بيع العينة
تطبيقاته ومستثنياته عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
بيع العينة
تطبيقاته ومستثنياته عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
الخلاصة:
المعتمد عند الحنفية خروج بيع العينة عن الحرمة بدخول الوسيط أو الثالث مع البائع والمشتري، بحيث لم تبق صورة المنع موجودة، وهو منقول عن أبي يوسف، وعليه سائر العبارات في كتب الحنفية.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم واقتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
اطلعت على المحور الثامن الذي كُلفت بالكتابة فيه فيما يتعلَّق بحكم المتورق المصرفي عند الحنفية، فكتب فيه في تعريف التورق المصرفي:
«أن يشتري المصرف سلعة في السوق الدولية غالباً ويبيعها للمتعامل بأجل، ويوكل المتعامل المصرف ببيعها لغير البائع، ثم يقوم البائع الأول ببيعها للبائع الأول، ولا يوجد شرط في صلب العقد في هذه الرباعية، لكنه عرف في السوق لا يتأتى التورق المصرف بدونه».
وهاهنا أنظار في هذا التعريف الذي استخرج منه أحكام يراد بيانها:
الأول: أن التقييد ببيع السلعة من غير البائع محل نظر، فينبغي أن يتساوى فيه البائع للمصرف وغيره؛ لأنه المعاملة حقيقة تبدأ من بيع المصرف للمتعامل، وأما قبل ذلك فهو البيع المعتاد، ولا يكون بأجل، فالمصرف ملك السلعة بطريقة صحيحة ويجوز له في أي وقت أن يبيعها له ببيع صحيح، وبالتالي لا ينبغي أن يكون محلّ بحث لنا أصلاً.
والثاني: أن قوله: «ثم يقوم البائع الأول ببيعها للبائع الأول» غير معقول ولا يفهم، والله أعلم.
ثم بُني على التعريف السابق الأحكام الآتية:
1. بيع العين الغائبة بالوصف، وهذه لا إشكال فيه عند الحنفية؛ لأنه بيع ما لم يره،، وهو جائز.
2. توكيل المتعامل المصرف قبل التملك، وهنا نظر من جهتين:
أ. يمكن أن يوكل جهة أخرى غير البنك كشركة وسيطة، ويمكن أن يكون هذا بعد القبض لا قبله.
ب. يمكن توكيل البنك بعد القبض لا قبله، فلا يبقى الإشكال.
3. بيع المبيع قبل قبضه، وهو محلّ نظر من جهة أن يمكن تحقيق القبض الحكمي بحيث يكون بمجرد تحقق البيع للمتعامل ينتقل المبيع إلى ضمانه وإن بقي وديعة في المستودعات.
4.العينة الثلاثية أو الرباعية، ولم يوضح المقصود منها، وفهمت أنها وجود وسيط في بيع التورق والعينة، وهو محل بحثنا الآتي.
وبالتالي سأقتصر على تحرير مسألة بيع العينة عند السادة الحنفية ببيان صورتها ومستثنياتها، وبه يظهر قول أبي يوسف وما عليه العمل في المذهب في المطالب الآتية.
المطلب الاول: معنى العينة:
أولاً: تعريف العينة:
العِينة: بالكسر السَّلف، واعْتَان الرجلُ اشترى الشيء بنسيئة، وبعتُه عيناً بعين: أي حاضراً، وعيَّنَ التاجر تعيناً، والاسم العِينة: بالكسر، وفسَّرها الفقهاءُ: بأن يبيعَ الرجلُ متاعَه إلى أجلٍ ثم يشتريَه بثمنٍ حالٍ ليسلَمَ به من الربا.
وقيل لهذا البيع عينة؛ لأنّ مشتري السِّلعةِ إلى أجلٍ يأخذُ بدلها عيناً: أي نقداً (¬1)؛ قال الفيومي الشافعي (¬2): «وذلك حرامٌ إذا اشترطَ المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمنٍ معلوم، فإن لم يكن بينهما شرطٌ فأجازها الشافعي؛ لوقوع العقدِ سالماً عن المفسدات، ومنعَها بعضُ المتقدِّمين، وكان يقول: هي أخت الرِّبا، فلو باعَها المشتري من غير بائِعها في المجلس، فهي منه أيضاً، لكنّها جائزة بالاتفاق».
وأَشرت هاهنا إلى مذهب الشافعي لما اشتهر أنه له رأي مختلف فيه، وقد بيَّن ضابطَه الفيومي، ولكن نبَّه على وجود الاختلاف مُطلقاً في الجواز كذلك، وبَيَّن أنّ الجائزَ وغيرَ الجائز يُسمَّى بيع العينة كذلك.
ثانياً: معنى العينة عند الحنفية:
بين الكاساني (¬3) معنى العينة المحرمة شرعاً، فقال:
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير ص 441.
(¬2) في المصباح المنير ص 441.
(¬3) في بدائع الصنائع 5: 198، وغيرها.
«إذا باع رجل شيئاً نقداً أو نسيئة، وقبضه المشتري ولم ينقد ثمنه، فإنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا؛ لما فيه من شبهة الربا؛ لأن الشبهة ملحقة بالحقيقة في باب الحرمات احتياطاً».
المطلب الثاني: أدلة تحريم العينة المحظورة:
أعرض فيه بعض الأدلة التي تداولها الفقهاء من المنع من العينة، وهي:
أ. عن أم محبة أنَّها أتت لعائشة رضي الله عنها: «فقالت لها: يا أمّ المؤمنين، أكنت تعرفين زيد بن أرقم، قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمئة نسيئة وإنَّه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمئة نقداً، فقالت: لها بئس ما اشتريت، وبئس ما اشترى، أبلغي زيداً أنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب» (¬1).
وجه الاستدلال بالحديث: إنَّ عائشة رضي الله عنها ألحقت بزيد وعيداً لا يوقف عليه بالرأي، وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة، فالظاهر أنَّها قالته سماعاً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية، فدلّ على فساد البيع؛ لأنَّ البيع الفاسد معصية، وإنَّها سمَّت ذلك بيع سوء وشراء سوء، والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح.
ب. عن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّطَ الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (¬2).
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 5: 330، وسنن الدارقطني 3: 52، وغيرهما، قال ابن عبد الهادي: إسناده جيد. وينظر: فتح القدير 6: 435، والتحقيق في أحاديث الخلاف 2: 184.
(¬2) في سنن أبي داود 3: 274، وسنن البيهقي الكبير 5: 316، ومسند أحمد 2: 84، ومسند الروياني 2: 414، ومسند أبي يعلى 10: 29، وغيرها.
ج. أنَّ في هذا البيع شبهة الربا؛ لأنَّ الثمن الثاني يصير قصاصاً بالثمن الأول، فبقي من الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة، وهو تفسير الربا، إلا أنَّ الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابتُ بأحدهما شبهةُ الرِّبا، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة.
د. أن فساد العقد معدول به عن القياس، وإنما عرفناه بالأثر، والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول، فبقي ما وراءه على أصل القياس (¬1).
هـ. عن مجاهد قال: سئل ابن عمر عن رجل باع سرجاً بنقد، ثم أراد أن يبتاعه، بدون ما باعه قبل أن ينتقد قال: «لعله لو باعه من غيره باعه بدون ذلك، فلم ير به بأساً» (¬2).
و. عن عمرو بن مسلم قال: «سألت طاوساً عن رجل باع من رجل متاعا، أيشتريه منه قبل أن ينقده؟ قال: رخص فيه ناس، وكرهه ناس، وأنا أكرهه» (¬3).
ز. عن ابن سيرين قال: «لا بأس بأن تشتري الشيء إلى أجل، ثم تبيعه من الذي اشتريته منه بأقل الثمن إذا قاصصت» وكان معمر يفتي بذلك» (¬4).
ح. عن الأعمش، عن إبراهيم، وإسماعيل، عن الشعبي، «لم يكونا يريان بالعينة بأسا» (¬5).
ط. عن جعفر بن سليمان عن ابن خالة لي، أنه سأل مجاهدا قال: قلت: بعت من رجل حريرة بدينار إلى أجل، فلما حضره الأجل، وجدت معه حريرة، آخذه منه؟ قال: «لا تأخذه إلا بأكثر مما بعته منه إذا كان إلى أجل، فإن خرج من يده إلى غيره، فلا بأس أن تبتاعه بما شئت» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 198.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 8: 188.
(¬3) في مصنف عبد الرزاق 8: 187.
(¬4) في مصنف عبد الرزاق 8: 187.
(¬5) في مصنف عبد الرزاق 8: 188.
(¬6) في مصنف عبد الرزاق 8: 188.
ي. عن الثوري عن الرجل يبيع الدابة بالنقد، ثم يريد أن يبتاعها بأقل مما باعها قبل أن ينتقد، فقال: أخبرني الشيباني عن الشعبي، والأعمش، عن إبراهيم «أنهما كرهاه» قال: وأخبرني منصور، عن إبراهيم قال: «إذا كان قد أعجفها، وتغيرت عن حالها، فلا بأس به»، وبه كان الثوري يفتي (¬1).
المطلب الثالث: التخريجات على بيع العينة:
أعرض في هذه المطلب عبارات الكاساني قاضي خان المتعلقة بصور العينة الجائزة والممنوعة والمختلف بها؛ لشمولها لعامة الصورة والاستغناء بها عن غيرها.
أولاً: التخريجات المستثناة من بيع العينة:
أبين هاهنا الصورة الجائزة من بيع العينة الممنوع كما فصَّلها الكاساني، ولكن لمَّا كانت الضمائر في عبارته مشوشة للقارئ الكريم والجمل موجزةً جداً رأيت إعادة صياغة المسائل بلغة سهلة ميسورة أشير فيها للبائع الأول بالأول، وللمشتري بالثاني، وللوسيط بالثالث توضحياً للمسائل على النحو الآتي:
الصورة الأولى:
لو باع الأوّل للثاني نقداً ثم باع الثاني إلى الأول نقداً فيجوز؛ لعدم تمكن الشبهة بالعقد (¬2).
الصورة الثانية:
لو باع الأول للثاني مؤجلاً، ثم اشترى الأول من الثاني حالاً بمثل ما باع قبل نقد الثمن فيجوز؛ لانعدام الشبهة (¬3).
الصورة الثالثة:
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 8: 188.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 198 مع تهذيب وتغيير.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 5: 198 مع تهذيب وتغيير.
لو باع الأوَّل للآخر مؤجلاً، ثم اشتراه الأول من الآخر بأكثر مما باع قبل نقد الثمن، فيجوز؛ لعدم الشبهة (¬1).
الصورة الرابعة:
لو باع الأول للثاني مؤجلاً بالدراهم، فإن اشتراه الأول من الثاني بالحنطة جاز؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس، إلا إذا اشتراه الأول من الثاني بالدنانير فلا يجوز استحساناً؛ وإن كان القياس أن لا يجوز؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الأجناس المختلفة.
وجه الاستحسان: أنهما في الثمنية كجنس واحد، فيتحقق الربا بمجموع العقدين، فكان في العقد الثاني شبهة الربا، وهي الربا من وجه (¬2).
الصورة الخامسة:
لو باع الأول للثاني مؤجلاً، ثم باع الثاني للأول نقداً بعد تعيب المبيع في يد الثاني فباعه من الأول بأقل مما باعه جاز؛ لأنّ نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب، فيلتحق النقصان بالعدم كأنه باعه بمثل ما اشتراه، فلا تتحقق شبهة الربا (¬3).
الصورة السادسة:
ولو باع الأول للثاني مؤجلاً، وباع الثاني للثالث، فاشتراه الأول من الثالث بأقلّ مما باعه قبل نقد الثمن جاز؛ لأن اختلاف الملك بمنزلة اختلاف العين، فيمنع تحقق الربا (¬4).
الصورة السابعة:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 198 مع تهذيب وتغيير.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 198 مع تهذيب وتغيير.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 5: 198 مع تهذيب وتغيير.
(¬4) ينظر: بدائع الصنائع 5: 199 مع تهذيب وتغيير.
ولو باع الأول للثاني مؤجلاً، ثم باعه الثاني من الثالث، فعاد المبيع إلى ملك الثاني، فاشتراه الأول من الثاني بأقل مما باع، فهذا لا يخلو إما إن عاد إلى الثاني بملك جديد، وإما إن عاد إلى الثاني على حكم الملك الأول، فإن عاد إليه بملك جديد كالشراء والهبة والميراث والإقالة قبل القبض وبعده، والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي، ونحو ذلك من أسباب تجديد الملك جاز الشراء منه بأقل مما باع؛ لأن اختلاف الملك بمنزلة اختلاف العين.
وإن عاد إليه على حكم الملك الأول: كالردِّ بخيار الرؤية والردِّ بخيار الشرط قبل القبض وبعده بقضاء القاضي وبغير قضاء القاضي، والرد بخيار العيب قبل القبض بقضاء القاضي وبغير قضاء القاضي، وبعد القبض بقضاء القاضي لا يجوز الشراء منه بأقل مما باع؛ لأن الرد في هذه المواضع يكون فسخا، والفسخ يكون رفعا من الأصل، وإعادة إلى قديم الملك كأنه لم يخرج عن ملكه أصلاً، ولو كان كذلك لكان لا يجوز له الشراء، فكذا هذا (¬1).
الصورة الثامنة:
لو باع الأول للثاني تلفوناً بألف وقبضه الثاني، ثم اشتراه الأول وتلفوناً آخر قبل نقد الثمن، فإنّ الثمن يقسم عليهما على قدر قيمتيهما، ثم يُنظر فإن كانت حصة التلفون الأول الذي باعه مثل ثمنه أو أكثر جاز الشراء فيهما جميعاً، أما في الذي لم يبعه فظاهر، وكذا في الذي باعه؛ لأنه اشترى ما باع بمثل ما باع أو بأكثر مما باع قبل نقد الثمن، وإنه جائز، وإن كان أقل من ثمنه يفسد البيع فيه، ولا يفسد في الآخر؛ لأن الفساد؛ لكونه شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، وذلك وجد في أحدهما دون الآخر، وهذا على أصلهما ظاهر، وكذا على أصل أبي حنيفة، فكان ينبغي أن يفسد فيهما، لأنّ من أصله أن الصفقة متى اشتملت على إبدال وفسدت في بعضها أن يتعدى الفساد إلى الكل، كما إذا جمع بين ذكية وميتة وباعهما جميعاً صفقة واحدة.
وإنما لم يفسد فيهما؛ لأن الفساد هناك باعتبار أنه لما جمع بين ذكية وميتة وباعهما صفقة واحدة، فقد جعل قبول العقد في أحدهما شرطا لقبول العقد في الآخر، والميتة ليس بمحلّ لقبول العقد فيه بيقين، فلا يصح القبول فيه، فلا يصح في الآخر، فلم ينعقد العقد أصلاً، والفساد ههنا باعتبار شراء
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 199 مع تهذيب وتغيير.
ما باع بأقل مما باع، وذلك وجد في أحدهما دون الآخر، فيفسد في أحدهما دون الآخر؛ لأن الأصل اقتصار الفساد على قدر المفسد، ولهذا لو جمع بين تلفونين وباع أحدهما إلى الحصاد أو الدياس أن البيع يفسد فيما في بيعه أجل ولا يفسد في الآخر (¬1).
ثانياً: التخريجات المنهية على بيع العينة:
ذكر الكاساني وغيره صوراً مخرجةً على بيع العينة المكروه، وقد أعدت صياغتها بالطريقة السابقة تسهيلاً على القارئ، وهي الصور هي:
الصورة الأولى:
لو باع الأول للثاني مؤجلاً، ثم مات الثاني فاشتراه البائع من وارث الثاني بأقل مما باع قبل نقد الثمن لم يجز؛ لأن الملك هناك لم يختلف، وإنما قام الوارث مقام الثاني، بدليل أنه يرد بالعيب ويرد عليه؛ لأن الوارث قائم مقام الثاني، فكان الشراء منه بمنزلة الشراء من الثاني.
وهذا بخلاف ما إذا مات الأول فاشترى وارث الأول من الثاني بأقل مما باع قبل نقد الثمن أنه يجوز إذا كان الوارث ممن تجوز شهادته للأول في حال حياته؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث فيما ورثه، ووارث الثاني ورث عين المبيع، فقام مقامه في عينه، فكان الشراء منه كالشراء من الثاني فلم يجز، ووارث الأول ورث الثمن، والثمن في ذمة الثاني، وما عين في ذمة الثاني لا يحتمل الإرث، فلم يكن ذلك عين ما ورثه عن الأول، فلم يكن وارث الأول مقامة فيما ورثه.
وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز الشراء من وارث الأول، كما لا يجوز الشراء من وارث الثاني؛ لأن الوارث خلف المورث (¬2).
الصورة الثانية:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 200 مع تهذيب وتغيير.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 199 مع تهذيب وتغيير.
ولو باع الأول للثاني مؤجلاً، ثم باع الثاني من الثالث، ثم اشتراه الثاني من الثالث، وباعه الثاني بأقل مما اشتراه من بعض مَن لا تجوز شهادته للأول كالوالدين والمولودين والزوج والزوجة، فلا يجوز عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز، كما يجوز من الأجنبي؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما أَجنبي عن ملك صاحبه لانفصال ملكه عن ملك صاحبه، فيقع عقد كل واحد منهما له لا لصاحبه كسائر الأجانب، ثم شراء الأجنبي لنفسه جائز، فكذا شراؤه لصاحبه.
ولأبي حنيفة: أنّ كلَّ واحدٍ منهما يبيع بمال صاحبه عادة، حتى لا تُقبل شهادة أحدهما لصاحبه، فكان معنى ملك كلّ واحد منهما ثابتاً لصاحبه، فكان عقدُه واقعاً لصاحبه من وجهٍ، فيؤثِّر في فسادِ العقدِ احتياطاً في باب الربا.
الصورة الثالثة:
لو باع وكيل الأول للثاني مؤجلاً، ثم اشترى وكيل الأول من الثاني بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، كما لو باع واشترى الموكل الأول لنفسه؛ لأن المانع تمكن شبهة الربا، ولا يفصل بين الوكيل والموكل، ولذا سيدتنا عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم تستفسر السائلة أنها مالكة أو وكيلة، ولو كان الحكم يختلف لاستفسرت (¬1).
الصورة الرابعة:
ولو باع وكيل الأول للثاني مؤجلاً، ثم اشتراه الموكل الأول من الثاني لم يجز؛ لأنه لو اشتراه وكيله لم يجز، فإذا اشتراه بنفسه أولى أن لا يجوز (¬2).
الصورة الخامسة:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 200 مع تهذيب وتغيير.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 199 مع تهذيب وتغيير.
لو باع وكيل الأول للثاني مؤجلاً، ثم اشتراه بعض مَن لا تجوز شهادة وكيل الأول له أو بعض من لا تجوز شهادة الموكل الأول له من الثاني لم يجز عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز (¬1).
الصورة السادسة:
ـ ولو باع الأول للثاني مؤجلاً، ثم وكل الأول بنفسه إنساناً بأن يشتري له ذلك الشيء بأقل مما باع قبل نقد الثمن، فاشتراه الوكيل فهو جائز للوكيل، والثمنان يلتقيان قصاصاً، والزيادة من الثمن الأول لا تطيب للأول، ويكون ملكاً للأول، وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنه ينظر إلى العاقد ويعتبر أهليته، ولا يعتبر أهلية مَن يقع له حكم العقد، ولهذا قال: إن المسلم إذا وكل ذمياً بشراء الخمر أو بيعها أنه يجوز، وكذا المحرم إذا وكل حلالاً ببيع صيد له أو بشراء صيد جاز التوكيل عنده، وتعتبر أهلية الوكيل.
وقال أبو يوسف: التوكيل فاسد، ويكون الوكيل مشترياً لنفسه.
وقال محمد: التوكيل صحيح، إلا أنه إذا اشتراه الوكيل يكون مشترياً للأول شراء فاسداً، ويملكه البائع ملكاً فاسداً (¬2).
وجه قولهما: أنهما يعتبران أهلية العقد للعقد والمعقود له جميعاً، حتى لم يجز التوكيل عندهما في المسألتين، إلا أن محمداً خالف أبا يوسف في هذه المسألة، وترك أصله حيث قال: بصحة التوكيل ولم ينظر إلى الموكل.
الصورة السابعة:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 200 مع تهذيب وتغيير.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 200 مع تهذيب وتغيير.
لو باع الأول للثاني بألف درهم حالة، ثم اشتراه بألف درهم مؤجلة، فالشراء فاسد؛ لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع من حيث المعنى؛ لأن الحالة خير من المؤجلة (¬1).
الصورة الثامنة:
لو باع الأول للثاني بألف مؤجلة، ثم اشتراه الأول من الثاني بألف مؤجلة إلى أبعد من ذلك الأجل فهو فاسد (¬2)؛ لما سبق.
ثالثاً: التخريجات المختلف فيها من بيع العينة:
نذكر هاهنا تخريجات ذكرتها كتب الفتاوى وغيرها في التطبيق على بيع العينة، ولكن اختلفت أنظار الفقهاء في إجازتها ومنعها، وطريقة عرضها أن أذكرها بلغة سهلة واضحة، ثم أذكر لفظها من «فتاوى قاضي خان»، وهي على النحو الآتي:
الصورة الأولى:
لو طلب الثاني من الأوَّل عشرة آلاف دينار، ورغب الأوّل الحصول على ربح، فيُمكنه أن يبيع الأول من الثاني سلعة بثلاثة عشر ألف مؤجلة، ويُسلمه إياها، ثم يبيع الثاني السِّلعة من الثالث بعشرة آلاف، ويدفع السلعة إلى الأجنبي، ثم يبيع الثالث السلعة من الأول بعشرة آلاف، ويدفع الثالث إلى الثاني، فيبرأ من الثمن الذي عليه، فترجع السلعة للأول بعشرة، ويكون للأول على الثاني ثلاثة عشر.
قال قاضي خان (¬3): «إن كان المتاع للمقرض وليس للمستقرض شيء، ويريد أن يقرضه عشرة بثلاثة عشر إلى أجل، فإن المقرض يبيع من المستقرض سلعة بثلاثة عشر، ويُسلِّم السَّلعة إلى المستقرض، ثم إن المستقرض يبيع السلعة من أَجنبي بعشرة ويدفع السلعة إلى الأجنبي، ويبيع الأجنبي السلعة من المقرض بعشرة، ويأخذ العشرة منه، ويدفعها إلى المستقرض، فيبرأ الأجنبي من
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 5: 200 مع تهذيب وتغيير.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 200 مع تهذيب وتغيير.
(¬3) في الخانية ص168.
الثمن الذي كان عليه للمستقرض، فتصل السلعة إلى المقرض بعشرة، وللمقرض على المستقرض ثلاثة عشر إلى أجل».
الصورة الثانية:
لو باع الأوّل من الثاني سيارةً بثلاثة عشر ألفاً مؤجلةً، ودفع السيارة إلى الثاني، ثم باعها الثاني من الثالث، ثم اشترى الثاني من الثالث السيارة قبل القبض أو بعده، ثم باع الثاني من الأول السيارة بعشرة آلاف، وأخذ العشرة، فحصل للثاني عشرة آلاف، وعليه ثلاثة عشر آلفاً، وقد رجعت السيارة إلى الأول.
قال قاضي خان (¬1): «وحيلة أُخرى: أن يبيعَ المقرض من المستقرض سلعةً بثلاثة عشر إلى أجل معلوم، ويدفع السلعة إلى المستقرض، ثم يبيعها المستقرض من الأجنبي، ثم إن المستقرض يقبل البيع مع الأجنبي قبل القبض أو بعده، ثم يبيعها المستقرض من المقرض بعشرة ويأخذ العشرة، فيحصل للمستقرض عشرة، وعليه للمقرض ثلاثة عشر، وتصل السلعة إلى المقرض، والمقرض وإن صار مشترياً ما باع بأقلّ مما باع قبل نقد الثمن إلا أن ذلك جائز؛ لتخلل البيع الثاني، وهو البيع الذي جرى بين المستقرض والأجنبي».
الصورة الرابعة:
لو باع الأوّل من الثاني سيارة بثمن مؤجل، ودفع السيارة إلى الثاني، ثم باع الثاني من الثالث بأقل مما اشترى من الأول، ثم باع الثالث من الأول بما اشترى من الثاني؛ لتصل السيارة بعينها إلى الأول، ويأخذ الثالث الثمن، ويدفع الثالث الثمن إلى الثاني، فيحصل للثاني المال، ويحصل للأول الربح.
قال قاضي خان (¬2): «وحيلة أُخرى: أن يبيع المقرض من المستقرض سلعةً بثمن مؤجل ويدفع السلعة إلى المستقرض، ثم إن المستقرض يبيعها من غيره بأقلّ مما اشترى، ثم ذلك الغير يبيعها من
¬
(¬1) في الخانية ص168.
(¬2) في الخانية ص168.
المقرض بما اشترى؛ لتصل السلعة إليه بعينها، ويأخذ الثمن، ويدفعه إلى المستقرض، فيصل المستقرض إلى القرض، ويحصل الربح للمقرض».
وبعد أن ذكر قاضي خان هذه الحيل الثلاثة لبيع العينة، بيَّن كراهتها عند محمد، وجوازها عند أبي يوسف، فقال (¬1): «وهذه الحيلة هي العينة التي ذكرها محمد، وقال مشايخ بلخ: بيع العينة في زماننا خير من البيوع التي تجري في أسواقنا، وعن أبي يوسف: أنه قال: العينة جائزة مأجورة، وقال: أجره لمكان الفرار من الحرام».
المطلب الرابع: المناقشات والترجيح:
أعرض في هذا المطلب للمناقشات الفقهية بين الفقهاء في الجواز والمنع للبعض صور بيع العنية مع تحقيق المسألة بما يوفق بين الاختلاف فيها في النقطتين التاليتين:
أولاً: المناقشات الفقهية في بيع العينة:
أذكر هاهنا المناقشات الفقهية بين فقهاء الحنفية المتعلِّقة ببيع العينة، بين مؤيد ومعارض لجواز بعض الصور ومنعها، وألفت الانتباه أن البحث فيه مختلط جداً في كتب سادتنا الفقهاء، بحيث يختلط على القارئ الكريم فيه المسألة والقائل بها والمعارض له، وبذلت قصارى جهدي في محاولة توضيح المسائل والمناقشات فيها والخلاف الدائر بين الفقهاء، بحيث يكون يُمكن للقارئ الكريم فهمه، وهي على النحو الآتي:
ذكرت المتون الشروح مثالاً للعينة في الكفالة، ووقعت بين الفقهاء مناقشة في توضيحه وبيان صورة منعه وسببها وقد اختلطت العبارات فيه كثيراً، فنحاول إعادة تصويرها وتحرير الخلاف فيها، وبيان محمله على النحو الآتي:
وهذا المثال هو: لو للأول على الثاني ثلاثة عشر، وللثاني كفيل، فأمر الثاني كفيله أن يشتري ثوباً بطريق بيع العينة، ويتحمَّل الثاني الخسارة التي تحصل للكفيل بسبب بيع العينة، فإن الثوب يكون للكفيل والخسارة التي كانت ربحاً للبائع تكون على الكفيل لا على الثاني، رغم أن الكفيل
¬
(¬1) في الخانية ص 168.
قام بشراء ثوب مثلاً بطريقة العينة من أجل أن يقضي دين الثاني، فشراه من تاجر بخمسة عشرة عشر مؤجلة، وباعه للتاجر بعشرة حالة؛ ليستفيد العشرة ويقضي بها دين الثاني، وتكون على الكفيل خسارة الخمسة.
ولفظ المسألة في المتون والشروح (¬1): «ولو أمر الأصيل كفيله أن يعين أي يشتري ثوبا بطريق العينة، ففعل الكفيل، فالثوب للكفيل والربح الذي حصل للبائع يكون على الكفيل لا الآمر، بيانه: أن الأصيل أمر الكفيل بأن يشتري له ثوباً بأكثر من القيمة ليقضي به دينه بطريق العينة، مثل أن يستقرض من تاجر عشرة فيأبى عنه ويبيع منه ثوبا يساوي عشرة بخمسة عشر مثلاً نسيئة في نيل الزيادة ليبيعه المستقرض بعشرة ويتحمل خمسة، سمي به؛ لما فيه من الإعراض عن الدين إلى العين».
فظهر أنّ هذه المسألة هي العينة الممنوعة شرعاً كما سَبَق، ولكنَّها ذُكِرت بطريق الكفالة، لذلك قال المَرغينانيُّ عنها (¬2): «وهو مكروه؛ لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض مطاوعةً لمذموم البخل، ثم قيل: هذا ضمان لما يخسر المشتري ـ أي الكفيل نظراً إلى قوله ـ أي الأصيل ـ: عليّ، وهو فاسد وليس بتوكيل، وقيل: هو توكيل فاسد؛ لأن المبيع غير متعين، وكذا الثمن غير معين؛ لجهالة ما زاد على الدين، وكيف ما كان، فالمشترى للمشتري وهو الكفيل، والربحُ: أي الزيادة عليه؛ لأنه العاقد».
وفسَّر البابرتيُّ (¬3) كلام المرغيناني فقال: «لأنه إما كفالة فاسدة على ما قيل نظراً إلى قوله: «عليّ»، فإنه كلمة ضمان لكنه فاسد؛ لأن الكفالة والضمان إنما يصح بما هو مضمون على الأصيل، والخسران ليس بمضمون على أحدٍ فلا يصحّ ضمانه: كرجل قال لآخر: بع متاعك في هذا السوق على أن كلَّ وضيعةٍ وخسران يُصيبك فأنا ضامن به لك، فإنه غير صحيح، وإما وكالة فاسدة نظراً إلى قوله:
¬
(¬1) مثل الهداية 7: 211 والكنز والنهر 3: 575، ومجمع الأنهر2: 140.
(¬2) في الهداية7: 211ـ 212.
(¬3) في العناية 7: 211ـ 212.
تعين: يعني اشتر لي حريراً بعينه ثم بعه بالنقد بأقل منه واقض ديني، وفسادها باعتبار أن الحرير غير متعيّن: أي غير معلوم المقدار والثمن كذلك».
فهذا البحث في «الهداية» معروض لبيان أن لا يجوز الضمان للخسران في الكفالة، وكان المثال عليها ببيع العينة، وأنه في مثل الصورة المذكورة تكون الخساة على الكفيل والربح كذلك له؛ لما سبق.
لكن البابرتي (¬1) توسَّع وذكر صوراً أُخرى مما ذكرها قاضي خان، ثم قال: «ومنهم من صور بغير ذلك، وهو مذموم، اخترعه أكلة الربا، وقد ذمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: «إذا تبايعتهم بالعينة ... ».
واعترض عمرُ ابنُ نجيم (¬2)، وشيخُ زاده (¬3) على البابرتي بما ذكره قاضي من الأمثلة، فقالا: «لكن هذا مخالف لما في «الخانية» حيث قال بعد تصويرها بقوله: رجل له على رجل عشرة دراهم فأراد أن يجعلها ثلاثة عشر إلى أجل، قالوا يشتري من المديون شيئاً بتلك العشرة فيقبض، ثم يبيع من المديون بثلاثة عشر إلى سنة، فيقع التحرز عن الحرام، ومثل هذا مروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... »، ثم قالا: «لكن التَّحرُّز أولى».
وبالتالي كلامُ ابن نجيم وشيخُ زاده صريحٌ في تأييد قاضي خان، وجعلوا البحث فيما يتعلَّق بهذه المسائل هو خلاف الأولى، فلا يكون بهذه الصور كراهة.
وهذه يُرشد لوجود اختلاف في تفسير بيع العينة، وهذا ما صرَّح به البرهانيُّ (¬4) حيث قال: «اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النهي عنها في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تبايعتم بالعينة ... »، تفسيرها: أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر يستقرضه عشرة دراهم ولا يرغب المقرض في الإقرار طمعاً في الفضل الذي لا يناله في الإقراض، فيقول: ليس تيسر علي القراض إذ لا يحصل له ربح
¬
(¬1) في العناية 7: 211ـ 212.
(¬2) في النهر3: 575.
(¬3) في مجمع الأنهر2: 140.
(¬4) في المحيط7 139، وينظر: الكشاف للتهانوي1: 356.
ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشرة درهم وقيمته في السوق عشرة ليبيع في السوق بعشرة، فيرضى به المستقرض، فيبيعه المقرض منه باثني عشر، ثم يبيعه المشتري في السوق بعشرة، فيحصل لرب الثوب ربح درهمين بهذه التجارة، ويحصل للمستقرض قرض عشرة، وسمي هذا العقد بالعينة؛ لأنه أعرض عن الدين إلى بيع العين.
قال بعضهم: تفسيرها أن يدخلا بينهما ثالثاً فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهماً ويسلمه إليه، ثم يبيع المستقرض من الثالث الذي ادخلاه بينهما بعشرة ويسلم الثوب إليه، ثم إن الثالث يبيع من صاحب الثوب، وهو المقرض بعشرة ويسلم الثوب إليه، ويأخذ منه العشرة، ويدفعها إلى طالب القرض، فيحصل لطالب القرض عشرة دراهم ويحصل لصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهماً، وهذا حيلة من حيل الربا، وكان محمد بن سلمة البلخي يقول لتجار بلخ: إن العينة التي جاءت في الحديث خير من بياعاتكم هذه».
وبَيَّن ابن الهمام مشايخ بلخ بذمهم للبياعات الكائنة الآن أشد من بيع العينة، فكثير من البياعات كالزيت والعسل والشيرج وغير ذلك استقر الحال فيها على وزنها مظروفة، ثم إسقاط مقدار معين على الظرف، وبه يصير البيع فاسداً، ولا شكّ أن البيع الفاسد بحكم الغصب المحرم، فأين هو من بيع العينة الصحيح المختلف في كراهته (¬1).
وهذه الصور المذكورة على أنها من العينة المنهية، وأنها من حيل الربا، ذكرها قاضي خان من الحيل الجائزة، كما سبق، ولذلك ذكر في «الفتاوى الهندية» (¬2) بعد نقل كلام البرهاني السابق: «وعن أبي يوسف: العينة جائزة مأجور من عمل بها، كذا في «مختار الفتاوى».
فيكون ما في «الهندية» بيان لوجود الخلاف المسألة، ومنعاً من وجود المنع مطلقاً، أو إشارة منهم للجواز في قول أبي يوسف، فكان الأمر متسعاً.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار5: 326.
(¬2) الهندية3: 208 ..
وأضاف ابن عابدين (¬1) بعد النقل عن «الهندية»، فقال: «وقال محمد: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ««إذا تبايعتم بالعينة ... »، قال في «الفتح»: ولا كراهة فيه إلا خلاف الأولى؛ لما فيه من الإعراض عن مبرة القرض، اهـ عن الطحطاوي ملخصاً».
فيكون كلام ابن عابدين والطحطاوي في تأكيد وجود الاختلاف في هذه المسائل، وميل منهم لترجيح البحث فيها بخلاف الأولية كما مرّ عن ابن نجيم وشيخ زاده؛ لأنهما نقلاً كلام ابن الهمام أن العمل بها خلاف الأول فحسب.
ونقل العيني (¬2) عن «محيط السرخسي»: صورته: باع متاعه بالعين في المستقرض إلى أجل، ثم يبعث متوسطاً ليشتري المتاع لنفسه بألف حالة ويقبضه، ثم يبيعه من البائع الأول بألف، ثم يُحيل المتوسط بائعه على البائع الأول بالثمن الذي عليه، ويخرج من الوسط فيدفع البائع الأول ألفاً حالة إلى المستقرض، ويأخذ منه ألفين عند حلول الأجل، وهذا البيع جائز في الحكم، فقال أبو يوسف: لا يكره؛ لأنه فعل ذلك كثير من الصحابة - رضي الله عنهم -، وحمدوا على ذلك، ولم يعدوه من الربا. وقال محمد: هذا البيع في قلبي ... ».
ووفق ابنُ الهمام (¬3) للخروج من هذا الخلاف بحمل كلام أبي يوسف على عدم رجوع المبيع للمقرض وكلام محمد على رجوع المبيع للمقرض، فقال: «إن الذي يقع في قلبي أنه إن فعلت صورة يعود فيها إلى البائع جميع ما أخرجه أو بعضه كعود الثوب إليه في الصورة المارة وكعود الخمسة في صورة إقراض الخمسة عشر، فيكره يعني تحريماً، فإن لم يعد كما إذا باعه المديون في السوق فلا كراهة فيه بل خلاف الأولى، فإن الأجل قابله قسط من الثمن، والقرض غير واجب عليه دائماً، بل هو مندوبٌ، وما لم ترجع إليه العين التي خرجت منه لا يُسمّى بيع العينة؛ لأنه من العين المسترجعة لا العين مطلقاً، وإلا فكل بيع بيع العينة».
¬
(¬1) في رد المحتار 5: 237.
(¬2) في البناية 8: 462.
(¬3) في فتح القدير 7: 232.
وذكر ابنُ عابدين (¬1) أنه أقرّ ابنَ الهمام في «البحر» و «النهر» و «الشرنبلالية» وهو ظاهر، وجعله السيد أبو السعود محمل قول أبي يوسف، وحمل قول محمد والحديث على صورة العود».
ثانياً: تحقيق المسألة بما يوفق بين الاختلاف فيها:
ظهر مما سبق أن العينة الممنوعة شرعاً هي أن يبيع الشخص ممن اشترى منه مؤجلاً بثمن حال؛ ليتحقق له المال الذي يريد مع بقاء الدين عليه بأكثر مما أخذ.
وهذه الصورة من جهة القياس جائزة؛ لوجود البيع فيها، ولكن استحسنا عدم الجواز لحديث عائشة رضي الله عنها، واعتبرت من المحلقات بالربا؛ لوجود شبهة الربا فيها، والشبهة في باب الربا ملحقة بحقيقة الربا.
وكلُّ الصور التي تشبهها خُرِّجت عليها، وكلّ الصورة التي خالفتها بقيت على الأصل بالجواز، كما فصَّل ذلك الكاساني في الأمثلة السابقة المذكورة.
وخرج الفقهاء كقاضي خان صوراً للجواز مبنية على أنها خلاف ما ورد من النهي عنه من العينة، فتكون جائزة، ونقلوا عن أبي يوسف أن أمثالها جائزة، وأن فاعلها مأجور؛ لأنها بهذه الطريق يتخلص من الوقوع في الربا المحرم.
ولاحظتنا اعتراض بعض الفقهاء عليه كالبابرتي لتمسكنه بالمعنى، وهو التحايل من أجل الحصول على القرض بفائدة بصورة مختلفة، ونقلوا عن محمد منع أمثال ذلك؛ لشبهه بالربا.
وعامة الفقهاء أخذوا بقول أبي يوسف وتخريج قاضي خان كما فعل ابن نجيم وشيخ زاده، وذكروا أنه خلاف الأولى لا غير.
وحاول ابن الهمام التوفيق بحمل قول أبي يوسف بالجواز على عدم عود العين للمقرض، وحمل قول محمد في المنع بعود العين للمقرض، وأقره عامة مَن جاء بعده، كما سبق.
ولكن الظاهر أن من تمسَّك بأن هذه حيل للحصول على المال بشتى الصور لم يقل بالجواز، وحملوا قول محمد على ذلك.
¬
(¬1) في رد المحتار 5: 326.
ومَن تمسك أن مردَّ المسألة للمنع من صورة بعينها قد رد فيها النهي، وأن ما عداها لما خرجت عن الهيئة الممنوعة جازت؛ لتوافقها مع القواعد الفقهية التي يسير عليها الفقه في جواز ذلك.
وهذا ما جعل الفقهاء يتكلفون في دفع المنع من صور الجواز وحمله على محامل معينة كما فعل ابن الهمام وأيده العلماء؛ لأنه القواعد تقتضي الجواز، والحاجة المجتمعية والاقتصادية تقتضي ذلك، وقد كثر تعامل الناس بذلك، فالمنع منه يوقع الناس في الربا المحرم قطعاً، بخلاف عمله بهذه المسائل فإنها فيه نوع شكّ بكونه ربا، ومعلوم أن اليقين مقدم على الشك، وبالتالي لا يترك اليقين بالمحرم بالمشكوك المحرم.
لذلك وجدنا الفقهاء مثلوا بوقوع مسائل متفق على حرمتها في زمانهم، وهي مقدمة على هذه الصورة من العينة المختلف فيها.
والأمر يشبهها في زمانا حيث وجد صورة متعددة يمكن أن يستفاد منها في استخراج أدوات مصرفية يعتمد عليها للتخلص من الربا الذي شاع وانتشر، فكان الأولى بنا الاستفادة منها، ومنها:
أن تلتجئ بعض المؤسسات المالية الشرعية إلى أداة التورق في معاملاتها المالية، فإن جاء شخص وأراد قرضاً مالياً، فإنها تبيع له سلعةً ما كزيت الذرة مثلاً بأقساط مؤجَّلة، ثمّ يقوم هذا الشخص عن طريق شركة وسيطة ببيع هذه السِّلعة بثمن حال، فيتحقَّق له المبلغ الذي يريده، وعادة تكون بين هذه الشركة الوسيط وبين البنك علاقة لتسهيل العملية، لكن المشتري مخيَّر أن يبيع بواسطتها أو بواسطة غيرها أو تبقي السلعة بين يديه إلى أجل مثلاً، فتكون هذه الصورة جائزة.
قال شيخنا العثماني (¬1): «جواز التَّورق مشروطٌ بألا تكون هناك ملابسات أخرى تفسد البيع، مثل: أن يشترط المشتري على البائع الأول أن يبيع السِّلعة في السوق نيابةً عنه، فإنَّ هذا الشَّرط يُفسد البيع، أمّا إذا كان البيعُ خالياً من هذا الشَّرط، ثمّ وَكَّلَ المشتري البائع نفسه بأن يبيعَه في السُّوق، فالظاهر أنّه لا محظور فيه، ولكن الاجتناب عنه أولى؛ لأن آخذ النقود الأقل بالبيع الأول، هو الذي
¬
(¬1) في فقه البيوع 1: 540.
يدفع الأكثر بعد البيع الثاني، وإن كان من جهتين مختلفتين وخاصة إذا كان التورق عن طريق بورصات السلع».
مراجع البحث:
1. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت 587 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط 2، 1402 هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
2. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855 هـ)، دار الفكر، ط 1، 1980 مـ.
3. التحقيق في أحاديث الخلاف: لعبد الرحمن بن علي الجوزي (508 - 597 هـ)، تحقيق: مسعد السعدني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415 هـ.
4. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
5. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275 هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
6. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت 458 هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ.
7. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385 هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386 هـ.
8. الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان): لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت 592 هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310 هـ.
9. الفتاوي الهندية: للشيخ نظام الدين البرهانفوري، والقاضي محمد حسين الجونفوري، والشيخ علي أكبر الحسيني، والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري، وغيرهم، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310 هـ.
10. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
11. فقه البيوع؛ لمحمد تقي العثماني، دار القلم، ط 1.
12. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: لمحمد بن علي التهانوي توفي بعد (1158 هـ)، تحقيق: الدكتور علي دحروج، مكتبة لبنان، ناشرون، ط 1، 1996 م.
13. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078 هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
14. المحيط البرهاني: لمحمود بن أحمد بن مازه البخاري برهان الدين (ت 616)، إدارة القرآن، المجلس العلمي، كراتشي، 2004 م.
15. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت 307 هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط 1، 1404 هـ.
16. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241 هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
17. مسند الروياني: لأبي بكر محمد بن هارون الروياني (ت 307 هـ)، تحقيق: أيمن علي أبو يماني، مؤسسة قرطبة، القاهرة، ط 1، 1416 هـ.
18. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت 770 هـ)، المطبعة الأميرية، ط 2، 1909 م.
19. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211 هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1403 هـ.
20. النهر الفائق شرح كنْز الدقائق: لعمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت 1005 هـ)، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422 هـ.
21. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت 593 هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.