المنهاج الوجيز في فقه الطهارة ....
. والصلاة والصيام والإعتكاف
جارٍ تحميل الكتاب…
المنهاج الوجيز في فقه الطهارة ....
. والصلاة والصيام والإعتكاف
المنهاج الوجيز
في فقه الطهارة والصلاة
والصيام والإعتكاف
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإكمالاً لما سعيت إليه في عدّة كتبٍ من عرض للفقه بطريقةٍ مذهبيةٍ ميسرةٍ على مذهب السادة الحنفية تناسب الطلبة في المرحلة الدراسية الأولى، ويشتمل فيها على أبرز المسائل الفقهية وأدلتها، بحيث تمكّن الطالب من ضبط الفقه وتكوين ملكة علمية راسخة.
ونعرض في هذا الكتاب لأهم الموضوعات التي يحتاجها المسلم في حياته اليومية التي لا غنى لها عنها، وهي العبادات في أربعة فصول:
الفصل الأول: في الطهارة، ويشتمل على الوضوء والغسل والتيمم والمسح على الخف والجبيرة والحيض والنِّفاس والاستحاضة وصاحب العذر والمياه وتطهير الأنجاس.
والفصل الثاني: في الصلاة، ويشتمل على الأوقات والأذان وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها وسننها وصفتها وجماعتها ومفسداتها ومكروهاتها ووترها ونوافلها
وإدراك فريضتها وقضاء فوائتها وسجود سهوها وتلاوتها وصلاة المريض والصلاة في السفينة وصلاة المسافر والجمعة والعيدين والخوف والكسوف والخسوف والاستسقاء والجنازة والصلاة في الكعبة.
والفصل الثالث: في الصوم، ويشتمل على أقسام الصوم ونيته ورؤية الهلال وسنن الصيام ومكروهاته وضوابط المفطرات ووجوب الكفارة والأعذار المبيحة للإفطار وكفارة الإفطار وقضاء الصوم.
والفصل الرابع: في الاعتكاف وصدقة الفطر، ويشتمل على شروط الاعتكاف وأقسامه وأعذار الخروج من المعتكف ومبطلات الاعتكاف، وشرائط وجوب صدقة الفطر وكيفية ووقت وجوبها ووقت أدائها وأدلة جواز إخراج القيمة فيها.
وسميت هذا الكتاب:
«المنهاج الوجيز
في فقه الطهارة والصلاة
والصوم والاعتكاف»
وقد اختصرته من كتابي: «المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة»، و «الجامع في أحكام الصيام والاعتكاف والحج والعمرة» مهذباً لمسائله، ومنقحاً لمباحثه، ومحرراً لزوائده، ومضيفاً له بعض المسائل على حسب ما يقتضيه الحال.
وأسأل الله أن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يتقبله ويجعله في ميزان حسناتي يوم الدِّين، وأن يغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي وأزواجي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
الجمعة 20/ 3/2015 م
الأردن/عمان /صويلح
تمهيد في آثار العبادات على حياة المسلم:
1.ترك كافة الفواحش وجميع المنكرات؛ قال - جل جلاله -: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} العنكبوت: 45، فاشتغال المسلم بالصلاة ابتداءً يمنعه من إتيان الفواحش والمنكرات، وهي سببٌ للانتهاءِ عنهما؛ لأنَّها مناجاةٌ لله تعالى فلا بدَّ أنْ تكونَ مع إقبالٍ تامٍّ على طاعتِه وإعراضِ كليٍّ عن معاصيِه (¬1)، فمَن كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السِّيئات يوماً ما (¬2).
2.الإعانة على تحمَّل أعباء الحياة؛ فإنَّ مبنى الحياة على الشِّدَّةِ والصُّعوبة والابتلاءِ والامتحان، ومبنى حال الإنسان على الضَّعف، فلا بُدَّ له من معين على عبء الدُّنيا، وإلاّ لهلك وسقط وفشل في حياته، ومن عظيم نعم الله علينا أن أمدنا بهذه الصَّلاة العظيمة المعينة على الحياة، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} البقرة: 45، والصلاة تجمع ضروباً من الصَّبر؛ إذ هي حبسُ الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة، ولهذا قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين} البقرة: 45 (¬3).
3.الرَّاحة النَّفسية وعدم ضيق الصَّدر؛ فإنَّ مبنى الرَّاحة على الفكر والقلب، فمَن كانت نظرته صحيحة للحياة نال هذه الراحة، ومَن أخطأ في فهمه لها عاش حياةً
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود 7: 42.
(¬2) ينظر: تفسير النسفي 2: 678.
(¬3) ينظر: تفسير الكشاف 1: 133.
ضنكاً، والصلاة هي رأسُ المناجاة والذِّكر وحسن الفهم للدنيا؛ لما تشتمل عليه من تربية ومعاني لا تدرك في غيرها، فمَن حرم الصلاة والخشوع فيها لم يكن من حَزِرَ الحياة الدُّنيا وفهمها، ولا أحرزَ الصِّفات الأصيلة التي يسعد بها الإنسان في حياته، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} طه: 124 (¬1).
4.وضوحُ الطَّريق ومعرفةُ الهدف من الحياة، فهي تبين الغاية من الحياةِ، وهو رضاءُ الله والعيشُ له وحده، وتوضح له الطَّريق الذي يُسلك في تحقيقِها، بأن يلتزمَ أوامر الله تعالى ونواهيه ويراعي حدوده، ففي كلِّ صلاةٍ تذكرةٌ لغايته من الحياةِ، وبكلِّ قراءةٍ وخشوعٍ يعرفُ الطَّريق الموصل له، قال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى} الملك: 22 (¬2).
5.تحقيق التَّوكل التّام، فإنَّ الأمورَ كلَّها بيد الله من خير ورزق وعلم ونفع، ونحن مطالبين بالاعتماد عليه، والصَّلاة هي المعينُ الأكبر في تحقيق هذا، بحيث ترتفع بالمرء بعدم قبول إلا الحقّ، وهو أن لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق؛ لأنَّه مَن رضي من الدُّنيا بالدُّنيا فهو ملعونٌ، ومَن رضي من الزُّهد بالثَّناء فهو محجوبٌ، قال تعالى: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} الأنعام: 162 (¬3).
6.تربيةٌ متواصلة للنَّجاح في الحياة؛ فإنَّ النجاح في الحياة بالقرب من الرَّحمن،
¬
(¬1) ينظر: تفسير الكشاف3: 95، وتفسير النسفي2: 388.
(¬2) ينظر: تفسير أبي السعود9: 9.
(¬3) ينظر: السراج ص65.
والبُعد عن الشَّيطان، وترك هوى النَّفس ورغباتها، وبمقدار تعلُّقك بربِّك واستحضارُه في لحظاتِ حياتِك تحقِّق نجاحك وفلاحِك في دنياك وأُخراك، وبقدرِ بُعدك عن شيطانك وأوهام نفسك ونزواتها وشهواتها فشلُك وضلالُك وضياعُك وسقوطُك، فالفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (¬1)، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} المؤمنون: 1 - 2 (¬2).
7.تقويةٌ للمسلم على شيطانه، فحين طُرد الشَّيطانُ من الجنّةِ أقسم بعِزّةِ اللهِ تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين} ص: 82 - 83، استثنى المخلصين؛ لأنَّه لا يقدر عليهم، وليس له عليهم سلطانٌ كما أَخبر الله تعالى بذلك: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} الحجر: 42، والصَّلاةُ القائمةُ تُحقِّقُ الإخلاصَ الذي يحفظُ ويُحصنُ العبدَ من الشَّيطان؛ لأنَّها تُحقِّق إخلاص العبوديّة لله رَبّ العالمين، إذ الصَّلاة حرزٌ وسياجٌ قويٌّ يحفظ ويحمي العبد من كيدِ الشَّيطان، هذا هو التَّشخيص، وهذه هي المعادلةُ في هذه القضية (¬3).
8.تقويةٌ للمسلم على نفسِهِ، فالصلاة عامل رئيسي في الإعانة على مخالفة عادات النفس وكشف عوارها وترك هواها، وبمقدار تحقيق هذا في حياة بالمسلم يكون نجاحه، قال القشيري: «أصل المجاهدة فطم النفس عن المؤلوفات وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الخشوع للقحطاني ص20.
(¬2) ينظر: تفسير أبي السعود6: 123.
(¬3) ينظر: الصلاة سر النجاح ص8.
(¬4) ينظر: السراج ص80.
9.التفكُّر والتَّدبُّر في ملكوتِ السَّموات والأرض بقلوب صافية، فبمقدار هدايته وقربه من الله تعالى ترتفع عنه الظلمات وتظهر له الأمور على حقيقها، وتتكشف له أحوال الدنيا، وأقوى سبل هداية الله هو الصلاة بتمامها.
10.التخلص من الصفات الذميمة، والتي أساسها الكبر، حتى جعل مبنى الكراهات في الصلاة على ترك الكبر، كرفع الثوب عند السجود؛ لئلا يتترب، ووضع المنديل للسجود عليه؛ لمجرد التكبر من غير عذر، والامتناع من السجود على الأرض بدون حائل؛ لأنَّ الصلاة مقام التَّواضع والتذلل والخشوع فالتكبر والتجبر ينافيها (¬1)، فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمَن ينازعني عذبته» (¬2).
11.الطمأنية والترويح عن النفس، قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب} الرعد: 28، وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ} الرعد: 28، وأيّ ذكر أعظم من الصلاة، المشتملة على عامة الأذكار وقراءة القرآن والخشوع والإخلاص، وقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعتبر الصّلاة قرّة للعين (¬3)، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «حُبِّبَ إِلَيَّ من الدُّنْيا النِّساءُ والطِّيبُ، وجعل قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاة» (¬4)، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتبرها راحة للنفس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا
¬
(¬1) ينظر: حلبي صغير ص102.
(¬2) في صحيح مسلم4: 2024، ومسند أبي حنيفة ر4.
(¬3) ينظر: آثار الخشوع في الصلاة.
(¬4) في سنن النسائي الكبرى8: 149، وسنن النسائي7: 61، ومسند أحمد19: 305.
بِلَالُ أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (¬1)، فالصلاة تعالج الفراغ النفسي، ومما لا شّكّ فيه ولا ريب أنَّ الصلاة هي العلاج الجذري والمنهجي لما يشكو منه كثير من المربين والمصلحين مما وقع في صفوف الشباب والفتيات وهو ما يعرف بالعشق أو التعلُّق (¬2)؛ لما فيها من كفاية حاجة القلب من المحبّة لله تعالى والتعلّق به، وتحقّق الراحة بذلك، وإيراثِ المخافة والخشية المانعة عن المحرم.
12.تحصيل الصفات الممدوحة، فكما أنَّ الصَّلاةَ تُخلّص المسلم من الصِّفات الذَّميمة فلا شكّ أنَّها تكسبه مكارم الأخلاق: كالتواضع والصَّبر والإخلاص وغيرها.
ففي الصَّلاةِ أسرارٌ لأجلها كانت عماداً، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركَّوع وبالسُّجود، وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به؛ لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم. وبه أمر سائر الخلق (¬3).
13.القدرة على التركيز وتفريغ القلب، الصَّلاةُ تُعوِّدُ صاحبها على التّركيز الكامل في أفعال الصَّلاة أثناء أدائها، وهو ما يُسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النَّجاح في أيّ عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كلَّ يوم خمس دروس
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 296، ومسند أحمد28: 178، وشرح مشكل الآثار14: 167، وغيرها.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص7.
(¬3) ينظر: موعظة المؤمنين ص250.
في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره، فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الله - عز وجل - مقبلاً على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» (¬1)، وعدم الالتفات محقِّق للخشوع، والخشوع يحقِّق التركيز وتفريغ القلب.
14.تنظيم الوقت والحياة، فالصلاة تنظم الأوقات للمسلم وتعرِّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل، وهذا سبيل النَّاجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته وترتيب حياته وجعل لكلِّ وقت عملاً كان أنجح في حياته، والصلاة تخرج المسلم من كسل النَّفس وتحفزها على النَّشاط والهِمة، فعليه أن يستيقط من الفجر ويترك رغبة النفس بالنوم، ومطالب في كل وقت أن يتوضأ ويُصلِّي ويطرد وساوس نفسه وزخرفها، وهكذا.
15.تربي على الصبر، وتعالج الغضب؛ قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلاَّ الْمُصَلِّين. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُون} المعارج: 19 - 23، فهذه الآيات تؤكِّد أنَّ المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ليسوا من هذا النوع من الناس، بل هم على العكس من ذلك فهم إذا مسهم الشر صبورين، وإذا مسهم الخير شكورين، والصَّلاةُ علاجٌ ناجع للغضب والتهوّر؛ تُعلّم الإنسان كيف يكون هادئًا، وخاضعًا لله.
16.تُصلح دين المسلم وحياته، فكلّما صدق الإنسان مع الله تعالى في صلاته كان ذلك سبباً في إصلاح باقي عباداته، ومحفزاً عليها من صدقة وصيام وعمرة وحجّ؛ فعن
¬
(¬1) في سنن أبي داود1: 239، وسنن الترمذي5: 148، وسنن النسائي الكبرى1: 286.
أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أوّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (¬1).
17. الزُّهد في الدنيا؛ فإنَّ الإقبال على الصلاة يبصر المسلم بحقيقة الدنيا، فيكون فيها من الزاهدين، ولا يضيع عمره الذي لم يعط له شيء أعز منه في حطامها (¬2)، وتصبح نظرته للحياة: «عش ما شئت فإنَّك ميت، وأحببت ما شئت فإنَّك مفارق، واعمل ما شئت فإنَّك مجزى» (¬3).
18. شكر النعمة؛ إذ الصوم هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، وإنَّها من أجلّ النعم وأعلاها، والامتناع عنها زماناً معتبراً يجعلنا نعرف قدرها، إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر، وشكر النعم فرض عقلاً وشرعاً، وإليه أشار الرب - جل جلاله - في قوله في آية الصيام {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} البقرة: 185.
19. تحقق التقوى؛ لأنَّ من انقادت نفسه للامتناع عن الحلال كما في الصوم؛ طمعاً في مرضات الله - جل جلاله -، وخوفا من أليم عقابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً للاتقاء عن محارم الله - جل جلاله - وإنَّه فرض، وإليه وقعت الإشارة بقوله - جل جلاله - في آخر آية الصوم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} البقرة: 183.
¬
(¬1) في سنن الترمذي2: 269، وحسنه، وسنن أبي داود1: 290.
(¬2) ينظر: سراج الظلمات ص26.
(¬3) ينظر: أيها الولد ص26.
20.قهر الطبع وكسر الشهوة؛ لأنَّ النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى؛ ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنَّه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (¬1)، فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي، وإنَّه فرض (¬2).
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1018، واللفظ له، وصحيح البخاري 2: 673.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 76، وشرح الوقاية ص232.
الفصل الأول
الطهارة
أهداف الفصل الأول:
يتوقع من الطالب بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادراً على:
أولاً: الأهداف المعرفية:
1. أن يُعرِّف الطهارة والوضوء، ويبين حكم الوضوء ويُعدّد فرائضه، وسننه، ومستحباته، وآدابه ويميز بينها، ويُوضّح نواقضه.
2. أن يُعرِّف الغُسل ويبين المسنون والمستحب منه، ويُعدّد فرائضه وسننه.
3. أن يُعرِّف التيمم ويبين شروطه وركنه وكيفيته ونواقضه وأحكامه.
4. أن يُعرِّف الخف، ويذكر أدلة مشروعيته المسح عليه، وشروطه، ويبين مقدار المسح، ومكانه، والكيفية المسنونة فيه ومدته، ونواقضه.
5. أن يُعرِّف الجورب والجرموق، ويعدد شروط المسح عليهما، ويذكر أدلة مشروعيته.
6. أن يُعرِّف الجبيرة، ويبين حكم المسح عليها، ويذكر الأحكام المتعلقة بها.
7. أن يُعرِّف مصطلحات الحيض والنِّفاس، ويذكر ضوابطه، ويبين أحكام الحيض والنفاس والاستحاضة وصاحب العذر.
8. أن يبيّن أقسام المياه والأحكام المتعلقة بها، ةيُعرِّف السؤر ويبين أقسامه.
9. أن يبيّن أقسام النجاسة والقدر المعتبر منها.
10. أن يعرف الاستنجاء، ويذكر آداب الدخول إلى الخلاء.
11. أن يُعدد أنواع المطهرات للنجاسة.
ثانياً: الأهداف المهارية:
1. أن يتقن أداء الوضوء، والغسل، والتيمم، والمسح على الخفين، ويؤديها أداءً صحيحاً.
ثالثاً: الأهداف الوجدانية:
1. أن يتجنب الإسراف في استعمال الماء للوضوء.
2. أن يستصحب النية في كل عمل يقوم به.
3. أن يذكر الله في كل موقف.
4. أن يحرص على استخدام السواك.
5. أن يظل على وضوء قدر الإمكان.
• • •
المبحث الأول
الوضوء
أولاً: تعريف الطهارة والوضوء:
الطهارة لغةً: مصدرُ طَهُرَ الشيء والاسم الطُّهْرُ، وهو النَّقاءُ من الدَّنَسِ والنَّجَس (¬1).
وشرعاً: هي النّظافة عن الحدث أو الخبث.
فالطهارة نوعان: طهارةٌ عن الحدث، وتسمّى (طهارة حكمية)، وهي أنواع: الوضوء، والغسل، والتيمم، وطهارة عن الخبث، وتسمى (طهارة حقيقية).
والحدث: هو النجاسة الحكمية: وهي التي حكم الشارع بها، وثبتت نجاستها بجعل الشارع: كنجاسة الجنب، والمحدث.
والخبث: هو النجاسة الحقيقية: وهي مصداق النجاسة حقيقة من غير احتياج إلى جعل الشارع: كالبول، والغائط، ونحو ذلك (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المغرب ص 295، والمصباح المنير ص 379.
(¬2) ينظر: فتح باب العناية 1: 41، والدر المختار ورد المحتار 1: 57، والبدائع 1: 2.
الوضوء لغةً: من الوضاءة: وهي النظافة، والحسن، والنقاوة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (¬1): أي الوضوء اللغوي وهو الغَسل.
وشرعاً: هو الغَسل والمَسح في أعضاء مخصوصة.
والغَسْل: هو إسالة المائع على المحل. والمسح: هو الإصابة.
فلو غَسَل أعضاء وضوئه ولم يسل الماء بأن استعمله مثل الدُّهن ـ أي الكريمات ـ لم يجز، ولو توضأ بالثلج ولم يقطر منه لا يجوز، ولو قطر قطرتان جاز؛ لوجود الإسالة (¬2).
والوضوء شرط لصحة الصلاة؛ لقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ... } المائدة: 6؛ إذ أمر الله - عز وجل - بغسل الأعضاء الثلاثة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتَّى يتوضَأ» (¬3).
ثانياً: فرائض الوضوء:
يفترض لصحة الوضوء أربعة أمور، فإن ترك واحداً منها لم يعتد بوضوءه،
وتفصيلها في النقاط الآتية:
¬
(¬1) في جامع الترمذي 4: 281، والمستدرك 3: 699، وسنن أبي داود 3: 345، ومسند أحمد 5: 441.
(¬2) ينظر: طلبة الطلبة ص4 - 5، والاختيار 1: 12، والبدائع 1: 3، وحاشية عصام الدين ق6/أ.
(¬3) في صحيح البخاري 6: 2551، وصحيح مسلم 1: 204.
1.غسل الوجه مرة واحدة؛ لقوله - جل جلاله -: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} المائدة: 6، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
وحدُّ الوجه: من قصاص الشعر إلى أسفل الذَّقَن طولاً، وما بين شحمتي الأُذُنين عرضاً؛ لأنَّ الوجه اسم لما يواجه الإنسان، أو ما يواجه إليه في العادة، والمواجهة تقع بهذا المحدود، فيجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر يسقط غَسْل ما تحته ويجب غسل كل ما يستر البشرة منه؛ لأنَّ الواجب غسل الوجه، ولما نبت الشعر خرج ما تحته من أن يكون وجهاً؛ لأنَّه لا يواجه إليه، فلا يجب غسله.
فيجب غسل كل الشعر النابت على الخدين من عِذار (¬1) وعارض (¬2) وذقن في اللحية الكثة، وأما اللحية الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب غسل ما تحتها، ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية، ويجب غَسْل البياض الذي بين العِذار والأُذُن، ولا يجب إدخال الماء في داخل العينين؛ لأنَّ داخل العين ليس بوجه؛ ولأنَّ فيه حرجاً ومشقة وضرراً، وبه تسقط الطهارة.
2.غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة: والمرفق: هو المَفْصِلُ الذي بين العَضُد والساعد؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة: 6، ومطلق الأمر لا يقتضي التكرار، والمرفقان يدخلان في الغَسل؛ لأنَّ اسم اليد يتناول من رؤوس
¬
(¬1) العِذار: هو جانب اللحية من ناحية الأذن، لا البياض،، كما في المغرب ص308.
(¬2) عارضتا الإنسان: صفحتا خديه، ينظر: مختار الصحاح 1: 205.
الأصابع إلى الإبط لغةً، فكان ذكر الغاية إسقاطاً لما وراء المرفق، فيدخل المرفق، ويسقط ما وراءه.
3.مسح ربع الرأس مرة واحدة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} المائدة: 6، والأمر المطلق بالفعل لا يوجب التكرار، فعن المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته (¬1) وعلى العمامة وعلى الخفين» (¬2)، فدلَّ على أنَّ استيعاب الرأس بالمسح غيرُ مراد، ولأنَّ الباء في الآية للإلصاق، والتقدير: وامسحوا أيديكم برؤوسكم، فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس.
4.غسل الرِّجلين إلى الكعبين مرة واحدة: والكعبُ: هو العظمُ النَّاتئُ الذي ينتهي إليه عظم السَّاق على الصحيح؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} المائدة: 6، وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، قال: «أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فتوضأ فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه» (¬3).
ثالثاً: سننه:
يسن في الوضوء أربعة عشر أمراً، فإن ترك واحداً منها صح وضوؤه، لكنَّ تركها بلا عذرٍ يوجب الإساءة والكراهية، وتفصيلها في النقاط الآتية:
1.النية: وهي أن يقصد بالقلب الوضوء، أو رفع الحدث؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما
¬
(¬1) الناصية: هي قصاص الشعر في مقدم الرأس، كما في تاج العروس 40: 90.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 231، وشرح معاني الآثار 1: 31، وعن أنس - رضي الله عنه - في سنن أبي داود 1: 36.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 211، وصحيح البخاري 1: 83.
الأَعمالُ بالنيات» (¬1)، وهي ليست شرط لصحة الوضوء؛ لأنَّ الوضوء إذا خلا عنها تبقى صحَّتُهُ بمعنى أنَّهُ مفتاحُ الصَّلاةِ: كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مفتَاح الصَّلاة الطَّهُور، وتَحريمها التَّكبير، وتَحْلِيلُها التسلِيم» (¬2)، وأنَّ الماء طبعه الإزالة والتطهير، فيوجب استعماله حصول الطهارة وإن خلا عن النية.
2.تسمية الله - جل جلاله - في ابتداء الوضوء؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬3).
3.غسل اليدين إلى الرُسغين ثلاثاً قبل الاستنجاء وبعده، والرسغ: هو المفصل بين الساعد والكف؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» (¬4).
4.السواك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (¬5). ويقوم مقام السواك عند فقده أو فقد أسنانه الخِرقة الخشنة أو الأصبع، كما يقوم العلك مقامه في الثواب للمرأة مع القدرة عليه إذا وجدت النيّة.
ووقته: قبل الوضوء؛ حتى تحصل به الفضيلة الواردة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ، سَبْعِينَ ضِعْفًا» (¬6)، فإنَّها تحصل بالإتيان
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 3، وصحيح مسلم 3: 1515.
(¬2) في جامع الترمذي 1: 9، 2: 3، والمستدرك 1: 223.
(¬3) في المستدرك 1: 246، وصححه، وجامع الترمذي 1: 38، والسنن الصغرى 1: 82.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 233، وصحيح ابن خزيمة 1: 74، وصحيح ابن حبان 3: 345.
(¬5) في صحيح البخاري 2: 682.
(¬6) في مسند أحمد 6: 272.
به عند الوضوء، فكلُّ صلاة صلاها بذلك الوضوء لها هذه الفضيلة، فإذا نسيه عند المضمضة أو قبلها، فعند القيام إلى الصلاة.
نشاط: ابحث عن فوائد السواك، ثم اكتب مقالاً عن أحدث ما توصل إليه العلم في هذا الموضوع واعرض ما توصلت إليه على زملائك.
5.المضمضة ثلاثاً بماء جديد لكل مضمضة؛ وحدُّ المضمضة: استيعاب جميع الفم، ويُسَنُّ المبالغة في أن يصل الماء إلى رأس الحلق؛ فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً يأخذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً» (¬1).
6.الاستنشاق ثلاثاً بماء جديد في كلّ مرة؛، وحدُّه: أن يصل الماء إلى المارِن (¬2)، ويسن المبالغة في الاستنشاق بأن يجاوز المارِن إلا للصائم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (¬3).
7.تخليل اللحية؛ والتخليل فيها يكون بالمبالغة في إيصال الماء خلال شعر اللحية، ويكون باليد اليمنى؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنّكه فخلَّلَ به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي - عز وجل -» (¬4).
¬
(¬1) في المعجم الكبير 19: 180، وإعلاء السنن للتهانوي 1: 56.
(¬2) المارن: هو ما دون قصبة الأنف، وهو ما لان منه، كما في المصباح المنير 2: 569.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 82، وسنن الترمذي 3: 155، وصححه، وصحيح ابن خزيمة 1: 78.
(¬4) في سنن أبي داود 1: 36، والجامع الصغير 1: 112 للسيوطي، والمعجم الأوسط 3: 221،.
8.تخليل أصابع اليدين والرِّجلين؛ ويكون بالمبالغة في إيصال الماء إلى ما بين أصابع اليدين والرجلين، وتخليل أصابع اليد: بأن يُشَبِّكَ الأصابع، وأصابع الرِّجل: بأن يخلل بخنصر يده اليسرى بادياً من خنصر رجله اليمنى خاتماً بخنصر رجله اليسرى؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «خللوا بين أصابعكم لا يخللها الله - عز وجل - يوم القيامة في النار» (¬1).
9.تثليث الغَسل في الأعضاء التي تغسل: وهي الوجه واليدين والرجلين؛ إذ لا يسن تثليث مسح الرأس، فإنَّ تكراره بالمياه المختلفة بدعة؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: «أنَّ رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء» (¬2): أي لو زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها، أو زاد على الثلاث؛ معتقداً أنَّ السنة لا تحصل بالثلاث أو أنقص عنه؛ معتقداً أنَّ الثلاث خلاف السنة، فقد أساء، ولو زاد على أعضاء الوضوء؛ لطمأنينة القلب عند الشك مع اعتقاد سنية الثلاث، فلا يكون متعدياً ولا ظالماً.
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 95.
(¬2) في سنن أبي داود 1: 81، وسنن ابن ماجه 1: 146، وسنن النسائي 1: 88، ومسند أحمد 2: 180.
10. مسح كلُّ الرأس مرّة، فإنَّ السنة في الرأس المسح مرة واحدة، فعن عبد خير - رضي الله عنه -، قال: «أتينا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع وقد صلى؟ فوصف وضوءه قال: ومسح رأسه مرة واحدة وقال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو هذا» (¬1).
11. مسح الأذنين بالماء المأخوذ للرأس؛ فعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس» (¬2)، والمراد بيان الحكم دون الخلقة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث لبيان الخلقة.
وكيفية مسح الأذنين: أن يمسح داخلهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين.
12. الترتيب بين الأعضاء المفروضة، وذلك بأن يغسل وجهه أولاً، ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليهكما كما في القرآن، قال - جل جلاله -: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} المائدة: 6.
13. الموالاة في غسل الأعضاء المفروضة؛ بأن يغسلها على سبيل التعاقب، بأن يجمع بين أعضاء الوضوء في الغَسل في موضع واحد، ولا يشتغل في أثناء الوضوء بعمل آخر بحيث يجف باشتغاله بعض أعضاء الوضوء عند اعتدال الهواء (¬3).
¬
(¬1) في سنن النسائي الكبرى 1: 102، وجامع الترمذي 1: 49، وسنن أبي داود 1: 49.
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 152، وينظر المصباح للكناني 1: 65.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص82 - 83، وعمدة الرعاية 1: 62 - 63، والدر المختار 1: 74.
رابعاً: مستحباته:
يستحب في الوضوء ثلاثة أمور، فإن ترك واحداً منها لا يلام على تركه ولا يكون مسيئاً ولو بغير عذر، وتفصيلها في النقاط الآتية:
1.التيامن: وهو الابتداء باليمين في غسل الأعضاء؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل (¬1)، وفي انتعاله إذا انتعل» (¬2).
2.مسح الرقبة؛ فإنَّ مسح الرقبة مستحب، لا الحلقوم، فإنَّ مسحه بدعة؛ فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال (¬3)»»، وفي رواية: «أول القفا» (¬4).
3.إطالة الغُرة والتحجيل: وإطالة الغرة: هي غسل جزء من مقدم الرأس، وإطالة التحجيل: غسل ما فوق المرفقين والكعبين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجَّلينَ من أثر الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل» (¬5) (¬6).
¬
(¬1) ترجيل الشعر: هو تسريحه وتغذيته بالادهان وتقويته. ينظر: الفائق في غريب الحديث 2: 43.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 165، وصحيح مسلم 1: 226.
(¬3) القذال: هو جماع مؤخر الرأس. ينظر: المصباح المنير 2: 495.
(¬4) في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 30.
(¬5) في صحيح مسلم 1: 216،وصحيح البخاري1: 63.وينظر: شرح الوقاية ص84 - 85.
(¬6) ينظر: رد المحتار 1: 57، وتبيين الحقائق 1: 6 - 7، ومجمع الأنهر 1: 16.
خامساً: آدابه:
1.المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «كانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى» (¬1).
2.الامتخاط باليد اليسرى؛ لأنَّ الامتخاط لإزالة الأذى، فكان استعمال اليسرى أولى فيه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثاً، فإن الشيطان يبيت على خيشومه» (¬2).
3.عدم الاستعانة بالغير في الوضوء من غير حاجة، لكن إن استعان لا يكره؛ فعن أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: «أنَّه كان رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أفاض من عرفة، فلما جاء الشعب أناخ راحلته، ثم ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة فتوضأ، ثم ركب ثم أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء» (¬3).
3. تجنب التكلّم في أثناء الوضوء بكلام الناس، سوى الأدعية التي يُدعَى بها عند غسل كل عضو من أعضاء الوضوء؛ وذلك لأنَّ الوضوء شبيه بالصلاة، وهذه الأدعية وإن لم يرد بها حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لا بأس بها ما لم ننسبها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، خاصة أنَّها وردت عن السلف، وهي داخلة تحت الأمر العام بذكر اللَّه، ولم يرد نهي عنها.
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 55، وشعب الإيمان 5: 77، والسنن الكبرى للبيهقي 1: 113.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1199، وفي صحيح مسلم 1: 212.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 936.
4.شرب شيء من فضل الوضوء مستقبل القبلة قائماً؛ فعن عليٍّ - رضي الله عنه -: «أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه ـ وذَكَرَ: رأسه ورجليه ـ، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال إنَّ ناساً يكرهون الشرب قياماً، وإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل ما صنعت» (¬1).
5.صلاة ركعتين بعد الفراغ من الوضوء؛ فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة، قال: فقلت: ما أجود هذه» (¬2) (¬3).
سادساً: نواقضه:
نواقض الوضوء سبعة، وتفصيلها في النقاط الآتية:
1.ما يخرج من السبيلين؛ كالبول، والمذي، والودي، والريح؛ لقوله - جل جلاله -: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ} النساء: 43، والغائط: اسم للموضع المطمئن من الأرض، فاستعير لما يخرج إليه.
والمذي: وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة بالملاعبة ونحوها من غير دفق، فعن علي - رضي الله عنه -، قال: «كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذكر له، فقال لي: لا تفعل، إذا
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 2130.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 209.
(¬3) ينظر: رد المحتار 1: 57، وتبيين الحقائق 1: 6 - 7، ومجمع الأنهر 1: 16.
رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا أنضحت الماء فاغتسل» (¬1).
والودي: وهو ماء أبيض كدر لا رائحة له، يخرج بعد البول؛ لأنَّه تبع للبول فينقض الوضوء؛ فعن مجاهد - رضي الله عنه - سأل رجل ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إني كلما بلت تبعه الماء الدافق الذي يكون منه الولد ... فقال: أرأيت إذا كان منك، هل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا، قال: إنَّما هذه بردة يجزيك منه الوضوء» (¬2).
وأما المَنِي: وهو عام يشمل ماء الرجل والمرأة، ويجب بخروجه الغُسل، يخرج بشهوة مع الفتور بعده، ولونه أبيض خاثر للرأجل وأصفر رقيق للمرأة ورائحته كالطلع رطباً وكالبيض يابساً؛ فعن علي - رضي الله عنه - قال: «كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إذا حذفت (¬3) فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل» (¬4).
وإفرازات النساء، والتي تسمّى عند الفقهاء بـ «رطوبة الفرج»:
وهي طاهرة إذا كانت صافية نقية خالية عن لون، بخلاف ما إذا اختلطت بغيرها: كالدم، والمذي، والمني فتغير لونها، فإنَّها تكون نجسة، وأما بالنسبة
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 1: 15، وصحيح ابن حبان 3: 385، وسنن أبي داود 1: 53.
(¬2) أخرجه ابن عساكر في تاريخه وسنده حسن. ينظر: إعلاء السنن 1: 189.
(¬3) الحذف: هو الرمي، وهو لا يكون بهذه الصفة إلا بشهوة. ينظر: إعلاء السنن 1: 186.
(¬4) في مسند أحمد 1: 107، وينظر: إعلاء السنن 1: 186.
لنقضها للوضوء، فطالما أنَّها طاهرة فهي غير ناقضة للوضوء، وبه أفتى فقيه العصر أشرف التهانوي في إمداد الفتاوى بعد تحقيقه للمسألة، والعلامة مصطفى الزرقا (¬1)، ويستدل له؛ بما روي عن عائشة رضي الله عنها عن الرَّجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه نجساً ذلك؟ فقالت: «قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقاً, فإذا كان ذلك، مسح بها الرجل الأذى عنه, ولم ير أنَّ ذلك ينجسه» (¬2).
2.ما يخرج من غير السبيلين: إن كان نَجَساً وسال: كالدم المسفوح إن سال من الجرح أو الفم أو الأنف والقيح (¬3) والصديد (¬4) إلى موضع يجب تطهيره في الوضوء أو الغسل، بخلاف الخارج من السبيلين؛ لأنَّه متى ظهر يكون منتقلاً فيكون خارجاً؛ فعن تميم الداري وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء من كل دم سائل» (¬5)، وعن عائشة رضي الله عنها، جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ إليه - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: «يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنَّما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، قال هشام بن عروة: قال أبي: ثم تؤضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (¬6)، فنبَّه - صلى الله عليه وسلم - على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون ما يخرج منها
¬
(¬1) فتاوى الزرقا ص95.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 1: 142.
(¬3) القيح: هو ماء أبيض خاثر لا يخالطه دم. ينظر: الصحاح 2: 398.
(¬4) الصديد: هو ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم. ينظر: المغرب ص264.
(¬5) في سنن الدارقطني 1: 157، والكامل لابن عدي 1: 190.
(¬6) في صحيح البخاري 1: 91، وسنن الترمذي 1: 217، وسنن الدارقطني 1: 212.
دم عرق، وهو أعم من أن يكون خارجاً من السبيلين أو غيرهما، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة.
ولو خرج من نفس فمه دم رقيق، فالعبرة للغلبة بينه وبين الريق، ويعتبر ذلك من حيث اللون، فإن كان لونه أحمر، انتقض، وإن كان لونه أصفر، لا ينتقض، وإن تساويا، انتقض الوضوء.
3.القيء ملء الفم؛ سواء كان مِرَّةً (¬1)، أو طعاماً، أو ماءً، أو عَلَقاً (¬2)؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أصابه قيء أو رُعاف أو قَلَس (¬3) أو مذي، فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم» (¬4)، وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له الدفع» (¬5).
ويشترط في القيء حتى يكون ناقضاً للوضوء: أن يكون ملء الفم، وحد ملء الفم: ما لا يمكن ضبطه إلا بكلفة.
¬
(¬1) مِرَّة: أي صفراء، ينظر: رد المحتار 1: 93.
(¬2) العَلَق: لغة دم منعقد، لكن المراد به هنا سوداء محترقة وليس بدم حقيقة ينظر: رد المحتار 1: 93.
(¬3) القَلَس: ما خرج من البطن من طعام أو شراب إلى الفم. ينظر: المصباح ص513، وطلبة الطلبة ص8.
(¬4) في سنن ابن ماجه 1: 385، وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 113: مرسل صحيح الإسناد.
(¬5) في سنن الترمذي 1: 143.
4.النوم مضّجعاً (¬1)، أو متكئاً (¬2)، أو مستنداً إلى شيءٍ بحيث لو أزيل عنه ذلك الشيء لسقط؛ فإنَّ النوم الذي يكون حدثاً: هو النَّوم مضّجعاً أو متكئاً أو مستنداً، أمّا إذا نام متربعاً أو متوركاً أو نام في الصلاة قائماً أو راكعاً أو قاعداً أو ساجداً، فلا ينتقض وضوءه؛ لأنَّ النوم على هذه الهيئات لا يبلغ فيه الاسترخاء غايته؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلى فقلت: يا رسول الله، إنَّك قد نمت، قال: إنَّ الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنَّه إذا اضطجع استرخت مفاصله» (¬3)، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ» (¬4).
5.الإغماء والجنون والسُّكر؛ فهو ينقض الوضوء على أي هيئة كان؛ لأنَّه فوق النوم في الاسترخاء.
6. المباشرة الفاحشة؛ وهي أن يفضي الرَّجل إلى امرأته ويماس بدنُهُ بدنها مجردين مع انتشار آلته وتماس الفرجان؛ لأنَّ مثل هذه سبب غالب لخروج المذي، وهو كالمتحقق، ولا عبرة بالنادر، فيقام السبب مقام المسبب؛ ولأنَّها حالة ذهول.
7.قهقهة مصلٍّ بالغ يقظان يركع ويسجد؛ ولا فرق بين أن يكون عامداً أو
¬
(¬1) الاضطجاع: هو أن ينام واضعاً جنبيه على الأرض. ينظر: عمدة الرعاية 1: 76.
(¬2) الاتكاء: هو أن ينام متكئاً بأحد وركيه. ينظر: مجمع الأنهر 1: 20.
(¬3) في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وسنن الدارقطني 1: 159.
(¬4) في سنن أبي داود 1: 52، وحسنه المنذري وابن الصلاح والنووي، كما في إعلاء السنن 1: 130.
ناسياً، والقياس أن لا تكون القهقهة حدثاً في الصلاة، لكنا تركنا القياس؛ لما روي عن أنس - رضي الله عنه -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا فجاء رجل ضرير البصر فوطىء في خبال من الأرض فصرع، فضحك بعض القوم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة» (¬1).
• نشاط: ارجع إلى كتاب اللكنوي: «الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة»، واجمع الروايات الحديثية الواردة في مسألة القهقهة في الصلاة.
ويخرج من نواقض الوضوء:
1. مسّ الرجل للمرأة، فإنَّ مجرد اللمس والتقبيل للمرأة لا ينقض وضوء الرجل ولا وضوء المرأة، سواء كانت المرأة زوجة أو من المحارم؛ فعن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنَّه قَبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت مَن هي إلا أنت فضحكت» (¬2)، فإن كان مسَّها ينقض الوضوء لمَا فعله - صلى الله عليه وسلم -، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: «ليس في القبلة وضوء» (¬3).
2. مس العورة (¬4)؛ فهو لا ينقض الوضوء، سواء كان المس لعورة الطفل أو
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 163، ومرسلاً في مصنف عبد الرزاق 2: 376، وابن أبي شيبة 1: 341.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 48، وسنن الدارقطني 1: 136، وصححه في إعلاء السنن 1: 153.
(¬3) في سنن الدارقطني 1: 143، وقال: صحيح.
(¬4) ينظر: الوقاية ص91، وكنز الدقائق 1: 12، وغيرها.
لفرج المرأة أو لذكر الرَّجل؛ فعن قيس بن طلق - رضي الله عنه - قال حدثني أبي قال: «كنّا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إنَّ أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك» (¬1).
3. الأكل مما مسّت النار؛ فهو لا ينقض الوضوء؛ فعن جابر - رضي الله عنه -، قال: «آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار» (¬2).
• • •
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 3: 403، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 152، ومصنف عبد الرزاق 1: 118.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 1: 28، وصحيح ابن حبان 3: 417.
المبحث الثاني
الغُسل
أولاً: تعريفه والمسنون والمستحبّ منه:
لغةً: غَسل الشيء: إزالة الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه (¬1).
واصطلاحاً: هو غسل البدن، إلا ما يتعذّر إيصال الماء إليه أو يتعسّر (¬2).
يسن الاغتسال للجمعة، والعيدين، والإحرام بالحج أو العمرة، ولوقوف عرفة؛ لأنَّها أوقات اجتماع وازدحام، فيغتسل كيلا يتأذى بالرائحة (¬3)؛ فعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (¬4)، وعن الفاكه بن سعد - رضي الله عنه -: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المغرب ص 340، والمصباح ص 447.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر 1: 21.
(¬3) ينظر: رد المحتار 1: 114. وينظر: إعلاء السنن 1: 209 - 222.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 580، وصحيح ابن خزيمة 3: 126.
(¬5) في مسند أحمد بن حنبل 4: 78.
• نشاط: ارجع إلى كتاب «إعلاء السنن» للتهانوي، ودوِّن الأحاديث الواردة في غُسل الجمعة والعيدين والميت ومن أسلم.
ويُندب الغُسل لمن أفاق من جنون أو سكر أو إغماء، ولمن غَسَّلَ ميتاً؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من غسل ميتاً فليغتسل» (¬1)، ولدخول مكة أو المدينة؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى ـ أي التنعيم ـ حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه فعله» (¬2)، وللصبي إذا بلغ بالسن لا بالاحتلام، و للكافر إذا أسلم ولم يكن جنباً.
ثانياً: فرائضه:
1.غَسل الفم والأنف؛ لقوله - جل جلاله -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} المائدة: 6: أي فطهروا أبدانكم، فكلُّ ما أمكن تطهيره يجب غسله، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إذا اغتسل الرَّجل من الجنابة ولم يتمضمض ولم يستنشق، فليعد الوضوء، وان ترك ذلك في الوضوء لم يعد» (¬3).
2.غَسل سائر البدن لا دلكه؛ لأنَّ الدلك يكون متمماً، فيكون مستحباً، ويجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية بحيث يصل إلى أصولها، وكذا غسل ما استرسل منها؛ إذ لا حرج فيه، ويجب غسل السرة والشارب والحاجب والفرج
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 1: 470، ومسند أحمد بن حنبل 2: 280، وصحيح ابن حبان 3: 435.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 919، وسنن البيهقي الكبرى 5: 71.
(¬3) في الآثار لمحمد بن الحسن 1: 13، وينظر: إعلاء السنن 1: 183.
الخارج للمرأة؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة» (¬1).
ثالثاً: سننه:
1. التسمية والنية بقلبه، ويقول بلسانه: «نويت الغسل لرفع الحدث»؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬2)، والغُسل يبدء بالوضوء (¬3).
2.غسل اليدين إلى الرسغين في ابتدائه؛ فيسن غسل يديه قبل سائر الأعضاء؛ لكونهما آلة التطهير، وهذا بعد التسمية والنية؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله» (¬4).
3.غسل الفرج؛ لأنَّه مظنّة النجاسة، وهو سنة للرَّجل، أما المرأة فيجب عليها غسل فرجها الخارج؛ فعن ميمونة رضي الله عنها: قالت: «صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه ... » (¬5).
¬
(¬1) في جامع الترمذي 1: 178، وسنن أبي داود 1: 65.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 1: 22.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 99. وينظر: مجمع الأنهر 1: 22.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 102. وينظر: تبيين الحقائق 1: 14، ومجمع الأنهر 1: 22.
4.إفاضة الماء على كل البدن ثلاثاً، بأن يبدأ برأسه، ثم منكبه الأيمن، ثم منكبه الأيسر، ثم باقي سائر جسده؛ لحديث عائشة رضي الله عنها السابق (¬1).
رابعاً: موجباته:
1.إنزال منيٍّ ذي دفق وشهوة عند الانفصال عن موضعه من صلب الرجل وترائب المرأة ـ وهي عظام الصدر ـ ولو في نوم، سواء كان نزول المني عن جماع أو احتلام أو نظر أو استمناء، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة،؛ لأنَّه بخروج المني على هذا الوجه يصير الشخص جنباً؛ لقوله - جل جلاله -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} المائدة: 6، وعن الخدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الماء من الماء» (¬2): أي الغسل من المني.
2.غيبةُ الحَشَفة في قُبُل أو دُبُر على الفاعل والمفعول به، والحَشَفة: ما فوق الختان، وهي رأس الذَكَّر، فيجب الغسل إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، سواء أنزل أم لم ينزل؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» (¬3).
3.الاحتلام بشرط الإنزال للرَّجل والمرأة؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرَّجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، قال: يغتسل، وعن الرَّجل يرى أنَّه قد احتلم ولم يجد بللاً، قال: لا غسل عليه، قالت أم سلمة:
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص93، والتبيين ص14، والمراقي ص141، والتحفة 1: 29، والبحر ص52.
(¬2) في صحيح مسلم 81:1.
(¬3) في سنن الترمذي 1: 182، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان 3: 452.
يا رسول الله، هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم، إنَّ النساء شقائق الرجال» (¬1).
4.رؤية المستيقظ المَنِيّ أو المَذْي وإن لم يذكر احتلاماً، ففي المَنِيِّ ظاهر؛ لأنَّ بخروجه يجب الغُسل، وأمَّا في المَذْي؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيَّاً رَقَّ بحرارةِ البدن.
5.انقطاع الحيض والنفاس؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} البقرة: 222، على قراءة التشديد، فإنَّه - جل جلاله - منع من قربانهن حتى يغتسلن، ولولا وجوبه لما منع، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، فقد أمرها بالاغتسال، والأمر يفيد الوجوب، وعن معاذ - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مضى للنفساء سبع، ثم رأت الطهر، فلتغتسل ولتصل» (¬2).
6.الموت، فيجب الغسل بحق الميت المسلم على الكفاية؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أنَّ رجلاً كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اغسلوه بماء وسدر»» (¬3)، والوقص: كسر العنق، والسدر: شجر النبق (¬4).
• • •
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 190، والسنن الصغرى 1: 112، وسنن أبي داود 1: 78، 6.
(¬2) في المستدرك 1: 284. وينظر: الاختيار 1: 20، وشرح الوقاية ص95.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 425، وصحيح مسلم 2: 864.
(¬4) ينظر: تبيين الحقائق 1: 16.
المبحث الثالث
التيمم
أولاً: تعريفه وشروطه:
لغةً: هو التوخي والتعمّد، ويمّمَه: قصده (¬1).
واصطلاحاً: هو اسم لمسح الوجه واليدين عن الصعيد الطاهر (¬2).
والتيمم لم يكن مشروعاً لغير هذه الأمة، وإنَّما شرع رخصةً لنا.
وشروط صحته:
1.النية؛ وذلك بأن ينوي قربةً مقصودةً لا تصحّ إلا بالطَّهارة: كسجدة الشكر، وسجدة التلاوة، أو ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي الطهارة من الحدث أو الجنابة، أما إن تيمم بنية مس المصحف أو دخول المسجد، فلا يصح له أداء الصلاة بهذا التيمم؛ لأنَّه لم ينو به قربة مقصودة، لكن يحل له مسّ المصحف، ولو
¬
(¬1) ينظر: القاموس 4: 195، وطلبة الطلبة ص 10.
(¬2) ينظر: فتح القدير 1: 121، والبحر الرائق 1: 145، ورد المحتار 1: 230، وحاشية الشلبي 1: 38.
تيمم الجنب ونوى في تيممه عن الوضوء، كفى وجازت صلاته (¬1).
2.عدم القدرة على ماء يكفي لطهارته، حتى إذا كان للجنب ماء يكفي للوضوء ولا يكفي للغُسل جاز له أن يتيمم، ولا يجب عليه الوضوء ابتداءً، أما إن كان مع الجنابة حدث يوجب الوضوء، فيجب عليه الوضوء والتيمّم، ومن حالات عدم القدرة على الماء:
أ. بُعد الماء ميلاً؛ فإذا لم يقدر على الوصول للماء بسبب بعده تيمم، والمسافة المعتبرة لإباحة التيمم هي ميل ـ وهو ما يقراب (2كم) ـ؛ لأنَّ الشرط هو عدم الماء، فأينما تحقق جاز التيمم؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بموضع يقال له «مربد النعم» وهو يرى بيوت المدينة» (¬2).
ب. عدم الآلة التي يستخرج بها الماء؛ بأن يكون الماء في بئر عميق، ولا يجد آله يستخرج بها الماء: كالدلو والحبل ونحوه (¬3).
ج. وجود عدوّ يحول بينه وبين الماء؛ كغريم وأسير وسبع، وحية، ونار، ففي كل هذه الحالات يجوز له التيمم، لكن إذا كان المانع عن الوضوء من جهة العباد، فينبغي عليه أن يعيد الصلاة إذا زال المانع (¬4).
د. المرض؛ وضابط إباحة التيمم بسبب المرض: أن يكون في استعمال الماء
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 1: 165، ورد المحتار 1: 165، والإيضاح ق6/ب.
(¬2) في المستدرك 1: 288، وصححه، ووقفه يحيى بن سعيد على ابن عمر - رضي الله عنهم -.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص106، والهدية العلائية ص34، وفتح باب العناية 1: 111.
(¬4) ينظر: رد المحتار 1: 106، و شرح الوقاية ص113 عن الذخيرة البرهانية ق7/أ.
حصول المرض أو اشتداده أو بطء في الشفاء بإخبار طبيب مسلم عدل.
هـ. البَرْدٌ؛ والتيمم من البرد خاص بالغسل لا بالوضوء، وهذا غالباً ما يكون خارج العمران، إذ أنَّ تسخين الماء في البيت ممكن، وقد يكون في العمران لكن لا يجد ما يسخن به الماء، فله أن يتيمم في هذه الحالة، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة «ذات السلاسل» فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنبَ! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال رجاء أني سمعت أنَّ الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء: 29، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬1).
و. العطش؛ بأن يخاف العطش إن استعمل الماء، كأن يكون في سفر ومعه ماء قليل فخاف على نفسه العطش، فإنَّه يجوز له التيمم؛ فعن علي - رضي الله عنه - قال في الرَّجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش، قال: «يتيمم ولا يغتسل» (¬2).
س. خوف فوت جميع تكبيرات صلاة جنازة أو عيد لغير الإمام، ولو كان جنباً، وجاز في صلاة الجنازة والعيد؛ لفواتهما لغير بدل (¬3)؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال:
¬
(¬1) في المستدرك 1: 285، وسنن الدارقطني 1: 178، وسنن أبي داود 1: 92، ومسند أحمد 4: 203.
(¬2) في سنن الدارقطني 1: 202.
(¬3) ينظر: المحيط ص317، وشرح الوقاية ص106، وعمدة الرعاية 1: 96.
«إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصلّ» (¬1).
3.أن يكون المضروب عليه من جنس الأرض، وهو ما لا ينطبع ولا يلين ولا يحترق فيصير رماداً: كالتُّراب والرمل والحجر والكحل، فهذا النَّوع يجوز التيمم به بلا غبار، وما عداها يصح التيمم عليها إن كان عليها غبارٌ؛ لقوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} النساء: 43، والصعيد: اسم لما ظهر على وجه الأرض من جنسها: كالتراب، والرمل، والحجر، وعن حذيفة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» (¬2).
4.أن يكون المضروب عليه طاهراً، واشترطت طهارته؛ لأنَّه المراد بالطيب في قوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} النساء: 43، فلا يجوز التيمم على مكان كان فيه نجاسة وقد زال أثرها، مع أنَّه يجوز الصلاة فيه.
5.البحث عن الماء إن ظَنّ قربه، فيجب عليه أن يبحث عنه قدر غَلْوة ـ وهي ما يقارب (150م) ـ إن ظنّه قريباً، وإلا فلا يجب (¬3).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 497، وينظر: إعلاء السنن 1: 300، ونصب الراية 1: 157.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 371، وصحيح ابن حبان 4: 595.
(¬3) ينظر: التبيين 1: 39، وتحفة الفقهاء 1: 41، وشرح الوقاية ص107.
ثانياً: ركنه:
للتيمم ركنان، فلا يصح بدونهما، وتفصيلهما كالآتي:
1.ضربتان: ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، فيشترط مسح اليدين إلى المرفقين، فقد جاءت الآية في اليدين مطلقاً بينما جاءت آية الوضوء مقيّدة بالمرفقين، فَحُمل المطلق على المقيد، وقد وردت أحاديث صحيحة تدلّ على أنَّ المسحَ إلى المرفقين، منها: عن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «التيمم ضربتان: حصول للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين» (¬1)، ولا يشترط الترتيب، بل يسن كالوضوء.
2.استيعاب الوجه والكفين بالمسح على المفتى به، حتى لو بقي شيء قليل لم يستوعبه المسح، لا يجزئه، كما لو ترك شعرة أو حرف المنخر، وعلى المرأة نزع الخاتم والسوار أو تحريكه؛ حتى يتحقق الاستيعاب (¬2).
فاقد الطهورين:
وهو من فقد الماء والتراب، بأن حبس في مكان نجس ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجز عن إستعمالهما لمرض، فإنَّه يتشبه بالمصلين وجوباً، فيركع ويسجد إن وجد مكاناً يابساً، وإلا يومئ قائماً ثم يعيد الصلاة؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (¬3).
¬
(¬1) في المستدرك 1: 287، وصححه، وسنن الدارقطني 1: 180، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 146.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص106، والدر المختار 1: 158.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 204، وصحيح البخاري 1: 63.
مقطوع اليدين والرِّجلين:
إذا كان بوجهه جراحة، فهو لا يستطيع الوضوء ولا التيمم في وجهه، فإنَّه يصلي بغير طهارة ولا يتيمم، ولا يعيد (¬1).
ثالثاً: كيفيته:
التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فيضرب بيديه على الصعيد فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يعيد كفيه على الصعيد ثانياً فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بذلك ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين، فيمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهرَ يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمرّ بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك، وهذا الأقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتراز عن استعمال التراب المستعمل بالقدر الممكن (¬2).
رابعاً: نواقضه:
1.ناقض الوضوء، فينقض التيمم؛ لأنَّ ناقض الأصل ناقض لخلفه.
2.زوال العذر المبيح للتيمم، ولو كان في الصلاة، كمن قدر على ماء يكفي للوضوء إن كان محدثاً (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 252 - 253.
(¬2) ينظر: رد المحتار 1: 230، والهدية العلائية ص36.
(¬3) ينظر: رد المحتار 1: 170، وشرح الوقاية ص1: 112، والتعليقات المرضية ص38.
خامساً: من أحكامه:
يُصحُّ بعد دخول وقت الصلاة وقبله؛ لأنَّ التراب خلف مطلق عن الماء؛ فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج ـ سنين ـ، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» (¬1).
ويُصلّي به ما شاء من فرض ونفل؛ لحديث أبي ذر - رضي الله عنه - السابق، وهوصريحٌ في أنَّ التيمم طهور: أي مطهر كالوضوء (¬2).
ويصحُّ بعد طلب الماء ممن منعه، حتى إذا صلى بعد المنع ثم أعطاه الماء من منعه، ينتقض به التيمم الآن فقط، فلا يعيد ما قد صلى.
ويصحُّ إن غلب على ظنّه المنع ممن معه ماء، ولا يصحّ عند غلبة الظَنِّ بعدم المنع إذا طلبه؛ لأنَّه طلب في غير موضع ندرة الماء، فيكون حينئذ مبذول عادة (¬3).
ويندب لراجي الماء ـ الذي غلب على ظنّه إيجاد الماء ـ أن يؤخر صلاته إلى آخر الوقت، لكن لو صلى بالتيمم في أول الوقت، ثم وجد الماء والوقت باقٍ لا يجب عليه إعادة الصلاة، فعن علي - رضي الله عنه -، قال: «إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى» (¬4).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 4: 139، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 144، ومسند أحمد5: 146.
(¬2) ينظر: إعلاء السنن 1: 305، والحجة على أهل المدينة 1: 48 - 49، والوقاية ص110.
(¬3) ينظر: غنية المستملي ص69، ورد المحتار 1: 167.
(¬4) في سنن البيهقي 1: 233.
المبحث الرابع
المسح على الخفين والجبيرة
أولاً: المسح على الخفين:
الخف: مشتق من خفة المشي فيه، وهو ما يستر الكعب، أو يكون الظاهر من القدم أقل من أصغر ثلاث أصابع الرِّجل.
وثبتت مشروعية المسح على الخفين بأحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، فقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعون صحابياً، لذا يخشى على من أنكر مشروعيته الكفر؛ فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه قال: «ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوءُ من الشمس»، وعنه - رضي الله عنه -: «أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين»، فإنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر المعنوي، وإن كانت من الآحاد اللفظي، ولو اعتقد المكلف مشروعية المسح لكن تكلف نزع الخف يثاب على العزيمة، فعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفّيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 52.
وشروط المسح:
1.أن يكونا ساترين للكعبين، ولا يضر رؤية رجله من أعلاه.
2.إمكان متابعة المشي المعتاد فيهما فرسخاً فأكثر ـ وهو ما يقارب (5كم) ـ، من غير مشقة، ومن غير لبس شيء فوقه؛ لأنَّ المراد من صلوحه لقطع المسافة.
3.استمساكهما على الرِّجلين؛ بأن يكونا مُفصلين عل هيئة الرِّجل؛ لثخانتهما.
4.منعهما وصول الماء إلى الجسد إذا مسح عليهما؛ لثخانتهما.
5.خلو كل منهما عن خَرْق يظهر منه مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل لا ما دونها.
6.أن يلبسهما على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللبس؛ فلا يشترط أن يلبسهما بعد كمال الوضوء، فلو غسل رجليه أولاً ولبس خفّيه ثمّ أكمل الوضوء قبل أن يحدث ثم أحدث بعدها، جاز له أن يمسح على الخفّين.
7.كون الحدث خفيفاً؛ فإن كان الحدث غليظاً - وهو الجنابة - فلا يجوز فيه المسح؛ لأنَّ جواز المسح في الحدث الخفيف لدفع الحرج؛ لأنَّه يتكرر (¬1)، فعن صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: «كان - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 174، والمراقي ص130، والدر المختار 1: 176، ونهاية المراد ص378 - 379.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة1: 13، وسنن الترمذي1: 159، وسنن النسائي الكبرى1: 92.
وفرض المسح:
المقدار المفروض مسحه من الخفين هو قَدْرُ طول وعرض ثلاثِ أصابعِ اليد، ويشترط أن يكون على ظاهر مقدَّم كل رجل؛ فعن المغيرة - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالَ، ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خُفِّه الأيمن ويده اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة، حتى كأني أنظر إلى أصابعه - صلى الله عليه وسلم - على الخُفَّين» (¬1)، فلو مسحَ بأُصْبَعٍ واحدة، ثمَّ بلَّهَا ومسحَ ثانياً، ثمَّ هكذا، جازَ إن مسحَ كلَّ مرَّةٍ غيرَ ما مسحَ قبل ذلك.
ويشترط أن يكون المسح على ظاهر مقدَّم كل رجل، فلا يجوز مسح باطن الخف ولا ساقه.
والكيفية المسنونة: يكون المسح خطوطاً بأصابعَ مفرَّجة، يبدأُ من رؤوس أصابعِ الرِّجلِ إلى السَّاق على ظاهرِ خفَّيه، فهذه صفة المسحِ على الوجهِ المسنون، فلو مسحَ على الخف بظهرِ الكفِّ جاز، لكنَّه خالف السنة؛ لأنَّ السنة بباطنها.
ومدة المسح: هي يوم وليلةٌ للمقيم، وثلاثةُ أيام ولياليها للمسافر، تبدأ من وقت الحدث؛ فعن عليّ - رضي الله عنه -: «جعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم» (¬2)، فيبتدء حساب مدة المسح من وقت الحدث؛ لأنَّه قبل الحَدَث لا احتياجَ إلى المسح، ولأنَّه وقت منع الخف سراية الحدث إلى القدم (¬3).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 170، وسنن البيهقي الكبير 1: 292.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 232، وصحيح ابن خزيمة 1: 97، والمجتبى 1: 84.
(¬3) ينظر: عمدة الرعاية 1: 114، وشرح الوقاية ص116، والمراقي ص131.
ونواقض المسح:
1.نواقض الوضوء؛ فإنَّ كل ناقض للوضوء يعتبر ناقضاً للمسح (¬1).
2.نزعُ أو انتزاع الخفين أو أحدهما؛ لأنَّ النزع يسبب سراية الحدث إلى القدم، والخف هو الذي كان مانعاً من سريانه، فإذا نزعه انتقض. والقدر المعتبر لخروج القدم من الخف: هو خروجُ أكثرِ القدم إلى ساق الخف، وللأكثر حكم الكل، فيعد نزعاً (¬2).
3.إصابة الماء أكثر إحدى القدمين أو كليهما؛ لأنَّه لا يجوز الجمع بين الغَسل والمسح، وللأكثر حكم الكل (¬3).
4.انتهاء مدّة المسح للمقيم أو المسافر؛ لأنَّ الحكم المؤقت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية، فإذا انقضت المدة يتوضأ ويصلي إن كان محدثاً، وإن لم يكن محدثاً، يغسل قدميه لا غير ويُصلي.
ثانياً: المسح على الجوربين:
الجورب: هو ما لبس كما يلبس الخفّ من كتان أو قطن أو صوف أو شعر.
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح ص132، والوقاية ص116.
(¬2) ينظر: مراقي الفلاح ص133.
(¬3) ومشى عليه في نور الإيضاح ص133، والهدية العلائية ص41، وابن عابدين 1: 184 - 185.
وشروط المسح:
1.شروط المسح على الخفين.
2.أن يكونا منعلين أو مجلدين، أو ثخينين إن لم يكونا منعلين أو مجلدين، والمنعل: هو الذي وضع الجلد على أسفله، والمجلد: هو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله، والثخانة: أن لا يكونا رقيقين شفافين بحيث يرى ما تحتهما منهما للناظر ولا يحجبان ما وراءهما، وأن لا ينفد الماء منهما، وأن يستمسكا على الساق من غير ربط (¬1).
ويستدل لجواز المسح على الجوربين بالشروط السابقة بأحاديث جواز المسح على الخفين مع حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 179، ونهاية المراد ص389، والهدية العلائية ص39، وبدائع الصنائع 1: 10.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 1: 99، وصحيح ابن حبان 4: 167، وجامع الترمذي1: 167، وصححه، وسنن أبي داود 1: 41، وسنن النسائي الكبرى 1: 92، وسنن ابن ماجه 1: 185، وغيرها. ولا يعمل بمطلق المسح على الجوربين استناداً إلى هذا الحديث لما يلي:
أولاً: إنَّ هذا الحديث رده كبار الحفاظ. قال أبو داود في سننه 1: 41: «كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين». وقال البيهقي: «إنه حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي ابن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه». وقال النووي: «كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أن الجرح مقدم على التعديل»، وقال: «واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: «إنه حسن صحيح»». وتمامه في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، وتحفة الأحوذي 1: 278، وغيرها.
ثانياً: إنَّه مخالف لظاهر القرآن من وجوب غسل الرجلين، فإن الإمام مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: «أبو قيس الاودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل» بخلاف المسح على الخفين فإن الأمة تلقته بالقبول لتواتر الرواية به، كما في نصب الراية1: 184، ومعارف السنن1: 349 - 350.
ثالثاً: المسح على الجرموقين:
الجرموق: هو خُفٌّ صغير يلبس فوق الخف؛ ليقيه من الوحل والنجاسة، وساقه أقصر من الخف (¬1)، ويدخل فيه الحذاء الشتوي الذي يستر الكعبين.
ويجوز المسح على الجرموقين؛ للأحاديث المسح على الخفين، مع حديث بلال - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الموقين والخمار» (¬2)، والموق: هو الجرموق (¬3).
¬
(¬1) ينظر: العناية 1: 155، وشرح الوقاية ص114، ونهاية المراد ص386.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 1: 95، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 162، ومسند الشاشي 2: 360، وغيرها.
(¬3) ينظر: التبيين 1: 52.
وشروط المسح:
1.شروط المسح على الخفين.
2.أن يلبسه على غسل للرجلين، فلا يُحدث قبل وبعد لبس الخفّ قبل لبس الجرموقين، فإن لبس الخفّ على طهارة، ثمّ أحدث قبل لبس الجرموقين، ثم لبسه لا يجوز له أن يمسح عليه؛ لأنَّ حكم الحدث استقر عليه (¬1).
ويجوز المسح على الجرموقين إن لبسهما فوق جورب رقيق؛ لأنَّ اتصال الملبوس من الخف وغيره بالرِّجل ليس بشرط؛ إذ لو كان شرطاً لما جاز المسح على الجرموق (¬2).
رابعاً: المسح على الجبيرة:
الجَبِيرة: جمعها جبائر: وهي العيدان التي تشد على العظم؛ لتجبيره على استواء (¬3).
ويمسح الجبيرة بدلاً عن غسل العضو المريض؛ فعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين ـ الخفاف ـ» (¬4)، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 52، ونهاية المراد ص187، وشرح الوقاية ص114.
(¬2) ينظر: نهاية المراد ص387 - 388.
(¬3) ينظر: طلبة الطلبة ص9، واللسان 1: 536.
(¬4) في سنن أبي داود 1: 84، ومسند أحمد بن حنبل 4: 252، وسنن البيهقي الكبرى 1: 62.
قال: «انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرني أن أمسح على الجبائر» (¬1)، ولأنَّ الحرج في الجبيرة فوق الحرج في نزع الخف، فكانت أولى بشرع المسح (¬2).
ويدخل في حكم المسح على الجبيرة المسح على العضو المنكسر أو المجروح، أو العصابة، أو اللّصوق، أو ما يوضع في الجروح من دواء يمنع وصول الماء: كدهن.
ويشترط لجواز المسح على الجبيرة أن يكون غسل العضو المنكسر أو المجروح ممّا يضرّ به.
والمسح على الجبيرة ونحوها كالغسل لما تحتها، فهو ليس ببدل؛ لأنَّه مشروط بالعجز عن مسح الموضع ذاته أو غسله.
وينتقض المسح على الجبيرة إذا سقطت الجبيرة عن برء، فيغسل موضع الجبيرة؛ لأنَّه قدر على الأصل فبطل حكم البدل فيه، فوجب غسله لا غير (¬3).
• • •
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 1: 215، ومسند الربيع 1: 62، وسنن البيهقي الكبير 1: 229.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص119، ونهاية المراد ص401.
(¬3) ينظر: الفتاوى الخانية 1: 50، وحاشية الطحطاوي على المراقي ص135، والمراقي ص135.
المبحث الخامس
الحيض والنِّفاس
والاستحاضة والعذر
أولاً: تعريف الحيض والنِّفاس والاستحاضة:
الدِّماء المختصة بالنِّساء ثلاثة: حيض، واستحاضة، ونفاس، وأما دم الرعاف والفصد ونحو ذلك فهي تعم الرَّجل والمرأة.
الحيض: هو دمٌ ولو حكماً، صادر من رحم امرأةٍ بالغة، لا داء بها ولا حبل ولم تبلغ سن الإياس (¬1).
والنِّفاس: دمٌ ولو حكماً، خارج من الرحم من القُبل عقِب خروج ولد أو أكثره (¬2).
فإن أخرج الولد بشق البطن، فلا تكون المرأة نفساء، إلا إذا سال الدم من الرحم من القبل فإنَّها تكون نفساء، وإلا فذات جرح.
¬
(¬1) ينظر: الكليات ص 399، والوقاية ص 120، وذخر المتأهلين ص 32.
(¬2) ينظر: القاموس 2: 265، والبحر الرائق 1: 229.
وإن خرج سقط لم يستبن بعض خَلقه: كالشعر والظفر، فلا تكون المرأة نفساء، ويكون ما رأته من الدم حيضاً، إن بلغ نصاباً وتقدمه طهر تام، وإلا فاستحاضة، ويرجح هذا ما قاله الأطباء من أن الاجهاض قبل الشهر الرابع لا يشبه الولادة؛ إذ يقذف الرحم في هذه الحالة محتوياته الجنين وأغشيته، ويكون السقط في هذه الحالة محاطاً بالدم غالباً، أما الاجهاض بعد الشهر الرابع فإنه يشبه الولادة، إذ تنفجر الأغشية أولاً وينزل منها الحمل، ثم تتبعه المشيمة (¬1).
والاستحاضة: هي دم خارجٌ من فرج داخل لا عن رحم، سواء نقص عن ثلاثة أيام، أو زاد على عشرة في الحيض وعلى أربعين في النفاس، أو زاد على عادة المرأة في الحيض، ويسمى بـ (الدم الفاسد) (¬2)
فالدم الذي تراه الصغيرة هو دم استحاضة، والصغيرة: هي من لم يتم لها تسع سنين.
والدم الذي تراه الآيسة غير الأسود والأحمر هو دم استحاضة.
والدم الذي تراه الحامل أثناء فترة الحمل هو دم استحاضة، وهذا ما أكدته الدراسات الطبية.
وما جاوز أكثر الحيض والنفاس إلى الحيض الثاني هو دم استحاضة.
¬
(¬1) ينظر: الحيض والنفاس ص148 - 149، وذخر المتأهلين ص57، والبحر الرائق 1: 229.
(¬2) ينظر: لسان العرب 2: 1071، والمراقي ص177.
وما نقص من الثلاثة في مدة الحيض، هو دم استحاضة (¬1).
ثانياً: ضوابط الحيض والنِّفاس:
1.أقلّ الحيض ثلاثةُ أيام ولياليها، وأكثرُه عشرة أيام ولياليها: أي أنَّ أقل الحيض (72) ساعة، وأكثره (240) ساعة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَقلُّ الحيضِ ثلاث وأكثره عشرة» (¬2).
2.أقلّ النفاس لا حدَّ له، وأكثره أربعون يوماً: حتى لو ولدت فانقطع الدم، تغتسل وتصلي؛ لعدم الحاجة إلى أمارة زائدة على الولادة؛ فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «وقت النفاس أربعون يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» (¬3).
3.أقلُّ الطهر خمسةَ عشرة يوماً ولا حدَّ لأكثره.
4.الطاهرةُ إذا وضعَت الكُرسف أوَّل اللَّيل، فحين أصبحَتْ رأت عليه أثرَ الدَّم، فيثبتُ حكمُ الحيض عند رؤيتها، والحائضُ إذا وَضَعَتْ أول الليل ورأت عليه البياضَ حين أصبحت حكم بطهارتِها من حين وضعت.
5. الدَّمان الصحيحان لا يتواليان، بل لا بُدّ من طهر تام يفصل بينهما كالحيضان والنِّفاسان والحيض والنفاس.
¬
(¬1) ينظر: ذخر المتأهلين ص102 - 104، وغيرها.
(¬2) في المعجم الكبير 8: 126، والمعجم الأوسط 1: 190، وسنن الدارقطني 1: 218، والعلل المتناهية 1: 383، والكامل2: 373، والتحقيق 1: 260.
(¬3) في سنن الدارقطني 1: 220، وغيره. وينظر: إعلاء السنن 1: 329.
6.الطهر الناقص عن أقلّ الطهر التام كالدم المتوالي؛ لأنَّه طهر فاسد، فلا يفصل بين الدمين، بل يجعل الكل حيضاً إن لم يزد على العشرة، وإلا فالزائد عليها أول العادة استحاضة.
7.الطهرُ المتخلل بين الدمين في النفاس والحيض لا يفصل بينهما، ويجعل كالدم المتوالي، حتى لو ولدت فانقطع دمها، ثم رأت آخر الأربعين دماً فكله نفاس (¬1).
7.كل ما تراه في مدة الحيض المعتاد من لون حيض سوى البياض الخالص: كالحمرة والسواد والصفرة المشبعة، والخضرة والصفرة الضعيفة، والكدرة والتُّرْبيَّة.
8.العادة تثبت بمرّة واحدة في الحيض والنفاس دماً أو طهراً إن كانا صحيحين.
9.تنتقل عادتها بمرّة واحدة في الحيض والنفاس دماً أو طهراً (¬2).
ثالثاً: أحكام الحيض والنِّفاس والاستحاضة:
1.يمنعُ الصَّلاة والسَّجدة مطلقاً: كسجدة التلاوة وسجدة الشكر، فلا تجب عليها الصلاة لا أداءً ولا قضاءً، فعن عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك
¬
(¬1) ينظر: منهل الواردين وذخر المتأهلين ص45 - 46، وشرح الوقاية ص122، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص122، وذخر المتأهلين ص63، وفتح باب العناية 1: 141، والمراقي ص140.
فنؤمر بقضاءِ الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (¬1).
2.يمنع الصَّوم، لكنَّها تقضي الصَّوم؛ لأنه لا يمنعُ وجوب الصَّوم، فنفس وجوبه ثابت، بل يمنعُ صحة أدائه، فيجب القضاء إذا طهرت.
والصَّائمةُ إذا حاضَتْ في النَّهار، فإن كان في آخرِه بطلَ صومُها، فيجبُ قضاؤُه إن كان صوماً واجباً أو نفلاً (¬2).
3.يمنع دخولُ المسجد، ولو بالعبور بلا مكث إلا في الضرورة: كالخوف من السبع واللص والبرد والعطش، والأولى أن تتيمم ثم تدخل (¬3)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (¬4).
4.يمنع الطَّواف؛ لكونه يفعلُ في المسجد، فإن طافت أثمت، وصحّ، وتحللت، بأن خرجت من إحرامها بطواف الزيارة؛ لكن يجب عليها ذبح بدنة كفارة له (¬5).
5.يمنع الجماع والاستمتاعُ ما تحت الإزار: أي ما بين السرة والركبة: كالمباشرة، والتَّفخيذ، وتحلُّ القبلة، وملامسةُ ما فوقَ الإزار، فقد سئل - صلى الله عليه وسلم - ما يحل
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 265، وجامع الترمذي 1: 270، ومسند أبي عوانة 1: 383.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص125، ورد المحتار 1: 197، وغيرها.
(¬3) ينظر: ذخر المتأهلين ص145، والوقاية ص125،وغيرها.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة 2: 284، وسنن أبي داود 1: 60، ومسند إسحاق بن راهويه 3: 1032.
(¬5) ينظر: عمدة الرعاية 1: 130، وشرح الوقاية ص125، ومنهل الواردين ص146.
لي من امرأتي وهي حائض، قال: «لك ما فوق الإزار» (¬1).
وإن جامعها طائعين أثما وعليهما الاستغفار، ولو أحدهما طائعاً والآخر مكرهاً أثم الطائع، ويستحب أن يتصدق بدينار ذهباً إن كان في أول الحيض، وبنصفه إن كان في آخره، ويكفر مستحله (¬2)، فعن ابن عباس - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فليتصدق بدينار، وإذا وطئها وقد رأت الطهر ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار» (¬3).
7. يمنع قراءة القرآن كما في الجنابة، سواءٌ كان آيةً، أو ما دونَها عند الكَرْخِيّ، وهو المُخْتَار، وعند الطَّحَاوِيّ: يحل ما دون الآية، هذا إذا قصدت القراءة، فإن لم تقصدْها نحو أن تقول شكراً للنَّعمة: الحمدُ لله ربِّ العالمين، فلا بأس به، ويجوزُ لها التَّهجِّي بالقرآن، والتَّعليم، والمعلمةُ إذا حاضتْ فعند الكَرْخِيِّ تعلِّمُ كلمةً كلمة، وتقطعُ بين الكلمتين، وعند الطَّحَاوِيّ: نصف آيةٍ وتقطع، ثم تُعَلِّمُ النِّصفَ الآخر (¬4).
فعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» (¬5)،
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 55، والسنن الصغرى 1: 123، وسنن الدارمي 1: 259.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص125، و فتح باب العناية 1: 213، وذخر المتأهلين ص146 - 147.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 1: 316، وسنن النسائي 5: 349، وسنن الدارمي 1: 269.
(¬4) الدر المختار 1: 116، والملتقى ص4، والمراقي ص178، والاختيار 1: 21، والكنْز ص7 وغيرها.
(¬5) في سنن الترمذي 1: 236، وسنن البيهقي الكبير 1: 309.
وعن علي - رضي الله عنه -، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه عن قراءة القرآن ما خلا الجنابة» (¬1)، وما ينطبق على الجنب ينطبق على الحائض والنفساء، بل حدثها هي أشد منه، فالجنابة من احتلام لا تفسد الصوم بخلاف الحيض.
8.يمنع من مسّ المصحف كما في الجنابة والحدث الأصغر، فلا يمسُّ الحائض، والجُنُب والنُّفساء والمحدث مصحفاً إلا بغلاف متجاف ـ أي منفصلٍ عنه ـ؛ لقوله - جل جلاله -: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين} الواقعة: 79 - 80، وهو قول علي وسعد ابن أبي وقاص وابن عمر - رضي الله عنه - ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، والإجماع كما نص عليه النووي وابن قدامة وغيرهما، وروي هذا عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم ابن محمد، وهو قول مالك والشافعي والحنفية, ولا نعلم مخالفاً لهم إلا داود فإنَّه أباح مسه، فإن لم يكن لهم مخالف يكون إجماعاً، وهو حجة بلا شك، ولا يعتد بمخالفة داود، وعن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (¬2)، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» (¬3)، ولأنَّ تعظيم القرآن واجب, وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلها حدث.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 510، وسنن الترمذي 1: 273، وقال: حسن صحيح.
(¬2) في سنن البيقهي الكبير 1: 88، وسنن الدارقطني 1: 121.
(¬3) في المستدرك 3: 552، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والمعجم الأوسط 3: 327.
ويكره تحريماً لمس المصحف بالكُمّ؛ لأنَّه تابع للماس، فاللمس به لمس بيده (¬1).
وحكم الاستحاضة: أنَّها لا تمنعُ صلاةً، وصوماً، وجماعاً، وقراءة ومساً للمصحف، ودخولاً للمسجد وطوافاً (¬2)؛ فعن عائشة - رضي الله عنه -: «أنَّه أتت فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني استحضت، فقال: دعي الصلاة أيام حيضك، ثم اغتسلي وتوضَّئي عند كل صلاة وإن قطر على الحصير» (¬3).
رابعاً: أحكام صاحب العذر:
وهو من به سلس بول لا يمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح أو رعاف دائم، أو جرح لا يرقا، أو غيرها، فلا يتمكن مَن أداء الصلاة في الوقت بلا خروج العذر، ويبقى صاحب عذر في كل وقت يليه إن خرج منه العذر ولو مرّة واحدة في الوقت، ويخرج من كونه صاحب عذر إن مرّ عليه وقتُ صلاة كاملاً بلا خروج العذر (¬4).
وحكمه: أنَّه يتوضأ لوقت كل فرض (¬5)، ويُصلّي بالوضوء في وقت الفرض
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع1: 33، و الموسوعة الكويتية16: 241، وفتح القدير 1: 149، والوقاية ص126.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية 129، والهدية العلائية ص45، وغيرها.
(¬3) في مسند أحمد 6: 42، وسنن ابن ماجه 1: 204، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 118.
(¬4) ينظر: شرح الوقاية ص129، والمراقي ص149، والهدية العلائية ص46، وغيرها.
(¬5) وعند الشافعي يتوضأ لكل فرض، ويصلي النوافل بتبعية الفرض. ينظر: المنهاج 1: 112، وغيره.
ما شاء من فرض ونفل (¬1).
وينتقض وضوؤه بخروج الوقت لا بدخول الوقت؛ وإسناد النقض إلى الخروج والدخول مجاز، فإن الناقض هو الحدث السابق، وإنَّما أثره في هذا الوقت (¬2).
فلو توضأ قبل الزوال يُمكنه أن يُصلّي بالوضوء إلى آخر وقت الظهر، ولو توضأ قبل طلوع الشمس فلا يمكنه أن يصلي بعد طلوع الشمس، لكنه إن توضأ بعد طلوع الفجر يصلي قبل طلوع الشمس (¬3).
• • •
¬
(¬1) ينظر: الوقاية ص129، وغيره.
(¬2) ينظر: عمدة الرعاية 1: 135، وفتح القدير1: 161، وغيرهما.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص129، وغيرها.
المبحث السادس
المياه والآسار
أولاً: أقسام المياه:
1.ماء طاهر مطهر للحدث «الماء المطلق»: وهو الذي بقي على أوصافه التي خلقه الله - عز وجل - عليها من غير أن يتغير طعمه ولونه وريحه، أو هو كل ماء لو نظر إليه الناظر سمّاه ماءً على الإطلاق، كماء السماء، وماء البحار، والغُدْران، والْحِيَاض، والأودية، والعيون، والآبار، وماء الخلجان، والجداول، والأنهار؛ لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} الأنفال: 11، ويزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن، ويزيل النجاسة الحكمية ـ وهي الحدث والجنابة ـ، فيجوز الوضوء والاغتسال به.
2.ماء طاهر غير مطهر للحدث (الماء المقيد)، ويشمل ما يلي:
أ. الماء المقيد في نفسه: فهو ما لا تتسارع إليه الأفهام عند إطلاق اسم الماء، فإنَّ الناظر إليه لا يقدر على أن يسميه ماءً إلا بقيد، مثل أن يقول: ماء البطيخ وماء الورد.
ب. الماء المستعمل: وهو الذي أزيل به حدث أصغر أو أكبر أو استعمل في
قربة كالوضوء على الوضوء أو غسل اليدين قبل الطعام وبعده.
ج. ما زال عنه طبع الماء: فلم يعد ماءً مطلقاً، بل صار مقيداً، فيكون طاهراً غير مطهر للحدث، أي يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به عن الثوب والبدن، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به، ويكون زوال طبع الماء بثلاثة أمور:
1) تغير الاسم: بحيث لم يعد اسمه ماء كما لو خلط مع حليب أو عصير أو شاي، فإنه يسمى حليباً أو عصيراً أو شاياً.
2) كمال الامتزاج: فيحصل بالطبخ الماء بالحمص أو عدس مثلاً.
3) غلبة الامتزاج: فتحصل إن غلب غير الماء أجزاء الماء على النحو التالي:
إن خالط الماء جامدٌ طاهرٌ وأخرجه عن الرقية والسيلان أصبح طاهر فقط، عن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح بأعلى مكة، فأتيته فجاء أبو ذر بقصعة فيها ماء قلت: إني لأرى فيها أثر العجين، قالت: فستره أبو ذر - رضي الله عنه - فاغتسل، ثم ستر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر - رضي الله عنه - فاغتسل» (¬1).
وزوال رقته: بأنَّ لا ينعصر عن الثوب.
وزوال سيلانه: بأن لا يسيل على الأعضاء سيلان الماء.
وإن خالط مائع طاهر، فله أربعة حالات:
أ. إن كان المائعُ لا وصف له يخالف الماء بلون أو طعم أو ريح: كالماء المستعمل: فإنَّ العبرة لغلبة الوزن، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 1: 119، وصحيح ابن حبان 3: 462. وينظر: عمدة الرعاية 1: 85.
الماء المطلق لم يجز الوضوء ولا الاغتسال به، وإن استويا في الوزن، أخذ حكم المغلوب؛ احتياطاً، فلا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
ب. إن كان للمائع وصفٌ واحد: كماء القرع وماء البطيخ، فإنَّ ماءها لا يخالف الماء المطلق إلا في الطعم، فإن ظهر هذا الوصف منه، فإنَّه يصير طاهراً غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
ج. إن كان للمائع وصفان: كاللبن فيه وصفان: اللون والطعم، ولا رائحة له، فإن ظهر منه وصف واحد، فإنَّه يصير طاهراً غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
د. إن كان للمائع ثلاثة أوصاف: كالخلّ له لون وطعم وريح، فإن ظهر منه وصف واحد فلا يضر، أما إن ظهر منه وصفين، فإنَّه يصير طاهراً غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به.
والماء المقيد طاهر غير مطهر للحدث، فيجوز إزالة النجاسة الحقيقية به عن الثوب والبدن، لكن لا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به، فإنَّه لا يزيل النجاسة الحكمية (¬1).
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح ص26، وبدائع الصنائع 1: 15، وحلبي صغير ص37، والهدية العلائية ص39.
3.ماء متنجس: وهو ماء أقلُّ من عشرةِ أذرع في عشرة أذرع وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، أو غيرت صفته إن كان الماء أكثر منها أو جارياً.
فالماء الجاري: وهو ما يذهب بتبنة أو ورقة، ولا ينجس بوقوع النجاسة فيه قليلاً كان أو كثيراً ما دام جارياً، إلا إذا رأى أثر النجاسة فيه من تغيير طعمه أو لونه أو ريحه؛ لأنَّ النجاسة لا تستقر فيه مع جريان الماء، فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (¬1)، وهو محمول على الماء الجاري.
والماء الراكد: وهو إما أن يكون قليلاً أو كثيراً:
فالقليل: وهو ما كانت مساحته أقل من عشرة أذرع في عشرة أذرع: أي ما يساوي: (25) متر مربع مساحة سطح الماء، وعمق ما لا تبدو الأرض بالاغتراف منه.
وينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» (¬2).
والكثير: ما كان عشرة في عشرة فأكثر، وحكمه حكم الماء الجاري، لا ينجس إلا إذا رأى أثر النجاسة فيه من تغيير طعمه، أو لونه، أو ريحه، حتى في
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 1: 174، واللفظ له، وسنن الدارقطني 1: 30، ومصنف عبد الرزاق 1: 80.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 57، وصحيح مسلم 1: 235.
موضع الوقوع، ولو كان للنجاسة جرم بأن كانت مرئية وظاهرة فلا يتوضأ من مكان وقوعها (¬1).
ثانياً: مياه الآبار:
ويقصد بها ما كانت مساحتها أقل من عشرة في عشرة.
فإن وقعت في البئر نجاسة وعلم وقت وقوعها: فإنَّ البئر يتنجس من وقت وقوع النجاسة فيه.
وإن لم يكن يعلم وقت وقوعها، فإن انتفخ الواقع فيه يحكم بتنجس البئر منذ ثلاثة أيام ولياليها؛ لأنَّ الانتفاخ دليل تقادم العهد، فيلزمه إعادة صلوات تلك المدة إذا توضأ منه، أو اغتسل من جنابة، أو غسل به ثيابه من نجاسة، أما إن غسل به الثياب من نجاسة ولم يتوضأ منه، فلا يلزمه إلا غسل الثياب؛ لأنَّه من قبيل وجود النجاسة في الثَّوب، ولم يدر وقت إصابتها، فلا يعيد صلاته.
وإن لم ينتفخ الواقع فيه يحكم بتنجس البئر منذ يوم وليلة؛ احتياطاً (¬2).
وكيفية تطهيرها:
تطهر الآبار إذا مات فيها آدمي أو ما يقاربه في الجثة: كالشاة، والكلب، ونحوهما بنزح الكل وإن لم ينتفخ، وفي ما عداها إنَّما يجب نَزح الكل إذا انتفخ،
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص96.
(¬2) ينظر: رد المحتار 1: 147، والوقاية ص102، ومراقي الفلاح ص42.
وإلا فله حدٌّ معين (¬1) فعن عطاء - رضي الله عنه -: «إنَّ حبشياً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير - رضي الله عنه - أن ينزف ماء زمزم، فجعل الماء لا ينقطع، فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير - رضي الله عنه -: حسبكم» (¬2).
وإن مات في البئر دجاجة أو هرة أو نحوهما، فإنَّه ينزح من البئر (40) دلواً وجوباً إلى (60) استحباباً، وذلك بعد إخراج الواقع فيها؛ فعن علي - رضي الله عنه - قال: «إذا سقطت الفأرة أو الدابة في البئر، فانزحها حتى يغلبك الماء» (¬3).
وإن مات في البئر فأرة، أو عصفور، أو نحوهما، فإنَّه ينزح من البئر (20) دلواً وجوباً إلى (30) استحباباً، وذلك بعد إخراج الواقع فيها.
والمعتبر في الدلو: هو الدلو الوسط، وما جاوزه احتُسبَ به، فلو نزح الواجب بدلو كبير، كفى ذلك؛ لحصول المقصود (¬4).
ثالثاً: في الآسار:
السؤر لغةً: هو بقية الشيء، وجمعه آسار (¬5).
واصطلاحاً: هو اسم للبقية بعد الشراب التي أبقاها الشارب.
¬
(¬1) ينظر: السعاية ص431.
(¬2) في شرح معاني الآثار 1: 17، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
(¬3) تنظر هذه الآثار في شرح معاني الآثار 1: 17.
(¬4) ينظر: المراقي 37 - 38، والبحر 1: 124، والبدائع 1: 86.
(¬5) ينظر: لسان العرب 3: 92.
ولا يُسمى سؤراً إلا إذا كان قليلاً، فلا يقال لنحو النهر المشروب منه سؤراً (¬1).
وأقسام السؤر:
1.سؤر طاهر مطهر للحدث: وحكمه حكم الماء المطلق، فإنَّه يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن، ويزيل النجاسة الحكمية، وهو سؤر الفرس وسؤر حيوان يؤكل لحمه: كالإبل، والبقر، والغنم، وسؤر الآدمي، إن لم يكن في فمه نجاسة، أما لو تنجس فمه فشرب الماء من فوره، كان سؤره نجساً، وإن كان بعدما تردد البزاق في فمه مرات وألقاه أو ابتعله قبل الشرب، فلا يكون سؤره نجساً.
ولا فرق في حكم سؤر الآدمي بين الكبير والصغير، والمسلم والكافر، والحائض والجنب؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع في فيشرب» (¬2).
2.سؤر مكروه استعماله في الطهارة تنزيهاً مع وجود غيره مما لا كراهة فيه، فلا يكره استعماله عند عدم الماء المطلق؛ لأنَّه طاهر لا يجوز المصير إلى التيمم مع وجوده، وهو سؤر الهرة الأهلية سؤر سواكن البيوت: كالفأرة والحية والوزعة، وسؤر الدجاجة المخلاة: وهي التي تجول في القاذورات، وسؤر سباع الطير: كالصقر، والشاهين، والحِدأة؛ لأنَّها تخالط الميتات والنجاسات فأشبهت الدجاجة
¬
(¬1) ينظر: حاشية الطحطاوي ص28 - 29.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 245، وصحيح ابن خزيمة 1: 58، وصحيح ابن حبان 4: 108.
المخلاة، حتى لو تيقن أنَّه لا نجاسة على منقارها، فلا يكره سؤرها، ولم نقل بنجاسة سؤر سباع الطير لحرمة لحمها قياساً على سباع البهائم؛ لأنَّ طهارته ثبتت استحساناً؛ فهي تشرب بمنقارها، وهو عظم طاهر، وسباع البهائم تشرب بلسانها، وهو مبتل بلعابها، واللعاب متولد من اللحم وهو نجس (¬1)، فعن أبي قتادة - رضي الله عنه -: «أنَّه دخل على كبشة بنت كعب، قالت: فسكبت له وضوءاً، قالت: فجاءت هرة تشرب فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم، قال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات» (¬2).
3.ماء مشكوك في تطهيره لا في طهارته:
وهو سؤر الحيوان المختلف في جواز أكل لحمه: كالحمار الأهلي والبغل الذي أمّه أتان ـ أنثى الحمار ـ، أما سؤر البغل الذي أمه فرس فهو طاهر ولا شكّ في سؤره ولا كراهة؛ لأنَّ الأصل في الحيوان الإلحاق بالأم، وسؤر الفرس طاهر.
ولا يحكم بطهارته ولا بنجاسته في حق الحدث، فهو مشكوك في تطهيره للحدث، فإن لم يجد ماءً سواه يتوضّأ به ويتيمم، وأياً قَدَّمَ جاز، لكن يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به عن الثوب والبدن؛ لأنَّه طاهر والشك إنَّما كان في تطهيره للحدث فقط.
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح ص32، والسعاية 1: 465، ورد المحتار 1: 149.
(¬2) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22.
وسبب الشَّكِّ في تطهيره للحدث: هو تعارض الأدلة فيه، ومنها: عن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر منادياً فنادى: إنَّ الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنَّها رجس، فأكفئت القدور، وإنَّها لتفور باللحم» (¬1)، وهذا يدل على حرمة لحم الحمر الأهلية، فيتنجس السؤر أيضاً؛ لأنَّ نجاسته وطهارته معتبرة بطهارة اللعاب ونجاسته، ونجاسته وطهارته معتبر باللحم، وعن غالب بن الأَبْجَرِ - رضي الله عنه - قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنَّه لم يبق من مالي إلا الأحمرة، فقال: أطعم أهلك من سمين مالك، إنَّما كرهت لكم جوالة القرية» (¬2)، وهذا يدل على إباحة لحمه المستلزمة لطهارة لعابه، المستلزمة لطهارة سؤره. وأيضاً تعارض القياس فلو قسنا على لبن الأتان فهو نجس، ولو قسنا على عرقه فهو طاهر (¬3).
4.سؤر نجس نجاسة غليظة: فلا يجوز التطهير به بحال، ولا يشربه إلا مضطر، ويشمل ما يلي: سؤر الخنزير؛ لنجاسة عينه؛ لقوله - عز وجل -: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} الأنعام: 145، وسؤر الكلب؛ سواء كان كلب صيد أو كلب ماشية؛ لأنَّ لعاب الكلب نجس؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وَلَغَ ـ أي شرب ـ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه ثم ليغسله سبع مرار» (¬4)، وسؤر سباع البهائم: كالفهد،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1539، وصحيح ابن حبان 12: 79، وشرح معاني الآثار 1: 205.
(¬2) في المعجم الكبير 18: 266، وسنن أبي داود 3: 256، وسنن البيهقي الكبير 9: 332.
(¬3) ينظر: التلويح على التوضيح 2: 210، ومراقي الفلاح ص28، ونفع المفتي والسائل ص26.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 234، وصحيح ابن خزيمة 1: 51، وصحيح ابن حبان 4: 109.
والذئب، والضبع، والنمر، والسبع، والقرد؛ لتولد لعابها من لحمها، وهو نجس كلبنها (¬1).
والعرق معتبر بالسؤر: فما كان سؤره طاهراً، فعرقه طاهر: كالآدمي والفرس؛ لأنَّ السؤر مخلوط باللعاب، وحكم اللعاب والعرق واحد؛ لأنَّ كلاً منهما متولد من الجسم (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح ص30.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص103، وعمدة الرعاية 1: 93.
المبحث السابع
الأنجاس وتطهيرها
أولاً: أقسام النجاسة:
تنقسم النجاسة من حيث المقدار المعفو عنه، إلى نجاسة غليظة، ونجاسة خفيفة:
1.النجاسة الغليظة: وهي: الخمر، والدم المسفوح، وكل ما ينقض الوضوء بخروجه من جسم الإنسان: كالبول والغائط، ولحم الميتة ذات الدم، وجلدها، وبول ما لا يؤكل لحمه: كالآدمي والذئب والفأرة، وخرء الدجاجة والبط والإوز، ونجو الكلب، وروث الخيل والبغال والحمير، وخثي البقر، وبعر الغنم، ورجيع السباع ولعابها.
وسميت بذلك؛ باعتبار قلّة المعفو عنه منها، لا في كيفية تطهيرها؛ لأنَّ المعفو لا يختلف بالغلظ والخفة.
والقدر المعتبر في النجاسة الغليظة: هو ما زاد على قدر الدرهم ـ وهو مقدار وزن الدرهم وهو مثقال في الكثيف، ومساحة الدرهم وهي بمقدار عرض الكفّ
في الخفيف، وعرض الكف هو عرض مقعر الكفّ، وهو داخل مفاصل الأصابع ـ.
أما قدر الدرهم وما نقص عنه فهو عفو؛ لأنَّ القليل معفو إجماعاً، فَقُدِّرَ بالدرهم؛ لأنَّ محل الاستنجاء مقدر به، وقد استقبحوا ذكر المقعدة في محافلهم فكنوها بالدرهم؛ ولأنَّ الضرورة تشمل المقعدة وغيرها فيعفى للحرج، وهي غليظةٌ لعدم معارضةِ دليل نجاستها: كالدَّم ونحوه مما لم يوجد فيه تعارض نصين (¬1).
ولو انتضح البول مثل رؤوس الإبر على الثوب أو البدن، فهو معفوٌ عنه؛ للضرورة، وإن امتلأ الثوب ما دام تحرَّز منه قدر استطاعته؛ لأنه لا يستطاع الامتناع عنه فسقط حكمه (¬2).
ويجوز استعمال الكحول غير الخمر: كـ «الاسبرتو»، ويحرم شربه (¬3)؛ لشيوع استعمال هذه المادة الهامة في كثير من مرافق الحياة اليوم.
2.النجاسة الخفيفة: وهي بول ما يؤكل لحمه من النعم الأهلية والوحشية: كالغنم، والغزال، والفرس، وخرء طير لا يؤكل لحمه: كالصقر والحدأة؛ للضرورة، وهي خفيفة؛ لتعارض النصوص في نجاستها وطهارتها، وكان الأخذ بالنجاسة أولى؛ لوجود المرجح، مثل بول ما يؤكل لحمه، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «استنزهوا
¬
(¬1) ينظر: الوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص132، وكنز الدقائق 1: 73.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 1: 75، والوقاية ص132.
(¬3) ينظر: هامش فتح باب العناية 1: 258.
من البول» (¬1)، فيدل على نجاسته، وخبر العرنيين، وهو: «أنَّ أناساً من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في إثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا» (¬2)، وهو يدل على طهارته، فخفف حكمه للتعارض، ومثل بول الفرس فقد تعارض فيه نصان على تقدير كراهة أكله؛ لأنَّ لحمه طاهر، وكراهته؛ لكرامته، فيكون بوله مخففاً (¬3).
وسميت خفيفة؛ باعتبار كثرة المعفو عنه منها، لا في كيفية تطهيرها؛ لأنَّه لا يختلف المعفو بالغلظ والخفة.
والقدر المعتبر في النجاسة الخفيفة: ربع الثوب أو البدن في النجاسة الخفيفة، أمّا ما دونه فهو عفو؛ لأنَّ التقدير فيها بالكثير الفاحش، وللربع حكم الكل في الأحكام.
ولو صلى على طرفِ بساطٍ طرفٌ آخرٌ منه نجسٌ، فإنَّه يجوز الصلاة عليه، سواء كان أحدُ الطَّرفين يتحرّك بتحريك الآخر أو لا، وسواء كان البساطُ كبيراً أو صغيراً؛ لأنَّه بمنزلة الأرض، فيشترط فيه طهارةُ موضع القيام والسجود (¬4).
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 127، وقال: المحفوظ مرسل.
(¬2) في صحيح البخاري 6: 2495، وصحيح مسلم 3: 1296.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 74 - 75، والمراقي ص156.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 262، وشرح الوقاية ص13.
ولو صلى في ثوب تنجّس طرف منه فنسي أي طرف تنجس وغسل طرف آخر من الثوب دون أن يتحرّى فإنَّه يجوز؛ لأنَّه لا يشترط التحرّي في غسل طرف الثوب (¬1).
ثانياً: الاستنجاء:
وهو مسحُ موضع النجو أو غسله، والنجو: ما يخرج من البطن، فيسن الاستنجاء بالأشياء الطاهرة: كالورق الصحي والحجر، والمَدَرِ، والتراب، والخِرقة البالية، والقطن، وما أشبه ذلك (¬2) إذا لم يزد النجو على قدر قعر الكف؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن استجمر فليوتر، مَن فعل ذلك فقد أحسن، ومَن لا فلا حرج» (¬3).
والمعتبر في إقامة السنة في الاستنجاء هو الإنقاء دون العدد، فإن حصل بمرّة كفاه، وإن لم يحصل بالثلاث زاد عليه؛ فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس» (¬4)، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الحجرين ورمى الروثة ولم يسأله الثالثة، فإذا لم يسأله الثالثة تبين أنَّ العدد ليس بشرط.
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص133، والفتاوى السراجية ص163، والدر المختار 1: 327.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 1: 18، ورد المحتار 1: 339.
(¬3) في سنن ابن ماجه 1: 121، وسنن الدارمي 1: 177، ومسند أحمد 2: 371.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 70، واللفظ له، وسنن الترمذي 1: 25، وصححه.
ومن آداب الدخول إلى الخلاء:
1. الدخول برجله اليسرى؛ وهذا لأنَّ من شأن اليمين أن تكرم؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله، ومن إكرام اليمين، أن يبدأ به في الخيرات كلها، يداً كان أو رجلاً، ويُؤَخِّر في المكروهات كلها.
2. أن يُسمي قبل الدخول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «سَتْرُ ما بيْنَ أعيُنِ الجنِّ وعَوْراتِ بني آدمَ، إذا دخلَ أحدُهُمْ الخلاءَ أن يقولَ: بِسْمِ اللَّهِ» (¬1).
3. الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان؛ لأنَّه يحضر الأخلية، بأن يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»؛ فعن أنس - رضي الله عنه - قال: «كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذا دخلَ الْخَلَاءَ قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ من الْخُبُثِ والْخَبَائِثِ» (¬2).
4. الاستنجاء باليد اليسرى، فيكره الاستنجاء باليد اليمنى، إلا عند الضرورة؛ فعن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - مرفوعاً: «إِذا شرِبَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، وإِذا أَتَى الْخَلَاءَ، فلا يمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، ولا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ» (¬3)، ولأنَّ اليسار للأقذار (¬4).
ويُكره تحريماً الاستنجاء بالعظم والروث وغيره من الأنجاس: كالبعر والخثي؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّها
¬
(¬1) في سنن الترمذي 2: 503، وسنن ابن ماجه 1: 109، والمعجم الأوسط 3:67.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 66، واللفظ له، وصحيح مسلم 1: 283.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 69، و5: 2133، وصحيح مسلم 1: 225.
(¬4) ينظر: البدائع 1: 19.
زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» (¬1).
ويُكره تنزيهاً الاستنجاء بالخَزَف والفحم والْآجرُّ (¬2)، وكذا يكره الاستنجاء بكل مال محترم: كالكاغد، وخرقة الحرير، ومطعوم الآدمي من الحنطة والشعير، فهذا فيه إفساد للمال من غير ضرورة، ولو استنجى بهذه الأشياء، جاز مع الكراهة؛ لأنَّ المعتبر الإنقاء، وقد حصل؛ ولأنَّ المنع لمعنى في غيره، فلا يمنع حصول الطهارة: كالاستنجاء بثوب الغير ومائه (¬3).
5.الاستنجاء بالماء أدب؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - فعله مرة وتركه أخرى، لكنَّه صار بعد عصره - صلى الله عليه وسلم - من السنن بإجماع الصحابة: كالتراويح، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل حائطاً وتبعه غلام معه ميضأة ـ هو أصغرنا ـ فوضعها عند سدرة فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء» (¬4)، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «إنَّهم كانوا يبعرون بعراً وأنتم تثلطون ثلطاً فاتبعوا الحجارة الماء» (¬5)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نزلت هذه الآية في أهل قباء {فِيهِ
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 44.
(¬2) الْآجُر: الطين المطبوخ، وهو الطوب الذي الذي يبنى به. ينظر: لسان العرب 4: 10، والمغرب ص21.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 1: 18، ورد المحتار 1: 339، واللباب 1: 46، والهدية العلائية ص45.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 227.
(¬5) في سنن البيهقي الكبرى 1: 106، والآثار لأبي يوسف 1: 7، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 142.
رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين} التوبة: 108، قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم» (¬1).
6. الخروج من الخلاء برجله اليمنى؛ لأنَّه تَفَلتٌ من المكروه، ومُحتضَر الشيطان، فكان نعمة، فاليمنى أولى به.
7. أن يقول عقب الخروج من الخلاء: «غفرانك»؛ فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: «كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذا خرج من الْخَلَاء قال: غُفْرَانَكَ» (¬2).
8. أن لا يتكلم في الخلاء، فإنَّ الكلام في حال الاستنجاء مكروه؛ لأنَّ الملائكة يتنحون عنه في هذه الحالة راجين أن لا يتكلّم، فإذا تكلم أتعبهم؛ لأنَّهم حينئذ يعودون إليه للكتابة فيتأذون من الرائحة الكريهة، فيكون سبباً لترك إكرامهم، فيكره؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِيَّاكُمْ والتَّعَرِّيَ، فإِنَّ مَعَكُمْ مَن لا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عند الغَائِطِ، وحين يُفْضِي الرَّجُلُ إِلى أَهْلِهِ، فاسْتَحْيُوهُمْ، وأَكْرِمُوهُمْ» (¬3).
9. ترك استقبال القبلة وترك استدبارها، فإنَّ استقبالها واستدبارها أثناء قضاء الحاجة مكروه تحريماً، سواء كان في الصحراء أو في البنيان؛ فعن أبي أيوب
¬
(¬1) في سنن الترمذي 5: 280، وسنن أبي داود 1: 58، وسنن ابن ماجة 1: 128، لكنَّ زيادة يتبعون الحجارة الماء بسند ضعيف، كما في تخريج الإحياء 1: 295، وينظر: الدراية 1: 95، ونصب الراية 1: 485.
(¬2) في سنن الترمذي 1: 12، وسنن أبي داود 1: 55، وسنن ابن ماجه 1: 110.
(¬3) في سنن الترمذي 5: 112، وينظر: إرواء الغليل 1: 102.
الأنصاري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا» (¬1)، فلم يفرق بين الفضاء والبيوت.
10. ستر العورة عند الاستنجاء، فينبغي على المسلم أن يستتر عند الاستنجاء ما استطاع؛ لئلا يقع نظر الناس على عورته (¬2)؛ فعن جابر - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد البراز، انطلق حتى لا يراه أحد» (¬3).
ثالثاً: تطهير الأنجاس:
تطهر النجاسة الحقيقية بما يلي:
1.الماء ولو كان مستعملاً؛ ويشترط لجواز إزالة النجاسة به أن يكون طاهراً، والنجاسة التي تكون على البدن أو الثوب أو المكان لها حالان:
النجاسة المرئية: تطهر بزوال عينها بالماء وبكل مائع طاهر مزيل: كخلٍّ ونحوه، حتى لو بقي لها أثر يشق زواله.
والنجاسة الغير مرئية: تطهر بغسلها ثلاثاً مع عصر المتنجس في كلِّ مرّة إن أمكن كأن يكون المتنجس ثوباً، بشرط أن يبالغ في العصر في المرّة الثالثة قدر قوّته، أو بغسلها وترك المتنجّس حتى ينعدم التقاطر منه، ثم وثم هكذا حتى يفعله ثلاثاً، أو بوضع المتنجس في الماء الجاري، أو يصبّ عليه ماء كثير بحيث يجرى
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 88، وصحيح مسلم 1: 224.
(¬2) ينظر: المبسوط 1: 9 - 10، وبدائع الصنائع 1: 21، والعناية 1: 215.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 47، وسنن ابن ماجه 1: 121، وسنن الدارمي 1: 23.