الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
إنَّ الحمد لله على فضله الكريم، ورزقه العميم، وعلى ما أنعمه علينا من السَّكن إلى زوجاتنا، والسرور بأبنائنا، وصلى الله على سيدنا محمد ـ القائل: (حبب إلي من الدُّنيا: النِّساء) (¬1)، وهذا لا يكون إلا بالزَّواج الذي هو سنته - صلى الله عليه وسلم - ـ وعلى آله وصحبه والسَّائرين على دربه إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنني لما دَرَّست مادة الأحوال الشَّخصية لأول مرة اعتمدت في تدريسها كتاب «شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» لمحمد زيد الأبياني؛ لأنَّه من أفضل الكتب المعاصرة المؤلفة فيها؛ لذلك يرجع إليه كثير من القضاة، وتعتمده بعض المعاهد والكلِّيات الشَّرعية؛ لسهولة عبارته والتزامه بالمذهب الحنفي إجمالاً.
وعزمت في حينها على اختصاره؛ لما فيه من الطُّول (¬2)، وعلى تحرير عبارته؛
¬
(¬1) في الأحاديث المختارة 5: 112، والمستدرك 2: 172، وغيرها.
(¬2) فهو مطبوع في ثلاثة مجلدات، أما المختصر المطبوع له في مجلد، فالظاهر أنَّ المؤلف لم يقم به ولا أحد من أهل العلم المعتد بهم؛ لأنَّ طريقته في الاختصار هي حذف مجموعة من الصفحات المتتالية من أماكن من الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 8
لتساهله الفقهي أحياناً، وعلى توثيق مسائله؛ لعدم توثيق مؤلفه للمصادر التي يأخذ منها، وعلى تخريج أدلته والتوسع فيها على حسب الإمكان، وعلى أن تكون فروعه معتمدة في المذهب الحنفي؛ لأنَّ كتاب الأحوال الشخصية المشروح قد استلت مواده من كتب الأحناف، على أنَّ الشارح يخرج في بعض الأحيان بترجيح غيره من المذاهب دون مرجح سوى المصلحة العقلية، وهذا بسبب تأثره بمدرسة الإصلاح الدِّيني التي ظهرت في مصر على يد محمد عبده، وقد اعتمدَت هذا المنهج المخالف لقواعد أهل السُّنة الفقهية ـ كما بينت ذلك في كتاب «الفقه المقارن» ـ.
ولما شرعت في العمل خرج عن كونه اختصاراً فحسب إلى كونه كتاباً مستقلاً، وإن استفدت واعتمدت على شرح الأبياني مع غيره من كتب المذهب الحنفي وغيرها؛ إذ كان مقصدي هو التفصيل والبيان للمعتمد عند سادتنا الأحناف؛ لأنَّه أوسع المذاهب الفقهية كما قرره كبار الفضلاء المشهورين: كالطنطاوي والزرقا؛ لذلك اعتمدته كثير من الدُّول الإسلامية في استخلاص قوانينها في الأحوال الشخصية، فكان توضيح أحكام الزَّاوج والطَّلاق عند الأحناف هو شرح لقوانينها؛ لا سيما القانون الأردني الذي أخذ من المذهب الحنفي إلا في بعض المواد ـ كما سيأتي ـ.
وبياناً لمدى ارتباط هذا الكتاب بقوانين الأحوال الشخصية، فإنني أشرت في الهامش إلى المادة من القانون الأردني المتعلقة بما فصَّلته وبينته في الكتاب، وفي ظني أنَّ هذا الكتاب أدق من غيره من الكتب المؤلَّفة في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني؛ لأنَّه مشى على تفصيل الأحكام في الزَّواج والطَّلاق على
الجزء 1 · صفحة 9
مذهب السادة الأحناف التي استقي منها قانون الأحوال، بخلاف غيره من الشروح التي اعتمدت في شرحه بيان مختلف المذاهب الفقهية دون التفصيل في المسائل على المذهب الحنفي، فصارت كمن يشرح كتاباً في الفقه الشافعي بشروح من كتب المذهب المالكي والحنفي وهكذا.
وإنَّ هذه الطريقة بالاعتماد على مذهب فقهي واحد في التأصيل والتفريع والتَّدليل، هي الطريقة الصَّحيحة التي مشت عليها أمتنا طوال هذه القرون؛ لما فيها تنمية الملكة الفقهية لدى الطالب والقارئ، وعدم تشويش فكره بالاختلاف الفقهي الذي لا ينتهي، واطلاعه على الفروع الدَّقيقة التي يحتاجها في حياته اليومية.
وإنني أسأل الله - عز وجل - أن ييسر الأمر في زيادة تحرير مسائله والاستدلال لها فيما يأتي، وأن يجعله سهلاً مستحسناً عند كل حريص على دينه، محباً لمعرفة أحكامه من القراء والقضاة والمدرِّسين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
6/أيلول/2005مـ
الموافق 2/شعبان/1426هـ
الأردن/عمان/صويلح
الجزء 1 · صفحة 11
الفصل التمهدي
مقدِّمات الزَّواج
المبحث الأول
تعريف الزَّواج وحكمه
المطلب الأول: تعريف الزَّواج:
الزواج هو النكاح، والنكاح: لغة: الوطء حقيقة (¬1).
واصطلاحاً: عقد موضوع لملك المتعة (¬2).
والمراد بـ «العقد»: مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قَبول الآخر، سواء كان باللفظين المشهورين من زوَّجت وتزوَّجت أو غيرهما.
و «الموضوع»: أي بوضع الشَّارع لا وضع المتعاقدين له.
و «ملك المتعة»: هو اختصاص (¬3) الزَّوج بمنافع بضع الزَّوجة وسائر
¬
(¬1) ينظر: المغرب ص473، والمصباح المنير ص624، والقاموس 1: 263.
(¬2) ينظر: درر الحكام 1: 336، والتنوير 2: 260، والبحر 3: 85، والتبيين 2: 94.
(¬3) فسَّر ابن نجيم في البحر 3: 85: ملك المتعة بحلّ التمتع، واستدرك عليه ابن عابدين في رد المحتار 2: 258 - 259: بأنَّ تفسيره بالاختصاص أولى؛ لأنَّ الاختصاص أقرب إلى معنى الملك؛ لأنَّ الملك نوع منه، بخلاف الحلّ؛ لأنَّه لازم لملك المتعة، وهو لازم لاختصاصها بالزَّوج شرعاً. والمراد بالملك الحل لا الملك الشرعي; لأنَّ المنكوحة لو وطئت بشبهة فمهرها لها, ولو ملك الانتفاع ببضعها حقيقة لكان بدله له البحر 3: 85.
الجزء 1 · صفحة 12
أعضائها استمتاعاً؛ لأنَّ مقاصد النِّكاح لا تحصل بدون هذا التَّمتع، فلولا هذا الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج آخر لا يحصل السَّكن; لأنَّ قلب الزَّوج لا يطمئن إليها, ونفسه لا تسكن معها، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (¬1)، ويفسد الفراش لاشتباه النَّسب؛ ولأنَّ المهرَ لازم في النِّكاح, وأنَّه عوضٌ عن الاختصاص, فيدلُّ على لزوم الاختصاص في النكاح (¬2)، وسائر المقاصد تحصل للزَّوجين تبعاً (¬3).
وسبب النِّكاح: هو تعلُّق بقاء العالَم بالتَّناسل والتَّوالد (¬4). (¬5)
¬
(¬1) الروم: من الآية21.
(¬2) ينظر: البدائع 2: 331.
(¬3) ينظر: المبسوط 5: 59.
(¬4) ينظر: تبيين الحقائق 2: 95.
(¬5) وبهذا تبيَّن أنَّ تعريف سادتنا الفقهاء للنِّكاح أصح وأدق مما نصت عليه المادة (5) من قانون الأحوال الشخصية الأردني كما في التشريعات الخاصَّة بالمحاكم الشَّرعية ص119، ومشى عليه كثيرٌ من المعاصرين: كالإمام محمد أبو زهرة في الأحوال الشَّخصية ص17، وعبد الوهاب خلّاف في أحكام الأحوال الشَّخصية ص15، والدكتور السَّرطاوي في شرح قانون الأحوال الشَّخصية الأردني ص25 - 26. وهو: عقدٌ بين رجل وامرأة تحلّ له شرعاً؛ لتكوين أسرة وإيجاد نسل بينهما؛ لأسباب منها:
1. ... أنَّ فيه تطويلٌ لا فائدة فيه، ومعلومٌ أنَّ هذا عيبٌ في التَّعاريف، وأنَّ من حسنها الإيجاز والاختصار غير المخلّ.
2. ... أنَّه ذكر: رجل وامرأة؛ ولا فائدة هنا من ذكر المرأة؛ لأنَّه يمكن أن يكون العقد مع وليها كما هو الغالب، فهذا خلل ظاهر فيه، بالإضافة إلى أنَّ الرَّجلَ هو الذي يُقبل على النِّكاح، وهو الذي يرغبُ في امرأةٍ معيَّنة، ويقدِّمُ لها المهر الذي تطلبُه منه مقابل أن تُمكِّنَه من نفسها، وتعيشَ معه، فالمرأة لها الحقّ في أن تقبل هذا الرَّجل أو ترفضه؛ ولكنَّها لمَّا كانت مالكةً لمنفعةٍ مرغوبٍ فيها، وأمر الشرعُ أن لا ينتفع بها أحدٌ إلاَّ بالعقد المخصوص، كان العقد واقعاً على هذه المتعة التي بيد المرأة، فكان الصَّواب من جانب المرأة ذكرها ومن جانب الرَّجل ذكر رغبته فيها؛ ولذلك لا نجد أحد من فقهائنا في المذاهب الفقهية المختلفة في عصور إكرام المرأة وعزّتها ذكر لفظ؛ المرأة مع الرَّجل، وإنَّما اقتصروا على ذكر ما هو ملك لها، وأمره بيدها؛ ولفظ: عقد؛ يفيد ذلك؛ لأنَّه عبارة عن الإيجاب والقَبول، مع أنَّ هؤلاء الفقهاء متفقين على أنَّ الزواج ليس لقضاء الشَّهوة فحسب، وفي ذلك يقول السَّرَخْسيُّ في المبسوط 4: 194: «وليس المقصود بهذا العقد قضاء الشَّهوة, وإنَّما المقصود ما بيَّناه من أسباب المصلحة, ولكنَّ الله تعالى علَّقَ به قضاء الشَّهوة أيضاً؛ ليرغب فيه المطيع والعاصي، المطيع للمعاني الدِّينية، والعاصي لقضاء الشَّهوة».
3. ... أنَّه قال: لتكوين أسرة وإيجاد نسل بينهما؛ وما الفائدة من هذا الكلام، أليس بالتزوج يحصل هذا الأمر دون حاجة لذكره، علاوةً على أنَّه لو لم يُرد الزوجان إيجاد نسل، فإنَّه لا شرع ولا قانون يجبرهما على ذلك، فينبغي بناءً على هذا التَّعريف أن يكون نكاحهما فاسداً.
الجزء 1 · صفحة 13
المطلب الثاني: حكم الزَّواج:
إنَّ صفةَ الزَّواج تختلف باختلاف أحوال النَّاس في توقان شهوتهم وقدرتهم على ضبطها؛ لذلك تعتريه الأحكام الآتية:
الجزء 1 · صفحة 14
1.فرض؛ ويكون عند تحقق الرَّجل أنَّه لو لم يتزوَّج لزنى؛ لأنَّ الزِّنا حرامٌ قطعاً، ولا يتوصَّل إلى تركه في هذه الحالة إلاَّ بالزواج.
2.واجب؛ ويكون عند التوقان: أي شدة الاشتياق إلى التزوَّج؛ بحيث يخاف الرَّجل الوقوع في الزِّنا لو لم يتزوَّج من غير تيقُّن.
وهذان القسمان مشروطان بشرطين:
أ. أن يكون مالكاً للمهر والنَّفقة، فمن عاجز عنهما لا يأثم بترك الزواج.
ب. عدم خوف الجورـ الظلم للزوجة ـ؛ لأنَّ الجور معصية متعلِّقةٌ بالعباد، والمنع من الزِّنا من حقوق الله تعالى، وحقّ العبد مقدّمٌ عند التعارض على حق الله؛ لاحتياج العبد وغنى المولى تعالى.
3.سُنَّة (¬1)، وهو في حالة الاعتدال: أي لا يكون في شدّة الاشتياق إلى التزوّج، ولا في غاية الفتور عنه، والأصحُّ أنَّ السُّنَّة هنا مؤكَّدة (¬2)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - واظب على الزَّواج مدَّة عمره، وهذا آية التَّوكيد (¬3)، قال - صلى الله عليه وسلم - للنفر الثلاثة: (لكنِّي أصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوَّج النِّساء، فمَن رغب عن سنتي فليس منِّي) (¬4)،
¬
(¬1) قال القاري في فتح باب العناية2: 3: إنَّه أصح الأقوال، ومشى عليه صاحب الكنْز ص43، والتنوير ص55، والغرر 1: 326.
(¬2) صرح به صاحب المحيط والفتح والمختار 3: 108، والملتقى ص49، والبحر 2: 84، والدر المختار ورد المحتار 2: 261، وغيرهم.
(¬3) ينظر: الاختيار 3: 109.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 1020، وصحيح البخاري 5: 1949، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 15
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أَحبَّ فطرتي فليستنَّ بسنتي، ومن سنَّتي النِّكاح) (¬1).
4.مباح؛ وهو إذا لم يقصد إقامة السُّنة، بل قصد مجرَّدَ الشَّهوة ولم يخف شيئاً، فلا يثاب عليه؛ إذ لا ثواب إلا بالنية، فيكون مباحاً أيضاً كالوطء لقضاء الشَّهوة، وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) (¬2)؛ فالمراد به الوطء لأجل تحصين النفس (¬3).
5. حرام؛ ويكون إذا تيقَّنَ الرَّجلُ عدم القيام بأمور الزَّوجيّة من كفاية زوجته حاجتها من الجماع؛ لأنَّ الزَّواج شرع لكفاية كلُّ منها الآخر رغبته، وبعدم قدرته على ذلك يكون الجور عليها؛ وتعريضها للانحراف، وهو مشروع لمصلحة تحصين النَّفس وتحصيل الثَّواب، وبالجور يأثم ويرتكب المحرَّمات، فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد (¬4).
6.مكروه تحريماً (¬5)؛ وهو إذا خاف الرَّجل الجور علي الزَّوجة، وهو متمكن من الاحتزاز عنه: كعدم كفايتها حاجتها من الوطء.
¬
(¬1) في مصنَّف عبد الرَّزَّاق 6: 169، وسنن البيهقي الكبير 7: 77، ومسند أبي يعلى 5: 133، وشعب الإيمان 4: 381، وقال الهيثمي في مجمع الزَّوائد 4: 252: رجاله ثقات ... .
(¬2) في صحيح مسلم 2: 697، وغيره.
(¬3) ينظر: رد المحتار 2: 261.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 2: 84.
(¬5) صرَّح بأنَّها تحريمية ابن نجيم في البحر 2: 84.
الجزء 1 · صفحة 16
المبحث الثاني
الحثّ على الزَّواج والتَّرغيب فيه
إنَّ مبنى الأحكام الشَّرعية في الإسلام على العفَّة والفضيلة، وهذا ملاحظ لدى كلِّ مَن تدبَّر كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسيرة سلفنا الصالح؛ لأنَّه لا سبيل إلى الحياة الهادئة المطمئنة المستقرة إلا بالعفاف، فمَن يساير رغبات نفسه ونزواته الحيوانية يعيش في اضطراب يخرجه عن طوره البشري، وهذا واضح لا سيما في المجتمعات غير المسلمة، التي تقوم حياتها على تحقيق الشَّهوات والرَّغبات دون نظر للعفَّة، فهي تعيش في توتر وقلق فقدت به الأمن والأمان على حياة أفرادها، وعلى عرض نسائها؛ لأنَّ ولَه الإنسان في تحقيق شهواته لا ينتهي عند حدّ، مما يجعله غارقاً في تحصيلها وإن كان على حساب غيره ومجتمعه؛ إذ لا سبيل لإيقاف جموح النَّفس إلا بالرِّضا والقناعة الصَّادرة عن الإيمان الصَّادق.
لذلك وجدنا الإسلام اعتنى عنايةً كبيرةً في تخليص المجتمع من الانقياد وراء شهواته بالحثّ على الزَّواج المبكر، وبالدَّعوة إلى التَّعدّد، وبأمر النِّساء بالاحتشام وعدم إثارة الفتن، وبمنع الاختلاط، وبنهي المرأة عن الخضوع في القول، وغير ذلك من الأحكام التي شرعها؛ ليكون المجتمع طاهراً نقياً،
الجزء 1 · صفحة 17
مستطيعاً أن يحقق طموحاته التي ترتفع عن النزوات والشَّهوات فحسب، ومن حثّه على الزواج ما يلي:
1.من القرآن:
قوله - عز وجل -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (¬1)، وهذا أمر.
وقوله - عز وجل -: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} (¬2)، وهذا منع من العضل ونهي عنه.
2.من الحديث:
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكنِّي أصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النِّساء، فمَن رغب عن سنتي فليس مني) (¬3).
وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النِّكاح) (¬4).
وعن أبي نجيح - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قدر على أن ينكح فلم ينكح فليس منّا) (¬5)،
¬
(¬1) النور:32.
(¬2) البقرة: من الآية232.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 1020، وصحيح البخاري 5: 1949، وغيرهما.
(¬4) في مسند أبي يعلى 5: 133، وسنن البيهقي الكبير 7: 77، وشعب الإيمان 4: 381، قال العراقي في المغني 3: 25: سنده حسن.
(¬5) في سنن الدَّارمي 2: 177، ومسند الحارث 1: 539، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 18
وفي لفظ: (مَن كان موسراً لِأن ينكح فلم ينكح فليس منّا) (¬1).
وعن عروة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (انكحوا النِّساء، فإنَّهنَّ يأتينكم بالمال) (¬2).
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان ذا طول منكم فليتزوج، ومن لا فليصم فإنَّ الصوم وجاء قاءه للعرق) (¬3)، وفي لفظ: عن عائشة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: (النِّكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ومَن كان ذا طول فلينكح، ومَن لم يجد فعليه بالصيام فإنَّ الصوم له وجاء) (¬4).
وعن معاذ بن أنس الجهني - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أعطى لله، ومنع لله، وأحبّ لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل الإيمان) (¬5)، وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 7: 78، ومصنَّف ابن أبي شيبة 3: 453، وشعب الإيمان 4: 382، ومراسيل أبي داود ص180، وغيرها.
(¬2) في مراسيل أبي داود ص180، وقال الشيخ شعيب: رجاله ثقات رجال الشيخين.
(¬3) في الأحاديث المختارة 5: 104، وقال الهيثمي في مجمع الزَّوائد 4: 252: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات.
(¬4) في سنن ابن ماجه 2: 94، قال الكناني في المصباح 2: 94: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عيسى بن ميمون المديني لكن له شاهد صحيح، وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود.
(¬5) في المستدرك 2: 178، وصححه، وجامع الترمذي 4: 670، وحسَّنه، والمعجم الأوسط 9: 41، ومسند أحمد 3: 438، ومسند أبي يعلى 3: 60، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 19
رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) (¬1)، وفي لفظ: (مَن تزوج فقد استكمل نصف الإيمان، فليتق الله في النصف الباقي) (¬2)، وهذا أيضاً إشارة إلى أنَّ فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصناً من الفساد، فكأنَّ المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه، وقد كُفي بالتزويج أحدهما (¬3).
3.من الآثار:
قال عمر - رضي الله عنه -: «لا يمنع من النِّكاح إلا عجز أو فجور» (¬4)، فبيَّن أنَّ الدِّين غير مانع منه، وحصر المانع في أمرين مذمومين.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يوماً، لي فيهنّ طَوْل النِّكاح، لتزوجت مخافة الفتنة» (¬5) (¬6).
4.من المعقول: إنَّ فوائد النِّكاح كثيرة منها ما يلي:
أ. الولد؛ وهو الأصل، وله وضع النِّكاح، والمقصود إبقاء النَّسل وأن لا
¬
(¬1) في المستدرك 2: 175، وصححه، وشعب الإيمان 4: 383، وغيرهاا.
(¬2) في المعجم الأوسط 7: 337، 8: 335، ومعجم الشيوخ 1: 222، قال الهيثمي في مجمع الزَّوائد 4: 252: رواه الطبراني في الأوسط باسنادين وفيهما يزيد الرقاشي وجابر الجعفي وكلاهما ضعيف وقد وثق.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 25 - 26، وغيره.
(¬4) في مصنف عبد الرزاق6: 170، ومصنف ابن أبي شيبة9: 30.
(¬5) في سنن سعيد بن منصور1: 164.
(¬6) ينظر: إحياء علوم الدِّين 3: 26، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 20
يخلو العالَم عن جنس الإنس، وإنِّما الشَّهوة خلقت باعثة مستحثة، ومن ثمار تحقيق الولد رغم الأمن من الفتنة:
طلب محبّة الله بالسعي في تحصيل الولد؛ لإبقاء جنس الإنسان.
وطلب محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تكثير أمته ومباهاته بهم؛ فعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (تزوَّجوا الولود الودود، فإنّي مكثر بكم الأمم) (¬1).
وطلب التَّبرك بدعاء الولد الصَّالح بعده؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (¬2)، ولا يوصل إلى الولد إلا بالنِّكاح.
وطلب الشَّفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله؛ فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما من النَّاس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) (¬3).
ب. التَّحصُّن من الشَّيطان، وكسر التَّوقان، ودفع غوائل الشَّهوة، وغضِّ البصر وحفظ الفرج، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنَّه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء) (¬4).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 9: 363، وسنن النَّسائي 3: 271، والمستدرك 2: 176، وصححه، وسنن أبي داود 2: 220، وينظر: موارد الظمآن 1: 302، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1255، وصحيح ابن خزيمة 4: 122، وصحيح ابن حبان 7: 286، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 421، وغيره.
(¬4) سبق تخريجه.
الجزء 1 · صفحة 21
وحفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختيار الإنسان، بل لا تزال النَّفس تجاذبه، وتحدثه بأمور الوقاع، ولا يفتر عنه الشَّيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات، والمواظبة على الصَّوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليها ضعف في البدن، وفساد في المزاج، فالشَّهوة أقوى آلة الشَّيطان على بني آدم، وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذو لبّ منكنّ) (¬1) وإنَّما ذلك لهيجان الشَّهوة، وقال الجنيد: «أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت»، فالزَّوجة على التَّحقيق قوت وسبب لطهارة القلب؛ ولذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل من وقع نظره على امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله؛ فعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإنَّ ذلك يرد ما في نفسه) (¬2)؛ لأنَّ ذلك يدفع الوسواس عن النَّفس.
ج. ترويح النَّفس، وإيناسها بالمجالسة، والنظر، والملاعبة؛ إراحةً للقلب، وتقوية له على العبادة، فإنَّ النفس ملول، وهي عن الحق نفور؛ لأنَّه على خلاف طبعها، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات؛ ولذلك قال - عز وجل -: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (¬3)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لكل عامل شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) (¬4)، والشِرَّة: الجد والمكابدة بحدة
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 86، وصحيح البخاري 2: 531، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1021، وغيره.
(¬3) الأعراف: من الآية189.
(¬4) في مسند البزَّار 6: 338، ومسند أحمد 2: 210، ومسند الحارث 1: 342، والسُّنة لابن أبي عاصم 1: 28، وقال: إسناده صحيح على شرط الشَّيخين.
الجزء 1 · صفحة 22
وقوة، وذلك في ابتداء الإرادة، والفترة: الوقوف للاستراحة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (حبب إليَّ النِّساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصَّلاة) (¬1).
د. تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتَّكفل بشغل الطبخ، والكنس، والفرش، وتنظيف الأواني، وتهيئة أسباب المعيشة، فالمرأة الصَّالحة للمنزل عون على الدِّين، واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب، ومنغصات للعيش. وقال القرظي في معنى قوله - جل جلاله -: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} (¬2): المرأة الصَّالحة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة) (¬3)، فانظر كيف جمع بينها وبين الذِّكر والشُّكر، وفسَّر بعضهم: {فلنحيينه حياة طيبة} بالزَّوجة الصَّالحة.
هـ. مجاهدة النَّفس، ورياضتها بالرِّعاية، والولاية، والقيام بحقوق الأهل، والصَّبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسَّعي في إصلاحهن، وإرشادهن إلى طريق الدِّين، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربيته لأولاده، وكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... الرَّجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية
¬
(¬1) في المستدرك 2: 1741، وصححه، وسنن النَّسائي الكبرى 5: 280، والأحاديث المختارة 4: 428، وغيرها. وقال العراقي في المغني 35: إسناده جيد.
(¬2) البقرة: من الآية201.
(¬3) في سنن ابن ماجه 1: 596، والمعجم الأوسط 2: 376، ومسند أحمد 5: 282، ومسند الرُّوياني 1: 406، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 23
على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم) (¬1)، وليس مَن اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمَن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا مَن صبر على الأذى كمَن رفَّهَ نفسه وأراحها، فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّك مهما أنفقت من نفقة فإنَّها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى فِي امرأتك) (¬2) (¬3).
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1459، وصحيح البخاري 1: 304، وغيرهما.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1006، وصحيح مسلم 3: 1251، وغيرهما.
(¬3) هذه الفوائد مستخلصة من إحياء علوم الدِّين 3: 28 - 37، وينظر: أحكام القرآن للجصَّاص 3: 365 - 368، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 24
المبحث الثالث
كيفية اختيار الزَّوج والزَّوجة
إنَّ اختيار كلّ من الزَّوجين للآخر يتطلّب معرفة ما يجب عليهما من الصِّفات الحميدة؛ ليتمكن الطَّرفان من الحصول على العشير الصَّالح القادر على إيجاد بيت مسلم مطمئن محقق لمرضاة الله - جل جلاله -، وفي هذا المبحث نقتصر على ذكر صفات الزَّوجة والزَّوج التي أرشد إليها هذا الدِّين الحنيف بما يحقق الغاية المقصودة.
المطلب الأول: صفات الزَّوجة:
إنَّ من أعظم النِّعم أن يوفق المرء في اختيار زوجته التي يقضي معها جلّ وقته، وتربي أولاده، وتحفظ له عرضه وشرفه، وتعينه على هموم الدُّنيا وكدرها، وتسعده معها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة، إن أمرَها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسمَ عليها أبرَّته، وإن غابَ عنها حفظته في نفسها وماله) (¬1)؛ لأنَّها المعينة على تحصيل رضا الله تعالى بأحوالها وصفاتها الحميدة.
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سنده ضعيف، لكن له شواهد تدل على أنَّ له أصلاً.
الجزء 1 · صفحة 25
1.أن تكون صالحة ذات دين؛ وهذه أولى وأهمَّ صفة يجب مراعاتها بالنِّسبة للزَّوج، وعلى الزَّوجة أن تحققها في نفسها، فإنَّها لا يَستغني عنها بيت يريد الرَّاحة والسَّعادة والطمأنينة، وفيها رغَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فاظفر بذات الدِّين تربت يداك) (¬1)؛ لأنَّ في فقدانها تعاسة وندامة، وخراب للبيوت، وضياع للأولاد، فالعيش كلّه مقصور على الحليلة الصَّالحة، والبلاء كله موكل بالقرينة السوء التي لا تسكن النَّفس إلى عشرتها، ولا تقر العيون برؤيتها (¬2)، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الدُّنيا متاع وخير متاع الدُّنيا المرأة الصَّالحة) (¬3)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا أخبركم بخير ما يكنز: المرأة الصَّالحة إذا نظر إليها سرَّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته) (¬4).
وليس معنى هذا أن لا يلتفت الرَّجل إلى الحسب والجمال وغيرها من الصِّفات المرغوبة، وإنَّما المعنى أن يُقدِّم ذات الدِّين على غيرها، ولا يرغب في امرأة لمحض جمالها إن كانت غير متدينة، وإلا فقد ثبت في عدّة أحاديث أنَّ الجمال من موجبات الرَّغبة في النِّكاح؛ لأنَّ فيه العفَّة وغضّ البصر، والتحصين لا يحصل إلا بأن يطمئن الرَّجل بزوجته (¬5)، فالممنوع إذاً هو الاكتفاء بالجمال مع قطع النظر
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 1958، وصحيح مسلم 2: 1086، وصحيح ابن حبان 9: 344، وغيرها.
(¬2) ينظر: المستطرف 2: 294.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 1090، والمسند المستخرج 4: 141، والزُّهد لهناد 1: 295.
(¬4) في المستدرك 1: 567، 2: 363، وصححه. و وسنن أبي داود 2: 126، ومسند أبي يعلى 4: 378.
(¬5) ينظر: تكلمة فتح الملهم 1: 109.
الجزء 1 · صفحة 26
عن صلاح الدِّين والكمال (¬1)، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزوَّجوا النِّساء لحسنهن، فعسى حسنهنّ أن يرديهن، ولا تزوجهنّ لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تطغيهن، ولكن تزوَّجهنّ على الدِّين، ولأَمة خرماء سوداء ذات دين أفضل) (¬2).
2.أن تكون ذات حسب ونسب: أي طيبة الأصل بانتسابها إلى العلماء والصّلحاء (¬3)؛ لتكون من أهل بيت الدِّين والصَّلاح، فإنِّها ستربي بناتها وبنيها، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التَّأديب والتَّربية (¬4)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (خير نساء ركبن الإبل: صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يد) (¬5)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تَخَيَّروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء وأَنكحوا إليهم) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: عين العلم وزين الحلم ص34، مطبوع جزء منه باسم شؤون الأسرة.
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 597، وسنن البيهقي الكبير 7: 80، ومسند البزَّار 6: 314، ومسند عبد بن حميد 1: 133، ومصباح الزُّجاجة 2: 97، وغيرها.
(¬3) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 24: 61.
(¬4) ينظر: إحياء علوم الدِّين 2: 46، وعين العلم وزين الحلم ص38.
(¬5) في صحيح البخاري 3: 1266، وصحيح مسلم 4: 1954، والآحاد والمثاني 5: 459.
(¬6) في المستدرك 2: 176، والأحاديث المختارة 7: 198، وقال المقدسي: إسناده حسن، وسنن البيهقي الكبير 7: 133، وسنن الدَّارقطني 3: 299، وسنن ابن ماجه 1: 633، ومسند الشِّهاب 1: 390، والفردوس 2: 51، وفي هذا الحديث كلام من حيث ثبوته فصَّله ابن الجوزي في العلل المتناهية 2: 612 - 615، والعجلوني في كشف الخفاء 1: 358، وابن حجر في تلخيص الحبير 3: 146، وأفاض الكوثري فيه في مقالاته ص130 - 141، وغيرهم.
الجزء 1 · صفحة 27
3. أن تكون بكراً؛ لم تتزوَّج الرِّجال قبله ولم تعاشرهم وتختلط بهم، فيكون فيها شدّة المحبّة والأُلفة له؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: (هلا تزوَّجت بكراً تلاعبُها وتلاعبك) (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بالأبكار، فإنَّهنَّ أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير) (¬2).
4. أن تكون ولوداً ودوداً؛ ومن لم يكن لها زوج ولم يُعرف حالها فيراعى صحّتها وشبابها، فإنَّها تكون ولوداً في الغالب مع هذين الوصفين (¬3)؛ فقد روي أنَّه جاء رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إنّي أصبت امرأة ذات حسب ومنصب، إلا أنَّها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثَّانية فنهاه، ثم أتاه الثَّالثة فنهاه، فقال: تزوَّجوا الولود الودود، فإني مكثر بكم الأمم) (¬4)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزوجنّ عاقراً ولا عجوزاً، فإني مكاثرٌ بكم) (¬5).
5.أن تكون حسنة القيام بأمور البيت؛ ولهذا دور كبير في زيادة الألفة والمحبة بين الزَّوجين، والابتعاد عن النِّزاع والخصومات، فهي بذلك تنال رضاه،
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 1083، وصحيح مسلم 2: 1087، وغيرهما.
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 568، وسنن البيهقي الكبير 7: 81، والمعجم الأوسط 1: 144، والآحاد والمثاني 4: 5، والمعجم الكبير 7: 140، وفي مصنَّف ابن أبي شيبة 4: 52 وقفه على عمر - رضي الله عنه -.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدِّين 2: 46.
(¬4) في صحيح ابن حبان 9: 363، وسنن النَّسائي 3: 271، وموارد الظمآن 1: 302،
(¬5) في المستدرك 2: 329، قال ابن حجر في تلخيص الحبير 3: 115: إسناده ضعيف.
الجزء 1 · صفحة 28
ولا يرى في بيته ما يعكر صفوه، وتكون خير قدوة لبنيها، وقائمة بمسؤلياتها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (المرأةُ راعيةٌ على بيت زوجها وولده) (¬1).
ومن الوصايا اللطيفة التي يحسن بكلِّ امرأةٍ أن تخطّها وتجعلها أمام ناظريها، ما نقل عن عمر بن حجر الكندي أنَّه خطب من عوف بن محلم الشيباني ابنته أم إياس، وأجابه إلى ذلك، فأقبلت عليها أمّها ليلة دخوله بها توصيها، فكان ممَّا أوصتها به أن قالت: أي بنيّة، إنَّك مفارقة بيتك الذي منه خرجت، وعشّك الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تأليفه، فكوني له أَمة ليكون لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً يكون لك ذخراً:
فأما الأولى والثَّانية: فالرِّضا والقناعة، وحسن السَّمع له والطَّاعة.
وأما الثَّالثة والرَّابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا أطيب الرِّيح.
وأما الخامسة والسَّادسة: فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإنَّ شدّة الجوع ملهبة، وتنغيص النَّوم مغضبة.
وأما السَّابعة والثَّامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حشمه وعياله.
وأما التَّاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمراً، ولا تفشي له سراً، فإنَّك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سرَّه لم تأمني غدره.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 1996، والمنتقى 1: 275، ومسند أبي عوانة 4: 382، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 29
وإيّاك ثم إيّاك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة لديه إن كان فرحاً، فقبلت وصية أمّها، فأنجبت له الحارث بن عمرو جدّ امرئ القيس الملك الشاعر (¬1).
6.أن تكون مطيعة لزوجها؛ فلا تعصي له أمراً لا يغضب الله تعالى فيه، وأن لا تجعله نداً لها، بل تعظِّمه وتوقِّره، فإنَّ ذلك يحملها على طاعته، وقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (قيل: يا رسول الله، أيُّ النِّساء خير؟ قال: التي تسرّه إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره) (¬2).
7.أن تكون عفيفة؛ مبتعدةً كل الابتعاد عما يبتذلها، ويجعلها سلعة رخيصة في أعين الرِّجال، يقضي كلٌّ منهم مأربه بها، فتقتصر في تحسين نفسها وتجميلها على زوجها؛ لما في غير ذلك من المهالك لها في الدُّنيا والآخرة، قال - جل جلاله -: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} (¬3)، وعن عليّ وأنس - رضي الله عنهم -: «خير نسائكم العفيفة» (¬4).
8.أن تكون ذات جمال يستحسنه الرِّجال؛ لما في ذلك من تحصين للرَّجل، وكفاية وقناعة له بها عن غيرها، وقد قالوا في مقياس جمال المرأة: أنَّه ليست المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد، فإذا دنت منك لم تكن كذلك، بل
¬
(¬1) ينظر: المستطرف 2: 294.
(¬2) في سنن النَّسائي 3: 271، والمجتبى 6: 68، وسنن البيهقي الكبير 7: 82، ومسند أحمد 2: 251، ونوادر الأصول 2: 150، وغيرها.
(¬3) النور: من الآية3.
(¬4) في الفردوس 2: 176.
الجزء 1 · صفحة 30
الجميلة التي كلَّما كرَّرت بصرك فيها زادتك حسناً (¬1). قال - صلى الله عليه وسلم -: (خير فائدة استفادها المسلم بعد الإسلام امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في ماله ونفسها) (¬2).
9.أن لا تكون غيرتها شديدة؛ لما في ذلك من مدخل للظنّ السيء المنغص للحياة الزَّوجية فيما لا يستوجب ذلك، فروى أنس - رضي الله عنه -، قالوا: (يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء أنصار؟ قال: إنَّ فيهم لغيرة شديدة) (¬3).
10. أن تكون بسيطة لا يحتاج نكاحها إلى مؤنة شديدة؛ لأنَّ كثيراً ممَّن يطلبون المهور الغالية لا يكون إلا للمباهاة والتفاخر، ومردّ ذلك إلى الفراغ النَّفسي الذي يسعى صاحبه لسدّه بمثل هذا، أما من امتلأ قلبه بالإيمان، واكتست نفسه بالإسلام، فلا يعير انتباهاً لأمثال هذه الظواهر، وإنَّما يهتم بباطن مَن يأتيه، وهو تدينه، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من يُمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها) قال عروة: أن يتيسر رحمها للولادة، وأنا أقول من عندي: ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المستطرف 2: 301.
(¬2) في مصنَّف ابن أبي شيبة 3: 559، وسنن سعيد بن منصور 1: 166،
(¬3) في سنن النَّسائي 3: 271، والمجتبى 6: 69، وموارد الظمآن 1: 302، ولفظه: في أعينهن شيئاً.
(¬4) في مسند أحمد 6: 77، والمستدرك 2: 197، وصححه الحاكم، والمعجم الأوسط 4: 62.
الجزء 1 · صفحة 31
11.أن تكون حسنة الخلق؛ فهو الزِّينة التي تدوم مع الزَّوجة في عشرتها لزوجها؛ إذ الجمال يألفه بعد حين ويعتاد عليه، فلا يعود ينتبه إليه كسابق عهده، أما جمال الخلق فبه تزداد حياتها سعادة وألفة ومحبّة؛ لأنَّه في كلِّ لحظةٍ يُعاملها فيها يجدها مكسوّة به، فتزداد هيبتها ومكانتها في نظره، وفي ذلك رغَّب به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث: تنكح المرأة على مالها، تنكح على جمالها، تنكح على دينها، فعليك بذات الدِّين والخلق تربت يمينك) (¬1).
ولا يعتبر من الصفات المستحسنة للمرأة أن لا تكون قريبة؛ لعدم ثبوت نهي عن الشارع الحكيم بخصوص ذلك، وكل ما يذكر لا يثبت، مثل: (لا تنكحوا في القرابة القريبة، فإنَّه يورث ضآلة في الولد) (¬2)، نقل ابن حجر العسقلاني (¬3) وابن المُلقِّن (¬4) وابن حجر الهيتمي (¬5) والرَّملي (¬6) والشِّربيني (¬7) وغيرهم قول ابن الصَّلاح فيه: «لم أجد له أصلاً معتمداً». وأقرُّوه عليه، وقال التَّاج السُّبكي (¬8): «لم أجد له إسناداً».
¬
(¬1) في مصنَّف ابن أبي شيبة 3: 560.
(¬2) ينظر: تلخيص الحبير 3: 304، وجواهر الأخبار ص 84.
(¬3) في تلخيص الحبير 3: 304. وينظر: جواهر الأخبار ص84.
(¬4) في خلاصة البدر 2: 179.
(¬5) في تحفة المحتاج 7: 189.
(¬6) في نهاية المحتاج 6: 185.
(¬7) في مغني المحتاج 4: 206 - 207.
(¬8) كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدِّين 2: 972.
الجزء 1 · صفحة 32
بل النصوص صريحة في إباحته مطلقاً، قال - جل جلاله -: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} (¬1)، فهذه الآية كانت في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من زينب بنت جحش (¬2)، وهي بنت عمّة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك} (¬3).
المطلب الثاني: صفات الزَّوج:
إنَّ الفتاة إذا أتاها خاطبٌ تحتار هي وأهلها للمقياس الذي يزِنون به، فهل هو الشَّهادة الجامعية أم المال أم الجاه أم الجمال أم الأصل أم الدِّين أم القرابة أم غيرها؟
وحديثنا في بيان هذا الميزان الذي يفترض أن يحتكم إليه المسلمون فيمن هو الرَّجل المناسب للفتاة المسلمة في إيجاد أسرة إسلامية سعيدة مطمئنة، يعيش الزَّوجان في كنفها، وقد رضيا أن يكون الإسلام هو الحَكم في كل أمور حياتهما.
وخير ما نستقي منه هذا المعيار هو سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي حاتم المزني - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه، قال: إذا جاءكم مَن ترضون
¬
(¬1) الأحزاب: من الآية37.
(¬2) ينظر: تفسير الطّبري 22: 14، وتفسير القرطبي 14: 193، وغيرهم.
(¬3) الأحزاب: من الآية50.
الجزء 1 · صفحة 33
دينه وخلقه فأنكحوه ـ ثلاث مرَّات ـ) (¬1)، قال السيوطيّ (¬2) في معنى الحديث: «إلا تفعلوا ... الخ: أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرد الحسب والجمال تكن فتنة وفساد؛ لأنَّهما جالبان إليها، وقيل: إن نظرتم إلى صاحب مال وجاه يبقى أكثر النِّساء والرِّجال بلا تزوج فيكثر الزِّنا ويلحق العار والغيرة بالأولياء فيقع القتل ويُهيِّج الفتنة».
وتفصيل الكلام في هذا الميزان يتمثّل في صفتين رئيستين بيَّنهما الحديث، وهما:
1.الدِّين: وهو الخضوع والامتثال لأوامر الله تعالى في كلّ أفعاله وأقواله؛ إذ أنَّه يكون راضياً بحكم الله فيما له وما عليه، وهذه الصِّفة يكون بها عماد السَّعادة الزوجية؛ لأنَّ الحياة الزوجية في صورتها البسيطة معاشرة بين شخصين، ولا بدّ لهما من قانون يوضّح ما لكل منهما وما عليه، ويكون هو الحاكم بينهما فيما يختلفان فيه، ولا يختلف العقلاء أنَّ ما يكون من عند ربّ العباد أولى بالقَبول والأخذ مما هو من عند العبادمن النظريات المخلتفة والعادات.
ولأنَّ الحياة الزوجية لا تنتظم بلا تسامح وتجاوز وتغافل في كثير من التَّصرُّفات البسيطة الواقعة بين الزَّوجين؛ لأنَّ التَّدقيق على كلّ شيء وقود للمشاكل والخلافات بينهما؛ إذ الخطأ صفة أصيلة في بني آدم، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كلّ بني
¬
(¬1) في جامع الترمذي 3: 395، وقال: حسن غريب. وسنن البيهقي الكبير 7: 82، وسنن سعيد بن منصور 1: 190، والآحاد والمثاني 2: 351، والمعجم الكبير 22: 299، والكنى للبخاري 1: 26، والجرح والتعديل 9: 363، والثقات 5: 499، والكامل 5: 72، والمراسيل لابن أبي حاتم 1: 250، والمراسيل لأبي داود 1: 192، وغيرها.
(¬2) في شرح ابن ماجه 1: 141.
الجزء 1 · صفحة 34
آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) (¬1)، وذكر عن بعض الفضلاء: «إنَّ مبنى السَّعادة الزَّوجية على التَّغافل؛ لأنَّ (95%) من المشاكل الزَّوجية يحلّ به؛ إذ أنَّها في العادة تكون في أمور بسيطة لا قيمة لها»، ومعلومٌ أنَّ المسلم كلما زاد تدينه زاد تسامحه، ولم يعد يلتفت إلى سفاسف الأمور.
2.الخلق: بأن يكون للرجل أصلٌ معروفٌ بالمكانةِ والشَّرفِ والطِّيبة وغيرها من الصِّفات المرغوبة، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (النَّاس معادن في الخير والشَّر، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) (¬2).
ويراد بالخلق التَّربية الطَّيبة العطرة؛ بأن يكون الخاطب تربى على يدي مَن يحسن التَّربية، لأنَّ الزمان كما هو معروف في نزول يوماً بعد يوم في القيم والأخلاق والمبادئ، قال - صلى الله عليه وسلم -: (يوشك أن يغلب على النَّاس أو على هذا الأمر لكع بن لكع، وأفضل النَّاس مؤمن بين كريمين) (¬3)، قال معمر: فقال رجل للزُّهري: ما كريمين؟ قال: شريفين موسرين (¬4).
• • •
¬
(¬1) في المستدرك 4: 242، وقال الحاكم: إسناده صحيح، وجامع الترمذي 4: 659، وسنن الدَّارمي 2: 392، وسنن ابن ماجه 2: 1420، ومصنَّف ابن أبي شيبة 7: 62، وغيرها.
(¬2) في مسند أحمد 2: 485، والجامع لمعمر بن راشد 11: 316.
(¬3) في الجامع لمعمر بن راشد 11: 316، والمعجم الأوسط 3: 257، قال الهيثمي في مجمع الزَّوائد 7: 325: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
(¬4) ينظر: الجامع لمعمر بن راشد 11: 316.
الجزء 1 · صفحة 35
المبحث الرابع
العلاقة بين الزوجين قبل الزَّواج
إن بيان النَّظرة الشَّرعية للعلاقة بين الجنسين قبل الزَّواج يتطلب وضع أصول وأسس متفقة لدى العقلاء لبناء هذا الحكم عليها.
الأساس الأول: أنَّ حكمة الله - جل جلاله - اقتضت خلق الأرض وإرادة إعمارها بجعل بني الإنسان خلائف فيها، كل منهم يخلف مَن بعده في القيام بهذا الواجب، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (¬1)، ولا يمكن حصول هذا الاستخلاف والاستعمار لها إلا بديمومة الجنس البشري فيها، وهو مكوّن كباقي الأجناس من ذكر وأنثى، ولا يحصل التَّكاثر بينهما إلا بالالتقاء، وهذا الالتقاء يحتاج إلى شوق كل منهما للآخر وميله له، وإلا لم يحصل التَّعاشر بينهما، ولزهدا في بعضهما البعض، ولم يحصل التَّناسل والتَّكاثر الذي يرتبط به وجود الإنسان.
فحقيقة اشتياق الجنسين لبعضهما أمر لا ينبغي أن يختلف فيه؛ اثنان للحكمة المترتبة عليه، وقد قرّر الله تعالى هذه الحقيقة، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
¬
(¬1) البقرة: 30.
الجزء 1 · صفحة 36
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} (¬1)، وبالتالي اهتمام وميل كلّ من الجنسين إلى الآخر أمرٌ طبيعيّ، جُبلنا وفُطرنا عليه؛ ليستمر الوجود البشري، ولا استنكار لذلك، وإنَّ من أعظم ما تتميّز به الشَّريعة الرَّبانية المنسجمة مع الفطرة البشرية أنَّها نظَّمت العلاقة ما بين هذين الطَّرفين؛ لأنَّ في ترك اجتماعهما بلا حدود وقيود ما لا تحمد عقباه بتحقق الظلم على البشرية.
الأساس الثاني: أنَّ الإسلام حرص تمام الحرص في تشريعاته على المحافظة على المجتمع أن يبقى طاهراً نقياً بعيداً عن كلِّ أسباب الفساد التي تنتج عن هذا الميل العاطفي والجنسي بينهما، فأباح التعدد؛ قال - عز وجل -: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} (¬2)، وأمر بغض البصر بينهما؛ قال - عز وجل -: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} (¬3)، وحرَّم عليها التبرج؛ قال - عز وجل -: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (¬4).
ففي ضوء هاتين الحقيقتين العظيمتين: ميل الجنسين، وطهارة المجتمع، يمكننا أن نخوض هذه المسألة الحسّاسة للغاية، وهي هل أجازت الشَّريعة تكوين علاقة بين الجنسين قبل الزواج؟
إذا رجعنا إلى معنى الحب في كتب اللغة فإننا نجده بمعنى: «الوداد ونقيض
¬
(¬1) آل عمران: 14.
(¬2) النساء: 3.
(¬3) النور:30.
(¬4) الأحزاب: 33.
الجزء 1 · صفحة 37
البغض» (¬1)، وإن أردنا أن نخرج بمعنى عام للحبّ نتحاكم إليه، فيمكن القول: إنَّه يدور بين: الاشتياق والميل والرَّغبة والأنس واللذة والإعجاب.
وهذه الأمور متوفرة بين الجنسين بصورة عامة بطبيعة فطرتهما وخلقتهما، فهما يشتاقان لبعضهما البعض، ويميل كل منهما للآخر، ويرغب فيه، ويأنس به، ويتلذذ معه، ويعجب بهيئته.
فما يظهر على أحدنا من هذه الأحوال نحو الطَّرف الآخر هو موافق للفطرة، لا لأنَّه يتبادل معه شعوراً يفقده الآخرون، حتى لو ترك الخيالات التي توحيها المسلسلات والأفلام والأغاني وعاش على سجيته من تقرير لهذا الواقع، فإنَّه سيجد أنَّ هذا الشعور متجدّدٌ لديه لدى أطرف كثيرة يراها ويسمعها.
وهذا لا يلغي تفاوت توفر هذه الأمور ما بين شخص وآخر، وإنَّما أردنا تقرير أنَّها موجودة بصورة عامة بين الجنسين، فإذا أعجب أحد الجنسين بالآخر ومال إليه بدرجة عالية، فهل يجوز له مصارحته بهذا الأمر؟
وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (مَن عَشِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد) (¬2).
ومعنى ذلك: أنَّه إن حصل العشق فعلاً من طرف لآخر بغض النظر عن سببه هل كان بسبب قرابة أو جوار أو دارسة أو عمل أو غيره، فإنَّه في هذا
¬
(¬1) ينظر: القاموس 1: 52، واللسان 1: 742، وغيرهما.
(¬2) أفرد الحافظ السيد أحمد الصديق الغماري هذا الحديث بكتاب خاص في إثباته سمّاه: درء الضَّعف عن حديث من عشق فعفّ.
الجزء 1 · صفحة 38
الموضع لا يهمنا تفحيص ذلك؛ لأنَّه يحتاج إلى تفصيل وبيان خاصّ ليس هنا محله، وإنَّما الذي يهمنا أنَّه لو حصل هذا، فإنَّ الحديث يرشدنا أنَّ عليه أن يكتم ذلك ويعفّ، حتى لو مات كاتماً عفيفاً فإنَّه شهيد بذلك، فيا هل ترى ما هو السَّبب لهذا الكتمان وهذه العفَّة، ولِمَ نال بها درجة الشَّهادة؟
ولأنه أمر خفي لا يمكن لأحد أن يطلع عليه، فهو أمر قلبي، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله تعالى، ففي إباحة الإخبار به لعبٌ بمشاعر النَّاس بما لا يستطيع أحد معرفة صدقه أو كذبه، ودخول في متاهات لا أول لها من آخر، ولأنَّه من باب سدّ الذريعة؛ إذ أنَّ كثيراً من النَّاس سيستغلونه في تحقيق مآربهم وشهواتهم الشَّخصية.
وإذا اتّضح شرعاً وعقلاً عدم جواز فتح علاقة بين الجنسين بدون علاقة شرعية، فإننا نضيف إلى ما سبق أنَّ هذا الحبّ حقيقية لا يكون إلا بمعرفة المحبوب، قال الغزالي (¬1): «إنَّه لا يتصوَّر محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ... ».
وهذه العلاقة مهما فتحت وتطورت، فإنَّها لا تبيِّن حقيقة كلٍّ من الطَّرفين للآخر، حتى لو كانت بينهما خطوبة؛ لأنَّ كلَّ طرف منهما يسعى لإظهار أفضل وأجمل ما عنده للآخر، ولا يتكلم إلا بألطف الكلام وأحلاه من الغزل والغرام معه، وهذا لا يصوِّر ما عليه طبيعة كل منهما؛ إذ أنَّها لا تعرف إلا بالعشرة الزَّوجية التي تشتمل على مصاعب حياتية كثيرة من الحمل، والولادة، والتَّربية،
¬
(¬1) في إحياء علوم الدِّين 4: 313.
الجزء 1 · صفحة 39
والطبخ، والتنظيف، والصَّبر على شدّة الحال وضيقه، والشُّكر على فرج الله تعالى، وحسن التَّصرف في المواقف المختلفة، وصيانة المال والنَّفس، وغيرها، وإدراك مثل هذه الأمور يحتاج أشهر من الزَّواج أو سنوات، فمَن كان معدنه طيِّب ومن أصل خيِّر وربّي تربية حسنة وعنده خلق ودين كان توفّر هذه الخصال لديه أكثر، وكانت قابليته للحياة مع شريكه أكبر.
ومَن تدبَّر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - حين خطب امرأة: (اذهب فانظر إليها فإنَّه أجدر أن يؤدم بينكما) (¬1) عرف الهدي النَّبوي في هذه المسألة؛ إذ لم يقل له: اذهب فتعرَّف عليها وادرس حالها وانسجام شخصيتها مع شخصيتك وكوِّن علاقة من الحب معها، حتى إنه لم يقل - صلى الله عليه وسلم - له: اذهب فحدثها، بل اعتبر أنَّ النظر يكفي لمن أراد أن يتزوَّج امرأة؛ لأنَّ به يتحقق المقصود من القَبول للصورة والهيئة الخارجية مع الألفة لها أو النّفرة عنها في هذه النَّظرة؛ لأنَّ في الحديث: (الأرواح جنودٌ مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) (¬2).
وإنَّما القاعدة الصَّحيحة لهناء الزَّوجية ما قاله ابن الخطاب - رضي الله عنه - لامرأة خاصمت زوجها إليه: «إنَّما يتعاشر النَّاس بالحسب والإسلام» (¬3)، يعني: أنَّ التزام كل من الزَّوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 9: 531، والمنتقى 1: 170، والمستدرك 2: 179، وجامع الترمذي 3: 397.
(¬2) في صحيح مسلم 4: 2031، وصحيح البخاري 3: 1213 وغيرهما.
(¬3) في التاريخ الكبير للبخاري4: 153.
الجزء 1 · صفحة 40
والآداب الزَّوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزَّوجية، ويعيش النَّاس به العيشة الهنية.
وينبغي لكل من الزَّوجين أن يتكلّف التحبب إلى الآخر بأكثر ممّا يجده له في قلبه، فإنَّ التَّطبع يصير طبعاً، ورحم الله علية بنت المهدي أخت هارون الرَّشيد حيث قالت: «تحبّب فإنَّ الحب داعية الحب» (¬1)، فإنَّه في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: (العلم بالتَّعلم والحلم بالتَّحلم) (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: الدر المنثور1: 350، وفوات الوفيات3: 125.
(¬2) في المعجم الأوسط 3: 118، والزُّهد لهناد 2: 605، ولفظ: (العلم بالتَّعلم) في صحيح البخاري 1: 37، ومصنَّف ابن أبي شيبة 5: 284، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 41
المبحث الخامس
الخِطبة وأحكامها
لا يختلف المعنى الاصطلاحي للخطبة عن المعنى اللغوي، وهو طلب التَّزوُّج، من خطب المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوَّج منهم، واختطبها، والاسم الخِطبة فهو خاطب (¬1) (¬2).
ومن أحكام الخِطبة:
1. يجوزُ خِطبة المرأة الخالية عن نكاح وعدّة.
فإن كانت المرأة متزوِّجةً فلا تجوز خطبتها (¬3)؛ لعدم الفائدة.
أما معتدة الطلاق الرجعي والبائن، فلا يجوز خطبتها لا تصريحاً ولا تعريضاً؛ لأنَّ النِّكاح حال قيام العدّة قائمٌ من كلِّ وجه؛ لقيام بعض آثاره. فالعلاقات والرَّوابط التي بينها وبين زوجها لم تزل بالكلية، فهو أولى بها من غيره
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير ص173، ورد المحتار 2: 262،وغيرها.
(¬2) جاء في قانون الأحوال الشخصية الأردني المادة (2): الخِطبة: طلب التَّزوج أو الوعد به.
(¬3) ينظر: البحر 3: 164.
الجزء 1 · صفحة 42
إن أرادَ، فله مراجعتها إن كان الطَّلاق رجعياً أو العقد عليها إذا كان بائناً بينونة صغرى، فإذا أجيزت لغيره خطبتها، وهي في العدّة يكون تعدِّياً على حقوقه، ولا بُدَّ أن يظنَّ زوجُها الظنونَ وتأخذه الغيرة والحمية، فيحصل بين الزَّوج والخاطب من جهة، وبين الزَّوج والمعتدة من جهة أخرى، ما لا تحمد عقباه (¬1).
والتصريح: كأن يقول رجل مخاطباً لها: أريد أن أتزوَّجَك.
والتعريض: مثل أن يقول لها: أريد التزوَّج بامرأة ديِّنة، وهو يقصدها، أو إنِّك لجميلة أو كإنك لصالحة، أو من غرضي أن أتزوَّج، ونحو ذلك ممَّا يدل على إرادة التَّزوّج (¬2) كإني فيك لراغب أو إني أريد أن نجتمع (¬3).
وأما المعتدة لوفاة فيجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً؛ والأصل في جواز التَّعريض قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} (¬4)، قال الرَّازي (¬5): «أراد به المتوفى عنها زوجها بدليل سياق الآية».
وإذا لم تجز الخِطبة فمن باب أولى لا يجوز العقد الذي هو التَّزوُّج فعلاً (¬6)،
¬
(¬1) ينظر: شرح الأحكام الشَّرعية 1: 7.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر 1: 472.
(¬3) ينظر: الهداية 4: 342، والتبيين 3: 36، والجوهرة النيرة 2: 97، ودرر الحكام 1: 404 - 405.
(¬4) البقرة: من الآية235.
(¬5) في مفاتيح الغيب 3: 235.
(¬6) ينظر: البدائع 2: 269.
الجزء 1 · صفحة 43
ودليله: قوله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} ووجهه: أنَّ المراد لا تعقدوا، وعبرَّ عنه بالعزم؛ لأنَّه سببه، مبالغةً في المنع عنه (¬1).
2.الخِطبة على خِطبة غيره:
تكره الخِطبة على خِطبة غيره بعد رضا المخطوبة بالخاطب الأول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يخطِب الرَّجل على خطبة أخيه) (¬2)، فإنَّه نهيٌ بصيغة النَّفي، وهو أبلغ، فأما إذا خطب ولم يركن قلب المرأة إلى خاطبها الأول بقرائن الأحوال، فلا بأس للغير أن يخطب (¬3)، لكنَّه لو فعل وخطب على خطبة غيره جاز؛ لأنَّ هذا نهي الشَّرع لنوع من المروءة، فلا يمنع جواز المنهي عنه (¬4).
3.النَّظر إلى المخطوبة ومسها والخلوة بها:
لو أراد رجلٌ أن يتزوَّج امرأةً فلا بأس أن ينظر إليها بِنيّة الرَّغبة في الزَّواج منها وإن خافَ في نظره إليها أن يشتهيها، لا أن يكون مراده الشهوة واللذة؛ لأنَّ مقصوده إقامة السُّنة لا قضاء الشَّهوة، وإنَّما يعتبر المقصود لا ما يكون تبعاً (¬5)؛
¬
(¬1) ينظر: البحر 4: 164.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1029 وصحيح البخاري 5: 1975، ومسند أبي عوانة 3: 261، وغيرها.
(¬3) ينظر: مختصر الطَّحاوي ص178، ودرر الحكام 2: 177، والبحر 6: 108، 4: 164.
(¬4) ينظر: المبسوط 5: 13.
(¬5) ينظر: المبسوط 10: 155، والتبيين 6: 18، وفتح باب العناية 3: 15، ورد المحتار 5: 237.
الجزء 1 · صفحة 44
لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - حين خطب امرأة: (أنظرت إليها؟ قال: لا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أنظر إليها، فإنَّه أحرى أن يُؤْدَمَ بينكما) (¬1)، أي يدوم بينكما المحبة والألفة والاتفاق.
ولما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: (كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فأخبره أنَّه تزوَّج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها، فإنَّ في أعين الأنصار شيئاً) (¬2).
وهذا الحكم منجرٌ على المرأة أيضاً؛ للاشتراك في العلَّة، بل هي أحق وأولى بالنَّظر منه؛ لأنَّه يمكنه مفارقتها إن لم يرض بها، وهي لا يمكنها ذلك؛ لأن الرجل يملك الطلاق والمرأة لا تملك الطلاق (¬3).
ولا بأس أن يكون نظره إلى وجهها وكفيها مكشوفين، وإلى باقي جسدها مكسواً بالثياب السَّاترة الفضفاضة؛ قال السَّرَخسيُّ (¬4): «وإن كان عليها ثيابٌ فلا بأس بتأمّل جسدها؛ لأنَّ نظرَه إلى ثيابها لا إلى جسدها، ... وهذا إذا لم تكن ثيابها بحيث تلصق في جسدها وتصفها حتى يستبين جسدها، فإنّ كان كذلك فينبغي له أن يغضَ بصره عنها».
¬
(¬1) في سنن النَّسائي 3: 272، والمجتبى 6: 69، والمنتقى 1: 170، ومسند أحمد 4: 246 وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1040 وسنن البيهقي الكبير 7: 84، وغيرهما.
(¬3) ينظر: رد المحتار 5: 237، وشرح الأحكام الشَّرعية 1: 8.
(¬4) في المبسوط 10: 155.
الجزء 1 · صفحة 45
وهذا الكلام صريح في فساد بعض أهل زماننا ممَّن يُخرجون فتياتهم لمن يتقدَّم إليهنَّ غير متحجِّبات ومتزيِّنات.
ولا يجوز للخاطب أن يمسَّ وجهها ولا كفيها وإن أمنَ الشَّهوة؛ لأنَّه محرمٌ عليه ذلك، ولا يوجد أي ضرورة وحاجة له (¬1).
ولا تجوز الخلوة بالمخطوبة إلاَّ إذا كان معها محرمٌ لها: كأبيها أو أخيها أو عمّها (¬2)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يخلون رجل بامرأة وإلا ومعهما ذو محرم) (¬3)، والخاطب رجلٌ أجنبي عنها.
4.العدول عن الخِطبة:
الخِطبة هي الوعد بالزَّواج في المستقبل ولو مع قراءة الفاتحة، وهذا الوعد لا يعتبر عقداً شرعياً، وحينئذ فللخاطب الرُّجوع عن المخطوبة، ولها أيضاً العدولُ عمَّن خطبَها، ولو بعدَ دفع الخاطب المهر كلّه أو بعضه أو بعد إرسال هدية لها، وقَبولها منه إن كانت مكلّفة.
وفي هذا العدول يراعى ما يلي:
بالنِّسبة لطريقة الانفصال: أنَّهما لا يحتاجان فيه إلى الطَّلاق؛ لأنَّه لم يوجد عقد بينهما.
¬
(¬1) ينظر: التبيين 6: 18، ورد المحتار 5: 237.
(¬2) ينظر: شرح الأحكام الشَّرعية 1: 8.
(¬3) في صحيح البخاري 3: 1094، وصحيح مسلم 2: 978، وصحيح ابن حبان 6: 441، وصحيح ابن خزيمة 4: 137، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 46
بالنِّسبة للمهر المقدَّم لها كلّه أو بعضه:
إن كان ما دفع من المهر موجوداً بعينه يسترده الخاطب.
وإن هلك المهر أو استهلك:
فإن كان قيمياً: أي مما لا مثيل له في الأسواق بلا تفاوت يعتدّ به: كسيارة مستخدمة قديمة، فإنَّه يعطي قيمته.
وإن كان مثلياً: أي ممَّا له مثيل في الأسوق بلا تفاوت يعتدّ به (¬1): كسيارة حديثة جديدة، أو غيرها من المصنوعات من نفس النَّوع، فإنَّه يعطى مثيلاً له: أي شيئاً من نفس نوعه وصفته وجنسه.
بالنِّسبة للهدايا:
فإن كانت موجودة، يستردّها؛ لأنَّ ما يرسله الخاطب من النُّقود والذَّهب والملابس هديةٌ مقيَّدةٌ بشرط جريان العقد في المستقبل، والهدية المقيّدة تبقى على ملك الخاطب، له أن يطالب بها مَن قبضها منه (¬2).
وإن هلكت أو استهلكت، فلا رجوع له بعوضها؛ لأنَّ كلَّ ما يرسله الخاطبُ إلى بيت المخطوبة ممَّا يتسارع فيه الفساد، فهو هدية مطلقة ليس له الرُّجوع في شيء منها (¬3).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 6: 184.
(¬2) ينظر: مجمع الضَّمانات ص341 - 342 عن الظهيرية.
(¬3) مجمع الضَّمانات ص341 - 342 عن الظهيرية، وشرح الأحوال الشَّخصية 1: 9.
الجزء 1 · صفحة 47
ولكنَّه فيما لو أرسل لها الهدايا في مدّة الخطبة ولم يعدلا عنها، وعقد عليها، وزفت إليه، فلا يحقَّ له أخذ شيء ممَّا أعطاها من الهدايا جبراً؛ لأنَّها ملكها، ولها حقّ التصرّف فيها (¬1) (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: مجمع الضَّمانات ص342.
(¬2) تحدث قانون الأحوال الشَّخصية الأردني عن بعض أحكام الخِطبة التي ذكرناها في المواد الآتية: المادة (3): لا ينعقد الزَّواج بالخِطبة ولا بالوعد ولا بقراءة الفاتحة ولا بقبض أي شيء على حساب المهر ولا بقَبول الهدية. المادة (4): أ. لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة.
ب. إذا عدل أحد الطَّرفين عن الخِطبة أو انتهت بالوفاة فللخاطب أو ورثته الحق في استرداد ما دفع على حساب المهر من نقد أو عين إن كان قائماً أو قيمته يوم قبضه إن تعذر رد عينه أو مثله.
ج. إذا اشترت المخطوبة بما قبضته على حساب المهر أو ببعضه جهازاً فلها الخيار بين إعادة ما قبضته أو تسليم ما يساويه كلاً أو بعضاً من الجهاز وقت الشراء إذا كان العدول من قبل الخاطب ويسقط حقها في الخيار إذا كان العدول من قبلها. د. يرد مَن عدل عن الخِطبة الهدايا إن كانت قائمة، وإلا فمثلها أو قيمتها يوم القبض، ولا تسترد الهدايا إذا كانت مما تستهلك بطبيعتها ما لم تكن أعيانها قائمة. هـ. إذا انتهت الخِطبة بالوفاة أو بسبب عارض حال دون عقد الزَّواج لا يد لأحد الطَّرفين فيه فلا يسترد شيء من الهدايا.
الجزء 1 · صفحة 49
الباب الأول
النكاح
سبق الكلام في تعريفه وسببه وحكمه وغيرها، ونكمل هاهنا بقية مباحثه.
الجزء 1 · صفحة 50
الفصل الأول
أركان الزَّواج وشروطه
المبحث الأول
أركان الزَّواج
أولاً: ركن الزَّواج:
الصيغة وهي ركن عقد الزَّواج، ولها طرفان، وهما:
1.الإيجاب: هو ما صدرَ أوّلاً من أحد العاقدين دالاً على إرادته في إنشاء العقد.
2.القَبول: هو ما صدر ثانياً من العاقد الآخر دالاً على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول (¬1).
فأيٌّ من الطَّرفين صدر منه الكلام أولاً يكون إيجاباً، وكلام الطَّرف الآخر يكون قبولاً إن وافقه بما أوجبه، وإلا يعتبر إيجاباً جديداً يحتاج إلى قَبول من الطَّرف الأول، فلو قال رجلٌ لامرأة: زوجيني نفسك بألف دينار، وقالت: زوجتُك نفسي بألفي دينار، فيكون كلامها إيجاباً جديداً يحتاج إلى قَبول منه بأن يقول: قبلت؛ ليتمَّ العقد.
¬
(¬1) ينظر: نظرية العقد ص380.
الجزء 1 · صفحة 51
ثانياً: صيغ الانعقاد:
ينعقد الزَّواج بلفظين يدلان على التحقق واللزوم لا على الوعد والمساومة، كما لو عبَّر بهما عن الماضي، أو بأحدهما عن الماضي والآخر عن المستقبل (¬1)، وأمثل
صيغة الماضي؛ كأن تقول: زوَّجت نفسي لك. فيقول: قَبِلْت؛ لدلالته على تحقيق وقوع الحدث وثبوته دون المستقبل (¬2).
وصيغة الأمر (¬3) مع أنَّه يدلّ على الاستقبال: كأن يقول رجل لآخر: زوِّج بنتك فلانة لابني. فيقول والدها: زوَّجت (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المحيط ص44، والكنْز ص43، والملتقى ص49، والتنوير ص56.
(¬2) ينظر: البحر 3: 88.
(¬3) ظاهر الرِّواية أنَّه ينعقد الزَّواج بلفظ دالٍّ على المستقبل وهو الأمر: كزوِّجني، ولكنَّ العلماء اختلفوا: هل هو إيجابٌ أم توكيل؟ فما ذكرته من اعتباره إيجاباً، هو اختيار قاضي خان في فتاواه، وصاحب الخلاصة، ورجَّحه صاحب البحر 3: 89، والشرنبلالية 1: 327، ومشى عليه القاري في فتح باب العناية 2: 5، وابن عابدين في رد المحتار 2: 262 - 263، وصاحب النَّهر 2: 177 - 178، ومجمع الأنهر 1: 317 - 318، وغيرها.
أما كونه توكيلاً، بأن يكون الطَّرف الأول وكَّل الطَّرف الثاني بتزويجه؛ إذ يجوز أن يتولَّى طرفي عقد الزَّواج أحد المتعاقدين كما سيأتي، وهو اختيار المرغيناني في الهداية 1: 189، وصدر الشَّريعة في شرح الوقاية ص281، وصاحب المجمع، والحصكفي في الدُّر المختار 3: 11، والموصلي في الاختيار 3: 110، وغيرهم. ويتفرع على هذا الخلاف أنَّه لا يشترط سماع الشَّاهد للأمر إن كان للتوكيل. ينظر: النَّهر 2: 178، وغيره.
(¬4) ينظر: الفتح 3: 191، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 52
وصيغة المضارع المبدوء بهمزة أو نون؛ كأن يقول رجل لامرأة: أتزوجك، أو نتزوجك، أو نزوجك من ابني، فقالت: زوَّجت، وأراد به تحقيق حصول الزَّواج لا المساومة؛ بدلالة الخِطبة والمقدِّمات، فهذه قرائنٌ على إرادةِ الحال (¬1).
وصيغة المضارع المبدوء بتاء إذا لم ينو الاستقبال؛ كأن يقول رجل لامرأة: تزوِّجيني نفسك، ناوياً الحال، ومعنى الاستقبال: أي الاستيعاد: أي طلب الوعد (¬2).
وصيغة الاستفهام إن كان المجلس مجلس زواج؛ كأن يقول رجل لآخر: هل تزوِّجني بنتك لابني؟ فقال: زوجتك، إن كان مجلس عقد فزواج، وإن كان مجلس وعد فوعد.
وصيغة اسم الفاعل؛ كقول الرَّجل لامرأة: أنا متزوِّجك، أو جئتك خاطباً، فقالت: قبلت (¬3).
وبذلك يتقررَّ: أنَّ الزَّواج ينعقد بكلِّ صيغةٍ تدلُّ على تحقُّقه لا الوعد به والمساومة فيه؛ ولا بدَّ أن تكون واضحة ومصرِّحة بذلك (¬4).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 264، وغيره.
(¬2) ينظر: الدُّر المختار ورد المحتار 2: 264 - 265.
(¬3) ينظر: المحيط ص48 - 49.
(¬4) هذا هو ظاهر الرِّواية كما صرح في البحر عن الصيرفية والمقدسي عن فوائد تاج الشَّريعة، وقاله: بديع الدِّين وابن عابدين في رد المحتار 2: 265، بخلاف ما نقل صاحب التاتارخانية والدُّر المختار 2: 265 من أنَّه ينعقد.
الجزء 1 · صفحة 53
ثالثاً: ألفاظ الانعقاد:
لا يشترط في القَبول لفظ مخصوص، بل الشرط رضا الآخر بهذا الإيجاب، فإذا قال رجل لآخر: زوجت ابنتي فلانة لابنك فلان. وقال الآخر: قبلت، أو رضيت، أو أجزت، أو أطعت، أو ما صنعته في محلِّه، فإنَّه يصحّ.
ويصحُّ الإيجابُ في الزَّواج فيما يلي:
1.بالصَّريح وهما: التَّزويج، والنِّكاح (¬1)؛ لقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]، وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37].
2.بالكناية: وهي في كلِّ لفظ يدلُّ على تمليك العين في الحال (¬2)، مثل: التَّمليك، والهبة، والصَّدقة، والجعل، والبيع، والشِّراء، والسَّلم، والصَّرف، والقرض، والصُّلح، والعطية، ولكن يشترط فيها دلالة الحال على النِّكاح، أو النِّية مع إعلام الشُّهود (¬3)، لقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، فهي حلال للنَّبي - صلى الله عليه وسلم - إن أراد أن ينكحها؛ إذا وهبت نفسها له بغير مهر، {خَالِصَةً لَكَ} فلا
¬
(¬1) اقتصر القانون الأردني على الألفاظ الصريحة: ففي المادة (7): يكون كل من الإيجاب والقَبول بالألفاظ الصَّريحة: كالإنكاح والتَّزويج وللعاجز عنهما بكتابته أو بإشارته المعلومة. والشَّافعي أيضاً أقتصر على الصَّريحة، كما في المنهاج 2: 140، وأسنى المطالب 3: 199.
(¬2) ينظر: عمدة الرِّعاية 2: 8.
(¬3) ينظر: الفتح 3: 195، والنَّهر 2: 181، والدُّر المختار ورد المحتار 2: 269، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 54
يحل لأحد من أُمتك أن يقرب امرأة وهبت نفسها له (¬1)، فالاختصاصُ والخلوص في سقوط المهر عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المرأة لا باختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: الهبة، ولأنَّها سبب لملك المتعة في محلٍّ يقبلها بواسطة ملك الرَّقبة، فيكون من إطلاق السَّبب وإرادة المسبب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ملَّكتُكَها بما مَعَك من القرآن) (¬2).
قيَّدَ الوَضْعَ بتمليك العين؛ لأنَّ النِّكاح لا ينعقد بما لا يفيد التمليك أصلاً: كالرَّهن والوديعة، ولا بما يفيد تمليك المتعة لا العين: كالإجارة والإعارة على الصَّحيح (¬3).
وقيَّدَ بالحال؛ لأنَّ النِّكاحَ لا ينعقد بلفظ الوصية؛ لأنَّها لتمليك العين بعد الموت (¬4).
رابعاً: فهم معنى النِّكاح والزَّواج:
إن عُقِد النِّكاح بصريح النِّكاح والزَّواج لمَن لا يفهم كونه نكاحاً، كما لو لُقِّنت امرأةٌ: «زوَّجت نفسي» بالعربية، ولا تعلم معناها، وَقَبِلَ الزَّوج (¬5)، ففي الدِّيانة: يلزم علم كلٍّ من المتعاقدين بمعنى الزَّواج والنِّكاح، وإلا لا ينعقد
¬
(¬1) ينظر: تفسير الطَّبري 22: 21، وتفسير الواحدي2: 870، وتفسير البغوي 3: 536، وتفسير القرطبي 4: 210، وروح المعاني 22: 61، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 4: 1920، وسنن النَّسائي 3: 312، وغيرهما.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية 2: 6، ورد المحتار 2: 268.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 2: 6.
(¬5) ينظر: الشرنبلالية 3: 328.
الجزء 1 · صفحة 55
النِّكاح. وفي القضاء: فإنَّ العقد ينعقد وإن لم يعلما معناهما؛ لأنَّ النِّكاح لا يشترط فيه القصد بدليل صحّته مع الهزل على المفتى به (¬1).
أمّا في غير الصَّريح: فيلزم العلم بأنه نكاح قضاء وديانة؛ لأنَّه يحتاج إلى قرائن الأحوال الدَّالة على كونه نكاحاً أو النية مع إعلام الشُّهود (¬2).
خامساً: زواج الأخرس:
إنَّ إشارة الأخرس المعهودة تقوم مقام العبارة في النِّكاح وغيره من التَّصرُّفات، سواء كان يُحسن الكتابة أم لا (¬3)، هذا إذا ولد أخرس, أو طرأ عليه الخرس بعد الولادة ودام مدّةً كان له بها إشارةً معهودة، أمّا إن لم يدم اعتقال لسانه فلا يقع نكاحه (¬4).
وإن كان الأخرس يحسن الكتابة، فتقوم كتابته في الزواج مقام النطق؛ لأنه
¬
(¬1) هذا القول اختاره صاحب الوقاية ص281، والملتقى ص49، والخانية 1: 327، وفي الدُّر 3: 17: وبه يفتى. والقول الثاني: لا ينعقد ويشترط علمهما ذهب إليه البهنسي. ينظر: رد المحتار 3: 17.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر 1: 318، والدُّر المنتقى 1: 318، وغيرهما.
(¬3) استحسن ابن الهمام في الفتح3: 491: إن كان يُحسن الكتابة لا تقع بالإشارة؛ لاندفاع الضَّرورة بما هو أدل من الإشارة. وأيده ابن عابدين في رد المحتار 3: 241، وينظر: الشرنبلالية 1: 360.
(¬4) ينظر: البحر 8: 454، ومجمع الأنهر 1: 384، ودرر الحكام 1: 360، والشرنبلالية 1: 360.
الجزء 1 · صفحة 56
عاجز عن الكلام قادر على الكتابة (¬1).
سادساً: الزَّواج بالكتابة:
إن التَّزوّج بالكتابة يكون في حالة غيبة أحد المتعاقدين، فتكون الكتابة في حقِّ الغائب كالخطاب في حق الحاضر، أما إذا كانا حاضرين في مجلس واحد فلا يجوز بالكتابة (¬2).
ويشترط في بعث الرِّسالة أو إرسال الرَّسول اتّحاد المجلس معنىً أو حكماً، فلو قالت: إنَّ فلاناً كتب إلي يخطبني فاشهدوا أنّي قد زوَّجت نفسي منه، صحَّ
النِّكاح؛ لأنَّ الشُّهود سمعوا كلامها بإيجاب العقد، وسمعوا كلام الخاطب بإسماعها إيّاهم (¬3).
ولا يشترط أن يكون قَبولها في مجلس وصول الرِّسالة، فلو بلغَها الكتاب وقرأته ولم تزوِّج نفسها منه في ذلك المجلس، وإنِّما زوَّجت نفسها منه في مجلس آخر بين يدي الشُّهود جاز النِّكاح (¬4)، بخلاف الخطاب؛ إذ في الخطاب لو قالت:
¬
(¬1) ينظر: الفتح 3: 491.
(¬2) ينظر: البحر: 3: 89، والهندية 1: 269.
(¬3) ينظر: المبسوط 5: 16، والفتح 3: 203، والبحر 3: 89، والشرنبلالية 1: 327.
(¬4) ينظر: البحر: 3: 89، والفتاوى الهندية 1: 269، ورد المحتار 3: 15، 4: 513. وأما ما ذهب إليه أبو زهرة في الأحوال الشَّخصية ص44 - 45 من الاعتراض على ابن عابدين، ففيه نظر؛ لأنَّ هذا ليس كلام ابن عابدين وإنَّما هو المصرح فيه في المذهب، فقصر أبو زهرة مجلس الكتاب على مجلس الشهود إن لم تقبل مخالفٌ لما صرحت به الكتب السابقة من استمرار
مجلس الكتاب؛ ولا ضير في ذلك؛ إذ لو وكَّلها بتزويجه نفسها فإن مجلسَها يستمرّ كذلك.
الجزء 1 · صفحة 57
قبلت في مجلس آخر لم يجز؛ لأنَّ الخطاب تلاشى فلم يتصل الإيجاب بالقَبول في مجلس آخر (¬1).
وعلى هذا يتخرَّج ما كثر السؤال عنه من الزَّواج بوسائل الاتصال الحديثة، فما كان من هذه الوسائل يُمكن سماع الصوت بواسطته من الجانبين كالهاتف وسكايب وفايبر وواتس آب وغيرها، فيعتبر فيه المجلس الحقيقي؛ لسماع الطرفين والشهود في لحظة واحدة، وأمَّا ما كان منها بالكتابة كالفاكس والإيميل وتويتر وغيرها، فيأخذ حكم الرسالة، ويكون المجلسُ حكمياً، فلا يشترط القبول في نفس المجلس، وإنّما في مجلس آخر على حسب ما يحدِّده العرف، والله أعلم.
سابعاً: أحوال العاقدين:
إنَّ الإيجاب والقَبول كما يصدران من عاقدين بالغين عاقلين، سواء كانا أصيلين، أم وكيلين، أم وليين، أم أصيل ووكيل، أم أصيل وولي، أم وكيل وولي، فإنَّهما يكونان من عاقد واحد يقوم مقام العاقدين؛ لأن الوكيلَ في باب النِّكاح ليس بعاقدٍ، بل هو سفيرٌ عن العاقدِ ومعبِّر عنه؛ لأنَّ حقوقَ النِّكاح والعقد لا ترجع إلى الوكيل، بخلاف البيع، فإن الحقوق وهي التسلُّم والتسليم ترجع للوكيل لا للموكِّل، فلا يجوز أن يتولى شخصٌ واحدٌ طرفي عقد البيع.
¬
(¬1) ينظر: البحر: 3: 89.
الجزء 1 · صفحة 58
وإذا كان الوكيل في النكاح معبّراً عن الموكِّل، وله ولايةٌ على الزَّوجين، كانت عبارة الوكيل كعبارة الموكِّل، فصار كلام الوكيل ككلام شخصين، فيقوم العقد باثنين حكماً (¬1)، فعن عقبة ابن عامر - رضي الله عنه -: (أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً، قالت: نعم، فزوَّج أحدهما صاحبه) (¬2). وعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: (أنَّه قال لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إليّ؟ قالت: نعم، قال تزوجتك: فعقده بلفظ واحد) (¬3). وله الأحوال الآتية:
إن كان العاقد ولياً من الجانبين: كالجد إذا زوَّج ابنَ ابنه الصَّغير من بنتِ ابنه الصَّغيرة.
وإن كان العاقد أصيلاً وولياً: كابن العمّ إذا زوَّج بنت عمّه من نفسه.
وإن كان العاقد وكيلاً من الجانبين، أو كان رسولاً من الجانبين، كأن يوكل رجلٌ وامرأة آخر بتزويجهما.
وإن كان العاقد ولياً من جانب، ووكيلاً من جانب آخر، كما لو وكَّل رجلٌ آخر بتزويجه بنته الصغيرة.
¬
(¬1) ينظر: البدائع 1: 231 - 232، وفي تكملة فتح الملهم 1: 104 - 105 استدلالة لطيفة على جواز النِّكاح بلفظ: الهبة.
(¬2) في صحيح ابن حبان 9: 381، والمستدرك 2: 198، وموارد الظمآن 1: 308، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 5: 1972 وغيره.
الجزء 1 · صفحة 59
وإن كان أصيلاً من جانب، وكيلاً من جانب: كما لو وكَّلت امرأةٌ رجلاً ليتزوَّجَها من نفسه (¬1).
• • •
¬
(¬1) اقتصر القانون الأردني على أن يتولاه العاقدان أو وكيليهما ففي المادة (6): ينعقد الزَّواج بإيجاب من أحد الخاطبين أو وكيله وقَبول من الآخر أو وكيله في مجلس العقد.
وذهب زفر والشَّافعي إلى أنَّه لا يتوّلاه طرف واحد إلا أنَّ الشَّافعي أجاز للجد تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر المولى عليه، كما في البدائع 1: 231، وشرح قانون الأحوال الشخصية ص81.
الجزء 1 · صفحة 60
المبحث الثاني
شروط الزَّواج والشروط
فيه والأنكحة المترتبة عليها
المطلب الأول: شروط الزَّواج:
وهي أنواع، فبعضها: شروط الانعقاد، وبعضها: شروط الجَّواز والنَّفاذ، وبعضُها: شروط اللزوم، وإليك بيانها:
أولاً: شروط الانعقاد:
1.أن يكون العاقد عاقلاً، فلا ينعقد نكاح المجنون والصَّبي الَّذِي لا يعقل (¬1).
2.أن يكون الإيجاب والقَبول في مجلس واحد، والمقصود بالمجلس هو الاستمرار في الحديث عن نفس الموضوع، أما لو انقطع الكلام فيه بلا عذر، أو ظهر من أحد العاقدين إهمال الأمر؛ بأن قام عن المجلس أو اشتغل بكلام أجنبيّ أو فعل يدلّ على الإعراض، فإنَّ مجلس التعاقد ينتهي، حتى لو قبل العاقدُ الآخر بعد ذلك لا ينعقد النِّكاح، ويعتبر قَبوله إيجاباً جديداً يحتاج إلى قَبول من الطَّرف الثاني (¬2).
¬
(¬1) ينظر: البدائع 2: 233.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع2: 232، والشُّرنبلالية 1: 236، والبحر 3: 89.
الجزء 1 · صفحة 61
ثانياً: شروط الجَّواز والنَّفاذ:
1.أن يكون العاقدُ بالغاً، فإنَّ نكاحَ الصَّبيِّ العاقل يتوقَّف نفاذه على إجازة وليه.
2.أن تكون المرأة محلاً قابلاً للنِّكاح، وهي المرأة التي أحلها الشَّرع بالنِّكاح (¬1).
3.الشَّهادة بأن يحضرَ النِّكاح رجلين أو رجل وامرأتين (¬2)، ويشترط في الشاهد: العقل والبلوغ والإسلام، فلا ينعقد بحضرة غير المسلمين في نكاح المسلمين؛ لأنَّ غير المسلم ليس من أهل الولاية على المسلم؛ قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141]. (¬3)
أما لو كان الزَّوج مسلماً والمرأة ذميّة، فالنِّكاح ينعقد بشهادة الذِّميين سواء كانا موافقين لها في الملّة أو مخالفين، وينعقد نكاح الزَّوجين الكافرين بشهادة الكافرين، سواء كانا موافقين لهما في الملّة أو مخالفين (¬4).
ولا يشترط في الشَّاهد: العدالة والبصر والذكورة والنطق وعدم الحدّ في القذف أو الزِّنا وعدم الأبوة أو البنوة، فيصحُّ بشهادةِ الفاسقين، والأَعميين، ورجل وامرأتين، وبحضور الأخرس إن كان يسمع، والمحدودين في القذف وإن
¬
(¬1) ينظر: البدائع 2: 256، والفتاوى الهندية 1: 267.
(¬2) ينظر: الدُّر المختار 2: 274، وغيره.
(¬3) وتمام الكلام في هذه الشروط في البدائع 2: 253 وغيره.
(¬4) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 267، ورد المحتار 1: 272، والبحر 3: 95، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 62
لم يتوبا (¬1)، وبحضور مَن لا تُقبل شهادتُه له أصلاً، كما إذا تزوَّج امرأةً بشهادةِ ابنيه منها أو من غيرها.
وجاز الشَّهادة لهؤلاء؛ لأنَّ للنِّكاح حكمان: حكمُ الانعقاد والصِّحَّة، وحكم الإظهار، فحكم الانعقاد يكون لكلِّ مَن ملك القَبول لنفسه فينعقد النِّكاح بحضوره، وأما حكم الإظهار: وهو عند التَّجاحد، فلا يقبل فيه إلا العدول وعدم الحدّ في قذف وعدم البنوّة أو الأُبوّة، كما في سائر الأحكام (¬2).
4.أن يسمع كلٌّ من العاقدين كلامَ الآخر؛ لأنَّ عدم سماع أحدهما كلام صاحبه بمنزلة غيبته (¬3).
5.سماع الشَّاهدين كلام العاقدين معاً، فلا ينعقدُ بشهادة نائمين إذا لم يسمعا كلام العاقدين، أو بحضور الأصمين اللذين لا يسمعان، أو لو سمعا كلام أحدهما دون الآخر، أو لو سمع أحدُهما كلام أحدهما والآخر كلام الآخر (¬4).
6.أن يفهم الشَّاهدان كلامَ العاقدين أنَّه نكاح، فلو عقدا بحضرة هنديين أو تركيين لم يفهما كلامهما لم يجز (¬5). (¬6)
¬
(¬1) ينظر: البحر 3: 95، ومنحة الخالق 3: 95، ورد المحتار 2: 273، والخانية 1: 332.
(¬2) ينظر: الجوهرة النيرة 2: 4، وكشف الإلتباس ص74.
(¬3) ينظر: البحر 3: 89 - 90، والفتاوى الهندية 1: 267.
(¬4) ينظر: البدائع 2: 255، والهندية 1: 268، والرد 2: 272 - 273، والفتح 3: 204.
(¬5) هذا ما اختاره قاضي خان في فتاواه 1: 332، وجزم به الزَّيلعي في التبيين 2: 99، لكن المتون: كالوقاية ص283، والملتقى ص47، والكنز ص43، لم تذكر أن يكونا فاهمين.
(¬6) وبهذه الشّروط التي سبق تفصيلها أخذ القانون الأردني كما في المادة (8): أ. يشترط في
صحّة عقد الزَّواج حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين من المسلمين ـ إذا كان الزَّوجان مسلمين ـ عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقَبول فاهمين المقصود بهما. ب. تجوز شهادة أصول كلّ من الخاطب والمخطوبة وفرعهما على العقد.
الجزء 1 · صفحة 63
7.رضا المرأة إذا كانت بالغةً بكراً كانت أو ثيباً، فلا يملك الوليُّ إجبارها على النِّكاح، إلا أنَّ نكاحَها جائزٌ؛ لأنَّ الرِّضا ليس من شروطِ النِّكاح؛ لصحَّة النِّكاح مع الإكراه والهزل، والرَّجلُ والمرأةُ في ذلك سواء، ولكن لها أن تردَّ هذا النكاح بعد ذلك، كما أنَّ الرَّجل يملك تطليقها (¬1).
8.أن لا يخالف القَبول الإيجاب، بأن يوافق القَبول كل أجزاء الإيجاب، فإذا قال رجلٌ لآخر: زوجتُك ابنتي على ألف دينار، فقال الزَّوج: قَبِلت النِّكاح ولا أقبل المهر، فإنَّه لا يصح.
9.أن يضيفَ النِّكاح إلى كلِّها أو ما يعبَّر به عن الكلِّ: كالرأس والرَّقبة، بخلاف اليد والرِّجل، وفي الظهر والبطن ونصف المرأة خلاف (¬2).
¬
(¬1) وتمام تحقيق هذا البحث في رد المحتار 2: 272.
(¬2) فلو أضافَ النِّكاحُ إلى نصف المرأة فيه روايتان، واختلف التصحيح فيهما:
1. ... إنَّه لا يقع، وهو الصَّحيح، كما في فتاوى قاضي خان والظَّهيرية، وفي التنوير ص56: هو الأصح، وأيده الحصكفي في الدُّر المختار 2: 266،
2. ... إنَّه يقع، اختاره في التَّفاريق ومختار الفتاوى، وأجازه في المبسوط. ينظر: البحر 3: 90، ورد المحتار 2: 266، والفتاوى الهندية 1: 269، وغيرها.
وأيضاً إضافة النِّكاح إلى الظهر والبطن اختلف التَّصحيح فيها:
1. ... إنَّه لا يقع، ذكره ركن الإسلام والسَّرخسي، وقال في البحر: قالوا: إنَّه الأصح.
2. ... إنَّه يقع، قال الحلواني: قال مشايخنا: إنَّه الأشبه بمذهب أصحابنا. ينظر: البحر 3: 90، ورد المحتار 2: 266، والفتاوى الهندية 1: 269، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 64
10.أن يكون الزَّوجُ والزَّوجةُ معلومين، سواء كلٌّ منهما للآخر، أو للشُّهود، وفي حال وجوده يكفي في ذلك الإشارة إليه، حتى لو كانت متنقبة كفى الإشارة إليها والاحتياط كشف وجهها. وفي حال غيبته يكون بتمييزه عن غيره؛ لرفع الجهالة بذكر الاسم الذي يتميّز به عن غيره، فلو ذكر اسمه مجرّداً وعرفه الشهود به صحّ، ولو احتيج لمعرفته لذكر الأب والجدّ فلا بُدَّ من ذكرها (¬1).
11.الولاية؛ كالأب والجد، فلا ينعقد إنكاح من لا ولاية له (¬2).
12. المهر؛ فلا جواز للنِّكاح بدون المهر (¬3).
13.الكفاءة في إنكاح غير الأب والجدّ من الأخ والعمّ الصَّغير والصَّغيرة (¬4).
ثالثاً: شرائط اللزوم، وهي نوعان:
1.أن يكون الولي في إنكاح الصَّغير والصَّغيرة هو الأب أو الجدّ (¬5).
2.كفاءة الزَّوج في إنكاح المرأة الحرّة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها (¬6).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 272، والفتاوى الهندية 1: 268، والفتح 3: 192، والبحر 3: 95.
(¬2) ينظر: البدائع 2: 237.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 2: 274.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه 2: 310.
(¬5) ينظر: بدائع الصنائع 2: 315.
(¬6) ينظر: المصدر السابق 2: 317.
الجزء 1 · صفحة 65
3.كمال مهر المثل في إنكاح الحرّة العاقلة البالغة نفسها من كفء بغير رضا الأولياء (¬1).
4.خلو الزَّوج عن عيب الجُبّ والعُنّة عند عدم الرِّضا من الزَّوجة بهما (¬2).
5.عدم تمليك الطَّلاق من زوجته أو من غيرها، أو تعليق الطَّلاق بشرط، أو الإضافة إلى وقت؛ لأنَّه بالتمليك جعل النِّكاح بحال لا يتوقف زواله على اختياره، وكذا بالتعليق والإضافة (¬3) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: نفس المصدر 2: 322.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه 2: 322.
(¬3) ينظر: البدائع 2: 328.
(¬4) وبهذا يتبين أنه ليس من شروط العقد تسجيله في المحاكم، وإنما هو لحفظ الحقوق من الضياع، وعدم تسجيل العقد ينشأ عنه أضرار كثيرة بالزوجين أو أحدهما، ولذلك نص عليه القانون الأردني وغيره، ففي المادة (36): أ. يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه قبل إجراء عقد الزَّواج.
ب. يوثق القاضي أو من يأذن له عقد الزَّواج بوثيقة رسمية. ج. إذا أجري عقد الزَّواج ولم يُوثّق رسمياً يعاقب كل من العاقد والزَّوجين والشُّهود بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات وتغرم المحكمة كل واحد منهم بغرامه مقدارها مائتا دينار. د. يعاقب كل مأذون لا يسجل العقد في الوثيقة الرَّسمية المعدة لذلك بالعقوبتين المنصوص عليهما في الفقرة السَّابقة مع العزل من الوظيفة. هـ. يعين مأذونو توثيق عقود الزَّواج وتنظم أعمالهم وفق تعليمات يصدرها قاضي القضاة.
و. يمنع إجراء عقد زواج المعتدة من طلاق أو فسخ أو وطء بشبهة قبل مضي تسعين يوماً على موجب العدَّة ولو كانت منقضية ويستثنى من ذلك العقد بينها ومن اعتدت منه.
ز. يتولى قناصل المملكة الأردنية الهاشمية المسلمون في خارج المملكة توثيق عقود الزَّواج وسماع تقارير الطلاق للرعايا الأردنيين الموجودين خارج المملكة وتبليغها وتسجيل هذه الوثائق في سجلاتها الخاصة وإرسال نسخة من تلك الوثائق الى دائرة قاضي القضاة.
ح. تشمل كلمة القنصل وزراء المملكة الأردنية الهاشمية المفوضين والقائمين بأعمال هذه المفوضيات ومستشاريها أو من يقوم مقامهم.
الجزء 1 · صفحة 66
وما توفر فيه من عقود الزَّواج الأركان السَّابق ذكرها وهذه الشروط كان عقداً صحيحاً تترتب عليه آثاره الآتي شرحها من الحقوق والواجبات كالمهر والنَّفقة وغيرها (¬1).
المطلب الثاني: الشروط في الزواج:
يمكن أن يكون عقد الزواج منجزاً أو مضافاً للمستقبل أو مقروناً بشرط.
فالزواج المنجز: وهو ما صدر بصيغةٍ مطلقةٍ، كما إذا قال رجلٌ لامرأةٍ: تزوَّجتُك، فقالت: قبلت، فهو صحيحٌ بالشُّروط السَّابق ذكرها.
والزواجُ المضافُ إلى زمن مستقبل، وهو ما قصد حصوله في المستقبل، كما إذا قال رجل لامرأةٍ: تزوَّجتُك غداً أو بعد شهر، وهذا النكاح لا ينعقد (¬2).
¬
(¬1) جاء في القانون الأردني في المادة (29): يكون عقد الزَّواج صحيحاً إذا توفرت فيه أركانه وسائر شروط صحته. وفي المادة (32): إذا وقع العقد صحيحاً ترتبت عليه آثاره منذ انعقاده.
(¬2) ينظر: درر الحكام 1: 344، والشرنبلالية 1: 344، والدر المختار3: 53، ورد المحتار 3: 53.
الجزء 1 · صفحة 67
والزَّواجُ المعلَّق على شرطٍ: كإن حضر ابني من سفر فقد زوجتك له، فإن الزواج لا يصحّ؛ لأنه لا يصحّ تعليق النِّكاح بالشَّرط، إلا إذا كان تعليقه على شرط ماض كائنٍ: أي متحقِّق ومستمر إلى الحال، كإن خطب رجلٌ امرأةً، فقالت: قبلت إن كنت تملك سيارة، وكان مالكاً لسيارة، فيكون الزَّواج صحيحاً؛ لأنّ التَّعليق صوريّ، أو كان تعليقه على شرط تحقَّق وجوده في المجلس، كأن تقول: تزوجتك إن رضي أبي، فإن كان أباه في المجلس ورضي في المجلس، صحّ النكاح استحساناً؛ لزوال التعليق حقيقة (¬1). (¬2)
والزَّواجُ المقرونُ بشرطٍ، وهو ما صدرَ فيه الإيجاب غير مقيَّدٍ بشيءٍ أوَّلاً، ثمّ أعقب بشرطٍ زائدٍ عليه، كما إذا قال رجل لامرأة: تزوَّجتك بشرط أن لا أدفع لك مهراً، فقبلت، ففي هذا المثال صدر الإيجاب، وهو قوله: تزوَّجتك، منجزاً في
أول الأمر، ولكن أتى بعده الشرط وهو عدم المهر، فيصحّ العقد ويجب مهر المثل.
وللشرط المقرون المخالف لمقتضى العقد حالات:
1.أن لا يكون الاشتراط متعلق بنقص في مهر مثلها، أو زيادة عنه لأمر مرغوب فيه، كمن شرط في العقد طلاق ضرتها، فيصحّ العقد ويلغو الشرط؛
¬
(¬1) ينظر: البحر 6: 204 - 205، ورد المحتار3: 53 - 54، ومنحة الخالق 6: 203 - 204.
(¬2) وبهذا أخذ القانون الأردني كما في المادة (9): لا ينعقد الزَّواج المضاف إلى المستقبل، ولا المعلق على شرط غير متحقِّق.
الجزء 1 · صفحة 68
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطلٌ) (¬1)، وليست هذه الشُّروط فيه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حَرَّمَ حلالاً) (¬2)، وهذه الشروط تحرِّم الحلال: كالتزوّج بها، والمسافرة بها، ونحو ذلك، فكانت مردودة.
2.أن يكون فيه اشتراط منفعة مباحة لها أو لأبيها أو لذي رحم محرم مقابل نقص في مهر مثلها: كما إذا كان مهرُ مثلها ألفاً وخمسمئة، وتزوَّجها على ألفٍ بشرط أن لا يخرجَها من بلدها، أو أن لا يتزوَّجَ عليها، أو أن يطلِّقَ ضرَّتها، أو أن يكرمَها ولا يكلفَها الأعمال الشاقّة، أو أن يهدي لها الثياب الفاخرة مع الألف، فإن وفّى بالشرط، فلها المهر المسمَّى؛ لأنه سمَّى ما صَلُحَ مهراً، وقد تمَّ رضاها به، وإن لم يف بالشرط، فلها مهر مثلها؛ لأنه سمَّى ما لها فيه نفع حتى رضيت
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 10: 94، وسنن البيهقي الكبير 7: 132، وسنن النسائي 3: 365، وسنن ابن ماجه 2: 842، ومسند إسحاق بن راهويه 2: 429، والمعجم الصغير 297، وغيرها، وتمامه في صحيح البخاري 2: 756: عن عائشة رضي الله عنها دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اشتري وأعتقي، فإنَّ الولاء لمَن أعتق، ثمّ قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أحقّ وأوثق).
(¬2) في المستدرك 4: 113، وجامع الترمذي3: 634، وقال: حديث حسن صحيح، وسنن البيهقي الكبير 6: 79، وسنن الدارقطني 3: 27، وشرح معاني الآثار 4: 90، وغيرها. وله ألفاظ أخرى. ينظر: كشف الخفاء 2: 273.
الجزء 1 · صفحة 69
بتنقيص المسمَّى عن مهر المثل، فعند فواته ينعدم رضاها بالألف، فيكمِّل مهر مثلها.
3.أن يكون اشترط وصفاً مرغوباً فيه عند الزَّوجة، مقابل الزَّيادة على مهر المثل، كما إذا تزوَّجَ رجلٌ امرأةً بأزيد من مهر مثلها مقابل البكارة أو الجمال، فإن وجدَ ما اشترطَه لَزِمَه كلّ المسمَّى، وإن لم يجد، فلا يلزمه إلا مهر المثل، وتسقط عنه الزيادة؛ لأنَّه ما أتي بها إلاَّ في مقابلة وصفٍ ولم يوجد، فلا تستحقّ الزِّيادة.
4.إذا سمَّى لها مهراً على تقدير، وآخر على تقدير آخر، كما إذا تزوَّجَها على ألف إن أقامَ بها في هذا البلد وعلى ألفين إن أخرجَها منه، أو على ألف إن طلَّق ضرَّتَها وعلى ألفين إن أبقاها على ذمّته، أو على ألف إن كانت قبيحةً وعلى ألفين إن كانت جميلةً، فإن وفَّى بالشرط فلها المذكور أولاً؛ لأنَّ الشَّرط الأول صحيح، والثاني فاسد، وإن لم يف بالشرط لها مهر المثل بشرط أن لا يزيد على الألفين ولا ينقص عن الألف (¬1). (¬2)
¬
(¬1) ينظر: تفصيل الأحكام المتعلقة بالشروط المقرونة في البحر 3: 171 - 174، ورد المحتار 2: 345، وشرح الأحكام الشَّرعية 1: 135 - 138، وغيرها.
(¬2) أما بالنسبة للشرط المقرون في القانون الأردني ففي المادة (37): إذا اشترط حين العقد
شرط نافع لأحد الزَّوجين، ولم يكن منافياً لمقاصد الزَّواج، ولم يلتزم فيه بما هو محظور شرعاً، وسجل في وثيقة العقد وجبت مراعاته وفقاً لما يلي: أ- إذا اشترطت الزَّوجة على زوجها شرطاً تتحقق لها به مصلحة غير محظورة شرعاً ولا يمس حق الغير، كأن تشترط عليه أن لا يخرجها من بلدها، أو أن لا يتزوج عليها، أو أن يسكنها في بلد معين، أو أن لا يمنعها من العمل خارج البيت، أو أن تكون عصمت الطَّلاق بيدها، كان الشَّرط صحيحاً، فإن لم يف به الزَّوج فسخ العقد بطلب الزَّوجة ولها مطالبته بسائر حقوقها الزَّوجية. ب- إذا اشترط الزَّوج على زوجته شرطاً تتحقق له به مصلحة غير محظورة شرعاً ولا يمس حق الغير، كأن يشترط عليها أن لا تعمل خارج البيت، أو أن تسكن معه في البلد الذي يعمل هو فيه، كان الشَّرط صحيحاً وملزماً، فإذا لم تف به الزَّوجة فسخ النِّكاح بطلب من الزَّوج وسقط مهرها المؤجل ونفقة عدتها. ج- إذا قيد العقد بشرط ينافي مقاصده أو يلتزم فيه بما هو محظور شرعاً، كأن يشترط أحد الزَّوجين على الآخر أن لا يساكنه أو أن لا يعاشره معاشرة الأزواج أو أن يشرب الخمر أو أن يقاطع أحد والديه، كان الشَّرط باطلاً والعقد صحيحاً.
المادة (38): أ. ينبغي أن تكون عبارة الشرط واضحة مشتملة على تصرف يلتزم به المشروط عليه ليترتب على عدم الوفاء به أحكامه وآثاره. ب. يستثنى شرط العصمة من اشتمال عبارته على تصرف يلتزم به الزَّوج, ويكون بمثابة التَّفويض بالطلاق، وصلاحيته مستمرة بعد مجلس العقد وتوقعه الزَّوجة بعبارتها أمام القاضي ويكون الطلاق به بائناً.
الجزء 1 · صفحة 70
المطلب الثالث: الأنكحة المترتبة على الشّروط في الزَّواج:
هناك بعض الأنكحة لحكمها تعلَّق بشروطٍ النِّكاح؛ إذ لها تأثيرٌ في صحَّتِها وبطلانها على التفصيل الآتي:
1.نكاح المتعة: يكون بلفظ اشتمل على مادة متعة: كأتمتع وأستمتع (¬1)، مثل
أن يقول: أعطيك كذا على أن أتمتع منك يوماً أو شهراً أو سنة ونحو ذلك، أو أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال، وهو باطل (¬2)؛ لقوله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
¬
(¬1) ينظر: حاشية شلبي على التبيين 2: 115.
(¬2) ينظر: الهداية 3: 247، والعناية 3: 247 - 248.
الجزء 1 · صفحة 71
حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (¬1)، حرَّم تعالى الجماع إلا بأحد شيئين: النكاح أو ملك اليمين، والمتعة ليست بنكاح ولا بملك يمين، فيبقى التحريم. وعن عليّ - رضي الله عنه - أنَّه سَمِع ابنَ عَبّاس - رضي الله عنهم - يلين في متعة النِّساء، فقال: (مهلاً يا ابن عباس، فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر) (¬2)، وعن سبرة الجهني - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من كان عنده من هذه النِّساء اللاتي يتمتع فليخل سبيلها) (¬3)، قال الكاساني (¬4): «إنَّ الأُمة بأسرهم امتنعوا عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة لهم إلى ذلك»، ولأنَّ نكاح المتعة لا يراد به مقاصد عقد النِّكاح من القرار للولد وتربيته (¬5).
2.النِّكاح المؤقَّت: ويكون بلفظ النِّكاح والتَّزويج وما يقوم مقامهما مع التأقيت فيه: كأن يقول: أتزوّجك عشرة أيام، ونحو ذلك، وهو باطل؛ لما سبق ذكره في المتعة؛ لعدم التأبيد فيهما، وهو في معنى نكاح المتعة، والعبرة للمعاني دون الألفاظ (¬6).
¬
(¬1) سورة المؤمنون 5: 6.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1028، وصحيح البخاري 4: 1544، 5: 1966، وسنن النَّسائي 3: 328، والمجتبى 6: 125، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 1023، وسنن النَّسائي 3: 328، وقال: صحيح. والمجتبى 6: 126، وغيرها.
(¬4) في البدائع 2: 273.
(¬5) ينظر: الفتح 3: 248، والبحر 3: 115، ومجمع الأنهر 1: 331، وغيرها.
(¬6) ينظر: الهداية 3: 250.
الجزء 1 · صفحة 72
والفرق بين نكاح المتعة والنِّكاح المؤقت: 1) أنَّ نكاح المتعة يكون بمشتقات لفظ: تمتع، والمؤقت: يكون بألفاظ التَّزويج الصَّريحة والكناية. و2) أنَّ نكاح المتعة لا يشترط فيه الشُّهود، والمؤقَّت يشترط فيه الشُّهود. و3) أنَّ نكاح المتعة لا يشترط فيه مدّة معينة، والمؤقَّت يشترط فيه تحديد المدة (¬1).
3.النِّكاح المشروط فيه مدة: بأن شرط في العقدِ أن يُطلَّقها بعد مدّة معيَّنة، كأن يقول: تزوَّجتُك على أن أطلِّقك بعد شهر، فإنَّ النِّكاحَ صحيحٌ والشَّرطَ باطل؛ لأنَّ الطَّلاقَ قاطعٌ للنِّكاح، فاشتراطه بعد شهر لينقطع به النكاح دليلٌ على وجود العقد مؤبّداً؛ ولهذا لو مضى الشَّهر لم يبطل النِّكاح (¬2).
4.النِّكاح بنيّة الطلاق: بأن تزوَّج رجلٌ امرأةً بألفاظ الزَّواج الصَّريحة أو الكناية ولم يحدد مدّة في العقد، وكان في نيَّته أن يطلِّقها بعد وقت كذا، فإنَّ النكاح يكون صحيحاً؛ لأنَّ التَّوقيت يكون باللفظ (¬3)، لكن هذه النية هو آثم بها لمخالفته مقاصد النكاح، ولما فيه من الخداع، وهذا ما يحصل كثيراً عند الزَّواج بالكتابيات في بلاد غير المسلمين بنيّة أخذ الإقامة أو غيرها ثمّ تطليقهنّ، فيأثم بهذا الفعل، بل عليه أن يتزوَّج بها بنيّة صحيحةٍ من الدَّيمومة، ثمّ إن لم تتيسَّر أمورُ الزَّواج أو لم تسافر معه يُطلِّقُها، فلا يليق بحال المسلم الخيانة.
¬
(¬1) ينظر: حاشية شلبي 2: 115، والهداية 3: 248، والعناية 3: 249، والفتح 3: 249، وغيرها.
(¬2) ينظر: التبيين 2: 115، والعناية 3: 251، ومجمع الأنهر 1: 331، والدر المختار 3: 52.
(¬3) ينظر: التبيين 2: 115 - 116، وفتح القدير 3: 249، والشّرنبلالية 1: 334، والبحر 3: 166، والدر المختار 3: 52، ورد المحتار 3: 52، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 73
5.نكاح النَّهاريات: وهو أن يتزوَّجها على أن يقعد معها نهاراً دون الليل، فلا بأس بذلك، وينبغي أن لا يكون هذا الشَّرط لازماً عليها، ولها أن تطلب المبيت عندها ليلاً: أي إذا كان لها ضرّة غيرها، وَشَرَطَ أن يكون في النَّهار عندها وفي الليل عند ضرّتها، أما إن لم يكن لها ضرة، فالظَّاهر أنَّه ليس لها الطَّلب، خصوصاً إذا كانت صنعته في الليل كالحارس (¬1).
وهذا يُعرِّفنا بحكم زواج المسيار الذي كثر الكلام عليه، وهو أن يتزوَّج المرأة بلا مهر ولا نفقة ولا سكنى، فهو صحيحٌ، لكن هذه الشُّروطُ فاسدةٌ، وللمرأةِ بعد النِّكاح أن تطالبَه بمهر المثل والنَّفقة والسُّكنى؛ لأنها مقتضى عقد النكاح، إلا إذا تسامحت المرأة بالمطالبة فلا تلزم، ولها في أي وقت تحصيلها؛ لأنها حقوقها، فلا تسقط بإسقاط المرأة.
6.زواج الشّغار: وهو أن يزوِّجَ الرَّجلان كلٌّ مولية الآخر على أن يكون بضع كلٍّ مهراً لمولية الآخر، سواء كانت بنتاً أو أختاً أو غيرها، كأن يقول رجلٌ لآخر: زوَّجتُك بنتي على أن تزوِّجني بنتك، فإنَّ النِّكاحَ صحيح، ويجب على كلٍّ منهما مهر المثل (¬2)؛ لأنَّ النِّكاح مؤبد أدخلَ فيه شرطاً فاسداً، حيث شَرَطَ فيه أن يكون بضع كلِّ واحدة منهما مهر الأخرى, والبضع لا يصلح مهراً: كالخمر
¬
(¬1) ينظر: التبيين 1: 116، والفتح 3: 249، والبحر 3: 116، ورد المحتار 3: 53، وغيرهما.
(¬2) ينظر: المبسوط 5: 155، وفتح القدير 3: 249، والتبيين 2: 145، ودرر الحكام 1: 342، والبحر 3: 167، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 74
والخنْزير, والنِّكاح لا تبطله الشُّروط الفاسدة (¬1). قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا شغار في الإسلام) (¬2): أي لا نكاح خالي عن المهر، وبإيجاب مهر المثل لكل منهما يرتفع هذا الشّغار، فيزول النَّهي الذي في الحديث (¬3)، ويؤيد هذا ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: (أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشّغار، والشّغار أن يزوِّج الرَّجل ابنته على أن يزوِّجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق) (¬4).
7.زواج المريض مرض الموت: فيصح زواج المريض مرض الموت (¬5)، ويكون لها مهر المثل من كل المال (¬6)، قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في مرضه الذي مات فيه: «زوجوني، إني أكره أن ألقى الله - عز وجل - عزباً» (¬7)، ووعن نافع مولى ابن عمر - رضي الله عنهم -،
¬
(¬1) ينظر: البدائع 2: 278، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1035، وصحيح ابن حبان 7: 416،
(¬3) ينظر: المبسوط 5: 155، وفتح القدير 3: 249، وغيرهما.
(¬4) في صحيح البخاري 5: 1966.
(¬5) اتفق الحنفية والشَّافعية والحنابلة والظَّاهرية على صحته. ينظر: غمز العيون البصائر 1: 246، وكشف الأسرار 4: 307، والأم 1: 108، والمغني 7: 210، والمحلى 9: 152 - 156، وغيرها. واختلفت الرِّوايات عن الإمام مالك فيه. ينظر: المدونة 2: 170، والشرح الكبير 2: 275 - 276، ومواهب الجليل 3: 481، والتاج والإكليل 5: 142 - 143.
(¬6) هذا ما قاله الحنفية والحنابلة. ينظر: الهداية 3: 500، والعناية 4: 237، وفتح القدير 4:
237، والفتاوى الكبرى 5: 446، وغيرها. وقال الشَّافعي وابن حزم لها المسمى من مهرها. ينظر: الأم 1: 108، والمحلى 9: 152، وغيرها.
(¬7) في المحلى 9: 154.
الجزء 1 · صفحة 75
قال: «تزوج عبد الرَّحمن بن أبي ربيعة بنت عم له في مرضه لترثه, فمات فورثته, وذلك في زمن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -» (¬1). (¬2)
8.النِّكاح بشرطِ الخيار: فلا يثبت في الزواج خيار الشرط والعيب والرؤية:
فخيار الشَّرط لا يفسد النِّكاح ويبطل الشَّرط، فلو قال: تزوجتك على أني بالخيار، فقبلت، صحَّ ولا خيار له؛ لأنَّ فائدةَ هذا الشَّرط أنَّ الإنسان يختار ما هو الصَّالح له من الأمرين ويمضيه، فكان عليه أن يبحث قبل إقدامه على العقد؛ لأنَّ الفسخ هنا يترتّب عليه ضرر.
وخيار الرُّؤية لا يفسد النِّكاح ولا خيار له، فإذا تزوّج رجل امرأة ولم ير أحدهما صاحبه قبل التَّزوج، فليس لواحد منهما فسخ العقد مدّعياً أنَّ له خيار الرُّؤية؛ لأنَّ الشَّارعَ أباح لكل منهما النَّظر إلى صاحبه قبل العقد، فإذا لم يحصل كان التَّقصير من جهة كل منهما، فلا يثبت له الخيار؛ ولأنَّه يترتّب على الفسخ ضرر لكلّ منهما (¬3).
وخيار العيب لا يفسد النِّكاح، بل يُبطل الشَّرط، إلا إذا كان الزَّوج معيب بأن يكون مجبوباً: وهو مقطوع الأعضاء المعلومة، أو خَصِيّاً: وهو مَنْزوع الخصيتين لا العضو المعلوم، أو عنِّيناً: وهو مَن لا يمكنه أن يصل إلى النِّساء
¬
(¬1) في المحلى 9: 154، والأم 1: 108.
(¬2) جاء في القانون الأردني المادة (60): إذا تزوج أحد في مرض موته ينظر فإن كان المهر المسمى مساوياً لمهر مثل الزوجة تأخذه الزوجة من تركة الزوج وإن كان زائداً عليه يجري في الزيادة حكم الوصية. ينظر: التشريعات الخاصة ص137.
(¬3) ينظر: المبسوط 5: 94 - 95، والبدائع 2: 328، وفتح القدير 3: 199، وشرح الأحكام الشَّرعية 1: 31.
الجزء 1 · صفحة 76
عجزاً، أو لا يريدهن، فمتى وَجدت المرأة في زوجها أحد هذه العيوب، كان لها الإقامة معه أو رفع أمرها للقاضي؛ ليفرق بينهما. وأما المرأة, فخلوها عن العيب ليس بشرط للزوم النِّكاح، حتى لا يفسخ النِّكاح بشيء من العيوب الموجودة فيها (¬1)؛ لأنَّ الزَّوجَ يملك تطليقها بلا حاجة إلى عذر، وهي لا تملك ذلك، فثبت الخيار لها دونه؛ لإيفائها حقّها.
• • •
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 5: 96، والبدائع 2: 327.
الجزء 1 · صفحة 77
الفصل الثَّالث
في المحرمات والولي
المبحث الأول
المحرمات في الزَّواج
من عظيم منن الله - عز وجل - علينا أنَّه لم تكن العلاقة بين الرِّجال والنِّساء كلها مبنيّة على رغبة كلّ منهما بالآخر فحسب، بل استثنى قسماً منها وجعل العلاقة فيما بينهما مرتكزة على المودّة والرَّحمة والشفقة والتواصل، ولولا ذلك لاستحالت الحياة وانعدم الاستقرار فيها، فكيف يمكن أن تكون علاقة الابن وأمّه أو أخته أو عمّته راجعة إلى الشَّهوة.
والأصل في هذا التحريم: قوله - جل جلاله -: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيل. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ
سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيما. وَالمُحْصَنَات مِنَ النِّسَاء} [النساء: 22 - 24].
والحرمة في النِّساء اثنتان: مؤبَّدة، ومؤقتة، وتفصيلها في المطالب الآتية:
الجزء 1 · صفحة 78
المطلب الأول: الحرمة المؤبَّدة:
ويكون سبب الحرمة فيها موجوداً على الدَّوام، فمتى ثبتت الأمومة أو زوجية الأصل أو الفرع، فلا تنفك، وتنحصر في ثلاثة أنواع:
أوَّلاً: المحرَّمات بسبب النَّسب، وهم أربعةٌ:
1.أصوله وإن علو: كأمّه وجدّته، سواء كانت من جهة الأم أو من جهة الأب؛ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}؛ والأم في اللغة هي الأصل، وحرمة الجدّات ثابتة أيضاً بالإجماع.
2.فروعه ولو سفلوا: كبنته، وبنت بنته، وبنت ابنه، وإن نَزَلت كل منهما؛ لقوله تعالى: {وَبَنَاتُكُمْ}؛ والبنت في اللغة: الفرع، وحُرمت بنات الابن ثابتة أيضاً بالإجماع.
3.فروع أبويه وإن نزلوا؛ كأُخته وبنتها، وبنت أخيه، سواء كانت الأخوة لأبوين أو لأب أو لأم؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَخَوَاتُكُمْ ... وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ}.
4.فروع أجداده وجدّاته إذا انفصلوا بدرجة واحدة: كعمته وعمّة أصوله، وخالته وخالة أصوله، سواء كانت القرابة لأبوين أو لأب أو لأم؛ لقوله - عز وجل -: {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُم}.
وهذه الحرمة شاملة للمذكر والمؤنَّث فهم فيها سواء (¬1). (¬2)
¬
(¬1) ينظر: شرح الأحكام الشَّرعية 1: 42، والبدائع 2: 257 - 258.
(¬2) نص القانون الأردني على المحرمات بسبب النَّسب في المادة (24): يحرم على التأبيد بسبب القرابة النَّسبية تزوج الشَّخص من: أ- أصله وإن علا. ب- فرعه وإن نزل. ج- فروع أحد الأبوين أو كليهما وإن نزلوا. د- الطَّبقة الأولى من فروع أجداده أو جداته.
الجزء 1 · صفحة 79
ثايناً: المحرمات بسبب المصاهرة، وهم أربعة:
1.فرع زوجته المدخول بها؛ لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}؛ لثبوت قيد الدُّخول وهو خاصٌّ بهذه الحالة فقط، سواء كانت في حجره أو حجر غيره (¬1)؛ لأنَّ ذِكر الحجر خَرَجَ مخرجَ العادة؛ إذ العادة أنَّ المرأة إذا تزوَّجت وكانت لها بنت تأخذها معها إلى منزل زوجها وحينئذ تكون في حجره، ولأنَّه اكتفى في الإحلال بنفي الدُّخول في قوله - جل جلاله -: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.
2.أصول زوجته: كأم زوجته وجدتها، سواء دخل بزوجته أم لم يدخل؛ لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}.
3.زوجة فروعه وإن سفلوا: كزوجة ابنه، وزوجة ابن ابنه؛ لقوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ}، وذكر الأصلاب؛ لإسقاط اعتبار التَّبني
لا لإحلال حليلة الابن من الرَّضاع.
¬
(¬1) وذهب الظَّاهرية إلى أنَّ حرمة بنت الزَّوجة لا تثبت إلا إذا كانت في حجره. ينظر: المحلى 9: 140.
الجزء 1 · صفحة 80
4.زوجة أصوله وإن علوا: كزوجة أبيه وجده؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء} (¬1) (¬2).
ويلحق بحرمة المصاهرة حرمة مَن زنى بامرأة أو لمسَها أو نظرَ إلى فرجها الداخل بشهوة (¬3)، وهذا إذا لم ينزل، فلو أنزل مع مسٍّ أو نظر فلا حرمة؛ لأنَّه بالإنزال تبين أنه غير مفض إلى الوطء؛ لأنَّ الحرمة عند ابتداء المس بشهوة كان حكمها موقوفاً إلى أن يتبيَّن بالإنزال، فإن أنزل لم تثبت وإلا ثبتت، لا أنَّها تثبت بالمسّ (¬4).
فيحرم على الزَّاني التَّزوُّج بفروع المزني بها وأصولها، وتحرمُ المزنيّ بها على أصول الزَّاني وفروعه، ولا تحرم على أصول الزَّاني وفروعه أصول المزنيّ بها ولا فروعها، فيجوز لابن الزَّاني أن يتزوج أمّ مزنية أبيه وبنتها، ويجوز لأبي الزَّاني التَّزوّج بأم المزني بها وبنتها (¬5)؛ لعموم قوله - جل جلاله -: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 279،
(¬2) وورد في القانون الأردني في المادة (25): يحرم على التَّأبيد بسبب المصاهرة تزوج الرَّجل من: أ ـ زوجة أحد أصوله وإن علوا. ب ـ زوجة أحد فروعه وإن نزلوا. ج ـ أصول زوجته وإن علون. د ـ فروع زوجته التي دخل بها وإن نزلن.
(¬3) هذا قول الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة، وذهب الشَّافعي وبعض الحنابلة إلى أنَّ اللمس والنَّظر لا يحرم. ينظر: شرح قانون الأحوال الشَّخصية ص103.
(¬4) ينظر: رد المحتار 2: 281، والعناية 3: 224، وغيرهما.
(¬5) وذهب الشَّافعي إلى أنَّ الزِّنا لا يوجب حرمة المصاهرة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُحرِّم الحرام
الحلال) في سنن ابن ماجه 1: 649، والمعجم الأوسط 5: 105، 7: 183، وسنن البيهقي الكبير 7: 168، وضعَّفه الكناني في مصباح الزّجاجة 2: 123، والهيثمي في مجمع الزَّوائد 4: 268.
الجزء 1 · صفحة 81
النِّسَاء}، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن نظر إلى فرج امرأة، لم تحلّ له أمّها ولا ابنتها) (¬1)، وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه -، قال فيمن فجر بأم امرأته: «حرمتا عليه جميعاً» (¬2) (¬3).
ثالثاً: المحرَّمات بسبب الرَّضاع:
والرضاع لغةً: شرب اللبن من الثدي أو الضّرع (¬4).
واصطلاحاً: مصّ الرَّضيع من ثدي الآدمية في عامين (¬5)، فيُحَرِّم قليل اللبن وكثيره (¬6)؛ لعموم قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 481، وضعَّفه البيهقي في سننه الكبير 7: 169.
(¬2) في مصنَّف عبد الرزاق 7: 200، وإسناده لا بأس به. ينظر: إعلاء السنن 11: 40.
(¬3) جاء في القانون الأردني في المادة (26): وطء المرأة غير الزَّوجة يوجب حرمة المصاهرة دون دواعي الوطء.
(¬4) ينظر: المصباح ص229، وغيره.
(¬5) ينظر: تنوير الأبصار ص65.
(¬6) وذهب الشَّافعي إلى أنَّ المُحرِّم هو خمس رضعات مشبعات متفرّقات؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها: (أنَّ أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً، وإنَّ سهلة بنت سهيل كانت تحت أبي حذيفة، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليَّ وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات فحرم بهنّ وكان بمنْزلة ولدها من الرَّضاعة) في المستدرك 2: 177 قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وفي صحيح ابن حبان 10: 28، والمنتقى 1: 173، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 82
الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23]، وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يحرمُ من الرَّضاع ما يحرمُ من النَّسب) (¬1)، وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، ولا زيادة بعد التمام، وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} [الأحقاف: 15]، ومعلومٌ أنَّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر؛ لقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن} [لقمان: 14]، وعن علي - رضي الله عنه -: (لا رضاع بعد فصال) (¬2).
والتعبير بالمصّ جرى على الغالب؛ لأنَّ المرادَ وصول اللبن إلى جوفه من فمه أو أنفه (¬3)، والمحرمون بالرَّضاع هم:
1.أصوله رضاعاً وإن علو: وهي الأم رضاعاً، والأب رضاعاً ـ وهو مَن نزلَ له اللبن بواسطته ـ وأم الأم، وأب الأم، وأم الأب، وأب الأب وهكذا.
2.فروعه رضاعاً وإن نزلوا: كالابن، والبنت، وابن الابن، وبنت الابن، وابن البنت، وبنت البنت، فيحرم على الأم رضاعاً تزوج أبنائها وأبناء أبنائها رضاعاً.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 935، وصحيح مسلم2: 1072، ولفظه: عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في بنت حمزة: (لا تحل لي، يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب، هي بنت أخي من الرَّضاعة)، وصحيح ابن حبان 10: 36، ومسند أي عوانة 3: 115، وجامع الترمذي 3: 452، وغيرها.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 7: 461، موقوفاً ومرفوعاً.
(¬3) ينظر: الشُّرنبلالية 1: 355، ومجمع الأنهر 1: 375.
الجزء 1 · صفحة 83
3.فروع أبويه من الرَّضاع وإن نزلوا: وهم الأخوة الأشقاء رضاعاً ـ أبناء الأم والأب رضاعاً ـ، والأخوة لأم ـ أبناء الأم من غير الأب ـ، والأخوة لأب ـ أبناء الأب من غير الأم ـ، وأبناء هؤلاء الأخوة، وهكذا.
4.فروع أجداده رضاعاً إذا انفصلوا بدرجة واحدة: كعمته رضاعاً، وخالته رضاعاً، وعمة أبيه، وعمّة أمه، وهكذا.
5.أصول زوجته من الرَّضاع وإن علو: كأم زوجته رضاعاً، وأم أم زوجته رضاعاً، وأم أب زوجته رضاعاً، وهكذا.
6.فروع زوجته من الرَّضاع إن دخل بها وإن نزلن: كابنة زوجته رضاعاً، وبنت ابن زوجته رضاعاً، وبنت بنت زوجته رضاعاً، وهكذا.
7.زوجات أصوله رضاعاً وإن علو: كزوجة أبيه رضاعاً، وزوجة جدِّه رضاعاً، وهكذا؛ لقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22].
8.زوجات فروعه رضاعاً وإن نزلن: كزوجة ابنه رضاعاً، وزوجة ابن ابنه رضاعاً، وزوجة ابن بنته رضاعاً، وهكذا (¬1). (¬2)
¬
(¬1) ينظر: تكملة فتح الملهم 1: 17.
(¬2) جاء في القانون الأردني في المادة (27):
أ- يحرم على التأبيد بسبب الرَّضاع ما يحرم من النسب.
ب- الرَّضاع المحرم: هو ما كان في العامين الأولين وأن يبلغ خمس رضعات متفرقات يترك الرَّضيع الرَّضاعة في كل منها من تلقاء نفسه دون أن يعود إليها قل مقدارها أو كثر.
ذهب الجمهور الحنفية والمالكية وأحمد في رواية عنه إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم وإن كان مصة واحدة، وذهب الشافعية والحنابلة في القول الصحيح عندهم إلى أن ما دون خمس رضعات لا يؤثر في التحريم. ينظر: الموسوعة الكويتية22: 244.
الجزء 1 · صفحة 84
والمستثنون من التَّحريم بالرَّضاع هم:
إن الَّذي يكون عليه الحرمة بالرَّضاع كالحرمة بالنَّسب: الشخص الَّذي رضع فحسب، أما أقربائه نسباً فلا يدخلون في الحرمة بالرَّضاع؛ ولذلك نجد اختلافاً في التَّحريم بين الرَّضاع والنَّسب؛ إذ بالنَّسب لا يوجد هذا الفصل.
والأفراد الَّذين توجد فيهم الحرمة بسبب النَّسب ولم توجد في الرَّضاع هم:
1.أمّ الأخ رضاعاً، ويشمل ثلاث صور: أ. أن يكون له أخ من الرَّضاع له أم من الرَّضاع، ولم يرضع منها ذلك الأخ. ب. أن يكون له أخٌ من الرَّضاع له أمٌّ من النَّسب ولم يرضع منها. ج. أن يكون له أخٌ من النَّسب وذلك الأخ له أمّ من الرَّضاع.
2. أمّ الأخت رضاعاً، وفيها الصور الثلاثة السَّابقة.
3. أخت الابن رضاعاً، ولها صور ثلاث: أ. أن يكون للرَّجل ابن من الرَّضاع؛ ولذلك الابن أختٌ من الرَّضاع لم ترضع من زوجة هذا الأب. ب. أن يكون له ابنٌ من الرَّضاع؛ ولذلك الابنُ أختٌ من النَّسب. ج. أن يكون له ابن من النَّسب ولابنه أخت من الرَّضاع.
4.أخت بنته رضاعاً، وفيها الصور الثلاثة السَّابقة.
الجزء 1 · صفحة 85
5.بنت أخت الابن رضاعاً، وفيها الصور السَّابقة.
6.بنت أخت البنت رضاعاً، وفيها الصور السَّابقة.
7.جدة ابنه رضاعاً، وتشمل ثلاث صور: أ. أن يكون له ابن من الرَّضاع والابن له جدّة من الرَّضاع. ب. أن يكون له ابن من الرَّضاع له جدة من النَّسب. ج. أن يكون له ابن من النَّسب وله جدة من الرَّضاع.
8.جدّة بنته رضاعاً، ولها الصور الثلاثة السَّابقة.
9.أمّ عمّه رضاعاً، وفيها ثلاث صور: أ. أن يكون له عمّ من الرَّضاع ـ أي أخ لأبيه رضاعاً ـ شقيقاً كان أو لأب أو لأم، وذلك العمّ له أمّ من الرَّضاع. ب. أن يكون له عمٌّ من الرَّضاع والعمّ له أمّ من النَّسب. ج. أن يكون له عمّ من النَّسب، وللعمّ أمّ من الرَّضاع.
10.أمّ العمّة رضاعاً، ولها الصور السَّابقة.
11.أمّ الخال رضاعاً، ولها الصور السَّابقة.
12.أمّ الخالة رضاعاً، ولها الصور السَّابقة.
13.عمّة ابنه رضاعاً، ولها ثلاث صور: أ. أن يكون له ابنٌ رضاعاً، والابن له عمّة رضاعاً. ب. أن يكون له ابن من الرَّضاع وابنه له عمّة من النَّسب. ج. أن يكون له ابن نسبيّ ولابنه عمّة من الرَّضاع.
14.عمّة البنت رضاعاً، ولها الصور الثلاثة السَّابقة.
15.بنت عمّة ابنه رضاعاً، ولها الصور السَّابقة.
الجزء 1 · صفحة 86
16.بنت عمة بنته رضاعاً، ولها الصور السَّابقة.
17.أمّ ابن ابنه رضاعاً، ولها ستة صور:
أ. أن يكون ابنه من الرَّضاع، وللابن ابن من الرَّضاع وله أمّ من الرَّضاع.
ب. أن يكون ابنه من الرَّضاع، وللابن ابن من الرَّضاع وله أمّ من النَّسب.
ج. أن يكون ابنه من الرَّضاع، وللابن ابن من النَّسب وله أمّ من الرَّضاع.
د. أن يكون ابنه من النَّسب، وللابن ولد من الرَّضاع، وله أم من الرَّضاع.
هـ. ان يكون ابنه من النَّسب، وللابن ولد من الرَّضاع، وله أم من النَّسب.
و. أن يكون ابنه من النَّسب، وللابن ولد من النَّسب، وله أم من الرَّضاع.
18.أم بنت ابنه رضاعاً، ولها الصور السَّابقة (¬1).
ومن أحكام الرَّضاع:
1.تتعيَّن الأم لإرضاع ولدها وتجبر عليه في الحالات الآتية:
إذا كان الأب فقيراً لا يجد مالاً يستأجر به من تُرضعه، ولا مال للولد، فتجبر على الإرضاع؛ لأجل حفظ حياة الولد.
وإذا وجد مال عند الأب أو الولد ولم يوجد من ترضعه، فيلزمها إرضاعه؛ إحياء لنفسه.
¬
(¬1) وتمام الكلام في شرح الأحكام الشَّرعية ص59 - 61، والأحوال الشَّرعية ص61 - 62، والدر المختار ورد المحتار 2: 407 - 408، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 87
وإذا كان الولد لا يقبل ثدياً غير ثدي أمه، فإنَّ الأم يلزمها إرضاعه؛ محافظةً على حياته، وهذا إذا لم يمكن استغناؤه ببعض الأطعمة بدون أن يلحقه ضرر بسبب غذائه بتلك الأشياء، فإن أمكن ولم يحصل للولد ضرر فلا يلزمها الإرضاع (¬1). (¬2)
وإذا أبت الأم أن ترضع ولدها في الأحوال التي لا يتعيّن عليها إرضاعه، فعلى الأب أن يستأجر مرضعةً ترضعه عندها؛ لتتعهده وتقوم بمصالحه (¬3). (¬4)
2.تستحقّ الأمّ الأُجرة على إرضاعها إن كانت الزَّوجيةُ غيرَ قائمةٍ؛ بأن حصل الطَّلاق البائن سواء كانت في عدَّته أو بعد انتهاءِ العدّة؛ لأنَّ النِّكاح قد زال فأُلحقت بالأجانب، فلها الحقُّ بمطالبته بالأُجرة، قال تعالى: {فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهنَّ أجُورَهُنّ} [الطلاق: 6]، ولا تستحقّ الأُجرة على إرضاعها حال قيام الزَّوجية أو في عدّة الطَّلاق الرَّجعي، وليس لها الحقّ بالمطالبة بالأُجرة؛ لأنَّ الواجب رزقها، وهو واجبٌ عليه لقيام الزَّوجيّة، فلو أخذت أُجرةً على الإرضاع لكان لها رزقان، مع أنَّ الله - جل جلاله - أوجب عليه رزقاً واحداً، قال - جل جلاله -: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ
¬
(¬1) ينظر: شرح الأحوال الشرعية 2: 45، وغيرها.
(¬2) في القانون الأردني في المادة (166): تتعين الأم لإرضاع ولدها وتجبر على ذلك إذا لم يكن للولد ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعة ولم توجد متبرّعة أو إذا لم يجد الأب مَن ترضعه غير أُمِّه أو إذا كان لا يقبل غيرها لإرضاعه.
(¬3) ينظر: الأحوال الشخصية لقدري باشا 2: 46، وغيرها.
(¬4) في القانون الأردني في المادة (167): إذا أبت الأم إرضاع ابنها في الأحوال التي لا يتعين عليها إرضاعه فعلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عندها.
الجزء 1 · صفحة 88
لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، بخلاف ما إذا أرضعت ولد زوجها من غيرها فلها الأجرة على ذلك؛ لأنَّه أجنبي بالنِّسبة إليها، فهو كأخذ الأجرة على إرضاع ولد لغير زوجها، وإن كان الزَّوج ينفق عليها (¬1). (¬2)
3.إنَّ الأم أحقّ بإرضاع ولدها بعد العدَّة ومقدّمة على الأجنبية ما لم تطلب زيادة على ما تطلبه الأجنبية؛ لأنَّ فيه تقديم غير الأم وهذا إضرارٌ بها، وفي حالة عدم طلبها زيادة لا يضارّ الأب.
أما إن وجدت أجنبية متبرّعة؛ بأن رضيت بإرضاعه مجاناً، أو بأقلّ مما تطلبه الأمّ، وإن كانت الأم تطلب أجرة المثل والذي تطلبه الأجنبية دون ذلك، فإنَّ الأجنبيّة أحقّ؛ لأنَّ المقصود غذاء الرَّضيع، وقد أمكن الحصول عليه بدون مشقّة على الأب، فيكون في تقديم الأمّ على الأجنبية إضرارٌ بالأب، قال تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233]، لكن لا تضارّ الوالدة بأخذ الولد منها، بل ترضعه عندها (¬3). (¬4)
¬
(¬1) ينظر: شرح الأحكام الشرعية 2: 46 - 47، وغيرها.
(¬2) جاء في القانون الأردني في المادة (168): لا تستحق أم الصغير حال قيام الزوجية أو في عدة الطلاق الرجعي أجرة على إرضاع ولدها وتستحقها في عدة الطلاق البائن وبعدها.
(¬3) ينظر: شرح الأحكام الشَّرعية 2: 47، والأحوال الشَّخصية 2: 48، وغيرها.
(¬4) جاء في القانون الأردني في المادة (169): الأمّ أحقُّ بإرضاع ولدها ومقدَّمةٌ على غيرها بأجرة المثل المتناسبة مع حال المكلَّف بنفقته ما لم تطلب أُجرة أكثر ففي هذه الحالة لا يضارّ المكلَّف بالنَّفقة، وتفرض الأجرة من تاريخ الإرضاع إلى إكمال الولد سنتين إن لم يفطم قبل ذلك.