكف اليسرى (تحت سرّة الرَّجل): أي الرَّجل يضع يديه تحت سرّته.
64. ... والوَضْعُ فوقَ الصَّدرِ لِلنِّساءِ ... وَبَعْدَ ذا قِراءةُ الثَّنَاء
(والوضع) لليد كما ذكرنا (فوق الصَّدر للنِّساء) يعني أن المرأة تضع يديها على صدرها، (وبعد ذا): أي بعد الوضع المذكور سنة الصَّلاة أيضاً: (قراءة الثَّناء)، وهو سبحانك اللهم ....
5. ... سِرَّاً كذا تَعَوُّذٌ والتّسْمِيَهْ ... وَمِثْلُهُ التَّأمِينُ ثُمَّ التَّصْلِيَهْ
(سرّاً) قيد للثناء، فلو جهر به يكره (كذا): أي مثل الثناء في قوله يسر به، وهو سنة الصلاة أيضاً: (تعوذ) وهو قوله: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، إذا أراد القراءة. (و) سنة الصلاة أيضاً: (التَّسمية) وأن يسر بها أيضاً، وذلك أن يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، بعد التَّعوُّذ في ابتداء القراءة، (ومثله): أي مثل التعوذ في كونه يسر به، وهو سنة الصَّلاة أيضاً (التَّأمين) أي قوله: «آمين» بالمد، فيأتي به الإمام، والمنفرد بعد تمام قراءة الفاتحة، وكذلك في الجهرية سراً، (ثم) بعد ما ذكر سنة الصَّلاة أيضاً: (التَّصلية) بهاء ساكنة أيضا للقافية، وهي الصَّلاة.
66. ... عَلَى النَّبيِّ في القُعودِ الآخِرِ ... ثُمَّ قراءةُ الدُّعاءِ الفَاخِر
(على النَّبي) - صلى الله عليه وسلم - (في القعود الآخر)، وهي القعدة في آخر الصلاة، وكيفية ذلك أن يقول: «اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». (ثم) بعد ذلك سنة الصَّلاة أيضاً: (قراءة الدُّعاء الفاخر): أي الذي له فخر على ما يشبه كلام النَّاس، وهو دعاء يشبه ألفاظ القرآن والسُّنة، كأن يقول: «ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، أو «ربنا لا تزغ قلوبنا» الآية.
67. ... وَرَفْعُكَ الرَّأْسَ مِنَ الرُّكُوعِ ... كالرَّفْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ رُوعِيْ
(و) سنة الصَّلاة أيضاً: (رفعك) يا أيها المصلِّي (الرَّأس): أي رأسك (من الرُّكوع) في الصَّلاة، فلو ركع، وهوى من الرُّكوع إلى السُّجود ولم يرفع رأسه جاز، وكُرِه لترك السُّنّة، (كالرفع): أي رفع الرأس (بين السَّجدتين)، فإنَّه سنة الصَّلاة أيضاً (رُوعي) فعل ماض مبني للمفعول، أي راعاه المصلي، وأتى به على وجه السنة، حتى لو سجد على لبنة، ثم أزاله من تحت رأسه، وسجد على الأرض، فإنه يكون آتيا بالسَّجدتين، ولكنّه مكروهٌ لترك السُّنَّة.
68. ... وهذِهِ الجلْسَةُ والتَّكْبِيرُ في ... كُلِّ انْتِقَالٍ والخُشُوعُ فَاقْتَف
(و) سنة الصلاة أيضاً (هذه الجلسة) التي بين السجدتين قدر تسبيحة. (و) سنة الصلاة أيضاً: (التكبير): أي قو لك: «الله أكبر»، بلا مد همزة، ولا مد باء، (في كل انتقال) في الصلاة ما عدا الانتقال من الركوع إلى القيام، فإنه يقول فيه: إذا كان إماماً: «سمع الله لمن حمده»، وإذا كان مقتدياً: «ربنا لك الحمد»، وإذا كان منفردا يجمع بينهما. (و) سنة الصَّلاة أيضاً: (الخشوع): وهو استشعار القلب بعظمة المتجلّي الرب، وسكون الجوارح هيبة وخشية وجمع الفكر على جلال الحق، وعدم خطور شيء في خاطره من أمور الدُّنيا والآخرة، (فاقتفي) أمر من الاقتفاء، وهو الاتباع، أي اتبع بعمل الخشوع والخضوع في صلاتك لأفعال السَّلف الصَّالحين من الصَّحابة والتَّابعين رضوان الله عليهم أجمعين، ولا تتبع بالفكر في صلاتك من أمورك الدُّنيوية ومعايشك الدنية، فتلتحق بالخلف الذين أضاعوا الصَّلاة واتبعوا الشَّهوات فسوف يلقون غيا.
69. ... وَيُكْرَهُ السَّدْلُ وَعَقْصُ الشَّعْرِ مَعْ ... كَوْنِ الإمامِ في مَكانٍ ارْتَفَعْ
(ويكره) في الصلاة، والمكروه ما ثبت النهي عنه بدليل فيه شبهة أو اقتضى ترك سنة أو واجب. وعند الإطلاق ينصرف إلى كراهة التحريم ما لم يقيد بالتنزيه،
(السدل) أي سدل الثوب، وهو أن يجعل ثوبه على رأسه وكتفيه، ثم يرسل أطرافه من جوانبه. (و) يُكره أيضاً (عقص) أي عقد (الشعر)، وهو أن يجمع شعره على رأسه، ويشده من ورائه بخيط أو صمغ أو يشد طرفيه على جبهته (مع) بالسكون: أي يُكره أيضاً (كون الإمام) يُصلي (في مكان ارتفع) عن المقتدين به.
70. ... مُنْفَرِداً وَعَكْسُهُ وَالإقْعَا ... وَدَفْعُهُ لِلأَخْبَثَيْنِ دَفْعَا
(منفردا): أي وحده وليس معه أحد من المقتدين للنهي عنه، وللتشبه بأهل الكتاب، فإنهم يتخذون لإمامهم مكاناً مرتفعاً، أما إذا كان بعض القوم مع الإمام، فلا بأس به. (و) يكره أيضاً: (عكسه): وهو كون الإمام منفرداً في مكان أسفل، والقوم في مكان مرتفع؛ لأنه ازدراء بالإمام. (و) يكره أيضاً: (الإقعا): وهو أن يقعد على أليته، وينصب ركبتيه، ويضع يديه على الأرض، فإنه يشبه إقعاء الكلب. (و) يكره أيضاً: (دفعه): أي المصلي (للأخبثين)، وهما البول والغائط (دفعاً) مصدر مؤكد للفعل أي صلاته، وهو يدافع ذلك قبل الشروع أو بعده.
71. ... والالتِفَاتُ مَعْ صَلاتِهِ إلى ... وَجْهِ امْرِئٍ وَغَمْضُ عَيْنَيهِ تَلا
(و) يكره أيضاً: (الالتفات) في صلاته بوجهه، بأن يلوي عنقه لا لحاجة، ولو حول صدره عن القبلة، فسدت صلاته، (مَعْ) أي يكره أيضاً (صلاته): أي الإنسان (إلى وجه امرئ): أي إنسان آخر؛ لأنه تعظيم له. (و) يكره أيضاً: (غمض) المصلّي (عينيه) في صلاته (تلا): أي تبع ما قبله في الكراهة؛ لأنَّه عادة اليهود، أما لو خاف فوات خشوع بسبب رؤية ما يفرق الخاطر، فلا يكره غمضها، بل ربما يكون أولى؛ لكمال الخشوع.
72. ... وَيُفْسِدُ الكلامُ مُطْلَقاً إذا ... مِثْلَ كَلامِ النَّاسِ كانَ وَكَذا
(ويفسد) الصلاة أي يبطلها: (الكلام) فيها قبل الفراغ منها (مطلقاً): أي سواء كان بكلمة واحدة أو أكثر عمداً أو سهواً أو نسياناً أو في حال النوم، وهذا
إذا تكلم على وجه يسمع نفسه، والا فلا يفسد، (إذا مثل) بالنَّصب خبر مقدم لكان (كلام النَّاس) وهو ما لا يستحيل سؤاله من النَّاس اذا وقع الخطاب لغيره أو دعا به ربه كاللهم أعطني كذا، أو زوجني امرأة، (كان): أي ذلك الكلام الواقع منه في الصَّلاة، (كذا) أي يفسد الصلاة أيضاً: ...
73. ... أَكلٌ وَشُربٌ وَتَنَحْنُحٌ بِلا ... ضَرُورَةٍ وَكُلُّ صَوْتٍ حَصَلا
(أكل) شيء من خارج فمه مطلقاً أو من بين أسنانه، وهو قدر حمصة، وقد ابتلعه، ولو مضغه فسدت، (وشرب) فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً. (و) يفسد الصلاة أيضاً (تنحنح) وهو أن يقول: أح (بلا ضرورة) بأن لم يكن مبعوث الطبع، فإنه حينئذٍ لا يُمكنه الاحتراز عنه. (و) يفسد صلاته أيضاً (كل صوت) يخرج من فم المصلي (حصلا) الألف للإطلاق.
74. ... حَرْفَانِ مِنْهُ وَكَذا الجَوابُ ... يُقْصَدُ بالقُرآنِ وَالخِطابُ
(حرفان) فاعل حصل (منه) أي من ذلك الصَّوت إذا كان مسموعاً نحو قوله: اه أو أف أو تف أو أخ أو أح ونحو ذلك. (وكذا) يُفسد الصَّلاة أيضاً (الجواب) الذي (يقصد) بالبناء للمفعول: أي يقصده المصلي (بالقرآن والخطاب) معطوف على الجواب، وذلك كما إذا قرع الباب على المصلي أو نودي من الخارج.
75. ... وَالعَمَلُ الكَثِيرُ والتَّحْوِيلُ في ... صَدْرٍ عَنِ القِبْلَةِ والعُذْرُ نُفِيْ
(و) يُفسد الصَّلاة أيضاً (العمل الكثير)، وهو ما لو إذا رآه غيره استيقن أنه ليس في الصَّلاة، وأمّا إذا أشكل عليه، فهو عمل قليل. (و) يُفسد الصلاة أيضاً (التَّحويل): أي الالتفات والانتقال (في صدر): أي صدر المصلي (عن القبلة) بأن ولي صدره المشارق أو المغارب لا أدنى تحويل، (والعذر) في التَّحويل عن القبلة (نُفِي) بالبناء المفعول: أي انتفى ولم يكن.
76. ... شَرْطُ الزَّكَاةِ العَقْلُ والإسلامُ ... حُرِّيَّةٌ تَمْليكٌ احْتِلامُ
(شرط الزَّكاة): أي شرط وجوبها (العقل) فلا تجب على مجنون، ولا في ماله.
(و) شرط وجوبها أيضاً (الإسلام)؛ لأنَّه شرط لصحة العبادات كلها، والزَّكاة منها، والكافر ليس بأهل للعبادة. وشرط وجوبها أيضاً (حرية): أي كون المالك حراً ليتحقَّق التمليك منه الفقير؛ لأن الرقيق لا يملك في حد ذاته، ليملك تمليك غيره. وشرط صحّتها (تمليك) حتى لو أباح له أن يأخذ من ماله قدر الزكاة لا يجوز كما لو أسكنه داره سنة بنية زكاة لا يجزئه؛ لأنَّ المنفعةَ ليس بعين متقوَّمة، (احتلام): أي بلوغ، فلا تجب على صبيّ ولا في ماله.
77. ... مِلْكُ تَمامٍ وَنِصَابٍ نَامٍ ... يَفْضُلُ عَنْ مَطالِبِ الأنام
(ملك تمام) وشرط وجوب الزكاة الملك التام، وهو الملك حقيقة وتصرفاً رقبة ويداً. (و) شرط وجوبها أيضاً (نِصاب): وهو كل مال لا تجب الزكاة فيما دونه فلا تجب الزَّكاة فيما دون النِّصاب، (نامي) نعت للنّصاب من النُّمو، وهو الزيادة، ولو تقديراً، فإنَّ النَّماء إما تحقيقي: وهو بالتَّوالد والتَّناسل والتِّجارات، أو تقديري: وهو أن يكون ثمناً، فإنَّه نام خلقه، فإن لم يوجد فيه النَّماء حقيقة. (يفضل) أي يزيد ذلك النصاب، (عن مطالب) اسم فاعل من المطالبة، وهي اقتضاء الدَّين ونحوه، (الأنام): أي الناس، يعني عن المطالبين له من الناس إذا كان مديوناً لهم بأن كان ذلك النصاب فارغاً عن دين العباد.
78. ... والحَاجَةِ اللازِمَةِ الأصليّهْ ... وَحَوَلانُ الحَوْلِ ثُمَّ النِّيَّهْ
(و) يَفضل أيضاً عن (الحاجة): أي حاجته (اللازمة) التي لا بُدّ له منها، (الأصلية) كدور السّكنى ... (و) شرط وجوبها أيضاً (حولان الحول): أي السَّنة، وسميت حولا لتحول الأحوال فيها، ثم العبرة في الزكاة للحول القمري. (ثم)
شرط صحتها (النية) والمعتبر نية القلب دون اللسان حتى لو دفع لفقير زكاة ماله، وقال: دفعته إليك قرضاً جاز على الأصحّ؛ لأنَّ العبرة لنيّة الدافع لا لعلم المدفوع إليه، ولا بد أن تقارن النية الأداء أو عزل ما وجب عليه.
79. ... عشرونَ مِثْقالاً نِصابٌ مِنْ ذَهَبْ ... وَمائَتَا دِرْهَمِ فِضَّةٍ حَسَبْ
(عشرون مثقالاً) المثقال عشرون قيراطاً، والقيراط خمس شعيرات، (نصاب من ذهب) بالسكون لأجل القافية. (و) نصاب الفضة (مائتا درهم) أي مائتان، (فضّة) أي من فضة، (حسَب) بمعنى محسوب، أي قدر ذلك وعدده.
80. ... أو قِيمَةُ العَرْضِ أَوْ الحُلِيِّ أو ... مَغْلُوبِ غِشٍّ أَو مُسَاوٍ قَد رَوَوْا
(أو قيمة) أي ما يساوي يوم وجوب الزكاة لا ثمنه الذي اشترى به، (العَرض)، وهو كلُّ ما يعرض على البيع غير الدّراهم والدنانير والفلوس النافقة كالأقمشة والأمتعة، فإنّها تُقَوَّمُ بالأنفع للفقراء، فإن كان الأنفعُ والتَّقويم بالدَّراهم قوم بها، وإن كان بالدَّنانير قُوِّمَ بها. (أو الحُليّ) وهو ما يتحلّى من الذَّهب والفضّة، (أو مغلوب) بالرَّفع معطوف على الحُليّ، (غِش) ما خلط بالشيء من غير جنسه، وكان أدنى منه قيمة، يعني الفضّة أو الذهب، إذا كانتا مغشوشتين، وهما غالبان على غشهما، والغِش فيهما مغلوب، فإنَّ حكمهما حكم الخالصين، (أو مساوٍ): أي غِشهما لهما بأن كان الغش والفضّة أو الذَّهب سواء، فهو في حكمِ الخالص أيضاً احتياطاً، (قد رووا) أي نقل ذلك العلماء كتبهم.
81. ... مِقْدارُ رُبْعِ العُشْرِ يُعْطَى الفُقَرا ... وَغَارمٌ وابنُ السَّبيلِ في الوَرَى
(مقدار ربع العشر): أي ربع عشر نصاب الذهب، كما سبق، (يعطى) بالبناء للمفعول: أي يعطي المزكي المقدار المذكور، (الفقرا)، جمع فقير، وهو من له مال دون النصاب أو قدر نصاب غير نام أو مستغرق في الحاجة، والمساكين نوع من الفقراء، والمسكين من لا شيء له. (و) يعطي ذلك المقدار أيضاً (غارماً) وهو
من لزمه دين، ولا يملك نصابا فاضلاً عن دينه أو كان له مال على الناس، لا يمكنه أخذه. (و) يعطي ذلك المقدار أيضاً (ابن السبيل): أي الطريق (في الورى): أي بين الناس، وهو المسافر سمي به للزومه الطريق، وإن كان له مال في بلده، ولم يقدر عليه في الحال، ولا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، فألحق به كل من غاب عن ماله، وإن كان له مال في بلده.
82. ... وَكُلُّ ذِي قَرَابَةٍ غَيْرِ الأبِ ... وإنْ عَلَا كالأُمِّ فافْهَمْ أَرَبي
(و) يعطي ذلك المقدار أيضاً، (كل ذي قرابة) للمزكي إذا كان واحداً ممن ذكر، وهو أفضل من الأجانب لما فيه من صلة الرَّحم، (غير الأب): أي غير قرابة الأبوة، (وإن علا) أي أب الأب، (كالأم): أي وغير قرابة الأمومة، وإن علت كأم الأم أيضاً، (فافهم) يا أيها القارئ، (أرَبي) مقصودي.
83. ... وغَيْرِ ابنِهِ وإنْ قَدْ سَفَلا ... وزَوْجَةٍ وَزَوْجِها بَيْنَ المَلا
(وغير ابنه): أي ابن المزكي، يعني غير قرابة البنوة، (وإن قد سفَلا)، والألف للإطلاق كابن الابن، (و) غير (زوجة) للمزكي، (و) غير (زوجها) المزكية، يعني غير قرابة الزوجية، (بين الملا): أي الناس.
84. ... وإبلٌ وغنمٌ وبَقَرُ ... تَرْعَى مُباحًا سَومُها مُعْتَبَرُ
(وإبل) وهي الجمال، (وغَنَم) وهي شاة، (وبقر ترعى) كلأ، (مباحاً) رطباً أو يابساً، (سومها): أي رعيها، (معتبر) شرعاً.
85. ... في أكثرِ العامِ لِنفعٍ أو سِمَنْ ... فيَأْخُذُ الزَّكاةَ منها كُلُّ مَنْ
(في أكثر) أشهر (العام) السَّنة؛ لأنَّ اليسير من العلف لا يمكن الاحتراز عنه، وقد لا يوجد الرَّعي في جميع السَّنة، وهو الظاهر، فدعت الضرورة إلى العلف في بعض الفصول، فلو اعتبر اليسير منه لما وجبت الزكاة أصلاً، (لنفع):
أي انتفاع بألبانها وأولادها، (أو سمن) يحصل لها، قال الزَّيلعيّ: والمراد التي تسام للدرّ والنَّسل، فإن أسامها للحمل والرُّكوب فلا زكاة فيها، وإن أسامها للبيع والتِّجارة، ففيها زكاة التِّجارة لا زكاة السَّائمة، كما سيأتي. (فيأخذ الزَّكاة منها): أي من هذه السَّوائم المذكورة العامل وهو (كل من): أي كل إنسان.
86. ... أَرْسَلَهُ السُّلطانُ والفقيرُ لا ... تُعْطى لهُ قَصداً كما قَدْ نُقِلا
(أرسله السُّلطان) في القبائل لأخذ صدقات المواشي في أماكنها، ويُسمى السَّاعي. (والفقير) الذي هو مصرف الزكاة، (لا تُعطى): أي زكاة السوائم، (له قصداً) أي ابتداء، (كما قد نُقلا): أي كما قد نقله العلماء في كتبهم؛ وذلك لأنَّ حقّ الأخذ من السَّوائم للسُّلطان وحق التملك والانتفاع للفقير.
87. ... وكلُّ خمسةٍ مِنَ الجِمالِ ... فيهِنَّ شاةٌ فَاستمِعْ مَقَالي
(وكل خمسة من الجمال) جمع جمل، وهو البعير يطلق على الذكر والأُنثى، (فيهن): أي في الخمسة (شاة) واحدة ذكراً كانت أو أنثى، (فاستمع) يا أيها القارئ، (مقالي) أي قولي الذي قلته لك في بيان ذلك.
88. ... والخَمْسُ والعِشرونَ قُلْ بنتُ مخاضْ ... فيها وسِتٌّ معْ ثلاثينَ افْترَاضْ
(والخمس والعشرون) من الجمال ذكوراً كانت أو إناثاً منهما، (قل) يا أيها القارئ، (بنت) مبتدأ مضاب إليه، (مَخاض) وهي الناقة التي طعنت في الثانية؛ لأنّ أمها تكون مخاضة، أي حاملا بأخرى عادة، (فيها) وما زاد على ذلك عفو لا شيء فيه إلى ست وثلاثين. (و) في (ست مع ثلاثين) من الجمال، (افتراض): أي لزوم مضاف إلى.
89. ... بنتُ لَبُونٍ حِقةٌ لِمُقْتَفِي ... سِتٍّ وأربَعينَ والجَذْعَةُ في
(بنت لَبون) يعني يلزم في ذلك بنت لبون، وهي التي طعنت في السَّنة الثَّالثة؛ لأنّ أُمَّها تلد أخرى، وتكون ذات لبن غالباً. وتجب (حقّة) وهي التي طعنت في السَّنة الرَّابعة؛ لأنَّها حُقّ لها الحمل، والركوب أو الضراب، (لمقتفي): أي لمتبع من القفو، وهو الاتباع، (ستّاً) مفعول للمقتفي، (وأربعين) من الجمال: أي لمتبع ذلك ليأخذ زكاته، وهي السَّاعي أو العاشر. (والجَذَعة في) ...
90. ... إحدى وَسِتِّينَ كَذَا بِنْتَا لَبُونْ ... في سِتَّةٍ وَبَعْدَهُنَّ سَبْعُون
(إحدى وستين) من الإبل بإثبات الياء في إحدى؛ لأن الإبل مؤنث. (كذا): أي مثل ما ذكر يجب (بنتا لَبون): أي ثنتان من بنات لبون كل واحدة طعنت في السَّنة الثَّانية كما مَرَّ، (في ستة وبعده): أي بعد السِّتة (سبعون) من الجمال.
91. ... إحدى وَتِسْعونَ بِحِقَّتَيْن ... لِمَائةٍ يا صَاحِ مَعْ عِشْرين
(إحدى وتسعون) بتقدير، وفي إحدى وتسعين من الإبل، (بحقّتين أي يلزمه الساعي، أو العاشر بالحقتين إذا ملك ذلك المقدار، (لمائة): أي إلى مائة، (يا صاح) أصله يا صاحبي، فرُخِّم بحذف آخره على خلاف القياس. (معْ عشرين) ...
92. ... ثُمَّ بِكُلِّ خَمْسَةٍ شَاةٌ وَكُلْ ... خَمْسٍ وَأَرْبَعينَ والمَائة قُلْ
(ثمّ) تستأنف الفريضة، فيجب (بكلّ خمسة) من الإبل، (شاة) كما في الأول، وفي العشرة شاتان، وفي الخمسة عشر ثلاث شياه، وفي العشرين أربعين شياه مع الحقّتين الواجبتين في المائة وخمس وعشرين. (و) في ... (كل خمس وأربعين والمائة) من الإبل، (قل) يا أيها القارئ يَجب.
93. ... بِنْتُ مَخَاضٍ ثُمَّ حِقَّتانِ ... والمِئةُ الخَمْسُونَ فِيْها دَانِي
(بنت مخاض ثم حقتان)، وهما الواجبتان في المائة وخمس وعشرين، (والمائة) من الإبل (الخمسون فيها): أي في المائة (داني) أي قريب، يعني منضماً إليها، فتصير مائة وخمسين.
94. ... ثَلاثَةٌ مِنَ الحِقَاقِ ثُمَّ قُلْ ... شَاةٌ بِكلِّ خَمْسَةٍ وَلَا تَحِلْ
(ثلاثة) بإثبات التاء على تأويل البعير، فإنَّ لفظه مذكر، (من الحقاق) جمع حقّة. (ثم) تستأنف الفريضة مرة ثانية، (قل) يا أيها القارئ تجب (شاة بكل خمسة) كما مَرّ. (ولا تحلّ) من حال على الشيء إذا مال عنه: أي قل لا تمل عما سبق بيانه، وهو أنه في الخمسة شاة، وفي العشرة شاتان، وفي الخمسة عشر ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه مع الثلاث حقاق التي في المائة والخمسين.
95. ... وَالخَمْسُ وَالعِشْرُونَ فِيْها مِثلُ مَا ... قُلْنَا كَسِتٍ وَثَلاثِينَ كَما
(والخمس والعشرون) من الجمال، (فيها مثل ما قلنا): أي بنت مخاض مع الثلاث حقاق، (كست وثلاثين)، فإنَّ فيها بنت لبون مع الثَّلاث حقاق، (كما): أي مثل ما إن.
96. ... فِي مَائةٍ سِتٍّ وَتِسْعينَ اسْتَمِعْ ... أرْبَعَةٌ مِنَ الحِقَاقِ تَجْتَمِعْ
(في مائة) و (ست) بحذف الواو لضرورة الوزن، (وتسعين استمع) يا أيها القارئ، (أربعة من الحقاق) جمع حقة، (تجتمع): أي في الوجوب على المزكّي.
97. ... لِمَائَتَيْنِ ثُمَّ صَارتْ أَبَدا ... كَمَائةٍ مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ بَدَا
(لمائتين): أي إلى مائتين، وهو في المائتين بالخيار، إن شاء دفع أربع حقاق من كل خمسين حقة أو خمس بنات لبون من كل أربعين بنت لبون. (ثم صارت) أي الفريضة، (أبداً) أي دائما مستأنفة، وهو الاستئناف الثالث. (كمائة من بعد خمسين يداً) أي ظهر لك ذلك فيما سبق في الاستئناف الثاني؛ لأنَّ فيه إيجاب بنت
لبون، وإيجاب حقّة فوق الثلاث حقاق بخلاف الاستئناف الأول، فإنه ليس فيه إيجاب بنت لبون مع الحقتين، وإنّما فيه بنت مخاض مع الحقّتين في مائة وخمسة وأربعين، فلما زاد عليها خمس وصار مئة وخمسين وجب ثلاث حقاق.
98. ... وَأَرْبَعونَ قُلْ نِصَابُ الغَنَمِ ... فِيهِنَّ شَاةٌ بِنْتُ حَوْلٍ فَاعْلَم
(وأربعون) شاة، (قل) يا أيها القارئ، (نصاب الغنم) ضأناً او معزاً، (فيهن) أي في الأربعين المذكورة، (شاة) واحدة من الأربعين، (بنت حول): أي سنة، ويؤخذ فيها الثني، وهو ما تم له سنة لا الجذع، وهو ما أتي عليه أكثرها، ولأن الواجب الوسط، وهذا من الصغار، (فاعلم) فعل أمر من العلم، وحرك بالكسر لضرورة القافية. ثم ما زاد على ذلك، فهو عفو لا شيء فيه إلى أن يبلغ مائة وعشرين.
99. ... وَمَائةٌ إحْدَى وَعِشْرُونَ بِهَا ... شَاتانِ يَا صَاحِ فَكُنْ مُنْتَبِهَا
(ومائة إحدى وعشرون بها) أي فيها (شاتان) فقط حتى لو أراد الساعي تفريقها، وأن يأخذ من كل أربعين شاة لم يكن له ذلك؛ لأنه باتحاد الملك صار الكل نصاباً، (يا صاح) أي يا صاحبي، (فكن منتبها) أي صاحب انتباه، أي يقظة وحذق في فهم المسائل الشرعية، والأمور الدينية حيث كانت زكاة السوائم على خلاف مقتضى الرأي العقلي، وإنما يتبع فيه الوارد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ما زاد على ذلك، فهو عفو أيضاً لا شيء فيه إلى مائتين.
100. ... وَالمَائتَانِ مِنْهُ ثُمَّ وَاحِدَهْ ... ثَلاثَةٌ مِنَ الشِّيَاهِ المَاجِدَهْ
(والمائتان منه): أي من الغنم، (ثم واحدة ثلاثة من الشياه) جمع شاة، (الماجدة) أي صاحبة المجد، وهو بلوغ النهاية في الكرم، ويُراد في الشياه بلوغها النهاية في زيادة الدَّرِ والسِّمن أو الماجدة المعلوفة.
101. ... وَأَرْبَعٌ في أَرْبَعٍ مَنَ المِئآتْ ... ثُمَّ لِكُلِّ مَائةٍ تَزِيدُ شَاةْ
(وأربع) شياه، (في أربع من المئآت) جمع مائة، (ثم) بعد ذلك يؤخذ، (لكل مائة تزيد) على الأربعمائة، (شاة)، وما نقص من المائة عفو لا شيء فيه.
102. ... وَفِي الثَّلاثِينَ نِصَابُ البَقَرِ ... تَبِيعُ أَو تَبِيعَةٌ فَقَرِّر
(وفي الثلاثين) بقرة (نصاب البقر) والجاموس أيضاً يجب (تبيع) وهو ما تمّ عليه حول، (أو تبيعة): وهو الأنثى منه، سمي بذلك؛ لأنه يتبع أمه أو لأن قرنه يتبع أنفه، (فقرر) فعل أمر من التقرير، وهو التثبيت والتبيين، وما زاد عفو لا شيء فيه إلى الأربعين.
103. ... وَأَرْبَعِينَ قُلْ مُسِنٌّ ومَتَى ... زَادَ فَكُنْ فِيهِ الحِسَابَ مُثْبِتَا
(و) في (أربعين) من البقر، (قل) يا أيها القارئ يجب (مُسِنّ): وهو ما تم
عليه حولان أو مسنة، وهي الأنثى منه، سمي بذلك لزيادة المسنة، (ومتى زاد) على الأربعين واحدة لا يكن عفواً، (فكن) يا أيها القارئ، (فيه): أي في ذلك الزائد، (الحساب) مفعول مقدم لقوله: (مثبتاً): أي أثبت الحساب فيه فاحسبه، ففي الواحد الزائد على الأربعين ربع عشر مسن ....
105. ... وَلَيْسَ فِي مَعْلُوفَةٍ وَعَامِلَه ... شيءٌ وَلَا فِي العَفْوِ فَاحْفَظْ حَاصِلَهْ
(وليس في معلوفة): وهي التي تعطي العلف، من علف الدابة، أطعمها العلف، فلا تكون سائمة سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم. (و) ليس في (عامله) بالهاء القافية، وهي التي أعدت للعمل كإثارة الأرض بالحراثة والسقي ونحوه من الاستعمال؛ لأنها حينئذٍ من الحوائج الأصلية، (شيء) اسم ليس مؤخر، والجار والمجرور خبرها مقدم: أي شيء من الزكاة. (ولا) شيء أيضاً (في العفو) وهو ما بين النصابين، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، فإنه إذا ملك
مائة شاة، فالواجب عليه شاة، إنما هو في الأربعين منها لا في المجموع حتى لو هلك منها ستون بعد الحول، فإن الواجب على حاله، وستأتي، (فاحفظ) يا أيها القارئ، (حاصله): أي حاصل ما ذكر من زكاة السَّوائم.
106. ... نِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ في الأَدَا ... لِكُلِّ يومٍ مِنْ غُرُوبٍ قَدْ بَدَا
(نية صوم) شهر (رمضان في الأداء): أي في وقته المعروفة دون قضائه في غير وقته (لكل يوم) من أيام الشهر حتى لو لم ينو في يوم من الأيام لا يصحّ صومه فيه؛ لأنَّ ترك الأكل والشُّرب والجماع، قد يكون عادة، قد يكون عبادة لله تعالى، والمميز بينهما النيّة، وهي شرط في صحة جميع العبادات، وأول وقتها في صوم أداء رمضان: (من غروب) أي غروب الشمس، (قد بدا) أي ظهر ذلك الغروب، وانكشف عند الرائي، فوقت غروب الشمس هو أول وقت نيّة الصوم في الغد، وآخرها ...
107. ... إِلَى قُبَيْلِ الضَّحْوَةِ الكُبْرَى فَقَطْ ... كَالنَّفْلِ وَالنَّذْرِ المُعَيَّنِ انْضَبَطْ
(إلى قُبيل): أي قبلية قليلة؛ لأنَّ التصغير للتقليل، (الضحوة): وهي وقت الضحى، (الكبرى) نعت لضحوة، وهي قبل الزوال، (فقط): أي لا بعد ذلك؛ لأن وقت أداء الصوم من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ونصفه وقت الضحوة الكبرى، فتشترط النية قبلها لتتحقق من أكثر النهار. وأمّا الزَّوال فنصف النهار، وهو ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، فلو نوى قبيل الزوال لا يجوز؛ لأنه خلا أكثر النهار عن النية. (كالنفل): أي كما أن صوم النفل كذلك، فأوّل وقت نيته من غروب الشمس إلى قبيل الضحوة الكبرى، (و) كذلك صوم (النذر المعين) كما إذا نذر صوماً بعينه أو شهراً بعينه، (انضبط): أي هذا الحكم، وتحرر في كتب الفقه.
108. ... وَمُطْلَقُ النِّيَّةِ يُجْزِي فِيْهِ ... وَنِيَّةُ النَّفْلِ بِلا تَمْوِيْه
(ومطلق النية): أي النية المطلقة عن قيد الفريضة أو النفيلة، (يجزي): أي يكتفي بذلك، (فيه): أي في صوم أداء رمضان. (و) كذلك (نية النفل) سواء علم أنه من رمضان أو لم يعلم، كمَن صام يوم الشكّ بنيّة النَّفل أو كان من عادته صوم يوم الخميس أو الاثنين، فوافق صومه يوم الشكّ، فإنّه يجزيه عن رمضان إذا ثبت أن ذلك اليوم منه، (بلا تمويه): أي تغطية والتباس.
109. ... وَبِالخَطَأِ إِلّا مِنَ المَرِيضِ أَوْ ... مِنَ المُسَافِرِ فعمَّا قَدْ نَوَوْا
(و) يصح صوم رمضان أداء، (بالخطأ): أي الخطأ في الوصف بأن ينوي القضاء ونحوه، فصح الصوم بمطلقها: أي النية ونية النفل، وبخطأ الوصف في أداء رمضان؛ لأنّ الوقت متعين لصوم رمضان، والإطلاق في المتعين تعيين، والخطأ في الوصف لمّا بطل بقي أصل النية، فكان في حكم المطلق، (إلا من) الإنسان (المريض أو من) الإنسان (المسافر فعما): أي فيقع صوما عما (قد نووا) بصيغة الجمع كناية عن التثنية.
110. ... وَفِي قَضَاءِ الشَّهْرِ وَالْكَفَّارَهْ ... وَمُطْلَقِ النَّذْرِ خُذِ العِبَارَهْ
(وفي) صوم (قضاء الشهر): أي شهر رمضان، (و) صوم (الكفارة) سواء كانت كفارة يمين أو ظهار أو قتل أو جزاء صيد أو حلق أو متعة أو كفارة رمضان. (و) صوم (مطلق النذر) أي النذر المطلق عن التعيين بيوم أو شهر، كمن نذر أن يصوم يوما لم يعينه أو شهرا لم يبيّنه، (خذ) يا أيها القارئ هذه، (العبارة): أي افهمها واحفظها. وهذا هو التفصيل في النية في الصوم.
111. ... يُشْتَرَطُ التَّعْيينُ والتَّبْييتُ ... وَخَبَرُ العَدْلِ بِهِ ثُبُوتُ
(يُشترط): أي يشترط الشرع في نية الصوم في هذه الأنواع الثلاثة المذكورة، (التعيين) بأن ينوي أنه صائم عن قضاء رمضان دون غيره، وإن لم يشترط تعيين اليوم الذي أفطر فيه من الشهر، وينوي أنه صائم عن كفارة يمينه أو
ظهاره ونحو ذلك، وينوي أنه صائم عن اليوم الذي نذره. (و) يشترط في ذلك أيضاً (التبييت): أي تبييت نية الصوم من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، حتى لو لم ينو قبل طلوع الفجر، ونوى بعد الطلوع لا يصح منه صوم ذلك اليوم عن واحد من هذه الأنواع الثلاثة. (وخبر) الواحد (العدل): وهو من ثبتت عدالته: أي براءته من الفسق بإخبار الثقات (به): أي بذلك الخبر (ثبوت) ... كما سيأتي.
112. ... هِلَالِ صَوْمٍ مَعَ عِلَّةٍ وَلَوْ ... قِنَّاً وَلَوْ أُنْثَى يَكُونُ قَدْ رَوَوْا
وخبر العدل يثبت به (هلال) شهر (صوم) وهو هلال شهر رمضان، (مع) وجود (علة) في السَّماء كالسحاب والدخان، (ولو) كان ذلك الواحد العدل (قِنَّاً): أي عبداً، (ولو أُنثى) حُرّةً كانت أو أمة (يكون) ذلك الواحد العدل، (قد رووا): أي العلماء هذا الحكم في كتبهم.
113. ... وَالفِطْرُ بِالعلَّةِ فِيْهِ يُشْتَرَطْ ... عَدْلَانِ مَعْ لَفْظِ شَهَادَةٍ فَقَطْ
(و) ثبوت هلال (الفطر بالعلة) معها أو سببها (فيه): أي الفطر بتقدير ثبوته (يُشترط): أي يشترط الشَّرع نصاب الشَّهادة، وهو رجلان، (عدلان) أو رجل وامرأتان بوصف العدالة، (مع) اشتراط (لفط الشهادة) بأن يقول الشاهد: أشهد أني رأيت الهلال أو نحو ذلك، (فقط): أي من غير اشتراط الدعوى.
114. ... وَفِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ تُرَى ... لَا بُدَّ مِن جَمْعٍ عَظيمٍ فِي الوَرَى
(وفيهما): أي في الصوم في أول الشهر والفطر في آخره، (من غير علة ترى): أي تظهر من نحو سحاب أو دخان، كما مَرّ، (لا بُدّ) في ثبوت الصوم والفطر (من) أخبار (جمع عظيم في الورى): أي من النّاس.
115. ... مُفَوَّضٍ لِرَأيِ حَاكِمٍ يَعِيْ ... وَلا اعْتِبَارَ لِاخْتِلافِ المَطْلَع
(مفوض): أي مقدار ذلك الجمع (لرأي) أي اختيار (حاكم): أي قاض من قضاة المسلمين (يعي) من وعى الخبر يعيه إذا عرفه، (ولا اعتبار) شرعاً (لاختلاف) جنس (المطلِع) أي المطالع، كما سيأتي.
116. ... وَالأكْلُ نَاسِياً بِهِ لَا يُفْطِرُ ... وَالشُّرْبُ وَالجِمَاعُ أيْضاً قَرَّرُوا
(والأكل): أي أكل الصائم للطعام (ناسياً) صيامه (به): أي بذلك الأكل المذكور (لا يفطر): أي الصائم، (و) كذلك (الشرب) للماء ونحوه ناسياً، (والجماع) للزوجة ناسياً (أيضاً) لا يفطر به، (قرروا) أي بين ذلك العلماء في كتبهم.
117. ... كَذَا اكْتِحَالٌ وَادِّهَانٌ وَاحْتِجَامْ ... إِنْزَالُهُ بِنَظَرٍ أوِ احْتِلاَمْ
(كذا) أي مثل ما ذكر في عدم الإفطار (اكتحال) وجد طعمه في حلقه أو لا.
(و) كذا (ادهان) في كونه غير مفطر للصائم، وهو استعمال الدهن كالزيت ونحوه لعدم المنافي. (و) كذا (احتجام)؛ لما أخرجه البخاري وغيره، أنّه - صلى الله عليه وسلم -: «احتجم وهو صائم». (إنزاله) بحذف حرف العطف لضيق الوزن عنه والضمير للصائم: أي إنزال الصائم منياً (بنظر) على وجه الشهوة لحلال أو حرام، (أو احتلام) معطوف على الإنزال أو على النظر؛ لأنه لا صنع له فيه، فكان أبلغ من النسيان.
118. ... أَوْ دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ الغُبَارِ ... أوِ الذُّبَابِ أو دُخَانِ النَّار
(أو دخل الحلق): أي حقّ الصائم (من الغبار) من زائدة، والغبار فاعل دخل، فإنّه لا يفطر، (أو) دخل (الذباب أو دخان النار)، ولكان ذاكراً لصومه؛ لأنّه لا يُمكن الاحتراز عنه.
119. ... ومُفْطِرَاً صَارَ لَهُ إنْ أدْخَلَا ... كَمَنْ بِتَقْبِيلٍ وَلَمْسٍ أنْزَلَا
(ومفطراً) خبرٌ مُقدَّم لقول (صار): أي الصائم (له): أي الغبار، أو الذباب، أو الدخان (إن أدخلا) الألف للإطلاق إذا كان ذاكراً لصومه حيث تعمد ذلك. (كمن) أي يفطر أيضاً من (بتقبيل): أي بسببه من الرجل أو المرأة، (ولمس) بيده، ونحوها على وجه الشهوة، (أنزلا) الألف للإطلاق أيضاً، وإن لم ينزل بالتقبيل أو اللمس بشهوة لا يفسد صومه.
120. ... وَالأَكْلُ عَمْدَاً إِذْ بِنِسْيَانٍ سَقَطْ ... إِنْ ظَنَّ فِطْرَهُ بِهِ يَقْضِي فَقَطْ
(والأكل): أي أكل الصائم (عمداً) في يوم رمضان؛ (إذ) أي لأن قبل التّعمد (بنسيان): أي بسبب النسيان أنه صائم (سقط) بالسكون لأجل القافية حيث لم يفسد صومه، (إن ظن): أي الصائم المذكور (فطره) مفعول ظن (به): أي بذلك الأكل مع النسيان (يقضي): أي يفسد صومه لتعمده الأكل بعد ذلك، فليزمه القضاء.
121. ... مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَأَمَّا المُحْتَجِمْ ... تَكْفِيرُهُ إنْ ظَنَّ فِطْراً قَدْ لَزِمْ
(من غير تكفير): أي لا تجب عليه الكفّارة بذلك، وكذلك إذا أفطر خطأ، ثم أكل عمداً بعده، (وأما المحتجم): أي من احتجم في نهار رمضان فإن (تكفيره): أي وجوب الكفارة عليه (إن ظَنّ فطرا) أي أنّه أفطر بذلك، فأكل عمداً بعده (قد لزم) فيقضي ذلك اليوم، ويخرج الكفارة أيضاً.
122. ... كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ دواءً وَغِذَا ... عَمْدَاً وَمِثْلُهُ الجِمَاعُ وَكَذَا
(كالأكل) أي أكل الصائم في نهار رمضان من كونه موجبا للقضاء والكفارة، (والشرب) كذلك (دواء): أي ما يؤكل للدواء أو يشرب له احترازاً عن نحو التراب والحجر (وغذا) ما يتغذى به من الطعام والشراب (عمداً): أي
ما يؤكل على وجه التعمد دون الخطأ والنسيان والإكراه. (ومثله) أي مثل الأكل والشرب المذكورين، (الجماع) بأن جامع الصائم في نهار رمضان أو جومع عمداً في أحد السبيلين من آدمي حي بشرط تواري الحشفة أنزل أو لم ينزل، (وكذا) ....
123. ... إِن اسْتَقَاءَ عَامِداً مِلْءَ الفَمِ ... لا إِن بِسَبْقٍ كَانَ ذَاكَ فَاعْلَم
(إن استقاء): أي طلب القيء في نهار رمضان (عامداً) فخرج قيؤه (ملء الفم) فإنه يفطر، ويلزمه القضاء من غير كفارة بالإجماع، (لا إن بسبق): أي غلبة منه (كان ذاك) القيء الذي هو ملء الفم، (فاعلم) فعل أمر، وكسر الميم لضرورة الوزن.
124. ... وَالصَّوْمُ فِي العِيدَيْنِ مَكْرُوهٌ وَفِيْ ... أَيَّامِ تشْرِيقٍ كَذَا يَا مُقْتَفِيْ
(والصوم في) يومي (العيدين) وهما: عيد الفطر، وعيد الأضحى (مكروه) كراهة تحريم، (وفي أيام تشريق): وهي ثلاثة أيام بعد يوم عيد الأضحى، (كذا): أي مثل الصوم في العيدين مكروه أيضاً (يا مقتفي): أي يا متبعا للأحكام الشَّرعية احفظ هذا، واعمل به.
125. ... وَلَيْسَ يَقْضِي مَن رَأَى جُنُونَهُ ... مُسْتَوْعِباً لِلشَّهْرِ لَا مَا دُونَهُ
(وليس يقضي): أي لا يلزم القضاء (من): أي الآكل الذي (رأى جنونه): أي جنون نفسه بأن أفاق من جنونه فوجد جنونه (مستوعباً للشهر): أي شهر رمضان كله، ولم يفق في وقت أصلاً من ليل أو نهار (لا) مَن رأى جنون نفسه مستوعباً (ما دونه) أي دون الشهر، فإنه يقضي الشهر كله، ولو أفاق في آخر يوم منه.
126. ... أَمَّا بِإغْمَاءٍ فَيَقْضِيْ مُطْلَقَا ... لَا يَوْمَهُ أَو لَيْلَةٍ فِيها التَقَى
(أما) إذا استوعب (بإغماء) حصل له (فيقضي) شهر رمضان كله (مطلقاً): أي سواء كان إغماؤه في جميع الشهر أو في بعضه. (لا) يقضي (يومه): أي اليوم الذي أغمي عليه فيه (أو) يوم (ليلة فيها): أي في تلك الليلة (التقى): أي اجتمع فيها بالإغماء، فإن صومه في ذلك صحيح، فلا يلزم قضاؤه.
127. ... يُفْتَرَضُ الحَجُّ عَلَى المُكَلَّفِ ... المُسْلِمِ الحُرِّ الصَّحِيحِ فَاعْرِف
(يفترض) بالبناء للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، (الحج) فرضاً عيناً مرّة في العمر (على المكلف) أي العاقل البالغ (المسلم الحر الصحيح) فلا حج على المريض كما يأتي (فاعرف) فعل أمر، وحرك بالكسر لأجل الوزن.
128. ... ذِي بَصَرٍ وَالزَّادِ ثُمَّ الرَّاحِلَهْ ... قَدْ فَضَلا عَنْ كُلِّ مَا لا بُدَّ لَهْ
(ذي) أي صاحب، نعت للمكلف (بصر) فلا يجب على الأعمى، وإن وجد قائداً، كما يأتي (الزاد) وهو طعام يتخذ لأجل السفر (ثم) صاحب (الراحلة) ذهاباً وإياباً، والمراد بها: المركب مطلقاً ولو بالكراء على حسب ما يليق به، (قد فضلا) أي الزاد والراحلة، أي كان فيهما زيادة (عن كل ما لا بد له) سكون الهاء لأجل القافية.
129. ... وَالأَمْنُ فِي الطَّريقِ غَالِباً وَفِي ... حَقِّ النِّسَا مَعْ مَحْرَمٍ مُكَلَّف
(و) صاحب (الأمن) أي عدم الخوف على نفسه وماله (في الطريق) الموصل إلى الحج (غالباً) حال من الأمن، أي بأن يكون غالباً؛ إذ لا تخلو البرية عن الخوف. (وفي حق النسا) يشترط لوجوب التكليف المذكورة، وما وصف به مما ذكر (مع) زيادة معية (محرم) لهنّ (مكلف) نعت للمحرم، أي عاقل بالغ.
130. ... وَفَرْضُهُ الإحْرَامُ وَالوُقُوفُ ... بِعَرَفاتٍ بَعْدَهُ يَطُوفُ
(وفرضه) أي الحج (الإحرام) وهو كالتحريمة للصلاة، وهو نية الحج مع لفظ التلبية، وهي أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك، والشرط إنّما هو ذكر الله فارسياً كان أو عربياً، وخصوص التلبية سنة. (و) فرضه أيضاً (الوقوف): أي الكينونة (بعرفات) وهو الجبل المعروف بمكة (بعده) أي بعد الوقوف بعرفات (يطوف): أي المحرم، يعني الطواف بالبيت سبعة أشواط.
131. ... وَالوَاجِبُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَهْ ... وَللغُرُوبِ مَدُّهُ بِعَرَفَهْ
(والواجب) أي واجبات الحج (الوقوف بالمزدلفة) بالهاء الساكنة لأجل القافية، وهي المشعر الحرام، وتسمى جمعاً، وأول وقته من بعد طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس. (و) واجب الحج أيضاً (للغروب): أي غروب الشمس (مده) أي مد الوقوف (بعرفة)، فلو نفر من عرفات قبل الغروب، وخرج من حدودها لزمه دم.
132. ... وَالسَّعْيُ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ الصَّفَا ... وَالمَشْيُ فيهِ مَع عُذْرٍ انْتَفَى
(و) واجب الحج أيضاً (السَّعي) بين الصفا والمروة سبعاً. (و) واجب الحج أيضاً (ابتداؤه): أي السعي (من الصفا): أي يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، يعني أن السعي من الصفا إلى المروة شوط، ثم من المروة إلى الصفا شوط آخر، فتكون بداءة السعي من الصفا، وختمه وهو السابع على المروة، وسيأتي. (و) واجب الحج أيضاً (المشي فيه): أي في السعي (مع عذر انتفى) أي بلا عذر، فلو ركب أراق دماً.
133. ... رَمْيُ الجِمَارِ وَالطَّوَافُ للصَّدَرْ ... فِي الغُرَبَا وَالابْتِدَا مِنَ الحَجَرْ
(رمي الجمار) والجمار هي الصغار من الأحجار، فجمرة العقبة في يوم النحر بعد النفر من المزدلفة سبع حصيات، والجمرات الثلاثة يرميها في منى ثاني
يوم النحر بعد الزوال، يبدأ بما يلي مسجد الخيف، ثم يليه، ثم بالعقبة كل واحدة سبع حصيات أيضا، وكبر مع كل حصاة رماها، كما سيأتي. (و) واجب الحج أيضاً (الطواف) بالبيت سبعة أشواط (للصدر) بالسكون لأجل الوزن، أي الرجوع، وهوطواف الوداع (في) حق (الغربا) جمع الغريب، ويعني غير أهل مكة. (و) واجب الحج أيضاً (الابتدا) في الطَّواف كله (من الحجر): أي الحجر الأسود، واستلامه سنة، والمشهور من المذهب أن الابتداء في الطواف من الحجر سنة.
134. ... تَيَامُنٌ فِيهِ مَعَ المَشْيِ بِلَا ... عُذْرٍ وَطُهْرٌ سَتْرُ عَوْرَةٍ تَلَا
وواجب أيضاً: (تيامن فيه): أي في الطواف كله (مع) وجوب (المشي) في الطواف (بلا عذر) فلو ركب أراق دماً، (و) مع وجوب (طهر): أي طهارة في الطواف، فإنها واجبة لا فرض ومع وجوب (ستر عورة) في الطواف (تلا) أي تبع الستر ما ذكر في الوجوب، وسيأتي.
135. ... إنْشَاءُ إِحْرَامٍ مِنَ المِيقَاتِ ... كَذَاكَ لِلقَارِنِ ذَبْحُ الشَّاة
وواجب أيضاً: (إنشاء إحرام من الميقات كذاك للقارن): أي كما ذكر من واجبات الاحرام أيضاً (ذبح الشاة) شكرا لنعمة الجمع بين النسكين، فيذبح شاة أو سبع بدنة بعد رمي جمرة العقبة في يوم النحر، وسيأتي.
136. ... وَذِي تَمَتُّعٍ وَرَكْعَتَانِ قُلْ ... لِكُلِّ أُسْبُوعٍ يَطُوفُهُ الرَّجُلْ
(و) من الواجبات أيضا ذبح الشاة أو سبع بدنة لكل (ذي): أي صاحب (تمتع) وهو الإحرام بالعمرة أولاً في أشهر الحج، ثم الإحرام ثانياً بالحج، ويذبح في يوم النحر كالقارن. (و) واجب أيضاً (ركعتان قل) يا أيها القارئ عند مقام إبراهيم عليه السلام، أو حيث يتيسر من المسجد (لكل أسبوع يطوفه الرجل)، وكذلك المرأة سواء كان طواف الفرض أو الواجب أو النفل.
137. ... حَلْقٌ أَو التَّقْصِيرُ وَالتَّرتِيبُ في ... رَمْيٍ وَحَلْقٍ ثُمَّ ذَبْحٍ فَاعْرِف
وواجب أيضاً: (حلق) لربع رأسه (أو التقصير) في ربع الرأس أيضاً، بأن يقطع منه قدر أنملة. (و) واجب أيضاً (الترتيب) يوم النحر (في رمي) جمرة العقبة (وحلق) لرأسه أو تقصيره بعده (ثم ذبح) دم القران أو المتعة (فاعرف) فعل أمر، وحرك بالكسر للقافية.
138. ... جَعْلِ طَوَافِ الفَرْضِ يَوْمَ النَّحْرِ ... وَمَا سِوَاها سُنَنٌ فاسْتَقْر
وواجب أيضاً: (جعل طواف الفرض): أي طواف الزيارة في (يوم) من أيام (النحر) الثلاثة، فلو أخره عنها لزمه دم (وما سواها): أي سوى ما ذكر من الفروض (و) الواجبات فهو (سنن) جمع سنة (فاستقري): أي تتبع ذكرها في كتب المناسك.
139. ... وَأَشْهُرُ الحَجِّ بِشَوَّالٍ تَحِلْ ... وَقَعْدَةٍ وَعَشْرِ ذِي الحِجَّةِ قُلْ
(وأشهر الحج): أي التي لا يجوز تقديم أفعال الحج عليها بالإجماع (بشوال تحل) أي تستقر، وتثبت (و) ذي (قعدة) بحذف حرف ذي لضيق الوزن (وعشر ذي الحجة) فهي شهران، وعشرة أيام (قل) يا أيها القارئ، فيكره الإحرام للحج قبلها.
140. ... وَالأفْضَلُ القِرَانُ فَالتَّمَتُّعُ ... وَبَعْدَهُ الإِفْرَادُ وَهْوَ أَسْرَعُ
(والأفضل) في الإتيان بالحج الفرض أو النفل (القران) بكسر القاف، وهو أن يحرم بحجٍّ وعمرةٍ معاً من الميقات أو قبله في أشهر الحج أو قبلها. (فالتمتع) مأخوذ من المتاع، وهو النفع الحاضر، وهو الجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج في سنة واحدة. (وبعده): أي بعد التمتع في الفضيلة (الإفراد): وهو أن يحرم بالحج فقط من الميقات، ويدخل مكة، فيطوف للقدوم، ويسعى بعده، ثم
يبقى محرما حتى يقف بعرفات، ويأتي منى، فيرمي جمرة العقبة، ويحلق، ويطوف طواف الفرض يوم النحر، ويفعل جميع ما ذكر من المناسك. (وهو) أي الإفراد (أسرع) أي أسهل عملاً على المكلف من غير زيادة مشقة.
141. ... وَالعُمْرَةُ الطَّوَافُ والسَّعْيُ انْضَبَطْ ... وَلا تَكُونُ غَيْر سُنَّةٍ فَقَطْ
(والعمرة) هي (الطواف) بالبيت سبعة أشواط، وهو فرضها، (والسعي) بين الصفا والمروة سبعة أشواط أيضا، كما ذكر، وهو واجبها، (انضبط) بالسكون لضرورة الوزن، أي تقرر، وثبت في الكتب، والإحرام شرط لصحة أدائها. (ولا تكون): أي العمرة (غير سنة) مؤكدة، (فقط) لكن تجب بالشروع.
142. ... يَلَمْلَمُ مِيْقَاتُ أَهْلِ اليَمَنِ ... كَذَاكَ ذُو حُلَيفَةٍ لِلمَدَنِي
(يَلمْلم)، وهو جبل من جبال تهامة (ميقات): أي موضع إحرام (أهل اليمن) ومن قصد مكة من جهتهم أيضاً (كذاك): أي مثل ذلك الميقات (ذو حُلَيفة للمدني) أي لمن كان من أهل المدينة المنورة، أو قصد مكة من جهتهم.
143. ... وَلِلعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ سَامِي ... قَرْنٌ لِنَجْدٍ جُحْفَةٌ للشَّامِي
(وللعراقي): أي لمن قصد مكة من جهة العراق (ذات عِرْق سامي) أي مرتفع مشهور معروف لأهل العراق، (قرْن لنجد): أي لأهل نجد، ومن قصد مكة من جهتهم أيضاً (جُحْفة للشامي): أي لمن قصد دخول مكة من جهة الشام.
144. ... وَيَلْزَمُ المُحْرِمَ شَاةٌ إِنْ لَبِسْ ... يَوْماً وَإِنْ طَيَّبَ عُضْواً فَاحْتَرِسْ
(ويلزم المحرم) أي يجب عليه ذبح (شاة) أي سبع بدنة (إن لبس): أي لبس مخيطاً (يوماً) كاملا، وإن كان أقل منه، فعليه صدقة.
(و) يلزمه شاة أيضاً أو سبع بدنه (إن طيّب عضواً) كاملا من أعضائه بأن استعمل الطِّيب فيه (فاحترس) يا أيها المكلَّف من ذلك إذا كنت محرماً.
145. ... كَحَلْقِ رُبْعِ رَأْسِهِ وَإِنْ قَتَلْ ... صَيْداً وَإنْ أَشَارَ أَو عَلَيْهِ دَلْ
(كحلق) المحرم (ربع رأسه) فإنه يلزمه به دم سواء كان بالموسى أو بالنورة. (وإن قتل) بالسكون للوزن، أي المحرم (صيداً) أي حيواناً ممتنعاً بقوائمه أو بجناحه متوحشاً بأصل الخلقة، بأن كان توالده وتناسله في البر، (وإن أشار) المحرم أيضا إلى الصيد، فقتله الغير بسبب إشارته، (أو عليه): أي على الصيد (دل) بالسكون أيضا للوزن، أي المحرم.
146. ... قِيمَتُهُ كَقَطْعِ أَشْجَارِ الحَرَمْ ... مُبَاحَةً إلا إذا جَفَّ وَتَمْ
(قيمته): أي الواجب حينئذ قيمة ذلك الصيد، وهي ما قومه عدلان في مقتله أو أقرب مكان منه. (كقطع أشجار الحرم)، فإن ذلك موجب لقيمته، يتصدق به على الفقراء، (مباحة) حال من الأشجار، أي هي مما ينبت بنفسه (إلا إذا جفّ): أي يبس ذلك الشجر النابت في الحرم، فقطعه إنسان، فإنه يجوز، ولا شيء عليه؛ لأنه ليس بنام، واستحقاق الأمن من القطع باعتبار النمو والزيادة.
(وتم): أي فرغ الكلام على أركان الإسلام الخمسة بما هو على وجه الاختصار إرشاداً وتعليما للمبتدئين من الصغار، وتمام هذه الأبحاث مذكور في المطولات.
147. ... وَالحَمْدُ للهِ عَلَى الهِدَايهْ ... أَقُولُ في المَبْدَأِ وَالنِّهَايهْ
(والحمد) أي كل حمد (لله) سبحانه وتعالى (على الهداية): أي الإرشاد والتوفيق، (أقول في المبدأ): أي ابتداء هذا النظم، (والنهاية)
أي نهايته، والفراغ منه.
148. ... وَإنَّنِي عَبْدُ الغَنِي النَّابُلْسِي ... أَصْلَحَ لِي رَبِي أخِيرَ النَّفَس
(وإني) أي ناظم هذه الأبيات (عبد الغني) بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الدين بن جماعة المقدسي (النابلسي) الدمشقي، (أصلح لي ربي): أي مالكي وخالقي (أخير النفَس): أي النفس الأخير الذي تخرج الروح بخروجه، والمراد أن يكون أحسن أعماله عند لقاء ربه.
149. ... بِحُرْمَةِ المَبْعُوثِ من عَدْنَانِ ... مُحَمدٍ مَنْ جاَء بالفُرقَان
(بحرمة) النبي (المبعوث) من الله تعالى إلينا (من) ذرية (عدنان) وهو من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم (محمد) اسم نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم (من): أي الذي (جاء) من عند الله تعالى (بالفرقان) وهو القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
150. ... صَلاةُ رَبِّنَا عَلَيْه وَعَلَى ... جَميعِ آلِهِ الكِرَامِ النُّبَلَا
(صلاة ربنا) أي رحمته العامة والخاصة (عليه): أي على محمد - صلى الله عليه وسلم - (وعلى جميع آله) أي أهل بيته المؤمنين به من حيث النسب، ومن حيث الاتباع (الكرام) جمع كريم من الكرم، وهو ضد اللؤم والخسة (النبلا) جمع نبيل من النبل، وهو الفضل والنابل هو الحاذق بالأمر، كذا في المجمل.
151. ... وَصَحْبِهِ مِنْ كُلِّ شَهْمٍ مُتَّقِي ... مَا غَسَلَ الصُّبْحُ ثِيَابَ الغَسَق
(و) على جميع (صحبه) جمع صحابي، وتقدم بيانه (من كل) بيان للصحف أو لهم وللآل (شَهْم) أي الذّكي الفؤاد (متقي) أي صاحب تقوى، وهي استقامة الظاهر والباطن على الحق الشرعي (ما غسل) أي متى غسل (الصبح) وهو الفجر الصادق، ويسمى ابن ذكا وذكا بالضم والقصر الشمس، (ثياب) جمع ثوب (الغسق) أي الظلمة، والغاسق الليل.
وهذا آخر ما أوردنا ذكره على هذه المنظومة من الشرح، نفع الله تعالى بها عباده، وأدام لهم التوفيق والإفادة، إنَّه سميع مجيب، بصير قريب.
• • •