المنهاج الوجيز
في فقه الوصايا والفرائض
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان ـ الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
جارٍ تحميل الكتاب…
المنهاج الوجيز
في فقه الوصايا والفرائض
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان ـ الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على سيدنا رسول الله، محمد بن عبد الله، النَّبيّ الأُمِّيّ، الصَّادق المصدوق، وعلى آله وصحبه، ومَن سار على دربه إلى يوم الدِّين.
أمّا بعد:
فقد أكرمني الله تعالى بدراسة علم الفرائض على الشَّيخ المبارك قاسم بن نعيم الطَّائيّ البغداديّ ـ فرَّج الله كربه وأحسن إليه ـ في مسجده في الكَرخ بعد صلاة الفجر لمدة من الزَّمان، حيث اختصر «شرح السِّراجية» إلى «الفوائد البهية في المواريث الشَّرعية» كلّما أتمَّ موضعاً شرحه لي، حتى أتم الاختصار والشَّرح لي، فجزاه الله عني وعن الإسلام كل خير.
ودرَّستُ المواريث من «تحفة الملوك» و «القدوري» و «الاختيار» مرَّات عديدة، وكنت أعزم دائماً على أن أجمع كتاباً مختصراً في الفرائض أركن فيه إلى «شرح السِّراجية» و «الفوائد البهية» وأُضيف لهما بعض الزَّوائد والشَّوارد، وأُكثر فيه من المسائل وحلِّها، وأهتمّ فيه بالتَّرتيب والتَّنظيم والتَّسهيل لهذا العلم.
وبقيت هذه الرَّغبة تراودني حتى يسرّ الله تعالى ذلك، وكُلِّفت بتدريس مادة أحوال شخصية (3)، وتشتمل على الوصايا والفرائض، فأَسرعت إلى تحقيق المقصود بهذا السِّفر العظيم الذي سَمَّيتُه:
«المنهاج الوجيز في فقه الوصايا والفرائض»
واهتممتُ فيه بما ذكرت سابقاً، حتى أنني لم أُوَثِّق ما اعتمدت فيه على «شرح السِّراجية» و «الفوائد»؛ لكثرة اعتمادي عليهما، ولئلا أطيل في التَّوثيق مما كان أصلاً للكتاب.
وأضفت إليه فصلاً في أحكام الوصايا، وتمهيداً في مقدّمات متعلِّقة بالفرائض من تعريفه وأهميته وموضوعه واستمداده والميراث عند الأمم السَّابقة وأهم المؤلَّفات فيه وغيرها.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يزرقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا السَّبيل، وأن يتجاوز عن خطايانا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
في 11/ 1/2016 م
في صويلح، عمان
الأردن
الفصل التَّمهيدي
مقدمات لعلم الفرائض
«المواريث»
أهداف الفصل التَّمهيدي:
1.أن يُعَرِّف المواريث والفرائض ويبين موضوع الفرائض وغايته.
2.أن يُبَيِّن فضل علم الفرائض ومكانته.
3.أن يُبَيِّن حكم تعلم الفرائض.
4.أن يُحَدِّد المصادر التي اُستمد منها مبادئ علم الميراث وأحكامه.
5.أن يُوَضِّح نظام الإرث في صدر الإسلام ويقارنه بالميراث في الأمم السَّابقة.
6.أن يُعَدِّد وجوه الإعجاز التَّشريعي في الميراث، ويستشعر عظمة ديننا الإسلامي من خلال استحضار هذه الوجوه.
7.أن يُعَدِّد أبرز المؤلفات في علم الفرائض.
أولاً: تعريف المواريث والفرائض وموضوعه وغايته:
فالمواريث جمع ميراث: وهو الإرث، ويطلق لغةً على أمر قديم توارثه الآخر عن الأول، وفي حديث الحج: «إنَّكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» (¬1): يريد به ميراثهم ملتهم (¬2).
واصطلاحاً: انتقال مال الغير إلى الغير على سبيل الخلافة، فكأنّ الوارث لبقائه انتقل إليه بقية مال الميت (¬3).
والفرائض جمع فريضة, وهي مأخوذة من الفرض، والفرض في اللغة له معانٍ منها: التَّقدير: كقوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} البقرة: 237: أي قَدَّرتم، والهبة, كقولهم: ما أصبت به فرضاً ولا قرضاً: أي ما أخذت منه شيئاً بلا عوض أو بعوض، والقطع: كقوله تعالى: {نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} النساء: 7 أي: مقطوعاً محدوداً (¬4).
وسُمِّي فرائض؛ لأنَّ الله تعالى قدَّره وقسَّمه بنفسه وأوضحه (¬5).
واصطلاحاً: هي علمٌ بأصول من فقهٍ وحسابٍ تعرف حقّ كلّ من التركة (¬6)، أو علم بقواعد فقهيّة وحسابيّة, بها يعرف نصيب كلِّ وارثٍ من التركة (¬7)، أو علم بقواعد وجزئيات تعرف بها كيفية صرف التَّركة إلى الوارث بعد معرفته (¬8).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 189، وسنن النَّسائي 5: 255، ومسند الشَّافعي 1: 241.
(¬2) ينظر: تاج العروس 5: 155، ولسان العرب 2: 111.
(¬3) ينظر: الاختيار 5: 85، والفتاوى الهندية 6: 447.
(¬4) ينظر: لسان العرب 7: 203، والمعجم الوسيط 2: 689.
(¬5) الدر المختار 6: 757 - 758.
(¬6) الدر المختار 6: 757 - 758.
(¬7) علم الفرائض لمحمد خيري المفتي ص 6.
(¬8) ينظر: كشف الظنون 1: 1244.
وموضوع الفرائض: التَّركة، والوارث؛ لأنَّ الفرضي يبحث عن التَّركة، وعن مستحقِّها بطريق الإرث، من حيث إنَّها تصرف إليه إرثاً، بقواعد مُعيّنة شرعيّة، ومن جهة قدر ما يحرزه، ويتبعها متعلّقات التَّركة (¬1).
وغاية علم الفرائض: إيصال الحقوق إلى أهلها أو الاقتدار على تعيين السِّهام لذويها على وجه صحيح كما أمر الله في كتابه العزيز (¬2).
ثانياً: فضل علم الفرائض ومكانته:
1.يُظهر شرف هذا العلم أنَّ الله تولَّى بيانه وقسمته بنفسه وأوضحه وضوح النَّهار بشمسه؛ فقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} النساء: 11، حيث بيَّن أهم سهام الفرائض ومستحقيها، والباقي يعرف بالاستنباط لمن تأمل في الآيات، وأكثر أحكامه أحكام نهائية لا مجال لاستئنافها أو نقضها؛ لأنَّها من توزيع الحكيم العليم الذي يعلم ما يصلح النُّفوس وما يفسدها.
2.حثّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على تعلُّمه وتعليمه؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا هريرة، تعلَّموا الفرائض وعلِّموها، فإنَّه نصف العلم وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي» (¬3). وإنَّما سمي نصف العلم؛ لأنَّ للإنسان حالتين: حالة حياة وحالة موت، ولكل
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 1: 1244.
(¬2) ينظر: أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية ص 24 - 25.
(¬3) سنن ابن ماجه 2: 908، والمستدرك 4: 369، والسنن الكبرى للبيهقي 6: 343، وقال: تفرد به حفص بن عمر وليس بالقوي، وسنن الدَّارقطني 5: 117، والمعجم الأوسط 5: 272.
منهما أحكام تخصّه. وقيل: النصف بمعنى الصنف. وقيل: إنَّ الملك نوعين: اختياري كالشراء والهبة يمكن رده، وقهري لا يمكن رده كالإرث، وقيل: تعظيماً لهما. وقيل: لكثرة شعبها، وما يضاف إليها من الحساب. وقيل: لزيادة المشقة. وقيل: باعتبار الثواب. وقيل: ترغيباً لهم في تعلم هذا العلم، لما علم أنَّه أول علم ينسى وينتزع من بين الناس (¬1).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعلَّموا العلم وعلِّموه الناس، تعلَّموا الفرائض وعلِّموها الناس، تعلَّموا القرآن وعلِّموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، والعلم سينقص، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما» (¬2).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» (¬3)، وفيه دليل على أنَّ العلم النَّافع الذي ينبغي تعلمه وتعليمه هو هذه الثلاثة، وما عداها ففضل لا تمس إليه حاجة.
3.اهتمام الخلفاء أنفسهم منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - به، فروي أنَّ عمر - رضي الله عنه - ذهب إلى بلاد الشام سنة (18) هجرية؛ ليعلِّم النَّاس علم المواريث، وقال - رضي الله عنه -: «تعلموا الفرائض فإنَّها من دينكم» (¬4)، وعن ابن المسيب، قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري: «إذا لهوتم فالهوا بالرَّمي، وإذا تحدَّثتم فتحدثوا بالفرائض» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1244.
(¬2) سنن الدَّارمي 1: 298.
(¬3) سنن أبي داود 3: 119، وسنن ابن ماجه 1: 21، وغيرهما.
(¬4) سنن سعيد بن منصور 1: 44، وروي مثله عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في السنن الكبرى للبيهقي 6: 345.
(¬5) المستدرك 4: 370، والسنن الكبرى للبيهقي 6: 344.
وقال مسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: «والذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض» (¬1).
4.تبدوا أهميته من اشتماله على تقسيم أموال الأموات على ورثتهم بطريقة دقيقة عادلة، وهو يتناول العنصر الفعال في الحياة, وهو المال، وتحرص على توزيع الثروات توزيعاً يدل على درجة التَّضامن في الأسر بين الأقارب الأقربين والأقارب البعيدين بالنِّسبة لغيرهم، حتى إنَّ وجوب النَّفقة بين الأقارب سائر الميراث في كثير من الأحوال جرياً على قاعدة: «الغرم بالغنم» (¬2).
قال ابن خلدون (¬3): «هو فنٌّ شريفٌ لجمعه بين المعقول والمنقول، والوصول به إلى الحقوق في الوراثات بوجوه صحيحة يقينية عندما تجهل الحظوظ وتشكل على القاسمين».
ثالثاً: حكم تَعَلُّم الفرائض:
تعلم الفرائض من فروض الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو تركه أهل بلدة أو ناحية فلم يوجد فيهم من يفصل في ميراث مَن يموت من ذلك البلد أثم الجميع؛ لتقصيرهم في أمر من أمور الدِّين وتعطيلهم للشَّريعة، قال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} التوبة: 122، فالآية دالَّة على أننا مأمورون بأن يتفرَّغَ منا البعض لتعلم أحكام الشَّريعة؛ ليعلموها للنَّاس.
¬
(¬1) سنن الدَّارمي 4: 1889، والمستدرك 4: 12، وغيرها.
(¬2) ينظر: الاختيار 5: 85، وأحكام الميراث في الشريعة الإسلامية ص25 - 26، وعلم الفرائض لمحمد خيري المفتي ص14 - 15.
(¬3) في تاريخ ابن خلدون1: 572.
ويستحبّ تعلّمه للمسلمين كباقي العلوم وإن قام به بعضهم؛ لأنَّ تعلم الزَّائد على ما يحتاج إليه إلى من يحتاج إليه أفضل من نفل العبادة، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} المجادلة: 11، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الصدقة: أن يتعلّم المرء المسلم علماً، ثم يعلمه أخاه المسلم) (¬1).
رابعاً: استمداد أحكام الميراث:
يستمد علم الميراث مبادئه وأحكامه من أربعة مصادر رئيسية، وهي: القرآن الكريم، والسُّنة النبوية، والإجماع، والاجتهاد، وهي أصول الشَّرع (¬2)، وتفصيلها كالآتي:
1.القرآن الكريم:
يعتبر القرآن المصدر الأول لعلم الميراث وأكثر المصادر التي فصلت مواده وفرعت فروعه، فآيات الميراث أعطت كل إنسان ما يستحق من مورثه حسب علمه سبحانه وتعالى وتقديره، فجاءت آيات الميراث مثالاً يحتذى في العدل والإنصاف وحسن التَّدبير والتَّقدير ومراعاة الحاجة والمصلحة، ولم تكن القسمة جزافاً أو خبط عشواء كما هو الحال في كثير من تشريعات البشر النَّاقصة التى تتحكم فيها الشَّهوة والهوى وينقصها بعض النَّظر؛ لأنَّ علم الإنسان قاصر ومحدود أما الله تعالى فهو يعلم السِّر وأخفى وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وهو أدرى بمصالحهم وما يصلحهم.
وقد فُصِّلت أحكام المواريث في ثلاث آيات من سورة النساء، وهي:
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 1: 89، وفي فيض القدير 2: 37: قال المنذري: إسناده حسن لو صح سماع الحسن منه.
(¬2) ينظر: كشف الظنون1: 1244.
أ. قول الله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} النساء: 7. قيل: إنَّها نزلت في أم كحلة وابنتها كحلة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار كان أحدهم زوجها والآخر عمّ ولدها، فقالت: يا رسول الله، توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث، فقال عم ولدها: يا رسول الله، لا تركب فرساً ولا تحمل كلاً ولا تنكي عدواً يكسب عليها ولا تكتسب، فنزلت هذه الآيات (¬1).
ب. وقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيم. [النساء: 11ـ12].
جاء في هاتين الآيتين بعض أنصبة الوارثين، وأنَّ القسمة لا تتم إلا بعد إخراج الدُّيون التي للنَّاس على الميت، وإنفاذ الوصية فيما لا يتجاوز الثلث، ومن هؤلاء الورثة الأولاد جميعاً، فقد أعطي الذَّكر ضعف ما للأُخت الأُنثى، ولم تغفل الآية نصيب
¬
(¬1) ينظر: تفسير الطبري3: 604، وتفسير ابن كثير 1: 604، وتفسير القرطبي 5: 45، وتفسير البغوي 1: 165.
الوالدين، وفي الآية التي بعدها جاء بيان نصيب الزَّوج والزَّوجة، وأنَّه يختلف باختلاف حال الميت، وذلك بأن يكون له ولد أو لا ولد له على قيد الحياة، وهؤلاء الأصناف الستة ـ وهم الابن والابنة والأب والأم والزَّوج والزَّوجة ـ لا بد لهم من نصيب في مال الميت، ولا يمكن حجبهم بحال من الأحوال، ثم جاء الإخبار عن الكلالة، وهو الميت الذي يموت وليس له أصل أو فرع وارث: أي ليس له والد أو والدة وإن علو على قيد الحياة، وليس له أولاد أو أولاد أولاد على قيد الحياة، ففي هذه الحالة إن كان للميت إخوة من الأم فإنهم يرثونه، وتكون القسمة بالتساوي بين الأخ لأم والأخت لأم.
جـ. قال تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [النساء: 176]، بينت هذه الآية حالة الكلالة إن مات وكان له إخوة أشقاء، أي إخوة من أبيه وأمه، فإنَّ الميراث يؤول إليهم، وهنا يكون نصيب الأخ الشقيق ضعف نصيب الأخت الشَّقيقة.
2.السُّنة النَّبوية:
لقد جاءت السُّنة النَّبوية مفصَّلة لما أجملته الآيات الكريمة، كما أنَّها ورثت بعض الأقرباء الذين لم يذكروا في الآيات السَّابقة، ومن هذه الأحاديث:
أ. عن عبادة بن الصَّامت - رضي الله عنه - قال: «إنَّ من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قضى للجدتين من الميراث بينهما السدس سواء» (¬1)، وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه -، أنَّ رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -،
¬
(¬1) في السنن الكبرى للبيهقي 6: 386 وقال: إسحاق عن عبادة مرسل.
فقال: إنَّ ابن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ فقال: «لك السدس» فلما أدبر دعاه، فقال: «لك سدس آخر» فلما أدبر دعاه، فقال: «إنَّ السدس الآخر طعمة» (¬1).
ب. عن عمرو بن شعيب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس لقاتل ميراث» (¬2)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا فإنَّه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره»، وإن كان ولده أو والده فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى ليس لقاتل ميراث (¬3).
جـ. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «والذي نفسي بيده لا تقسم ورثتي شيئاً مما تركت، ما تركناه صدقة» (¬4)، وفي لفظ: «لا نورث ما تركناه صدقة، إنَّما يأكل آل محمد من هذا المال، ليس لهم أن يزيدوا على المأكل» (¬5)، وفي لفظ: «ما نورث، ما تركناه صدقة» (¬6)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «لا تقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» (¬7)، قال أبو داود: مؤنة عاملي: يعني أكرة الأرض.
3.الإجماع:
ثبتت العديد من أحكام الفرائض بالإجماع مثل: جعل الأخت لأب كالأخت الشَّقيقة عند عدمها، وجعل الأخ لأب كالأخ الشَّقيق عند عدمه، وجعل ابن الابن كالابن عند
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 122، ومسند أحمد 33: 81، وغيرهما.
(¬2) سنن ابن ماجه 2: 884، وعن عمر - رضي الله عنه - في سنن الدَّراقطني 5: 168، وغيرهما.
(¬3) السنن الكبرى للبيهقي 6: 361، ومصنف عبد الرزاق 9: 404.
(¬4) صحيح ابن خزيمة 4: 120.
(¬5) صحيح ابن حبان 11: 152.
(¬6) صحيح مسلم 3: 1377.
(¬7) سنن أبي داود 3: 144.
عدمه، وهكذا بنت الابن كالبنت عند عدمها، والجدّ كالأب إن لم يكن هنالك أب، وابن الأخ الشَّقيق كالأخ الشقيق عند عدمه (¬1).
4. الاجتهاد:
اجتهد الصَّحابة - رضي الله عنهم - في بعض مسائل الميراث التي لم يرد فيها نص في القرآن أو السُّنة، مثل توريث الجدة لأب السدس، فقد ثبث ميراثها باجتهاد عمر - رضي الله عنه - ومن ثم انعقد الإجماع على ذلك، ومثل اجتهاد أبي بكر - رضي الله عنه - في الكلالة، كما سيأتي. (¬2)
خامساً: الميراث عند الأمم الأخرى:
نطلع هنا على تعامل الحضارات المختلفة مع هذه القضية المهمة جداً؛ لنتعرَّف كيف تخبطت الأمم فيها، وكيف ظهر عظم الإسلام في حلها:
فعند العرب: كانت أسباب الإرث عند الجاهليين ثلاثة: 1) النَّسب: وهو خاص بالرِّجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعداء، وليس للضعيفين الطفل والمرأة منه شيء، و2) التَّبني: فقد كان الرَّجل يتبنى ولد غيره فيرثه، و3) الحِلف والعهد: فقد كان الرَّجل يقول للرَّجل: دمي دمك وهدمي هدمك, وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك, فإذا
تعاهدا على ذلك فمات أحدهما قبل الآخر, كان للحي ما اشترط من مال الميت.
وعند قدماء المصريين: كانت طريقة التوريث عندهم أن يحل أرشد الأسرة محل المتوفى فى زراعة الأرض والانتفاع بها دون ملكيتها؛ لأنه مملوكة للفراعنة، وكانوا لا يفرقون بين الذكر والأنثى، وقيل: إنَّ ميراث الأنثى كان أقل من ميراث الذكر وذلك
¬
(¬1) ينظر: شرح الأحكام الشَّرعية للأبياني 3: 14.
(¬2) ينظر: أحكام الميراث في الشَّريعة الإسلامية ص29 - 35.
باختيارها، كما كانوا يورثون الزَّوج والأم والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات.
وعند قدماء الرُّومان: كانت القرابة قاعدة للميراث، وينحصر الإرث فى فروع الميت ثمّ أصوله ثم الأخوة الأشقاء ونسلهم، ثمّ الأخوات الشقيقات ونسلهنّ، ثمّ الأخوة لأب ونسلهم ثم الأخوات لأب ونسلهن ثم الأخوات لأم ونسلهن، ويتساوى فيها الذكور والإناث فى الميراث، وإن لم يكن هؤلاء إخوة يرثه قريبه البعيد، وإذا لم توجد له قرابة بعيدة كانت التركة لبيت المال، هذا ولم يكن للزَّوجين حق التوارث من بعضهما لعدم القرابة.
وعند الأمم السَّامية: كان الميراث عندهم أن يحلَّ البكر من الأولاد محلّ أبيه، وعند عدم وجود البكر يقوم مقامه أرشد الذكور من الأولاد ثم الأخوة ثم الأعمام وهكذا إلى أن يدخل الأصهار وسائر العشيرة، وكانوا يحرمون الأطفال والنساء من الميراث.
وعند اليهود القدامى: كان الميراث لفروع المتوفّى وأصوله، وليس للأنثى حظاً من ميراث الأب إذا كان له ولد ذكر، وأسباب الميراث عندهم أربعة: البنوة والأبوة والأخوة والعمومة، وإذا توفي الأب كان ميراثُه لأبنائه الذُّكور، ويكون للولد البكر مثل حظّ اثنين من أخوته الأصغر سناً منه، إلا إذا حدث إتفاق بين الإخوة على اقتسام الميراث بالتسوية، والزوجة لا ترث زوجها ولها أن تعيش من تركته.
وفي القانون الفرنسى: أنواع الورثة فيه أربع فئات: فيأتي في الدرجة الأولى أولاد المتوفى ذكوراً وإناثاً, ويأتي في الدرجة الثانية والد الميت ووالدته, إخوته وأخواته إلى قسمة التركة عند عدم وجود أولاد له ذكوراً أو إناثاً، ثمّ يأتي في الدَّرجة
الثَّالثة الأعمام والخالات وأبناء العمومة، ثم يأتي أخيراً وفي الدرجة الرابعة بقية الأقارب، ولم يورث الزوج أو الزوجة إلا في حالة عدم وجود الورثة المذكورين أعلاه (¬1).
سادساً: نظام الإرث في صدر الإسلام:
تدرَّج الإسلام في الميراث كما تدَّرج في تحريم الخمر والرِّبا، فأول ما بدء الإسلام ترك النَّاس وشأنهم في بعض العادات، فكان الإرث في بداية الإسلام بالحلف والنصرة وبقي الأمر كذلك حتى هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة، فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل مجتمع المدينة مجتمعاً متماسكاً يكون مثالاً يحتذى في أخلاقه وعاداته.
فآخى بين المهاجرين والأنصار وجعل من هذه الأخوة سبباً من أسباب الميراث؛ لأنَّ المسلم المهاجر انقطعت صلته بكل أهله وأقربائه حتى من أسلم منهم ولم يهاجر؛ لأنَّ داريهما قد اختلفتا، فكانوا بحاجة لأن يؤازر كل منهم أخاه، وحتى لا تذهب بعض أموالهم إلى من يخالفونهم في الدِّين فيستفيدون منها في حربهم للإسلام والمسلمين، فجعل الإسلام هذه المؤاخاة السَّبب الوحيد للإرث بعد الإسلام، وقد نزلت آيات القرآن الكريم تبارك هذه المؤاخاة وتقر نظام التوارث بها؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ
¬
(¬1) ينظر: المرأة والميراث عبر التَّاريخ لسمير صلاح مهنا جامعة فلسطين كلية القانون والممارسة القضائية، وأحكام الميراث في الشَّريعة الإسلامية ص45 - 63.
عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [الأنفال: 72]، والولاية في هذه الآية هي الوراثة الناشئة عن القرابة الحكمية بين المهاجرين والأنصار.
وما أن قويت شوكة الإسلام، وتمكن الإسلام من نفوسهم، ودان الأمر لهم وتم فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً، عاد التَّوارث بالقرابة النَّسبية، ونسخ الله التوارث بالهجرة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (¬1)، فأصبحت الوصية واجبة للوالدين والأقربين، فكان الأمر متروكاً للشخص الذي تحضره الوفاة، يوصي بماله كيف يشاء شريطة أن تكون الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين} البقرة: 180.
ثم نسخ هذا وذاك بآيات المواريث، فلما نزلتا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله قد أعطى كل ذي حقه ألا لا وصية لوارث» (¬2)، واستقر الأمر عند المسلمين بعد نزول أحكام الفرائض على أنَّ أسباب الإرث ثلاثة: النَّسب، والصِّهر، والولاء (¬3).
سابعاً: النَّهي عن حرمان الورثة:
فصَّل الله تعالى أحكام الميراث في آيات الكتاب العزيز في سورة النساء وأعطى لكل وراث حقه من التركة، وزيادة في حرص المولى في أن يحصل كلُّ وارثٍ على حقِّه تولى جَلَّ
¬
(¬1) عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في صحيح البخاري 4: 15، وصحيح مسلم 2: 986.
(¬2) فعن أنس - رضي الله عنه - في سنن ابن ماجه 2: 906، وعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - في السنن الكبرى للبيهقي 6: 399، وعن عمرو بن خارجة في المعجم الكبير 17: 33.
(¬3) ينظر: أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية ص66 - 69، وفقه النكاح والفرائص لمحمد عبد اللطيف قنديل ص285 - 286.
جلاله بيان أنصبة الورثة، حتى لا تسول لإنسان نفسه أن يزيد في هذه الأنصبة أو ينقص منها، وبعد أن بيَّن الله تعالى نصيب كل وارث حذَّر من تعدي حدوده؛ فقال جل جلاله: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين} النساء: 13 - 14.
وجاء التَّحذير كذلك على لسان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في صورة تقشعر لها الأبدان؛ فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن فَرَّ من ميراث وارثه، قطع اللهُ ميراثه من الجَنَّة يوم القيامة» (¬1)، فالذي يحرم
وارثاً في الدُّنيا يحرمه الله من ميراث الجنة، وأي حرمان أعظم من هذا الحرمان.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الشَّر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: واقرءوا إن شئتم: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ} النساء: 13ـ إلى قوله ـ {عَذَابٌ مُّهِين} النساء: 13 - 14» (¬2).
فإذا تخطَّى بعض العباد هذه القسمة الرَّبانيّة واحتال لتوزيع ثروته بطرق أخرى, فما ذلك إلا ردّ لما شرعه الله وزيغ عن الصِّراط المستقيم، وليعلم هذا القاسم على غير ما شرع الله أنَّه سيحرم من الجنة، وسيخلق بعمله هذا الشحناء, ويورث ورثته العداوة والبغضاء, والشَّارع جد حريص على صلة الرَّحم وربط الأسر؛ وبذا تكون الأمة متحدة قوية.
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 2: 902.
(¬2) سنن ابن ماجه 2: 902.
وحرمان الورثة قد يكون بطريق مباشر: كأن يورث البعض ويحرم البعض، وقد يكون بطريق غير مباشر: كبيع بعض التركة إلى أحد الورثة بيعاً صورياً سواء قبض ثمناً أو لم يقبض، وقد يكون التَّهرب كذلك بالهبة والوصية، وكل ذلك ظلم واعتداء على شريعة الله؛ فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه -، قال: «انطلق به أبوه يحمله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: اشهد أني قد نحلت النُّعمان من مالي كذا وكذا، قال: فكل بنيك نحلت مثل الذي نحلت النُّعمان؟ قال: لا، قال: فأشهد على هذا غيري، قال: أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذا» (¬1). (¬2)
ثامناً: الإعجاز التَّشريعي في الميراث:
اشتمل علم المواريث في الإسلام على حِكم كثيرة، وفوائد عظيمة، مما جعل التَّشريع الإسلامي رائداً في هذا المجال، ولم يسبقه أي تشريع أو قانون في هذه الدِّقة والتَّقدير الذي يبهر العقول المستنيرة، ويجعل النُّفوس تتقبل هذه القسمة الإسلامية في الميراث براحة نفس وطيب خاطر، ومن وجوه هذا الإعجاز:
1.موافقة أحكام الميراث ومسايرتها للفطرة البشرية: ونجد ذلك جلياً في مراعاتها لحب الإنسان للمال والولد؛ قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الكهف: 46،
¬
(¬1) صحيح مسلم 3: 1242، وسنن ابن ماجه 2: 795، واللفظ له، ومسند أحمد 30: 307.
(¬2) ينظر: أحكام الميراث في الشَّريعة الإسلامية ص27 - 28، وعلم الفرائض لمحمد خيري المفتي ص7 - 13.
فالإنسان يحب المال، ويحب جمعه، ويحب أن ينتقل إلى فرعه، وهذا الحب هو الذي يولد الدافع لدى الإنسان للعمل، والكدح وإعمار الأرض.
2.الميراث يمنع من تكديس المال في أيدٍ قليلة ـ كما في المجتمعات الرأسمالية ـ، ويمنع من ظهور مفاسد نظام الطبقات، وتجمع الثروة، فوزعها تحت رعاية أحكام الإرث بين ورثة الميت من الذكور والإناث.
3.الموازنة بين قوة القرابة والحاجة للمال: إنَّ أحكام الشَّريعة أحكام متوازنة ومتكاملة وعادلة، وتظهر هذه العدالة والدقة والتوازن بصورة جلية وظاهرة في تقسيمها للميراث، فأقرباء الميت هم أولى الناس به وبميراثه، ويقدم الأقرب منهم فالأقرب.
4.مراعاة العدالة بين جميع الورثة: فقسمة الميراث قسمة إلهية لا دخل للعباد فيها، فتولاها سبحانه بكل رحمة وعدالة وحكمة، وجاءت أحكام احترازية لمنع التلاعب في هذه الفرائض، ومنها منع الوصية بشيء لأحد من الورثة.
5.صياغة هذه الأحكام الدَّقيقة بأسهل عبارة وأقلّ كلمات: كل الأحكام التي استنبطها العلماء في المواريث مرجعها إلى أربع آيات، وهذا إعجاز أيضاً يضاف إلى رصيد هذه النُّصوص الشَّرعية، فهي مع قلتها دلَّت على كل هذه الأحكام التي أفرد لها العلماء علماً قائماً بذاته واستنبط منها العلماء هذه التشريعات العظيمة (¬1).
تاسعاً: المؤلفات في الفرائض:
¬
(¬1) ينظر: الإعجازالتَّشريعي في الميراث لعادل الصعيدي http://www.jameataleman.org.
اشتملت عامّة الكتب الفقهية على باب خاصٍّ في المواريث، إلا أنَّ الفقهاء خصّوه بالتَّأليف منفرداً في مصنفات لا تعد ولا تحصى، وكان أبرزها كتاب: «السِّراجية» عند الحنفية، وكتاب «الرحبية» عند الشَّافعية، حيث ألفت عليها من الشروح والحواشي ما لا يقدر بعدد، ولا سيما «السِّراجية» حتى لو جمعت الشروح والحواشي التي ألِّفت عليها لتجاوزت ما ألف في هذا الفنّ عموماً.
واقتصرت هنا على جمع المؤلَّفات التي أوردها حاجي خليفة في «الكشف» في الفرائض، مع التهذيب والاختصار والترتيب لها على الوفيات؛ ليكون القارئ الكريم على بيِّنةٍ من الخدمة التي نالها هذا العلم عبر التاريخ، وهذه المؤلفات هي:
1. «فرائض أيوب البصري»؛ لأيوب بن أبي نميمة السجستاني البصري التابعي، (ت131هـ) (¬1).
2. «الفرائض»؛ لسفيان بن سعيد الثوري، (ت161هـ).
3. «الإيجاز في الفرائض»؛ لمحمد بن عبد الله بن أحمد البصري، (ت402هـ) (¬2).
4. «المهذب في الفرائض»؛ لأحمد بن عبد الله بن ثابت البُخاريّ الشَّافعيّ، (ت444هـ)، وهو سهل العبارة (¬3).
5. «فرائض ابن عبد البر»؛ ليوسف بن عبد الله القرطبي، (ت463هـ) (¬4).
6. «الكافي في الفرائض»؛ لإسحاق بن يوسف الفرضي الزرقالي الصرد اليمني، (ت500هـ)، استغنى به أهل زمانه عن الكتب القديمة في المواريث، وهو نافع مبارك،
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1246.
(¬2) ينظر: الكشف1: 206.
(¬3) ينظر: الكشف2: 1912.
(¬4) ينظر: الكشف2: 1245.
واضح بكثرة الأمثلة، شرحه: علي بن أحمد بن موسى البجلي الحنفي، وعلي بن أحمد بن موسى الركبي، (ت732هـ)، ومحمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الشاطبي المصري، (ت662هـ)، وصالح بن عمر بن أبي بكر البريهي السكسكي الشافعي، (ت714هـ)، ومسعود بن حسين الناصحي الحنفي (¬1).
7. «التلخيص في الفرائض»؛ لأبي البقاء عبد الله بن حسين العكبري، (ت538هـ) (¬2).
8. «الرائض في الفرائض»؛ لمحمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، (ت538هـ) (¬3).
9. «الكفاية» المعروف بـ «فرائض الأشنُهِيّة»؛ لعبد العزيز بن علي الأشنهي الشافعي (ت550هـ)، شرحها: عبد الرحمن بن محمد الرشيدي، المصري، (ت803هـ)، ومن شروحها: «الأنوار البهية»؛ لمحمد بن محمد بن محمد الشعسي، وأفرد ابن حجر في حسابه «الرسالة العزية» (¬4).
10. «الفرائض الرحبية» أرجوزة عدد أبياتها: «175» بيتاً، مسماة: بـ «غنية الباحث»؛ لمحمد بن علي الرحبي الشافعي، المعروف بابن المتقنة، (ت557هـ)، وشرحها: محمد بن محمد بن أحمد المارديني الشافعي، (ت907هـ)، وأبو بكر بن أحمد بن عبد الرحمن السبتي، وجلال الدين السيوطي (ت911هـ) (¬5)، ومحمد بن خليل المصراتي الأزهري المالكي، (ت1150هـ (، سمَّاه: «تحفة الإخوان البهية على المقدمة الرحبية»، ومحمد نجيب خياطة (ت1387هـ)، سمَّاه: «الروضة البهية على متن الرحبية»، ومحمد شيبة الحمد الفقي، سمّاه:
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1377.
(¬2) ينظر: الكشف1: 480.
(¬3) ينظر: الكشف1: 821.
(¬4) ينظر: الكشف2: 1245.
(¬5) ينظر: الكشف2: 1246.
«تيسير المسائل الفرضية»، وعبد الفتاح بن حسين راوه المكي سمّاه: «المجموعة الراوية»، ومحمد سعد بن عبد الله الرباطابي المالكي، سمّاه: «القلائد الذهبية»، وعبد الله بن محمد الشنشنوري الشافعي (ت999هـ)، سمّاه: «الفوائد الشنشورية في شرح المنظومة الرحبية»، وعليه هذا الشرح حواشي عديدة منها: إبراهيم بن محمد الباجوري (ت1277هـ)، وسمّاه: «التحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية»، و محمد بن مصطفى بن حسن الخضري، (ت1287هـ (، و علي بن شطا المنشليلي، (ت بعد1211هـ (، ويوسف الزيات، سمّاه: «وسيلة البرية إلى الفوائد الشنشورية» (¬1).
11. «الفرائض السراجية»؛ لسراج الدين محمد بن محمود بن عبد الرشيد السجاوندي الحنفي، (ت بعد 596هـ)، وهي: مقبولة، متداولة، ولها شروح منها: أكمل الدين البابرتي المصري، (ت786هـ)، وأحمد بن محمود السيواسي، (ت 803هـ)، وشرحه: متداول مقبول، وابن الربوة: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الدمشقي، (ت764هـ)، وسماه: «المواهب المكية، في شرح فرائض السراجية»، وأبو الحسن حيدرة بن عمر الصغاني، ومحيي الدين: محمد بن مصطفى، المعروف: بشيخ زاده، (ت951هـ)، ومصلح الدين محمد بن صلاح اللاري، (ت979هـ)، وبرهان الدين حيدر بن محمد الهروي، (ت830هـ)، وهو شرح مقبول، قال تقي الدين: «وهو مصنف غريب، محرر، مع صغر حجمه، جليل القدر، صحيح المسائل، والنقول، والتعليلات، عديم المثل»، وأحمد بن يحيى بن محمد الهروي، المعروف: بحفيد التفتازاني، (ت916هـ)، وشمس الدين محمد بن حمزة الفناري، (ت834هـ)، والبهشتي محمد، الشهير: بفخر خراسان، وابن كمال باشا، (ت940هـ)، وسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، (791هـ)، وأمين الدولة، مجد الدين: حسن بن أحمد الحلبي، (ت 658هـ)، وبهاء الدين: حيدرة بن محمد بن إبراهيم
¬
(¬1) ينظر: http://islamhouse.com/ar/audios/40495.
الحلبي، (ت793هـ)، و محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء البخاري الكلاباذي، (ت700هـ)، وسماه: «ضوء السراج»، ثم انتخبه وسماه: «المنهاج المنتخب من ضوء السراج»، وعبد الكريم بن محمد بن الحسن الهمداني، سماه: «الفرائد التاجي في شرح فرائض السراجي» بالفارسية، ويونس بن يونس بن عبد القادر الرشيدي الأثري، (ت بعد: 1011هـ)، وسماه: «المقاصد السنية بشرح السراجية للحنفية»، ومحمد بن حاج: أحمد بن نصر، (ت852هـ)، سماه: «التحقيق»، وإدريس بن شيخ باشا، (ت بعد 858هـ)، وأحمد بن مصطفى، الشهير: بطاشكبري زاده، (968هـ)، والسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، (ت بعد 804هـ)، وهو الشرح الباهر، المتداول بين الأنام، ولذلك سود العلماء وجه الأوراق: بالحواشي عليه.
وممن كتب الحواشي على شرح الشريف: أحمد بن عبد الأول السعيدي القزويني، (ت966هـ)، وأمير حسن الرومي، (ت941هـ)، ومحيي الدين: محمد بن خطيب: قاسم بن يعقوب، (ت940هـ)، ومحيي الدين العجمي، ومحمد شاه بن علي بن يوسف بن محمد الفناري، (ت 929هـ)، وقوام الدين قاسم بن أحمد الجمالي، (ت902هـ)، وفضيل بن علي الجمالي، (ت991هـ)، ويعقوب بن سيدي علي، (ت931هـ)، ومحمد بن إبراهيم الحلبي، المعروف: بابن الحنبلي، (ت971هـ)، وسماها: «زبالة السراج على رسالة السراج»، ومحمد بن مصطفى الكوراني، الشهير: بالواني، (ت بعد: 992هـ).
وممن نظم المتن: محمود بن عبد الله الكلستاني، السرايي، بدر الدين، (ت801هـ)، وعز الدين: أبو العز، ابن حسن، المعروف: بابن حبيب الحلبي، (ت808هـ)، وفخر الدين: أحمد بن علي بن الفصيح الهمداني، (ت755هـ)، وتاج الدين، أبو عبد الله: عبد الله بن علي السنجاري، (799هـ). ومحسن القيصري، (ت755هـ)، سمّاه: «جامع الدرر في الفرائض»، قال في «الشقائق»: «نظم في الفرائض نظماً حسناً بليغاً، جامعاً للمسائل، ثمّ
شرحها»، وشرحها محمد بن محمد بن محمود، المدعو بالشيخ البخاري، (ت869هـ)، وطاشكبري زاده، ويحيى أفندي (¬1).
وممن اختصر السراجية: خضر بن محمد الأماسي، (ت1064هـ)، وسماه: «لب الفرائض»، ومحمود بن أحمد اللارندي الحنفي، (720هـ)، وسماه: «إرشاد الراجي لمعرفة الفرائض السراجي».
وممن خرَّج أحاديث الفرائض السِّراجية: السخاوي، وقاسم بن قطلوبغا.
وممن ترجمها للتركية: عبد اللطيف بن حاجي: أحمد أقجامي، (ت874هـ) (¬2).
12. «فرائض الزاهدي»؛ لمختار بن محمود الحنفي، (ت658هـ) (¬3).
13. «الرائض في الفرائض»؛ لأبي غانم محمد بن عمر بن أحمد بن العديم الحلبي، (ت694هـ) (¬4).
14. «أرجوزة في الفرائض»؛ لمحمد بن علي بن هاني (ت733هـ) (¬5).
15. «فرائض التركماني»؛ لأحمد بن عثمان بن صبيح الجوزجاني الحنفي، (ت744هـ) (¬6).
16. «المسائل المهذبة، في المسائل الملقبة في الفرائض»؛ لعمر بن مظفر، المعروف بابن الوردي، الشافعي، (ت749هـ) (¬7).
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1251.
(¬2) ينظر: الكشف2: 1249
(¬3) ينظر: الكشف2: 1249.
(¬4) ينظر: الكشف1: 832.
(¬5) ينظر: الكشف 1: 81.
(¬6) ينظر: الكشف2: 1246.
(¬7) ينظر: الكشف2: 1670.
17. «الفرائض الفارقية»؛ لمحمد بن شرف الدين بن عادي الكلائي الشافعي، (ت777هـ) (¬1).
18. «المجموع في علم الفرائض»؛ لمحمد بن شرف الكلائي الشافعي، (ت777هـ)، ثم رتبه: محمد بن محمد سبط المارديني، (ت809هـ)، ثم شرحه: وأبو العباس أحمد السامر ساحي، وأبو الجود داود بن سليمان المالكي، (ت 863هـ)، وعبد الله بن محمد الشنشوري الشافعي، (ت999هـ)، شرحاً حسناً جامعاً، وسماه: «فتح القريب المجيب بشرح كتاب الترتيب»، ونظمه: نور الدين: علي بن محمد الأشموني، (ت 900هـ) (¬2).
19. «الجامع في الفرائض»؛ لسريج بن محمد الملطي المارديني، (ت788هـ) (¬3).
20. «ألف الرائض في الفرائض»؛ لزين الدين سريجا بن محمد الملطي، (ت788هـ) (¬4).
21. «مختصر الحَوْفي في الفرائض»؛ لمحمد بن محمد بن عرفة الوَرْغَمي التونسي، (ت803هـ)، وشرحها: محمد بن يوسف السنوسي، (ت895هـ) (¬5).
22. «الألفية في الفرائض»؛ لمحبّ الدين محمد بن شحنة الحلبيّ (ت815هـ) (¬6).
23. «منهج الرائض بضوابط في الفرائض» منظومة؛ لمحمد بن عبد الدائم البرماوي، (ت831هـ)، ثم شرحها (¬7).
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1251.
(¬2) ينظر: الكشف2: 1605.
(¬3) ينظر: الكشف1: 577.
(¬4) ينظر: الكشف1: 152.
(¬5) ينظر: الكشف2: 1626.
(¬6) ينظر: الكشف1: 157.
(¬7) ينظر: الكشف2: 1882.
24. «تحفة الرائض في الفرائض» لعمر بن يوسف المالكي الاسكندراني (ت842هـ)، ثم شرحها (¬1).
25. «إقدار الرائض على الفتوى في الفرائض»؛ لإبراهيم بن عمر السوسي الشافعي، (ت858هـ) (¬2).
26. «التحفة القدسية» منظومة في الفرائض؛ لأحمد بن الهائم، (ت887هـ)، اختصرها من: «الرحبية»، وزاد عليها، وعليه تعليقة: لسبط المارديني، سماها: «اللمعة الشمسية على التحفة القدسية»، وشرحها زكريا بن محمد الأنصاري (ت910هـ)، وسماه: «الفتحة الأنسية لغلق التحفة القدسية» (¬3).
27. «الفصول المهمة في الفرائض»؛ لأحمد بن الهائم، (ت 887هـ)، وشرحها: زكريا بن محمد الأنصاري، (ت926هـ)، وسماه: «غاية الوصول إلى شرح الفصول» (¬4).
28. «الكليات في الفرائض»؛ لعلي بن محمد الأندلسي القلصاوي المالكي، (ت891هـ)، ثم شرحها (¬5).
29. «روضة الرائض في علم الفرائض» منظومة لابن عربشاه عبد الواهب بن أحمد، (ت901هـ)، وله شرح عليها (¬6).
¬
(¬1) ينظر: الكشف1: 366.
(¬2) ينظر: الكشف 1: 81.
(¬3) ينظر: الكشف1: 372.
(¬4) ينظر: الكشف2: 1265.
(¬5) ينظر: الكشف2: 1508.
(¬6) ينظر: الكشف1: 925.
30. «قرة العين في بيان المذهبين في علم الفرائض»؛ لمحمد الشهير بسبط المارديني (ت901هـ)، ضمن فيه كتاب: «الجعدية، على مذهب المالكية» بتمامه، وبين فيه: مذهب الشافعي وأصحابه، وذكر غالب مذهب: الإمام أبي حنيفة وأصحابه (¬1).
31. «الجامع في الفرائض» لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، (ت911هـ) (¬2).
32. «أشكال الفرائض»؛ لأحمد بن كمال باشا الحنفي، (ت940هـ) (¬3).
33. «الدرة البيضاء» أرجوزة في الحساب والفرائض؛ لعبد الرحمن المغربي، (ت بعد 946هـ) (¬4).
34. «حل المشكلات في الفرائض»؛ لشجاع بن نور الله الأنقروي، (ت964هـ) (¬5).
35. «إعانة الفارض في تصحيح واقعات الفرائض»؛ لفضيل بن علي الجمالي الحنفي، (990هـ)، وله شرح باسم: «بعون الرائض» (¬6).
36. «عون الرائض في فنّ الفرائض»؛ لفضيل بن علي الجمالي، (ت991هـ)، وشرحه، وسماه: «صون الفارض في الوصول إلى مدارك عون الرائض» (¬7).
37. «عمدة الرائض في علم الفرائض»؛ ليونس بن يونس الأثري الرشيدي، (ت1020هـ)، ثم شرحه (¬8).
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1324.
(¬2) ينظر: الكشف1: 577.
(¬3) ينظر: الكشف 1: 81.
(¬4) ينظر: الكشف1: 738.
(¬5) ينظر: الكشف1: 687.
(¬6) ينظر: الكشف 1: 81.
(¬7) ينظر: الكشف2: 1180.
(¬8) ينظر: الكشف2: 1167.
38. «الصحائف في الفرائض»؛ لإبراهيم بن محمد، المعروف: مجاوش زاده، (ت1053هـ)، ثم شرحه، وسماه: «مجمع اللطائف» (¬1).
39. «الربعة في الفرائض»؛ لأحمد بن العروضي (¬2).
40. «الجواهر الثَّمينات في علم الفرائض وقسم التَّركات»؛ لمحمد بن الناسخ المالكي (¬3).
41. «الخلاصة في الفرائض»؛ لأحمد بن محمد الأزدي (¬4).
42. «الخلاصة في الفرائض»؛ لعبد الجبار بن أحمد (¬5).
43. «الفرائض الجعدية على مذهب المالكية»؛ للحسن بن علي بن الأجعد الصقلي المالكي (¬6).
44. «بغية الرائض في علم الفرائض»؛ ليوسف بن علي الأسعردي الشافعي (¬7).
45. «جامع الدرر في الفرائض»؛ لعبد المحسن القيصري (¬8).
46. «فرائض أبي نصر»؛ لأحمد بن محمد بن علي البغدادي الحنفي (¬9).
47. «كشف الغوامض في الفرائض»؛ لمحمد بن محمد، سبط المارديني (¬10).
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1075.
(¬2) ينظر: الكشف1: 832.
(¬3) ينظر: الكشف1: 613.
(¬4) ينظر: الكشف1: 720.
(¬5) ينظر: الكشف1: 720.
(¬6) ينظر: الكشف2: 1246.
(¬7) ينظر: الكشف1: 248.
(¬8) ينظر: الكشف1: 450.
(¬9) ينظر: الكشف2: 1245.
(¬10) ينظر: الكشف2: 1493.
48. «لباب الفرائض» لأبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز (¬1).
الأسئلة:
1. عَرِّف الفرائض والمواريث.
2. بيِّن موضوع علم الميراث وغايته.
3. تكلَّم عن فضل علم الفرائض ومكانته.
4. بيِّن حكم تعلم الفرائض.
5. اذكر الآيات القرآنية التي فصَّلت أحكام المواريث.
6. عدِّد بعض أحكام الفرائض التي ثبتت بالإجماع.
7. قارن بين نظام الإرث في الشَّريعة الإسلامية والأمم الأخرى.
8. بيِّن حكم حرمان الورثة من الميراث مع الاستدلال لما تقول.
9. بيِّن وجه الإعجاز التَّشريعي في الميراث.
¬
(¬1) ينظر: الكشف2: 1541.
الفصل الأول
الوصية
أهداف الفصل الأول:
1.أن يُعَرِّف الوصية لغةً واصطلاحاً.
2.أن يُعَدِّد أدلة مشروعية الوصية.
3.أن يُبَيِّن صفة الوصية.
4.أن يستدل لتقديم الدَّين على الوصية.
5.أن يُبَيِّن مقدار الوصية وركنها ووقت قَبولها.
6.أن يُعَدِّد شروط الوصية.
7.أن يُبَيِّن صفة عقد الوصية وحكمها.
أوَّلاً: تعريفها:
لغةً: وَصَيْتُ الشَّيءَ بالشَّيءِ أَصِيهِ من بابِ وَعَدَ: وَصَلْتُهُ وَوَصَّيْتُ إلى فلانٍ توصيةً، وَأَوْصَيْتُ إليه إيصاءً، وسميت الوصية وصية؛ لأنَّ الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته (¬1).
واصطلاحاً: اسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد موته (¬2)، أو تمليك مضاف لما بعد الموت (¬3). (¬4)
وتلحق التَّصرفات المنجزة على هيئة التبرع في مرض الموت بحكم الوصية، فلا تنفذ إلا في الثلث، والمراد بالتصرفات: التي هي إنشاء، ويكون فيها معنى التَّبرُّع، حتى إنَّ التَّصرف إخباراً كالإقرار بالدَّين في المرض فإنَّه ينفذ من كلِّ المال، وإن لم يكن التصرف تبرعاً كالبيع والنِّكاح في المرض، يكون الثَّمن والمهر فيه من كلِّ المال.
فتعتبر المحاباة ـ وهي أن يبيع سيارةً قيمتها ألفان بألفٍ مثلاً ـ والكفالة والهبة في حكم الوصية في اعتبارها من الثلث، بحيث يقسم الثلث بين أصحاب هذه التصرفات وبين الوصايا نسبةً وتناسباً على قدر حقّ كل منها (¬5). (¬6)
¬
(¬1) ينظر: المصباح 2: 662، والزَّاهر1: 181.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 7: 333.
(¬3) ينظر: الكنز6: 182، والتَّوقيف على مهمات التعاريف1: 338.
(¬4) في المادة254 - الوصية: تصرّفٌ بالتَّركة مضافٌ إلى ما بعد موت الموصي.
(¬5) ينظر: مجمع الأنهر2: 706.
(¬6) في المادة 255 - التَّصرفات التي تصدر في مرض الموت بقصد التبرع والمحاباة تلحق بالوصية وتسري عليها أحكامها.
وتقوم إشارة الموصي الأخرس المعهودة مقام عبارته، سواء كان يُحسن الكتابة أم لا (¬1).
واستحسن ابن الهمام (¬2): إن كان يحسن الكتابة أن لا يقع تصرفه بالإشارة؛ لاندفاع الضَّرورة بما هو أدل من الإشارة.
وأيَّده ابن عابدين (¬3) بما يشهد له من ظاهر الرِّواية، بحيث أنَّه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته، فتقوم كتابته في الزَّواج مقام النطق؛ لأنَّه عاجز عن الكلام قادر على الكتابة.
وهذا إذا ولد أخرساً, أو طرأ عليه الخرس بعد ولادته ودام مدّة في حصول إشارة معهودة له (¬4)؛ لأنَّ إقامة الإشارة مقام العبارة أمر ضروري (¬5)، وتعتبر لغة الصم والبكم من الإشارة المعهودة المعتبرة في التَّصرفات (¬6).
ثانياً: مشروعيتها:
القياسُ يأبى جوازها؛ لأنَّها تمليكٌ مضافٌ إلى حال زوال مالكيته, ولو أُضيف إلى حال قيامها؛ بأن قيل: ملّكتك غداً كان باطلاً، فهذا أولى.
¬
(¬1) ينظر: الشرنبلالية 1: 360.
(¬2) في الفتح3: 491.
(¬3) في رد المحتار 3: 241.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 3: 268، والدر المختار3: 241، ورد المحتار 3: 241.
(¬5) ينظر: بدائع الصنائع 7: 224.
(¬6) في المادة 256 - تنعقد الوصية بالعبارة إن كان الموصي قادراً عليها وإلا فبالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزاً عنهما انعقدت بالإشارة المعلومة.
إلا أنَّها جازت استحساناً؛ لحاجة النَّاس إليها, فإنَّ الإنسانَ مغرورٌ بأمله مقصِّرٌ في عمله, فإذا عَرَضَ له المرض وخاف البيان يحتاج إلى تلافي بعض ما فَرَّطَ منه من التفريط بماله على وجه لو مضى فيه يتحقَّقُ مقصدُه المآلي, ولو أَنْهَضَه البرءُ يصرفه إلى مطلبه الحالي، وفي شرع الوصية تحقيق ذلك فشرعه الله تعالى، كما نطق به الكتاب وهو قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} النساء: 11.
ولأنَّ بقاءَ مالكية الإنسان لما يحتاج له من ماله ثابتٌ في أُمور أُخرى غير الوصية: كمقدار ما يحتاج إليه من التَّجهيز بالكفن والدَّفن، ومقدار ما عليه من ديونٍ مستحقّةٍ للغرماء (¬1).
ثالثاً: صفتها:
الوصيةُ مستحبّةٌ للأَجنبيّ دون الوارث؛ لما فيها من الصدقة والثواب الذي يلاقيه المؤمن في عمل الخيرات؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» (¬2).
وأما الوارث فقد أخذ نصيبه من تركة الميت بتقسيم الله تعالى، وهو أعدل العادلين، فلم يبق له حقّ في الوصية؛ فعن أبي أُمامة الباهلي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ الله تعالى قد أعطى لكلّ ذي حَقّ حقّه، فلا وصية لوراث) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الهداية10: 413.
(¬2) في سنن ابن ماجه 2: 904، وفي مسند أحمد 45: 475 ومسند الشَّاميين 2: 253 عن أبي الدَّرداء - رضي الله عنه -، وفي المعجم الكبير 20: 54 ومصنف ابن أبي شيبة 16: 181عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -.
(¬3) في سنن الترمذي4: 433، وسنن أبي داود2: 127، وسنن النَّسائي الكبرى4: 107.
رابعاً: تقديم الدَّين على الوصية:
يقدم الدَّين على الوصية؛ لأنَّ الدَّينَ واجبٌ والوصيةُ تَبَرُّعٌ، والواجبُ مُقَدَّمٌ على التَّبرّع.
والدَّين والوصية مُقَدَّمان على الميراث، فمَن أَوصى وعليه دينٌ يُحيط بماله لم تَجُزْ الوصية إلا أن يبرئه الغرماءُ من الدَّين؛ لأنَّه أَهم لكونه فرضاً.
والوصيةُ تعدُّ من التَّبرُّع، سواء كانت بغير الواجب: كصدقةٍ في سبيل، أو بما كان واجباً على المسلم، مثل: زكاة لم يدفعها في حياته وأوصى بإخراجها بعد موته؛ لأنَّ حقّ العبد مُقدَّم على حقّ الشَّرع؛ لأنَّ اللهَ تعالى غنيّ والعبد فقير؛ لذلك كانت الوصية مطلقاً من التَّبرُّعات (¬1)، فلا تقدم على الدَّين؛ فعن عليّ - رضي الله عنه -: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدَّين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدَّين» (¬2)، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم -، أنَّه قيل له: «كيف تأمر بالعمرة قبل الحج؟ والله تعالى يقول: وأتموا الحج والعمرة لله، فقال: كيف تقرؤون الدَّين قبل الوصية أو الوصية قبل الدَّين؟ قالوا: الوصية قبل الدَّين، قال: فبأيهما تبدؤون؟ قالوا: بالدَّين، قال: فهو ذلك» (¬3).
خامساً: مقدار الوصية:
لا تجوز الوصية زيادة على الثلث إلا إذا أجازتها الورثة بعد موت الموصي، وكان الورثة من أهل التبرع؛ لأن المنع من النفاذ زيادة عن الثلث لمصلحة الورثة، فإن أسقطوا حقهم جاز، فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: (جاء النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعودني وأنا بمكة، وهو
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق6: 185.
(¬2) في سنن الترمذي4: 435، ومسند أحمد1: 79.
(¬3) في معرفة السُّنن10: 439، ومسند الشَّافعي1: 384.
يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء، قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كلّه؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلثُ والثلثُ كثير، إنَّك إن تدعَ ورثتَك أَغنياء خيرٌ من أن تدعَهم عالةً يتكفَّفون النّاسَ في أَيديهم) (¬1). (¬2)
ويُسْتَحَبُّ أن يُوصي الإنسانُ بأقلّ من الثُّلث، سواء كانت الورثةُ أَغنياء أو فقراء؛ لأنَّ في الإنقاص عن الثلث صلةً لأقربائه من الورثةِ بترك جزءٍ من الثُّلث الذي أعطاه الله تعالى حقّ التَّصرُّف به للورثة, بخلاف إذا أوصى بجميع الثُّلث فقد استوفى تمام حَقِّه فلم يكن واصل لأقربائه، وليس له عليهم منّةً؛ لأنَّ الثُّلثين حقّ لهم أعطاهم إياه الله تعالى (¬3).
ويستحبُّ ترك الوصية إن كان الورثةُ فقراء ولا يستغنون بما يرثونه، وإن كانوا أَغنياء أو يستغنون بنصيبهم فالوصيةُ أولى، وسُئل أبو يوسف - رضي الله عنه - عن رجل يريد أن يوصي وله ورثة صغار قال: يتركه لورثته فهو أفضل (¬4).
سادساً: ركنها:
الإيجاب والقَبول، الإيجاب من الموصي، والقَبول من الموصى له، فما لم يوجدا جميعاً لا يتم الرُّكن، وإن شئت قلت: ركن الوصية الإيجاب من الموصي، وعدم الردِّ من الموصى له، وهو أن يقع اليأس عن ردّه؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} النجم: 39،
¬
(¬1) في صحيح البُخاري3: 106.
(¬2) المادة 274 ب-تنفذ الوصية في حدود ثلث التَّركة لغير الوارث، أما ما زاد على ذلك فلا تنفذ فيه الوصية إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي.
(¬3) ينظر: الهداية10: 427.
(¬4) ينظر: الجوهرة النيرة2: 287.
فظاهره أن لا يكون للإنسان شيء بدون سعيه، فلو ثبت الملك للموصى له من غير قبول لثبت من غير سعيه، وهذا منفي إلا ما خص بدليل، ولأنَّ القول بثبوت الملك له من غير قبوله يؤدي إلى الإضرار به؛ لأنَّه يلحقه ضرر المنة، ولأنَّ الموصى به قد يكون شيئاً يتضرر به الموصى له (¬1).
ولا بُدّ أن يكون القَبول موافقاً للإيجاب، فإن خالف الإيجاب لم يصحّ القَبول؛ لأنَّه إذا خالفه لم يرتبط فبقي الإيجاب بلا قبول فلا يتم الركن.
فمَن قال لرجلين: أوصيت بهذه السيارة لكما فقبل أحدهما بعد موت الموصي، ورَدَّ الآخر لم يصحّ القَبول؛ لأنَّه أوصى لهما جميعاً فكان وصيةً لكلّ واحدٍ منهما بنصف السّيارة، وكانت بينهما لو قبلا، فإذا ردّ أحدهما لم يوجد الشَّرط، وهو قبولهما جميعاً، فبطلت الوصية.
ولو أوصى بالسّيارة لإنسان، ثم أوصى بها لإنسان آخر، فقبل أحدهما الوصية بعد موت الموصي، وردّ الآخر فنصف السِّيارة لمن قبل من الموصى لهم، والنِّصف الآخر من السِّيارة لورثة الموصي؛ لأنَّه أوصى لكل واحد منهما على حياله، فلا يشترط اجتماعهما في القَبول، فإذا ردّ أحدهما بعد موت الموصي لم يتم الرُّكن في حقِّه، بل بطل الإيجاب في حقِّه، فعاد نصيبه إلى ورثة الموصي، فصحّ القَبول من الآخر، فاستحق نصف الوصية (¬2). (¬3)
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 7: 332.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 7: 334.
(¬3) في المادة 262 - أ- إذا قبل الموصى له بعض الوصية ورد بعضهم الآخر لزمت الوصية فيما قبل وبطلت فيما رد وتعود إرثاً. ب- إذا قبل بعض الموصى لهم الوصية وردها الباقون لزمت بالنسبة لمن قبل وبطلت بالنسبة لمن رد وتعود إرثا وتسري أحكام هذه المادة ما لم يشترط الموصي عدم التجزئة صراحة أو فهم شرطه من سياق الوصية.
سابعاً: وقت قَبول الوصية:
يعتبر قَبول الوصية بعد موت الموصي، فإن قبلَها الموصى له في حال حياة الموصي أو رَدَّها فهذا القَبولُ والردُّ باطلٌ؛ لأنَّ الوصيةَ إيجابٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت، فلا يُعتبرُ القَبول قبل تحقق الإيجاب، ولأنَّ أوانَ ثبوت ملكه بعد الموت (¬1). (¬2)
¬
(¬1) في المادة 261 - أ- لا يشترط في القبول أو في الرد أن يكون فور موت الموصي. ب-إذا لم يبد الموصى له رأيا بالقبول أو الرد, واستطال الوارث أو من له تنفيذ الوصية ذلك أو خشي استطالته، فله أن يعذر إليه بواسطة المحكمة بمذكرة خطية تشتمل على تفصيل كاف عن الوصية , ويطلب إليه قبولها أو ردها، ويحدد له أجل لا يقل عن شهر فان لم يجب قابلاً أو راداً ولم يكن له عذر مقبول في عدم الإجابة يكون راداً لها حكماً.
(¬2) في المادة 266 - الوصية لا تصح إلا مضافة لما بعد الموت، ويصح تعليقها على شرط.
وفي فتح القدير 6: 208: «والتَّمليكات غير الوصية لا تتعلق بالخطر»، والمقصود أنَّها في نفسها معلَّقة على شرط الموت، وعند الشَّافعية والحنابلة: يصح تعليقها على شرط بعد موت الموصي، بأن يقول: إن حج فلان بعد موتي، أو تعلم القرآن وما أشبهه ... فقد أوصيت له بكذا؛ لأنَّ ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة، فإذا جاز تعليق الوصية، على شرط في حالة الحياة .. جاز بعد الموت، كما في البيان8: 171، والمهذب2: 344، والمجموع15: 429، والكافي2: 270.
وفي المادة 267 - أ- تجوز الوصية المقترنة بالشرط، ويجب مراعاته إذا كان صحيحا ما دامت المصلحة فيه قائمة. ب- الشَّرط الصَّحيح هو ما كان فيه مصلحة للموصى أو الموصى له أو لغيرهما ولم يكن منافيا لمقاصد الشَّريعة. جـ- لا يراعى الشَّرط إن كان غير صحيح أو زالت المصلحة المقصودة منه.
والظَّاهر أنَّ هذه المادة مأخوذة من فقه السُّنة 3: 592: «وتصح الوصية المضافة أو المعلقة بالشرط أو المقترنة به متى كان الشرط صحيحاً. والشرط الصحيح: هو ما كان فيه مصلحة للموصي أو الموصى له أو لغيرهما ولم يكن منهياً عنه ولا منافياً لمقاصد الشريعة. ومتى كان الشرط صحيحاً وجبت مراعاته ما دامت المصلحة منه قائمة. فإن زالت المصلحة المقصودة منه أو كان غير صحيح لم تجب مراعاته».
وإذا قَبِلَ بعد موت الموصي ثبت الملك (¬1) قبض الموصى له أو لم يقبضه؛ لأنَّه ليس من شرط القبول للوصية حصول القبض، ويمكن أن يكون قبوله صريحاً بأن يقول: قبلت بعد موت الموصي، ويمكن أن يكون دليلاً بأن يموت الموصى له قبل أن يقبل أو يردّ بعد موت الموصي، فيكون موت الموصى له قبولاً لوصية الموصي، وتكون الوصية ميراثاً لورثة الموصى له (¬2). (¬3)
وإذا مات الموصى له في حياةِ الموصي بطلت الوصيةُ؛ لأنَّ شرطَ صحّة الوصيةِ القَبول، ومن شرطِ القَبول أن يكون بعد موت الموصي، فإذا مات الموصى له قبل ذلك عدم هذا (¬4).
¬
(¬1) في المادة 264 - إذا قبل الموصى له الوصية فلا يسوغ رده لها بعد ذلك.
(¬2) ينظر: الجوهرة النيرة 2: 289.
(¬3) في المادة 257 - تلزم الوصية بقبولها من الموصى له صراحة أو دلالة بعد وفاة الموصي، وترد بردها صراحة بعد وفاة الموصي.
وتعارضها المادة 263 - أ- إذا مات الموصى له قبل قَبول الوصية أو ردها قام ورثته مقامه في ذلك. ب-إذا تعدد الورثة, تجزأت الوصية بنسبة حصصهم, ولكل منهم قَبول حصته كلها أو بعضها أو رد حصته من الوصية.
وجه التَّعارض: أنَّ المادة 256نصَّت على تحقق القَبول للوصية بموت الموصى له قبل القَبول بدون توقف على إذن الورثة، والمادة 263 نصَّت على توقف القَبول للوصية بعد موت الموصي له على قَبول الورثة، وما في المادة 257 موافق لمذهب الحنفية وبعض المالكية، وما في المادة 263 موافق لمذهب الشَّافعية والحنابلة وبعض المالكية، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية39: 279.
(¬4) ينظر: الجوهرة النيرة 2: 300.
ثامناً: شروطها:
1.أن يكون الموصي من أهل التَّبرُّع في الوصيةِ بالمالِ وما يتعلَّق به؛ لأنَّ الوصيةَ بذلك تبرُّع بإيجابه بعد موته، فلا بُدّ من أهليةِ التَّبرُّع، فلا تصحّ الوصية من الصَّبيِّ والمجنون؛ لأنَّهما ليسا من أهل التَّبرُّع، لكونه من التَّصرُّفات الضارّة المحضة؛ إذ لا يقابله عوضٌ دنيويٌّ.
وإن أوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك من ثلث ماله يعني إذا كان له وارث استحساناً؛ لأنَّ الحجر عليه لمعنى المصلحة له لكي لا يتلف ماله ويبقى كلّاً على غيره، وذلك في حياته لا فيما ينفذ من الثلث بعد وفاته حال استغنائه عنه، هذا إذا كان الموصى به موافقاً لوصايا أهل الخيرية والصلاح، نحو: الوصية بالحج أو للمساكين أو بناء المساجد، والأوقاف، والقناطر، والجسور، وأما إذا أوصى بغير القُرب عندنا لا ينفذ (¬1). (¬2)
وتبطل بجنون الموصي جنوناً مطبقاً؛ لأنَّ الوصيةَ عقدٌ جائز كالوكالة، فيكون لبقائه حكم الإنشاء كالوكالة فتعتبر أهلية العقد إلى وقت الموت، والجنون المطبق هو أن يمتد
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 8: 93.
(¬2) في المادة 275 - إذا كان الموصى له جهة من الجهات، فتكون أحكام الوصية، على النحو التالي: أ. تصح الوصية للمساجد، والمؤسسات الخيرية الإسلامية وغيرها من جهات البر والمؤسسات العلمية والمصالح العامة والوقف، وتُصرف في عمارتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المَصرف بعرف أو دلالة. ب. تصح الوصية لله تعالى ولأعمال البر دون تعيين جهة، وتُصرف عندئذ في وجوه الخير. جـ. تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر التي ستوجد مستقبلاً، فإن تعذر وجودها بطلت الوصية.
شهراً عند أبي يوسف، وعند محمد سنة (¬1). (¬2)
2. رضا الموصي؛ لأنَّها إيجاب ملك أو ما يتعلق بالملك، فلا بُدّ فيه من الرضا كإيجاب الملك بالبيع وغيره، فلا تصحّ وصية الهازل والمكرَه والخاطئ؛ لأنَّ هذه العوارض تفوِّت الرِّضا.
3.أن يكون الموصى له موجوداً، فإن لم يكن موجوداً لا تصحُّ الوصيّة؛ لأنَّ الوصية للمعدوم لا تصحّ، فلو قال: أوصيتُ بثلث مالي لما في بطن فلانة، فإن ولدت لأقلّ من ستّة أشهر، فيكون موجوداً في البطن عند الوصيّة؛ لأقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر، فتصحّ الوصية، وإن ولدت لأكثر من ستّة أشهر من وقتِ الوصيّة لا تصحّ الوصيّة. (¬3)
4.أن يكون الموصى له حَيَّاً وقتَ موت الموصي، حتى لو قال: أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة، فولدت لأقل من ستّة أشهر من وقت موت الموصي ولداً ميتاً لا وصية له؛ لأنَّ الميت ليس من أهل استحقاق الوصية، ولهذا لو أوصى لحي وميت كانت كلُّ الوصية
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 7: 394.
(¬2) في المادة 269 - أ. يشترط في الموصي أن يكون أهلاً للتبرع، بالغاً عاقلاً رشيداً. ب. إذا كان الموصي محجوراً عليه للسفه أو الغفلة جازت وصيته بإذن المحكمة. جـ. لا تبطل الوصية بالحجر على الموصي للسفه أو الغفلة. د. تبطل الوصية بجنون الموصي جنوناً مطبقاً إذا اتصل بالموت.
(¬3) في المادة 270 - يشترط في الموصى له: أ. أن يكون معلوماً. ب. إذا كان معيناً بالتعيين, فيشترط وجوده وقت الوصية، أما إذا كان معرفاً بالوصف فلا يشترط وجوده وقت الوصية، وذلك مع مراعاة أحكام المادة (275) من هذا القانون.
وفي المادة 271 - تصح الوصية لشخص معين أكان موجوداً أم منتظر الوجود وتصح لفئة محصورة أو غير محصورة وتصح لوجوه البر والمؤسسات الخيرية والعلمية والهيئات العامة.
للحيّ. (¬1)
ويعتبر قَبول ولي أو وصي الصغير غير المميز أو المجنون؛ لعدم اعتبار عبارته مطلقة، بخلاف الصَّبي المميز والمعتوه، فتعتبر عبارته فيما فيه منفعة محضة كالوصية والهدية له، ولا يتوقف على إذن الوليّ أو الوصي (¬2).
وتدخل الوصية في ملك الجنين من غير قَبول استحساناً؛ لعدم مَن يلي عليه حتى يقبل عنه، فلا تصح الهبة للجنين؛ لأنَّ الهبة من شرطها القَبول والقبض، ولا يتصوَّر ذلك من الجنين، ولا يلي عليه أحد حتى يقبض عنه (¬3). (¬4)
¬
(¬1) في المادة272: أ. تبطل الوصية بموت الموصى له المعين قبل موت الموصي. ب-تبطل الوصية إذا مات الموصي والموصى له معاً أو جهل أيهما أسبق وفاة.
وفي المادة 276 - أ. تصح الوصية للحمل على أن يولد لسنة فأقل من وقت الوصية، وتوقف غلة الموصى به إلى أن ينفصل حياً فتكون له. ب. إذا كانت الوصية لحمل من معين اشترط ثبوت نسبه لذلك المعين. جـ. ينفرد الحي من التوأمين بالموصى به إذا وضعت المرأة أحدهما ميتاً.
وعند الحنفية والشَّافعية والحنابلة يشترط لصحة الوصية: أن يولد الجنين لأقل من ستة أشهر، وقال المالكية: تصح الوصية لحمل ثابت أو ما سيوجد، فيوقف إلى وضعه، فيستحق إن استهل عقب ولادته، فإن نزل ميتاً أو حياً حياةً غير قارة فلا يستحقها، وترد الوصية لورثة الموصي، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية18: 147.
(¬2) ينظر: نور الأنوار وقمر الأقمار 2: 255 - 259، وشرح ابن ملك 2: 939 - 942.
(¬3) ينظر: الأشباه وغمز عيون البصائر3: 461 - 479.
(¬4) في المادة 259 - أ. إذا كان الموصى له جنيناً أو فاقد الأهلية يكون قَبول الوصية ممن له الولاية أو الوصاية على ماله. ب. إذا كان الموصى له محجوراً عليه لسفه أو ناقص الأهلية، صح قبوله الوصية. جـ. يكون رد الوصية للجنين وناقصي الأهلية وفاقديها لمن له الولاية أو الوصاية على أموالهم بإذن المحكمة. د. إذا لم يوجد من يقبل الوصية عن ناقصي الأهلية وفاقديها، فيكون لهم القَبول والرد بعد زوال مانع القبول أو الرَّد.
ونسب الزُّحيلي في الفقه الإسلامي10: 7447 إلى الشَّافعية اعتبار قَبول ولي مال الجنين.
5. أن لا يكون الموصى له وارث الموصي وقت موت الموصي، فإن كان وارثاً لا تصحّ الوصية، حيث يعتبر كونه وارثاً عند الموت لا وقت الوصية، فمَن كان وارثاً وقت الوصية غيرُ وارث وقت الموت صحَّت له الوصية، ومَن كان غيرَ وارث وقت الوصية ثمَّ صار وارثاً وقت الموت لم تصحّ له الوصية، ومثاله:
لو أَوْصَى لزوجته ثمَّ طَلَّقَها وبانت عند الموت صَحَّت الوصية لها.
ولو أَوْصَى لأَجنبيّة ثُمَّ تَزَوَّجَها ومات وهي في نكاحه لا تصحّ الوصية لها (¬1).
ويستحبُّ أن يوصي الأب لأبناء ابنه المتوفَّى قبله إن رأى فيه حاجة لهم ومصلحة؛ لأنَّهم لا يرثون، ويحجبون بأبناء المتوفّى (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الجوهرة النيرة 2: 287.
(¬2) أخذ القانون بالوصية الواجبة في المادة 279 - إذا توفي شخص وله أولاد ابن وقد مات ذلك الابن قبله أو معه، وجب لأحفاده هؤلاء في ثلث تركته وصية بالمقدار والشروط التالية:- أ. تكون الوصية الواجبة بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم عن أصله المتوفى على فَرَض موت أبيهم إثر وفاة أصله المذكور على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة. ب. لا يستحق الأحفاد وصية إن كانوا وارثين لأصل أبيهم جداً كان أو جدة إلا إذا استغرق أصحاب الفروض التركة. جـ. لا يستحق الأحفاد وصية إن كان جدهم قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقونه بهذه الوصية الواجبة، فإذا أوصى لهم أوأعطاهم أقل من ذلك وجبت تكملته، وإن أوصى لهم بأكثر كان الزائد وصية اختيارية، وإن أوصى لبعضهم فقد وجب للآخر بقدر نصيبه. د. تكون الوصية لأولاد الابن ولأولاد ابن الابن وإن نزل واحدا أو أكثر للذكر مثل حظ الأنثيين يحجب كل أصل فرعه دون فرع غيره ويأخذ كل فرع نصيب أصله فقط. هـ. الوصية الواجبة مقدمة على الوصايا الاختيارية في الاستيفاء من ثلث التركة.
وينسبون القول في الوصية الواجبة لابن حزم، حيث قال في المحلى 8: 353: «وفرض على كل مسلم أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون، إما لرق، وإما لكفر، وإما لأنَّ هنالك من يحجبهم عن الميراث أو لأنَّهم لا يرثون فيوصي لهم بما طابت به نفسه، لا حد في ذلك، فإن لم يفعل أعطوا ولا بد ما رآه الورثة، أو الوصي. فإن كان والداه، أو أحدهما على الكفر، أو مملوكا ففرض عليه أيضا أن يوصي لهما، أو لأحدهما إن لم يكن الآخر كذلك، فإن لم يفعل أعطي، أو أعطيا من المال ولا بد، ثم يوصي فيما شاء بعد ذلك ... ؛ لقول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين. فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم} البقرة: 180 - 181 فهذا فرض كما تسمع، فخرج منه الوالدان، والأقربون الوارثون، وبقي من لا يرث منهم على هذا الفرض».
وتصحُّ الوصيّة لأحد الورثة إن أجازها الورثة؛ لأنَّ عدمَ الجواز كان لحقِّهم فتجوز بإجازتهم، ويشترط أن يكون المجيزُ من أهل التَّبرُّع بأن يكون عاقلاً بالغاً.
وإن أجاز الوصية البعض دون البعض يجوز على المجيز بقدر حصَّته دون غيره؛ لولايته على نفسه فقط.
ولا تعتبر إجازة الورثة في حال حياة الموصي، حتى كان لهم أن يرجعوا عنها بعد موت الموصي (¬1). (¬2)
6. أن لا يكون الموصى له قاتل الموصي قتلاً حراماً على سبيل المباشرة، فإن كان لم تصحّ الوصية له، حيث يسقط حقّ القاتل في الوصية، سواء كان عامداً أو خاطئاً بعد أن
¬
(¬1) ينظر: مجمع الأنهر2: 692.
(¬2) المادة 274 ج-لا تنفذ الوصية للوارث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي.
كان مباشراً؛ لأنَّه استعجل ما أَخَّره الله - جل جلاله - فيحرم الوصية كما يحرم الميراث.
فإن أَوْصَى لقاتله فأَجازتها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز؛ لأنَّه منع من الوصية على طريق العقوبة، ولهما: أنَّ الامتناعَ لحقِّ الورثة؛ لأنَّ نفعَ بطلانها يعود إليهم، فإذا أَجازوها جازت، قال الطحاوي: القياسُ ما قاله أبو يوسف (¬1)؛ فعن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس لقاتل وصية) (¬2)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارثٌ فوارثُه أَقْرَبُ الناس إليه، ولا يرث القاتلُ شيئاً) (¬3). (¬4)
7. أن لا يكون الموصى له حربياً، وهو غير المسلم الذي يعيش في غير بلاد المسلمين، فإن كان لا تصحّ الوصية له من مسلم أو ذميٍّ؛ لأنَّ التَّبرُّع بتمليكٍ المال إيَّاه يكون إعانة له على الحرب، وإنَّه لا يجوز.
ولا يشترط إسلام الموصي، فتصحّ وصية المسلم لغير المسلم، ووصية غير المسلم للمسلم؛ لأنَّ غير المسلمين بعقد الذمّة التحقوا بالمسلمين في المعاملات؛ ولهذا جاز التبرُّع المنجزُ في حالةِ الحياة من الجانبين، فكذا المضافُ إلى ما بعد الممات.
والمستأمنُ ـ وهو مَن دخل دار الإسلام بعقد أمان لمدة محدودة ـ كالذَّميِّ في حَقِّ
¬
(¬1) ينظر: الجوهرة النيرة2: 289.
(¬2) في المعجم الأوسط8: 161، وسنن الدَّارقطني4: 236، وسنن البيهقي الكبير6: 281.
(¬3) في سنن أبي داود2: 598، وسنن البيهقي الكبير6: 219.
(¬4) في المادة 273 - يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الوصية الواجبة قتل الموصى له الموصي أو المورث قتلاً مانعاً من الإرث.
الوصيّة؛ لأنَّ له أن يُمَلِّكَه المالَ حال حياته، فكذا مضافاً إلى ما بعد مماته (¬1). (¬2)
8. أن لا يكون الموصى له مجهولاً جهالةً لا يمكن إزالتها، فإن كان مجهولاً لم تجز الوصية له؛ لأنَّ الجهالةَ التي لا يُمكن إزالتها تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له، وما أمكن رفع جهالته بمعرفة المعنى العرفي فيه صحّ، ومن أمثلته:
ـ إذا أَوصى لأَولادِ فلانٍ، فالوصيةُ بينهم الذَّكرُ والأُنثى سواء؛ لأنَّ اسم الولد يشمل الكلّ، وليس في اللفظ شيء يقتضي التّفضيل، فتكون الوصية بينهم على السواء (¬3).
ـ إن أَوصى لورثةِ فلان، فالوصيةُ بينهم للذّكر مثل حَظّ الأُنثيين؛ لأنَّ الاسم مشتقٌّ من الوراثة، وهي بين أولاده أو إخوته كذلك فكذا الوصية؛ ولأنَّ التنصيصَ على الاسم المشتق يَدُلُّ على أنَّ الحكمَ يترتّب على مأَخذ الاشتقاق فكانت هي العلّة (¬4).
ـ مَن أَوْصَى لجيرانه، فهم الملاصقون عند أبي حنيفة؛ لأنَّ الجار من المجاورة وهي الملاصقة، وصورة المسألة: أن يقول: أوصيت بثلث مالي لجيراني، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - هو لجيرانه الملاصقين لداره، ويستوي فيه المستأجر والمالك مسلماً كان أو ذمياً، رجلاً كان أو امرأة، صبياً كان أو بالغاً (¬5)، وعند أبي يوسف ومُحمّد: الوصيةُ لكلّ مَن يُصلِّي في مسجدِه
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 6: 184.
(¬2) في المادة 274 - أ- تصح الوصية مع اختلاف الدِّين أو الجنسية.
(¬3) ينظر: البحر الرائق 8: 510.
(¬4) ينظر: تبيين الحقائق 6: 202.
(¬5) ينظر: الجوهرة النيرة 2: 297.
بجماعة؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (¬1)، ويرجّح في المقصود بالجيران ما يحدِّده العرف بهم.
ـ وتصحّ الوصيةُ لقوم لا يحصون (¬2) إن كان فيه ما ينبئ عن الحاجة؛ لأنَّ وصيَّتَه بصدقةٍ، وهي إخراج المال إلى الله تعالى، والله تعالى واحد معلوم، فصحت الوصية بلا قَبول من أحد، والأفضل للوصي أن يعطي الثلث لمَن يقرب إليه منهم، فإن جعله في واحد فما زاد جاز، فلو أوصى لفقراء المسلمين أو لمساكينهم صحت الوصية؛ لأنَّهم وإن كانوا لا يحصون لكن عندهم اسم الفقير، والمسكين ينبئ عن الحاجة، فكانت الوصية لهم تقرباً إلى الله تبارك وتعالى طلباً لمرضاته لا لمرضاة الفقير، فيقع المال لله تعالى، ثمّ الفقراء يتملكون بتمليك الله تعالى منهم، والله تعالى واحد معلوم.
وإذا كانوا لا يحصون ولم يذكر في اللفظ ما يدل على الحاجة، وقعت الوصية تمليكاً منهم، وهم مجهولون، والتمليك من المجهول جهالة لا يمكن إزالتها لا يصحّ (¬3). (¬4)
¬
(¬1) في المستدرك 1: 373، وسنن البيهقي الكبير3: 57، ومصنف ابن أبي شيبة1: 303، ومصنف عبد الرزاق1: 497، وشرح معاني الآثار1: 394، وصححه ابن حزم، كما في فتح باب العناية1: 231.
(¬2) اختلف في تفسير الإحصاء: قال أبو يوسف: إن كانوا لا يحصون إلا بكتاب أو حساب فهم لا يحصون. وقال محمد: إن كانوا أكثر من مائة فهم لا يحصون، وقيل: إن كانوا بحيث لا يحصيهم محص حتى يولد منهم مولود، ويموت منهم ميت، فهم لا يحصون، وقيل يفوض إلى رأي القاضي. ينظر: بدائع الصنائع 7: 342.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 7: 342.
(¬4) في المادة 260 - إذا كان الموصى لهم غير محصورين أو جهة ذات صفة اعتباريه لزمت الوصية دون توقف على القَبول, سواء أكان لهم من يمثلهم قانوناً أم لا.
9. أن يكون الموصى به مالاً أو متعلّقاً بالمال؛ لأنَّ الوصية إيجاب الملك، أو إيجاب ما يتعلق بالملك من البيع، والهبة، والصدقة، ومحل الملك هو المال، فلا تصح الوصية بالميتة والدَّم؛ لأنَّهما ليس بمال في حقّ أحد (¬1).
وتجوز الوصيةُ بسكنى داره سنين معلومة، وتجوز بذلك أَبداً؛ لأنَّ المنافع يصحّ تمليكها في حال الحياة ببدل وبغير بدل، فكذا بعد الموت، ويجوز مؤقتاً ومؤبّداً.
ونفقة الدار الموصى بها على الموصى له بالسكنى.
وتصحّ الوصية بسكنى الدار إن خرجت عين الدار من ثلث التركة، وإن لم تخرج من ثلث التَّركة فيستحق من السكنى بمقدار ما يخرج من الدار من ثلث التركة، فلو لم يكن للميت إلا هذه الدار صحّت الوصية بمقدار الثلث، فيكون للموصى له ثلث منفعة الدار وللورثة منفعة ثلثي الدار؛ لأنَّ حقّه في الثُّلث وحقّهم في الثُّلثين، وهذا إذا لم تجز الورثة.
وهذا إذا كانت الدار لا يمكن قسمتها أجزاء فتستوفى على المهايأة بأن يسكن الموصى له شهراً مثلاً، والورثة شهرين، بخلاف الوصية بسكنى دار يُمكن قسمتها إذا كانت لا تخرج من الثُّلث حيث تقسم عين الدار أثلاثاً للانتفاع; لأنه يمكن القسمة بالأجزاء (¬2).
وإن أَوصى بثلث ماله ولا مال له ثمَّ اكتسب مالاً، استحقَّ الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت؛ لأنَّ الوصيةَ عقدُ استخلاف مضافٌ إلى ما بعد الموت، ويثبت حكمه بعد الموت، فيشترط وجود المال عند الموت لا قبله, وكذلك إذا كان له مال عند الوصية فهلك
¬
(¬1) هذه الشُّروط مستخلصة من البدائع 7: 334 - 354، ومضاف لها تفريعات وفوائد من الكتب الأخرى.
(¬2) ينظر: الجوهرة النيرة2: 300.
المال ثمَّ اكتسب مالاً جديداً عند الموت، فتنفذ الوصية فيه (¬1).
ومَن أَوصى لرجل بألف درهم، وله مالٌ عينٌ ودينٌ، والمقصودُ بالعين أن يكون المالُ حاضراً في يد الورثة، والمقصود بالدَّين أن يكون المالُ ديناً على الآخرين، فإن لم يخرج الألف من ثلث العين دُفِع إلى الموصى له ثلث العين، ثمَّ كلّما رجع شيءٌ من الدَّين دُفع إلى الموصى له ثلثُه حتى يستوفي حقّه وهو الألف; لأنَّ الموصى له شريك الوارث في الحقيقة، وفي تخصيصِه بالعين بخسٌ في حقّ الورثة; لأنَّ للعين مزية على الدَّين (¬2).
10.أن لا تكون الوصية في معصية؛ فلو أوصى للنائحات والمغنيات فهي باطلة (¬3). (¬4)
تاسعاً: صفة عقد الوصية:
1.قبل وجود الوصية: تكون واجبة تارة ومباحة تارة ومستحبة تارة.
فتكون واجبة إن كان في ذمّته صلوات لم يصلها أو صيام لم يصمه أو نذر لم يؤده، فيجب عليه الإيصاء به.
وتكون مباحة إن أوصى بإعطاء المال لغنيّ.
وتكون مستحبّة كالإيصاء بالمستحبّات من بناء المساجد والتَّصدُّق على الفقراء وأمثالها.
¬
(¬1) ينظر: الهداية10: 449.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 6: 190.
(¬3) ينظر: الهداية4: 537.
(¬4) في المادة 278 - يشترط في صحة الوصية ألا تكون في معصية أو في منهي عنه شرعاً.
ويقدَّم الإيصاء بالواجبات على غير الواجبات إذا أوصى بواجبات وغير واجبات وإن قدَّم الموصي غير الواجبات في وصيته على الواجبات، فمثلاً: تُقدَّم الفرائض: كالحجّ والزَّكاة والكفَّارات في الوصية على النوافل، سواء قدّمها الموصي أو أخّرها؛ لأنَّ الفريضةَ أَهمُّ من النَّافلة, والظَّاهرُ من المُوصي البداية بما هو الأهمُّ بحسنِ الظنِّ به.
وإذا أوصى بواجبات فقط فتكون متساويةً في القوَّة، فيبدأ بتنفيذ ما قدَّمه الموصي منها إذا ضاق الثُّلث عن جميعها.
وإذا أوصى بغير الواجبات فقط، فيقُدَّم منها ما قَدَّم الموصي؛ لأنَّ تقديمَه يدلُّ على الاهتمام.
2.بعد وجود الوصية:
فالوصية عقدٌ غير لازم في حقّ الموصي حتى يملك الرُّجوع ما دام حَيّاً؛ لأنَّ الموجود قبل موته مجرد إيجاب بلا قَبول، والإيجاب بدون قَبول يجوز الرجوع عنه في عقد المعاوضة فمن باب أولى في عقود التبرعات، ولأنَّ تمامَ الوصية بموت الموصي، فما لم يمت الموصي لم تتمّ الوصية فيجوز الرُّجوع عنها (¬1). (¬2)
ويصحُّ الرُّجوعُ عن الوصيةِ صريحاً بقوله: أبطلت الوصية التي أوصيتها لفلان أو فسختها أو نقضتها فتبطل، ودلالةً؛ لأنَّها تعمل عمل الصَّريح فقام مقام قوله قد أَبطلت, كما في الحالات الآتية:
أ. كلُّ فعل لو فعله الإنسانُ في ملك غيره ينقطع به حَقّ المالك, فإذا فعله الموصي كان
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 7: 378، والعناية10: 440، والجوهرة النيرة2: 395.
(¬2) في المادة 268 - لا تسمع عند الإنكار دعوى الوصية أو الرجوع عنها بعد وفاة الموصي إلا إذا وجدت أوراق رسمية بذلك.
رُجوعاً، مثل: تغير اسم الموصى به كمن أوصى بخشب فصنع منه أبواباً، فتبطل الوصية بالخشب.
ب. كلُّ فعل يوجب زيادةً في الموصى به، ولا يُمكن تسليم العين إلا بها، فهو رجوع إذا فعله, مثل السويق يلته بالسمن، والدار يبني فيها الموصي، والقطن يحشو به؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تسليمه بدون الزيادة, ولا يمكن نقضها؛ لأنَّه حصل في ملك الموصي من جهته.
ج. كلُّ تصرُّف أَوْجَب زوال ملك الموصي فهو رجوعٌ, كما إذا باع العين الموصى بها ثم اشتراها أو وهبها ثمَّ رجع فيها؛ لأنَّ الوصيةَ لا تنفذ إلا في ملكه, فإذا أزاله كان رجوعاً (¬1). (¬2)
عاشراً: حكم الوصية:
ثبوت الملك في المال الموصى به للموصى له.
فإن كانت الوصية عيناً فلها حكم مطلق ملك الموصى له، فيستطيع الموصى له التَّصرُّف فيها بالانتفاع بعينها، والتمليك من غيره بيعاً وهبةً ووصيةً؛ لأنَّه ملك بسبب مطلق، فيظهر في الأحكام كلّها.
ويملك الزَّوائد المتصلة أو المنفصلة الحادثة بعد موت الموصي، سواء حدثت بعد قَبول الموصى له أو قبل قَبوله بأن حدثت ثم قبل الوصية؛ لأنَّ الملك بعد القَبول ثبت من وقت الموت؛ لأنَّ الكلام السَّابق صار سبباً لثبوت الملك في الأصل وقت الموت؛ لكونه مضافاً إلى وقت الموت، فصار سبباً عند الموت، فإذا قبل ثبت الملك فيه من ذلك الوقت؛
¬
(¬1) ينظر: الهداية10: 440.
(¬2) في المادة 258 - يجوز للموصي الرجوع عن الوصية كلها أو بعضها على أن يكون الرُّجوع صريحاً ومسجلاً لدى جهة رسمية.
لوجود السَّبب في ذلك الوقت.
وكانت الزَّوائد موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثُّلث؛ لأنَّ الملك فيها بواسطة ملك الأصل مضاف إلى كلام سابق كأنَّها كانت موجودة في ذلك الوقت (¬1). (¬2)
وإن كانت الوصية منفعة بالوصية المضافة، فيثبت لها أحكام الإجارة عموماً.
فإن كانت الوصيةُ بالمنافع مؤقتةً إلى مدّةٍ تنتهي الوصية للموصى له بانتهاء المدة، ويعود ملك المنفعة إلى ورثة الموصى بالعين.
وإن كانت الوصية مطلقة بالمنافع غير محددة لمدة معينة فتثبت الوصية بالمنافع إلى وقت موت الموصى له بالمنفعة، ثم ينتقل إلى ورثة الموصي.
وليس للموصى له السُّكنى أن يؤاجر الدار من غيره؛ لأنَّ الموصي أوجب الحقّ للموصى له؛ ليستوفي المنافع هو لا غير، فلو انتقلت المنافع إلى غير الموصى له، فيكون بغير رضا الموصي، فلا يجوز (¬3). (¬4)
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 7: 385.
(¬2) في المادة 265 - أ- إذا أفاد نص الوصية وقت استحقاقها بدأت منه, وإلا بدأت من حين موت الموصي. ب-تكون زوائد الموصى به من حين وفاة الموصي إلى القَبول للموصى له, ولا تعتبر وصية، وعلى الموصى له نفقة الموصى به في تلك المدة.
ومعنى: «لا تعتبر وصية» على القول الأول بأنَّها لا تأخذ حكم الوصية في الخروج من ثلث المال، بل تخرج من المال.
وذكر الزُّحيلي في الفقه الإسلامي 10: 7455 اتفاق الفقهاء على أنَّ الموصي إذا حدد موعداً للملكية كابتداء شهر كذا تبدأ به؛ لأنَّ شرط الموصي يراعى ما لم يخالف مقاصد الشَّرع.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 7: 386، والجوهرة النيرة 2: 300.
(¬4) في المادة 277 - أ. تجوز الوصية إذا كان الموصى به مالاً معلوما متقوماً مملوكاً للموصي شائعاً أو معيناً أو منفعة. ب. تجوز الوصية بحق التَّصرف بالأراضي الأميرية.
الفصل الثَّاني
الميراث
أهداف الفصل الثَّاني:
1.أن يُبَيِّن الحقوق المتعلقة بالتَّركة.
2.أن يُعَدِّد شروط الميراث وأسبابه.
4.أن يُعَدِّد مراتب الورثة.
5.أن يُبَيِّن موانع الإرث.
6.أن يُعَدِّد أصحاب الفروض المُقَدَّرة من الرِّجال والنِّساء ويُعدد حالاتهم في الإرث.
7.أن يُعَرِّف العصبة ويبين أقسامها وحكم كل قسم منها.
8.أن يُعَرِّف الحجب ويبين أنواعه وأمثلة كل نوع منها.
9.أن يُعَرِّف الأرحام ويُعدد أصنافهم في الإرث.
10.أن يُعَدِّد النِّسب الأربعة في حساب المواريث.
11.أن يُعدد مخارج الفروض الخمسة.
12.أن يُعدد أصول المسائل السَّبعة، ويبيِّن كيفية إخراج أصل كل مسألة.
13.أن يُعَرِّف العول لغةً واصطلاحاً ويذكر الأصول الثَّلاثة التي تعول، ويبين كيفية حل المسألة العائلة.
14.أن يُبَيِّن متى يكون التَّصحيح للمسألة وكيفية التَّصحيح.
15.أن يُعَرِّف المناسخة ويبين كيفية حل مسألة المناسخة.
16.أن يُعَرِّف الرَّد ويبيِّن كيفية حل المسألة الرَّدية.
17.أن يُعَرِّف التَّخارج ويُبيِّن أحكامه وكيفية حسابه وتوزيع التركة على الورثة.
18.أن يُبَيِّن كيفية توريث ذو القرابتين والحمل والمفقود والخنثى والمرتد والغرقى والحرقى والهدمى.
المبحث الأول
قواعد الأحكام الفقهية للميراث
تمهيد: في متعلَّقات الميراث:
قبل الخوض في الأُسس النَّظريّة في كيفيّة توزيع التَّركة من جهةِ الأحكام الفقهيّة ببيان أنَّ المستحقّين من أهل القرابة إمّا أن يكونوا أصحاب فروض أو عصبات أو ذوي أرحام (¬1) كلٌّ منهم في مطلب على حدة، فإنَّه يحسن بناء أن نذكر بعض المتعلِّقاتِ بالميراثِ على النَّحو الآتي:
أولاً: الحقوق المتعلقة بالتَّركة:
1.التَّكفين والتَّجهيز للميت بلا تبذير ولا تقتير؛ فيكفن الرَّجل بثلاثة أثواب، والمرأة بخمسةِ أثواب، والزِّيادة عليها تبذير، والنَّقص عنها تقتير، ويؤخذ من التركة ثَمن القبر وأُجرة نقل الميت وتغسيله، ولا يؤخذ من التركة نفقات بيت العزاء، وإنَّما تكون على مَن يقوم بها، إلا إذا اتفق الورثة عليها.
2.الدُّيون على الميت فتكون من جميع مال التركة؛ فيبدأ بقضاء ديونه من جميع ماله الباقي بعد التجهيز، وإنَّما كان قضاء الدُّيون مؤخَّراً عن الكفن؛ لأنَّه لباسُه بعد وفاته، فيعتبر بلباسه في حياته، واللباس من حوائجه الأصلية المقدمة على الديون في الحياة والممات، فعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -، قال: «صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح، فقال: هاهنا أحد من بني فلان، قالوا: نعم، قال: إن صاحبكم محتبسٌ على باب الجَنة في دين عليه» (¬2).
3.الوصية من ثلث ماله بعد الدَّين؛ لأنَّ ما تقدَّم من التَّكفين وقضاء الدُّيون قد صار مصروفاً في ضروراته التي لا بُدَّ له منها، فالباقي هو ماله الذي كان له أن يتصرَّف في ثلثه.
4.الورثة؛ وهو أن يقسم ما بقي من ماله بعد التَّكفين والدَّين والوصية (¬3)، فعن
¬
(¬1) في المادة 283 - يكون الإرث بالفرض أو بالتَّعصيب أو بهما معاً أو بالرَّحم.
(¬2) في سنن أبي داود 33: 310.
(¬3) السِّراجية مع الشَّريفي ص 3 - 7.
جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» (¬1).
ثانياً: شروط الميراث:
1.موت المورِّث حقيقة، أو حكماً: كالمفقود الذي لا يعرف حياته من موته، وحكم القاضي بموته، أو تقديراً: كالجنين المنفصل بجنايةٍ على أُمه بأن ضربت أُمه على بطنها وخرج ميتاً، فيستحقّ نصف عشر الدِّية ويُقسم على ورثته، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنهم -: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قضى أنَّ العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم» (¬2).
2.حياة الوارث حقيقةً، أو حكماً: كالحمل، فإنَّه يستحقّ نصيباً من الإرث كباقي الورثة (¬3).
3.العلم بجهة إرث الوارث: كبنوة أو أبوة أو أخوة.
ثالثاً: أسباب الميراث:
1.قرابة النَّسب، فلا يورث بقرابة الرَّضاع.
2.النِّكاح الصَّحيح، فلا يورث بالنِّكاح الفاسد، كمَن تزوَّج بغير شهود، فلا يثبت التَّوارث بينهما لو مات أحدهما قبل التَّفريق.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 692.
(¬2) في مسند أحمد 11: 662، وسنن النَّسائي 8: 42.
(¬3) في المادة 280 - يشترط في استحقاق الإرث موت المورث حقيقة أو حكماً وحياة الوارث وقت موت المورث.
رابعاً: مراتب الورثة:
تقسم التَّركة بين الورثة على النَّحو الآتي:
1.أصحابِ الفرائض، وهم الذين لهم سهامٌ مُقدَّرةٌ في كتاب الله تعالى أو السُّنّة أو الإجماع، وتقديمهم على العصبة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض فللأولى رجل ذكر» (¬1)، ولأنَّ تقديم العصبة يوجب حرمان أصحاب الفرائض، وهذا ظلم لا يجوز.
2.العصبات: وهم كلُّ مَن يأخذ من التَّركة ما أبقته أصحاب الفرائض، وعند انفراده عن غيره من الورثة يحرز جميع المال.
3.الرَّدّ على ذوي الفروض النَّسبيّة بحسب نسبة مقادير السِّهام بعضها إلى بعض ويُرد الباقي عليهم بحسبها؛ لبقاء قرابتهم بعد أخذ فرائضهم دون ذوي الفروض السَّببية وهم الزَّوجين.
4.ذوي الأرحام: وهم الذين لهم قرابة وليسوا بعصبة ولا ذوي سهم، وإنّما أُخروا عن الرَّدّ؛ لأنّ أصحاب الفرائض النَّسبية أقرب إلى الميت، وأعلى درجة منهم.
5.المقَرُّ له بالنَّسب على الغير بحيث لم يثبت نسبه بإقرار من ذلك الغير إذا مات المقِرّ على إقراره، كما إذا أقرّ لمجهول النَّسب بأنّه أخوه، فإنّه يتضمن إقراره على أبيه بأنّه ابنه، و لم يصدقه أبوه في هذا النسب، ويموت المقِرّ على إقراره، فإن المقِرُّ عن ذلك الإقرار لا يعتدُّ به قطعاً، فلا يثبت به الإرث أصلاً.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 8: 151، وصحيح مسلم 3: 1233.
6.الموصى له بجميع المال، فإن عُدِم مَن تقدَّم ذكره يبدأ بمَن أوصى له بجميع المال، فيُكمل له وصيَّتُه؛ لأنَّ منعَه عمّا زاد على الثُّلث كان لأجل الورثة، فإذا لم يوجد منهم أحدٌ فله ما أوصى له.
7.بيت المال، فإن لم يوجد أحدٌ من المذكورين توضع التركة في بيت المال على أنَّها مال ضائع، فصارت لجميع المسلمين (¬1)، فعن المقدام - رضي الله عنه -، قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك كلاً فإلي» وربما قال: «إلى الله وإلى رسوله، ومن ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل له وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه» (¬2). (¬3)
خامساً: موانع الميراث:
1.القتل الَّذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفَّارة:
ويكون القصاص في القتل عمداً، وذلك بأن يباشر ويتعمّد ضربه بسلاح أو ما يجري مجراه في تفريق الأجزاء: كالمحدَّد من الخشب والحجر، فيجب على القاتل الإثم والقصاص، ولا كفارة فيه، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يرث القاتل شيئاً) (¬4)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال: (قتل رجل ابنه عمداً، فرفع إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فجعل عليه مئة من الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعه، وأربعين ثنية، وقال: لا يرث القاتل، ولولا أني
¬
(¬1) الشريف على السِّراجية ص 7 - 11.
(¬2) في سنن أبي داود 3: 123، وسنن التِّرمذي 4: 421.
(¬3) في المادة 284 - إذا لم يوجد وارث للميت تُرد تركته المنقولة وغير المنقولة إلى وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 598.
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يقتل والد بولده لقتلتك) (¬1).
وتكون الكفَّارة في القتل شبه العمد والخطأ ومجرى الخطأ.
وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يُقتل به غالباً، فيجب الدِّيَة على عاقلة القاتل، والإثم والكفَّارة على القاتل ولا قصاص فيه.
والخطأ يكون في القصد والفعل، ففي الفعل أن يرمى إلى صيد فيصيب إنساناً، وفي القصد أن يَرمي إلى صيدٍ فإذا هو إنسان، فيجب فيه الدِّيَة على العاقلة للقاتل، وتلزم الكفَّارة على القاتل.
ومجرى الخطأ: وهو أن يُباشر قتل إنسان بلا إرادة منه، بأن ينقلب على صغيرٍ أثناء نومه فيقتله، فيجب فيه الدِّيَة على العاقلة للقاتل، وتلزم الكفّارة على القاتل.
وأما القتل بسبب: وهو تعدَّ بفعل كان سبباً في قتل غيره بلا مباشرة منه: كحافر البئر أو واضع الحجر في غير ملكه، فيجب الدِّيَة على عاقلة المتسبب، ولا يقتص منه، ولا كفارة منه، ولا يحرم من ميراث المقتول.
ولا يُحرم من الميراث من قتل مورثه بحق: كقصاص أو حدٍّ أو دفاعٍ عن نفسه.
وكذا الحال إذا كان القاتل صبياً أو مجنوناً فلا يحرمان (¬2).
2.اختلافُ الدِّينين؛ فلا يرث المسلم من غير المسلم، ولا غير المسلم من المسلم، وغير المسلمين يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم؛ لأنّ الكفرَ ملّةٌ واحدةٌ، فعن
¬
(¬1) في مسند أحمد 1: 49، وحسنه الأرنؤوط.
(¬2) ينظر: هدية الصعلوك ص 246، وشرح السِّراجية 19 - 20.
أسامة بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (¬1)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (¬2). (¬3)
3.اختلاف الدَّارين حقيقةً أو حكماً؛ فإنَّ الدَّار على نوعين: دار إسلام ودار كفر، والاختلاف أيضاً نوعان:
أ. اختلاف حقيقة: مثل أن يكون بدن كلّ واحدٍ في دار: كالحربيّ في دار الحربِ والذِّميِّ في دار الإسلام، فإذا مات الحربي في دار الحرب، وله أب أو ابن ذمي في دار الإسلام، أو مات الذمي في دار الإسلام وله أب أو ابن في دار الحرب لم يرث أحدُهما من الآخر؛ لأنَّ الذِّميَّ من أهل دار الإسلام، والحربي من أهل دار الحرب، فهما وإن اتحدا ملّةً لكن لتباين الدار حقيقةً تنقطع الولاية بينهما، فتنقطع الوراثة المبنيّة على الولاية؛ لأنَّ الوارثَ خلف المورث في ماله ملكاً ويداً وتصرُّفاً.
ب. اختلاف حكماً: مثل أن يكون كلاهما في دار واحدةٍ، ولكن في قصد أحدهما الانتقال إلى داره كالمستأمن والذِّمي فإنَّ كلاهما يجتمعان في دار واحدة، ولكن من قصد المستأمن الانتقال إلى دار الحرب، فسُمِّي بذلك اختلافاً حُكماً، فلو مات أحدُهما لا يرثه الآخر؛ لأنَّ الحربيّ إذا دخل في دار الإسلام بأمان، فهو والذمي في دار واحدة حقيقةً، لكنَّهما في دارين مختلفتين حكماً؛ لأنَّ المستأمنَ من أهل دار الحرب حكماً.
¬
(¬1) صحيح البخاري 8: 156، وصحيح مسلم 3: 1233، وغيرهما.
(¬2) سنن أبي داود 3: 125، وسنن التِّرمذي 4: 424 عن جابر - رضي الله عنه -، والسنن الكبرى للنسائي 6: 124 عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه -، وغيرهم.
(¬3) في المادة 281 - أ. يحرم من الإرث من قتل مورثه عمداً عدواناً سواء أكان فاعلاً أصلياً أم شريكاً أم متسبباً شريطة أن يكون القاتل عند ارتكابه الفعل عاقلاً بالغاً. ب. لا توارث مع اختلاف الدِّين فلا يرث غير المسلم المسلم. جـ. ... يرث المسلم المرتد.
والممنوع من الميراث كالمعدوم: أي كأنَّه غير موجود فلا يَحْجِب غيره حجب حرمان أو نقصان (¬1).
أسئلة وتطبيقات:
أولاً: أجب عن الأسئلة الآتية مع الشَّرح الوافي:
1. ما الحقوق التي تتعلق بتركة الميت؟
2. ما الذي يعتبر به تكفين الميت؟
3. عدِّد مراتب الورثة وبيِّن لماذا قدم كل نوع على من بعده؟
4. وضِّح شروط الميراث.
5. بيِّن موانع الإرث على وجه الإجمال، واذكر العلَّة التي اقتضى كل واحد منها المنع بسببها.
6. ما هو حد القتل الذي يمنع إرث القاتل من المقتول؟
7. ينقسم القتل إلى قتل بحق وقتل بغير حق، فاضرب لكل واحد منهما أمثلة، وبين حكم كل نوع منها.
8. قال - صلى الله عليه وسلم -: «القاتل لا يرث» وهذا الحديث يقتضي بعمومه ألا يرث قاتل من مقتوله شيئاً سواء أكان قتله موجباً للقصاص أو الكفارة أم لم يكن، فكيف ذهب الحنفية إلى توريث القاتل بحق وتوريث من كان فعله سبباً للموت ونحوهما؟
9. ذهب الحنفية إلى أنَّ المسلم لا يرث الكافر، وذهبوا مع ذلك إلى أنَّ المسلم يرث المرتد فكيف توجه ذلك؟
10. بيِّن أنواع اختلاف الدَّارين ومثل لكل نوع منها بمثالين.
¬
(¬1) ينظر: منحة السلوك 3: 269، وشرح السِّراجية ص 21 - 24.
ثانياً: اذكر أحكام الميراث في المسائل الآتية مع التَّعليل:
أ. حربيان من دارين مختلفتين وأحدهما قريب للآخر وكل منهما مقيم في داره وقد مات أحدهما.
ب. حربيان من دارين مختلفتين وأحدهما قريب للآخر وكلاهما مقيم في دار الإسلام وقد مات أحدهما.
ت. حربيان من دار واحدة وأحدهما قريب للآخر وكلاهما مقيم في دار الإسلام وقد مات أحدهما.
المطلب الأول: الفروض:
الفروضُ المقدَّرة التي عليها مدار حصص الورثة ستة: ثمن وسدس وضعفيهما، على النَّحو الآتي:
1. الثُّمن، وذُكِر مرّةً واحدةً في القرآن، فقال تعالى: {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} النساء: 12.
2. الرُّبع، وذكر مرتين في القرآن، فقال تعالى: {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} النساء: 12، وقال تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} النساء: 12.
3.النِّصف، وذكر في ثلاثة مواضع في القرآن، فقال تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} النساء: 11، وقال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} النساء: 12، وقال تعالى: {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} النساء: 176.
4. السُّدس، وذكر في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} النساء: 11، وقال تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} النساء: 11، وقال تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} النساء: 12.
5. الثُّلث، وذكر مرتين في القرآن، فقال تعالى: {فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} النساء: 11، وقال: {فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} النساء: 12.
6.الثُّلثان، وذكر مرتين في القرآن، فقال تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} النساء: 11، وقال تعالى: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} النساء: 176.
وتعطى هذه الفروض لاثنى عشرَ: أربعةٌ من الرِّجال، وثمانٌ من النِّساء.
أمّا الرِّجال: 1) فالأبُ، 2) والجدّ لأب، 3) والأخ لأمّ، 4) والزَّوج.
وأمّا النِّساء:1) فالأمّ، 2) والجدَّة الصحيحة: وهي التي لا يدخل في نسبتها إلى الميت جدٌّ فاسد، 3) والبنت، 4) وبنت الابن، 5) والأُخت لأَب وأُم 6) والأخت لأَب، 7) والأخت لأُم، 8) والزَّوجة (¬1)، وتفصيلهم على النَّحو الآتي:
¬
(¬1) في المادة 285 - أصحاب الفروض اثنا عشر، أربعة من الذكور، وهم: الأب والجد لأب وإن علا والزوج والأخ لأم، وثمان من النِّساء، وهن: الأم والزوجة والبنت وبنت الابن وإن نزل والأخت لأبوين والأخت لأب والأخت لأم والجدة.
أولاً: أحوال الأب ثلاثة:
1. السُّدُسُ فرضاً فقط، وذلك مع الابن أو ابن الابن وإن سفلت، «الفرع الوارث المُذَكَّر».
مثاله: مات رجلٌ عن أب وابن أو ابن ابن؟ فللأب في هذه الحالة السُّدس فقط وللابن الباقي؛ لأنَّه عصبة.
2. السُّدُسُ فرضاً والباقي تعصيباً، وذلك مع البنت أو بنت الابن وإن نزلت، «الفرع الوارث المؤنث»؛ لقوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} النساء: 11، وهذا تنصيصٌ على أنّ فرض الأب مع الولد هو السدس، لكن اسم الولد يتناول الابن والبنت، فإن كان مع الأب ابن فله فرضه أعني السدس والباقي للابن؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته فلأولى رجل ذكر»، وأولى الرِّجال من العصبات هو الابن، وإن كانت معه بنتٌ فله السُّدس وللبنت النِّصف بالفرض وما بقي فللأب؛ لأنَّه أولى رجل ذكر من العصبات عند عدم الابن وابنه.
مثاله: مات رجلٌ عن أب وبنت أو بنت ابن؟ فللأب في هذه الحالة السُّدس مع أخذه الباقي بعد إعطاء البنت فرضها.
3. التَّعصيب المحض مع عدم الولد ـ أي الابن والبنت ـ وولد الابن وإن نزل، «الفرع الوارث مطلقاً»؛ لقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} النساء: 11؛ إذ يفهم منه أنّ الباقي للأب فيكون عصبة محضة. (¬1)
¬
(¬1) في المادة ... 286 - للأب ثلاثة أحوال: أ. السدس وهو الفرض المطلق وذلك إذا كان للميت ابن فأكثر أو ابن ابن فأكثر وإن نزل. ب. السدس والباقي وهو الفرض والتعصيب وذلك إذا كان للميت بنت أو بنت ابن وإن نزل واحدة كانت أو أكثر. جـ. التعصيب المحض وهو إذا لم يكن للميت أولاد أو أولاد ابن وإن نزلوا.
مثاله: مات رجلٌ عن أب ولا وارث له سواه، يُعطى له جميع المال تعصيباً محضاً.
ثانياً: حالات الجدِّ الصَّحيح ـ هو الذي لا تدخل في نسبته إلى الميت أُمٌّ ـ كالأب إلا أنَّه لا يرث مع وجود الأب (¬1)، فتكون له خمس حالات:
1.السُّدُس فرضاً فقط مع الابن أو ابن الابن وإن نزل.
مثاله: مات رجلٌ عن جد وابن أو ابن ابن؟ فللجد السدس، والباقي للابن أو لابن الابن تعصيباً.
¬
(¬1) وذكروا مسائل أخرى يخالف فيها الأب الجد وهي:
1.أنّ أمَّ الأب لا ترث معه وترث مع الجدّ.
2.أنّ الميت إذا ترك الأبوين وأحد الزَّوجين، فللأم ثلث ما بقي بعد نصيب أحد الزوجين، ولو كان مكان الأب جدّ، فللأم ثلث جميع المال إلا عند أبي يوسف - رضي الله عنه - فإنَّ لها ثلث الباقي.
3.أنَّ الأخوة الأشقاء أو لأب كلُّهم يسقطون مع الأب إجماعاً، ولا يسقطون مع الجدّ إلا عند أبي حنيفة، وبه يفتى. ومن أمثلتها:
ـ مات رجلٌ عن جد وأم وزوجة: فللأم الثلث من جميع التَّركة وللزَّوجة الرُّبع ويأخذ الجد الباقي بالتَّعصيب.
ـ ماتت امرأةٌ عن جد وأم وزوج: فللأم الثلث من جميع التَّركة وللزَّوج النِّصف ويأخذ الجد الباقي بالتَّعصيب.
ـ مات رجلٌ عن جد وإخوة أشقاء أو لأب: يأخذ الجد كل التَّركة بالتَّعصيب، ويَحجب الإخوة.
ـ مات رجلٌ عن جد وأم أب «جدة»: فللجدة السُّدس، وللجد الباقي بالتَّعصيب.
ينظر: الفوائد البهية، وشرح السِّراجية ص29.
2.السُّدس فرضاً والباقي تعصيباً مع البنت أو بنت الابن وإن نزلت.
مثاله: مات رجلٌ عن جد وبنت أو بنت ابن؟ فللجد السدس مع أخذه الباقي تعصيباً بعد إعطاء البنت فرضها وهو النِّصف.
3.التَّعصيب المحض مع عدم الولد وولد الابن وإن نزل.
مثاله: مات رجلٌ عن جدّ فقط؟ للجدّ كلُّ المال بالتَّعصيب.
4.يُحجب بالأب؛ لأنَّ مَن أدلى إلى الميت بواسطة يحجب بها، والأب أصل في قرابة الجدّ للميت.
مثاله: مات رجلٌ عن جدٍّ وأب؟ لا يأخذ الجدُّ شيئاً؛ لحجبه بالأب، فيأخذ الأب كلّ المال.
5.يَحجب الجدّ الإخوة والأخوات مطلقاً ـ أي الأخ لأب وأم أو الأخ لأب أو الأخ لأم، والأخت لأب وأم والأخت لأب والأخت لأم ـ، فلا يرثون معه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الجدَّ يقوم مقام الأب (¬1) في الإرث والحجب، والأب يحجب الإخوة بالإجماع، فكذا الجدّ، قال أبو بكر، وابن عباس، وابن الزبير - رضي الله عنهم -: «الجد أب» (¬2)، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول: «الجد أب ما لم يكن دونه أب، كما أنَّ ابن الابن ابن ما لم يكن دونه ابن» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 8: 151: وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في سنن سعيد بن منصور 1: 64. وفي السُّنن الكبرى للبيهقي 6: 370: كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: «الجد أب ما لم يكن دونه أب، كما أنَّ ابن الابن ابن ما لم يكن دونه ابن».
(¬2) في صحيح البخاري 8: 151.
(¬3) في السنن الكبرى للبيهقي 6: 370.
وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: يقاسمهم، فعن قتادة - رضي الله عنه -، قال: دعا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -، فسألهم عن الجد، فقال علي - رضي الله عنه -: «له الثُّلث على كلّ حال»، وقال زيد - رضي الله عنه -: «له الثُّلث مع الإخوة، وله السُّدس من جميع الفريضة, ويقاسم ما كانت المقاسمة خيراً له»، وقال ابن عباس: «هو أب فليس للإخوة معه ميراث» وقد قال الله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} الحج: 78 وبيننا وبينه آباء, قال: «فأخذ عمر - رضي الله عنه - بقول زيد - رضي الله عنه -» (¬1). وعن سليمان بن يسار أنَّه قال: «فرض عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - للجد الثلث مع الإخوة» (¬2).
فيكون للجدّ حالتان:
أ. إذا لم يكن هناك صاحب فرض، فهو مخيّر بين المقاسمة وبين ثلث جميع المال. ومن أمثلته:
ـ جد وأخ، للجد النِّصف وللأخ النِّصف.
ـ جد وأخوان، الثلث والمقاسمة هنا سواء.
ـ جدٌّ وثلاثة إخوة، الثلث هنا خَيْرٌ له من المقاسمة، فإن كان معهم صاحب فرض أُعطي فرضه ثم ينظر إلى ثلث ما بقي وإلى سدس جميع المال وإلى المقاسمة، ينظر أولاً إلى ثلث ما بقي وإلى سدس جميع المال أيّهما خير له، ثمّ ينظر إلى أَخيرهما وإلى المقاسمة، فأيُّهما كان خيراً له كان له.
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 10: 266.
(¬2) في السنن الكبرى للبيهقي 6: 407.
ب. إذا كان هناك صاحبُ فرضٍ فهو مُخَيَّرٌ بين ثلاثة أشياء: إمّا المقاسمة أو ثلث ما بَقِي أو سدس جميع المال (¬1)، ومن أمثلته:
ـ بنت وجدّ وأخ؟ للبنت النصف والباقي بينهما نصفان؛ لأنَّ المقاسمة خير له من ثلث ما بقي ومن سدس جميع المال.
ـ بنت وجد وأخوين؟ للبنت النصف، وثلث ما بقي وسدس جميع المال والمقاسمة سواء.
ـ بنت وجد وثلاثة إخوة؟ للبنت النصف، وثلثُ الباقي، وهو سدسُ جميع المال خير للجد من المقاسمة (¬2).
ثالثاً: أحوال الأخ لأم ثلاث:
1. السُّدُس للواحد منهم؛ أي لم يكن معه أخ أو أخت لأم؛ لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} النساء: 12، والمراد منه أولاد الأُم إجماعاً، فعن القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف: «أن سعداً - رضي الله عنه - كان
¬
(¬1) المادة ... 290 –أ. الجد كالأب في حالاته الثلاث إلا أنَّه يُحجب بوجود الأب، فأما إن اجتمع مع الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب كان له حالتان: 1.أن يقاسمهم كأخ إن كانوا ذكوراً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً عصبن مع الفرع الوارث من الإناث. 2.أن يأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض بطريق التَّعصيب إذا كان مع أخوات لم يعصبن بالذكور، أو مع الفرع الوارث من الإناث. ب. على أنَّه إذا كانت المقاسمة أو الإرث بالتعصيب على الوجه المتقدم تحرم الجد من الإرث أو تنقصه عن السدس اعتبر صاحب فرض بالسدس. جـ. لا يعتبر في المقاسمة من كان محجوباً من الأخوة أوالأخوات لأب.
(¬2) ينظر: الجوهرة النيرة 2: 308.
يقرؤها: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم» (¬1).
مثاله: مات رجلٌ عن أخ لأم؟ له السُّدس فرضاً والباقي رداً.
2. الثُّلث لاثنين فأكثر، وذَكرهم وأنثاهم في القسمة والاستحقاق سواء؛ لقوله تعالى: {فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} النساء: 12، فالقسمة أنّ الأُنثى منهم تأخذ مثل ما يأخذ الذَّكر كما دلَّ عليه جعلهم شركاء في الثُّلث. والاستحقاق أنّ الواحدَ منهم مذكّراً كان أو مؤنثاً يستحق السُّدس، وإذا تعدَّدوا ذكوراً أو إناثاً أو مختلطين استحقوا الثُّلث.
مثاله: مات رجلٌ عن أخوين لأم؟ لهما الثُّلث فرضاً والباقي رداً.
3. يُحجب بالولد ـ أي الابن والبنت ـ وولد الابن وإن نزل، وبالأب والجدّ وإن علا؛ لأنَّهم من قبيل الكلالة، وقد اشترط في إرثها عدم الولد والوالد، قال تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ... } النساء: 176، فعن الشَّعبي - رضي الله عنه - , قال: كان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول: «الكلالة من لا ولد له، ولا والد»، قال: وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: «الكلالة من لا ولد له»، فلما طعن عمر - رضي الله عنه -، قال: «إني لأستحيي الله أن أخالف أبا بكر، أرى الكلالة ما عدا الولد والوالد» (¬2)، وولد الابن داخل في الولد؛ لقوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ} الأعراف: 26، والجدُّ داخلٌ في الوالد؛ لقوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} الأعراف: 27، فلا إرث لأولاد الأم مع هؤلاء (¬3)، ومن أمثلته:
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير6: 379.
(¬2) في مصنف عبد الرَّزاق 10: 304.
(¬3) المادة 296 - للأخوة لأم والأخوات لأم أربعة أحوال: أ. السدس إذا كان واحداً ذكراً كان أو أنثى. ب. الثلث للاثنين فأكثر ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء. جـ. يحجبون مع الفرع الوارث مطلقاً والأصل الوارث المذكر. د. يشارك الأخ الشقيق أو الأخوة الأشقاء (بالانفراد أو مع أخت شقيقة أو أكثر) الأخوة والأخوات لأم إذا كانوا اثنين فأكثر في الثلث وذلك إذا استغرقت الفروض التركة، ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء.
ـ مات رجلٌ عن أب وابن وأخ لأم؟ فللأب السُّدس وللابن الباقي تعصيباً ولا شيء للأخ لأم؛ لحجبه بالابن.
ـ مات رجلٌ عن بنت وأخ لأم؟ تأخذ البنت نصف التَّركة فرضاً والباقي ردّاً ولا شيء للأخ لأم؛ لحجبه بالبنت.
ـ مات رجلٌ عن جدّ وأُخوة لأم؟ يأخذ الجدّ جميع التَّركة بالتَّعصيب ويَحجب الأخوة لأم.
ولا يحجبون بالأم فيرثون معها، استثناءً من قاعدة: «مَن أدلى إلى الميت بواسطة يحجب بها».
رابعاً: أحوال الزَّوج اثنتان:
1. النِّصفُ عند عدم الولد ـ أي الابن والبنت ـ وولد الابن وإن سفل: أي عند عدمهما معاً، ومن أمثلته:
ـ ماتت امرأةٌ عن زوج ولا وارث لها سواه؟ للزَّوج النِّصف فرضاً.
ـ ماتت امرأةٌ عن زوج وأخ شقيق؟ للزَّوج النصف والباقي للأخ.
2. الرُّبعُ مع الولد ـ أي الابن والبنت ـ أو ولد الابن وإن سفل: أي يكفى وجود
أحدهما في ذلك. (¬1)
مثاله: ماتت امرأةٌ عن زوج وابن ابن وبنت ابن؟ للزَّوج الرُّبع والباقي لابن الابن وبنت الابن للذَّكر مثل حظ الأُنثيين.
الأسئلة والتَّطبيقات:
الأول: أجب عن الأسئلة الآتية مع الشَّرح الوافي:
1. ما عدد السِّهام المعينة للميراث؟ وما هي؟ وما عدد من يستحقها من الرِّجال ومن النِّساء؟ وما الأدلة التي ذكرت فيها هذه السِّهام من القرآن الكريم؟
2. ما أحوال الأب في الميراث؟ وما دليل كل حالة منها؟
3. ما الجد الصحيح؟ وما أحواله في الميراث؟ وفي كم مسألة يخالف الجد الصحيح الأب؟
4. كم حالة للأخ لأم وللأخت لأم؟ وما الدليل على كل حالة منها؟ ومن الذين يحجبون الأخ للأم؟ وما الدليل على هذا الحجب؟
5. كم حالة للزَّوج؟ وما الدليل على كل حالة؟
الثَّاني: اذكر نصيب كل وارث في المسائل الآتية:
- مات رجل وترك: ابناً وأباً.
- ماتت امرأة وتركت: زوجاً وابناً وأباً.
¬
(¬1) في المادة 288 - للزَّوج حالتان:- أ. النصف إن لم يكن لزوجته المتوفاة فرع وارث. ب. الربع إن كان لزوجته المتوفاة فرع وارث.
- مات رجل وترك: أباً وبنتاً.
- ماتت امرأة وتركت: زوجاً وبنتاً وأباً.
- مات رجل وترك: بنتاً وجداً.
- ماتت امرأة وتركت: زوجاً وبنتاً وجداً.
الثَّالث: بيِّن الوارثين والمحجوبين في المسائل الآتية:
- مات رجل وترك: ابناً وأباً وجداً.
- مات رجل وترك: بنتاً وجداً وأخاً لأم.
- ماتت امرأة وتركت: بنتاً وجداً وابناً وزوجاً.
الرَّابع: بيِّن الوراثين في المسائل الآتية، وسهم كل وارث، وإذا كان في المسألة محجوب فبيِّنه، وبيِّن من كان سبباً في حجبه.
- مات رجل وترك: أباً وجداً (أب أب) وأخاً لأم.
- ماتت امرأة وتركت: زوجاً وأباً وجداً (أب أم) وجداً (أب أب) وأخاً لأم.
- مات رجل وترك: أباً وابناً وأخاً لأم.
- ماتت امرأة وتركت: زوجاً وبنت أخ شقيق.
- مات رجل وترك: أخوين لأم، وكان قد أوصى لأجنبي بثلثي تركته، فكيف توزع تركته؟
- ماتت امرأة وتركت: زوجاً وثلاثة إخوة لأم، وكانت قد أوصت بثلث تركتها لأجنبي وبربعها لأجنبي آخر، فكيف توزع تركتها؟
- أوصى رجل بربع تركته لأجنبي، وبنصفها لأجنبي آخر، ثم مات ولم يترك سوى زوجته، فكيف توزع تركته؟
أولاً: حالاتُ الأم ثلاث:
1.السُّدسُ مع الولد وولد الابن وإن سفل «الفرع الوارث مطلقاً»، أو الاثنين من الأُخوة والأخوات فصاعداً، من أي جهة كانوا سواء كانوا أخوة أو أخوات لأب وأم، أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} النساء: 11، ولفظ: «الولد» يتناول الذكر والأنثى، ولا قرينة تخصصه بأحدهما، وقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} النساء: 11، ولفظ: «الأخوة» يتناول الكلّ للاشتراك في الأُخوة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - أنّه دخل على عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، فقال: إنَّ الأخوين لا يَردان الأُمَّ عن الثُّلُث، قال الله - عز وجل -: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11]، فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان بن عفان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار توارث به الناس» (¬1).
ولا يقوم أبناء الأُخوة مقام الأُخوة في حجب الأُم.
ولا فرق بين أن يكون الأخوة في هذا الحجب وارثين أو محجوبين، فلو مات رجل وترك أماً وأباً وأخوة؟ فللأم السدس؛ لحجبها حجب نقصان بالأخوة الذين حُجِبُوا بالأب. ومن أمثلته:
ـ مات رجل عن أمّ وأب وأخ لأم وأخ لأب؟ للأم السدس، والباقي للأب تعصيبا، ً ولا شيء للأخ لأم وللأخ لأب؛ لحجبهم بالأب.
ـ مات رجل عن أم وثلاث أخوات شقيقات: للأم السدس، وللأخوات الثلثان.
ـ مات رجل عن أمٍّ وأختين لأب وأخت لأمّ؟ للأم السدس، وللأخت لأم
¬
(¬1) في المستدرك4: 372، وسنن البيهقي الكبير6: 373.
السُّدس، وللأختين لأب الثلثان.
2. الثُّلثُ عند عدم الولد وولد الابن «الفرع الوارث مطلقاً»، والاثنين من الأخوة والأخوات مهما اختلفت جهتهم؛ لقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} النساء: 11، ولفظ: «الأخوة» يتناول الكلّ للاشتراك في الأُخوة. ومن أمثلته:
ـ مات رجل عن أمٍّ وأخ شقيق وزوجة؟ للزَّوجة الرُّبع، وللأم الثُّلث، وللأخ الشَّقيق الباقي تعصيباً.
ـ مات رجل عن أمٍّ وأخت لأمٍّ؟ للأم الثُّلث، وللأخت لأم السُّدس.
3. ثلث الباقي بعد فرض أحد الزَّوجين لا ثلث جميع المال في المسألتين العمريتين؛ بأن يكون معها أب وزوج أو زوجة، ولو كان مكان الأب جدٌّ فللأم ثلث بجميع المال، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان عمر - رضي الله عنه - إذا سلك بنا طريقاً، وجدناه سهلاً، وإنّه قال في زوج وأبوين: للزَّوج النِّصف، وللأم ثُلُث ما بقي» (¬1)، (¬2) ومن أمثلتها:
ـ ماتت امرأة عن زوج وأمّ وأب؟ فللزوج النصف فرضاً، وللأم ثلث الباقي من التَّركة: أي ثلث نصف التركة بعد فرض الزوج، وللأب الباقي بالتعصيب.
ـ مات رجل عن زوجة وأم وأب؟ فللزوجة فرضها الربع، وللأم ثلث الباقي، وما يبقى للأب بالتعصيب.
¬
(¬1) في سنن الدارمي4: 1892، وسنن سعيد بن منصور1: 54
(¬2) في المادة 287 - للأم ثلاثة أحوال:- أ. السدس إذا كان للميت ولد أو ولد ابن وإن نزل أو اثنان من الأخوة والأخوات فأكثر من أي جهة كانوا. ب. ثلث الكل عند عدم من ذكر وعدم اجتماع أحد الزوجين مع الأبوين. جـ. ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين مع الأب وذلك إذا انحصر الميراث في الأبوين وأحد الزَّوجين.
ـ ماتت امرأة عن أمٍّ وجدٍّ وزوج: للأم الثلث، وللزوج النِّصف، وللجدِّ الباقي تعصيباً.
ثانياً: حالات الجدة الصَّحيحة: وهي التي لا يدخل في نسبتها إلى الميت جد فاسد ـ وهو مَن تدخل في نسبته إلى الميت أُم ـ، وهي ثلاث:
1.السُّدس سواء كانت الجدّة لأمّ كأم الأمّ، أو لأب كأمّ الأب أو الجدّة، بشرط الاتحاد في الدَّرجة؛ لأنَّ القربى تَحجب البعدى. فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (أطعم جدّةً سُدساً) (¬1)، وعن بريدة - رضي الله عنه -: (إنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - جعل للجدّة السُّدس إذا لم تكن دونها أم) (¬2)، وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه -: (إنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أعطى الجدّة السُّدس) (¬3).
ويقسم السُّدس بين الجدّات إن تعددن وكن متحدن في الدَّرجة؛ فعن قبيصة بن ذؤيب - رضي الله عنه -، أنَّه قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر الصِّديق - رضي الله عنه -، تسأله ميراثها؟ فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً، فارجعي حتى أسأل النَّاس، فسأل النَّاس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السُّدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال: مثل ما قال المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السُّدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو
¬
(¬1) في سنن الدَّارمي 2: 455، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 269.
(¬2) في سنن أبي داود2: 136، وسنن النسائي الكبرى 4: 73، والمنتقى 1: 241، قال ابن حجر في التَّلخيص3: 83: «في إسناده عبيد الله العتكي مختلف فيه وصححه بن السكن».
(¬3) في سنن الدَّارقطني 4: 91، والمعجم الكبير 19: 230.
لها» (¬1)، وعن عبد الرَّحمن بن يزيد، قال: «أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث جدات السُّدُس، اثنتين من قِبل الأب وواحدة من قِبل الأم» (¬2).
مثاله: مات رجلٌ عن جدٍّ وجدة؟ للجدة السُّدس، وللجدّ الباقي تعصيباً.
2. تُحجب الواحدةُ والمتعدِّدةُ من أي جهةٍ كانت بالأمّ، وتُحجب أمّ الأب بالأب دون أمِّ الأمّ؛ لذا قيل: تسقط الأبويّات بالأب، وكذلك الجدّ يحجبن أمهاته، فعن بريدة - رضي الله عنه -: «أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للجدّة السدس إذا لم يكن دونها أم» (¬3).
وبالتالي كلما بَعُد الجدُّ كثرت الجدات الأبويات التي ترث معه، فإن كان بُعْدُهُ بدرجتين: كأب أب الأب فإنَّه يرث معه أبويَّتان: وهما أمّ أب الأب التي هي زوجة الجد المذكور، وأمّ أمّ الأب التي هي زوجة أب الأب. ومن أمثلته:
ـ مات رجل عن جدٍّ وأمٍّ وأمّ أب؟ للأم ثلث المال، وللجدّ الباقي تعصيباً، ولا شيء لأم الأب؛ لحجبها بالأم.
ـ مات رجلٌ عن أب وأم أم وأم أب؟ لأم الأمّ السُّدس، وللأب الباقي تعصيباً، وتحجب أم الأب بالأب.
3.تَحْجِبُ الجدّة القُربى من أي جهة كانت البُعدى من أي جهة كانت سواء كانت القربى: وارثةً: كأم الأب عند عدم الأب، فإنَّها تَحْجِبُ أمّ أمّ الأمّ، أو محجوبة: كأم الأب
¬
(¬1) سنن أبي داود 3: 121، وصحيح ابن حبان 13: 390، وشرح مشكل الآثار 15: 314، والمعجم الكبير 20: 438.
(¬2) في سنن الدَّارقطني 5: 159.
(¬3) في سنن أبي داود 3: 122، وسنن الدَّارقطني 5: 160.
مع الأب، فإنَّها تحجب أم أم الأم ويكون المال كله للأب. (¬1)
مثاله: مات رجلٌ عن أمّ أب وأمّ أمّ الأمّ وأب؟ للأب كل المال تعصيباً، وتُحجب أم الأب بالأب، وأم أم الأم بأم الأب المحجوبة.
ثالثاً: حالات الزَّوجة اثنتان:
1.الرُّبعُ عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل سواء كانت واحدةً الزوجات أو أكثر، أو كان الولد من الزوجة أو من غيرها من الزوجات.
مثاله: مات رجلٌ عن زوجة أو ثلاث زوجات وأب؟ لها الرُّبع أو لهنَّ الربع، والباقي للأب تعصيباً.
2.الثُّمن مع الولد أو ولد الابن وإن سفل، واحدةً كانت الزوجات أو أكثر. (¬2)
مثاله: مات رجلٌ عن زوجة وابنين وبنت؟ للزَّوجة الثُّمن والباقي بين الابنين والبنت للذَّكر مثل حظ الأنثيين.
رابعاً: حالاتُ البنت الصُّلبية ثلاث:
1. النِّصف إن كانت واحدة، لقوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} النساء: 11.
¬
(¬1) في المادة 291 - للجدات حالتان: أ. السدس سواء كانت الجدة لأم أو لأب واحدة كانت أو أكثر. ب. يحجبن بالأم جميعاً، وتحجب الجدة الأبوية بالأب وبالجد العاصب إذا كانت أصلاً له، وتحجب الجدة البعيدة بالجدة القريبة.
(¬2) في المادة ... 289 - للزَّوجة أو الزَّوجات حالتان:- أ. الربع إن لم يكن للزوج فرع وارث. ب. الثمن إن كان له فرع وارث.
مثاله: مات رجلٌ عن زوجة وأب وبنت وأخ لأم؟ للزَّوجة الثُّمن وللأب السُّدس فرضاً والباقي تعصيباً وللبنت النِّصف ويحجب الأخ لأم بالبنت.
2. الثُّلثان إن كانتا اثنتين فصاعداً؛ لقوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} النساء: 11: أي فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد، فلهن ما للاثنتين أعني الثُّلثين لا يتجاوزنه، عن جابر - رضي الله عنه - قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإنَّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: «يقضي الله تعالى في ذلك» فنزلت: آية الميراث، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثُّلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» (¬1).
مثاله: مات رجل عن أب وبنتين؟ للأب السُّدس والباقي تعصيباً، وللبنتان الثُّلثان.
3. تتعصَّب واحدة كانت أو أكثر مع الابن «أخيها الشَّقيق أو لأب»، فترث نصف ما يرث؛ لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} النساء: 11، فإنَّه لما لم يبين نصيب البنات عند الابن دلَّ على أنَّه يعصبهنّ، وأنَّ المال يقسم بينهن وبين الابن على ما ذكر من القسمة بطريق العصوبة. (¬2)
مثاله: مات رجلٌ عن ابن وبنت وجد؟ للجد السُّدس والباقي بين الابن والبنت للذَّكر مثل حظ الأُنثيين.
¬
(¬1) في سنن الترمذي 4: 414، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومسند أحمد 23: 108، وغيرهما.
(¬2) في المادة ... 292 - للبنات الصّلبيات ثلاثة أحوال: أ. النصف للواحدة إذا انفردت. ب. الثلثان للإثنتين فأكثر. جـ. التعصيب مع الابن فأكثر بالتفاضل للذكر مثل حظ الأنثيين.