تهذيب الخلاصة ....
... غاية السائل
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب الخلاصة ....
... غاية السائل
تهذيب
خلاصة الدَّلائل وتنقيح المسائل
في شرح القُدُوريّ
ومعه حاشيته
غاية السائل
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
(قسم العبادات)
الجزء الأول
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومَن اهتدى بهديهم وسار على دربهم إلى يوم الدَّين.
وبعد:
لما كان المقرَّر في المستوى الأولى من دراسة الطالب في كلية الفقه الحنفي المتن المشهور؛ لأبرز أئمة المسلمين، أبي الحسين القُدُوري (ت 428 هـ)، وكان من أوجز الشُّروح عليها وأفضلها شرح الإمام الرَّازي «خلاصة الدَّلائل في تنقيح المسائل»؛ ليعين الطُّلاب في فهم القُدُوري، ومعرفة الخلاف مع المذاهب الأُخرى، والاطلاع على أدلّة المسائل الفقهيّة بطريقةٍ مختصرةٍ دقيقةٍ.
ولاحظنا النَّفع العظيم الحاصل للطلبة من خلال هذه الدراسة المنهجية العلمية النَّصيّة في مختصر القُدُوريّ والاستفادة الكبيرة لهم من شرح «خلاصة الدَّلائل».
وكان من المناسب في هذه المرحلة للطلاب إسقاط مسائل العبيد، التي لا ينتفع بها في هذا الزمان، وما كان منها صالحاً لزماننا كالتَّمثيل بالعبد في المعاملات يستبدل بغيره من ذكر جمل أو بقرة أو شاة؛ لأنّ التَّمثيل به يُسبب نفرةً للدَّارسين من أنّ هذه المسائل لا تُناسب عصرنا.
وفي الحقيقة ما يكون خاصاً بالعبيد قليل جداً، وسياستنا في الكلية فيما سبق عدم شرحها وتجاوزها، فكان من الأفضل أن تحذف أصلاً؛ لعدم الحاجة لها، ويكون الكتاب تهذيباً للقُدُوريّ وتهذيباً للخلاصة.
بالتالي تبقى كلّ الفائدة العلمية في «القُدُوريّ» و «الخلاصة» كما هي، وإنّما المحذوف ما لا حاجة له أبداً، ولعلّ الله تعالى ييسر في مرحلة قادمة إعادة ترتيب مسائل متن القُدُوري تسهيلاً للطَّلبة.
وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله بقبول حسن، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بتاريخ 3 ـ 10 ـ 2019
في صويلح، عمان، الأردن
......................................................................
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الفقيه حسام الدِّين عليّ بن أحمد بن مكي الرازيّ وفّقه الله تعالى لمرضاته (¬1):
الحمد لله الموفّق للصواب والسّداد، الهادي إلى سبيل الصلاح والرشاد، وصلَّى اللهُ على محمّد خير العباد، المبعوث بالملحمة والجهاد، المنعوت بقلع الشرك والفساد، وعلى آله وأصحابه المبرَّئين من الكفر والعناد، المُنَزَّهين من الزَّيغ والإلحاد ما وعد كريم بإسعاد وتوعد ظلوم بإرعاد.
وبعد:
فإنَّ القلوبَ والطِّباع لم تزل مائلةً إلى ادّخار الذِّكر الجميل، والنُّفوس والهمم طامحةً إلى اقتناء الذُّخر الجزيل، وفي صوب هذين الغرضين ونحو هذين القصدين (¬2)، أنعمت بالإسعاف والإسعاد، وأسمحت بالإرفاق والإرفاد (¬3) لمَن شكى إليَّ إطالة بعض شروح «مختصر القُدُوريّ» وإملاله، واختصار بعضها وإخلاله، بتهذيب كتاب متجانس اللفظ والمعنى جزالةً، متشاكل (¬4) المبتدأ والمنتهى اختصاراً وإطالةً.
¬
(¬1) اختلفت النسخ في هذه العبارة.
(¬2) في جـ: «الفضلين».
(¬3) أرفقه: نفعه، ورفده وأرفده: أعانه بعطاء أو قول أو غير ذلك، ومنه الرفادة لإطعام الحاج. ينظر: مختار الصحاح ص 26، والمغرب 1: 338.
(¬4) تشاكلَ يتشاكل تشاكُلاً فهو مُتشاكِل، وتشاكل الشيئان: أي تشابها وتماثلا وتوافقا، كما في معجم اللغة العربية المعاصرة 2: 1227.
كتابُ الطَّهارة
(قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}
هذا مع اعترافٍ بقلّةِ البضاعة، وعدم التَّقدُّم في الصِّناعة، بل جرأةً خالصةً وتجهلاً وتقحماً (¬1) محضاً وتحمّلاً، لتصحيح نسبة الأب، وتصديق كلمة الرّبِّ (¬2) - عز وجل - في قوله - جل جلاله -: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)} [الأحزاب: 72]، فمَن مشى على مثال أبيه ونسج على منوال أخيه ما اقترف ذنباً ولا اقتحم ولا اغتمض حقّاً ولا اهتضم، فمَن أشبه أباه فما ظلم، وفّقنا اللهُ لما يُحبّه ويرضاه، وحمانا من اقتحام ما يكرهه ويأباه، وجعل ما نقصده ونتوخاه ونلتمسه ونرومه خالصاً لوجهه، وطلباً لجزيل ثوابه، وتحرُّزاً من أليم عقابه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكَّلت وإليه أُنيب.
كتابُ الطَّهارة
افتتح الشيخ أبو الحسين البغدادي رحمه الله الكتاب بالآية وبنى عليها أمر الطَّهارة، فقال: (قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]) الآية.
ففرضُ الطَّهارة: غسلُ الأعضاءِ الثّلاثة ومسحُ الرّأس
¬
(¬1) تقحَّم الأمرَ العظيمَ: اقتحمه، رمى بنفسه فيه، كما في معجم اللغة العربية المعاصرة 3: 1778.
(¬2) أراد الشّارح التّواضع من الاعتراف بالتّقصير وعدم الأهلية، ورغم ذلك قام بالشَّرح جرأةً منه على العلم، ويقول: هذه حقيقة الإنسان كما فعل سيدنا وأبونا آدم - عليه السلام - من حمل الأمانة، وهذا مصداق وصف الله تعالى للإنسان بأنّه كان ظلوماً جهولاً، ففي سيري في شرح الكتاب أسير على طريق بني الإنسان، فهذه حقيقتنا وطبيعتنا ولست بظالم في هذا، وكلُّ هذا من باب الأدب والتواضع من الشارح رحمه الله.
ثُمّ قال: (ففرضُ الطَّهارة: غسلُ الأعضاءِ الثّلاثة) وهي: الوجه (¬1)، واليدان، والرِّجلان؛ لأنَّ اللهَ - جل جلاله - أمر بغسل الوجه وعطف البواقي عليه، والمعطوف يُشارك المعطوف عليه في الحكم.
(ومسحُ الرّأس)؛ لأنَّه تعالى خصَّه بذكر المسح، فقال - جل جلاله -: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6].
وفي كون الرِّجل معطوفاً على الوجه أو على الرَّأس كلامٌ (¬2)، إلا أنَّ الإجماعَ والنُّصوصَ حسمت مادة ذلك، فإنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر الأعرابي بغسل الرِّجلين حين
والمرفقان والكعبان يدخلان في الغَسل
¬
(¬1) وهو من قصاص شعر الرأس، وهو منتهى منبت شعر الرأس إلى الأذن، فيكون العذار والأذن داخلاً في الوجه، كما هو مذهب أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم - فيفرض غسله، وعليه أكثر المشايخ، كما في شرح الوقاية1: 7، قال الحصكفي في الدر المختار1: 66: وبه يفتى. وقال ابن عابدين في ردّ المحتار1: 66: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. وفي المراقي ص98: وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - سقوطه بنبات اللحية. وذكرَ شمسُ الأئمَّة الحَلْوَانيُّ - رضي الله عنه -: يكفيه أن يَبُلَّ ما بين العِذارِ والأُذُن، كما في شرح الوقاية1: 7. وفي الدر المنتقى1: 10: وإن كان امرأةً أو أمرداً فغسله واجب اتفاقاً.
(¬2) قال ابن مالك: تنفرد الواو بجواز العطف على الجواز خاصة، اهـ، فالأرجل مغسولة على كلتا القراءتين، ولا يجوز المسح عليهما إلا في حالة التخفيف، وفي الكشاف: إنَّما عطفت الأرجل على الرُّؤوس لا لتمسح، بل للتنبيه على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها؛ لأنَّها تغسل بصبّ الماء عليها دون غيرها، فكانت مظنَّة الإسراف، وجيئ بالكعبين إماطةً لظنِّ ظانٍّ أنَّها ممسوحة؛ لأنَّ المسح لم تضرب له غاية في الشرع, كما في الطحطاوي1: 95.
علَّمه الوضوء (¬1)، وقد واظب النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الغَسل (¬2)، فكان فعله وأمره بياناً
للآية (¬3).
(والمرفقان والكعبان (¬4) يدخلان في الغَسل)؛ لقوله - جل جلاله -: {إِلَى الْمَرَافِقِ}
¬
(¬1) قال الزَّيلعيُّ في نصب الراية1: 10: «الذين رووا صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة عشرون نفراً»، وذكروا في هذه الرِّوايات غسله - صلى الله عليه وسلم - رجليه الشَّريفتين، ومنها: عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: «أنَّ رجلاً قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى، أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» في صحيح البخاري 1: 48، وصحيح مسلم 1: 210.
(¬2) ذكر في نصب الراية1: 44 أحاديث وصف وضوء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم: عبد الله بن زيد بن عاصم، وعثمان بن عفان، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، والربيع بنت معوذ، وأبو مالك الأشعري، وأبو هريرة، وأبو بكرة، ووائل بن حجر، ونفير أبو جبير الكندي، وأبو أمامة، وأنس، وعبدالله بن أبي أوفى، والبراء بن عازب، وأبو كاهل، وعبد الله بن أنيس - رضي الله عنهم -.
(¬3) صرّح في العناية بأنَّ المجملَ من الكتاب إذا لحقه البيان الظنيّ كان الحكم بعده مضافاً إلى الكتاب لا إلى البيان في الصحيح؛ ولذا قلنا بفرضية القعدة الأخيرة المبينة بخبر الواحد، ولم نقل بفرضية الفاتحة بخبر الواحد أيضاً؛ لأنَّ قوله - جل جلاله -: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ} [المزمل: 20] خاص لا مجمل، اهـ، والحاصلُ: أنَّ الركوعَ والسجودَ خاصّان عندهما مجملان عنده، كما في رد المحتار1: 451.
(¬4) الكعبُ في رواية هشام - رضي الله عنه - عن محمَّد - رضي الله عنه -: هو المفصلُ الذي في وسطِ القدمِ عند
معقدِ الشِّراك، لكنَّ الصحيح: أنَّها العظمُ النَّاتئُ الذي ينتهي إليه عظم السَّاق؛ لأنَّه - جل جلاله - اختار لفظَ الجمعِ في أعضاءِ الوضوء، فأريدَ بمقابلةِ الجمعِ بالجمع انقسامُ الآحادِ على الآحاد، واختارَ في الكعبِ لفظَ المثنى، فلم يمكنْ أن يُرادَ به انقسامُ الآحادِ على الآحاد، فتعيَّنَ أنَّ المثنَّى مقابلٌ لكلِّ واحدٍ من أفرادِ الجمع في كلِّ رِجْلِ كعبان، وهما العظمان النَّاتئان لا معقد الشِّراك، فإنَّهُ واحدٌ في كلِّ رجل، كما في شرح الوقاية1: 9 - 10؛ لذلك قالوا: هو سهو من هشام؛ لأنَّ محمداً - رضي الله عنه - إنَّما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وأشار محمد - رضي الله عنه - بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام - رضي الله عنه - إلى الطهارة. ينظر: البحر الرائق1: 14، ورد المحتار1: 67، وحاشية عصام الدِّين ق7/أ.
..........................................................................
[سورة المائدة: 6]، وقوله: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، وكلمة «إلى» كما تستعمل للغاية (¬1) تستعمل بمعنى «مع» كما قال الله - جل جلاله -: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء:
2]: أي مع أموالكم، فإذا احتملت الآية لا يبقى حجة لزفر - رضي الله عنه -، ووجب القول بوجوب الغسل احتياطاً؛ ولأنَّه رُوِي: «أنّه - صلى الله عليه وسلم - توضّأ وأدار الماء على المرافق والكعبين» (¬2).
¬
(¬1) ذهب التفتازاني في التلويح1: 166، وابن الهمام في التحرير ص205 - 206، والقاري في فتح باب العناية1: 23: إلى أنَّ المحقِّقين من النحاة قالوا: معنى «إلى»؛ الغاية مطلقاً، وأما دخول ما بعدها في حكم ما قبلها أو خروجه عنه، فأمر يدور مع الدليل؛ لذلك قال القاري: أخذ زفر وداود فيهما بالمتيقَّن، فلم يدخلاها في الغسل، وأخذ الجمهور بالاحتياط وأدخلوها فيه؛ لكونه - صلى الله عليه وسلم - أدار الماء على مرافقه.
(¬2) فعن جابر أنَّه - صلى الله عليه وسلم -: (أدار الماء على مرفقيه) في سنن الدارقطني1: 83، وسنن البيهقي الكبير1: 56، وفي إسناده متروك، ويغني عنه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: (أنَّه توضأ حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ) في صحيح مسلم1: 216.
والمفروض في مسح الرّأس مقدار النّاصية؛ لما رَوَى
(والمفروض في مسح الرّأس مقدار النّاصية)، وهي ربع الرّأس (¬1)؛ (لما رَوَى
¬
(¬1) اختلفوا في مسح الرأس على أقوال:
أولاً: مقدار الناصية وهو الربع، كما قال القدوري، وصاحب الاختيار1: 14، والهداية1: 15، ومنية المصلي ص14، وفي المحيط البرهاني1: 163: «فرض مسح الرأس مُقدَّر بالناصية، وذلك قدر ربع الرأس، وَقَدَّرَه أصحابنا بثلاث أصابع».
ثانياً: ربع الرأس؛ واختارها صاحب تحفة الملوك ص24، والمختار1: 13، وملتقى الأبحر ص18، والنقاية 1: 27، ونور الإيضاح1: 95، وهدية ابن العماد وشرحه ص77 - 78، والوقاية وشرحها 1: 10 - 14، والكنز وشرحه كشف الحقائق1: 6، والنهر 1: 32، وغنية المستملي ص20، وقال في البحر 1: 31: إنَّها أصح الروايات رواية ودراية. وفي رد المحتار1: 67: «الحاصل أنَّ المعتمد رواية الربع، وعليها مشى المتأخرون: كابن الهمام، وابن أمير حاج، وصاحب البحر والنهر، والمقدسي، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وغيرهم».
ثالثاً: ثلاثة أصابع؛ وهي رواية هشام عن الإمام - رضي الله عنه -، كما في درر الحكام1: 10، وقال
صاحب البحر1: 15: «ذكر في البدائع: أنَّها رواية الأصول، وفي غاية البيان: أنَّها ظاهر الرواية، وفي معراج الدراية: أنَّها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية وعليها الفتوى ... ومع ذلك فهي غير المنصور»، وفي مراقي الفلاح 1: 95: «أنَّه مردود وإن صحح»، وفي حاشية الطحطاوي1: 95 والشرنبلالية1: 10: «أنَّها غير المنصور رواية ودراية»، وفي رد المحتار1: 67: «لكن نسبها إلى محمد، فيحمل ما في المعراج من أنَّها ظاهر المذهب على أنَّها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً»، وينظر: مجمع الأنهر1: 11.
المغيرةُ بن شُعبة - رضي الله عنه -: «أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى سُبَاطة قوم فبال وتوضّأ ومَسح على ناصيته وخُفّيه».
المغيرةُ بن شُعبة - رضي الله عنه - (¬1): «أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى سُبَاطة قوم فبال وتوضّأ ومَسح على ناصيته وخُفّيه» (¬2)).
وهذا حجّةٌ على مالك - رضي الله عنه - في إيجابِ الاستيعاب، وعلى الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - في الاقتصار على ثلاثةِ شعرات؛ لأنَّ ذلك يحصل بدون هذا التَّكلُّف فيؤدّي فعلُه إلى العبث إذا لم يحصل به إقامة الفرض ولا السُّنّة، ومنصبُه - صلى الله عليه وسلم - جلَّ عن ذلك.
¬
(¬1) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أبو عبد الله، صحابي، أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، يقال له (مغيرة الرأي)، تأخر إسلامه إلى السنة الخامسة للهجرة، وشهد الحديبية واليمامة وفتوح الشام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسية ونهاوند وغيرها، وولاه عمر بن الخطاب على البصرة، ففتح عدة بلاد، وعزله، ثم ولاه الكوفة، وأقره عثمان على الكوفة، ثم عزله، واعتزل الفتنة بين علي ومعاوية، قال الشعبي: «دهاة العرب أربعة: معاوية للأناة، وعمرو بن العاص للمعضلات، والمغيرة للبديهة، وزياد بن أبيه للصغير والكبير». وله (136) حديثاً، (20ق هـ ـ 50 هـ). ينظر: أسد الغابة5: 216 - 217، والإصابة 6: 197 - 200، والاستيعاب4: 1445 - 1447.
(¬2) هما حديثان: الأول: عن حذيفة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أتى سُباطة قوم فبال قائماً، ثم دعا بماء فتوضأ» في صحيح مسلم1: 231، وصحيح البخاري1: 90، والثاني: عن المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في صحيح مسلم1: 231.
وسُننُ الطَّهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ من نومه، وتسميةُ الله - جل جلاله - في ابتداء الوضوء
(وسُننُ الطَّهارة:
غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء (¬1) إذا استيقظ من نومه) (¬2)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» (¬3)، نهى - صلى الله عليه وسلم - ونبَّه، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - يدلُّ على توهم النَّجاسة، فكان الغَسلُ احتياطاً.
(وتسميةُ الله - جل جلاله - في ابتداء الوضوء)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضّأ وسَمَّى الله تعالى
¬
(¬1) التقييد بالإناء وقع اتفاقاً، والغرض إدخال اليد في الماء، كما في السعاية ص105، والكراهة في الإدخال تنزيهية؛ لأنَّ النهي مصروف عن التحريم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، كما في البحر الرائق 1: 19.
(¬2) قال ابن قطلوبغا في تصحيحه ص134 - 135: «الأصح أنَّه سنة مطلقاً، نصّ عليه في شرح الهداية، وقال في الجواهر: قوله إذا استيقظ، هذا الشرط وقع اتفاقاً؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء، السنة غسل اليدين، وقال نجم الأئمة في الشرح: قال في المحيط والتحفة وجميع الأئمة البخاريين: إنَّه سنة على الإطلاق»، وصحح السنية قاضي خان في فتاواه1: 32، واختارها صاحب الدر المختار1: 75، ومجمع الأنهر1: 12، والدر المنتقى1: 12، وفتح باب العناية1: 35، والمختار والاختيار1: 14، وتحفة الملوك ص25، والهداية1: 15، والوقاية1: 16، ودرر الحكام1: 10، ونهاية المراد ص89، والبحر الرائق 1: 37، والنهر1: 37، وكشف الحقائق1: 7، وفي غنية المستملي ص20: «والشرط في الحديث خرج مخرج العادة، فلا يعمل بمفهومه إجماعاً، فيسن غسل اليدين أول الوضوء مطلقا، فإنَّهما آلة التطهير».
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح البخاري ر162، وصحيح مسلم ر237.
والسِّواك
كان طهوراً لجميع بدنه، ومَن توضّأ ولم يسم الله تعالى كان طهوراً لما أصابه الماء» (¬1).
واحتج بعضُهم في إيجاب التَّسمية (¬2) بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمَن لم يسم الله تعالى» (¬3)، إلا أنَّ هذا من أخبار الآحاد فلا يزاد به على الكتاب، ويُحمل على نفي الفضيلة؛ صوناً عن الإلغاء وتوفيقاً بين الأدلة.
(والسِّواك) (¬4)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك» (¬5).
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضأ فذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه» في سنن الدارقطني1: 74، وسنن البيهقي 1: 44.
(¬2) وممّن صحَّح وجوبها: اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص82، وابن الهمام في فتح القدير1: 22 - 23.
والقول الثاني: أنَّها مستحبة، وصحَّحه صاحبُ الهداية1: 12، قال اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص79: وهو قول ضعيف.
والقول الثالث: أنَّها سنة، واختاره القدوري في مختصره ص2، وصاحب البناية1: 133، والدر المختار1: 74، ومراقي الفلاح ص104، ودرر الحكام1: 10.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود ر101، وسنن ابن ماجه ر399.
(¬4) مشى على سنيته أصحاب المتون، كما في رد المحتار1: 77، وقال صاحب الهداية1: 12: إنَّه مستحب، وصحّحه ابنُ الهمام في فتح القدير1: 22، والزيلعي في تبيين الحقائق1: 4.
(¬5) فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير
سواك سبعين ضعفاً» في مسند أحمد6: 272، وقال في المنار المنيف ص28 ــ 29 بعد ذكر أحاديث فضل السواك عامة: «إذا كان هذا شأن السواك وفضله، وحصول رضا الرب به، وإكثار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على الأمة فيه، ومبالغته فيه، حتى عند وفاته وقبض نفسه الكريمة - صلى الله عليه وسلم -، لم يمتنع أن تكون الصلاة التي يُستاك لها أحبُّ إلى الله من سبعين صلاة».
ويدل على السنية قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» في صحيح البُخاري2: 682.
والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين
(والمضمضة (¬1) والاستنشاق (¬2))؛ لأنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلهما (¬3).
(ومسح الأذنين) (¬4)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «توضّأ ومسح رأسه وأُذنيه ...................
¬
(¬1) وحدُّ المضمضة: استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيه: أن يصل الماء إلى رأس الحلق، كما في فتح باب العناية1: 37.
(¬2) وحدُّ الاستنشاق: أن يصل الماء إلى المَارِن، والمبالغة فيه: أن يجاوز المَارِن، كما في فتح باب العناية1: 37.
(¬3) أي ثلاثاً بماء جديد لكل مضمضة. فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً يأخذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً» في المعجم الكبير 19: 180. ينظر: فتح باب العناية 1: 37.
(¬4) اختلفوا في مسح الأذنين بماء الرأس على قولين:
الأول: أنَّه بماء الرأس، ومشى عليه في الوقاية وشرحه1: 20، والمختار1: 15، والهداية1: 16، وملتقى الأبحر ص20، والنقاية وشرحه فتح باب العناية 1: 43، والكنز 1: 8، وتبيين الحقائق 1: 5، والهدية العلائية ص25، وغنية المستملي ص24، وغرر الأحكام وشرح درر الحكام 1: 11، والبدائع 1: 116.
والثاني: أنَّه بماء جديد، ومشى عليه في نور الإيضاح ومراقي الفلاح1: 112، وكنز البيان ص11، والجوهرة 1: 7، والبحر 1: 54، والنهر 1: 46، والدر المختار 1: 82، وهذا القول مبنيّ على ما في الخلاصة: «لو أخذ للأذنين ماءً جديداً فهو حسن»، وذكره منلا مسكين رواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
لكن ردّ على هذا القول ابن عابدين في رد المحتار 1: 82 - 83، حيث قال: «لكنَّ تقييد سائر المتون بقولهم: بمائه؛ يفيد خلاف ذلك، وكذا تقرير شراح الهداية وغيرها. ثم نقل القول الأول [أنَّ السنةَ بماء الرأس] من المعراج عن الخبازيّة والحلية والتاتارخانية والهداية والبدائع والعناية وشرح الهداية للعيني وشرح الدرر للشيخ إسماعيل، ثم قال: فقد ظهر لك أنَّ ما مشى عليه الشارح مخالف للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب».
ويحمل ما رواه الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أخذ للأذنين ماءً جديداً على أنَّه مع فناء البلّة؛ توفيقاً بين الأدلة، كما في مجمع الأنهر1: 16، وفتح باب العناية1: 44، وغنية المستملي ص25، وفتح القدير1: 25 وغيرها.
..........................................................................
وصُدْغيه» (¬1)، وأقلُّ أحوال أفعاله في العبادات أن تدلَّ على السُّنّة.
¬
(¬1) فعن الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ بن عفراء - رضي الله عنه - قالت: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة» في سنن أبي داود1: 80، وسنن الترمذي (ر34).
وفي مسح الأُذنين مع الرّأس أحاديث، منها: حديث ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - في وصف وضوئه - صلى الله عليه وسلم -: «أنَّه مسح رأسه وأذنيه»، في سنن أبي داود (ر137)، وسنن الترمذي (ر36)، وسنن النسائي (ر101)، وسنن ابن ماجه (ر439).
وحديث عثمان في وصف وضوئه - صلى الله عليه وسلم -: «أنَّه مسح برأسه وأُذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة» في سنن أبي داود (ر108).
وتخليل اللِّحية
(وتخليل اللِّحية)، وهذا قولُ أبي يوسف - رضي الله عنه -؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا توضّأ شَبَّك أصابعه في لحيته كأنَّها أسنان المشط» (¬1)، وعند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -: لا يُسنّ ذلك (¬2)؛ لأنَّ عثمانَ - رضي الله عنه - لم يفعله حين حكى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3)، وما رواه أبو
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها) في سنن ابن ماجه 1: 149، وسنن الدارقطني 189، وفي تخليل اللحية عدّة أحاديث ذكرها ابن حجر في تلخيص الحبير1: 87 أحسنها حديث عثمان - رضي الله عنه -: (أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخلل لحيته) في سنن الترمذي 1: 46، وعن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - في سنن ابن ماجه 1: 148.
(¬2) أي جائز عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، كما في الهداية1: 13، واللباب1: 10، ومنح الغفار ق7/ب، ومعنى جائز عندهما: أنَّه ليس ببدعة ولا بسنة، كما في تبيين الحقائق 1: 4، ووجه قولهما: أنَّ السنة إكمال الفرض في محله، والداخل ليس بمحل الفرض، كما في الهداية1: 16 والاختيار1: 16 وغيرهما، وذكر الطحطاوي في حاشيته على المراقي1: 109 وصاحب البحر1: 45: أنَّ السنية أصح الروايتين عن محمد - رضي الله عنه -.
واختار قول أبي يوسف أصحاب المتون: كالوقاية 1: 19، والمختار 1: 16، وملتقى الأبحر ص19، والنقاية 1: 38، ونور الإيضاح 1: 109، وتحفة الملوك ص26، والكنز 1: 7، والهدية العلائية ص25، ومنية المصلي ص14، وغرر الأحكام 1: 11، وصححه صاحب البحر 1: 45 والنهر1: 42، ورد المحتار 1: 79, والفتاوى السراجية 1: 4، وفي غنية المستملي ص23: «والأدلة ترجّح قول أبي يوسف وقد رجّحه في المبسوط وهو الصحيح»، وفي الفتاوى الهندية1: 7:إنَّ قاضي خان - رضي الله عنه - أخذ به.
(¬3) فعن عثمان - رضي الله عنه - في وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري ر160 و164، وصحيح مسلم ر226، ولم يذكر فيه تخليل اللحية، إلاّ أنَّه رُوِي عن عثمان - رضي الله عنه - تخليل
اللحية في حديث آخر سلف ذكره قريباً.
والأصابع
يوسف - رضي الله عنه - حكاية حال لا عموم لها (¬1)، فيُحمل على الجواز، وبه نقول.
(والأصابع)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خلّلوا أصابعكم قبل أن تتخلَّلها النّار» (¬2).
¬
(¬1) وسبب عدم قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: عدم ثبوت مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده؛ إذ لم يذكره من وَصَفَ وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وزاد بعضُهم: أنَّ ما رواه أبو يوسف - رضي الله عنه - حكاية فعله - صلى الله عليه وسلم - اتفاقاً لا بطريق المواظبة، كما في البدائع 1: 117، وهذا ما قصده الشارح هنا بقوله بأنَّ «ما رواه أبو يوسف حكاية حال لا عموم لها»: أي يدلّ على شيء فعله - صلى الله عليه وسلم - مرة اتفاقاً، ولم يدلّ على الموظبة عليه. قال القاري في فتح باب العناية 1: 39 بعد ذكر أحاديث التخليل: «فهذه الأحاديث تؤيّد قول أبي يوسف - رضي الله عنه -: إنَّ تخليل اللحية سنة، إلا أنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - يقول لم يثبت منها المواظبة، بل مجرد الفعل، إلا في شذوذ من الطرق، فكان مستحباً لا سنةً».
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (خللوا بين أصابعكم، لا يخللها الله - عز وجل - يوم القيامة في النار) في سنن الدارقطني1: 95، وعن واثلة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة) في المعجم الكبير22: 64، وروي من قول الحسن البصري في مصنف عبد الرزاق ر67، ومصنف ابن أبي شيبة ر95، ويدل على السنية: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أَسْبِغ الوضوء وخلل بين الأصابع) في صحيح ابن حبان3: 368، والمستدرك1: 248، وسنن الترمذي3: 155.
وكيفية تخليل أصابع اليد: أن يشبِّكَ الأصابع، والرِّجل: أن يخلل بخنصر يده اليسرى بادياً من خنصر رجله اليمنى خاتماً بخنصر رجله اليسرى. ينظر: عمدة الرعاية1: 64، وهدية الصعلوك ص13.
وتكرار الغَسل إلى الثَّلاث، ويُستحبُّ للمتوضئ أن ينويَ الطَّهارة
(وتكرار الغَسل إلى الثَّلاث)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - أَضافه إلى نفسه بقوله: «هذا وضوئي» (¬1) حين غسلَ الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً.
(ويُستحبُّ (¬2) للمتوضئ أن ينويَ الطَّهارة) (¬3)؛ ليصير فعلُه قربةً.
¬
(¬1) فعن أبي بن كعب - رضي الله عنه -: (أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء، فتوضَّأ مرّةً مرّةً، فقال: هذا وظيفة الوضوء، أو قال: وضوء مَن لم يتوضّأه لم يقبل الله له صلاة، ثمّ توضّأ مرّتين مرّتين، ثم قال: هذا وضوء مَن توضّأه أعطاه الله كفلين من الأجر، ثمّ توضّأ ثلاثاً ثلاثاً، فقال: هذا وضوئي، ووضوء المرسلين من قبلي) في سنن ابن ماجه ر419، ومسند أحمد2: 98، ومسند أبي يعلى ر5598، وسنن الدارقطني1: 79، وسنن البيهقي الكبير1: 80، ولذا قال اللكنوي في التعليق الممجد1: 181ـ182: «إنَّ له أسانيد يقوي بعضُها بعضاً».
(¬2) قال صاحب الهداية1: 27: «ويستحبُّ للمتوضئ أن ينوي الطهارة، فالنية في الوضوء سنة عندنا»، فعلَّق عليه صاحب العناية1: 27: قد يقال إنَّ الأول مذهب القدوري، والثاني مذهب صاحب الهداية. لكن فيه إشكال؛ لأنَّ المصنِّفَ فرَّعَ على المتن: فالنية، وأجاب عن هذا ملا إله داد بقوله: «قلت: إنَّ المراد بقوله يستحبّ أعم من السنة»، لكن رد عليه اللكنوي في شرح الهداية 1: 103، حيث قال: «أقول: يرده تقابل الاستحباب بالسنية، فافهم». وردّ على القدوري صاحب الفتح1: 27 - 28، حيث قال: «لا سند للقدوري في الرواية ولا في الدراية في جعل النية والاستيعاب والترتيب مستحباً غير سنة»، ثم قال «وقيل: أراد فعل هذه السنة للخروج عن الخلاف، فإنَّ الخروج عنه مستحب»، لكن ضُعِّف هذا التأويل.
(¬3) اختلفوا في حكم النية على أقوال:
الأول: أنَّها مستحبة، ومشى عليه القدوري، والمختار1: 16.
والثاني: أنَّها سنة، ومشى عليه الوقاية وشرحه1: 20، وملتقى الأبحر19 - 20، والنقاية 1: 44، ونور الإيضاح 1: 113، وتحفة الملوك ص24، والكنز 1: 8، وتبيين الحقائق 1: 5، والهدية العلائيةر24، ومنية المصلي ص15، وغرر الأحكام والشرنبلالية 1: 10، والفتاوى الهندية 1: 8، والبدائع 1: 105، ورد المحتار 1: 73، وصححه في الاختيار 1: 17، والجوهرة النيرة 1: 7.
والثالث: أنَّها فرض، ففي الدر المختار 1: 73: وصرحوا ... بأنَّها فرض في الوضوء المأمور به، لكن في رد المحتار 1: 73: «الصواب أن يقال ... بأنَّها شرطٌ في كون الوضوء عبادة لا مفتاحاً للصلاة ... هو شرط في كون الوضوء عبادة فقط».
ويستوعبَ رأسه بالمسح
وإلحاق الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - الوضوء بالتّيمّم في اشتراطِ النيّة بعيدٌ، فإنَّ الماءَ مطهِّرٌ بنفسِهِ حقيقة، بخلافِ التّراب.
(ويستوعبَ رأسه بالمسح)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «توضّأ ومسحَ بيديه جميع رأسه، أقبل بهما وأدبر» (¬1)، وقد رُوي: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مسح على ناصيته» (¬2)، فدلَّ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أراد بالاستيعاب السُّنة لا الإيجاب.
¬
(¬1) فعن ربيع بنت معوذ بن عفراء - رضي الله عنهم - قالت: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة» في سنن أبي داود1: 80، وعن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضّأ فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدّم رأسه، فأمرهما حتى بلغَ القفا، ثم ردّهما إلى المكان الذي منه بدأ» في سنن أبي داود1: 78، ومسند أحمد4: 95، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والمعجم الكبير19: 378.
(¬2) فعن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: «تخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال - صلى الله عليه وسلم -: أمعك ماء؟ فأتيته بمطهرة، فغسل - صلى الله عليه وسلم - كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه ... » في صحيح مسلم 1: 230، ومسند أحمد 30: 101، والسنن الكبرى للبيهقي 1: 97، وصحيح ابن حبان 4: 171.
ويُرتِّبُ الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره، وبالميامين
(ويُرتِّبُ الوضوء (¬1)، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ابدؤوا بما بدأ الله تعالى به» (¬2)، واستدلالُ الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - في إيجاب الترتيب بالواو في آية الوضوء لا يصحّ؛ لأنَّ الواوَ للجمع المطلق، يقال: جاء زيد وعمرو كيف اتفق مجيئهما.
ويبدأ (وبالميامين) (¬3)؛ لأنَّه «- صلى الله عليه وسلم - كان يحبّ التيامنَ في كلّ شيء حتى الترجُّل (¬4) والتّنعُّل» (¬5).
¬
(¬1) قال نجم الأئمة في شرحه: «وقد عدَّ الثلاثة ـ أي النيّة والاستيعاب والترتيب ـ في المحيط والتحفة من جملة السنن، وهو الأصحّ»، كما في التصحيح ص137.
(¬2) فعن جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنن النسائي ر2962، وبلفظ: (نبدأ بما بدأ الله به) في صحيح مسلم ر1218، وسنن أبي داود ر1905.
(¬3) قال القاري في فتح باب العناية1: 57: «والأصحّ أنَّ التيامن سنة»، لكن اختار استحبابه أصحاب المتون: كالوقاية ص84، والنقاية 1: 57، والملتقى 1: 16.
(¬4) رَجَّل شَعره: أرسله بالمِرجْل وهو المُشْط، وترجَّل فَعل ذلك بشعْر نفسه. ينظر: المغرب 1: 323.
(¬5) فعن عائشة رضي الله قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيمُّن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كله) في صحيح البخاري ر168، وصحيح مسلم ر268، وأوضح منه في الدلالة على الحكم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم) في صحيح ابن حبان 3: 370، وسنن ابن ماجه 1: 141.
والمعاني الناقضة للوضوء: كلّ ما خرج من السَّبيلين، والدَّمُ والقيحُ والصَّديدُ إذا خَرَجَ من البدنِ فتجاوز إلى موضعٍ يَلْحَقه حكم التّطهير
والمعاني الناقضة للوضوء:
كلّ ما خرج من السَّبيلين)؛ لأنَّ اللهَ - جل جلاله - أمرَ بالطَّهارة عند القيام إلى الصّلاة بعد المجيء من الغائط (¬1).
والغائطُ (¬2): هو المكان المطمئن من الأرض، يقصد لقضاء الحاجة، إلا أنَّه جُعِلَ كنايةً عن الحدث مجازاً؛ لكونه سبباً له.
(والدَّمُ والقيحُ (¬3) والصَّديدُ (¬4) إذا خَرَجَ من البدنِ فتجاوز إلى موضعٍ يَلْحَقه حكم التّطهير)؛ لأنَّ هذه الأشياء لَمَّا ظهرت إلى صحن البدن لم يبق البدن طاهراً مطلقاً، فيجب تحصيل الطَّهارة للصَّلاة؛ لقوله - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] الآية.
وإنَّما شُرِطَ خروجُه إلى موضع يجب غسلُه في الجنابة؛ لأنَّ ما وراء ذلك حكمه حكم الباطن، فتعذَّر القول بالتّنجيس.
والقيءُ إذا ملأ الفم، والنّومُ مضطجعاً
¬
(¬1) كما في قوله - جل جلاله -: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
(¬2) الغائط: المطمئن الواسع من الأرض، ثم أطلق على الخارج المستقذر من الإنسان كراهة لتسميته باسمه الخاص، وقال ابن القُوطية: غاط في الماء غوطاً دخل فيه، ومنه الغائط، كما في المصباح المنير ص457.
(¬3) القيح: الأبيضُ الخاثر الذي لا يخالطه دم، كما في المصباح ر521.
(¬4) صديد الجرح: ماؤه الرقيق المختلط بالدم، وقيل: هو القيح المختلط بالدم، كما في المغرب ص264.
وإنَّما لم يجعل قليلُ الدَّم الخارج من نفس الفم حدثاً؛ لأنَّه لم يسل بقوَّة نفسِه، بل بقوّة البزاق، وكذلك لم يجعل قليل القيء حدثاً؛ للحرج.
(والقيءُ إذا ملأ الفم)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «القَلَس (¬1) حدث» (¬2).
وقال مالكٌ والشَّافِعيّ - رضي الله عنهم -: الخارج من غير السَّبيلين لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ الأصلَ غيرُ معقول المعنى فلا يُقاس عليه غيره، ونحن نمنع ذلك، ولئن سُلِّم؛ فلأنَّه ورد فيه الأخبار (¬3)، وهو مذهب العشرة المبشرين بالجنّة.
(والنّومُ مضطجعاً (¬4) ......................................................
¬
(¬1) القَلَس: ما خرج من بطنه من طعام أو شراب إلى الفم، وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه، فإذا غلب فهو قيء، كما في المصباح ص513، وطلبة الطلبة ص8، وغيرها.
(¬2) فعن سوار بن مصعب، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده في سنن الدارقطني1: 155، وقال: «سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره»، لكن يشهد له ما سيأتي مباشرة.
(¬3) ومنها: عن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) في سنن ابن ماجه 1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 113: والصحيح أنَّه مرسل صحيح الإسناد. وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: (إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببت له الدفع) في سنن الترمذي 1: 143، وقال: «قد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب، وروى معمر هذا الحديث».
(¬4) أي: ينام واضعاً جنبية على الأرض، كما في عمدة الرعاية1: 76.
أو متكئاً، أو مستنداً إلى شيءٍ لو أُزيل لسقط عنه، والغلبةُ على العقل بالإغماء والجنون، والقهقهةُ في كلِّ صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجود
أو متكئاً (¬1)، أو مستنداً إلى شيءٍ لو أُزيل لسقط عنه) (¬2)؛ لأنَّ النَّوم على هذه الهيئة يوجب استرخاء المفاصل، فالظَّاهر خروج الحدث.
(والغلبةُ على العقل بالإغماء والجنون)؛ لأنَّ الاسترخاءَ الحاصل بهما فوق الاسترخاء الحاصل بالنَّوم، فكان أولى بالانتقاض.
(والقهقهةُ في كلِّ صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجود).
وعند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: القهقهة ليست بحَدَث، وهو القياس إلا أنّا تركنا القياس؛ لما روي: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلّي بالناس في المسجد، فدخل أعرابي في بَصَرِهِ سوء، فوقع في حفرة كانت في المسجد، فضحك بعض القوم، فلَمَّا قضى صلاته
¬
(¬1) أي بأحد وركيه. ينظر: مجمع الأنهر 1: 20، وغيره.
(¬2) أي مستنداً إلى ما لو أزيل ذلك الشيء لسقط النائم، فلا ينتقض وضوؤه في غيره هذه: كالنوم قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً في الصلاة وغيرها. وهو ظاهر المذهب على ما في الخلاصة وصححه صاحب تحفة الفقهاء 1: 22، والهداية ص15، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (إنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلى فقلت يا رسول الله: إنك قد نمت. قال: إن الوضوء لا يجب إلا على مَن نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وفي مجمع الزوائد: رجاله موثقون. كما في إعلاء السنن 1: 129. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -،قال - صلى الله عليه وسلم -: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ) في سنن أبي داود1: 52، وحسنه المنذري وابن الصلاح والنووي. كما في نصب الراية 1: 45.
وفرض الغُسل: المضمضةُ والاستنشاقُ وغسلُ سائر البدن
قال: ألا مَن ضَحِكَ منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء جميعاً» (¬1).
وفي صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا يكون حدثاً؛ لأنَّ الحديثَ وردَ في صلاة مستتمة الأركان ولم توجد فيهما.
(وفرض الغُسل:
المضمضةُ والاستنشاقُ وغسلُ سائر البدن)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تحت كلّ شعرة جنابة، ألا فبلّوا الشّعر وأنقوا البشرة» (¬2)، وفي الأنف شعرة، وفي الفم بشرة.
¬
(¬1) فعن أبي العالية - رضي الله عنه -: «إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة» في سنن الدارقطني 1: 167، والكامل3: 167، وتاريخ جرجان1: 405، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة1: 341، ومراسيل أبي داود ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في رسالته الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود ر248، وسنن الترمذي ر106، وسنن ابن ماجه ر597، قال ابن حجر في التلخيص الحبير1: 142: «مداره على الحارث بن وجبة، وهو ضعيف جداً»، وعن أبي أيوب - رضي الله عنه - سئل - صلى الله عليه وسلم - ما أداء الأمانة؟ قال: (غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة) سنن ابن ماجه ر598، قال ابن حجر: «إسناده ضعيف»، وعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار) في سنن أبي داود ر249، وسنن ابن ماجه ر599، قال ابن حجر: «إسناده صحيح، لكن قيل: إنَّ الصواب وقفه على عليّ - رضي الله عنه -»، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ر1002 عن الحسن البصري - رضي الله عنه - مرسلاً، قال الخطابي: «وقد يحتج به مَن يوجب الاستنشاق في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر». ينظر: إعلاء السنن 1: 180، وغيره.
وسنّة الغُسل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويُزيل النّجاسةَ إن كانت على بدنه، ثُمّ يتوضّأُ وضوءَه للصَّلاة إلاّ رجليه، ثُمّ يُفيضُ الماءَ على رأَسِهِ وسائرِ جسدِه ثلاثاً، ثمّ يَتَنَحَّى عن ذلك المكان فيَغْسِلَ رجليه
وعند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: هما سنتان، وقد ردَّ قولَه قولُه - جل جلاله -: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] (¬1).
(وسنّة الغُسل:
أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويُزيل النّجاسةَ إن كانت على بدنه، ثُمّ يتوضّأُ وضوءَه للصَّلاة إلاّ رجليه، ثُمّ يُفيضُ الماءَ على رأَسِهِ وسائرِ جسدِه ثلاثاً، ثمّ يَتَنَحَّى عن ذلك المكان فيَغْسِلَ رجليه)، هكذا رُوي عن ميمونة زوج النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -
أنَّه - صلى الله عليه وسلم - فعل هكذا (¬2).
¬
(¬1) أي لقوله - جل جلاله -: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]: أي فطهروا أبدانكم، فكلُّ ما أمكن تطهيره يجب غسله، وباطن الفم والأنف يمكن غسله، فإنّهما يغسلان عادة وعبادة نفلاً في الوضوء وفرضاً في الجنابة. كما في تبيين الحقائق 1: 13، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (إذا اغتسل الرجل من الجنابة ولم يتمضمض ولم يستنشق، فليعد الوضوء وان ترك ذلك في الوضوء لم يعد) في الآثار 1: 13، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 183: الحديث حسن صالح للاحتجاج، و له شاهد صحيح من مرسل ابن سيرين وهو (سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستنشاق في الجنابة ثلاثاً) في سنن الدارقطني 1: 115، وصوبه البيهقي وصححه كما في إعلاء السنن 1: 183، وغيره.
(¬2) فعن ميمونة رضي الله عنها: قالت: (صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فأفرغ بيمينه على
يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق ثمّ غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثمّ تنحى فغسل قدميه، ثمّ أُتي بمنديل فلم ينفض بها) في صحيح البُخاري1: 102، وعن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله) في صحيح البخاري 1: 99.
وليس على المرأةِ أن تنقضَ ضفائرها في الغُسل إذا بَلَغَ الماءُ أُصول الشَّعر
وإنَّما يقدّم غسل اليدين؛ لتوهم النَّجاسة عليهما، فيقدّم غسلهما؛ لئلا تشيع النّجاسة في البدن، وكذا غسل الفرج والنجاسة العينية؛ لهذا المعنى.
وأمّا تأخير القدمين؛ فللحاجة إلى غسلهما احترازاً عن الماء المستعمل، حتى لو كان في موضع لا تجتمع الغُسالة تحت قدميه لا يؤخّر غسل القدمين.
(وليس على المرأةِ أن تنقضَ ضفائرها في الغُسل إذا بَلَغَ الماءُ أُصول الشَّعر)؛ لأنَّ في تكليفهنّ بذلك حرجاً، دلَّ عليه: أنَّ عائشة رضي الله عنها أنكرت على ابن عمر - رضي الله عنهم - لما أمرهنّ بذلك، فقالت: «لقد كَلفهُنَّ شططاً، هلا أمرهنَّ بالحلق» (¬1).
¬
(¬1) فقد بلغ عائشة رضي الله عنها: (أنَّ عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - يفتي: أنَّ المرأةَ تنقض رأسها عند غسل الجنابة، فقالت: لقد كلّف النساء تعباً، ولقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا، وإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه، فأفيض على رأسي ثلاث مرار جميعاً) في سنن البيهقي الكبير1: 196، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، إنّي امرأة أشدُّ ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (لا، إنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) في صحيح مسلم 1: 259.
والمعاني الموجبة للغُسل: إنزالُ المَنِيِّ على وجهِ الدَّفقِ والشهوة من الرَّجل والمرأة
(والمعاني الموجبة للغُسل:
إنزالُ المَنِيِّ على وجهِ الدَّفقِ والشهوة (¬1) من الرَّجل والمرأة)؛ لأنَّ بخروج المَنِيّ على هذا الوجه يصير الشَّخص جُنُباً، وقال الله - جل جلاله -: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
¬
(¬1) أي يجب الغسل بإنزال منيٍّ ذي دفق وشهوة عند الانفصال ولو في نوم، سواء كان نزول المني عن جماع أو احتلام أو نظر أو استمناء، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة. والدفق: هو سرعة الصب من رأس الذكر لا من مقرِّه. والانفصال: عن موضعه ومستقره، وهو الصلب في الرَّجل، والترائب في المرأة ـ وهي عظام الصدر ـ، وهذا متعلق بقيد الشهوة لا بالدفق، فإنَّه لا يكون إلا عند الخروج، فتشترط الشهوة وقت الانفصال لا وقت الخروج؛ فعن أبي سعيد الخُدْرِي - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّما الماء من الماء» في صحيح مسلم 81:1، ويقصد بالماء الأول: الغسل، وبالماء الثاني: المني، فلو أنزل بلا شهوة، لا يجب عليه الغسل، ولو انفصل المني عن مكانه بشهوة، ثم أخذ رأس العضو حتى سكنت شهوته، فخرج بلا شهوة، يجب عليه الغسل، ولو اغتسل قبل أن يبول، أو قبل أن يمشي ثلاث خطوات ثم خرج منه بقيّة المنيّ، يجب عليه غُسل ثانٍ، ولو أنَّ كافرة أجنبتْ ثُمَّ أسلمت، يجبُ عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابةَ أمرٌ مستمرّ، فتكون جُنُباً بعد الإسلام، بخلاف ما لو انقطع حيضها وهي كافرة ثم أسلمت، فإنَّه لا يلزمُها الغسل؛ إذ وقتُ الانقطاعِ كانت كافرة، وهي غيرُ مأمورةٍ بالشَّرائعِ عندنا، ومتى أسلمت لم يوجدْ السَّبب، وهو الانقطاع؛ لأنَّ الانقطاع غير مستمِّر. ينظر: شرح الوقاية ص95.
والتقاء الختانين من غير إنزال
والرَّجلُ والمرأةُ فيه سواء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأمّ سُلَيم حين سألته عن المرأةِ ترى في المنام أنَّ زوجَها يُجامعها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أم سُلَيم، عليها الغُسل إذا وجدت الماء» (¬1).
(والتقاء الختانين من غير إنزال)، ومن الصَّحابة - رضي الله عنهم - مَن نفى الغُسل إلا
بالإنزال، فبعث عمر - رضي الله عنه - إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألهنّ عن ذلك، فقلن: «فيه الغُسل» (¬2).
¬
(¬1) فعن أنس - رضي الله عنه - قال: (جاءت أمّ سليم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له وعائشة عنده: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أم سُليم، فضحت النساء، تربت يمينك، فقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: بل أنت تربت يمينك، نعم، فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك) في صحيح مسلم 1: 250، والسنن الكبرى للبيهقي 1: 260، ومصنف عبد الرزاق 1: 284.
(¬2) في مسند أحمد 5: 115 في قصة طويلة، ولفظ جواب عائشة رضي الله عنها فيها: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) في سنن الترمذي 1: 180، والسنن الكبرى للنسائي 1: 151. وفي صحيح مسلم 1: 271: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شُعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل». وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شُعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل»، في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح مسلم 1: 271. وشُعبها: النواحي، وهو جمع شعبة، واختلفوا في الشعب الأربع: فقيل: هي اليدان والرِّجلان والفخذان، وقيل الرِّجلان والشفران، واختار القاضي عياض أنَّ المراد شعب الفرج الأربع: أي نواحيه الأربع. ينظر: البناية 1: 335. وجهدها: أي جامعها; بأن أدخل تمام الحشفة في فرجها، والجَهد من أسماء النكاح، من الجهد الذي هو المبالغة في بلوغ الغاية; لأنَّ الجماع يستدعي ذلك غالباً، وكنى به عنه استحياءً من ذكره. ينظر: مرقاة المفاتيح 2: 422.
والحيض
وعن عليّ - رضي الله عنه - أنَّه قال: «أتوجبون فيه الحدّ، ولا توجبون فيه صاعاً من ماء» (¬1).
(والحيض)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لبنت أبي حبيش - رضي الله عنهم - (¬2): «دعي الصَّلاة أيام أقرائك، ثمّ
¬
(¬1) أخرج عبد الرزاق في مصنفه 1: 249: «كان المهاجرون يأمرون بالغسل، وكانت الأنصار يقولون: الماء من الماء، فمن يفصل بين هؤلاء؟ وقال المهاجرون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، فحكَّموا بينهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فاختصموا إليه، فقال: أرأيتم لو رأيتم رجلاً يُدْخِل وَيُخْرِجُ أيجب عليه الحد؟ قال: فيوجب الحد ولا يوجب عليه صاعاً من ماء؟ فقضى للمهاجرين، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقمنا واغتسلنا». وأخرج ابن أبي شيبة (947) عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: «يوجب القتل والرجم ولا يوجب إناء من ماء». وأخرج أيضاً (948) و (949) عن شريح - رضي الله عنه - قال: «أيوجب أربعة آلاف، ولا يوجب إناء من ماء».
(¬2) هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، هي التي استحيضت فشكت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، روى عنها عروة بن الزبير، وسمع منها حديثها في الاستحاضة فيما روى الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن الأشج، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة بن الزبير أنَّ فاطمة بنت أبي حبيش حدثته، ورواه مالك وجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ فاطمة بنت أبي حبيش وهو الصواب، تزوجها عبد الله بن جحش بن رياب فولدت له محمد بن عبد الله بن جحش. ينظر: الاستيعاب 4: 1892، والطبقات الكبرى 8: 245، وأسد الغابة 6: 218.
والنِّفاس، وسَنَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الغُسل للجُمعة والعيدين والإحرام، وليس في المذي والودي غُسْلٌ، وفيهما الوضوء
اغتسلي وصلّي» (¬1) أَمرها بالغُسل والأمر للوجوب.
(والنِّفاس)؛ لإجماع الأمّة؛ ولكونه في معنى الحيض حيث يخرج منَ الرَّحم.
(وسَنَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الغُسل للجُمعة (¬2) والعيدين) (¬3) وعرفة (والإحرام) (¬4)؛
¬
(¬1) بلفظ: (اجلسي أيام أقرائك)، وبلفظ: (اجتنبي الصلاة أيام محيضك) في مسند أحمد 42: 454، وبلفظ: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) في صحيح البخاري 1: 71، وصحيح مسلم 1: 261، وبلفظ: (دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين) في صحيح البخاري 1: 72.
(¬2) فعن أبي سعيد الخُدْرِي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الغسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم) في صحيح البُخاري 1: 171، وصحيح مسلم 2: 580. وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) في صحيح البخاري 2: 2، وصحيح مسلم 2: 580.
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى) في سنن ابن ماجه 1: 417، والسنن الكبرى للبيهقي 3: 393. وعن الفاكه بن سعد - رضي الله عنه -: (أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة) في سنن ابن ماجه 1: 417، وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص2: 80 - 81 عن جماعة من الصحابة: أنَّهم فعلوه، منهم: عروة بن الزبير وقال: «إنَّه السنة»، ونقل الحافظ عن البزار قوله: «لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثاً صحيحاً».
(¬4) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة [ذي الحليفة]، فأمررسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر - رضي الله عنه - يأمرها أن تغتسل وتهل)
في صحيح مسلم 2: 869، وسنن ابن ماجه 2: 971، وسنن الدارمي 2: 1139.
وليس في المذي والودي غُسْلٌ، وفيهما الوضوء
لأنَّها أوقاتُ اجتماع وازدحام، فسَنّ فيها الاغتسال؛ كيلا يتأذّى البعض برائحة البعض، وكذلك في الإحرام؛ لأنَّه يبقى أيّاماً محرماً، وقد رُوِي: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - «اغتسل لإحرامه حين أحرم» (¬1).
(وليس في المذي والودي غُسْلٌ (¬2)، وفيهما الوضوء)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن
¬
(¬1) فعن خارجة بن زيد - رضي الله عنه -: (أنَّه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله واغتسل) في سنن الترمذي 3: 183، و صحيح ابن خزيمة 4: 161، وغيرها.
(¬2) المياه التي تخرج من الإنسان ثلاثة أنواع، وتفصيلها كالآتي:
1. المَنِي: وهو عام يشمل ماء الرجل والمرأة، ويجب بخروجه الغُسل؛ فعن علي - رضي الله عنه - قال: (كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إذا حذفت ـ رميت ـ فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل) في مسند أحمد 1: 107، وفي إعلاء السنن 1: 186: رجاله كلهم ثقات إلا جواباً، فإنَّه صدوق رمي بالإرجاء، فالسند محتج به.
وله خواص يعرف بها، وهي: أنَّ رائحتة كرائحة الطلع رطباً ورائحة البيض يابساً،
ولونه أبيض خاثر ينكسر منه الذكر للرجل، وأما للمرأة فهو أصفر رقيق، ويخرج بشهوة مع الفتور بعده، ويخرج بدفق ودفعات.
2. المذي: وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة بالملاعبة ونحوها من غير دفق، وهو موجب للوضوء لا للغسل؛ فعن علي - رضي الله عنه -، قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذكر له، فقال لي: لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا أنضحت الماء فاغتسل) في صحيح ابن خزيمة 1: 15، وصحيح ابن حبان 3: 385، وسنن أبي داود 1: 53، والمجتبى 1: 111.
3. الودي: وهو ماء أبيض كدر لا رائحة له، يخرج بعد البول، وهو موجب للوضوء لا للغسل؛ لأنَّه تبع للبول فينقض الوضوء لا غير، لكونه خارجاً نجساً؛ فعن مجاهد - رضي الله عنه - سأل رجل ابن عباس - رضي الله عنهم -: (إني كلما بلت تبعه الماء الدافق الذي يكون منه الولد ... فقال: أرأيت إذا كان منك، هل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا، قال: إنَّما هذه بردة يجزيك منه الوضوء) أخرجه ابن عساكر في تاريخه 18: 230، وسنده حسن. ينظر: إعلاء السنن 1: 189.
..........................................................................
المذي: «يكفيك منه الوضوء» (¬1)، وأما الودي فهو تبعٌ البول فيوجب الوضوء؛ لكونه خارجاً نجساً (¬2).
¬
(¬1) فعن علي - رضي الله عنه - في صحيح ابن خزيمة 1: 16، وفي صحيح البخاري 1: 38 بلفظ: «فيه الوضوء»، وفي صحيح مسلم 1: 247 بلفظ: «توضأ وانضح فرجك»، والسائل: هو المقداد بن الأسود بأمر علي - رضي الله عنه -.
(¬2) أما إفرازات النساء، والتي تسمّى عند الفقهاء بـ «رطوبة الفرج»: فهي طاهرة عند
الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا كانت صافية نقية خالية عن لون، بخلاف ما إذا اختلطت بغيرها: كالدم، والمذي، والمني فتغير لونها، فإنَّها تكون نجسة، وبالتالي لا يتنجس اللباس الذي تلامسه؛ لأنَّها كسائر رطوبات البدن من عرق وريق وغيره فهي لا تنجس الملابس.
وأما بالنسبة لنقضها للوضوء، فطالما أنَّها طاهرة فهي غير ناقضة للوضوء عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند الصاحبان - رضي الله عنهم - هذه الإفرازات نجسة وناقضة للوضوء كالقيح؛ لأنَّها رطوبة متولدة في محل النجاسة.
والمعتمد هو قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعليه تحمل نصوص كتب المذهب، لاسيما أنَّ المتون الفقهية لم تذكره ضمن نواقض الوضوء رغم كثرة وقوعه، وما ذلك إلا لكونه غير ناقض على قول الإمام - رضي الله عنه -.
وبه أفتى فقيه العصر أشرف التهانوي في إمداد الفتاوى بعد تحقيقه للمسألة، وبه أفتى
العلامة مصطفى الزرقا في فتاوى الزرقا ص95 فقال: «سئلت فيما مضى كثيراً عن هذا الموضوع، وكنت أبيِّن شفهياً للسائلين من رجال ونساء أنَّ هذا السائل اللزج الذي يخرج من المرأة في الحالات العادية (لا في الحالات المرضية) ويسميه الناس (الطهر) ليس بنجس شرعاً، ولا ينقض وضوء المرأة، كما يقرِّره الفقهاء، ومن السائلين من يستغرب هذا الجواب؛ لأنَّهم متصورون خلافه، ويتأكد منّي فأوكِّد لهم ... كأنَّما كل ما فيه تيسير وتسامح ودفع للحرج والمشقة فيما يتصل بواقع الحياة الطبيعية، يراه أناس غريباً، حتى كأنَّ معنى الشريعة لا يتحقق إلا في الإرهاق والمشقة، ومع أنَّ هذه الشريعة الغرَّاء السمحة أساساً للتيسير ودفع الحرج».
ويمكن الاستدلال لطهارة هذه الإفرازات؛ بما روي عن عائشة رضي الله عنها عن الرَّجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه نجساً ذلك؟ فقالت: «قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقاً، فإذا كان ذلك، مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم ير أنَّ ذلك ينجسه» في صحيح ابن خزيمة 1: 142.
[فصل في المياه:] والطَّهارةُ من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار، ولا تجوز بما اعتصر من الشَّجر والثَّمر، ولا بماءٍ غلبَ عليه غيرُه فأَخرجه عن طبعِ الماء: كالأشربة والخلّ والمَرَق وماء الباقلاء، وماء الزَّرْدَج،
[فصل في المياه]
(والطَّهارةُ من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار)؛ [لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خلق الماء طهوراً» (¬1)] (¬2).
(ولا تجوز بما اعتصر من الشَّجر والثَّمر، ولا بماءٍ غلبَ عليه غيرُه فأَخرجه عن طبعِ الماء: كالأشربة ... والخلّ والمَرَق وماء الباقلاء، وماء الزَّرْدَج (¬3)،
¬
(¬1) فعن أبي سعيد الخُدْرِي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» في سنن أبي داود 1: 17، وسنن الترمذي 1: 95، ومسند أحمد 17: 358، وغيرها.
(¬2) في ب: «ولا ينجسه شيء إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لقوله تعالى: {مَاءً طَهُورًا (48)} [الفرقان:48]».
(¬3) ماءُ الزَردج: هو ماء يخَرُج من العُصفر المنقُوع فيُطرح ولا يُصبغ به، كما في المغرب 1: 362.
وماء الورد
وماء الورد) (¬1)؛ لقوله - جل جلاله -: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، وهذه الأشياء ليست بماء مطلق فلا يتناولها الآية.
¬
(¬1) الأولى مما ذكره القدوري هو ضابط الغلبة وتغير الاسم:
فأما تغير الاسم فما لم يزل اسم الماء المطلق عن الماء جواز الوضوء به، فإن اختلط معه ما غير اسمه بحيث أصبح عصيراً أو شاياً أو غيره لم يجز الوضوء والغسل منه.
وأما ضابط الغلبة فله وجهان:
الأول: إن خالط الماء الجامدات الطاهرات بإخراجه عن رقته وسيلانه على الصحيح.
ورقته: بأنه لا ينعصر عن الثوب. وسيلانه: بأن لا يسيل على الأعضاء سيلان الماء.
وأما إذا بقي على رقته وسيلانه فإنه لا يمنع جواز الوضوء به تغير أوصافه كلها بجامد خالطه بدون طبخ كزعفران وصابون وأشنان وفاكهة وورق شجر، فعن عن ابن عباس - رضي الله عنهم - خر رجل من بعيره فوقص فمات، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (اغسلوه بماء وسدر ... ) في صحيح مسلم 2: 865، وصحيح البخاري 1: 425، وغيرها، وعن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح بأعلى مكة فأتيته فجاء أبو ذر بقصعة فيها ماء قلت: إني لأرى فيها أثر العجين، قالت: فستره أبو ذر فاغتسل، ثم ستر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر فاغتسل) في صحيح ابن خزيمة 1: 119، وصحيح ابن حبان 3: 462.
الثاني: إن خالط الماء المائعات، وله أربعة حالات:
1.إن ظهر وصف واحد من مائع له وصف واحد، فإنه لا يجوز الوضوء به كالقرع والبطيخ فإن ماءها لا يخالف إلا في الطعم، وكذلك ماء الورد فإنه لا يخالف إلا في الريح.
2.إن ظهر وصف واحد كلون أو طعم من مائع له وصفان: كاللبن فيه وصفان اللون والطعم ولا رائحة له، فإن لم ينتقل أحد الوصفين إلى الماء جاز الوضوء به، وإن وجد أحدهما لم يجز.
3.إن ظهر وصفان من مائع له أوصاف ثلاثة: كالخلّ له لون وطعم وريح، فأي وصفين منها ظهرا منعا صحة الوضوء، والواحد منها لا يضر لقلته.
4.إن غلب الوزن من مائع لا وصف له يخالف الماء بلون أو طعم أو ريح: كالماء المستعمل فإنه بالاستعمال لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح، وهو طاهر كما سبق، وأيضاً ماء الورد المنقطع الرائحة، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من الماء المطلق لم يجز الوضوء به، وإن استويا في الوزن حكمه حكم المغلوب احتياطاً. ينظر: مراقي الفلاح ص26 - 27، وغيرها.
وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أوصافه: كماء المَدِّ، والماء الذي يختلط به الأُشنان والصَّابون والزَّعفران وكلُّ ماء وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفظ الماء من النجاسة، فقال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه
(وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أوصافه: كماء المَدِّ (¬1)، والماء الذي يختلط به الأُشنان والصَّابون والزَّعفران)؛ لأنَّه ماءٌ طاهر خالطه شيء طاهر، ولم يُزل عنه الاسم، فصار كما لو خالطه الطِّين الطَّاهر أو الورق ونحوهما.
وقياس الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - هذا على ماء الباقلاء في منع الوضوء به لا يصحّ؛ لأنَّه ثمّة زال الاسم عنه، وهاهنا لا (¬2).
(وكلُّ ماء) دائم (وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفظ الماء من النجاسة، فقال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة» (¬3)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه
¬
(¬1) ماء المد: هو ماء السيل. ينظر: المغرب 2: 261.
(¬2) وبعبارة أخرى: قياس الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - الماء الذي اختلط به طاهر جامد ولم يخرجه عن طبعه على ماء الباقلاء في عدم صحة الوضوء به غير صحيح؛ لأنَّ الاسم في ماء الباقلاء تغير وزال، وأما في الماء الذي اختلط بجامد هاهنا فلم يتغير اسمه.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا
يغتسل فيه من الجنابة» في سنن أبي داود 1: 18، وسنن النسائي 1: 197، وصحيح ابن حبان 4: 68، ومسند أحمد 15: 365، وفي صحيح مسلم 1: 236 بلفظ: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، وفي صحيح البخاري 1: 57 بلفظ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه».
فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده». وأَمّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أَثر؛ لأنَّها لا تستقرُّ مع جريان الماء. والغديرُ العظيمُ الذي لا يتحرَّكُ أَحدُ طرفيه بتحريك الطَّرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أَحدِ جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأنَّ الظَّاهرَ أَنَّ النَّجاسةَ لا تصل إليه
فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» (¬1)).
والمبالغةُ في الأمر بالغَسل ثلاثاً عند توهم النّجاسة دليلٌ على تنجّس الماء بالنَّجاسة وإن قلَّت ولم تظهر، وهذا حجّة على مالك - رضي الله عنه - في أنَّ الماء لا ينجس إلا بظهور النَّجاسة فيه، وعلى الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - في أنَّ الماءَ إذا بلغ قُلتين لا ينجس إلا بالظُّهور.
(وأَمّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أَثر؛ لأنَّها لا تستقرُّ مع جريان الماء.
والغديرُ العظيمُ الذي لا يتحرَّكُ أَحدُ طرفيه بتحريك الطَّرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أَحدِ جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأنَّ الظَّاهرَ أَنَّ النَّجاسةَ لا تصل إليه).
¬
(¬1) سبق تخريجه.
وقال مشايخ ما وراء النَّهر: إذا كانت النَّجاسة مرئية فكذلك، وإن كانت غير مرئية جاز الوضوء من أي الجوانب شاء (¬1).
¬
(¬1) وهناك قول ثالث: عدم التنجس مطلقاً، قال في الخزائن: والفتوى على عدم
التنجس مطلقاً إلا بالتغير بلا فرق بين المرئية وغيرها لعموم البلوى، حتى قالوا: يجوز الوضوء من موضع الاستنجاء قبل التحرّك كما في المعراج عن المجتبى، ا هـ. وقال في الفتح: وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه كالجاري لا يتنجس إلا بالتغير، وهو الذي ينبغي تصحيحه، فينبغي عدم الفرق بين المرئية وغيرها؛ لأن الدليل إنما يقتضي عند الكثرة عدم التنجس إلا بالتغيّر من غير فصل، ا هـ.
قال ابنُ عابدين في رد المحتار 1: 191: فقد ظهر أن ما ذكره الحصكفي مبني على ظاهر هذه الرواية عن أبي يوسف - رضي الله عنه - حيث جعله كالجاري، وقدمنا عنه أنه اعتبر في الجاري ظهور الأثر مطلقاً، وأنه ظاهر المتون، وكذا قال في الكنز هنا، وهو كالجاري، ومثله في الملتقى، وظاهرُه اختيار هذه الرواية; فلذا اختارها في الفتح، واستحسنها في الحَلْبة لموافقتها لما مرّ عنه في الجاري. قال: ويشهد له ما روي عن جابر - رضي الله عنه - قال: (انتهيت إلى غدير، فإذا فيه حمار ميت فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الماءَ لا ينجسه شيء فاستقينا وأروينا وحملنا)، [في سنن ابن ماجة 1: 173، وفي الزوائد إسناد حديث جابر ضعيف لضعف طريف بن شهاب، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف، وشرح معاني الآثار 1: 13، وتهذيب الآثار 7: 134].
وقال صاحب التبيين 1: 22: وذكر أبو الحسن الكرخي - رضي الله عنه -: أن كل ما خالطه النجس لا يجوز الوضوء به وإن كان جارياً، وهو الصحيح، فعلى هذه الرواية أن ما ذكره صاحب الكنز لا يدلّ على أن موضعَ الوقوع لا يتنجس؛ لأنه لم يجعله إلا كالجاري، فإذا تنجَّسَ موضع الوقوع من الجاري، فمنه أَولى أن يتنجس، ثم العبرةُ بحالة الوقوع فإن نقص بعده لا يتنجس وعلى العكس لا يطهر.
والثاني: إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من موضع النجاسة، بل من الجانب الآخر، وإن كانت غير مرئية يتوضأ من جميع الجوانب، وكذا من موضع الغسالة. واختاره صدر الشريعة في شرح الوقاية ص98، وفي شرح المنية للحلبي عن الخلاصة: أنه في المرئية ينجس موضع الوقوع بالإجماع، وأما في غيرها، فقيل كذلك: وقيل لا. ا هـ. ومثله في الحلبة، وكذا البدائع، لكن عبّر بظاهر الرواية بدل الإجماع قال: ومعناه أن يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ، اهـ، وقدره في الكفاية بأربعة أذرع في مثلها. وقيل: يتحرى، فإن وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص إلى هذا الموضع توضأ منه، قال في الحلبة: هو الأصح، اهـ، وكذا جزم في الخانية بتنجس موضع المرئية بلا نقل خلاف، ثم نقل القولين في غير المرئية، وصحح في المبسوط أولهما، وصحح في البدائع 1: 71 وغيرها ثانيهما ـ أي أنه يتوضأ من أي جانب ـ، كما في رد المحتار 1: 191، وقال صاحب التبيين 1: 22: الأصح أن موضع الوقوع يتنجس، ذكره في المبسوط والبدائع والمفيد، وإليه أشار القدوري.
وموت ما ليس له نفسٌ سائلة كالبَقّ، والذباب، والزنابير، والعقارب في الماء لا يفسده
(وموت ما ليس له نفسٌ سائلة):أي دم سائل: (كالبَقّ، والذباب، والزنابير (¬1)، والعقارب في الماء لا يفسده) (¬2)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذبابُ في طعام أحدكم ـ وروي: في الشُّراب ـ فامْقُلُوه ثم انقلوه، فإنَّ في أحد جانبيه سَمّاً، وفي
الآخر شفاء، وإنَّه يقدّم السمّ ويؤخّر الشِّفاء» (¬3).
¬
(¬1) الزنبار: حشرة أليمة اللسع، من الفصيلة الزنبورية، واحدته زنبارة، كما في المعجم الوسيط 1: 402.
(¬2) فعن سلمان - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (يا سلمان، كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه) في سنن الدارقطني 1: 37، وسنن البيهقي الكبير 1: 253.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإنَّ في إحدى جناحيه داء، والأخرى شفاء» في صحيح البخاري 4: 130، وسنن ابن ماجه 2: 1159وأخرجه البخاري أيضاً 7: 140 بلفظ: «في إناء أحدكم»، وسنن أبي داود 3: 365، وغيرها.
وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده: كالسَّمك، والضُّفدع، والسَّرطان، والماءُ المستعملُ لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث
والمَقْل: هو الغمس.
فالظَّاهرُ موته به، فلو كان نجساً لَمَا أمرَ بالمُقْل؛ لأنَّه يؤدّي إلى إضاعة الماء، وقد نَهَي عنه.
وعند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - يُفسدُه؛ لأنَّه ميتةٌ، لكنّا نقول: نجاسةُ الميتة؛ لما فيها من اختناق الدَّم والرُّطوبات النَّجسة، وليس هذا كذلك.
(وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده: كالسَّمك، والضُّفدع، والسَّرطان) (¬1)، وعند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: يفسده كسائر الميتات إلا السمك.
ولنا: أنَّه لا دم له فلا ينجّس بالموت كالجراد، وما سال منه ماء متغيّر؛ بدليل أنَّه لو شُمس ابيَضَّ بخلاف غيره من الدماء فإنَّها تسود.
(والماءُ المستعملُ لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث)؛ لأنَّه رفع به الحدث مرّة فلا يرفع به ثانياً، كما لو رفعت به النّجاسة الحقيقية.
ثُمَّ هو نجسٌ نجاسةً غليظةً في رواية الحَسَن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ـ وهو قوله ـ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلنّ فيه من الجنابة» (¬2)، قَرَنَ بين الجنابة والبول في النَّهي، فدلَّ على اقترانهما في النَّجاسة.
¬
(¬1) وقيَّده في الوقاية 2: 45: بأنه مائي المولد، قال صدر الشريعة في شرحه 2: 45: حتى لو كان مولده في غير الماء، وهو يعيش في الماء، يفسد الماء بموته فيه.
(¬2) سبق تخريجه.
وفي رواية أبي يوسف - رضي الله عنه - عنه ـ وهو مذهبه ـ، أنَّه نجسٌ نجاسةً خفيفةً بناءً على أصلِهِ في النّجاسةِ الغليظةِوالخفيفة (¬1).
والمستعملُ كلُّ ما أُزيل به حَدَث أو استُعمل في البدن على وجه القُربة
وفي رواية مُحمّد عنه ـ وهو مذهبه ـ طاهر غير طهور (¬2)؛ لأنَّ الصَّحابةَ - رضي الله عنهم -: «كانوا يتمسَّحون بوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬3)، فلو كان نجساً لنهى عنه؛ إذ لا فرق فيه بين النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وغيره.
وعند زُفر - رضي الله عنه -: إن استعملَه المحدِث فهو طاهرٌ غير طهور، وإن استعمله الطَّاهر فهو طاهر مطهِّر.
وعند مالك - رضي الله عنه -: طاهر مطهر كيف ما كان.
¬
(¬1) أي: بناءً على الأصل المشهور في مقدار العفو في الخفيفة والغليظة، ففي البدائع1:
66: «روى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنَّه نجس، غير أنَّ الحَسَن روى عنه: أنَّه نجس نجاسة غليظة يقدر فيه بالدرهم، وبه أخذ، وأبو يوسف روي عنه: أنَّه نجس نجاسة خفيفة يقدر فيه بالكثير الفاحش، وبه أخذ».
(¬2) قال الكاساني في البدائع1: 67: «مشايخ بلخ حقَّقوا الخلاف فقالوا: الماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -. وعند محمّد طاهر غير طهور، ومشايخ العراق لم يحقّقوا الخلاف فقالوا: إنَّه طاهر غير طهور عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي أنَّه كان يقول: إنا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو اختيار المحقّقين من مشايخنا بما وراء النهر».
(¬3) فعن أبي جحيفة - رضي الله عنه -: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به» في صحيح البخاري 1: 49، وصحيح ابن حبان 4: 82، ومسند أحمد 31: 51، وفي صحيح مسلم 1: 361: «فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه».
وللشَّافعي - رضي الله عنه - قول كقول زُفر - رضي الله عنه - وقولٌ كقول محمّد - رضي الله عنه -.
(والمستعملُ كلُّ ما أُزيل به حَدَث أو استُعمل في البدن على وجه القُربة) (¬1)؛ لأنَّ المعنى بالاستعمال تحصيلُ أَمر شرعي، وقد حصلَ وهو الثَّواب أو الطَّهارة،
وكلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُر، وجازت الصَّلاةُ فيه والوضوءُ منه، إلاّ جلدَ الخنزير والآدمي
بخلاف ما لو استعمله الطَّاهر على سبيل التَّبرد، أو استُعمل في الثَّوب الطاهر لم يصر مستعملاً؛ لأنَّه لم يحصل به ما ذكرنا.
(وكلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُر، وجازت الصَّلاةُ فيه والوضوءُ منه، إلاّ جلدَ الخنزير والآدمي)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دُبِغَ الإهاب فقد طَهُر» (¬2)، فصار الحديث حجّة
¬
(¬1) يعني سبب كون الماء مستعملاً بأحد هذين الأمرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف
- رضي الله عنهم -: أحدهما: قصد التقرب، والثاني: إزالة الحدث بلا نية التقرب كمن توضأ في إناء للتبرُّد أو غسل أعضاء الوضوء للطين أو للتعليم لآخر أو لمس المصحف أو نحوه يصير الماء مستعملاً عندهما، وقال محمد: لا يصير مستعملاً إلا بنية التقرب وإن أزال الحدث. ينظر: هدية الصعلوك ص6.
ويصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد على الصحيح؛ لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال لضرورة التطهير، ولا ضرورة بعد انفصاله. هذا اختيار صاحب الهداية 1: 20، ومشى عليه في نور الإيضاح ص23، وغيرها، وقال الطحطاوي في حاشيته ص23: هو ما عليه العامة وصحح في كثير من الكتب إنه المذهب كما في البحر.
واختار مشايخ بلخ والطحاوي والظهير المرغيناني والصدر الشهيد وفخر الإسلام أن الماء يصير مستعملاً إذا زايل البدن واستقر في موضع. ينظر: السعاية 1: 396 - 397، وغيرها.
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في صحيح مسلم 3: 277، وسنن أبي داود 4: 66، وسنن الدارقطني 1: 66، وغيرها.
على الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - في جلد الكلب أنَّه لا يطهر بالدَّبغ، وعلى مالك - رضي الله عنه - في جلد الميتات؛ لأنَّه عامّ.
وشعر الميتة وعظمها طاهران،
ونحن نقول بموجَب ما رووه: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب» (¬1)، فإنَّ المدبوغَ لا يسمّى إهاباً، بل يُسمّى أديماً؛ ولأنَّ نجاسة الميتة باعتبار ما فيها من الرطوبات والدُّسومات، وقد زالت بالدبغ، بخلاف الخنزير؛ لأنَّه نجسٌ لعينه لا باعتبار الرُّطوبات، وبخلاف الآدمي؛ لأنَّه منع من استعماله واستبذاله تعظيماً وتكريماً له.
(وشعر الميتة وعظمها طاهران)، وكذلك كلُّ ما لا حياة فيه: كالقرن والخُفِّ والظّلف والظُّفر والرِّيش والمنقار (¬2) ونحوها؛ لأنَّه لا حياة فيه، فلا يَحُلُّه الموت، فلا ينجس (¬3).
* * *
¬
(¬1) في سنن الترمذي 4: 222، وسنن أبي داود 2: 465، وصحيح ابن حبان4: 94، وغيرها.
(¬2) قيَّدها في الدر المختار1: 138: بأن تكون خالية عن الدسومة.
(¬3) علله في التجنيس: بأنَّ ما ليس بلحم لا يحله الموت فلا يتنجس بالموت. وقال في
الحلبة: لا شكّ أنَّها ممّا تحلها الحياة ولا تعرى عن اللحم، فلذا أخذ الفقيه أبو الليث بالنجاسة وأقره جماعة من المتأخرين، كما في رد المحتار1: 207.
[فصل في الآبار]:
(وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نُزحت، وكان نزحُ ما فيها من الماء طهارةً لها
وعند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: نجسٌ؛ لأنَّه جزءٌ من الميتة، ونحن نمنع ذلك، ونُموُّه منه لا يدلّ على البعضيّة كالنَّبات على الدِّمْنَة (¬1).
[فصل في الآبار]
(وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نُزحت)؛ لشيوع النَّجاسة في الماء، وتعذَّرِ الانتفاع به إلاّ مع النَّجاسة، (وكان نزحُ ما فيها من الماء طهارةً لها)؛ لأنَّ ابنَ عبّاس - رضي الله عنهم - حكم بذلك في خلافة عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - (¬2) لَمّا مات الزِّنجيُّ في بئر
¬
(¬1) الدِّمْنُ: ما يَتَلَبَّدُ من السِّرْجِينِ، والدِّمْنَةُ مَوْضِعُهُ، والدِّمْنَةُ: آثَارُ النَّاسِ وما سَوَّدُوهُ، كما في المصباح المنير ص200.
(¬2) هو عبد الله بن الزُّبير بن العوام الأسَديّ، أبو بكر، وأمه أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه -، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، قال: الذهبي: أمير المؤمنين، وابن حواري الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كان صواماً قواماً بطلاً شجاعاً فصيحاً مفوّهاً، (1 - 73هـ). ينظر: تهذيب الأسماء واللغات1: 266، والعبر1: 82، وروض المناظرص125.
زمزم (¬1)، ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابة - رضي الله عنهم -، فكان إجماعاً (¬2)، وهذا حجّة على الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - أيضاً في مسألة القُلتين.
فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صَعْوَةٌ أو سُودانيةٌ أو سامٌّ أبرص نُزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً بحسب كِبْر الدَّلو أو صغره
(فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صَعْوَةٌ (¬3) أو سُودانيةٌ (¬4) أو سامٌّ أبرص (¬5) نُزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً بحسب كِبْر الدَّلو أو صغره)؛ لما رُوِي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الفأرة تموت في البئر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «استق منها ثلاثة أَذْنُب، ثمّ سَمِّ اللهَ تعالى واشرب» (¬6)، والذَّنُوب: هي الدَّلو العظيم.
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ زنجياً وقع في زمزم فمات، فأنزل إليه رجلاً فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
(¬2) قال الطحاوي في شرح معاني الآثار 1: 18: «فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء
البئر نجساً بوقوع النجاسة فيها، فكان ينبغي أن لا تطهر تلك البئر أبداً؛ لأنَّ حيطانها قد تشرّبت ذلك الماء النجس واستكن فيها، فكان ينبغي أن تطم. قيل له: لم تر العادات جرت على هذا، قد فعل عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - ما ذكرنا في زمزم بحضرة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكروا ذلك عليه، ولا أنكره مَن بعدهم، ولا رأى أحد منهم طمها».
(¬3) صَعْوَة: صغار العصافير، وهو أحمر الرأس، كما في المغرب ص267.
(¬4) السُّودَانِيَّةُ: طُوَيْرَةٌ طَوِيلَةُ الذَّنَبِ على قَدْرِ قَبْضَةِ الْكَفِّ، وقد تُسَمَّى العُصْفُورَ الأَسْوَدَ، وهي تَأْكُلُ العِنَبَ والجَرَادَ، كما في المغرب ص238.
(¬5) هو الوزغ الكبير، كما في الجوهرة 1: 17.
(¬6) لم أجده وسيأتي في معناه آثار.
وعن سعيد بن المُسَيَّب (¬1) ..................................................
وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سِنَّور: نُزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين
وإبراهيم النَّخَعيّ (¬2) - رضي الله عنهم - أنَّهما قالا في الفأرة تموت في البئر: «ينزح عشرون دلواً» (¬3).
وعن عليّ - رضي الله عنه - أنَّه قال: «ينزح منها دلاء» (¬4).
¬
(¬1) هو سعيد بن المُسَيَّب بن حَزْن بن أبي وَهْب المَخْزُومِيّ القُرَشِيّ، أبو محمد، سيد التابعين، أحد الفقهاء السبعة، وكان من أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته حتى سمي راوية عمر (ت13 - 94هـ). ينظر: وفيات الأعيان 2: 378، وطبقات الشيرازي ص39، والأعلام3: 155. وللوقوف على حياته وفقهه ينظر: فقه سعيد بن المسيب للدكتور هاشم جميل، مطبوع في أربع مجلدات.
(¬2) هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النَّخَع النَّخَعِيّ الكوفيّ، أبو عمران، أو أبو عمار، والنَّخَعي نسبة إلى جَسر بن عمرو أحد جدوده، سمي جسر بالنَخَع؛ لأنَه انتخع من قومه، أي بعد عنهم، ونسبته إلى النَّخَع: وهي قبيلة كبيرة من مَذْحِج، وهو أحد الأئمة المشاهير، تابعي رأى عائشة ودخل عليها، قال ابن حجر: ثقة إلا أنَّه يرسل كثيراً، (46 - 96هـ). ينظر: وفيات الأعيان 1: 25، والتقريب ص35، والأعلام1: 76.
(¬3) فعن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في فأرة وقعت في بئر، قال: «ينزح منها قدر أربعين دلواً» في شرح معاني الآثار 1: 17، وعنه في البئر يقع فيه الجرذ أو السنور فيموت، قال: «يدلو منها أربعين دلواً» في معرفة السنن 2: 100، وشرح معاني الآثار 1: 17.
(¬4) فعن عليّ - رضي الله عنه - في الفأرة تقع في البئر، قال: «ينزح إلى أن يغلبهم الماء» مصنف ابن أبي شيبة 1: 149. ولكن عن النخعي - رضي الله عنه - في البئر تقع فيه الفأرة، قال: «ينزح منها دلاء» في شرح معاني الآثار 1: 18.
(وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سِنَّور: نُزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين)؛ لقول أبي سعيد الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - (¬1) ...........................................
وإن ماتت فيها كلبٌ أو شاةٌ أو دابّةٌ أو آدميٌ نُزح جميعُ ما فيها من الماء، وإن انتفخَ الحيوان فيها أو تفسَّخَ نُزِحَ جميعُ ما فيها من الماءِ صَغُر الحيوانُ أو كَبُر، وعددُ الدِّلاء يعتبر بالدَّلو الوَسَط المستعمل للآبار في البلدان
في الدّجاجة: «ينزح أربعون دلواً» (¬2).
¬
(¬1) هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، من نجباء الصحابة وفضلائهم وعلمائهم، مفتي المدينة، كان مكثراً من الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقيهاً، مجتهداً، مفتياً، ممن بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وشهد معه الخندق، وما بعدها، من أقواله: «عليك الله، فإنَّه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنَّه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن، فإنَّه روحك في أهل السماء، وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت، إلا في حق، فإنَّك تغلب الشيطان»، وله (1170) حديثاً (ت74 هـ). ينظر: أسد الغابة6: 151، والإصابة3: 78، والاستيعاب 4: 1671.
(¬2) قال الزيلعي في نصب الراية 1: 323: «قال شيخنا علاء الدين: رواهما الطحاوي من طرق، وهذان الأثران لم أجدهما في شرح الآثار للطحاوي، ولكنَّه أخرج عن حجاج ثنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان: أنَّه قال في دجاجة وقعت في البئر فماتت، قال: ينزح منها قد أربعين دلوا أو خمسين». وعن الشعبي - رضي الله عنه - في الطير والسنور ونحوهما يقع في البئر، قال: ينزح منها أربعون دلواً. في شرح معاني الآثار 1: 17، وصححه ابن قطلوبغا في تخريج أحاديث الاختيار1: 48. و عن سلمة بن كهيل - رضي الله عنه - في الدجاجة تقع في البئر، قال: «يستقي منها أربعون دلواً» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
(وإن ماتت فيها كلبٌ أو شاةٌ أو دابّةٌ أو آدميٌ نُزح جميعُ ما فيها من الماء)؛ لما ذكرنا من حديث الزِّنجي.
(وإن انتفخَ الحيوان فيها أو تفسَّخَ نُزِحَ جميعُ ما فيها من الماءِ صَغُر الحيوانُ أو كَبُر)؛ لأنَّ الظّاهرَ شيوع النّجاسة في الماء.
(وعددُ الدِّلاء يعتبر بالدَّلو الوَسَط (¬1) المستعمل للآبار في البلدان)؛ لأنَّ
فإنّ نُزِحَ منها بدلو عظيم قُدِّرَ ما يسَع من الدلو الوَسَط واحتُسِب به جاز، وإن كانت البئرُ مَعيناً لا تُنزح، ووَجَب نزح ما فيها، أَخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وعن مُحمّد بن الحسن - رضي الله عنه - أنَّه قال: يُنزح منها مئتا دلو إلى ثلاثمئة
الأخبارَ وردت مطلقةً فيحمل على الأعمّ الأغلب، (فإنّ نُزِحَ منها بدلو عظيم قُدِّرَ ما يسَع من الدلو الوَسَط واحتُسِب به جاز)؛ لأنَّ القدرَ الواجب قد أُخرج (¬2).
¬
(¬1) اعتبار الدَّلو الوسط، وما جاوزه احتسب به، هذا اختيار المصنف وصاحب
الوقاية ص102، والكنز ص5، والملتقى ص5، والتنوير1: 145، ومنحة السلوك 1: 124، وغيرهم.
والقول الثاني: اعتبار دلو البئر، وهو اختيار صاحب تحفة الملوك ص48، والبحر 1: 124، والهداية1: 22، والاختيار1: 27، وغيرهم.
والقول الثالث: اختيار في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو ينزح به، يعتبر الدلو الوسط: كصاحب المضمرات، وتبعه اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 92. واختار صاحب الدر المختار1: 145 إن لم يكن لها دلو فما يسع صاعاً.
(¬2) بذلك القدر، وقام مقامه لحصول المقصود مع قلّة التقاطر، كما في اللباب 1: 26.
(وإن كانت البئرُ مَعيناً لا تُنزح): [يعني لا يُمكن نزح الكلّ] (¬1)، (ووَجَب نزح ما فيها، أَخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء)، ولم يقدِّر أبو حنيفة - رضي الله عنه - فيه شيئاً؛ لأنَّ الآبارَ تختلفُ في قلّة الماء وكثرته.
(وعن مُحمّد بن الحسن - رضي الله عنه - أنَّه قال: يُنزح منها مئتا دلو إلى ثلاثمئة) دلو (¬2)؛
وإذا وجدوا في البئر فأرةً ميتة أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسّخ، أَعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، وغَسلوا كلَّ شيء أَصابه ماؤها، وإن كانت قد انتفخت أو تَفَسَّخت أَعادوا صلاةَ ثلاثة أَيّام ولياليها
لأنَّ غالب الآبار لا يزيد على هذا، والصَّحيح قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - (¬3)، وإنَّما ذكرَ مُحمّد - رضي الله عنه - هذا على ما شاهده في بلدِه وعاينه.
¬
(¬1) زيادة من جـ.
(¬2) اختار قول محمد - رضي الله عنه - الشرنبلالي في نور الإيضاح1: 80، وصاحب الكنز ص5، والاختيار1:27. وفي الملتقى ص5: «وبه يفتى»، وكان المشايخ إنَّما اختاروا قول محمد - رضي الله عنه -؛ لانضباطه كالعشر تيسيراً، كما في اللباب1: 27.
(¬3) هذه رواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ومشى عليه في تحفة الملوك ص49، بأن ينزح حتى يغلبهم الماء.
والصحيح: أن يأخذ بقول رجلين لهما بصارة في الماء، وصحح هذا في الدرر 1: 25، والتبيين1: 30، ومنحة السلوك 1: 125، واختاره في الهداية1: 22، وأقرَّه صاحب الكفاية1: 93، واختاره صاحب التنوير1: 143، وهدية الصعلوك ص32، وفي الدر المختار1: 143: وبه يفتى، وهو الأحوط، وفي المراقي ص37: هو الأصح، ورجَّحه ابن عابدين في حاشيته 1: 143.
(وإذا وجدوا في البئر فأرةً ميتة أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسّخ، أَعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، وغَسلوا كلَّ شيء أَصابه ماؤها، وإن كانت قد انتفخت أو تَفَسَّخت أَعادوا صلاةَ ثلاثة أَيّام ولياليها)، [وذلك في قول أبي حنيفة] (¬1)؛ لتحقّق العلم بحصول الفأرة الميتة في البئر قبل علمنا بها، فلا بُدّ من تقديره بزمان، وأقلُّ ما يقدَّر به الزّمان يوم وليلة، فقدِّرَ به احتياطاً في باب العبادات.
وإن كانت منتفخةً، فالظّاهر أنَّها لا تنتفخ في أقلّ من ذلك؛ لأنَّ برد الماء يمنع منه، ووقوعها ميتة أو منتفخة بعيد جداً، فلا يعتبر ذلك.
وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحقّقوا متى وقعت.
[فصل في الآسار:] وسؤرُ الآدمي
(وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحقّقوا متى وقعت)؛ لاحتمال وقوعها في تلك الساعة (¬2).
[فصل في الآسار]
(وسؤرُ (¬3) الآدمي) طاهرٌ، جنباً كان أو حائضاً أو كافراً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس» (¬4)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: «حيضك ليس في يديك» (¬5)، و «قد
¬
(¬1) زيادة من جـ.
(¬2) قولهما موافقٌ للقياس، وقوله استحسان، وهو الأحوط في العبادات، كما في رد المحتار1: 147.
(¬3) السُّؤْرُ: بقية الشيء، وجمعه أسآر، فهو اسم للبقية بعد الشراب التي أبقاها الشارب، كما في اللسان3: 92.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 422، وصحيح مسلم 1: 282، وغيرهما.
(¬5) في المعجم الأوسط 4: 103، وسنن النسائي 2: 773، ومستخرج أبي عوانة 2: 302، ومسند أحمد 2: 428، وصححه الأرنؤوط.
أنزل - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف في مسجده وهم كفّار، وقيل له: فيهم نجس، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ليس على الأرض من نجاستهم شيء» (¬1)؛ ولأنَّه لو أسلم كان طاهراً، وبالإسلام لا يتغيّر العين.
وما يؤكل لحمُه طاهر، وسؤرُ الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ
(و) كذلك سؤر (ما يؤكل لحمُه طاهر)؛ لما روى البراءُ بن عازب - رضي الله عنه - (¬2) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ما يؤكل لحمُه فلا بأس بسؤرِه» (¬3).
¬
(¬1) فعن الحسن - رضي الله عنه -: «إنَّ وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لهم قبّة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنَّما أنجاس الناس على أنفسهم» في شرح معاني الآثار 1: 13، ومراسيل أبي داود 1: 21.
(¬2) هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الخزرجي الأنصاري، أبو عمارة، قائد صحابي، من أصحاب الفتوح، أسلم صغيراً، وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق، وهو ممن استصغر يوم بدر، وكان ممَّن بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مع علي - رضي الله عنه -، ثم رجع معه، فأدركوا حجة الوداع سنة عشر، قال عنه الذهبي: «الفقيه الكبير أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني، نزيل الكوفة، من أعيان الصحابة». ولما ولي عثمان - رضي الله عنه - الخلافة جعله أميراً على الري بفارس، وشهد البراء بن عازب مع علي كرم الله وجهه الجمل في صفين والنهروان، ثم نزل الكوفة ومات بها أيام مصعب ابن الزبير - رضي الله عنه -، له في الصحيحين (305) حديثاً، (ت71 هـ). ينظر: أسد الغابة 1: 258 - 259، والإصابة1: 278، والاستيعاب1: 155 - 157.
(¬3) في معرفة السنن 4: 81، وسنن الدارقطني 1: 128، وغيرهما.
(وسؤرُ الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ولغ الكلب في إناءِ أحدكم فأريقوه، ثم اغسلوه ثلاثاً» (¬1)، وروي: «سبعاً» (¬2).
وسؤر الهرة، والدَّجاجة المخلاة، وسباع الطير، وما يسكن البيوت، مثل: الحَيّة والفأرة مكروه
وأما الخنزير؛ فلأنَّه لا يحلّ الانتفاع به بوجهٍ، ولا بشيء من أجزائه، إلا ما رُخِّص في شعره للخَرّازين (¬3)؛ للضَّرورة، فصارت كالدَّم.
وأمَّا سباع البهائم؛ فلحديثِ ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الماء يكون في الفلاة يمرّ به الكلاب أو السِّباع، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» (¬4)، فيه إشارة إلى أنَّ أسآرها نجسةٌ.
وما رواه الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: أيتوضّأ بما أفضلت الحمر، وبما أفضلت السّباع؟ قال: نعم» (¬5)، فمحمولٌ على الماء الكثير، أو على الحمر الوحشية، وسباع الطير.
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الكلب يلغ في الإناء: أنَّه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» في سنن الدارقطني1: 65، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفاً: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرّات» في سنن الدارقطني1: 66، وصحّحه العيني في عمدة القاري 3: 40 فقال: «وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: هذا إسناد صحيح».
(¬2) في صحيح مسلم 1: 234، وصحيح ابن خزيمة 1: 51، وصحيح ابن حبان 4: 109، وغيرها.
(¬3) مِن خرزت الجلد خرزاً، وهو كالخياطة في الثياب، كما في المصباح ص166.
(¬4) في سنن ابن ماجه 1: 172، والسنن الكبرى للبيهقي 1: 393، وغيرها.
(¬5) في السنن الصغرى 1: 149، ومسند الشَّافِعيّ 1: 10، ومعرفة السنن 2: 56، وسنن الدارقطني 1: 62، وغيرها، وسيأتي لفظه بعد قليل، وقال في اللباب في الجمع بين السنة والكتاب 1: 60: «رواه داود بن الحصين عن جابر، ولم يلقه، فضعف الاحتجاج به».
(وسؤر الهرة، والدَّجاجة المخلاة، وسباع الطير، وما يسكن البيوت، مثل: الحَيّة والفأرة مكروه)؛ لأَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نفى النَّجاسةَ عن الهرة بعلّة الطَّواف، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الهرةُ ليست بنجسة، إنَّها من الطَّوافين عليكم أو الطَّوافات» (¬1)، وسواكن
وسؤر الحمار والبغل مشكوكٌ فيه، فإن لم يجد غيرَهما توضّأ بهما وتيمّم، وبأَيهما بدأ جاز
البيوت كلّها من الطَّوافات.
ومنقارُ الدّجاجة وسائر سباع الطير طاهر، فلا يُحكم بنجاستها إلا بيقين.
وأما الكراهية؛ فلأنَّ هذه الأشياءَ لا تجتنب النّجاسات، فلا يؤمن أن يكون على أفواهها نجاسة؛ فلذلك كره.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: سؤرُ الهرة لا يكره، وبه أخذ الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -؛لماروي: «أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أَصغى لها الإناء حتى شربت منه، ثمّ توضأ به» (¬2)، إلا أنَّه يحتمل أنَّه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك؛ لبيان الجواز، وبه نقول، والذي يؤكّد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الهرة سَبُع» (¬3).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22، وغيرها.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، أنَّها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَمُرَّ به الهرة فيصغي لها الإناء، فتشرب ثم يتوضأ بفضلها» في سنن الدارقطني 1: 110، وذكر الزيلعي طرقه في نصب الراية 1: 133.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ السنور سَبُع» في مسند أحمد 2: 328، والمستدرك 1: 292، وسنن الدارقطني 1: 63، وغيرها.
(وسؤر الحمار والبغل مشكوكٌ فيه، فإن لم يجد غيرَهما توضّأ بهما وتيمّم، وبأَيهما بدأ جاز)؛ لتعارض الدَّلائل فيه، «فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - سُئل أيجوز التَّوضؤ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السَّباع» (¬1).
بابُ التيمّم: ومَن لم يجد الماء وهو مسافرٌ، أو خارجَ المصر بينَه وبين المصر نحو
وروي أنَّه قال - صلى الله عليه وسلم - في الحُمر: «إنَّها رجس» (¬2)؛ ولأنَّه أخذَ شبهاً من الكلب في تحريم لبنه ولحمه، ومن الهرة في ملابسته وملامسته، فتعارض فيه الدليلان شرعاً وعقلاً، والقولُ بالتوفيق (¬3) عند تكافؤ الأمارات دليلُ كمال العلم، وغاية الورع.
والشَّافِعيّ - رضي الله عنه - حكم بطهارته مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّها رجس»، فكان محجوجاً.
¬
(¬1) فعن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، وبما أفضلت السباع كلّها» في مسند الشَّافِعيّ 1: 15، وسنن البيهقي الكبير 1: 249، وسنن الدارقطني 1: 62، ومعرفة السنن 2: 56، وغيرها.
(¬2) فعن أنس - رضي الله عنه - نادى منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر: «إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنَّها رجس» في صحيح البخاري 4: 1539، وصحيح مسلم 3: 1540.
(¬3) في أ: «التوقف».
وإذا كان مشكوكاً فيه عندنا وجب الجمع بينه وبين بدل الأصل ـ وهو التيمّم ـ احتياطاً؛ للخروج عن العُهدة.
والبغل لَمّا كان متولِّداً منه ومن الفَرَس (¬1)، صار سؤره كسؤر فرسٍ اختلط بسؤر حمار، فصار مشكوكاً (¬2)، والله أعلم.
بابُ التيمّم
(ومَن لم يجد الماء وهو مسافرٌ، أو خارجَ المصر (¬3) بينَه وبين المصر نحو
المِيل أو أكثر. أو كان يجد الماء إلا أنَّه مريض فخاف إن استعملَ الماء اشتدّ مرضُه، أو خاف الجنبُ إن اغتسلَ بالماءِ أن يقتلَه البرد أو يُمرِضَه، فإنَّه يتيمّم بالصعيد
المِيل (¬4) أو أكثر (¬5).
¬
(¬1) الفَرَس يقع على الذكر والأنثى، عربياً كان أو غير عربي، كما المغرب ص356. والمشكوك فيه من البغل: هو من كانت أُمّة حمارة؛ لأنَّ النسب في الحيوانات للأم، كما صرح به غير واحد، كما في رد المحتار 1: 226.
(¬2) في ب زيادة: «فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم».
(¬3) لكن في رد المحتار 1: 155: بُعد الماء ميلاً ولو مقيماً في المصر؛ لأنَّ الشرط العدم، فأينما تحقق جاز التيمم، نصّ عليه في الأسرار، لكن قال في شرح الطحاوي: لا يجوز التيمّم في المصر إلا لخوف فوت جنازة أو صلاة عيد أو للجنب الخائف من البرد، وكذا ذكر التُّمرتاشيّ؛ بناءً على كونه نادراً، كما في البحر الرائق 1: 14. وقيّده في الكنز ببعده ميلاً، فقال في التبيين 1: 37: وهذا ينفي اشتراط الخروج من المصر، وهو الصحيح؛ لأنَّه لا يشترط إلا لحوق الحرج، وببعده ميلاً عن الماء يَلحقه الحرج، سواء كان في المصر أو خارجه. ونصّ في نور الإيضاح ص67 على جوازه في المصر أيضاً.
(¬4) اختلفوا في مقدار الميل على أقوال:
الأول: أنَّه ثلث الفرسخ، وهو أربع آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو اختيار صاحب المراقي ص151، وفتح باب العناية1: 164، وصدر الشريعة في شرح الوقاية1: 56، وابن ملك في شرح الوقايةق12/ب. والبحر1: 146، والعناية1: 108، وهو اختيار الشارح.
الثاني: أربع آلاف ذراع، وهو اختيار صاحب التبيين1: 37، والبناية1: 482، والهدية العلائيةص34، والدر المختار1: 155.
الثالث: أنَّه ثلاث آلاف ذراع وخمسمئة إلى أربعة آلاف، وهو قول ابن شجاع.
الرابع: الميل بسير القدم نصف ساعة. ينظر: حاشية الطحطاوي على المراقي ص114.
(¬5) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: (رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بموضع يقال له: مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة) في المستدرك 1: 288، وصححه، ووقفه يحيى بن سعيد على ابن عمر - رضي الله عنهم -، وعن نافع - رضي الله عنه -: «تيمم ابن عمر - رضي الله عنهم - على رأس ميل أو ميلين من المدينة، فصلى العصر، فقدم والشمس مرتفعة ولم يعد الصلاة» في المستدرك 1: 289.
أو كان يجد الماء إلا أنَّه مريض فخاف إن استعملَ الماء اشتدّ مرضُه، أو خاف الجنبُ إن اغتسلَ بالماءِ أن يقتلَه البرد أو يُمرِضَه (¬1)، فإنَّه يتيمّم بالصعيد)؛ لقوله
¬
(¬1) بأن يخاف المقيم أو المسافر من استعمال الماء الهلاك، أو تلف العضو، أو المرض؛
لأن عدم الماء والدفء وإن كان نادراً فإنه لا ينافي إباحة التيمم، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب. فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال رجاء أني سمعت أن الله يقول {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)} [النساء: 29]، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) في المستدرك1: 285، والسنن الصغرى 1: 185، وسنن أبي داود 1: 92، والتيمم من البرد خاص بالغسل لا بالوضوء. ينظر: فتح باب العناية 1: 110.
والتيمّمُ ضربتان:
- جل جلاله -: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] الآية.
ومَن كان على ميل من الماء فهو والمسافر على السَّواء، والمسافرُ في هذا المكان جاز له التيمّم، فكذا هذا.
ومَن خاف المرضَ فهو كالمريض؛ لأنَّه يخاف الضرر.
وقال الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: لا يجوز التَّيمُّم إلا إذا خافَ الهلاكَ، قياساً على أكل الميتة (¬1)، وهذا خلاف النَّصّ، فإنَّه مطلق، وعلى أنَّ أكلَ الميتة يُباح إذا خافَ تلفَ عضو من أعضائه أيضاً؛ ولأنَّ أمرَ الميتة أغلظ وهذا أخفّ، فلا يقاس عليه.
(والتيمّمُ ضربتان:
يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، والتَّيمُّم في الجنابة والحدث سواء، ويجوز التَّيمّم عند أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم -: بكلِّ ما كان من جنس الأرض
1.يمسح بإحداهما وجهه.
2.وبالأخرى يديه إلى المرفقين)؛ لقوله - جل جلاله -: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمار - رضي الله عنه -: «يكفيك منه ضربتان» (¬2).
¬
(¬1) مذهب الشَّافِعيّة في هذه المسألة: أنَّ من أسباب التيمم مرض يخاف معه إن استعمل الماء على منفعة عضو أن تذهب: كالعمى، أو تنقص: كضعف البصر، أو يخاف معه فوت النفس والعضو، ولو كان مرضه يسيراً، أو لم يكن به مرض فخاف حدوث مرض مخوف من استعمال الماء، تيمم على المذهب، أو يخاف شدة الضنا ... فما نسبه الشارح إلى الشَّافِعيّ فيه. ينظر: هامش رسالة الخلاصة ص143.
(¬2) حديث عمار - رضي الله عنه - رواه عبد الرحمن بن أبزى - رضي الله عنه -، قال: «جاء رجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأنت لم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنَّما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه» في صحيح البخاري 1: 129، وغيره. وفيه ضربة واحدة، وأما حديث الضربتين: فهو عن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين) في المستدرك 1: 287، وصححه، وسنن الدارقطني 1: 180، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 146، وغيرها.
(والتَّيمُّم في الجنابة والحدث سواء)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله رجل فقال: «إنا نكون بالرمال الأشهر، وفينا الجنب والحائض والنُّفساء، ولا نجد الماء، فكيف نصنع؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: عليكم بالصَّعيد» (¬1).
(ويجوز التَّيمّم عند أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم -: بكلِّ ما كان من جنس الأرض (¬2):
كالتُّراب والرَّمْل والحجر والجِصّ والنُّورة والكحل والزِّرْنيخ، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز إلا بالتُّراب والرَّمل خاصّة، والنّيّة فرضٌ في التَّيمُّم، مُستحبّةٌ في الوضوء
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنا نكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فتكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: عليكم بالصعيد» في سنن البيهقي الكبير 1: 310، والمعجم الأوسط 6: 255.
(¬2) الحد الفاصل بين جنس الأرض وغيره: أنَّ كل ما يحترق بالنار فيصير رماداً:
كالشجر، والحشيش، أو ينطبع ويلين: كالحديد، والصفر، والذهب، والزجاج، ونحوها، وكل ما تأكله الأرض: كالحنطة والشعير وسائر الحبوب، فليس من جنس الأرض، فلا يجوز التيمم به بلا نقع ـ أي غبار ـ، وما كان من جنسها، فيجوز بلا غبار. ينظر: تبيين الحقائق 1: 39، وتحفة الفقهاء1: 41.
كالتُّراب والرَّمْل والحجر والجِصّ والنُّورة والكحل والزِّرْنيخ (¬1))؛ لقوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، والصعيد: عبارة عن وجه الأرض مِنَ الصُعود.
(وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز إلا بالتُّراب والرَّمل خاصّة) (¬2)، وبه أخذ الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - في قول؛ لأنَّه - جل جلاله - قال: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، والطيب المنبِت، لكنّا نقول الطيب هو الطَّاهر، وحملُه عليه أليق فيما نحن فيه.
(والنّيّة فرضٌ في التَّيمُّم، مُستحبّةٌ في الوضوء)؛ لأنَّ التّيمّم هو القصد، قال
وينقض التَّيمّم كلُّ شيء ينقض الوضوء، وينقضُه أيضاً: رؤية الماء إذا قَدَر على استعماله، ولا يجوز التَّيمُّم إلاّ بصعيد طاهر
الشّاعر:
ولا أدري إذا يمّمت أرضاً ... أريد ... الخير أيهما ... يليني
[أألخير ... الذي أنا ... أبتغيه ... أم الشرّ الذي هو يبتغيني] (¬3)
أي: قصدت، والقصد: هو النيّة.
¬
(¬1) الزِّرنيخ: بالكسر: حجرٌ معروف، وله أنواع كثيرة، منه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أصفر، كما في تاج العروس7: 263.
(¬2) وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إذا ضرب بيده على ثوب أو على حنطة أو شعير أو ما أشبه ذلك، فعلق بيده غبار، جاز التيمّم؛ لأنَّ مقدار ما يستعمل من الأرض هو الغبار، فإذا أخذه من ثوب جاز، كما لو عصر ماء من ثوبه فتوضأ به. وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز؛ لقوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وإطلاق اسم الصعيد لا يتناول الغبار، فلم يجز التيمّم به، كما في شرح الأقطع ق18.
(¬3) زيادة من جـ.
وقياس زُفر - رضي الله عنه - التَّيمُّمَ على الوضوء في عدم اعتبار النيّة لا يصحّ؛ لأنَّ المأمورَ به هناك الغَسل، وهاهنا القصد، فكان واجباً.
(وينقض التَّيمّم كلُّ شيء ينقض الوضوء)؛ لأنَّه بدل، فما أبطل الأصل أولى أن يبطلَه.
(وينقضُه أيضاً: رؤية الماء إذا قَدَر على استعماله)؛ لأنَّه بدلٌ، وحكم البدل أن لا يبقى مع وجود الأصل كالصَّوم في الكفَّارة إذا أيسر قبل الفراغ (¬1).
وشُرطت القدرة على الاستعمال؛ لأنَّ العاجزَ لا يُكلّف، حتى لو رأى الماء في بئر وليس معه آله الاستقاء، أوكان بينه وبين الماء حائل من عدو أو سَبُع أو نحو ذلك لا ينتقض تيمُّمُه.
(ولا يجوز التَّيمُّم إلاّ بصعيد طاهر)؛ لقوله - جل جلاله -: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]: أي طاهراً، كذا ذكره المفسّرون (¬2).
ويُسْتَحَبُّ لمَن لم يجد الماء، وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت أن يؤخِّرَ الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وَجَدَ الماء توضّأ وإلا تيمَّم وصَلَّى، ويُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل
(ويُسْتَحَبُّ لمَن لم يجد الماء) في أَوَّل الوقت (وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت أن يؤخِّرَ الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وَجَدَ الماء توضّأ وإلا تيمَّم وصَلَّى)؛
¬
(¬1) أي: تمكن من الإطعام أو الكسوة قبل أن يتم صيام ثلاثة أيام الكفارة، فإنَّه يجب عليه الإطعام أو الكسوة.
(¬2) ينظر: تفسير الطبري8: 409،وتفسير القرطبي5: 236،وتفسير البيضاوي2: 76.
لأنَّه إذا أخَّر يجوز أن يجدَ الماء، وتأخير الصلاة لأدائها على أكمل أوصافها أفضل كتأخيرها للجماعة.
وقال الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: يقدّم الصّلاة؛ لأنَّ فضيلةَ أوّل الوقت متحقّقة، ووجود الماء موهوم.
قيل له: الوضوءُ شرطٌ، وفضيلةُ الوقت ليست بشرطٍ، فكان اعتبار ما هو شرط أولى.
(ويُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل)؛ لأنَّ الله - جل جلاله - أقامَ التَّيمُّم مقام الوضوء مطلقاً، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «التَّيمُّم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث» (¬1).
ويجوز التيمّمُ للصحيحِ في المصرِ إذا حضرت جنازةٌ والوليُّ غيرُه فخاف إن اشتغل بالطَّهارةِ أن تفوتَه الصّلاة
وقال الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: يُصلّي به فرضاً واحداً (¬2).
¬
(¬1) فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» في صحيح ابن حبان 4: 139، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 144، ومسند أحمد5: 146، وسنن الدارقطني 1: 187، وسنن البيهقي الكبرى 1: 187، وصححه ابن القطان، وينظر: نصب الراية 1: 148، والدراية 1: 67، وخلاصة البدر 1: 70.
(¬2) عند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: يتيمم لكل فريضة ويصلي بتيمم واحد ما شاء من النوافل، كما في مغني المحتاج 1: 98.
وقال مالك - رضي الله عنه -: صلاة واحدة (¬1)؛ لأنَّها (¬2) طهارة ضرورية.
قيل له: الضرورة هي عدم الماء، وهي باقيةٌ، فيبقى ببقائها الطَّهارة.
(ويجوز التيمّمُ للصحيحِ في المصرِ إذا حضرت جنازةٌ والوليُّ غيرُه (¬3) فخاف إن اشتغل بالطَّهارةِ أن تفوتَه الصّلاة)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتتك الجنازة وأنت على غير طهارة، فتيمّم وصلِّ» (¬4)، رواه ابنُ عمر - رضي الله عنهم -.
وكذلك مَن حَضَرَ العيدَ فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة أن تفوتَه صلاةُ العيد فإنَّه يتيمَّم ويُصلِّي، بخلاف مَن شهدَ الجمعة فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة فاتته فإنَّه لا
¬
(¬1) المشهور عن مالك - رضي الله عنه -: أنَّه لا يستباح بالتيمم صلاتان مفروضتان أبداً، والمشهور عنه: أنَّه إذا كانت إحدى الصلاتين فرضاً والأخرى نفلاً، أنَّه إن قَدَّم الفرض جمع بينهما، وإن قَدَّم النفل لم يجمع بينهما، كذا في الهنداوي ص147.
(¬2) في جـ: «لأنَّه».
(¬3) إذ لا يجوز له التيمم؛ لانتفاء الضرورة في حقه؛ لأنَّه ينتظر، ولو صلَّوا له حق الإعادة، كما في شرح ابن ملك ق13/أ، وصححه صاحب الهداية1: 27، والخانية1: 63، والنسفي في الكافي، وفي ظاهر الرواية: يجوز للولي أيضاً؛ لأنَّ الانتظار فيها مكروه، وصحَّحه شمس الأئمة الحلواني، كما في رد المحتار1: 161، وتببين الحقائق 1: 42.
(¬4) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه أُتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمّم ثمّ صلّى عليها» في
معرفة السنن 2: 38، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «إذا خِفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء، فتيمم وصلِّ» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 497، ورجاله رجال مسلم إلا المغيرة، وهو محتجٌ به، كما في إعلاء السنن 1: 300، ونصب الراية 1: 157.
يتيمّم، وبخلاف مَن ضاقَ عليه الوقت، فخشي إن توضّأ فات الوقت لم يتيمّم ولكنَّه يتوضّأُ ويُصلِّي فائتةً
وقال الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: لا يجوز التَّيمّم، فصار محجوجاً بالحديث.
(وكذلك مَن حَضَرَ العيدَ فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة أن تفوتَه صلاةُ العيد فإنَّه يتيمَّم ويُصلِّي) (¬1)؛ لأنَّ صلاةَ العيد كصلاة الجنازة في أنَّها لا تؤدّى منفرداً، ولا تفوت إلى خَلَف.
(بخلاف مَن شهدَ الجمعة فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة فاتته فإنَّه لا يتيمّم)؛ لأنَّها تفوت إلى بدل، وهو الظُّهر، (وبخلاف مَن ضاقَ عليه الوقت، فخشي إن توضّأ فات الوقت لم يتيمّم (¬2) ولكنَّه يتوضّأُ ويُصلِّي فائتةً)؛ لأنَّها تفوت إلى بدل،
¬
(¬1) قال القاري في فتح باب العناية1: 105: ونقَلَ الدارقطنيُّ عنهما في صلاة العيد كذلك.
(¬2) وقال زفر - رضي الله عنه -: يتيمم لفوات الوقت، قال الحلبي في الغنية: فالأحوط: أن يتيمم ويصلي ثم يعيد، وذكر مثله ابن أمير حاج في الحلبة، حيث ذكر فروعاً عن المشايخ، ثم قال ما حاصله: ولعلَّ هذا من هؤلاء المشايخ اختيار لقول زفر - رضي الله عنه -؛ لقوة دليله، وهو أنَّ التيمّم إنَّما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، فيتيمم عند خوف فواته ... فينبغي أن يقال: يتيمم ويصلّي، ثم يعيد الوضوء، كمَن عجز بعذر من قِبَلِ العباد، وقد نقل الزاهدي - رضي الله عنه - في شرحه هذا الحكم عن الليث بن سعد، اهـ.
قال ابن عابدين في ردّ المحتار 1: 246: وهذا قول متوسّط بين القولين، وفيه الخروج عن العهدة بيقين، فلذا أقرّه الحصكفي، ثم رأيته منقولاً في التاتارخانية عن أبي نصر بن سلام، وهو من كبار الأئمة الحنفية قطعاً، فينبغي العمل به؛ احتياطاً، ولا سيما وكلام ابنُ الهُمام يميل إلى ترجيح قول زفر - رضي الله عنه -، بل في كلام القنية: أنَّه رواية عن مشايخنا الثلاثة، ونظير هذا مسألة الضيف الذي خاف ريبة، فإنَّهم قالوا يصلي ثم يعيد، والله تعالى أعلم.
والمسافرُ إذا نَسِيَ الماءَ في رحلِهِ فتيمَّمَ وصَلَّى ثمّ ذَكَرَ الماء لم يُعِد صلاتَه عند أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -
وهو القضاء.
(والمسافرُ إذا نَسِيَ الماءَ في رحلِهِ فتيمَّمَ وصَلَّى ثمّ ذَكَرَ الماء لم يُعِد صلاتَه عند أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -) (¬1)؛ لأنَّه تيمّم وهو غيرُ واجد الماء، فصحّت صلاته، كما لو تيمَّم وعنده بئرٌ مغطاةٌ لا يعلم بها، [بخلاف ما إذا كان في رحلِه ثوبٌ (¬2)؛ لأنَّ
وقال أبو يوسف: يعيد. وليس على المُتيمِّمِ إذا لم يَغلب على ظنِّه أَنَّ بقُرْبه ماءً أن يَطْلبَ الماء، فإن غلبَ على ظنّه أنَّ هناك ماء لم يجز له أن يتيمَّم حتى يطلبه
العادةَ جرت أنَّ الثِّيابَ تحمل في الرِّحال] (¬3).
¬
(¬1) لأنَّه عاجزٌ عن الماء حقيقة؛ إذ لا قدرة له بدون العلم، فصار كفاقد الدلو، والغالب النِّسيان في السفر؛ لكثرة الاشتغال والتعب والخوف، ولأنَّ الماء الموضوع في الرحل النفاد فيه غالب؛ لقلّته، بخلاف العمران، وليس الرحل في يده حقيقة، بخلاف المحمول على ظهره، ونحو ذلك، كما في تبيين الحقائق 1: 43.
(¬2) الصلاة في ثوب نجس أو عرياناً، فقد ذكر الكرخي - رضي الله عنه - أنَّها على الخلاف، وهو الأصح، ولو كانت على الاتفاق، فالفرق بين تلك المسألة وأمثالها وبين مسألة الكتاب: أنَّ فرض الستر وإزالة النجاسة فات لا إلى خلف، وهنا فرض الوضوء فات إلى بدل، وهو التيمم بعذر، والفائت ببدل كلا فائت، كما في تبيين الحقائق 1: 43.
(¬3) زيادة من جـ.
(وقال أبو يوسف) والشَّافِعيّ - رضي الله عنهم -: (يعيد)؛ لأنَّ التَّقصيرَ جاء من قبله، حيث لم يفتش، فلا يعذر.
قيل له: النِّسيانُ ليس من قِبَله، والتَّفتيشُ لا يجب ما لم يغلب وجود الماء على ظنّه.
(وليس على المُتيمِّمِ إذا لم يَغلب على ظنِّه أَنَّ بقُرْبه (¬1) ماءً أن يَطْلبَ الماء، فإن غلبَ على ظنّه (¬2) أنَّ هناك ماء لم يجز له أن يتيمَّم حتى يطلبه)؛ لأنَّ المفازةَ مَظنّة عدم الماء، فكان العجزُ ثابتاً ظاهراً.
والشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: أَوجب الطلبَ في الحالين جميعاً؛ احتياطاً، إلا أنَّ الاحتياطَ عند عدم الأمارة وغلبة الظّنِّ تعذيبٌ من غير فائدةٍ.
وإن كان مع رفيقه ماء طَلَبه منه قبل أن يتيمّم، فإن منعه منه تيمَّم، وإن تيمَّم قبل الطَّلب جاز
(وإن كان مع رفيقه ماء طَلَبه منه قبل أن يتيمّم)؛ لجواز أن يعطيَه، (فإن منعه منه تيمَّم)؛ لتحقُّق العجز، (وإن تيمَّم قبل الطَّلب جاز)؛ لأنَّه غيرُ مالكٍ للماء، فلا
¬
(¬1) أي: يجب طلبه مقدار غلوة، وهي مقدار ثلاثمئة ذراع إلى أربعمئة، ولا يبلغ في طلبه ميلاً؛ كيلا ينقطع عن القافلة، ولو بعث من يطلبه كفاه عن الطلب بنفسه، وتمامه في نفحات السلوك ص43، والجوهرة النيرة 1: 25.
(¬2) لأنَّ غلبة الظن توجب العمل كاليقين، وإن لم يظن فلا يجب عليه الطلب، كما في تبيين الحقائق 1: 44.
يلزمه الطَّلب والاستيهاب بغير عوض، كالمُكَفِّر إذا لم يجد الرَّقبة لا يلزمه الطَّلب والاستيهاب، كذا هذا.
وعندهما: لا يجوز؛ لأنَّه واجدٌ للماء؛ إذ الماء يبذل عادة، وخصوصاً للصَّلاة (¬1).
بابُ المسح على الخُفّين: المسحُ على الخُفين جائزٌ بالسُّنّة من كلِّ حَدَثٍ موجبٍ للوضوء
بابُ المسح على الخُفّين
¬
(¬1) أثبت عدم الخلاف صدر الشريعة في شرح الوقاية 1: 63 فقال: إنَّ مسألةَ الصلاة قبل طلب الماء لا تجوز اتفاقاً، وليس فيها خلاف بين الأئمة الثلاث، وإنَّما خالف فيها الحسن بن زياد - رضي الله عنه -، وهذا ما ذهب إليه صاحب البحر1: 170، وتبعه صاحب التنوير1: 167، والدر المختار1:167، وقال: عليه الفتوى».
ولكنَّ الحلبي في غنية المستملي ص69 وفَّق بينهما، بأنَّ الحَسَن رواه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في غير ظاهر الرواية وأخذ هو به، فاعتمد في المبسوط ظاهر الرواية، واعتمد في الهداية رواية الحَسَن؛ لكونها أنسب بمذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - من عدم اعتبار القدرة بالغير، وفي اعتبار العجز للحال، انتهى.
واختار الحلبي فيها التفصيل؛ تبعاً لأبي نصر الصفّار والجصّاص، وأيده في ذلك ابنُ عابدين في رد المحتار1: 167، والتفصيل هو: أنَّ قوله فيما إذا غلب على ظنه منعه إياه، وقولهما عند غلبة الظن بعدم المنع، أو كما قال الصفار: إنَّما يجب السؤال في غير موضع عزة الماء، فإنَّه حينئذ يتحقق ما قالاه من أنَّه مبذولٌ عادة. وذكر ابن الهمام في فتح القدير 1: 142 عن الجصاص عدم الخلاف بينهم، وأنَّه محمولٌ على التفصيل السابق.
(المسحُ على الخُفين جائزٌ بالسُّنّة): يعني جوازه ثبت بالحديث، قال الحَسَنُ البصري (¬1) - رضي الله عنه -: «حدثني سبعون رجلاً من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهم رأوه يمسح على الخُفين» (¬2).
(من كلِّ حَدَثٍ موجبٍ للوضوء): يعني حكمه وجوب الوضوء؛ لحديث صفوان بن عَسَّال المراديّ - رضي الله عنه - (¬3): «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنّا سفراً أن لا ننزع
إذا لَبِسَ الخُفّين على طهارة كاملة ثمّ أحدث
خفافنا ثلاثة أيّام إلا من جنابة، لكن من غائطٍ أو بول أو نوم» (¬4).
¬
(¬1) هو الحسن بن يسار البَصَري، أبو سعيد، كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فنّ من علم وزهد وورع وعبادة، (21 - 110هـ). ينظر: وفيات الأعيان2: 69 - 72، والأعلام1: 242.
(¬2) رواه ابن المنذر كما في اللباب 1: 14، وشرح مسند أبي حنيفة ص82، قال السيوطي في تدريب الراوي2: 179، والأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: السنة متواترة فيه، فقد رواه سبعون صحابياً، وقد أخرجه العيني في البناية1: 554، وشرح معاني الآثار عن سبعة وستين صحابياً، قال القاري في فتح باب العناية1: 183: روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوأُ من الشمس، وعنه: أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين؛ لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، أي المعنوي، وإن كانت من الآحاد اللفظي.
(¬3) هو صفوان بن عَسَّال بن زاهر المرادي، من بني الربض، سكن الكوفة، يقال: إنَّه روى عنه من الصحابة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وأما الذين يروون عنه فزر بن حبيش، وعبد الله بن سلمة، وأبو العريف، غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة غزوة. ينظر: الاستيعاب 2: 724، وأسد الغابة 2: 409.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة 1: 13، وسنن النَّسائي الكبرى1: 92، وسنن الترمذي 1: 159، وغيرها. وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليصل فيهما وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة) في المستدرك 1: 290، وصححه.
(إذا لَبِسَ الخُفّين على طهارة كاملة (¬1) ثمّ أحدث)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ إن شاء إذا لَبِسهما وهو متوضئ» (¬2)؛ ولأنَّ الخفَّ لا يرفع الحدث، لكن يمنع سراية الحدث إلى الرِّجل شرعاً.
¬
(¬1) بأن يكون لابس الخفين على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللبس، ولا يشترط أن يكون على طهارة كاملة وقت اللبس، وبيان ذلك: أنَّ المحدث إذا غسل رجليه أولاً، ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين؛ لوجود الشرط، وهو لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس، كما في بدائع الصنائع 1: 9.
(¬2) فعن علي - رضي الله عنه -: (جعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم) في صحيح مسلم 1: 232، ومن الأحاديث الدالة على اشتراط لبس الخفين على طهارة كاملة: عن عمر - رضي الله عنه -: (إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمسح على ظهر الخفين إذا لبسهما، وهما طاهرتان) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 163، ومسند الشاشي 1: 78، ومسند أبي يعلى 1: 158، وسنن البيهقي الكبير 1: 292، وعن المغيرة - رضي الله عنه - قال: (كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) في صحيح البخاري 5: 2186، وغيره.
فإن كان مقيماً يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام ولياليها، ابتداؤها عقيب الحدث، والمسح على الخُفّين على ظاهرهما خُطوطاً بالأَصابع، يَبدأُ من رؤوس أَصابع الرِّجل إلى السَّاق
(فإن كان مقيماً يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام ولياليها)؛ لما ذكرنا من الحديث.
(ابتداؤها عقيب الحدث): يعني الحدث الذي بعد اللُّبس؛ لأنَّ الرُّخصةَ تثبت للحاجة، وتحقّق الحاجّة بالحدث (¬1).
(والمسح على الخُفّين على ظاهرهما خُطوطاً بالأَصابع، يَبدأُ من رؤوس أَصابع الرِّجل إلى السَّاق)؛ لقول عليّ - رضي الله عنه -: «لو كان الدِّين بالقياس ما كان ظاهر الخف أولى بالمسح من باطنه، لكن رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع» (¬2).
¬
(¬1) فلا يعتبر من وقت المسح الأول كما هو رواية عن أحمد واختاره جماعة منهم النووي، وقال: لأنَّه مقتضى أحاديث الباب الصحيحة، ولا من وقت اللبس، كما هو محكي عن الحسن البصري، واختاره السبكي من متأخري الشَّافِعيّة; لأنَّه وقت جواز الرخصة، والحجة للجمهور: أنَّ أحاديث الباب كلها دالة على أنَّ الخفّ جعل مانعاً من سراية الحدث إلى الرِّجل شرعاً، فتعتبر المدّة من وقت المنع; لأنَّ ما قبل ذلك طهارة الغسل، ولا تقدير فيها، فإذن التقدير في التحقيق إنَّما هو لمدة منعه شرعاً، وإن كان ظاهر اللفظ التقدير للمسح أو اللبس، والخفّ إنَّما منع من وقت الحدث، كما في البحر 1: 180.
(¬2) فعن علي - رضي الله عنه -، قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه) في سنن أبي داود 1: 90، والسنن الصغرى1: 108، ومعرفة السنن1: 214، وعن المغيرة - رضي الله عنه -: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالَ، ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خُفِّه الأيمن ويده اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابعه - صلى الله عليه وسلم - على الخُفَّين) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 170، وسنن البيهقي 1: 262.
وفَرْضُ ذلك مقدارُ ثلاث أَصابعَ من أَصابع اليد، ولا يجوز المسح على خفٍّ فيه خرقٌ كبير يَبِينُ منه مقدار ثلاث أَصابع من أَصابع الرِّجل، فإن كان أَقلّ من ذلك جاز
وما روى الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخفّ وأسفله» (¬1)، طعن فيه جماعةٌ من أئمة الحديث، فلا يعارض حديث عليّ - رضي الله عنه -.
(وفَرْضُ ذلك مقدارُ ثلاث أَصابعَ من أَصابع اليد)؛ لأنَّ المسحَ يكون بآلة المسح ـ وهي اليد ـ فاعتبرنا الثَّلاث؛ لأنَّها الأكثر، وللأكثر حكم الكلّ.
وحديث عليّ - رضي الله عنه - يردّ على الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - اعتباره ما يُسمّى مسحاً.
(ولا يجوز المسح على خفٍّ فيه خرقٌ كبير يَبِينُ منه مقدار ثلاث أَصابع من أَصابع الرِّجل) (¬2) الصّغار، (فإن كان أَقلّ من ذلك جاز)؛ لأنَّ القليلَ لا يمكن
¬
(¬1) فعن المغيرة - رضي الله عنه -: (إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف وأسفله) في سنن الترمذي 1: 164، وقال: «هذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة و محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح»، وسنن ابن ماجه 1: 183، وغيرها.
(¬2) على الصحيح لا ما دونها، وصححه في الهداية 1: 29، ومشى عليه في الوقاية ص117، والمراقي ص130، وتحفة الملوك ص40، واعتبر الأصغر؛ للاحتياط.
ولو كان الخرقُ طويلاً يدخل فيه ثلاث أصابع الرِّجل إن أُدْخِلَتْ لكن لا يبدو منه هذا المقدار، جاز المسح، ولو كان مضموماً لكن ينفتحُ إذا مَشَى ويظهرُ هذا المقدار لا يجوز، كما في شرح الوقاية ص117.
ولا يجوز المسحُ على الخُفّين لمَن وَجَبَ عليه الغُسل، وينقض المسح على الخُفّين ما يَنْقُضُ الوضوء، وينقضه أيضاً: نَزْعُ الخُفّ
الاحتراز عنه، فإنَّ مواضع الخَرْز معفو عنه؛ للحرج، والكثير يمكن التَّحرُّز منه، وهو ما يمنع من المشي المعتاد والتَّقلُّب فيه، فيصير كأنَّه غير لابس، وجعل الفاصل بينهما ثلاث أصابع؛ لأنَّها الأكثر.
والشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: ألحق القليل بالكثير، وفيه حرج.
ومالك - رضي الله عنه -: ألحق الكثير بالقليل، وفيه مخالفة للحديث؛ لأنَّه حينئذٍ يكون مسحاً على الرِّجل لا على الخفّ.
(ولا يجوز المسحُ على الخُفّين لمَن وَجَبَ عليه الغُسل)، وقد مَرَّت، فإنَّها مكرَّرة.
(وينقض المسح على الخُفّين ما يَنْقُضُ الوضوء)؛ لما مرَّ في التيمّم.
(وينقضه أيضاً: نَزْعُ الخُفّ) (¬1)؛ لزوال الضَّرورة.
¬
(¬1) لكن ذكر صدر الشريعة في الوقاية 1: 75: أنَّ لفظ القدوري: «أكثر القدم»، وهو المروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وصحّحه صاحبُ الهداية1: 29، والدر المختار1: 184، وبه جزم في الكنز ص6، والملتقى ص7، ومشى عليه في تحفة الملوك ص40؛ لأنَّ فيه الاحترازَ من خروج أقلّ القدم؛ لما فيه من الحرج كما في الخف الواسع، ولا حرج في الأكثر، وتَنْزيلاً للأكثر منزلة الكل.
والثاني: خروج أكثر العقب إلى الساق، وهو مروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ بقاءَ المسح
لبقاء محلّ الغسل في الخفّ، وبخروج أكثر العقب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يبقى محلّ الغسل فيه، وأيضاً: لا يمكن معه متابعة المشي المعتاد، قال القاري في فتح باب العناية1: 197: وهو الأحوط. واختاره في الوقاية ص75، وصدر الشريعة في شرح الوقاية 1: 76، والنقاية ص9، وصاحب الفتح 1: 136، والبدائع1: 13.
وعند محمد - رضي الله عنه - إن بقي في محل المسح مقدار ما يجوز المسح عليه ـ يعني ثلاث أصابع ـ لا ينتقض المسح وإلا انتقض؛ لأنَّ خروج ما سوى قدر المسح كلا خروج، وعليه أكثر المشايخ، كما في رد المحتار1: 184.
ومضيّ المدّة، وإذا تَمَّت المدّةُ نَزَعَ خُفّيه وغَسل رجليه وصلَّى، وليس عليه إعادة بقيّة الوضوء
وإن نزع أحد خفّيه فكذلك؛ لأنَّ المسحَ جنسٌ واحد، وهو لا يتبعَّض.
(و) ينقضه أيضاً: (مضيّ المدّة)؛ لأنَّ المُدّةَ مؤقّتةٌ في الأحاديث.
(وإذا تَمَّت المدّةُ نَزَعَ خُفّيه وغَسل رجليه وصلَّى، وليس عليه إعادة بقيّة الوضوء)؛ لأنَّه لم يوجد ما يرفع الوضوء، وإنَّما الحدث السَّابق سرى إلى الرِّجل عند مضي المدّة.
وقال الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: عليه أن يتوضّأ؛ لأنَّه ممنوعٌ من الصَّلاة بحكم الحدث، فلزمته الطَّهارة.
لكنّا نقول: تلزمه الطَّهارة فيما ليس بطاهر، ألا ترى أنَّه لو غَسلَ بعضَ أعضائه [ولم يتمّ؛ لفقد الماء] (¬1)، ثمّ وَجَدَ الماءَ لم يلزمه غسل ما كان مغسولاً، كذا هذا.
¬
(¬1) في أ و ب: «ثم تيمم لعوز الماء».
ومَن ابتدأ المسحَ وهو مقيمٌ فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أَيام ولياليها، وَمَن ابتدأ المسح وهو مسافر ثُمَّ أقام، فإن كان مسح يوماً وليلة أو أَكثر لزمه نزع خُفّيه وغسل رجليه، وإن كان مسح أقلّ من يوم وليلة تَمَّمَ مَسْحَ يومٍ وليلة، ومَن لَبِسَ الجُرْموقَ فوق الخُفّ مسح عليه
(ومَن ابتدأ المسحَ وهو مقيمٌ فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أَيام ولياليها)؛ لأنَّه مسافرٌ لابسُ خفٍّ على طهارة، فقضية الحديث: أن يمسحَ ثلاثةَ أيّام إلا أنَّه استوفى بعض الوظيفة، فله إتمامها (¬1).
وعند الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: يتمّ مدّة المقيم، كما لو شرع في الصَّلاة في السَّفينة وانحدرت، إلا أنَّ اعتبارَ المسح بصلاة واحدة بعيدٌ؛ لأنَّها لا تتجزّأ، بخلاف المسح (¬2).
(وَمَن ابتدأ المسح وهو مسافر ثُمَّ أقام، فإن كان مسح يوماً وليلة أو أَكثر لزمه نزع خُفّيه وغسل رجليه، وإن كان مسح أقلّ من يوم وليلة تَمَّمَ مَسْحَ يومٍ وليلة)؛ لأنَّه مقيم، فيثبت في حقّه رخصة المقيمين.
(ومَن لَبِسَ الجُرْموقَ (¬3) فوق الخُفّ مسح عليه)؛ لقول بلال - رضي الله عنه -: «مسح
¬
(¬1) في أ و ب: «تمامها».
(¬2) وحاصله: أنَّ الشَّافِعيّ - رضي الله عنه - لم يعتبر تغير المدّة بالإقامة أو السفر، وقاسها على مسافر كان يصلّي في السفينة فتوقفت على الشاطئ، فإنَّه يتمها صلاة قصر فحسب، لا صلاة مقيم؛ لأنَّه صار مقيماً، وأجيب عن استدلاله هذا: أنَّه قياس مع الفارق؛ لأنَّ الصلاة جزء واحد فلا يتجزّأ، فلم يعتبر فيه تغير حالها إلا في أربع ركعات، بخلاف المسح فإنه يمكنه تجزؤ؛ لاستمراره مدّة طويلة. والله أعلم.
(¬3) الجرموق: ما يلبس فوق الخفّ، كما في شرح الوقاية 1: 71.
ولا يجوز المسح على الجَوْرَبين عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إلا أن يكونا مُجلَّدين أو مُنعَّلَيْن، وقالا: يجوز المسح على الجَوْرَبين إذا كانا ثَخِينَيْن لا يشفان الماء
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مُوقَيْه» (¬1)، وهما الجُرْموقان؛ ولأنَّه جاز المسح عليه إذا لم يكن تحته خفّ، فكذا إذا كان تحته خفّ، وصار الخفّ كاللّفافة، بخلاف ما لو مسح على الخُفّ ثمّ لَبِسَ الجُرْموق أنَّه لا يمسح عليه؛ لأنَّ الوظيفةَ انتقلت إلى الخُفّ، فصار كما لو لَبِسَ الخُفّ على الحدث (¬2).
والشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: سوّى بين الحالين في المنع من الجواز، والفرق ظاهر.
(ولا يجوز المسح على الجَوْرَبين عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إلا أن يكونا مُجلَّدين (¬3) أو مُنعَّلَيْن (¬4))؛ لأنَّه لا يمشى في الجوارب عادة سفراً وحضراً، فلا ضرورة فيه.
(وقالا: يجوز المسح على الجَوْرَبين إذا كانا ثَخِينَيْن لا يشفان (¬5) الماء)، وبه أخذ
¬
(¬1) فعن أبي عبد الرحمن السلمي - رضي الله عنه -: (أنَّه شهد عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - يسأل بلالاً عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه) في سنن أبي داود 1: 86، والمستدرك 1: 276، وصححه. وعن أبي قلابة - رضي الله عنه -، قال: «مسح بلال - رضي الله عنه - على موقيه» في المعجم الكبير 1: 362، ومصنف عبد الرزاق1: 187.
(¬2) وضابط ذلك: أنَّ ما لبس على طهارة من غسل للرجلين جاز المسح عليه، وإن لبس بعد المسح على ما تحته لم يجز المسح عليه.
(¬3) المُجلَّد: وهو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله، كما في رد المحتار 1: 179.
(¬4) المنعل: وهو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكون إلى الكعب، كما في الإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389، وغيرها.
(¬5) أي: لا يجذبانه وينفذانه إلى القدمين، وهو تأكيد للثخانة، كما في اللباب 1: 35، وفي
الغنية ص120: «فإنَّ الجورب إذا كان بحيث لا يجاوز الماء منه إلى القدم، فهو بمنزلة الأديم والصرم في عدم جذب الماء إلى نفسه إلا بعد لبث أو دلك، بخلاف الرقيق، فإنَّه يجذب الماء وينفذه إلى الرِّجل في الحال». وفي الهدية العلائية ص39: «منعهما وصول الماء إلى الجسد إذا مسح عليهما». وفي رد المحتار 1: 261: «ومنعهما وصول الماء إلى الرِّجل».
..........................................................................
الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -؛ لأنَّه روي: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مسح على الجَوْرَبين» (¬1)، ونحن نحمله على
¬
(¬1) فعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: (إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضّأ ومسح على الجوربين والنعلين) في صحيح ابن خزيمة 1: 99، وصحيح ابن حبان 4: 167، وجامع الترمذي1: 167،وصححه، وسنن أبي داود 1: 41، وسنن النَّسائي الكبرى 1: 92، وسنن ابن ماجه 1: 185، وغيرها. ولا يعمل بمطلق المسح على الجوربين استناداً إلى هذا الحديث لما يلي:
أولاً: أنَّ هذا الحديث ردّه كبار الحفّاظ، قال أبو داود في سننه 1: 41: «كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأنَّ المعروف عن المغيرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين». وقال البيهقي: «إنَّه حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي ابن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة - رضي الله عنه - حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنَّهم فعلوه». وقال النووي: «كل واحد من هؤلاء لو انفرد قُدِّم على الترمذي، مع أنَّ الجرح مقدم على التعديل»، وقال: «واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: «إنَّه حسن صحيح».». وتمامه في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، وتحفة الأحوذي 1: 278، وغيرها.
ثانياً: أنَّه مخالفٌ لظاهر القرآن من وجوب غسل الرجلين، فإنَّ الإمام مسلم بن الحجاج - رضي الله عنه - ضعَّفَ هذا الخبر، وقال: «أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان، وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة - رضي الله عنه -، فقالوا: مَسَحَ على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل» بخلاف المسح على الخفين، فإنَّ الأمة تلقته بالقبول لتواتر الرواية به، كما في نصب الراية1: 184، ومعارف السنن1: 349 - 350.
قال العلامة المحدث البنوري في معارف السنن 1: 350 - 351: «وبالجملة لم يعملوا بإطلاق الحديث، بل كأنَّهم عملوا بتنقيح المناط في الخف، فأدخلوا فيه ما ذكرنا، وعلى كل حال إن صح حديث الجوربين لم يمكن أن يعمل على إطلاقه الشامل للثخينين والرقيقين؛ لمعارضة القرآن المتلو، نعم عملوا بجزء منه، إما تمسكاً به أو بتنقيح الخف الوارد في المتواتر، ... وأيضاً الحديث يروى عن المغيرة - رضي الله عنه - بنحو ستين طريقاً، ولم يذكر لفظ حديث الباب إلا في هذه الطريقة، فكيف يطمئن به القلب، ثم إن عمل قوم من المتساهلين بالمسح على الجوارب الرقيقة ليس أصل له في الشريعة يعتمد عليه، إن كان بهذا الحديث فقد عرفت ما قال الأئمة فيه، وإن كان بقول الفقهاء فهم اشترطوا إما التجليد وإما التنعيل، وعلى الأقل الثخانة، والله أعلم». وتمام هذا البحث فيما كتبته في المشكاة ص66 - 69.
..........................................................................
المجلَّدَين، وقد روي ذلك أيضاً (¬1).
¬
(¬1) لعلّه محمول على تأويل رواية: «جوربيه ونعليه» السابق ذكرها، بالجوربين المنعلين، ففي سنن البيهقي الكبير 1: 285: «وكان الأستاذ أبو الوليد - رضي الله عنه - يؤول حديث المسح على الجوربين والنعلين على أنَّه مسح على جوربين منعلين لا أنَّه جورب على الإنفراد ونعل على الإنفراد».
ولا يجوز المسح على العِمامة والقَلَنْسوة والبُرْقع والقُفَّازين، ويجوز المسح على الجبائر وإن شدَّها على غيرِ وضوء، فإن سقطت عن غير برء لم يبطل
(ولا يجوز المسح على العِمامة (¬1) والقَلَنْسوة (¬2) والبُرْقع (¬3) والقُفَّازين)؛ لعدم الضَّرورة؛ إذ لا مشقّة في نزع ذلك.
(ويجوز المسح على الجبائر وإن شدَّها على غيرِ وضوء) (¬4)؛ لأنَّ الغسلَ سقط للحرج، بخلاف الخُفّ؛ لأنَّه لا حرج فيه، (فإن سقطت عن غير برء لم يبطل
¬
(¬1) العِمامة: ما يلفّ على الرأس، كما في القاموس4: 156.
(¬2) القَلَنْسُوةُ: جمعها: قلانِس، وهي من ملابس الرؤوس، كما في اللسان 5: 3720.
(¬3) البُرْقُع: بفتح القاف وضمها، وجمعها: البَراقع: ما تلبسه نساء الأعراب، وفيه خرقان للعينان، كما في اللسان 1: 265.
(¬4) فعن جابر - رضي الله عنه -، قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منّا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أُخبر بذلك، قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنَّما شفاء العي السؤال، إنَّما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقه ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) في سنن أبي داود 1: 93، وسنن البيهقي الكبير 1: 277، وسنن الدارقطني 1: 189، وعن أبي أمامة - رضي الله عنه -: (إنَّه لما رماه - صلى الله عليه وسلم - ابن قمئة يوم أحد، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ حل عن عصابته ومسح عليها بالوضوء) في مسند الشاميين 1: 262. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: (انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرني أن أمسح على الجبائر) في سنن ابن ماجه 1: 215، ومسند الربيع 1: 62، وسنن البيهقي الكبير 1: 229، وسنن الدارقطني 1: 226.
المسح، وإن سقطت عن بُرء بَطَل.
بابُ الحيض: أَقلُّ الحيض ثلاثة أيّام ولياليها، فما نقصَ من ذلك فليس بحيض، وهو استحاضة، وأَكثرُ الحيض عشرة أَيّام ولياليها، فما زاد على ذلك فهو استحاضة
المسح) (¬1)؛ لأنَّ غسلَ ما تحتها غيرُ واجب، فصار كأن لم تسقط، بخلاف الخُفّ؛ لأنَّه إذا انكشف يجب الغَسل، (وإن سقطت عن بُرء بَطَل) المسح؛ لأنَّه وجب الغَسل فيه.
بابُ الحيض
(أَقلُّ الحيض ثلاثة أيّام ولياليها، فما نقصَ من ذلك فليس بحيض، وهو استحاضة، وأَكثرُ الحيض عشرة أَيّام ولياليها، فما زاد على ذلك فهو استحاضة)؛ لما رَوَى أبو أمامة الباهلي (¬2) - رضي الله عنه - عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أقلّ ما يكون من الحيض
¬
(¬1) لأنَّ العذر قائم والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقياً، كما في اللباب 1: 41.
(¬2) اسمه صدى بن عجلان، لم يختلفوا في ذلك، واختلفوا في نسبه إلى باهلة، وهو مالك بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بزيادة رجل في نسبه ونقصان آخر، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكن مصر، ثم انتقل منها إلى حمص فسكنها، ومات بها، روى علماً كثيراً، وحدّث عن عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة - رضي الله عنهم -، وروى عنه خالد بن معدان، والقاسم أبو عبد الرحمن، وسالم بن أبي الجعد، وشرحبيل بن مسلم، وسليمان بن حبيب المحاربي، ومحمد بن زياد الألهاني، وسليم بن عامر، وأبو غالب حزور، ورجاء بن حيوة، وآخرون، توفي سنة (81هـ)، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ينظر: سير أعلام النبلاء 3: 359، والاستيعاب 4: 1602.
.........................................................................
للجارية البكر والثيب ثلاثة أيّام، وأكثرُ ما يكون عشرة، فإذا زاد الدم أكثر من عشرة أيّام فهو استحاضة» (¬1).
وقال الشَّافِعيّ - رضي الله عنه -: أقلّه يوم وليلة، وألحقه بالجنون، بعلّة أنَّهما مؤثّران في إسقاط الصلاة، والإلحاقُ غيرُ صحيح، فإنَّ الجنونَ غيرُ مقدّر بالإجماع، والحيضُ مقدّرٌ بالإجماع.
وقال: أكثرُه خمسة عشر يوماً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تمكث إحداهنّ شطر عمرها لا
¬
(¬1) فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يكون الحيض للجارية والثيب أقلّ من ثلاثة أيام، ولا أكثر من عشرة أيام، فإذا رأت الدم فوق عشرة أيّام فهي مستحاضة» في معرفة السنن2: 186، وسنن الدارقطني1: 219، وعن واثلة بن الأسقع وأنس وعائشة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَقلُّ الحيضِ ثلاث وأكثره عشرة» في المعجم الكبير 8: 126، والمعجم الأوسط 1: 190، وسنن الدارقطني 1: 218، والعلل المتناهية 1: 383، والكامل2: 373، والتحقيق 1: 260، وطرقه يعضد بعضها بعضاً، وقد روي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه، كما في نصب الراية 1: 191، والدراية 1: 84، وعن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -، قال: «الحائض إذا جاوزت عشرة أيّام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي» في سنن البيهقي الكبير 1: 86، وسنن الدارقطني 1: 210، وقال البيهقي: لا بأس بإسناده، كما في إعلاء السنن 1: 326. وعن سفيان بلغني عن أنس - رضي الله عنه - أنَّه قال: «أدنى الحيض ثلاثة أيام» في سنن الدارمي 1: 231، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 327: «رجاله رجال مسلم، وسفيان هو الثوري، وهو من كبار أتباع التابعين ... فهذا الأثر منقطع، والانقطاع غير مضر عندنا، لا سيما إذا صدر عن إمام كالثوري، والموقوفات في مثل هذا مما لا يدرك بالرأي كالمرفوعات».
وما تراهُ المرأةُ من الحُمرة والصُّفْرة والكُدْرة في أَيّام الحيض، فهو حيضٌ حتى ترى البياضَ الخالص
تُصلِّي» (¬1)، والشطرُ النصف، إلاّ أنّا نقول الشطر يذكر ويراد به البعض، وعلى التسليم يتصوّر فيمن بلغت لخمسة عشر سنة، ثمّ بلغت بحيض في كلِّ شهرين ثلاثين يوماً، فقد مكثت النصفَ وأكثرَه.
(وما تراهُ المرأةُ من الحُمرة والصُّفْرة والكُدْرة (¬2) في أَيّام الحيض، فهو حيضٌ حتى ترى البياضَ الخالص)؛ لقول عائشة رضي الله عنها للنّساء اللاتي بعثن
¬
(¬1) قال البَيْهَقيّ في معرفة السنن 2: 160: «أما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية من قعودها شطر عمرها، وشطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسناداً بحال»، وقال ابن عبد الهادي الحنبلي في تنقيح التحقيق 1: 243: «وأصحابنا قد ذكروا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي، وهذا لفظ لا أعرفه». وقال ابن الجوزي: إنَّه لا يُعرَف، وقال ابن مَنْدَه: لا يَثْبُتُ هذا بوجهٍ من الوجوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في فتح باب العناية 1: 134، والحديث الثابت: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكنّ، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلّي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدِّين) في صحيح البُخاري 1: 116، وصحيح مسلم 1: 86.
(¬2) كَدِِرَ الْمَاءُ كَدَراً، من بابِ تَعِبَ زَالَ صَفَاؤُهُ فهو كَدِرٌ وكَدُر، كما في المصباح ص527.