تهذيب الوصول ........
... إلى قواعد الأصول
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب الوصول ........
... إلى قواعد الأصول
تهذيب الوصول
إلى قواعد الأصول
للإمام شمس الدين محمد بن عبد الله التُّمرتاشي الغزي الحنفي
توفي سنة (1004 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التهذيب:
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فمن المعلوم أنّ التخريج يشتمل على جانبين:
1.تخريج على القواعد الفقهية الجزئية، وهي أُصول البناء، كما في الحال في «تأسيس النظر».
2.تخريج على قواعد الأُصول، وهي أُصول الاستنباط، وهي على صورتين:
أ. استنباط القواعد من القرآن والسنة والآثار من خلال استخدام قواعد الأصول مع الأدلة، فالمستنبطُ بهذه الصورة وإن كانت في الظاهر أنها فروعٌ، لكنها في الحقيقة تُستخدم كأصول بناء، فيُنبى عليها ما عداها من الفروع التي تُشابهها، وقد اهتمّ بهذا التُّمُرتاشيُّ بهذا الكتاب إجمالاً، لكن محلّ هذا أن
يُدرس في أُصول الفقه، وليس فيما يَتعلَّق بتخريج الفروع، ولذلك تركتُ أكثر ما وَرَدَ من هذا النوع أثناء التهذيب للكتاب.
ب. تخريج الفروع على بعض قواعد الأصول لا سيما فيما يتعلَّق بالألفاظ، وهذا مشهورٌ جداً في الأوقاف والوصايا والطلاق وغيرها من التصرّفات القولية، فيمكن الاعتماد على قواعد الأصول في تفسير كلام المكلفين، واستخراج المقصود منه، وكان هذا محلّ عنايةٍ فائفةٍ من التُّمرتاشيِّ في هذا الكتاب، ولذلك حرصتُ على إبقائه وترتيبه، وحذفتُ منه ما يتعلَّق بأمثلة العبيد.
فكان التهذيب والاختصار لهذا الكتاب النافع الماتع المسمىّ بالأصول إلى قواعد الأصول للإمام الفقيه، شمس الدين محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي، المتوفى سنة (1004 هـ) بمعدل الثلثين، حيث اقتصرت على يخدم فكرة التخريج والتفريع، ورأيت أن ما عداه لا يتناسب مع مساق تخريج الفروع الذي يدرس الكتاب فيه، فاستغنيت عنه، وأبقيت مع يتوافق مع تحقيق المقصود، حتى لا يتشتت الطالب، فلا يخرج بنتيجة واضحة أثناء دراسته.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وينفع به البلاد والعباد، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
17 ـ 3 ـ 2021 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
حمدًا لمن بنى أصول الشَّرع الشَّريف على أكمل أساس، وجعلَ نور العلماء مُشرقاً على أنوار الكواكب والنبراس، وصلاة وسلامًا على السَّيد السند الهِرْمَاس محمد المُختار من أشرف جراثيم النَّاس، وعلى آله وأصحابه المطهرين من الأرجاس والأدناس، وعلى التَّابعين لهم بإحسان العاملين بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ما هطل وأبل، فأذهب بنفعه عن الناس الباس.
وبعد:
فيقول العبد الضعيف، الرَّاجي عفو مولاه القوي اللطيف، الواثق بذي اللطف الحفي محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب التُّمُرتاشيُّ الحنفيُّ: لما كان كتاب «تمهيد الأصول» للشيخ الإمام الحبر البحر الهمام، شيخ الإسلام مفتي الأنام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي الشافعي ـ تغمده برحمته وأسكنه فسيح جنته ـ، كتابًا في بابه عديم النَّظير، حاوياً من القواعد الأصولية والفروع الفقهيَّة، للجمّ الغفير، لم أقف على كتاب من مؤلَّفات
مَشايخنا يشبهه في الترتيب ويُضاهيه في حسن التَّهذيب، سنح لي أن أصنف كتاباً على منواله الغريب، وأسلوبه العجيب؛ ليكون عدة في الباب للمُحصِّلين والطّلاب.
وها أنا أشرع في المقصود مُستمدًا من الملك المعبود، فأقول:
تمهيد:
1) قاعدة
الفقيه من كان صاحب ملكة فقهية
وضابط الفقيه يتفرَّع عليه مسائل من الأوقاف والوصايا والتعليقات.
والفقهاء جمعُ فقيه، وهو اسم فاعل من فقُه بضم القاف إذا صار الفقه سجيةً له، وأمَّا المكسور فمعناه فهم، والمفتوح معناه سبق غيره إلى الفهم، وقياس اسم فاعلها فاعلٌ، وهو فاقه.
ومن فروعه:
فلو أوصى بثلث ماله إلى الفقهاء يدخل تحت الوصية مَن يُدقق النَّظر في مسائل الشَّرع، وإن كان يعلم ثلاث مسائل مع أدلتها، حتى قال بعضُهم: إنّ مَن حَفِظَ أُلُوفًا من المسائل لم يدخل تحت الوصية.
وروي عن مالكٍ: أنّ مَن أوصى للعقلاء ينصرف إلى العلماء الزاهدين؛ لأنهم هم العقلاء في الحقيقة.
وعن الفقيه أبي جعفر أنه قال: الفقيه عندنا مَن بَلَغَ من الفقه الغاية القصوى، وليس المتفقه بفقيه، وليس له من الوصية نصيب.
ولو أوصى لأهل العلم ببلخ يدخل أهل الفقه وأهل الحديث ولا يدخل فيها أهل كلام؛ لأنّ هؤلاء متفلسفة لا طلبة العلم إلا إذا كانوا يشتغلون بالكلام على قواعد الفلسفة المبنية على القواعد الشرعية الإسلامية فيدخلون.
ولو علَّق رجلٌ طلاق زوجته بدخول فقيه إلى داره، أو بقدوم فقيه من سفره تعلَّق به، واعتبر في معنى الفقيه بما مر.
• • •
2) قاعدة
الفقه علم ظني اجتهادي
تعدّ مسائل الفقه ظنية لا قطعية؛ لكونها مبنية على أَخبار الآحاد والأقيسة وغيرها من المظنونات، ومع ذلك فهي علم لما يلي:
أ. أنّ العلم يُطلق على الظنيات، كما يُطلق على القطعيات: كالطب ونحوه.
ب. أنّ الشارع لما اعتبر غلبة الظّن في الأحكام صار كأنّه قال: كلّما غلب ظنّ المجتهد بالحكم يثبت الحكم، فكلّما وُجد غلبةُ ظَنِّ المجتهد يكون ثبوتُ الحكم مقطوعًا به، فهذا الجواب على مذهب مَن يقول: إنّ كلَّ مجتهد مصيب، يكون صحيحًا، وأما عند مَن لا يقول به، فيراد بقوله: كلّما غَلَب
ظَنُّ المجتهد ثَبَتَ الحكم أنّه يجب عليه العمل، أو يثبت الحكم بالنّظر إلى الدّليل، وإن لم يثبت في علم الله تعالى.
ج. أنّ المظنون يجب العمل به كالمقطوع.
• • •
3) قاعدة
الظَّنُّ من قبيل الشَّكِّ
وهذا عند الفقهاء؛ لأنّهم يريدون به التَّردُّد بين وجود الشَّيء وعدمه، سواءً استويا، أو ترجَّح أحدُهما.
والمعلوم أن الشَّكَّ تَساوي الطَّرفين.
والظَّنُّ الطَّرفُ الرَّاجحُ، وهو ترجيح جهة الصواب.
والوهمُ رجحان جهة الخطاء.
وأما أكبر الرأي، وغالب الظن، هو الطرف الرَّاجح إذا أخذ به القلب، وهو المعتبر عند الفقهاء، ومن فروعه:
فلو قال: له عليَّ ألف في ظَنِّي لا يلزمه شيء؛ لأنّه للشَّك، وغالب الظن عند الفقهاء ملحق باليقين، وهو الذي يبتني عليه الأحكام.
ولو ظَنّ استقبال القبلة، ودخول وقت الصّلاة والصّوم، وغير ذلك يصح.
ولو اختلط مساليخ الذَّكية بمساليخ الميتة وليس هناك علامة تميّز، وهذا اختلاط مجاورة، يتحرَّى إن كانت الغلبة للذَّكية، وإن كانت الغلبة للميتة، أو استويا لا يتحرَّى إلا عند المخمصة.
ولو اختلط ودك الميتة بالزَّيت ونحوه، وهو اختلاطُ ممازجة لم يؤكل إلا عند الضَّرورة، وُيباح له الاستصباح، هذا إذا كان الزيت غالبًا، وإن كان الودك غالبًا لا يجوز الانتفاع بحال (¬1).
ولو اختلط الثِّياب الطاهرةُ بالثّياب النَّجسة في السَّفر إن كان له ثوبٌ طاهرٌ صَلَّى فيه، وإن لم يكن تحرى بكلِّ حال.
ولو اشتبهت الأواني والبعض طاهرٌ، والبعضُ نجس، إن كانت الغلبة للطاهر تحرَّى، فيريق الذي في أكبر رأيه أنه نجسٌ، ويَستعمل الطَّاهر، وإن كانت الغلبة للنَّجس، أو كانا سواء لا يتحرَّى، هذا في حالة الاختيار.
أمَّا في حالة الاضطرار يتحرَّى للشّرب بالإجماع، ولا يتحرَّى للوضوء عندنا، ولكنّه يَتيمّم، والأفضل أن يَصُبَّ ذلك الماء، أو يخلط بعضه ببعض، فيصير كعادم الماء، حتى يكون أبعد من خلاف الناس؛ لأنّ من النَّاس مَن يقول: يتحرَّى.
¬
(¬1) هذا محل نظر؛ لأنه يجوز الانتفاع بالنجس كما في السرقين.
وكذلك هذا الحكم في المائعات: كالدّهن والخلِّ واللبن والرّب وغيرها، وتمام ذلك يطلب من الكتب المبسوطة.
ولو ظنَّ وقوع الطلاق لم يقع، وإذا غلب على ظنّه وَقَع.
وكذلك ما ذكروه في نواقض الوضوء من أنّ الغالب كالمتحقِّق.
ومثله: أنهم أجازوا قتل المسلم بغلبة الظَّنّ، فيما إذا دَخَل عليه بيته، وغلب ظنُّه أنّه سارقٌ.
ولو اغتسلت بعدما جامعها زوجها، ثم خَرج منها مَنِيُّ الزَّوج لا يجب عليها الغُسل؛ لعدم ظنِّها أنّ معه منيها.
• • •
4) قاعدة
الفرض والواجب متنافيان
فالفرضُ لغةً: التَّقدير والقطع، والوجوب: السُّقوط والاضطراب.
وفي العرف: الفرضُ الثَّابتُ مقطوعٌ به، والواجبُ بمظنون، وحكم الفرض اللزوم علماً وعملاً، فيكفر جاحده، ويفسق تاركه بغير عذر.
وحكم الوجوب اللزوم عملاً، فلا يَكفر جاحده، ويفسق تاركه.
ومن فروعه:
لو قال لامرأته: طلاقك عليّ واجبٌ، أو لازم لي، أو ثابت، أو فرض، قال بعضُهم: يقع في الكلِّ تطليقة رجعية إن كان دخل بها، نوى أو لم ينو، وقال بعضهم: لا يقع وإن نوى.
وذكر الصدر الشهيد: الصحيحُ أنه لا يقع الطلاق في الكلِّ عند أبي حنيفة.
وذكر في «واقعاته»: الصَّحيح أنه يقع في الكلِّ، وقال أبو جعفر في قوله: واجب يقع لتعارف النّاس، وفي قوله: ثابت أو لازم أو فرض لا يقع؛ لعدم التعارف (¬1)، كذا في «الخانية».
والذي يقتضيه النظر أن يقع في فرض لا في واجب عندنا، وعند الشافعي: ينبغي أن يقع في قوله: فرض أو واجب؛ لعدم الفرق بينهما عنده، لكن ذكر الإسنوي في «التمهيد» مسألة الفرض والواجب عندنا مترادفتا.
¬
(¬1) لما كان الطلاق من الألفاظ، ومرجع الألفاظ للعرف، فينبغي ترجيح قول الهندواني إن كان العرف شاهداً له.
الباب الأول
قواعد الكتاب
هذا هو أحد الأصول الأربعة التي هي أصول الفقه، وهي: الكتاب والسنة الإجماع والقياس.
الكتاب: وهو القرآن المنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة.
وهو اسم للنَّظم والمعنى جميعاً، وقد رُوي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لم يجعل النَّظم لازماً في حقِّ جواز الصَّلاة خاصّة، بل اعتبر المعنى.
ويتفرَّع على هذا أنه لو قرأ بغير العربية من غير عذر جازت الصَّلاة عنده.
وإنّما قلنا خاصة؛ لأنه جعله لازماً في غير حق جواز الصلاة: كقراءة الجنب والحائض، حتى لو قرأ آية من القرآن بالفارسية يجوز؛ لأنه ليس بقرآن؛ لعدم النظم، لكن الأصحَّ أنّه رجع عن هذا القول: أي عدم لزوم النظم في حقِّ جواز الصَّلاة.
وأقسام النظم أربعة: الخاصّ والعامّ والمشترك والمؤول.
5) قاعدة
الخاصُّ يُوجبُ الحكم فيما يَتناوله قطعاً
لأنه بَيِّن في نفسِه فلا يَلحقه البيان.
والخاصُّ: كلُّ لفظٍ وضع لمعنى معلوم على الإنفراد، وهو إمّا خصوص العين أو النوع أو الجنس، كزيد ورجل وإنسان.
وهو أي الخاصُّ من حيث هو خاص: أي من غير اعتبار العوارض والموانع: كالقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة مثلاً يوجب الحكم فيما يتناوله قطعاً، فإذا قلنا: زيد عالم، فزيدٌ خاصٌّ موجبُ الحكم بالعلم على زيد، وأيضاً: العلمُ لفظٌ خاصٌّ، فيوجب الحكم بذلك الأمر الخاصّ على زيد قطعاً.
والمرادُ هنا بالقَطعيِّ: القطعيُّ بالمعنى الأعمِّ، وهو أن لا يكون به احتمال ناشئٌ عن دليل، وهو لا يحتمل البيان لكونه بيِّناً، ومن فروعه:
أن القرءَ يُحمل على الحيض لا على الطُّهر؛ لأنّه إن حُمل على الطُّهر بَطَلَ موجبُ الثَّلاثة الذي هي لفظ: خاصٌّ، إمّا بالنُّقصان عن مدلولها إن اعتبر الذي وَقَعَ فيه الطَّلاق، وإمّا بالزيادة إن لم يعتبر وهو ظاهرٌ.
وأن المُختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدّة عملاً بالخاصّ، وتقريرُه أن قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} [البقرة:230]،
الفاء لفظ خاص للتعقيب، وقد عَقبَ الطلاق الافتداء بالمال، فإن لم يقع الطلاق بعد الخلع يبطل موجب الخاص، وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229].
وأن المال لا ينفك عن العقد الصَّحيح عملاً بالخاصّ، وهو قوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: ?4]، فإن الباء لفظ خاصٌّ يُوجب الإلصاق، فلا يَنفك المال عن العقدُ الصَّحيحُ أصلاً، فيجب بنفس العقد بخلاف الشَّافعيّ.
ففي مسألة المُفوَّضة: ـ وهي التي نُكحت بلا مهر، أو نكحت على أن لا مهر لها ـ يجب كمال مهر المثل إذا دخل بها أو مات عنها بخلاف الشافعي.
وأنّ المهرَ مُقدَّر شرعاً عندنا عملاً بالخاصّ، وهو قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 50]، خَصَّ فرض المهر: أي تقديره بالشارع، فيكون أدناه مقدراً خلافاً للشَّافعي؛ لأنّ قولَه: فرضنا معناه قدَّرنا، وتقدير الشَّارع: إمّا أن يَمنع الزِّيادة؛ لأنّ الأعلى غير مُقدَّر في المهر إجماعاً، أو يَمنع النُّقصان، فيكون الأدنى مُقدَّراً.
وأنّ الغَسل والمسح لفظان خاصّان لفعل معلوم في آية الوضوء، فتعليق جوازه بالنية والتسمية والترتيب والولاء لا يكون عملاً بالخاصّ؛ لذلك يُسنُّ الجميع عملاً بدليله.
وأن الطَّوافُ خاصّ لمجرد الدَّوران، والرُّكوع للميلان، والسُّجود لوضع الجبهة، فتقيَّد جوازها لما عداها من الطهارة والطمأنينة واعتدال الأركان ترك العمل بالخاص؛ لذلك لا يشترط ذلك.
• • •
6) قاعدة
من الخاصّ الأَمر، وهو قولُ القائل
لغيره على سبيل الاستعلاء: افعل
وموجبُه الوجوب على المعتمد إذا لم يكن هناك قرينة تدلُّ على خلافه.
ومن فروعه:
فلو قال لمن يجب عليه طاعته كولده: افعل كذا، ولم يُصرِّح بما يقتضي التَّحريم أو عدم التحريم، فيجب عليه الفعل.
• • •
7) قاعدة
الأَمر للوجوب سواء كان قبل الحظر أو بعده
ومن فروعه:
فلو عزم على نكاح امرأةٍ، فإنّه ينظر إليها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «انظر إليهن» الحديث، فيستحب له النظر، وقد صرف عن الوجوب للقرينة (¬1).
• • •
8) قاعدة
العامُّ ما دلّ على مُسميات
باعتبار أَمر اشتركت فيه مطلقاً
وخرج المعهودون بقولنا: مطلقاً؛ لأنّ دلالة العهد القرينة.
والمحقِّقون على أنّ للعموم صيغةً موضوعة له، وهي أسماء الشروط کمن، وما والاستفهام، والموصولات، والجموعُ المُنَكَّرةُ والمُعرَّفة للجنس والمضافة، والجنس المعرفة والنكرة في النفي، ثم العام أقسام: صيغة ومعنى: كمسلمون، ومشرکون، ومعني لا صيغة كمن وما، ومن فروعه:
¬
(¬1) لعل هذا الفرع للقاعد السابقة.
فلو قال لغيره: من دخل هذه الدار، فأعطه من مالي درهماً كان له أن يعطي كلَّ مَن دخل الدار.
ولو قال لزوجته: إن كان ما في بطنك غلاماً، فأنت طالق، فولدت غلاماً وجارية لا تطلق؛ لأن كلمة ما عامّة، فكان الشّرط كون «كل» ما في البطن غلاماً.
• • •
9) قاعدة
«كلُّ» اسمُ جمع لا واحد له عام معنى لا صيغة كالإنس والجن والقوم، والرهط والجميع، وفيه يراعي معنى الاجتماع، وفي «كلِّ» معنى الانفراد، فإنه يعمُّ الأفراد على سبيل الشمول دون التكرار، ويجعل كلَّ فردٍ كأن ليس معه غيره
وتفصيل العام:
1.عامٌّ بنفسه، وهو نوعان:
أ. صيغة ومعنى: کمسلمين، ومشركين.
ب. معني لا صيغة: كالإنس والجن والرهط والقوم.
2.عام بغيره، وهو نوعان:
أ. اسم النكرة، وإنما يصير عامّاً بانضمام وصف عام إليه، ولا عموم له في نفسه.
ب. الكلمات المبهمة، وهي عامّة مع غيرها لا بغيرها: کمَن وما ونحوها.
وقد قدمنا آنفاً أن في كلمةِ «كلّ» معنى الانفراد، وفي كلمةِ: «الجميع» معنى الاجتماع.
ومن فروعها:
فلو قال الإمام: مَن دَخَلَ منكم هذا الحصن أوَّلاً، فله من النَّفل كذا، فدخل جماعة معاً، لا يَستحقّون شيئاً لانعدام الأولية، وتحقيقه أنّ كلمة «من» وإن كانت عامّة، لكنها تحتمل الخصوص، فإذا قرن بالأول، وهو اسم لفرد سابق تعين الخصوص، فسقط العموم فيه، فيجب النفل للواحد المتقدم ولم يوجد.
ولو قال: جميع مَن دخل كان النفل مشتركاً بينهم؛ لحصول الاجتماع.
ولو قال: كل مَن دخل كان لكلِّ واحدٍ نفل على حده، وإن دخلوا مجتمعين.
• • •
10) قاعدة
الألف واللام إذا دخلا في اسم
فرداً كان أو جمعاً، يُصرفُ إلى الجنس
لأنها آلة التعريف، ولهذا لا يجتمع مع التنوين الذي هو للتَّنكير، فلولا صرفه إلى الجنس، يلزم إلغاء حرف التعريف من كلِّ وجه، ولو صرف إلى الجنس، وأنه فردٌ من وجهٍ، جمعٌ من وجهٍ، لا يلزم إلغاء الصيغة من كلِّ وجه، وكان أولى.
ومن فروعه:
وجوب الوضوء لكل صلاة فرضاً كان أو نفلاً أو صلاة عيد أو صلاة جنازة بشرط الحدث؛ لأنّ اللام في قوله تعالي: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] تصرف إلى الجنس؛ لانعدام العهد؛ إذ الصَّلاة بدون الوضوء ما كانت مشروعة أصلاً؛ ليكون معهوداً.
فلو وكَّله بشراءِ ثوبٍ لا بُدّ من بيان الجنس، وشراءِ الثَّوب أو الثياب جاز بدون بيان الجنس.
وأن الاقتصار على واحد من كلِّ صنف أو على صنف أو بعضه في دفع الزكاة جائز عندنا؛ لأن الألف واللام في الفقراء والمساكين.
وأنه يحنث بواحد في حلفه لا يتزوج النساء، أو لا يركب الخيل ونحوه.
• • •
11) قاعدة
المعرَّفُ أو المُنكر إذا أُعيد مُعرَّفاً كان الثَّاني عين الأول
ولو أُعيد مُنكَّراً كان الثَّاني غيرُ الأَوَّل
كيلا تبطل فائدة التَّعريف والتَّنكير، وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس - رضي الله عنهم -
في قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} الشرح: 6] بقوله: لن يغلب عسر يسرين،
ومن فروعه:
إذا أَقرَّ بمائة درهم وأَشهد شاهدين، ثمّ أقرَّ بمائة درهم في موضع آخر وأشهد شاهدين، كان الثاني غير الأوّل.
ولو أقرَّ بألفٍ مُقيَّدٍ بالصَّكِّ، ثمّ أقرَّ به مُقيَّداً بذلك الصَّكِّ، فإن أدار الصك على الشهود وأَقرّ بما فيه عند كلِّ فريق منهم كان الثَّاني عين الأَوَّل، فيلزمه ألفٌ واحدٌ بالاتفاق.
ولو كان كلُّ واحدٍ من الإقرارين نكرةً: أي غير مقيد بالصَّكِّ والمجلس واحدٌ كان الثَّاني غير الأول أيضاً بالاتفاق.
وإن كان المجلس مختلفاً فكذلك عندهما بناء على أنّ العرف جاء في تكرار الإقرار لتأكيد الحقِّ بالزيادة بالشهود، فيكون الثَّاني هو الأول بدلالة العرف
كما في مجلس واحد. وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - كان الثاني غير الأول؛ لأنه أقرّ بألف منكر مرَّتين.
ولو قال للمدخول بها: أنت طالقٌ نصف تطليقة وثلث تطليقة وسدس تطليقة وقع ثلاث؛ لأنّ المنكر إذا أعيد منكراً كان الثاني غير الأول، فيتكامل كلُّ جزءٍ، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق نصف تطليقة وثلثها وسدسها حيث تقع واحدة؛ لأنّ الثَّاني والثَّالث عين الأول، والكلُّ أجزاء طلقة واحدة حتى لو زادت على الواحدة وقعت ثانية (¬1)، وأما غير المدخول بها فلا يقع عليها إلا واحدة في الصور كلِّها.
• • •
12) قاعدة
الفردُ المضافُ إلى معرفةٍ للعموم
ومن فروعه:
¬
(¬1) وهو مختارٌ جماعةٍ من المشايخ، وفي «المحيط» و «الولوالجية»، وهو المختار، وهكذا ذكر الحسن في «المجرد»؛ لأنه زاد على أجزاء تطليقة واحدة، فلا بُدّ وأن تكون الزيادة من تطليقةٍ أُخرى، فتتكامل الزيادة، والأَصحُّ في اتحاد المرجع، وإن زاد أجزاء واحدة أن تقع واحدةً كما في «الذخيرة» بخلاف واحدة ونصف، كما في الوصول ص 137.
فلو أَوصى لولد زيد أو وقف على ولدِه، وكان له أولاد ذكور وإناث كان للكلِّ.
ولو قال لامرأته: إن كان حملُك ذكراً فأنت طالق واحدةً، وإن كان أُنثى فأنت طالق ثنتين، فولدت ذكراً وأنثى، فلا تطلق؛ لأن الحمل اسم للكلّ، فما لم يكن غلاماً أو جارية لم يوجد الشرط؛ لأنا لو قبلنا بعدم العموم للزم وقوع الثلاث.
وخرج عن ذلك: لو قال: زوجتي طالقٌ طَلُقَتْ واحدةً، والتَّعيين إليه، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالقٌ، وله امرأتان طَلُقَت واحدةً والبيان إليه، ومقتضى ما مرّ طلاق الكلّ، وخرج هذا الفرع عن الأصل؛ لكونه من باب اليمين المبنية على العرف كما لا يخفى.
• • •
13) قاعدة
النكرةُ في سياق النفي تعمّ
سواء دخل النفي على الفعل الواقع على النكرة نحو: ما رأيتُ رجلاً، أو على الاسم المنكر نحو: لا رجل في الدار، وعمومه ضروري لا باعتبار صيغة الاسم؛ لأنك إذا قلت: ما رأيت رجلاً، فقد أخبرت عن انتفاء رؤية رجل
واحدٍ منكر، ومن ضرورة انتفاء رؤية رجل واحد غير عين انتفاء رؤية جميع الرجال؛ إذ لو رأى رجلاً واحداً كان كاذباً.
وحكم وقوع النكرة في سياق الشرط حكم وقوعها في سياق النفي.
ومن فروعها:
فلو حلف لا يكلم رجلاً، أو لا يشتري فرساً، فإنه يحنث بكلام أي رجل، وبشراء أي فرس.
ولو قال: إن لبست ثوباً، أو أكلت طعاماً، أو شربت شراباً، فإنه يعم الجميع، لكنه يُقبل منه نية التخصيص ديانة لا قضاء؛ لأنه نكرةٌ في سياق الشرط، لكنه خلاف الظاهر فلا يصدقه القاضي.
ولو قال: والله لا أتزوج امرأة على ظهر الأرض، ينوي امرأة بعينها، يُصدق فيما بينه وبين الله تعالى.
ولو حلف لا يأكل طعاماً، ولا يشرب شراباً، ونوى جميع الأطعمة، أو جميع مياه العالم، يصدق في القضاء.
ولو قال: والله لا آكل الطعام أو لا أشرب الماء، أو لا أتزوج النساء، فيمينه على بعض الجنس، وإن أراد الجنس صدق؛ لأنه نوى ما هو حقيقة كلامه.
ولو قال الإمامُ: مَن قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه، كان عامّاً، حتى لو قتل رجل اثنين فأكثر استحقّ سَلَبهما.
• • •
14) قاعدة
إذا وضعت النكرة في موضع الإثبات بصفة عامة تعمّ
وتقييد الصفة بكونها عامة؛ لأنه لو كانت خاصة كما إذا قال: والله لا أضرب إلا رجلاً ولدني لا تعم.
وهذا الأصل أكثري الوقوع بحسب اقتضاء المقام، وإلا فالنكرة فد تعم بدون الصفة كما في قولنا: تمرة خير من كسيرة. وقد يختص بالصفة كما إذا قال: والله لأتزوجن امرأة كوفية، بَرَّ بتزوج امرأة واحدة.
ومن فروعه:
فلو قال: والله لا أُكلم أحداً إلا رجلاً كوفياً، فإن له أن يُكلِّم جميع رجال الكوفة.
ولو قال إلا رجلا بدون الصفة، فله أن يكلم واحداً سواء كان من الكوفة أو من غيرها، حتى لو كلم اثنين حنث.
ولو قال: والله لا أقربكما إلا يوماً أَقربكما فيه، فإنه لا يصير مولياً؛ لأن المستثنى يوم وقع القربان، فيمكنه القربان في كل يوم.
ولو قال: إلا يوماً بدون الصفة يصير مولياً بعدم القربان مرة واحدة بعد غروب الشَّمس من ذلك اليوم.
• • •
15) قاعدة
إعمال الكلام أولى من إهماله متى أمكن
فإن لم يمكن أهمل
ولذا اتفق علماؤنا في الأصول على أنّ الحقيقة إذا كانت متعذرةً، فإنه يُصار الى المجاز.
فلو حلف لا يؤكل من هذه النخلة، أو هذا الدقيق حنث في الأوّل بأكل ما يخرج منها أو من ثمنها إن باعها واشترى به مأكولًا، وفي الثاني بما يتخذ منه كالخبز، ولو أكل عين الشجرة والدقيق لم يحنث على الصحيح.
والمهجور شرعاً أو عرفاً كالمتعذِّر.
وإن تعذَّرت الحقيقة والمجاز وكان اللفظ مشتركاً فلا مرجِّح، أُهمل الكلام كقوله: لامرأته المعروفة لأبيها: هذه ابنتي، لم تحرم بذلك أبداً.
ومن فروعها:
فلو جمع بين من يقع الطلاق عليها ومن لا يقع، وقال: إحداكما طالق، كما لو جمع بين منكوحته ورجل وقال: أحدهما طالق، لا يقع الطلاق على امرأته في قول أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: أنه يقع، فلا تطلق امرأته إن جمع بينها وبين غيرها إلا إذا جمع بينها وبين جدار أو بهيمة، لأن الجدار لم يكن أهلاً، أعمل اللفظ لامرأته، بخلاف ما إذا كان المفهوم آدمياً، فإنه صالح في الجملة.
ولو وقف على أولاده وليس له إلا أولاد أولاد، حُمل عليه صونا عن الإهمال عملا بالمجاز.
• • •
16) قاعدة
التوكيد تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر
وهو إما معنوي كقولك: جاء القوم كلهم أجمعون، وقد يكون لفظياً: أي بإعادة اللفظ الأول بعينه: كقولك: جاء القوم، جاء القوم، أي بالتكرار.
واتفقوا على أن التأكيد على خلاف الأصل، لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد تَعيّضن حمله على التأسيس.
ومن فروعها:
فلو قال: أنت طالق طالق طالق، وقال: أردت به التكرار صدق ديانة لا قضاءً، فإن القاضي مأمورٌ باتباع الظاهر، والله يتولى السرائر، والمرأةُ كالقاضي لا يحلُّ لها أن تمكنه إذا سمعت منه ذلك، أو علمت به؛ لأنها لا تعلم إلا الظاهر (¬1).
17) قاعدة
التأسيس خير من التأكيد
فإذا دار اللفظ بينهما تعين الحمل على التأسيس.
ومن فروعه:
فلو قال: هو يهودي، هو نصراني إن فعل، كذا فهما يَمينان.
ولو أن رجلاً قال لآخر: والله لا أكلمه يوماً، والله لا أكلمه شهراً، والله لا أكلمه سنةً، إن كلمه بعد ساعة فعليه ثلاثة أيمان، وإن كلمة بعد الغد عليه يمينان، وإن كلَّمه بعد شهر، فعليه يمين واحدة، وإن كلمه بعد سنة فلا شيء عليه.
• • •
18) قاعدة
¬
(¬1) كما في الزيلعي والخلاصة والخانية.
الفعل المضارع المثبت يكون للحال والاستقبال
كقولنا: زيد يقوم، فينعقد به النكاح والبيع مع القرائن والنية المرجحة للحال.
ومن فروعها:
فلو قال: أبيعك، يكون كقولك: بعت إن أراد بالمضارع الحال فينعقد،
وإن أراد به الاستقبال والوعد لا ينعقد؛ لأن المضارع يحتمل الحال والاستقبال.
ولو قال: أقسم وأحلف وأشهد، وإن لم يقل بالله يكون يميناً؛ لأن هذه الألفاظ مستعملة في الحلف عرفاً وهذه الصيغ للحلف حقيقة، وتستعمل في الاستقبال بقرينة السين، أو سوف، أو إذا أو لن، أو إن، فجعل حالفاً بها للحال، ألا ترى الى قوله تعالى: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون:1]، ثم قال: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون:2] فسماه يميناً وإن لم يذكروا الاسم، فدل أن الشهادة وأن ذكر الاسم ليس بشرط.
ولو قال الكافر: أشهد أن لا اله إلا الله ... الى آخره، فإنه يكون مسلماً بالإتفاق حملاً له على الحال.
ولو أتى الشاهد عند الحاكم بصيغة: أشهد، فإنه يُقبل حملاً على الحال.
ولو قال رجل: أنا أقر بما يدعيه هذا كان إقراراً؛ لأن المضارع حقيقة في الحال، كما هو مذهب بعض النحاة والصحيح من مذهب الفقهاء، وإن قلنا: للاستقبال فلا يكون إقراراً؛ لأنه وعد.
• • •
19) قاعدة
المضارع المنفي بلا يحتمل الحال
وعليه الأكثر.
ومن فروعه:
فلو قال: لا يكلم زيداً، فإنه بمنزلة أبداً؛ لأنه نفي الفعل مطلقاً، فتناول فرداً شائعاً في جنسه فيعم الجنس كله ضرورة شيوعه.
ولو قال الموصى له: لا أقبل الوصية، فإنه يكون رداً لها، كما لو قال الموصي: لا أقبل الوصاية.
• • •
20) قاعدة
اسم الفاعل ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث، وإطلاقه وإطلاق اسم المفعول باعتبار الحال حقيقة بلا نزاع، وإطلاقه باعتبار المستقبل
كقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون} [الزمر: 30] مجاز قطعاً.
ومن فروعها:
فلو قال شخص: أنا مقرٌّ بما تدعيه، يكون إقراراً.
ولو قال رجل: أنا سارقُ هذا الثوبِ تُقطع يدُه؛ لأن كلامه يحمل على السرقة الماضية كأنه قال: سرقتُ هذا الثوب.
ولو قال: أنا سارقٌ هذا الثوبَ لا تقطع؛ لأن كلامه يحمل على المستقبل، كأنه قال: أنا أسرقه.
ولو قال: أنا قاتلُ زيد، فإنه يُقتل به؛ لأن معناه أنه قد قتله، وإذا قال: أنا قاتلٌ زيداً فلا يقتل به؛ لأن معناه أنه يَقتلُه.
ولو قال لزوجته: أنت طالق أو مطلقة كان صريحاً، فلو ادعى أنه أراد المضي بهذه الصيغة، كان ذلك معلوماً يقبل ذلك منه، قال البزازي: طلَّقها ثم قال لها: يا مطلقة لا يقع، وفي «المحيط»: لو قال لها: يا مطلقة، وقال: أردت الشتم لا يصدق قضاء ويدين.
ولو وقف على حفاظ القرآن لم يدخل فيه مَن كان حافظاً ونسيه؛ لأنه لم يقم به ذلك حقيقة.
ولو وقف على أصحاب الحديث، دخل فيه الحنفي سواء كان في طلبه أو لا، لا الشافعي إذا لم يكن في طلبه؛ لأن الحنفي يعمل بالمرسل، ويقدم خبر الواحد على القياس.
• • •
21) قاعدة
استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه
حكمه حكم استعمال المشترك في حقيقته
ويستحيل اجتماعهما مرادين بلفظ واحد كما استحال أن يكون الثوب الواحد على اللابس ملكاً وعارية في زمان واحد.
ومن فروعه:
فلا يلحق غير الخمر كالمنصف والمثلث من الأشربة إذا شرب منه في إيجاب الحد بالخمر؛ لأن الخمر حقيقة في النيء من ماء العنب إذا غلا واشتدّ وقذف بالزبد، وإطلاقه على غيره مجاز، وإذا ثبتت الحقيقة مرادة بالنصّ يخرج المجاز لامتناع الاجتماع بينهما.
ولا يراد بنو بنيه بالوصية لأبنائه؛ لأن اسم الابن حقيقة في الصلبي، ومجاز في بني بنيه، والمجازُ لا يُزاحم الحقيقة، وهذا قول أبي حنيفة، وقالا: يدخل بنو بنيه في الوصية؛ لأنّ اسم البنين، يَتناول الفريقين عرفاً، فيتناولهم عموم المجاز.
فصل في تفسير حروف المعاني
22) قاعدة
الواو لمطلق الجمع
من غير تعرض لمقارنة ولا ترتيب
ومن فروعها:
فلو حلف لا يُكلِّم فلاناً وفلاناً لا يحنث حتى يُكلمهما، ولو نَوَى الحنث بأحدهما صحّ، واختلف فيما إذا لم تكن له نية، والمختار عدم الحنث حتى يكلمهما.
ولو قال لزوجته: إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت طالق، فلا بُدّ منهما.
ولو قال: لا أكلم فلاناً وفلاناً يوماً ويومين وثلاثة، فهذا على ستة أيام.
ولو حَلَفَ لا يذوق طعاماً ولا شراباً، فذاق أحدَهما لا يحنث.
ولو قال: إن لم أكلم فلاناً وفلاناً اليوم فشرط البر كلامهما اليوم.
ولو قال لغير الموطوءة: أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، فإنّها تَبينُ بواحدة، لا لأن الواو للترتيب، بل لأن الأول وقع قبل التكلم أي قبل الفراغ عن التكلم بالثاني، فسقطت ولايته لفوات محل التصرّف؛ لأنها غير موطوءة، فلغي الثاني والثالث لهذا.
ولو زوَّج رجلٌ أُختين في عقدين بغير إذن الزوج فبلغه، فقال: أجزت نكاح هذه وهذه بطلا، كما إذا أجازهما معاً، وإن أجازهما متفرقاً بطل الثاني.
• • •
23) قاعدة
قد تكون الواو لعطف الجملة
فلا تجب به المشاركة في الخبر
ومن فروعه:
فلو قال لزوجته: هذه طالق ثلاثاً وهذه طالق، فتطلق الثانية واحدة؛ لأن الشركة في الخبر إنما كانت للافتقار، وإذا كانت تامّة فقد ذهب دليل الشركة.
ولو قالت له: طلِّقني ولك ألف، فإنه إذا طلَّقها لا يجب شيء عند أبي حنيفة؛ لأنَّ الواوَ للعطف حقيقة، والحمل عليها يتعيَّن حتى يقوم دليل يعارضها.
ومعنى المعاوضة: لا يصلح أن يكون دليلاً؛ لأن معنى المعاوضة في الطلاق زائد، حتى أن الكرام يمتنعون عن العوض في الطلاق، فلا يصلح أن يكون معنى الحقيقة العطف، وفيه نظر في إلا لها: أي الواو للحال، فتصير شرطاً وبدلاً، فتجبُ الألف حينئذٍ.
• • •
24) قاعدة
الفاء للوصل والتعقيب فيتراخى
المعطوف عن المعطوف عليه بزمان وإن لطف
أي قبل ذلك الزمان بحيث لا يدرك، إذ لو لم يكن كذلك كان مقارناً.
ومن فروعه:
فلو قال: إن دخلت هذه الدار فهذه الدار فأنت طالق، فالشرط أن تدخل الثانية بعد الأولى بلا تراخ، ولو دخلت الثانية بعد الأولى بزمان فيه تراخ لم تطلق.
ولو قال: إن دخلت الدار فكلمت زيداً فأنت طالق، فيشترط في الوقوع تقديم الدخول على الكلام.
• • •
25) قاعدة
تستعمل الفاء في أحكام العلل
ومن فروعه:
فلو قال لخياطٍ: انظر إلى هذا الثوب أيكفيني قميصاً، فقال: نعم فاقطعه فقطعه، فإذا هو لم يكفه ضَمِن الخياط، كأنه قال: إن كفاني قميصاً فاقطعه.
• • •
26) قاعدة
تدخل الفاء في أحكام العلل إذا كان
ذلك مما يدوم فيصير بمعنى التراخي
يقال: أبشر فقد أتاك الموت.
ومن فروعه:
فلو لو قال للحربي: انزل فأنت آمن يصير آمناً للحال، نزل أو لم ينزل، ولم يجعل بمعنى التعليق، كأنه أضمر الشرط؛ لأن الكلام يصحّ بدون الإضمار فلا يصار إليه.
• • •
27) قاعدة
تستعار الفاء بمعنى الواو
ومن فروعه:
فلو قال له: علي درهم فدرهم، فإنه يلزمه درهمان؛ لأنّ الفاء للترتيب، ولا ترتيب في العين، والدراهم في الذمّة في حكم العين، فتُجعل الفاء عبارة عن الواو مجازاً لمشاركتهما في نفس العطف، أو يُصرف التَّرتيب إلى الوجوب، فكأنه قال: وجب درهمٌ وبعده آخر.
• • •
28) قاعدة
«ثم» تفيدُ الترتيب ولكن بمهلة
فعند أبي حنيفة: التراخي على وجه القطع، كأنه مستأنف حكماً قولاً بكمال التراخي.
ومن فروعه:
فلو قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار يقع الأول ويلغو ما بعده، كأنه سكت على الأول.
• • •
29) قاعدة
«بل» موضوعٌ لإثبات ما بعده والإعراض عما قبله
يقال: جاءني زيد بل عمرو.
ومن فروعه:
فلو قال لامرأته الموطوءة: أنت طالق واحدة بل ثنتين، تطلق ثلاثاً؛ لأنه لا يملك إبطال الأول، وهو الطلقة الواحدة، فيقعان: أي الثنتان أيضاً، بخلاف قوله: علي ألف درهم بل ألفان، فإنه يلزمه ألفان استحساناً عند علمائنا الثلاثة؛ لأن الطلاق إنشاء لا يحتمل التدارك، والإقرار إخبار يحتمله، وعند زفر: يلزمه ثلاثة آلاف قياساً على الطلاق.
وقيد المرأة بالموطوءة؛ لأنه لو قال لغير الموطوءة: أنت طالق واحدة بل ثنتين تقع واحدة؛ لعدم المحلية بعد وقوع الواحدة.
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة، بل ثنتين تقع الثلاث عند الدخول؛ لأنه «بل» للعطف على وجه الإبطال، وكان من قضيته اتصاله بذلك الشرط بلا واسطة، لكن شرط إبطال الأول وليس في وسعه ذلك، ولكن في وسعه إثبات الثاني بشرط على حدة؛ لأنه لم ينتف المحلّ، فيثبت ما في وسعه، فصار كأنه قال: بل أنت طالق ثنتين إن دخلت الدار فصار كلامه بمنزلة يمينين، وليست أحدهما أولى من الأخرى، فوقعتا جميعا عند الشرط، بخلاف قوله: وثنتين تقع واحدة؛ لأن الواو للعطف على وجه التقرير فلما وقع الأول بانت انتفى المحلية.
• • •
30) قاعدة
«لكن» للاستدراك بعد النفي
تقول: ما جاءني زيدٌ لكن عمرو، غير أن العطف به إنما يستقيم عند اتساق الكلام.
ومن فروعه:
ـ فلو أَقرّ له بجمل فقال: ما كان لي قط لكن لفلان آخر إن وصل، فهو للمقرِّ له الثاني، وإن فصل يُرَدُّ على المُقرِّ؛ لأنه نفي عن نفسه، فاحتمل أن
يكون نفياً عن نفسه أصلاً، فيرجع إلى الأوَّل، ويحتمل أن يكون نفياً إلى غير الأَوَّل، فإذا وَصَلَ كان بَياناً أنه نفي إلى الثاني بإثبات الملك له بقوله: لكن.
ـ إن المزوجة بمائة تقول: لا أجيزه بمائة لكن أجيزه بمائة وخمسين، أو إن زدتني خمسين، فإنه ينفسخ العقد؛ لأنه نفي فعل، وإثباته بعينه، فلم يصحّ التدارك.
• • •
31) قاعدة
كلمة: «أو» تدخل بين اسمين أو فعلين، فيتناول أحد المذكورين، فإن دخلت في الخبر أَفضت إلى الشَّكّ لا أنّه موضوع له، وإن دخلت في الابتداء أو الإنشاء أوجب التخيير
قال شمسُ الأئمة السَّرَخْسيُّ: كلمة «أو» تدخل بين اسمين أو فعلين وموجبهما باعتبار أصل الوضع تناول أحد المذكورين بيانه في قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة:89]، فإنّ الواجبَ في الكفارة أحدُ الأشياء المذكورة مع إباحة التَّكفير بكلِّ نوع منها على الانفراد على ما مرّ، وكذلك في آية كفارة الحلف، وفي آية جزاء الصيد.
ومن فروعه:
فلو قال: لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فأيهما دخل برّ في يمينه؛ لأنه أدخل كلمة «أو» بين شيئين في موضع الإثبات يعني أدخله فيما يريد إثباته، وهو الدخول، فيتناول كلّ واحد على جهة الانفراد، فصار دخول كلّ واحدة من الدارين شرطاً للبرّ، فأيهما دخل بَرَّ في يمينه.
ولو قال لثلاثة نسوة له: هذه طالق أو هذه وهذه طلقت الثالثة ويخير في الأوليين كأنه قال: أحدكما طالق وهذه، بخلاف قوله: لا أكلم فلاناً أو فلاناً وفلاناً حيث يحنث لو كلَّم الأول ولا يحنث لو كلم أحد الآخرين ما لم يكلمهما؛ لأنه أثبت الشركة بينهما بحرف الواو.
وقوله: «أكلم» يصلح للمثنى كما يصلح للواحد كأنه قال: لا أكلم هذا أو هذين بخلاف قوله: طالق فإنه لا يصلح للمثنى.
ولو قال: لفلان عليَّ ألف أو لفلان وفلان كان النصف للأول والنصف للآخرين.
• • •
32) قاعدة
تستعار «أو» للعموم فتوجب عموم الأفراد
في موضع النفي وعموم الاجتماع في موضع الإباحة
قال في «الفصول العمادية»: وقد تستعار كلمة «أو» للمعطوف، فتكون بمعنى الواو، قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون} [الصافات: 147].
ومثال موضع النفي: قال تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24]، معناه: ولا كفوراً، والأصل فيه أن النكرة في موضع النفي تعم ولا يمكن إثبات التعميم إلا وأن تكون بمعنى الواو للعطف، ولكن على أن يتناول كل واحد على الانفراد لا على الاجتماع، كما هو موجب حرف الواو، ولهذا لو قال: لا أكلم فلاناً أو فلاناً، فإنه يحنث إذا كلَّمَ أحدَهما، بخلاف قوله: فلاناً وفلاناً، فإنّه لا يحنث ما لم يُكلمهما.
ومن فروعه:
فلو قال لامرأتيه: لا أقرب هذه أو هذه صار مولياً منهما.
ولو حلف: لا يُكلم أحداً إلا فلاناً أو فلاناً كان له أن يكلمهما جميعاً؛ لأنّ أو ههنا بمعنى الواو.
ولو حلف: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً، فكلَّم أحدَهما يحنث بأيهما كلَّم؛ لأنّ النكرةَ في موضع النفي تعم، ولو كلمهما لم يحنث إلا مرة كالواو.
ولو قال: لا أقربكن إلا فلانة أو فلانة فليس بمولي منهما.
ولو قال: برأ فلان من كل حق لي قِبله إلا دراهم أو دنانير، له أن يدعي المالين جميعاً؛ لأنه موضع الإباحة، ألا ترى أنه استثنى من الحظر.
فإن قلت: ما الفرق بين التخيير ولإباحة؟
قلت: الفرق بينهما أن الجمع بين الأمرين في التخيير يجعل المأمور مخالفاً وفي الإباحة موافقاً، وإنما يعرف ذلك بحال يدل عليه.
• • •
***
33) قاعدة
كلمة «حتى» للغاية
أي للدَّلالة على أنّ ما بعدها غاية لما قبلها سواء كان جزءاً منه، كما في: أكلت السمكة حتى رأسها أو غير جزء، كما في قوله تعالى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر} [القدر: 5].
ومن فروعه:
فلو حلف أن يلازم حتى يقضيه الدين.
ولو قال: زجته طالق إن لم أضربك حتى تصيح، أو تشتكي عليّ، أو يغشى عليك، أو تبكي أو يشفع فلان، أو يدخل الليل، فلو امتنع قبل هذه الغايات حنث، بخلاف قوله: حتى يموت أو حتى أقتلك؛ لأنه حمل على الضرب الشديد في العرف.
• • •
34) قاعدة
قد تستعمل حتى للعطف
لما بين العطف والغاية من مناسبة التعاقب مع قيام معنى الغاية. تقول: جاءني القوم حتى زيد، ورأيت القوم حتى زيداً، فزيد إمّا أفضلهم أو أرذلهم ليصلح غاية، وتقول: أكلت السمكة حتى رأسها بالنصب أي أكلته أيضًا.
35) قاعدة
الباء للإلصاق
ولذا تصحب الاثمان؛ لأنه تبعٌ، وأبداً يلصق التابع بالمتبوع.
ومن فروعه:
فلو قال: بعتُ هذا الجمل بكر من حنطة جيدة، يكون الكر ثمناً حتى جاز استبدال.
ولو قال كراً من حنطة بهذا العبد، تكون الحنطة سلماً حتى لا يجوز لا مؤجلاً.
ولو قال: إن خرجتِ من الدَّار إلا بإذني، لا بُدَّ من الإذن في كلِّ خروج؛ لأنّ المستثنى خروج ملصقٌ بالإذن، بخلاف قوله: إلا أن آذن لك، حيث ينتهي بالإذن مرّةً.
ولو قال: أنت طالق بمشيئة الله، أو بإرادته لم يقع: كقوله: إن شاء الله.
• • •
36) قاعدة
«على» للإلزام
ومن فروعه:
فلو قال: لفلانٍ عليَّ ألفُ درهم لزمه إلا أن يَصِل به الوديعة.
ولو قال: عليَّ الألف الذي على زيدٍ، كانت كفالةً صحيحةً.
واعلم أنها إذا دخلت في المعاوضات كانت بمعنى الباء؛ لأنّ اللزوم يناسب الإلصاق فاستعير له، وإن استعملت في الطلاق فكذلك عندهما، وعند أبي حنيفة كانت بمعنى الشرط، فلو قالت له امرأته: طلقني ثلاثاً على ألف، فطلَّقها واحدةً لم يجب شيء؛ لأنها للزوم، وليس بين الواقع وبين ما لزمها مقابلة، بل بينهما معاقبة، وذلك معنى الشرط والجزاء، فصار بمنزلة الحقيقة، وبحكم الاتحاد يصير دخولها على المال كدخولها على الطلاق، كأنها قالت: علي ألف على إن طلقني ثلاثة، في المعاوضات المحضة يستحيل معنى الشرط، فوجب العمل بمجازاة.
• • •
قاعدة
كلمة «من» للتبعيض
كقوله: أخذت من الدراهم، ويعرف بصلاحية إقامة صيغة بعض مقامها، فيقول في مثالنا: بعض الدراهم.
ومن فروعه:
فلو قال لزوجته طلقي من ثلاث ما شئت تطلق ما دون الثلاث، وليس لها أن تُطلِّق الثلاث عند الإمام خلافاً للصاحبين نظراً إلى أن «ما» للعموم، و «من» للبيان.
ولو قال: اختاري من الثلاث ما شئت، فإنّه على الخلاف.
ولو قال: أنا منك طالقٌ، فإنّه لغو، ولو قال: أنا منك بائن، فإنّها تبين بالنية؛ لأنّ الطلاق لإزالة الملك بالنكاح، وهي محله دونه، فالإضافة إليه إضافةُ الطَّلاق إلى غير محلِّه فيلغوا، بخلاف الإبانة؛ لأنّ لفظَها موضوعٌ لإزالة الوصلة.
• • •
قاعدة
كلمة «إلى» لانتهاء الغاية
فإن كانت الغاية بنفسها لا تدخل الغايتان.
ومن فروعه:
بعتُ هذه الدّار من هذا الحائط إلى هذا الحائط، فإنّه لا يدخل الحائطان في حكم المُغيا؛ لأنها إذا كانت قائمة لم يستتبعها المغيا.
ولو قال لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين، أو أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، فإنّه يقع في الأولى واحدة، وفي الثانية ثنتان عند أبي حنيفة، فتدخل الغاية الأولى دون الثانية. وقالا: بدخولهما، فيقع في الأولى ثنتان، وفي الثانية ثلاث استحساناً بالتعارف إلا أنهما أطلقا فيه، وأبو حنيفة يقول: إنها تدخل الغايتان عرفاً فيما مرجعُه الإباحة.
ويتفرع على ذلك فروع:
فلو خذ من مالي من عشرة إلى مائة، فله أخذ المائة.
ولو بع جملي بمال من مائة إلى ألف، فله بيعه بألف.
وكلُّ من الملح إلى الحلو، فله أكل الحلو.
وأمّا ما أصله الحظر حتى لا يباح إلا لدفع الحاجة فلا، والطلاق منه فكان قرينة على إرادة الكل غير أن الغاية الأولى لا بُدّ من وجودها؛ ليترتب عليها الطلقة الثانية في صورة إيقاعها، وهي صورة من واحدة إلى ثلاث؛ إذ لا ثانية بلا أولى، بخلاف الغاية الثالثة، وهي ثلاث في هذه الصورة، فإنه يصحّ وقوع الثانية بلا ثالثة.
• • •
37) قاعدة
«في» للظرفية الحقيقية
كقولك: زيدٌ في الدار أو المجازية: كقوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، فإنّه لما كان المصلوب متمكناً على الجذع لتمكن المظروف من الظرف، فعبر عنه مجازاً به.
ومن فروعه:
فلو قال لزوجته: أنت طالق غداً، أو في غد، ففي الأوَّل إن لم يكن له نيّةٌ يقع في أول النهار اتفاقاً، وإذا نوى آخره يصدق ديانة لا قضاءً بالاتفاق، وفي الثاني إن لم يكن له نية يقع في أول النهار اتفاقاً، وإن نوى آخره يُصدَّق عند أبي حنيفة ديانة وقضاء؛ لأنه نوى آخر النهار بأن «في» إذا حذفت اتصل الطلاق بالغد بلا واسطة، فيقتضي استيعابه؛ لأنه المفعول به، فلا بُدّ أن يكون واقعاً في أوله ليحصل الاستيعاب، فإذا نوى آخر النهار فقد غيَّر موجب كلامه إلى ما هو تخفيف عليه فلا يصدق قضاء، وإذا ثبت «في» يصير الظرف جزءاً منهما من النهار، فتكون نيته بياناً لما أبهمه، لا يعتبر حقيقة كلامه فيصدقه القاضي.
وعندهما: يُصدق ديانةً لا قضاء كما في المسألة الأولى؛ لأنه أضاف الطلاق إلى الغد ونية جزء منه، خلاف الظاهر؛ لأنه تخصيص العام، فلا يصدق قضاء.
ولو قال لزوجته: أنت طالق واحدة في ثنتين تقع واحدة إن لم ينو أو نوى الضرب.
ولو قال: أنت طالقٌ في الدّار أو في مكة، فإنه يقع الطّلاق للحال، إلا أن يضمر الفعل بأن أراد بقوله: في الدَّار في دخولك الدَّار، فيصير بمعنى الشرط؛ لأنّ الدُّخول لا يصلح أن يكون ظرفاً للطَّلاق شاغلاً له؛ لأنه عرض لا يبقى، فصار بمعنى «مع» مجازاً؛ لأنّ في الظرف معنى المقارنة فيتعلق بالدخول بل يقع معه.
ولو قال: أنت طالق في ثوبك الأحمر، أو الأصفر وعليها غيره، طلقت للحال، كما لو قال: أنت طالق مريضة، أو معتلة أو ذات مرض، وإن قال: عَنيت إذا لبست أو إذا مرضت يصدق ديانةً لا قضاء؛ لما فيه من التَّخفيف على نفسه.
ولو قال لها: أنت طالق في مرضك، أو وجعك، أو صلاتك لم تطلق حتى تمرض أو تُصلِّي.
ولو قال لها: أنت طالق في حيضك لم تطلق حتى تحيض أخرى؛ لأنه عبارة عن درور الدم، ونزوله لوقته، وكان فعلاً فصار شرطاً كما في الدخول، والشرط يعتبر في المستقبل لا في الماضي.
• • •
38) قاعدة
كلمة «مع» للمقارنة
أي لمقارنة ما قبلها لما بعدها، ولا فرق فيها بين الإتيان بالضمير أو لا، فالمقتضى وقوعهما معاً. وعن أبي يوسف أنه لو قال: معها واحدة لا يقع واحدة.
ومن فروعه:
فلو قال: أنت طالق واحدة مع واحدة، أو معها واحدة تطلق ثنتان. وعن أبي يوسف أنه لو قال: معها واحدة لا يقع واحدة.
ولو قال لأجنبية: أنت طالقٌ مع نكاحك لا يقع إذا تزوَّجها؛ لأنّ الطَّلاق مع النكاح يَتنافيان، فلم تصحّ الحقيقةُ فيه.
• • •
39) قاعدة
كلمة «قبل» للتقديم
أي لسبق ما وُصف بها على ما أُضيف إليه.
ومن فروعه:
ما لو قال لزوجته وقت الضحوة: أنت طالق قبل غروب الشمس طلقت في الحال، ولا يتوقف على وجود ما بعده.
• • •
قاعدة
كلمة «بعد» للتأخير
وحكمه في الطلاق حكم ضدّ قبله.
أصله أن الظرف إذا قيد بالكناية كان صفة لما بعده، وإن لم يُقيَّد كان صفة لما قبله.
وقيدنا بقولنا في الطلاق احترازاً عن الإقرار، فإنّ مضادةَ حكم «بعد» لحكم «قبل» فيه ليست بمطردة، فإنه لو قال: لفلان عليَّ درهم بعد درهم، أو بعده درهم يلزمه درهمان في الصورتين، لأن معناها بعد درهم وَجَبَ عليّ أو بعده درهم، قد وجب عليّ، فإنّه لا يُفهم منه إلا هذا.
ولو قال: له علي درهم قبل درهم يجب عليه درهم واحد، ولو قال: قبله درهم، يجب درهمان، فكان حكمها في الصورة الأولى ضدّ حكم «قبل» لا في الصورة الثانية، وإذا قيد كلّ واحدٍ من «قبل» و «بعد» بالكناية كان صفة لما بعده.
ومن فروعه:
فلو قال لغير المدخول بها: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، يقع ثنتان؛ لأن الطلاق المذكور أوّلاً وقع في الحال، والذي وصف بأنه قبل هذا الطلاق الواقع في الحال، يقع في الحال بناء على أنه لو قال: أنت طالق أمس يقع في الحال فيقعان، وفي قوله بعدها واحدة البعدية صفة للأخيرة، فتبين بالأولى، فتلغو الثانية لفوات المحلية، وإذا لم يفد بالكناية كان صفة لما قبله.
ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق واحدة قبل واحدة، يقع واحدة، لأن القبلية تكون صفة للأولى فتبين بها، فلا تقع الثانية لفوات المحلية.
ولو قال: أنت طالق واحدة بعد واحدة يقع ثنتان؛ لأن البعدية تكون صفة للأولى، فاقتضى إيقاع الأول في الحال، وإيقاع الثانية قبلها فيفترقان.
• • •
40) قاعدة
من أسماء الظروف «عند» وهي للحضرة
ومن فروعها:
لو قال لفلان عندي ألف كان وديعة، وكذا لو قال معي في بيتي في صندوقي في كيسي يكون أمانة؛ لأن هذه المواضع محلّ للعين لا للدين؛ إذ
الدين محلّه الذّمة، والعين يحتمل أن تكون مضمونة وأمانة، والأمانة أدناهما فيحمل عليها للمتيقن به؛ لأن كلمة «عند» للقرب، ومع للقران وما عداهما لمكان معين، فيكون من خصائص العين، ولا يحتمله الدين لاستحالة كونه في هذه الأماكن، فإن كانت من خصائص العين، تعينت الأمانة، ولأن هذه الكلمات في العرف والعادة تستعمل في الأمانات، ومطلق الكلام يحمل على العرف.
• • •
41) قاعدة
الاستثناء تكلّم بالباقي بعد الثنيا
حروف الاستثناء الأصل فيه «إلا»، والاستثناءُ عند أصحابنا: تَكلُّم بالباقي بعد الثُّنيا باعتبار الحاصل من مجموع التركيب، ونفي وإثبات باعتبار الآخر، وقد صرَّحوا بأنه لا حكم فيما بعد «إلا»، بل مسكوتٌ عند عدم القصد بمسألة الإقرار في قوله: له عشرة إلا ثلاثة؛ لفهم أنّ الغرضَ الإثبات فقط، فبقي الثلاثة إشارةٌ لا عبارةٌ، وإثباتُ السبعة عكسُه، وعند القصد يثبت لما بعدها نقيض ما قبلها ككلمة التوحيد نفي وإثبات قصداً.
ومن فروعه:
فلو قال لفلان علي درهم غير دانق بالرفع صفة درهم فيلزمه درهم تام.
ولو قال بالنَّصب يكون استثناء، فيلزمه درهم إلا دانقاً.
• • •
42) قاعدة
«إن» للشَّرط
حروف الشروط وهي: إن وإذا وإذا ما وكل وكلما ومتى ومتى ما.
وحرف «إن» هو الأصل، وإنما يدخل على كلِّ معدوم على خطر: أي بين أن يوجد وأن لا يوجد ليس بكائن لا محالة تقول: إن زُرتني أَكرمتك.
ومن فروعه:
فلو قال لامرأته: إن لم أُطلقك فأنت طالقٌ ثلاثاً، أنها لا تطلق حتى يموت، فتطلق في آخر حياة الزوج أو الزوجة؛ لأنهما ما داما حيين يُمكن أن يَطلقها، فلا يقع المعلَّق عليه، ثم إن لم يدخل فلا ميراث، وإن دخل فلها الميراث بحكم الفرار.
43) قاعدة
«إذا» تصلح للوقت وللشرط على السواء
وهذا عند نحاة الكوفة، وهو قول أبي حنيفة، وعند البصريين، وهو قولهما: أنها للوقت.
وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها مثل «متى»، فإن الوقت لا يسقط عنها بحال.
ومن فروعه:
فلو قال لامرأته: إذا لم أطلقك فأنت طالق، ولم ينو شيئاً، قال أبو حنيفة: لا يقع حتى يموت أحدهما مثل «أن». وقالا: يقع كما فرغ عن اليمين مثل متى؛ لأنّ الشرط يقتضي خطراً وتردداً هو أصله.
• • •
44) قاعدة
«متى» للوقت
ولكن لما كان الفعل يليها دون الاسم جعل في معنى الشَّرط تصحّ المجازاةُ بها مع قيام معنى الوقت.
ومن فروعه:
فلو قال لها: متى خرجت أو متى ما خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق، فخرجت مرةً بإذنه، ومرةً بغير إذنه لا يحنث.
ولو قال لزوجته: أنت طالق متى شئت، أو متى ما شئت فردّت الأمر لا يرتدّ ولا يتقيد بالمجلس، ولا تطلق إلا واحدة؛ لأنها تعمّ الأوقات، فلها أن توقع في أي وقت شاءت، كما لو نصَّ عليه فلا يقتصرُ على المجلس، ولا يرتدُّ بالردِّ؛ لأنه لم يُملكها الطّلاق إلا في الوقت الذي شاءت فيه، فلم يكن تمليكاً مثل المشيئة حتى يرتدّ بالردّ، ولا تطلق إلا واحدة؛ لأنه تعمُّ الأزمان دون الأفعال.
والحكم في إذا وإذا ما كذلك، وهو ظاهر عندهما.
• • •
45) قاعدة
الاستثناءُ من العدد جائزٌ
فإن من جنسِهِ صحّ إجماعاً، وإن من خلافِه المقدرات كالكيليِّ والوزنيِّ والمتفاوتِ عدداً صحَّ، وطرح قيمته وإن أَتى على كلِّه، وإن كان من خلافِه صورةً ومعنىً لا يصحّ.
ومن فروعه:
فلو قال: علي ألف دينار إلا ثوباً، لا يصحُّ، ويلزمه الألف.
ولو قال: علي مائة إلا رطلاً من زيتٍ أو قربةٍ من ماءٍ صحّ، ولزمه المائة إلا قيمة رطل من زيت أو قربة من ماء لجريان المعاملة على هذا الوجه.
• • •
46) قاعدة
الاستثناء المستغرق باطل
لأنه الحاصل بعد الثنيا، ولا حاصل بعد الكل، فيكون رجوعاً، والرجوع عن الإقرار باطل موصولاٌ كان أو مفصولاً.
ومن فروعه:
فلو قال: له عليَّ ألف إلا ألف لزمه ألف.
ولو قال: أنت طالق طلقة إلا طلقة، فتقع عليها طلقة، ولو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً، وقع الثلاث حينئذ.
ولو قال: له عليّ مائة درهم إلا ديناراً، وإلا قفيز حنطة، صحّ عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ولزمه مائة درهم إلا قيمة الدنانير أو القفيز، والقياس أن لا يصحّ هذا الاستثناء، وهو قول محمد وزفر؛ لأن الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله صدر الكلام على معنى أنه لولا الاستثناء لكان داخلاً تحت الصدر، وهذا لا يُتصوَّرُ في خلاف الجنس لكنهما صححا
استحساناً بأن المقدرات جنسٌ واحدٌ معنى، وإن كانت أجناساً صورة؛ لأنها تثبت في الذمة ثمناً.
ولو قال ما في هذا الكيس من الدراهم لفلان إلا ألفاً، ينظر إن كان في أكثر من ألف فالزيادة للمقر له، والألف للمقرّ، وإن ألفاً أو أقل فكلُّها للمقر له؛ لعدم صحة الاستثناء.
• • •
47) قاعدة
إذا كان المستثنى مجهولاً يثبت الأكثر
ومن فروعه:
فلو قال: له عليَّ مائة درهم إلا شيئاً أو قليلاً أو بعضاً، لزمه إحدى وخمسون؛ لأنّ الذمةَ صارت مشغولةً بموجب إقراره، ووقع الشَّكُّ في مقدار ما خرج بالاستثناء، فيُحكم بخروج الأقل.
• • •
48) قاعدة
إذا تعقب الشرط كلمات عطف بعضها
على بعض يرجع إلى الجميع
ومن فروعه:
ـ فلو قال: امرأته طالق وعليه المشي إلى بيت الله إن شاء الله رجع إلى الكل.
ـ إن صك الشراء والإقرار إذا كتب في آخره إن شاء الله عاد إلى الجميع حتى يبطل الشراء والإقرار بذلك ولا يلزمه شيء؛ لأنّ الاستثناء مبطل.
ـ ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار ثلاثاً ولم ينو شيئاً، فيحمل على أن التقدير طلاقاً ثلاثاً؛ لأنه المعتاد، بخلاف ما لو قال عشراً، فإنه يعود إلى الدخول، فلا تطلق حتى تدخل الدار عشراً.
• • •
49) قاعدة
الأصلُ في الحال أن تكون مقارنة لصاحبها
مقيدةً للتقييد في الإنشاء وغيره كالتّقييد بالوصف
ومن فروعه:
فلو نذر أن يُصلي قائماً لزمه القيام.
ولو قال: لله عليّ أن أَحجّ ماشياً فيلزمه المشي.
ولو قال: عليّ حجةٌ أو عمرةٌ ماشياً، فلا يركب حتى يطوف الركن فيلزمه المشي من بيت الله تعالى لا من حيث يحرم، فإن كان الناذر في مكة، وأراد أن يجعل النُّسك الذي لزمه حجّاً، فإنه يُحرمُ من الحرم ويخرج إلى عرفات ماشياً حتى يطوف للركن، وإن أراد إسقاطه بعمرةٍ فعليه أن يخرج إلى الحلِّ فيحرم.
ولو قال لها: ادخلي الدَّار وأنت طالق، فيتعلَّق بالدخول؛ لأنّ الحال شرط.
ولو قال: أدّ إليّ ألفا وأنت طالق، لا تطلق حتى تؤدي.
ولو قال لزوجته: إن دخلت الدَّار راكبةً تعلَّق به، فإن دخلت راكبةً حنث، وإلا لا.
• • •
فائدة:
لا يكون الجمع لواحد إلا في مسائل:
وقف على أولاده، وليس له إلا واحد بخلاف بنيه.
وقف على أقاربه المقيمين ببلدة كذا، فلم يبق منهم إلا واحد.
وحلف لا يكلم أخاه فلان، وليس له إلا واحد بخلاف بنيه.
وحلف لا يأكل ثلاثة أرغفة من هذا الحب، وليس منه إلا واحد.
وحلف لا يركب دابةً فلان بخلاف لا يلبس ثيابه.
وحلف لا يكلم زوجات فلان وأصدقاءه وإخوته، لا يحنث إلا بالكل بخلاف لا يكلم عبيده فإنه يحنث بثلاثة.
• • •
50) قاعدة
الجمع المذكور بعلامة الذكور يتناول الذكور
والإناث عند الاختلاط ولا يتناول الإناث المفردات
ومن فروعه:
فلو قال المستأمن: آمنوني على بني، وله بنون وبنات أن الأمان يتناول الفريقين.
ولو قال: على بني، وليس له سوى البنات لا يثبت الأمان لهن؛ لأنّه إنّما يتناول الذكور والإناث عند الاختلاط.
ولو قال: أرضي موقوفة على إخوتي، وله إخوة وأخوات اشتركوا جميعاً.
• • •
51) قاعدة
الجمع الذكور بعلامة التأنيث
يتناول الإناث خاصة
ومن فروعه:
فلو وقف على بنات فلان لا يدخل فيه بنوه.
ولو أوصى لبنات فلان، لا يدخل في الوصية بنوه.
ولو نذر أن يتصدق على بنات فلان الفقراء لا يدخل في النذر بنوه.
• • •
52) قاعدة
الصريح لا يفتقر إلى نية
ومن فروعه:
فلو قال: بعت أو اشتريت، فإنه المقصود يحصل بهما نوى أو لم ينو.
ولو قال لزوجته: أنت طالق، وقع الطلاق إذا أضافه إلى المحلّ مطلقاً.
• • •
53) قاعدة
الأصل في الكلام الصريح
وفي الكناية قصور
ومن فروعه:
فلو قال له: جامعت فلانة أو واقعتها لا يجب عليه حدّ القذف؛ لأنه لم يصرح بالقذف بالزنا، بخلاف ما لو قال له: زنيتُ بها.
ولو أقر مكلّف أربع مرات أنه جامع فلانة أو باضعها أو واقعها لا يحدُّ؛ لأنه كناية وليس بصريح.
ولو قال: لا أدخل عليك، ولا أجمع رأسي ورأسك، لا أضاجعك ولا أدنو منك، لا أبيت معك في فراش، لا يمس جلدي جلدك، لا أقرب فراشك، لا يكون إيلاء بلا نية، ويدين في القضاء.
• • •
54) قاعدة
المخاطب المتكلم داخل
في عموم خطابه أمراً أو نهياً أو خبراً
ومن فروعه:
ـ رجل كان بين قوم يتحدثون فقال: من تكلّم بعد هذا، فامرأته طالق ثلاثاً، ثم تكلَّم الحالف، هل تطلق امرأته ثالثاً، قال: نعم؛ لعموم قوله من تكلم.
ولو قال: إن دخل داري أحد فامرأته طالق، فدخل بنفسه لم تطلق امرأته؛ لأن علق الدار بالإضافة إلى نفسه، ونكر الداخل فلم يدخل هو في ذلك.
ولو قال: إن دخل هذه الدار أحدٌ فدخل بنفسه طلقت امرأته؛ لأنه أطلق الدار وأطلق الداخل، فدخل فيه.
ولو قال: نساء أهل الدنيا طالق، أو قال نساء الري، أو قال نساء أهل بغداد، وهو من أهله لا تطلق امرأته عند أبي يوسف، إلا أن ينويها، وعن محمد روايتان، روى ابن سماعة أنها تطلق امرأته من غير نية، وروى هشام عنه: لا تطلق امرأته إلا أن ينويها، وعليه الفتوى.
• • •
55) قاعدة
لا عموم للمقتضى على لفظ اسم المفعول
أي اللازم المتقدم الذي اقتضاه الكلام تصحيحاً له إذا كان تحته أفراد لا يجب إثبات جميعها؛ لأن الضرورة ترتفع بإثبات فرد، فلا دلالة على إثبات ما وراءه، فيبقى على العدم الأصلي بمنزلة المسكوت عنه.
ومن فروعه:
فلو حلف لا ألبس ونوى معيناً لم يصدق أصلاً.
ولو حلف لا يركب، ونوى الخيل لا يصدق قضاء ولا ديانة.
ولو حلف لا يغتسل، أو لا ينكح، وعنى من جنابة أو امرأة دون امرأة لا يصدق أصلا.
ولو حلف لا يسكن دار فلان، وعنى بأجر، ولم يسبق قبل ذلك كلام بأن استأجرها منه أو استعارها فحلف ينوي السكن بالإجارة أو الإعارة لا يصحُّ أصلاً.
• • •
56) قاعدة
لا يصح نية تخصيص الصفة
بخلاف نية تخصيص الجنس
ومن فروعه:
فلو حلف لا يتزوج امرأةً، ونوى كوفية أو مصرية لا يصحّ.
ولو نوى حبشية، أو عربية صحت ديانة؛ لأنه تخصيص في الجنس.
• • •
57) قاعدة
يختصُّ العام بسببه
وإن زاد المتكلم على قدر الجواب لا يختص بالسبب ويصير مبتدئاً كلاماً آخر.
ومن فروعه:
فلو قال رجلٌ لآخر: اجلس تغدَّى عندي، فقال: إن تغديت فزوجتي طالق تقيَّد بالحال، فإذا تغدَّى في يومه في منزله لا يحنث؛ لأنه يمين وقع جواباً تضمن إعادة ما في السؤال، والسؤال الغداء الحالي، فينصرف الحلف إلى الغداء الحالي؛ لتقع المطابقة و هذا كله عند عدم نية الحالف.
ولو قال: لا أتغدى اليوم أو إن اغتسلت الليلة فزجتي طالق، فإنه يصير مبتدأ، فيحنث إذا ذهب إلى منزله وتغدى فيه أو اغتسل.
• • •
58) قاعدة
مقابلة الجمع بالجمع
تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد
ومن فروعه:
فلو قال لامرأتيه: إذا ولدتما ولدين، فأنتما طالقتان، فولدت كلُّ واحدةٍ منهما ولداً طلقتا، ولا يشترط ولادة كلِّ واحدةٍ منهما ولدين.
• • •
59) قاعدة
الأمرُ بالشيء يقتضي كراهة ضده
والنهي عن الشيء يقتضي أن يكون ضده في معنى سنة واجبة
أي مؤكدة قريبة إلى الواجب.
وفائدة هذا الأصل أن التحريم إذا لم يكن مقصوداً لا يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر، فإذا لم يفوته كان مكروهاً كالأمر بالقيام إلى الركعة الثانية ليس بنهي عن القعود قصداً.
ومن فروعه:
ولو قعد المصلي ثمّ قام لم تفسد صلاته بنفس القعود؛ لأنه لم يفت به المأمور به، وهو القيام، لكنه يُكره القعود لاستلزامية تأخير الواجب.
إن المحرم لما نهي عن ليس المخيط كان من السنة ليس الإزار والرداء؛ لأنه لما نهى عن لبس المخيط كان مأمورا بلبس غير المخيط، فيثبت به سنية لبسهما؛ لأنهما أدنى ما يقع به الكفاية عن لبس المخيط.
• • •
الباب الثاني
أقسام السنة
60) قاعدة
شرائع من قبلنا تلزمنا إذا قصَّ الله ورسوله علينا
من غير إنكار على أنه شريعة رسولنا - صلى الله عليه وسلم -
ومن فروعه:
ـ وجوب جريان اقصاص بين الذكر و الأنثى استدلالاً بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] مع أن ذلك كان فيمن تقدم.
ـ جريان القصاص بين الذمي والمسلم.
ـ جواز القسمة بالمهايأة، استدلالاً بقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: 28].
ولو حلف يضربن زيداً مائة خشبة فضربة بالعثكال ـ أي عنقود البلح ـ ونحوه، فإنّه يَبَرُّ؛ لقوله تعالى: {فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} [ص:44]، والضغث: هو الشماريمخ القائمة على السّاق الواحد.
• • •
61) قاعدة
الاستثناء عقيب جمل معطوفة بعضها
على بعض بالواو يرد للأخير خاصّة
لأنّ عود الاستثناء إلى ما قبله إنّما هو لضرورة عدم استقلاله، والضرورة تندفع بالعود إلى واحدة.
ومن فروعه:
فلو قال لزيد: على ألف درهم ولبكر على ألف درهم ولخالد علي ألف درهم إلا ستمائة، فإنه يرجع يرجع إلى الأخير لكن قال شيخنا في «بحره» ولو أقر بمالين كمائة درهم و خمسين ديناراً إلا درهما انصرف إلى الأول استحساناً.
ولو أمر كاتبين بمالين، واستثنى شيئاً كان من الأخير.
ـ إن المحدودَ في قذف لا تُقبل شهادته و إن تاب؛ لأنّ الاستثناء في الآية ينصرف إلى ما يليه، وهو قوله تعالى: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور: 4].
ـ أنه يحرم عليه أم امرأته سواء دخل بامرأته أو لم يدخل، لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} [النساء: 23]، وقوله تعالى: {مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} [النساء: 23]، وقع صفة وهي ترجع للأخير فيكون قيداً في الربائب.
• • •
62) قاعدة
الشرط إذا تعقب جملاً معطوفة بعضها
على بعض ينصرف إلى الجميع
ومن فروعه:
فلو قال: امرأتي طالق وعليّ حج إن لم أدخل الدار.
ـ إن مكتوب الشراء أو الإقرار ونحوهما إذا كتب آخره: إن شاء الله تعالى، فيبطل البيع ونحوه.
• • •
63) قاعدة
بيان التغيير يصحُّ موصولاً لا مفصولاً
ومن فروعه:
فلو قال لفلان: عليَّ ألف درهم وديعة أنه يُصدَّق موصولاً لا مفصولاً؛ لأنّ قوله: وديعة بيان تغيير، فإن مقتضى قوله: عليّ ألف درهم الإخبارُ بوجوب الألف في ذمته إلا أنه يحتمل أن يكون عليه حفظها إلى أن يؤديها إلى صاحبها، لكنها تغيير للحقيقة، فيصحُّ موصولاً لا مفصولاً.
ولو قال: أسلمت إليّ عشرةِ دراهم في كذا، أو أسلفتني أو أَقرضتني أو أَعطيتني إلا أني لم أقبضها، ففي هذا كلِّه يُصدَّقُ بشرط الوصل استحساناً؛ لأنّ هذا تغيير؛ لأنّ حقيقة هذه الألفاظ تقتضي تسليم المال إليه، ولا يكون ذلك إلا بقبضه، إلا أنه يحتمل أن يُراد بها العقد مجازاً، فكان قوله: لم أقبض تغييرا للكلام عن الحقيقة إلى المجاز، فيصحُّ موصولاً لا مفصولاً.
ولو أقرّ بالدَّراهم قرضاً أو ثمن مبيع، وقال: إلا أنها زيوفٌ يُصدَّقُ موصولاً عندهما؛ لأن هذا بيان تغيير، إذ الدراهم نوعان: جياد وزيوف إلا أن الجياد غالبة، وبها تقع المعاملات فيما بين الناس، فصار الآخر كالمجاز فيصح التغيير إليه موصولا. وقال أبو حنيفة: لا يصدق وإن وصل؛ لأن عقد المعاوضة يقتضي وجوب المال بصفة السلامة عن العيب والزيافة عيب، فكان رجوعاً، والرجوع لا يعمل موصولاً ولا مفصولاً.
64) قاعدة
الخبر هو الكلامُ الذي يحتمل التصديق والتكذيب
كقولنا: قام زيدٌ ولم يقم، بخلاف قولنا: زيداً أضربه ونحو.
ومن فروعه:
من أخبرني أن فلاناً قدم فزوجتي طالق فأخبره واحدٌ كذباً فإنه زوجته تطلق؛ لأنه ينطلق على الكذب والصدق، بخلاف ما لو قال: من أخبرني بقدومه فلا بد من الصدق، والكتابة كالخبر، فلو قال: إن كتبت أن فلاناً قدم فكذا، فكتب كذباً تطلق؛ لأنها جمع الحروف وقد وجد، بخلاف إن كتبت بقدومه، فلا بد من قدومه حقيقة، فلو كتب بقدومه غير عالم به، وقد قدم حقيقة طلقت، بلغ الخبر إلى الحالف أو لا؛ لوجود الشرط.
• • •
65) قاعدة
يُعمل بقبول المميز في المعاملات في الهدية ونحوها
ومن فروعه:
فلو قال الصبي المميز مسلماً كان أو كافراً لرجل: هذا أهدى إليك فلان، وسعه الأخذ والاستعمال؛ لأنّ كلَّ معاملة لا تخلو عن ديانة، فلو لم يقبل قول
المميز فيها ضرورة بخلاف الديانات المقصودة؛ لأنها لا يكثر وقوعها كالمعاملات.
ـ خبر الكافر لا يقبل مطلقاً في الديانات لنجاسة الماء وطهارته وإن وقع عنده صدقه إلا أنّ في النجاسة يستحب إراقته قبل التيمم دفعاً للوسوسة العادية، بخلاف خبر الفاسق به، وبحلّ الطعام وحرمته يحكم رأيه فيعمل بالنجاسة والحرمة إن وافق رأيه، والأولى إراقة الماء ليتيمم.
ـ إخبار المعتوه والصبي والمغفل له حكم إخبار الكافر.
• • •
66) قاعدة
إذا تعارض الجرح والتعديل
يقدم الجرح مطلقاً
ومن فروعه:
فلو قامت بينة شرعية على حقِّ من الحقوق، وتعارض الجرح والتَّعديل عند القاضي، فإنه يُقدَّم الجرح.
• • •
67) قاعدة
الجرح المجرد لا يَسمعه القاضي
ومن فروعه:
فلو شهدوا أنّ شهود المدعي فسقة أو زناة أو أكلة ربا أو شربة خمر ونحوه، فإنها لا تقبل؛ لأنّ البيِّنة إنما تقبل على ما يدخل تحت الحكم، وفي وسع القاضي إلزامه، والفسق مما لا يدخل تحت الحكم، وليس في وسع القاضي إلزامه؛ لأنه يدفعه بالتوبة.
• • •
68) قاعدة
إذا وقع التعارض بين القياسين لم يسقطا بالتعارض
وكان العمل بأحدهما بشهادة قلبه
ومن فروعه:
ـ مسافر له إناءان أحدهما نجس والآخر طاهر، فإنه يتحرى للشرب لا للوضوء؛ لأن التراب خلف للماء في الوضوء لا في الشرب.
ـ المساليخ لو استوت الذبيحة والميتة يتحرى حالة الاضطرار بأن لم يجد حلالاً لانعدام الخلف دون حالة الاختيار؛ لأن المصير إليه للضرورة.
ـ حكم الثوبين طاهر ونجس يتحرَّى حالة الاضطرار دون الاختيار.
ـ من خاف فوت الوقت أو الجمعة لو اشتغل بالوضوء لا يكون له التيمم؛ لأن الفوات إلى خلف، بخلاف صلاة الجنارة والعيد؛ لأنها لا تعاد.
• • •
69) قاعدة
لا يثبت حكم الناسخ قبل تبليغه - صلى الله عليه وسلم -
لأنه لو ثبت أدى إلى وجوب وتحريم معاً؛ لأنا قاطعون بأنه لو ترك الأول أثم، وأيضاً لو عمل الثاني عصى.
ومن فروعه:
ـ إن مَن قتل من لم تبلغه دعوة نبينا، وكان على دين نبي، فينبغي أن يقتص منه؛ لأنه ذمي، والمسلم يقتل به، فلا يصح تفريعاً على ما ذكر من القاعدة عندنا.
ـ تصرفات الوكيل بعد العزل، وقبل بلوغ الخبر له، فإنه لا يصير معزولاً وتنفذ تصرفاته.
ـ تصرفات القاضي بعد عزله قبل بلوغ الخبر إليه فإنه كالوكيل.
ـ رجل عليه دين لرجل، ثم إن صاحب الدين دفع مالاً إلى رجل ووكّله بدفع المال إلى الطالب، قالوا: إن كان الوكيل علم أنّ الطالب وهب الدين من المديون يضمن بالدفع، وإن لم يعلم بذلك لا يضمن.
ـ رجلٌ دفع مالاً إلى رجل ليقضي ما لفلان على الدافع، ثم إن صاحب الدين ارتد عن الإسلام ـ والعياذ بالله ـ فقضى الوكيل في ردّته، ثمّ مات الطالب على ردته، على قول أبي حنيفة: إن علم الوكيل بطريق الفقه أن الدفع إلى الطالب بعد ردّته لا يجوز كان الوكيل ضامناً لما دفع، وإن لم يعلم الوكيل ذلك من طريق الفقه لا يضمن.
ـ رجل قال لمديونه: ادفع ما لي عليك إلى فلان قضاء عن حقّه الذي له عليّ، ثمّ إن الآمر قضى دينه، ولم يعلم به المأمور فدفع المأمور ما أمره لم يضمن علم المأمور أو لم يعلم على قول أبي يوسف خلافا لمحمد، وعن أبي يوسف إن لم يعلم المأمور بقضاء الآمر جاز دفعه على الآمر، وإن علم لا يجوز.
ـ متفاوضان أذن كل واحد منهما لصاحبه بأداء الزكاة عن صاحبه فأدى أحدهما عن نفسه وعن صاحبه، ثم أدى الثاني عن نفسه وعن صاحبه ضمن الثاني ما أدى عن صاحبه علم الثاني بأداء الأول عنه وعن صاحبه أو لم يعلم في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه إذا لم يعلم لم يضمن.
ـ القاتل العمد إذا عفاه بعض ورثة المقتول، وقتله الباقي من الورثة إن قتلوه مع العلم أنه عفى بعض الورثة، ويجب سقوط القصاص، فإنهم يقتلون قصاصاً، وإن لم يعلموا ذلك وقد علموا بالعفو فلا قتل عليهم هكذا.