المشكاة في أحكام ...........
. الطهارة والصلاة والزكاة
جارٍ تحميل الكتاب…
المشكاة في أحكام ...........
. الطهارة والصلاة والزكاة
المشكاة
في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته ومن سار على دربهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
إن هذا الكتاب واحد من سلسلة جمعتها ورتبتها وهذبتها أثناء تدريسي لمواد الفقه في كلية أصول الدين الجامعية بجامعة البلقاء التطبيقية؛ إذ أن تدريس الفقه لطلبة الجامعات يمرّ في مشكلة كبيرة، ولها صورتان:
الأولى: إن كثيراً من المدرسين لم يلتزموا منهجاً فقهياً معيّناً في التدريس، فيدرس المقرر على عدّة مذاهب فقهية في آن واحد، مما يوقع الطالب في إرباك شديد، ولا يمكنه من ضبط ما درس؛ لأن المحاضرات في كل مساق لا تكفي للإلمام بالمنهاج على مذهب فقهي واحد؛ لأنها محدودة، ومدّة الفصل قصيرة.
الأمر الذي نقل دراسة الفقه من العلمية إلى الثقافية، فالطالب بدراسته للمادة الفقهية تصبح لديه ثقافة عامة بمفرداتها، بلا ضبط وإدراك لدقائقها؛ لأنه
لا يدرس فروعاً، والفقه هو الفروع؛ لأنها تنمي الملكة الفقهية، وتفي بحاجة الدارس ومجتمعه؛ لأن الناس يسألون عما يقع لهم، وجوابها لا يكون إلا بالتفريع.
وإنما يدرس الطلبة أمهات المسائل في كل باب مع الخلاف الفقهي فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض، ولا يهتمون بتوثيق مسائل كل مذهب من كتبه المعتمدة، فكثيراً ما ينسبون آراءً للأئمة لا تصحّ نسبتها لهم، ولا يدققون ببيان شروط وضوابط كلّ قول، ويلفقون بين المذاهب بإخراج صور لم يقل بها أحد؛ فيعمل بها الدارس، على خلاف إجماع الأمة من عدم جواز العمل بها، والمقام لا يتسع لبيان ذلك، وقد فصلت المقام في كتاب خاص بالفقه المقارن وأصوله وآثاره، يمكِّن الطالب من إدراك حقيقة هذه المدرسة.
الثانية: إن بعض المحاضرين يلتزمون منهاجاً فقهياً إجمالاً في تدريسهم، فيدرسون أحد كتب السادة الأحناف كالاختيار أو الهداية؛ لأنه المذهب الفقهي هو الشائع والمنتشر بين المسلمين، والأيسر تطبيقاً للمؤمنين.
وهذا أمر في غاية الروعة؛ لتنميته قدرات الطلاب، وتمكينهم من هضم الفقه وإدراك مسائله دون إرباك لهم بذكر أقوال متناقضة وآراء متخالفة، فيتمكّن الطالب من إدراك الحلال من الحرام، والصحيح من الفاسد، وهذا هو المقصد من تعلم الفقه.
إلا أن هذه الكتب القديمة تحتاج إلى علماء يدرسونها، وطلبة علم مهتمين، ومؤسسين تأسيساً علمياً جيداً بأن يمروا بمراحل من التفقيه قبلها بدراسة بعض الكتب الفقهية المبتدأة، وإلا فإن الطلبة لن يحصلوا الفائدة المرجوة من دراستها،
وهذا حقيقة هو الحاصل، فعدم تمكن بعض الطلبة من فهمهما يحملهم على إنزال عباراتها على غير محلها، ويضجرون من قراءتها.
بالإضافة إلى أن بعض المتفقهة يهتمون بذكر الدليل لكل مسألة فقهية، وهذه الكتب في الجملة لا تلبي هذا الغرض؛ لاهتمام مؤلفيها بالتفريع والتأصيل والتقعيد، وهذه هي طريقة التفقيه، مما يحمل هؤلاء الطلبة على رمي فروعها بمخالفة الدليل، وهذا جزماً لجهلهم، وعدم إدراكهم لحقيقة الفقه، وأنه لا يكون إلا من الكتاب والسنة؛ لأنه ليس لغير الله - جل جلاله - حقّ في التشريع، وكل أئمتنا وفقهائنا مبينين وموضحين لمراد الشارع لا غير، وإنما لكل منهم منحاه وفهمه في ذلك فلا إنكار على إمام اعترفت له الأمة بالاجتهاد المطلق.
بسبب ما سبق فإني رأيت من المناسب عرض الفقه بطريقة عصرية توافق منهج أهل السنة بالالتزام بمذهب فقهي، والتفريع عليه، والتدليل على مسائله، على هيئة أبواب وفصول ومباحث ومطالب تشتمل على نقاط مفصلة وموضحة، تعين الطلبة على الفهم والتمكن من المساق الذي يدرسونه، وتكون بمستوى طلبة الجامعات، فتلبي حاجاتهم وأغراضهم.
وهذا الكتاب من هذه السلسلة المباركة الطيبة سمّيته:
«المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة»
أسأل الله - عز وجل - أن يوفقنا فيه بالسير على خطى أئمتنا، من العلماء العاملين، والبررة المتقين، وأن يجعله مشكاة وبصيرة للمتبصرين، ولطلبة العلم الجادين، وطريقاً سهلاً للسائرين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يغفر لي
ولوالدي وأجدادي وشيوخي وزوجتي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
21/آب/2005 م
الموافق 16/رجب/1246 هـ
الأردن/عمان/صويلح
الباب الأول
الطهارة
تمهيد في تعريف الطهارة:
الأول: لغة: الطهارة: مصدرُ طَهُرَ الشيء، وطَهُرَ خلاف نَجِس (¬1). والاسم الطُّهْرُ، وهو النَّقاءُ من الدَّنَسِ والنَّجَس، وهو طاهر العرضِ: أي برئَ من العيب، ومنهُ قيل للحالة المُناقِضة للحيض: طُهْر (¬2).
الثاني: شرعاً: النظافة عن الحدث أو الخبث (¬3).
وهذا التعريف يشمل طهارة ما لا تعلق له بالصلاة كالآنية والأطعمة، وأراد بالخبث ما يعم المعنوي، فيشمل الوضوء على الوضوء بنيّة القربة؛ لأنه مطهر للذنوب (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المغرب ص 295، وغيره.
(¬2) ينظر: المصباح المنير ص 379، وغيره.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية 1: 41، والدر المختار 1: 57، وغيرها.
(¬4) ينظر رد المحتار 1: 57، وغيره.
فالطهارة نوعان:
1. طهارة عن الحدث، وتسمّى طهارة حكمية، وهي أنواع: الوضوء، والغسل، والتيمم.
2. طهارة عن الخبث، وتسمّى طهارة حقيقية (¬1).
قال ملك العلماء الكاساني (¬2): «الطهارة: لغةً وشرعاً: هي النظافة، والتطهير، والتنظيف، وهو إثبات النظافة في المحل، وأنها صفة تحدث ساعة فساعة، وإنما يمتنع حدوثها بوجود ضدها، وهو القذر، فإذا زال القذر، وامتنع حدوثه بإزالة العين القذرة، تحدث النظافة ... ».
• • •
¬
(¬1) ينظر: البدائع 1: 2.
(¬2) في بدائع الصنائع 1: 2.
المبحث الأول
الوضوء
تمهيد:
أولاً: لغة: من الوضاءة: وهي النظافة، والحسن، والنقاوة (¬1)، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) (¬2): أي الوضوء اللغوي وهو الغَسل، والوضوء مما مسته النار، والوضوء من مس الذكر هذا كلّه محمول على غسل اليد (¬3)، كما سيأتي.
ثانياً: شرعاً: الغَسل والمَسح في أعضاء مخصوصة (¬4)؛ لقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... } (¬5)؛ إذ أمر - عز وجل - بغسل الأعضاء ... الثلاثة،
¬
(¬1) ينظر: طلبة الطلبة ص 4، وغيره.
(¬2) في جامع الترمذي 4: 281،والمستدرك 3: 699، وسنن أبي داود 3: 345، ومسند أحمد 5: 441، وغيرها.
(¬3) ينظر: طلبة الطلبة ص 5، وغيرها.
(¬4) ينظر: الاختيار 1: 12، وغيره.
(¬5) المائدة:6.
ومسح الرأس. فلا بد من معرفة معنى الغسل والمسح:
فالغَسْل: هو إسالة المائع على المحل.
والمسح: هو الإصابة.
فإن غَسَل أعضاء وضوئه، ولم يسل الماء، بأن استعمله مثل الدهن، لم يجز في ظاهر الرواية (¬1). ومن فروعه:
- لو توضأ بالثلج، ولم يقطر منه شيء لا يجوز، ولو قطر قطرتان، أو ثلاث جاز؛ لوجود الإسالة (¬2).
والوُضوء: بضم الواو: الفعل المخصوص، وبفتح الواو: الماء المعدّ له (¬3).
المطلب الأول: فرائض الوضوء:
أركان الوضوء أربعة:
الأول: غسل الوجه مرة واحدة؛ لقوله - جل جلاله -: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (¬4)، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
وحدُّه: من قصاص الشعر إلى أسفل الذَّقَن ـ مجمع اللَّحيين (¬5) ـ طولاً، وما
¬
(¬1) روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه يجوز. ينظر: البدائع 1: 3، وغيرها.
(¬2) ينظر: البدائع 1: 3، وحاشية عصام الدين ق 6/أ، وغيرها.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية 1: 41، وغيرها.
(¬4) المائدة: من الآية 6.
(¬5) ينظر: فتح باب العناية 1: 42، وغيره.
بين شحمتي الأُذُنين عرضاً، وهذا تحديد صحيح؛ لأنه تحديد الشيء بما ينبئ عنه اللفظ لغة؛ لأن الوجه اسم لما يواجه الإنسان، أو ما يواجه إليه في العادة، والمواجهة تقع بهذا المحدود، فوجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر يسقط غَسْل ما تحته (¬1)؛ ويجب غسل كل ما يستر البشرة من لحيته: أي غسل كل الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض والذقن في اللحية الكثة (¬2)؛ لأن الواجب غسل الوجه، ولما نبت الشعر خرج ما تحته من أن يكون وجهاً؛ لأنه لا
¬
(¬1) قال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله؛ لأن ما تحت الشعر بقي داخلاً تحت الحد بعد نبات الشعر، فلا يسقط غسله. ينظر: البدائع 1: 3، وغيرها.
(¬2) هذا القول أشار إليها محمد في الأصل، وهو الرواية الصحيحة المرجوع إليها وما عداها مرجوع عنه. ينظر: البدائع 1: 3 - 4. وفتح القدير 1: 13، وإيضاح الإصلاح ق2/أ، والبحر الرائق1: 16،وفتح باب العناية 1: 26 - 27، والدر المختار 1: 68، والدر المنتقى 1: 11. ونفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل ص35.
والثانية: مسح الكل، وهي رواية بشر عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وروي أيضاً عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - كذا في تبيين الحقائق 1: 3، ورمز الحقائق 1: 8، وغيرها.
والثالثة: مسح الربع. وهي رواية عن أبي حنيفة وزفر، وهي اختيار صاحب الوقاية، والكَنْز ص3، وصححها قاضي خان في الفتاوى 1: 34،
والرابعة: مسح الثلث. ورواية مسح الثلث أو الربع رواها الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -. كذا في البدائع ... 1: 3.
والخامسة: مسح ما يلاقي البشرة. وهو الأصح المختار في درر الحكام 1: 8، وملتقى الأبحر ص3. وشرح الكَنْز ص4، واختاره العيني في رمز الحقائق 1: 8.
والسادسة: غسل الربع. كذا في رد المحتار 1: 68.
والسابعة: غسل الثلث. كذا في رد المحتار 1: 68.
والثامنة: عدم الغسل والمسح. وهي رواية عن أبي يوسف. كذا في البدائع 1: 3 - 4. ورمز الحقائق 1: 8.
والتاسعة: غسل الوجه. فعند أبي عبد الله الثلجي: لا يسقط نبات الشعر غسل الوجه. كذا في البدائع 1: 3.
يواجه إليه، فلا يجب غسله، وكذلك غسل ما تحت الشارب والحاجبين.
وأما اللحية الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب غسل ما تحتها (¬1).
ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية؛ لأنه إنما يواجه إلى المتصل عادة، لا إلى المسترسل، فلم يكن المسترسل وجهاً، فلا يجب غسله.
ويجب غَسْل البياض الذي بين العِذار (¬2) والأُذُن (¬3) على المفتى به (¬4)؛ لأن البياض داخل في حدّ الوجه، ولم يستر بالشعر فبقي واجب الغسل كما كان، بخلاف العذار، وإن كان امرأةً أو أمرداً فغلسه واجب اتفاقاً (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 1: 69.
(¬2) العذار: استواء شعر الغلام، يقال: ما أحسن عذاره: أي خطّ لحيته. ينظر: لسان العرب 4: 2857، وغيره.
(¬3) هذا عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وعليه أكثر المشايخ. وروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه لا يجب؛ لأن ما تحت العذار لا يجب غسله مع أنه أقرب إلى الوجه، فلأن لا يجب غسل البياض أولى. وذكر الحلواني: يكفيه أن يبل ما بين العذار والأذن. ينظر: البدائع 1: 4، والاختيار 1: 13، وفتح باب العناية 1: 42، وشرح الوقاية ص73، والمراقي ص98، وغيرها.
(¬4) قال الحصكفي في الدر المختار 1: 66: وبه يفتى. وقال ابن عابدين في رد المحتار 1: 66: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ.
(¬5) ينظر: الدر المنتقى 1: 10، وغيره.
ولا يجب إدخال الماء في داخل العينين؛ لأن داخل العين ليس بوجه؛ لأنه لا يواجه إليه؛ ولأن فيه حرجاً ومشقة وضرراً، وبه تسقط الطهارة (¬1).
ولا يجب غسل باطن الأنف والفم؛ لأنه لا يواجه، وللحرج (¬2).
الثاني: غسل اليدين مرة واحدة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (¬3)، ومطلق الأمر لا يقتضي التكرار.
والمرفقان يدخلان في الغسل (¬4)؛ لأن الأمر تعلّق بغسل اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الإبط، ولولا ذكر المرفق لوجب غسل اليد كلها، فكان ذكر المرفق لإسقاط الحكم عما وراءه، لا لمد الحكم إليه؛ لدخوله تحت مطلق اسم اليد، فيكون عملاً باللفظ بالقدر الممكن، وبه تبين أن المرفق لا يصلح غاية لحكم ثبت في اليد؛ لكونه بعض اليد، بخلاف الليل في باب الصوم: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (¬5)، ألا ترى أنه لولا ذكر الليل لما اقتضى الأمر إلا وجوب صوم ساعة، فكان ذكر الليل لمدّ الحكم إليه (¬6). (¬7)
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 1: 3 - 4، والاختيار 1: 13، وغيرها.
(¬2) ينظر: مراقي الفلاح ص97 - 98، والدر المختار 1: 66، وغيرها.
(¬3) المائدة: من الآية6.
(¬4) هذا عند الثلاثة، وعند زفر - رضي الله عنه -: لا يدخلان؛ لأن الغاية لا تدخل تحت المغيا. ينظر: البدائع 1: 4، وشرح الوقاية 1: 74، والبناية 1: 107، وغيرها.
(¬5) البقرة: من الآية187.
(¬6) أفاض علماء الحنفية بذكر الأدلة على دخول المرفق في غسل اليدين، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع البناية 1: 109، وعمدة الرعاية 1: 55، وغيرها.
(¬7) ذهب التفتازاني في التلويح 1: 166، وابن الهمام في التحرير ص205 - 206، والقاري
في فتح باب العناية 1: 23: إلى أن المحقِّقين من النحاة قالوا: معنى: إلى؛ الغاية مطلقاً، وأما دخول ما بعدها في حكم ما قبلها أو خروجه عنه، فأمر يدور مع الدليل؛ لذلك قال القاري: أخذ زفر وداود فيهما بالمتيقَّن، فلم يدخلاها في الغسل، وأخذ الجمهور بالاحتياط وأدخلوها فيه؛ لكونه - صلى الله عليه وسلم - أدار الماء على مرافقه.
ومن فروعه:
- لو قطعت يده من المرفق، يجب عليه غسل موضع القطع (¬1).
الثَّالث: مسحُ ربع ... الرَّأس (¬2) ... مرة ... واحدة (¬3)؛ ... لقوله - جل جلاله -: {وَامْسَحُوا
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 1: 4، وغيرها.
(¬2) وعند مالك - رضي الله عنه - لا بد من استيعاب الرأس. ينظر: إرشاد السالك ص6، ومصباح السالك ص25، ومختصر الأخضر وشرحه هداية المتعبد ص13،والمقدمة العزية وشرحها الجواهر المضية ص15، وعمدة البيان ص27، وعند الشافعي يجزئ شعرة أو ثلاث شعرات. ينظر: الدرر البهية ص12، المقدمة الحضرمية ص6، وسفينة النجاة وشرحه كاشفة السجا ص19، والرياض البديعة ص15، وغيرها.
(¬3) في مقدار مسح الرأس روايات:
الأولى: وهي أشهرها مسح ربع الرأس هي أشهر الروايات، وهي رواية الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -. كما في درر الحكام 1: 10، وفي رد المحتار 1: 67: الحاصل أن المعتمد رواية الربع وعليها مشى المتأخرون، كابن الهمام وابن أمير حاج، وصاحب البحر، والنهر، والمقدسي، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وغيرهم.
والثانية: مقدار الناصية، واختارها القدوري، فقال في مختصره ص2: والمفروض في مسح الرأس، وهو الربع. ومثله في الهداية 1: 12،قال ابن عابدين في رد المحتار 1: 67:التحقيق أنها أقلّ منه.
والثالثة: مقدار ثلاثة أصابع، رواها هشام عن الإمام، قال ابن نجيم في البحر 1: 15: ذكر في
البدائع أنها رواية الأصول، وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية، وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب، واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية: وعليها الفتوى، ووجهوها: بأن الواجب الصاق اليد، والأصابع أصلها، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكلّ، ومع ذلك فهي غير المنصور. وفي رد المحتار 1: 67: لكن نسبها إلى محمد - رضي الله عنه -، فيحمل ما في المعراج من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً.
بِرُؤُوسِكُمْ} (¬1)، والأمر المطلق بالفعل لا يوجب التكرار بدليل:
1. عن المغيرة - رضي الله عنه - إن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (توضأ فمسح بناصيته (¬2) وعلى العمامة وعلى الخفين) (¬3)، فدلَّ على أنَّ الاستيعابَ غيرُ مراد.
2. إن قيل: مسحتُ الحائط بيدي يرادُ به كلُّه، لأنَّ الحائطَ اسمٌ للمجموع، وقد وقعَ مقصوداً؛ لأنَّهُ محلّ، و المحلُّ هو المقصودُ بالفعلِ المتعدي، فيرادُ بهِ كلُّه.
وإذا قيل: مسحت بالحائط، يرادُ به بعضه؛ لأنَّ الأصلَ في الباءِ أن تدخلَ على الوسائل، وهي غيرُ مقصودةٍ، فلا يثبتُ استيعابها، بل يكفي منها ما يتوسَّلُ به إلى المقصود، فإذا دخلَت الباءُ على المحلِّ شُبِّهَ المحلُّ بالوسائل، فلا يثبتُ استيعابُ المحلّ (¬4).
¬
(¬1) المائدة: من الآية6.
(¬2) الناصية: واحدة النواصي، وهي قصاص الشعر في مقدم الرأس، وهي لغة طيئية. ينظر: اللسان 6: 4447.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 231، والمجتبى 1: 76، وشرح معاني الآثار 1: 31، وغيرها. وعن أنس - رضي الله عنه - في سنن أبي داود 1: 36،وسنن ابن ماجه 1: 187،ومسند أبي عوانة 1: 218، والمستدرك 1: 275، وغيرها.
(¬4) ينظر: شرح الوقاية ص77 - 78، وغيرها.
3. إنه قد ظهر اعتبار الربع في كثير من الأحكام، كما في حلق ربع الرأس أنه يحل به المحرم، ولا يحل بدونه، ويجب الدم إذا فعله في إحرامه، ولا يجب بدونه، وكما في انكشاف الربع من العورة في باب الصلاة أنه يمنع جواز الصلاة، وما دونه لا يمنع، كذا ههنا (¬1).
والمسح: إصابةُ اليدِ المبتلَّةِ العضو، إمَّا بَلَلاً يأخذُهُ من الإناء، أو بَلَلاً باقياً باليدِ بعد غَسلِ عضوٍ من المغسولات (¬2)، ولا يكفي البَلَلُ الباقي في يدِهِ بعد مسحِ عضوٍ من الممسوحات، ولا بَلَلٌ يأخذُهُ من بعضِ أعضائهِ سواءٌ كان ذلك العضوُ مغسولاً أو ممسوحاً، وكذا في مَسْحِ الخُف والجبيرة (¬3).
الرابع: غسل الرجلين مرة واحدة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} بنصب اللام من الأرجل معطوفاً على قوله - عز وجل -: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (¬4) كأنه قال: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم. والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بدليل:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 1: 4، وغيرها.
(¬2) قال الحاكم الشهيد بالمنع، وخطَّأه عامة المشايخ لما ذكره محمد في مسح الخف أنه إذا توضأ، ثم مسح على الخفّ ببلة بقيت على كفّه بعد الغسل جاز، وانتصر له ابن الكمال، وقال في إيضاح الاصلاح ق2/ب: الصحيح ما قاله الحاكم فقد نص الكَرْخِيّ في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه لم يجز إلا بماء جديد: لأنه قد تطهر به مرّة. وأقرَّه في النهر. وينظر: رد المحتار 1: 67.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص76، والسعاية1: 76، وغيرها.
(¬4) المائدة: من الآية6.
1. قراءة النصب، وأنها تقتضي كون، وظيفة الأرجل الغسل؛ لأنها تكون معطوفة على المغسولات، وهي الوجه، واليدان، والمعطوف على المغسول يكون مغسولاً تحقيقاً لمقتضى العطف (¬1).
2. عن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: (أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فتوضأ فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر وغسل رجليه) (¬2).
3. عن علي - رضي الله عنه - قال: (توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من كفّ واحد وغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده في الركوة فمسح رأسه وغسل رجليه، ثم قال هذا وضوء نبيكم - صلى الله عليه وسلم -) (¬3).
4. عن عطاء أن عثمان - رضي الله عنه -: (توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مسحة، وغسل رجليه غسلاً، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ) (¬4).
والكعبُ (¬5): هو العظمُ النَّاتئُ الذي ينتهي إليه عظم السَّاق على الصحيح (¬6)؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كقولهم: ركبوا
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 1: 5، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 211، وصحيح البخاري 1: 83، وغيرها.
(¬3) في الآثار 1: 2، ومسند أبي حنيفة ص99، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 16، وغيرها.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 17، وغيره.
(¬5) الكعب: هو العظم النَّاتئ، مأخوذ من الكاعب، وهي الجارية التي نتأ ثديُها، أي ارتفع. ينظر: طلبة الطلبة ص11.
(¬6) في رواية هشام - رضي الله عنه - عن محمَّد - رضي الله عنه -:هو المفصلُ الذي في وسطِ القدمِ عند معقدِ الشِّراك، لكن قالوا: هو سهو من هشام؛ لأن محمداً إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وأشار محمد بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام إلى الطهارة. ينظر: البحر الرائق 1: 14، ورد المحتار 1: 67.
دوابهم، بمعنى أن كل واحد منهم ركب دابته، ومقابلة الجمع بالمثنى لا تقتضي ذلك، كقولهم: لبسوا ثوبين، يعني أن كل واحد منهم لبس ثوبين ثوبين، فاختيار الله - جل جلاله - الجمع في أعضاء الوضوء أي الوجوه والرؤوس والأيدي والمرافق أريد به بمقتضى القاعدة مقابلة الواحد بالواحد، واختار في الكعب لفظ المثنى، فتكون مقابلة المثنى بكل فرد من أفراد الجمع، فدل ذلك على أن في كل رجل كعبين، وهما العظمان النَّاتئان لا معقدُ الشِّراك (¬1)، فإنَّهُ واحدٌ في كلِّ رجل (¬2).
المطلب الثاني: سنن الوضوء:
والمراد بالسنة السنة المؤكدة: وهي التي حكمها أن يثاب فاعلها، ويلام تاركها، ويستحق إثماً إن اعتاد تركها (¬3).
الأولى: الاستنجاء بالأحجار أو ما يقوم مقامها من الماء والورق الصحي أو الأشياء الطاهرة في تطهير القُبُل والدُّبُر من النجو، وهو ما يخرج من البطن أو ما يعلو. وسمّاه الكرخي الاستنجاء: استجماراً؛ إذ هو طلب الجمرة، وهي الحجر الصغير، والطحاوي سماه استطابة: وهي طلب الطيب، وهو الطهارة (¬4).
¬
(¬1) الشِّراك: سَيْرُ النَّعْل، والجمع شُرُك، وأشرك النعل وشَرَّكها، جعل لها شراكاً. ينظر: اللسان 3: 2250.
(¬2) ينظر: السعاية ص 71، و حاشية عصام الدين ق 7/أ.
(¬3) ينظر: عمدة الرعاية 1: 62، وغيرها.
(¬4) ينظر: البدائع 1: 18، 21، وغيرها.
والاستنجاء مسنون من كلِّ نجس يخرج من السبيلين له عين مرئية كالغائط، والبول، والمني، والودي، والمذي، والدم؛ لأن الاستنجاء للتطهير بتقليل النجاسة، وإذا كان النجس الخارج من السبيلين عيناً مرئية تقع الحاجة إلى التطهير بالتقليل، ولا استنجاء في الريح؛ لأنها ليست بعين مرئية.
والمعتبر في إقامة هذه السنة: هو الإنقاء دون العدد، فإن حصل بحجر واحد كفاه، وإن لم يحصل بالثلاث زاد عليه، بدليل:
1. عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال (خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجته فقال: التمس لي ثلاثة أحجار. قال: فأتيته بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ركس) (¬1).
2. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً) (¬2)؛ لأن أقل الإيتار مرة واحدة، على أن الأمر بالإيتار ليس لعينه بل لحصول الطهارة فإذا حصلت بما دون الثلاث فقد حصل المقصود فينتهي حكم الأمر.
3. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ( ... دخل غلامٌ معه ميضأة هو أصغرنا فوضعها ثم سدرة فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء) (¬3).
4. عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: (إنهم كانوا يبعرون بعراً وأنتم تثلطون ثلطاً
¬
(¬1) في جامع الترمذي 1: 25، وسنن الدارقطني 1: 55، وسنن النسائي 4: 219، والمجتبى 1: 39، وسنن ابن ماجة 1: 114، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 212، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 227، وغيره.
فاتبعوا الحجارة الماء) (¬1).
ويستنجي بيساره؛ لأن اليسار للأقذار (¬2).
والسنة هو الاستنجاء بالأشياء الطاهرة من الأحجار والأمدار، والتراب، والخرق البوالي.
ويكره بالروث، وغيره من الأنجاس، وكذا بالعظم، فعن ابن أبي زائدة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تستنجوا بالعظم ولا بالبعر، فإنه زاد إخوانكم من الجنّ) (¬3).
ويكره خرقة الديباج ومطعوم الآدمي من الحنطة والشعير لما فيه من إفساد المال من غير ضرورة، وكذا بعلف البهائم، وهو الحشيش؛ لأنه تنجيس للطاهر من غير ضرورة (¬4).
وجواز الاستنجاء بالأحجار أو ما شابهها من غير الماء إذا كانت النجاسة التي على المخرج قدر الدرهم، أو أقل منه أو أكثر منه على الصحيح (¬5)؛ لأن الشرع ورد بالاستنجاء بالأحجار مطلقاً من غير فصل، أما إن تعد النجس المخرج فينظر
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبرى 1: 106، والآثار 1: 7، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 142، وغيرها.
(¬2) ينظر: البدائع 1: 19، وغيرها.
(¬3) في صحيح ابن حبان 1: 44، وغيره.
(¬4) ينظر: بدائع الصائع 1: 18، وغيرها.
(¬5) إن كانت أكثر من قدر الدرهم لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ فيه فقال بعضهم: لا يزول إلا بالغسل وقال بعضهم يزول بالأحجار، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. ينظر: البدائع 1: 19، وغيرها.
إن كان المتعدي أكثر من قدر الدرهم يجب غسله، وإن كان أقل من قدر الدرهم لا يجب غسله بالماء (¬1)؛ لأن القدر الذي على المخرج قليل، وإنما يصير كثيراً بضم المتعدي إليه، وهما نجاستان مختلفتان في الحكم، فلا يجتمعان ألا يرى أن إحداهما تزول بالأحجار، والأخرى لا تزول إلا بالماء، وإذا اختلفتا في الحكم يعطى لكل واحدة منهما حكم نفسها، وهي في نفسها قليلة فكانت عفواً.
الثانية: غسل يديه إلى رُسغيه ـ أي المفصل بين الساعد والكف (¬2) ـ ثلاثاً قبل إدخالهما في الماء (¬3)، بأن يكون قبل الاستنجاء وبعده على المختار.
وكيفيةُ الغَسل: أنه إذا كان الإناءُ صغيراً بحيث يمكن رفعُهُ، يرفعُهُ بشمالِه، ويصبُّهُ على كفِّهِ اليمنى، ويغسلُها ثلاثاً، ثمَّ يصبُّ بيمينِهِ على كفِّه اليسرى.
وإن كان كبيراً بحيث لا يمكنُ رفعُه، فإن كان معه إناءٌ صغير، يرفعُ الماءَ ويغسلهُما ثلاثاً: أي بأن يرفعه بشماله فيغسل اليمين، ثم بيمينه فيغسل الشمال (¬4).
وإن لم يكن معه إناء يغرف به فإنه يُدْخِلُ أصابعَ يده اليسرى مضمومة في الإناء، ولا يدخلُ الكفّ؛ لأنه لو أدخل الكفّ صار الماء مستعملاً: أي صار الماء
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد يجب غسله. ينظر: البدائع 1: 19، وغيرها.
(¬2) ينظر: القاموس 2: 109، وغيره.
(¬3) هذا ما عليه الأكثر. كما في البحر 1: 17، وصححه قاضي خان في فتاواه 1: 32، واختاره الحصكفي في الدر المختار 1: 75، وعند بعض المشايخ: سنة قبل الاستنجاء، وعند البعض: بعده. ينظر: شرح الوقاية ص79، وغيره.
(¬4) ينظر: عمدة الرعاية 1: 62.
الملاقي للكف مستعملاً إذا انفصل لا جميع ماء الإناء (¬1)، ويصبُّ الماءَ على يمينه، ويدلِّكُ الأصابعَ بعضَها ببعض يفعلُ هكذا ثلاثاً، ثم يدخلُ يمناهُ في الإناءِ بالغاً ما بلغ.
والنَّهيُّ فيما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنّه لا يدري أين باتت يده) (¬2)، فإنه محمول على ما إذا كان الإناءُ صغيراً أو كبيراً ومعهُ إناءٌ صغير، أما إذا كان الإناءُ كبيراً، وليس معه إناءٌ صغير، يحملُ على الإدخال بطريق المبالغة، وكل ذلك إذا لم يعلم على يده نجاسة (¬3)، أمَّا إذا عَلِمَ فإزالةُ النَّجاسةِ على وجهٍ لا يفضي إلى تنجيسِ الإناء أو غيرِهِ فرضٌ (¬4).
الثالثة: تسمية الله ابتداءً (¬5)، بدليل:
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 1: 19.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 1: 74، وصحيح ابن حبان 3: 345، والمعجم الأوسط 1: 290، ومسند الحميدي2: 422، ومسند الطيالسي 1: 317،وغيرها، ورواية: يغمس بدون نون التوكيد في صحيح مسلم 1: 233.
(¬3) والكراهة في إدخال اليد في الإناء قبل الغسل للحديث كراهة تنْزيهية؛ لأن النهي مصروف عن التحريم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: فإنه لا يدري أين باتت يده. ينظر: البحر الرائق 1: 19.
(¬4) ينظر: شرح الوقاية ص80، وغيره.
(¬5) القول بسنيتها اختيار القدوري في مختصره ص2، وصاحب البناية 1: 133، والدر المختار 1: 74. ومراقي الفلاح ص104، ودرر الحكام 1: 10، والوقاية ص80، وغيرها.
والثاني: إنها مستحبة. وصحَّحه صاحب الهداية 1:12، قال اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص79: وهو قول ضعيف.
والثالث: إنها واجبة، وصححه اللكنوي في إحكام القنطرة ص82، وابن الهمام في فتح القدير 1: 22 - 23. ومن أراد الوقوف على أدلة كل طرف، والأحكام المتعقلة بها، فلينظر: إحكام القنطرة في أحكام البسملة للإمام اللكنوي بتحقيقي.
1. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (¬1).
2. عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (¬2).
الرابعة: السواك (¬3)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) (¬4)، ووقته: قبل الوضوء، فإذا نسيه عند المضمضة أو قبلها، فعند القيام إلى الصلاة، حتى قال بعضهم: يستحبُّ في خمسة مواضع: عند اصفرار السن، وتغير رائحة الفم، وعند القيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء (¬5).
ويقوم مقام السواك عند فقده أو فقد أسنانه الخِرقة الخشنة أو الأصبع، كما يقوم العلك مقامه في الثواب للمرأة مع القدرة عليه إذا وجدت النية (¬6).
¬
(¬1) في المستدرك 1: 246، وصححه، والأحاديث المختارة 1: 303، وجامع الترمذي 1: 38، والسنن الصغرى 1: 82، وغيرها.
(¬2) في سنن الدارمي 1: 187، ومسند عبد بن حميد 1: 285، وغيرها.
(¬3) فهو سنة كما في المتون، كذا في رد المحتار 1: 77، وقال صاحب الهداية 1: 12: إنه مستحب، وصححه ابن الهمام في فتح القدير 1: 22.
(¬4) في صحيح البخاري 2: 682، وغيره.
(¬5) ينظر: تبيين الحقائق 1: 4. وتحفة النساك في فضل السواك ص47، وغيرهما.
(¬6) ينظر: الهدية العلائية ص24، وغيرها.
ويجوز الاستياك بسواك غيره إن أذن له (¬1)، فعن عائشة رضي الله عنها: (توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وفي نوبتي وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه، قالت: دخل عبد الرحمن بسواك فضعف النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه فأخذته فمضغته، ثم سننته به) (¬2).
الخامسة: المضمضة ثلاثاً بماء جديد لكل مضمضة (¬3)؛ فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً يأخذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً) (¬4)، وحدُّ المضمضة: استيعاب جميع الفم، والمبالغة في أن يصل المال إلى رأس الحلق (¬5).
السادسة: الاستنشاق ثلاثاً بماء جديد (¬6) في كل مرة (¬7)؛ وحدّه: أن يصل الماء
¬
(¬1) ينظر: إفادة الخير في الاستياك بسواك الغير للكنوي بتحقيقي.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1129، وغيره.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص80، وعمدة الرعاية 1: 63، وغيرها. قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 56: صحح صاحب السعاية أحاديث طلحة بن مصرف عن أبي عن جده، وأثبت احتجاج الأئمة بحديثه عن أبيه، ويؤيده سكوت أبي داود ثم المنذري عنه، وتحسين ابن الصلاح له، قال العيني: سكت عنه أبو داود، وهو دليل رضاه بالصحة.
(¬4) في المعجم الكبير 19: 180، وغيره.
(¬5) ينظر: فتح باب العناية 1: 37، وغيرها.
(¬6) وعند الشافعي كما في المنهاج 1: 58: ثم الأصح يتمضمض بغرفة ثلاثاً، ثم يستنشق بأخرى ثلاثاً، ويبالغ فيهما غير الصائم، قلت: الأظهر تفضيل الجمع بثلاث غرف يتمضمض من كل ثم يستنشق، والله أعلم. انتهى. ومثله في مواهب الصمد في حل ألفاظ الزبد ص21 - 22.
(¬7) ينظر: الوقاية ص80، وغيرها.
إلى المارِن، والمبالغة فيه أن يجاوز المارِن (¬1).
السابعة: تخليل اللحية (¬2)؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلَّلَ به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي عزَّ وجل) (¬3). قال العلامة ابن عابدين (¬4): «والمتبادر منه إدخال اليد من أسفل بحيث يكون كفّ اليد للداخل من جهة العنق، وظهرها إلى الخارج؛ ليمكن إدخال الماء المأخوذ في خلال الشعر، والتخليل يكون باليد اليمنى».
الثامنة: تخليل أصابع اليدين والرجلين؛ لحديث: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع) (¬5)، وكيفية تخليل أصابع اليد: أن يشبِّك الأصابع، والرجل: أن يخلل بخنصر يده اليسرى بادياً من خنصر رجله اليمنى خاتماً بخنصر رجله اليسرى (¬6).
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 1: 37، وغيره.
(¬2) وهو سنة عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وجائز عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، كما في الهداية 1: 13، واللباب شرح الكتاب 1: 10، ومنح الغفار ق7/ب، وقال صاحب الفتاوى السراجية 1: 4: والمختار قول أبي يوسف - رضي الله عنه -. وقال صاحب غنية المستملي شرح منية المصلي ص23: والأدلة ترجِّحُ قول أبي يوسف، وقد رجَّحه في المبسوط، وهو الصحيح.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 36، والجامع الصغير 1: 112 للسيوطي، والمعجم الأوسط 3: 221، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 235: رجاله وثقوا.
(¬4) في رد المحتار 1: 79.
(¬5) في صحيح ابن حبان 3: 368، والمستدرك 1: 248، وجامع الترمذي 3: 155، وغيرها.
(¬6) ينظر: عمدة الرعاية 1: 64، وغيرها.
التاسعة: تثليث الغَسل في الأعضاء التي تغسل؛ إذ لا يطلب تثليث المسح (¬1)، فعن عليٍّ - رضي الله عنه - (أنه توضَّأ فغسلَ أعضاءه ثلاثاً، ومسحَ رأسَهُ مرّةً واحدة، وقال: هكذا وضوءُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -) (¬2).
العاشرة: مسح كل الرأس مرّة (¬3)؛ لما سبق (¬4)، ويجوز أن مسح الرأس كما مر من بلة فضلت من غسل اليدين، فعن الربيع - رضي الله عنه -: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه من فضل ماء كان في يده هكذا) (¬5)، وكيفيته: أن يضع كفيه وأصابعه على مقدِّم رأسه ويمدّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه باصبعه، ولا يكون الماء مستعملاً بهذا؛ لأن الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذه الطريقة (¬6).
الحادي عشرة: مسح الأذنين بالماء المأخوذ للرأس (¬7)؛ بدليل:
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 80. وقال صاحب التاتارخانية ق11/ب: إذا زاد عن الثلاث فهو بدعة.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 82،وجامع الترمذي 1: 49،والسنن الكبرى للنسائي 1: 102، وسنن أبي داود 1: 49، وسنن ابن ماجه 1: 150.
(¬3) ينظر: تفصيل اختلاف العلماء في اعتبار مسح كل الرأس سنة أو مستحب في الإحكام لإسماعيل النابلسي ق84/ب، وغيره.
(¬4) وعند الشافعي - رضي الله عنه - أيضاً السنة مسح الرأس مرة واحدة. ينظر: التنبيه ص12، مغني المحتاج 1: 95، وغيرها.
(¬5) في سنن أبي داود 1: 32، وسكت عنه، وسنن البيهقي الكبير 1: 237، وغيرها.
(¬6) ينظر: تبيين الحقائق 1: 5. ورد المحتار 1: 82، وغيرها.
(¬7) وعند الشافعي بماء جديد. ينظر: مغني المحتاج 1: 60، وغيره.
1. عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ... ثم غرف غرفة، فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين عدا بإبهاميه إلى ظاهر اليسرى فمسح ظاهرهما وباطنهما) (¬1).
2. عن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الأذنان من الرأس) (¬2).
وكيفيته أن يمسح داخلهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين (¬3).
الثانية عشرة: النية؛ وهي أن يقصد بالقلب الوضوء، أو رفع الحدث، أو عبادة لا تصح إلا بالطهارة (¬4)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إِنما الأَعمالُ بالنيات) (¬5)، وعدم توقف صحة الوضوء على النية؛ لأن الثواب منوط بالنية اتِّفاقاً، فلا بُدَّ أن يقدَّرَ الثَّواب، أو يقدَّر شيء يشملُ الثَّواب، نحو: حكم الأعمال بالنيّات، فإن قُدِّرَ الثَّوابَ فظاهر، وإن قُدِّرَ الحكم، فهو نوعان: دنيويٌّ كالصِّحَّة، وأخرويّ كالثَّواب، والأخرويٌّ مرادٌ بالإجماع.
وهذا الكلام لا يتأتى على العبادات المحضة؛ لأن المقصود منها الثواب، فإذا خَلَتْ عن المقصودِ لا يكون لها صحَّة؛ لأنها لم تشرع إلا مع كونها عبادة، بخلاف الوضوء، إذ ليس عبادة مقصودة، بل شُرِعَ شرطاً لجوازِ الصَّلاة، فإذا خلا
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 3: 367، وصحيح ابن خزيمة 1: 77، وغيرها.
(¬2) في سنن ابن ماجة 1: 152، وقال الكناني في المصباح 1: 65: إسناده حسن، وقال القاري في فتح باب العناية 1: 55: إسناده صحيح، ومثله عن ابن عباس وابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم -.
(¬3) ينظر: عمدة الرعاية 1: 64، وغيرها.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 55، وغيرها.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 3. وصحيح مسلم 3: 1515، وصحيح ابن حبان 2: 223، وصحيح ابن خزيمة 1: 73، وغيرهم.
عن المقصود: أي عن الثَّوابِ انتفى كونُهُ عبادة، لكن لا يلزمُ من هذا انتفاءُ صحَّته؛ إذ لا يَصْدُقُ أنه لم يشرع إلا عبادة، فبقي صحَّتُهُ بمعنى أنَّهُ مفتاحُ الصَّلاةِ؛ لقول - صلى الله عليه وسلم -: (مفتَاح الصَّلاة الطَّهُور، وتَحريمها التَّكبير، وتَحْلِيلُها التسلِيم) (¬1)، كما في سائر الشرائط: كتطهير الثوب، والمكان، وستر العورة، فإنه لا تشترط النية في شيءٍ منها (¬2).
الثالثة عشرة: الترتيب بين الأعضاء المفروضة (¬3)، كما هو مذكور في النص القرآني (¬4)؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، وهذا دليل السنية (¬5).
الرابعة عشرة: الوِلاء (¬6)؛ وهو غسل الأعضاء المفروضات على سبيل التعاقب بحيث لا يجف العضو الأول عند اعتدال الهواء (¬7).
¬
(¬1) في جامع الترمذي 1: 9، 2: 3، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي المستدرك 1: 223، ومسند أبي حنيفة 1: 130، والآثار 1: 1، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص82 - 83، وغيرها.
(¬3) مشى على سنيتها في الوقاية ص83، والنقاية 1: 56، والملتقى 1: 15، وذكره الموصلي في المختار 1: 15 مع المستحبات؛ لكنه قال في شرحه الاختيار1: 15 والأصح أنها سنة؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها.
(¬4) ينظر: مجمع الأنهر 1: 15، وفتح باب العناية 1: 56، وشرح الوقاية ص83، وغيرها.
(¬5) ينظر: بدائع الصنائع 1: 22، وغيرها.
(¬6) وعند مالك - رضي الله عنه - فرض. ينظر: سبيل السعادة ص12، ومرشد السالك ص26، ونظم المرشد المعين وشرحه الحبل المتين ص20، ونظم مقدمة ابن رشد ص6، ومنظومة القرطبي ص6، والفرض رواية عن مالك - رضي الله عنه - إذا كان متعمداً، وإذا نسي فلا إعادة عليه.
(¬7) فلو جفَّفَ الوجه، أَو اليد بالمنديلِ قبل غسل الرجل لم يترك الولاء، بخلاف ما في التُّحفة 1: 13، والاختيار 1: 15، والمصفى: من أن لا يشتغلَ بين الأفعالِ بغيرها، فإنَّهُ على هذا الوجهِ لو جفَّفَ لتركَ؛ ولذا مَنَعَ عنه بعضُ المشايخ. كما في جامع الرموز 1: 19 - 20. وصحح اللكنوي في الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل ص23: عدم تركه للولاء.
المطلب الثالث: مستحباته وآدابه ومكروهاته:
أولاً: مستحبات الوضوء:
وهو ما يثاب فاعله ولا يلام تاركه (¬1).
الأول: التيامن (¬2): وهو الابتداء باليمين في غسل الأعضاء؛ بدليل:
1. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم) (¬3).
2. عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل) (¬4).
وإنما عدَّ التيامن مستحباً، مع مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على التيامن في غسل الأعضاء؛ لأن السنة نوعان: سنة الهدى وتركها يوجب إساءة وكراهية: كالجماعة
¬
(¬1) ينظر: مجمع الأنهر 1: 16، الدر المنتقى 1: 16، وغيرها.
(¬2) مشى على استحبابه في الوقاية ص 84، والنقاية 1: 57، والملتقى 1: 16، وقال القاري في فتح باب العناية 1: 57: والأصح أنه سنة.
(¬3) في صحيح ابن حبان 3: 370، وسنن ابن ماجه 1: 141،والمعجم الأوسط 2: 21، وموارد الظمآن 1: 350.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 165، وصحيح مسلم 1: 226، واللفظ له، وصحيح ابن خزيمة 1: 91، وصحيح ابن حبان 1: 271، وغيرها، وتمام الكلام في معنى الحديث، وتنعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غاية المقال فيما يتعلق بالنعال للكنوي وحاشيتها ظفر الأنفال على حواشي غاية المقال له أيضاً بتحقيقي.
والأذان، والإقامة ونحوها، وسنة الزوائد وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه وقيامه وقعوده (¬1)، وأكله باليمين، وتقديم الرجل اليمنى.
ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على التيامن في الوضوء من قبيل سنن الزوائد، فكان مستحباً (¬2).
الثاني: مسح الرقبة (¬3)؛ لا الحلقوم، فإن مسحه بدعة (¬4)؛ لما ورد فيها من الآثار التي يعضد بعضها بعضاً في إفادة الاستحباب، ومنها:
1. عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال)، وفي رواية: (أول القفا) (¬5)، والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس (¬6).
¬
(¬1).ينظر: التنقيح 1: 124، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص84 - 85، والهداية 1: 13، والبناية 1: 187، وغيرها.
(¬3) جمهور الحنفية قالوا أنَّ مسح الرقبة مستحب، كما في الوقاية ص 85، والنقاية 57، والملتقى 1: 16، وينظر: تحفة الطلبة ص36، ومنهم من قال أنه: سنة، كالشرنبلالي في المراقي ص110، والوشاح على نور الإيضاح ص49، وإليه يميل الكاشغري في منية المصلي وغنية المبتدي ص6 - 7.
(¬4) ينظر: مجمع الأنهر 1: 16، والدر المنتقى 1: 16، وغيرها.
(¬5) في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 30، والمعجم الكبير 19: 18، والسنن الكبير للبيهقي 1: 60، وتاريخ بغداد 6: 169، وقد أثبت المجد ابن تيمية بهذا الحديث مسح الرقبة.
(¬6) ينظر: اللسان 5: 3561.
2. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مسح الرقبة أمان من الغُلّ يوم القيامة) (¬1).
ثانياً: آداب الوضوء:
1. أن يستقبل القبلة عنده.
2. أن يدلك أعضائه.
3. أن يدخل خنصره في صماخ أذنيه.
4. أن يقدم الوضوء على الوقت لغير المعذور.
5. أن يحرك خاتمه الواسع، وإن كان ضيقاً يجب نزعه أو تحريكه.
6. أن لا يستعين فيه بغيره، وإن استعان لا يكره، فعن أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: (أنه كان رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أفاض من عرفة، فلما جاء الشعب أناخ راحلته، ثم ذهب إلى الغائط فلما رجع صببت عليه من الإداوة فتوضأ، ثم ركب ثم أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء) (¬2).
7. أن لا يتكلم فيه بكلام الناس.
¬
(¬1) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ... 1: 159: سنده ضعيف. وقال القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص434: سنده ضعيف، والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ولذا قال أئمتنا: أنه مستحب، أو سنة. وتمام الكلام على الأحاديث في مسح الرقبة في تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة للكنوي، وحاشيتها تحفة الكملة على حواشي تحفة الطلبة، بتحقيقي.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 936، وغيره.
8. أن ينثر الماء على وجهه من غير لطم.
9. أن يجلس في مكان مرتفع احترازاً عن الماء المستعمل.
10. أن يجعل الإناء الصغير على يساره والكبير الذي يغترف منه على يمينه.
11. أن يجمع بين نية القلب وفعل اللسان.
12. أن يسمي الله - جل جلاله - عند غسل كل عضو.
13. أن يدعو الله عند غسل كل عضو بالأدعية المأثورة عن السلف، قال الإمام النووي - رضي الله عنه - (¬1): «وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الفقهاء: يستحبّ دعوات جاءت عن السلف، وزادوا ونقصوا فيها .... ثم ذكر شيئاً من هذه الأدعية»، ومما يقال:
• عند المضمضة: «اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
• عند الاستنشاق: «اللهم أرحني رائحة الجنة، ولا ترحني رائحة النار».
• عند غسل وجهه: «اللهم بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه».
• عند غسل يده اليمنى: «اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً».
• عند غسل اليسرى: «اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري».
¬
(¬1) في الأذكار ص117 - 118.
• عند مسح رأسه: «اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك».
• عند مسح أذنيه: «اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه».
• عند مسح عنقه: «اللهم أعتق رقبتي من النار».
• عند غسل قدمه اليمنى: «اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام».
• عند غسل رجله اليسرى: «اللهم اجعل ذنبي مغفوراً وسعيي مشكوراً وتجارتي لن تبور».
• يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد غسل كل عضو، فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا وضوء لمن لم يصلّ على النبي - صلى الله عليه وسلم -) (¬1).
• بعد الفراغ: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، فعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا حسّنت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) (¬2).
14. أن يشرب شيئاً من فضل وضوئه مستقبل القبلة قائماً، فعن عليٍّ - رضي الله عنه - (أنه
¬
(¬1) في المعجم الكبير 6: 121، ورمز السيوطي بضعفه. ينظر: إعلاء السنن 1: 111.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 209، وغيره.
صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه ـ وذَكَرَ: رأسه ورجليه ـ، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال إن ناساً يكرهون الشرب قياماً وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل ما صنعت) (¬1).
15. أن يصلي ركعتين بعد الفراغ.
16. أن لا ينقص ماؤه أي ماء وضوئه عن مدّ (¬2)، بأن يقتر ويقلل الماء بحيث يقرب الغسل من حد الدهن، ويكون التقاطر غير ظاهر، بل ينبغي أن يكون ظاهراً (¬3).
17. أن يتوضأ في مكان طاهر.
18. أن يحفظ ثيابه من التقاطر (¬4).
ثالثاً: مكروهات الوضوء:
1. لطم الوجه بالماء.
2. الإسرافُ فيه (¬5).
3. تثليث المسح بماء جديد (¬6).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 2130، وغيره.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 1: 6 - 7، ومجمع الأنهر 1: 16، وبدائع الصنائع 1: 23 - 24.
(¬3) ينظر: التعليقات المرضية على الهدية العلائية ص25، وغيرها.
(¬4) ينظر: الهدية العلائية ص25، وغيرها.
(¬5) في الهدية العلائية ص26: يكره تنزيهاً إن كان جارياً، ولم يعتقد سنيته، وإن اعتقد سنيته فتحريماً، أما الموقوف على من يتطهر به كصهريج أو حوض أو إبريق فحرام.
(¬6) ينظر: تبيين الحقائق 1: 7، والهدية العلائية ص26، وغيرها.
ولا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء (¬1)، بدليل:
أ عن عائشة رضي الله عنها أنه (كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرقة ينشف بها بعد الوضوء) (¬2).
ب عن سلمانَ الفارسِيِّ - رضي الله عنه -: (إِنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كانت عليه، فمسحَ بها وجهه) (¬3).
المطلب الرابع: نواقض الوضوء:
الأول: ما خرج من السبيلين، سواء كان معتاداً كالبول أو غير معتاد كالريح (¬4) والدودة (¬5) الخارجة من القُبُل والذَّكر، وفيهما اختلاف؛ لقوله - جل جلاله -: {أَوْ
¬
(¬1) ومن أراد التوسع في مسألة المسح بالمنديل فليرجع إلى الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل للكنوي بتحقيقي.
(¬2) في جامع الترمذي 1: 74، وقال: ليس بالقائم، وقال: وقد رخَّصَ قومٌ من أهلِ العلمِ من أَصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعدهم في التَّمَنْدُلِ بعد الوضوءِ، ومَن كَرِهَهُ من قبلِ أنه قيل: إِنَّ الوضوء يوزن، ورُوِيَ ذلك عن: سعيدِ بنِ المسيِّبِ، وفي المستدرك 1: 256، وقال: وهو حديث قد روي عن أنس بن مالك وغيره ولم يخرجاه. وفي سنن الكبير للبيهقي 1: 185، وسنن الدارقطني 1: 110، وغيرهما.
(¬3) في سنن ابن ماجة رقم 461، 3554، 554. ومسند الشاميين 1: 381، وغيرهما ..
(¬4) اتفقوا على نقض الريح الخارجة من الدبر، واختلفوا في الخارجة من القبل والذكر: فذكر صاحب الهداية 1: 15، والكفاية 1: 33، والتنوير 1: 92، وقاضي خان في فتاواه 1: 36: أنه لا ينقض، وصححه العيني في البناية 1: 194، والطرابلسي في المواهب ق 6/أ. وروي عن محمد - رضي الله عنه - أنه يوجب الوضوء، هكذا ذكره القدوري، وبه أخذ بعض المشايخ، وقال الكرخي: لا وضوء إلا أن تكون المرأة مفضاة، فيستحب الوضوء. ينظر: المحيط ص 104.
(¬5) فإن خرجت من الدبر نقضت الوضوء اتفاقاً، وإن كانت خارجة من قبل المرأة اختلفوا فيه، فالذين قالوا بنقض الريح الخارجة من القبل قالوا بنقضها أيضاً، ومن لم يقل به، لم يقل به، وإن خرجت من الذكر اختلفوا فيه أيضاً، فذكر صدر الشريعة، وابن عابدين في رد المحتار 1: 92، وغيرهما: أنها غير ناقضة، وذكر في الخلاصة، وفتاوى قاضي خان 1: 36، وظهير الدين المرغيناني كما في المحيط ص 105 أنها ناقضة. كذا في عمدة الرعاية 1: 69.
جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} (¬1)، والغائط: اسم للموضع المطمئن من الأرض فاستعير لما يخرج إليه، فيتناول المعتاد وغيره (¬2).
- لو كان الخارج طاهراً في نفسه كالدودة من الدبر، فإنها تنقضه؛ لأنها تستصحب شيئاً من النجاسة وتلك هي الناقضة للوضوء.
- لو حشا إحليله بقطن فينتقض بخروجه بابتلال خارجه، وإن حشت المرأة فرجها به فإن كان داخل الفرج فلا وضوء عليها، وإن أخرجتها فينتقض وضوؤها وإن لم تبتل.
- لو أدخلت في فرجها أو دبرها يدها أو شيئاً آخر ينتقض وضوؤها إذا أخرجته؛ لأنه يستصحب النجاسة (¬3).
الثالث: ما خرج من غير السبيلين إن كان نَجَساً (¬4) وسال إلى موضع يجب تطهيره سواء كان في الوضوء أو الغسل (¬5)، فيشمل الفم والأنف لحلول الجنابة
¬
(¬1) النساء: من الآية43.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 1: 7، وغيره.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 7، وغيره.
(¬4) احترز بنجس عن اللعاب ونحوه فإنه لا ينقض بخروجها. ينظر: حواشي ملتقطة على النقاية ص4.
(¬5) وعند الشافعي: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء. ينظر: سلم المناجاة وشرحه لمحمد نووي ص11، وعمدة السالك ص5، والمنهاج القويم ص16، وغيرها.
فيهما (¬1)، أما إذا لم يتجاوز مخرج القُرْحة ـ الجرح (¬2) ـ فإنه لا ينقض الوضوء، وإذا تجاوزه فإنه ينقض الوضوء سواء كان الخروج بنفسه أو أخرج (¬3) بعصر أو غيره.
والنجَس: كالدم المسفوح، والقيح والصديد ـ ماء الجرح الرقيق ـ، فلا ينقض نحو المخاط والدمع والبزاق واللعاب والعَرَق (¬4).
ويشترط السيلان في الخارج من غير السبيلين؛ لأن تحت كل جلدة دماً ورطوبة، وفيما لم يسل يكون بادياً لا خارجاً بخلاف السبيلين؛ لأنه متى ظهر يكون منتقلاً فيكون خارجاً (¬5).
- لو خرج الماء أو الصديد من النَّفِطة ـ الجُدَري ـ فإنه بمنزلة الدم على الأصح (¬6).
- لو نزل الدم من الأنف انتقض وضوءه إذا وصل إلى ما لان منه؛ لأنه يجب تطهيره.
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 1: 61، وغيره.
(¬2) ينظر: لسان العرب 5: 3571، وغيره.
(¬3) هذا ما ذهب إليه السرخسي في جامعه وصاحب الكافي وغاية البيان والنهاية واختاره صاحب الفتاوى البزازية 4: 12، وصححه ابن الهمام في القدير 1: 48، واللكنوي في عمدة القاري 1: 70، وغيرهم.
واختار عدم النقض بالعصر صاحب الهداية 1: 15 - 16، والعناية 1: 48، وفتح باب العناية 1: 61، والملتقى 1: 17، وتبيين الحقائق 1: 8، وغيرهم.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 61: وغيرها.
(¬5) ينظر: الاختيار لتعليل المختار 1: 16 وغيره.
(¬6) ينظر: فتح باب العناية 1: 61: وغيرها.
- لو أكل خبزاً ورأى أثر الدم فيه من أصول أسنانه ينبغي أن يضع إصبعه أو طرف كمه على ذلك الموضع فإن وجد فيه أثر الدم انتقض وضوءه وإلا فلا.
- لو خرج القيح من الأذن أو الصديد إن كان بدون الوجع لا ينقض الوضوء، ومع الوجع ينقض؛ لأنه دليل الجرح (¬1).
- لو خرج من الجرح الذي ينزف دائماً وليس فيه قوة السيلان، ولكنه إذا ترك يتقوى باجتماعه ويسيل عن محله فإذا نشفه أو ربطه بخرقة وصار كلما خرج منه شيء تشربته الخرقة، ينظر: إن كان ما تشربته الخرقة في ذلك المجلس شيئاً فشيئاً بحيث لو ترك واجتمع أسال بنفسه نقض، وإلا لا، ولا يجمع ما في مجلس إلى ما في مجلس آخر، وفي ذلك توسعة عظيمة لأصحاب القروح (¬2).
- لو خرج دم رقيق من نفس الفم تعتبر الغلبة بينه وبين الريق، وإن تساويا انتقض الوضوء؛ لأن البصاق سائل بقوة نفسه، فكذا مساويه بخلاف المغلوب؛ لأنه سائل بقوة الغالب، ويعتبر ذلك من حيث اللون فإن كان أحمر انتقض، وإن كان أصفر لا ينتقض (¬3).
وحجة ذلك:
أ عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الوضوء من كل دم سائل) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 8، وغيره.
(¬2) ينظر: رد المحتار 1: 135، وغيره.
(¬3) ينظر: الوقاية وشرحها ص87، والتبيين 1: 8، وغيرها.
(¬4) في الكامل لابن عدي 1: 190، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 128: أحمد بن الفرج من رجال الحسن، والباقون كلهم ثقات.
ب عن تميم الداري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الوضوء من كل دم سائل) (¬1).
ت عن عائشة رضي الله عنها: (إن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله إني أستحاض الشهر والشهرين. قال: ليس ذلك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة) (¬2)، فنبّه - صلى الله عليه وسلم - على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون ما يخرج منها دم عرق، وهو أعم من أن يكون خارجاً من السبيلين أوغيرهما، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة (¬3).
ث عن إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - قال: «إذا سال الدم نقض الوضوء».
ج عن الحسن - رضي الله عنه -: «أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلاً».
ح عن عطاء - رضي الله عنه - قال: «إذا برز الدم من الأنف فظهر ففيه الوضوء».
خ عن الشعبي - رضي الله عنه - قال: «الوضوء واجب من كل دم قاطر»، قال سمعت الحكم يقول: «من كل دم سائل» (¬4).
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 157، قال في السعاية: يزيد بن خالد ويزيد بن محمد قد اختلف فيهما، وقد وثقوه كما في الكاشف للذهبي. ينظر: إعلاء السنن 1: 129، وغيره.
(¬2) في صحيح ابن حبان 4: 188، وسنن الدارقطني 1: 212، وسنن ابن ماجة 1: 204، غيرها.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية 1: 62، وغيرها.
(¬4) ينظر: هذه الآثار وغيرها في مصنف ابن أبي شيبة 1: 127، ومصنف عبد الرزاق 1: 144، وغيره.
الثالث: قيء ملأ فاه ولو كان مِرَّةً (¬1)، أو طعاماً، أو ماءً (¬2)، أو عَلَقاً (¬3)، وشرط أن يكون ملء الفم؛ لأن للفم حكم الخارج حتى لا يفطر الصائم بالمضمضة، وله حكم الداخل حتى لا يفطر بابتلاع شيء من بين أسنانه مثل الريق فلا يعطى له حكم الخارج ما لم يملأ الفم.
وحد ملء الفم: ما لا يمكن ضبطه إلا بكلفة على الأصح (¬4).
¬
(¬1) مرَّة، أي صفراء، وهي: أحد الأخلاط الأربعة، وهي: الدم، والمرة السوداء، والمرة الصفراء، والبلغم. ينظر: رد المحتار 1: 93، وفي اللسان 6: 4176: هي إحدى الطبائع الأربع، قال ابن سيده: المِرَّة مزاج من أمزجة البدن.
(¬2) أي الطعام أو الماء إذا وصل إلى معدته ولم يستقر، وهو نجس مغلظ، ولو من صبيٍّ ساعة ارتضاعه، وهو الصحيح لمخالطته النجاسة، ولو هو في المريء فلا ينقض اتفاقاً. كما في الدر المختار 1: 93.وفي البحر 1: 26: قال الحسن: إذا تناول طعاماً أو ماءً، ثم قاء من ساعته لا ينقض؛ لأنه طاهر حيث لم يستحل، وإنما اتصل به قليل القيء، فلا يكون حدثاً، فلا يكون نجساً، وكذا الصبي إذا ارتضع وقاء من ساعته، وصححه في المعراج، وغيره، ومحل الاختلاف ما إذا وصل إلى معدته، ولم يستقرّ، أما لو قاء قبل الوصول إليها، وهو في المريء، فإنه لا ينقض اتفاقاً.
(¬3) العَلَق: لغة: دم منعقد، كما هو أحد معانيه، لكن المراد به هنا سوداء محترقة، وليس بدم حقيقة، ولهذا اعتبر فيه ملء الفم، وإلا فخروج الدم ناقض بلا تفصيل بين قليله وكثيره على المختار. ينظر: رد المحتار 1: 93.
(¬4) وهذا ما مشى عليه في الهداية والاختيار والكافي والخلاصة وصححه فخر الإسلام وقاضي خان والزيلعي في التبيين 1: 8، وقيل: ما لا يقدر على إمساكه. قال في البدائع: وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح. وفي الحلية: الأول: الأشبه. ينظر: رد المحتار 1: 137، وغيره.
وما يخرج له حالان:
1. أن يكون نازلاً من الرأس، وله وجهان:
1) إن كان علقاً لم ينقض اتفاقاً.
2) إن كان سائلاً نقض اتفاقاً.
2. أن يكون صاعداً من الجوف، وله وجهان:
1) إن كان علقاً فلا اتفاقاً ما لم يملأ الفم.
2) إن كان سائلاً فعند أبي يوسف - رضي الله عنه - ينقض مطلقاً سواء كان ملأ الفم أو لم يكن ملأ الفم؛ لأنه صار نجساً بمجاورة النجاسة (¬1)، وعند محمد - رضي الله عنه - لا ينقض ما لم يملأ الفم (¬2).
وإذا قاءَ قليلاً قليلاً بحيثُ لو جُمِعَ يبلغُ ملأَ الفم، فأبو يوسفَ - رضي الله عنه - يعتبرُ اتِّحادَ المجلس: أي إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يُجْمَع، فيكونُ ناقضاً. ومحمَّدٌ (¬3) - رضي الله عنه -: يعتبرُ اتِّحادَ السَّببِ وهو الغَثَيان (¬4)، فإن كان بغثيانٍ واحدٍ يُجْمَعُ فيكون ناقضاً، فللمسألة
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية لابن ملك ق7/أ، وغيرها.
(¬2) وذكر في البحر قول أبي يوسف مع الإمام. وقال: واختلف التصحيح فصحح في البدائع قولهما. قال: وبه أخذ عامة المشايخ. وقال الزيلعي: إنه المختار، وصحح في المحيط قول محمد، وكذا في السراج معزياً إلى الوجيز. ينظر: رد المحتار 1: 137، وغيره.
(¬3) وصحح النسفي في الكافي قول محمد لأن الأصح إضافة الأحكام إلى أسبابها. ينظر: الدر المختار 1: 95.
(¬4) الغَثَيان: هو اضطراب نفسه حتى تكاد تتقيأ من خِلْط ينصب إلى فم المعدة. ينظر: المصباح المنير2: 679.
أربعُ صور:
1. اتِّحادُ المجلسِ والغثيان، فيجمعُ اتِّفاقاً.
2. اختلاف المجلس والغثيان، فلا يجمعُ اتِّفاقاً.
3. اتِّحادُ المجلسِ مع اختلاف الغثيانِ فيُجمع عندَ أبي يوسفَ - رضي الله عنه - خلافاً لمحمَّد - رضي الله عنه -.
4. اختلاف المجلس مع اتحاد الغثيان فيجمع عند محمد - رضي الله عنه - خلافاً لأبي يوسف.
أما البلغم فغير ناقض أصلاً سواء كان نازلاً من الرَّأس أو صاعداً من الجوف، وسواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لأنّه بسبب كونه لزجاً لا تختلط معه النَّجاسة، وهو في نفسه ليس بنجس (¬1).
وحجة ذلك:
أ عن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أصابه قيء أو رعاف (¬2) أو قَلَس (¬3) أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص87، والسعاية 1: 220، وغيرها.
(¬2) الرعاف: وهو خروج الدم من الأنف. ينظر: المصباح ص230، وغيره.
(¬3) القَلَس: ما خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه فإذا غلب فهو قيء. ينظر: المصباح ص513، وطلبة الطلبة ص8، وغيرها.
(¬4) في سنن ابن ماجة 1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 113: والصحيح أنه مرسل صحيح الإسناد. وينظر: الدراية 1: 31، ونصب الراية 1: 38، وتلخيص الحبير 1: 274، وغيرها.
ب عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له الدفع) (¬1).
ت عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: (إذا رعف الرجل في الصلاة، أو ذرعه القيء، أو وجد مذياً فإنه ينصرف ويتوضأ ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم) (¬2).
وكل ما ليس بحدث ليس بنجِس على الصحيح (¬3)، فالدم الذي لم يسل عن رأس الجرح طاهر، وكذا القيء؛ لقوله - جل جلاله -: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} (¬4)، فغير المسفوح لا يكون محرّماً، فلا يكون نجساً، والدم الذي لم يسل عن رأس الجرح دم غير مسفوح فلا يكون نجساً.
والفرقُ بين المسفوح وغير المسفوح هو: أنَّ غيرَ المسفوحِ دمٌ انتقلَ عن العروق، وانفصلَ عن النَّجاسات، وحصلَ لهُ هضمٌ آخرَ في الأعضاء فصارَ
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 143، وقال: قد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب وروى معمر هذا الحديث.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 2: 339، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 1: 114، وغيره.
(¬3) هذا عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وصححه في الهداية والكافي والدر المختار 1: 95، وفي شرح الوقاية ص88: وعن محمد في غير رواية الأصول: إنه نجس؛ لأنه لا أثر للسيلان في النجاسة، فإذا كان السائل نجساً فغير السائل يكون كذلك. وفي الجوهرة، يفتى بقول محمد - رضي الله عنه - لو المصاب مائعاً: أي كالماء ونحوه، أما في الثياب والأبدان فيفتى بقول أبي يوسف. ينظر: الدر المختار ورد المحتار 1: 95، وغيرها
(¬4) الأنعام: من الآية145.
مستعدِّاً لأن يصيرَ عضواً، فأخذَ طبيعةَ العضو، فأعطاهُ الشَّرعُ حكمَهُ بخلافِ دمِ العروق، فإذا سالَ عن رأسِ الجرحِ علمَ أنَّهُ دمٌ انتقلَ من العروقِ في هذهِ السَّاعة، وهو الدَّمُ النَّجس، أمَّا إذا لم يسلْ عُلِمَ أنَّهُ دمُ العضو.
وأمَّا في القيء، فالقليلُ هو الماءِ الذي كان في أعلى المعدّة، وهي ليستْ محلّ النَّجاسة، فحكمُهُ حكمُ الرِّيق (¬1).
الرابع: نوم مضطجع: أي أن ينام واضعاً جنبيه على الأرض (¬2) ـ ومتكئ ـ أي بأحد وركيه (¬3) ـ ومستند إلى ما لو أزيل ذلك الشيء لسقط النائم (¬4)، فلا ينتقض وضوؤه في غير هذه: كالنوم قائماً، أو قاعداً، أو راكعاً، أو ساجداً في الصلاة وغيرها (¬5).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص88 - 89، وغيرها.
(¬2) ينظر: عمدة الرعاية 1: 76، وغيرها.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 1: 20، وغيره.
(¬4) اختار أنه ناقض فيما لو أزيل لسقط صاحب الوقاية ص89، وصدر الشريعة في النقاية ص5، والحلبي في ملتقى الأبحر ص3، والطحاوي في مختصره ص19، والقدوري في مختصره ص2، وصاحب الهداية ص15، وصاحب الاختيار ص16 - 17، وصاحب المحيط ص144.
وذهب إلى أنه لا ينقض صاحب الدر المختار 1: 95، وصححه صاحب البدائع 1: 31، وقال: وبه أخذ عامة المشايخ، وصححه الزيلعي في التبيين 1: 10، وقال: رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -. وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلة عن الأرض، وإلا نقض اتفاقاً. ينظر: رد المحتار 1: 96.
(¬5) فغير ناقض السجود مطلقاً، وهذا ظاهر المذهب على ما في الخلاصة، وصححه صاحب تحفة الفقهاء 1: 22، والهداية ص15.
والثاني: أنه إن تعمد النوم في الصلاة، فهو حدث، وإلا فلا، وهو المروي عن أبي يوسف، ينظر: فتح القدير ص43.
والثالث: أنه حدث خارج الصلاة غير حدث فيها، وهو المروي عن شمس الأئمة الحلواني واختاره صاحب المنية ص44.
والرابع: أنه ليس بحدث إذا كان على الهيئة المسنونة في الصلاة كان فيها أو خارجها، واختاره صاحب الفتح ص43، والبدائع 1: 31، والحلبي في شرح المنية الصغير ص93.
والخامس: أنه ليس بحدث في الصلاة مطلقاً وخارج الصلاة إن كان على الهيئة المسنونة، وصححه الزيلعي في التبيين 1: 10.
والنعاس نوعان:
1. ثقيل، وهو حدث في حالة الاضطجاع، وحدُّه: إنه لا يسمع ما قيل عنده.
2. خفيف: وهو ليس بحدث فيها، وحده: إنه يسمع ما قيل عنده.
والنوم نفسه ليس بحدث، وإنما الحدث ما لا يخلو النائم عنه فأقيم السبب الظاهر مقامه كما في السفر ونحوه (¬1).
- لو نام قاعداً أو قائماً فسقط على وجهه أو جنبه إن انتبه قبل سقوطه أو حالة سقوطه أو سقط نائماً وانتبه من ساعته لا ينتقض، وإن استقر بعد السقوط نائما ثم انتبه نقض لوجود النوم مضطجعاً على الأصح (¬2).
- لو صلى المريض مضطجعاً فنام فالصحيح أن وضوءه ينتقض (¬3).
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 10، وغيرها.
(¬2) كما في الظهيرية. ينظر. مجمع الأنهر 1: 20، وهو الظاهر كما في التبيين 1: 10: وعن أبي يوسف: ينقض بالسقوط لزوال الاستمساك حيث سقط، وعن محمد: إن انتبه قبل أن تزايل مقعدته الأرض لم ينتقض وإن زايلها وهو نائم انتقض وهو مروي عن أبي حنيفة.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 10، وغيرها.
وحجة ذلك:
أ عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (إنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلى فقلت يا رسول الله: إنك قد نمت. قال: إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) (¬1).
ب عن عمرو شعيب عن أبيه عن جده قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس على من نام قاعداً وضوء حتى يضع جنبه إلى الأرض) (¬2).
ت عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ) (¬3).
ث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ» (¬4).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وسنن الدارقطني 1: 159، ومسند أبي يعلى 4: 477، ومسند عبد بن حميد 1: 220، والمعجم الكبير 12: 157، قال ابن الملقن في الخلاصة 1: 53: وهو ضعيف. وفي مجمع الزوائد: رجاله موثقون. ينظر: إعلاء السنن 1: 129، وغيره.
(¬2) في الكامل6: 467، قال القاري في فتح باب النقاية 1: 66: هذه الأحاديث وإن كان بانفرادها لا تخلو عن ضعف، إلا أنها إذا تعاضدت لم تنزله عن درجة الحسن، ولم يعارضه صريح مثله، فيجوز العمل به.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 52، وحسنه المنذري وابن الصلاح والنووي. كما في نصب الراية 1: 45، إعلاء السنن 1: 130، وغيرها.
(¬4) في سنن البيهقي الكبير 1: 122، قال ابن حجر في التلخيص 1: 120: إسناده جيد، وهو موقوف.
ج عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: (مَن نام مضطجعاً وجب عليه الوضوء، ومن نام جالساً فلا وضوء عليه) (¬1).
الخامس: الإغماء والجنون والسكر على أي هيئة كان؛ لأنه أبلغ في إزالة المسكة من النوم؛ لأن النائم يستقظ بالانتباه، والمجنون والمغمى عليه لا يستقيظ بالانتباه (¬2)، ولأن للجنون والإغماء أثراً في سقوط العبادة بخلاف النوم، ولأن القياس أن يكون النوم حدثاً في الأحوال كلها فترك بالنص ولا نص في هذه الأشياء فبقيت على الأصل (¬3).
والاغماء: ضَرْب من المرض يُضعِفُ القوى، ولا يزيل العقل، بل يستره بخلاف الجنون فإنه يزيله، وهو كالنوم في فوت الاختيار، وفوت استعمال القدرة حتى بطلت عبارته (¬4).
وحدُّ السكر هنا: أن يدخل في مشيته تحرك على الصحيح (¬5).
السادس: قهقهة مصلٍّ بالغ يقظان يركع ويسجد (¬6)، ولا فرق بين أن يكون
¬
(¬1) في مسند الشافعي 1: 228، وغيره.
(¬2) ينظر: الاختيار 1: 17، وشرح الوقاية ص89، وغيرها.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 10، وغيره.
(¬4) ينظر: البحر الرائق1: 41.
(¬5) هذا اختيار الحلواني وقال صدر الشريعة في شرح الوقاية ص89: هو الصحيح، وقال الزاهدي: وهو الأصح، واختاره الصدر الشهيد وقاضي خان في فتاواه 1: 42، وهو: أن لا يعرف الرجل من المرأة. ينظر: تبيين الحقائق وحاشيته 1: 10، وغيرها.
(¬6) وعند الشافعي لا ينتقض الوضوء بالقهقهة. ينظر: حلية العلماء 1: 154، والوسيط 1: 313، وحواشي الشرواني 1: 140، ولا تنتقض عند مالك. ينظر: القوانين الفقهية 1: 52، وكذلك عند أحمد ينظر: الكافي 1: 66، والمبدع 1: 517، وغيرها.
عامداً أو ناسياً، فالكل ناقض، فعن أبي العالية - رضي الله عنه -، وغيره: (إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة) (¬1).
وشروط القهقهة التي تنقض الوضوء:
1. أن يكون في صلاة ذات ركوع وسجود، حتى لو قهقه في صلاة الجنازة أو سجدة التلاوة لا ينتقض الوضوء، بل يبطل ما قهقه فيه.
2. أن يكون متيمماً أو متوضئاً، حتى لو قهقه في صلاة بغُسل فإنها تبطل الصلاة لا الغُسل.
3. أن يكون بالغاً؛ حتى لو قهقه صبيّ لا ينتقض الوضوء؛ لأنها ليست بجناية في حقه.
4. أن يكون يقضان؛ حتى لو نام في الصلاة على أي هيئة فقهقه لا ينتقض الوضوء (¬2).
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 1: 167، والكامل3: 167، وتاريخ جرجان 1: 405، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق 2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 341، ومراسيل أبي داود ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة. ومن أراد الاستفاضة في الروايات الحديثية في نقض الوضوء بالقهقهة فليراجع إعلاء السنن 1: 132 - 144، و الهسهسة للكنوي بتحقيقي.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص89 - 90، والتبيين 1: 11، وغيرها.
وحدُّ القهقهة: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولجيرانِه، بدت أسنانه أو لم تبدُ (¬1).
وحدُّ الضَّحك: أن يكونَ مسموعاً لهُ لا لجيرانِه، وهو يبطلُ الصَّلاةَ لا الوضوء (¬2).
وحدُّ التَّبسُّم: أن لا يكونَ مسموعاً أصلاً، وهو لا يبطلُ شيئاً (¬3). (¬4)
السابع: المباشرة الفاحشة: وهي أن يفضي الرجل إلى امرأته ويماس بدنُهُ بدنَ المرأة مجردين مع انتشار آلته (¬5) وتماس الفرجان؛ لأن مثل هذه سبب غالب لخروج المذي، وهو كالمتحقق، ولا عبرة بالنادر (¬6)، فيقام السبب مقام المسبب (¬7)، لأنها
¬
(¬1) حكم القهقهة في خارج الصلاة: أنه قبيح وعمل شنيع. ينظر: الهسهسة ص 100.
(¬2) حكم الضحك في غير الصلاة: أنه مباح من غير عجب، أو إكثار، وقد ثبت ضحكه - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه في عدّة مواضع، كما في صحيح البخاري 5: 2389، وصحيح مسلم 1: 173، وغيرها. ينظر: الهسهسة ص95.
(¬3) وحكم التبسم في غير الصلاة: أنه مباح؛ لما روي عن جابر بن سمرة: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يضحك إلا تبسماً) في سنن الترمذي 5: 603، وقال الترمذي: حسن غريب ومن هذا صحيح، وفي المستدرك 1: 662، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 328. ومسند أحمد 5: 97. ومسند أبي يعلى 13: 553. والمعجم الكبير2: 244. ينظر: الهسهسة ص95.
(¬4) ينظر: شرح الوقاية ص90، وتبيين الحقائق 1: 11، وفتح باب العناية 1: 68، والاختيار 1: 18، وغيرها.
(¬5) هذا في حق نقض وضوئه لا وضوئها، فإنه لا يشترط في نقضه انتشار آلة الرجل. ينظر: قنية المنية ق3/أ.
(¬6) ينظر: تبيين الحقائق 1: 12، وغيره.
(¬7) هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وعند محمد - رضي الله عنه - فإنها ليست من النواقض ما لم يخرج شيء من المذي ونحوه، وعامة الكتب على الأخذ بقولهما، وفي فتح باب العناية 1: 78، وشرح النقاية ق5/ب لأبي المكارم تصحيح قول محمد - رضي الله عنه -.
حالة ذهول، وإن خرج قليلاً انمسح (¬1).
ويخرج من نواقض الوضوء:
1. الدودة الخارجة من الجرح؛ لأنها طاهرة وما عليها من النجاسة قليلة وهو معفو، بخلاف الخارجة من الدبر فإنها تنقض الوضوء؛ لأن خروج القليل منه ناقض (¬2).
2. سقوط لحم من الجرح؛ لأن اللحم طاهر، وما عليه من النجاسة قليل، وهو معفو؛ لكونها في غير السبيلين (¬3).
3. مسّ المرأة (¬4)؛ بدليل:
أ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما) (¬5).
ب عن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كان يقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: إعلاء السنن 1: 132، وغيره.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية لصدر الشريعة ص90، وغيره.
(¬3) ينظر: شرح ابن ملك ق8/أ، وغيره.
(¬4) وعند الشافعي ينتقض الوضوء بمس المرأة والذكر. ينظر: التنبيه ص13، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 150، وصحيح مسلم 1: 367، واللفظ له.
(¬6) قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 247: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة. وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 150: رواه البزار وإسناده صحيح.
ت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قَبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت من هي إلا أنت فضحكت) (¬1).
ث عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «ليس في القبلة وضوء» (¬2).
4. مس الذكر (¬3)؛ فعن قيس بن طلق، قال حدثني أبي، قال: (كنّا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك) (¬4).
5. الأكل مما مسّت النار، بدليل:
أ عن جابر - رضي الله عنه -، قال: (آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار) (¬5).
ب عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) (¬6).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 48، وسنن الدارقطني 1: 136، ورجاله كلهم ثقات، وسنده صحيح، وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، وتمامه في إعلاء السنن 1: 153، وغيرها.
(¬2) في سنن الدارقطني 1: 143، وقال: صحيح.
(¬3) ينظر: الوقاية ص91، وكنز الدقائق 1: 12، وغيرها.
(¬4) في صحيح ابن حبان 3: 403، واللفظ له، والمنتقى 1: 18، والمجتبى 1: 101،ومصنف ابن أبي شيبة 1: 152، ومصنف عبد الرزاق 1: 118، وشرح معاني الآثار 1: 118، وينظر: مجمع الزوائد 1: 244، وغيرها.
(¬5) في صحيح ابن خزيمة 1: 28، وصحيح ابن حبان 3: 417، وغيرها.
(¬6) في صحيح مسلم 1: 273، وغيره.
ت عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه: (إنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتز من كتف يأكل منها ثم صلى ولم يتوضأ) (¬1).
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 273، وغيره.
المبحث الثاني
الغُسل
تمهيد:
أولاً: لغة: غَسل الشيء: إزالة الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه، والغُسل: اسم من الاغتسال، وهو غسل تمام الجسد واسم للماء الذي يُغتسل به أيضاً (¬1).
ثانياً: اصطلاحاً: الغُسل: غسل البدن.
واسم البدن يقع على الظاهر والباطن إلا ما يتعذّر إيصال الماء إليه أو يتعسّر, فصار كلٌّ من المضمضة والاستنشاق جزءاً من مفهومه فلا توجد حقيقة الغسل الشرعية بدونهما (¬2).
والغَسل بالفتح مصدر غسل، والفتح أشهر وأفصح عند أهل اللغة، وبالضم استعمله أكثر الفقهاء (¬3).
¬
(¬1) ينظر: المغرب ص 340، والمصباح ص 447، وغيرها.
(¬2) ينظر: رد المحتار 1: 151، وغيره.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 1: 21، وغيره.
المطلب الأول: فرائض الغُسل:
والمراد بالفرض هو الفرض العملي؛ لأنه ثابت بحديث، وهو خبر واحد، وبه لا يثبت الفرض الاعتقادي، وإطلاق الفرض عليهما شائع.
الأول: غسل الفم والأنف (¬1)؛ بدليل:
1. قوله - جل جلاله -: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} (¬2): أي فطهروا أبدانكم، فكل ما أمكن تطهيره يجب غسله, وباطن الفم والأنف يمكن غسله، فإنّهما يغسلان عادة وعبادة نفلاً في الوضوء وفرضاً في الجنابة (¬3).
2. إنَّ الفمَ داخلٌ من وجه، خارجٌ من وجهٍ حسَّاً عند انطباقِ الفمِ وانفتاحِه، وحكماً في ابتلاعِ الصَّائم الرِّيق، فحكمه حكم الداخل إذ لا يفطر به، وهذا آية كونه داخلاً، وفي دخولِ شيءٍ في فمِه، فحكمه حكم الخارج؛ إذ يفطر الصائم به، وهذا آية كونه خارجاً، فجعلَ داخلاً في الوضوءِ خارجاً في الغُسْل؛ لأنَّ الواردَ فيه صيغةُ المبالغة (¬4) {فَاطَّهَّرُوا} (¬5) (¬6).
¬
(¬1) وعند الشافعي - رضي الله عنه - سنة. ينظر: المنهاج وشرحه مغني المحتاج 1: 73، وغيرها.
(¬2) المائدة: من الآية 6.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 13، وغيره.
(¬4) إذ بسبب ورود صيغة المبالغة في الغسل دون الوضوء يكون افتراض غسل ما كان داخلاً من وجه وخارجاً من وجه، وفي الوضوء ما كان خارجاً من كل وجه كظاهر الوجه.
(¬5) من سورة المائدة، (6).
(¬6) ينظر: شرح الوقاية ص 91، وغيرها.
3. عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إذا اغتسل الرجل من الجنابة ولم يتمضمض ولم يستنشق، فليعد الوضوء وان ترك ذلك في الوضوء لم يعد» (¬1).
4. عن ابن سيرين - رضي الله عنه - قال: (سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستنشاق في الجنابة ثلاثاً) (¬2).
- لو تمضمضَ وقد بقيَ في أسنانِهِ طعامٌ فلا بأسَ به (¬3).
الثاني: غسل سائر البدن، لا دلكه (¬4)؛ لأن الدلك يكون متمماً فيكون مستحباً (¬5).
ويجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية كلها بحيث يصل إلى أصولها؛ إذ لا حرج فيه، ويجب غسل السرة والشارب والحاجب والفرج الخارج (¬6).
وحجة ذلك:
أ عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي أيوب، وعائشة، وغيرهم - رضي الله عنهم - بألفاظ متقاربة، قال - صلى الله عليه وسلم -: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) (¬7).
¬
(¬1) في الآثار 1: 13، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 183: الحديث حسن صالح للاحتجاج، و له شاهد صحيح من مرسل ابن سيرين.
(¬2) في سنن الدارقطني 1: 115، وصوبه البيهقي وصححه كما في إعلاء السنن 1: 183.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص91، وغيرها.
(¬4) ولا يجب الدلك إلا في رواية عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وكأنّ وجهه خصوص صيغة {فاطَّهروا}، فإن افتعّل للمبغالة، وهو أصله، وذلك الدلك. ينظر: فتح القدير 1: 50.
(¬5) ينظر: شرح ابن ملك ق8/أ، وغيره.
(¬6) ينظر: مجمع الأنهر 1: 21، وغيره.
(¬7) في جامع الترمذي 1: 178، واللفظ له، وسنن أبي داود 1: 65، ومجمع الزوائد 1: 272، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ومسند الربيع 1: 16، ومسند ابن راهويه 3: 964، ومسند الشاميين 1: 416، ومسند ابن الجعد 1: 35.
ب عن علي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن ترك موضع شعرة من جسده من جنابة لم يصبها الماء فعل به كذا وكذا من النار) (¬1). قال الخطابي: «وقد يحتج به مَن يوجب الاستنشاق في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر» (¬2).
- لو بقي العجين في الظفر فاغتسل لا يجزئ.
- لو بقي الدرن ـ الوسخ (¬3) ـ في الظفر فاغتسل فإنه يجزئ؛ لأنه متولد منه.
- لو بقي الطين في الظفر فاغتسل فإنه يجزئ؛ لأن الماء ينفذ فيه.
- لو بقي الحناء أو الصبغ فاغتسل فإنه يجزئ (¬4)؛ للحرج في إزالته. قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى: «وعلى هذا ما تبقى على أيدي عمال الدهان ونحوهم من آثار الدهان ونحوه، ولا يمكنهم حله بسهولة أو استمرار: لا يمنع طهارتهم للوضوء أو الغسل؛ لأنه لا يمكنهم الاحتراز عنه، مع التذكير لهم بالاحتراز منه ما أمكن» (¬5).
- لو ادَّهن ـ أي استعمل الدهن ـ كزيت وشيرج ونحوه بخلاف شحم وسمن جامد في عضو من أعضاءه، فإذا أسال الماء إليه ولم يصل إلى العضو، فإنه
¬
(¬1) في مسند أحمد 1: 101، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 96، وسنن البيهقي الكبير 1: 227، وسنن ابن ماجه 1: 196، والمعجم الصغير2: 179، والأحاديث المختارة 2: 74.
(¬2) ينظر: إعلاء السنن 1: 180، وغيره.
(¬3) ينظر: لسان العرب 2: 1368، وغيره.
(¬4) ينظر: شرح الوقاية ص91 - 92، وغيره.
(¬5) ينظر: هامش فتح باب العناية 1: 84.
يكفي دون ضرورة إزالة الدهن؛ لوجود غسل العضو (¬1).
- لو اغتسلت فعليها أن توصل الماء إلى ثُقبُ القُرْط ـ هو ما يعلق في شحمة الأذن (¬2) ـ إن كان القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّها أنَّ الماءَ لا يصلُ من غيرِ تحريك، فلا بدَّ من التحريك. فإن لم يكنْ القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّها أنَّ الماءَ يصلُ من غيرِ تكلُّفٍ لا تتكلَّف، وإن غلبَ على ظنِّها أنَّهُ لا يصلُ إلا بتكلُّفٍ تتكلَّف. وإن انضمَّ الثُّقْبُ بعدَ نزعِه، وصارَ بحالٍ إن أمرَّت الماءَ عليها يدخلها، وإن غفلَت لا يدخلها أمرَّت الماء، ولا تتكلَّفُ في إدخالِ شيءٍَ سوى الماءِ من خشبٍ أو نحوه؛ لأن المعتبر غلبة ظنه بوصول الماء (¬3).
- لو اغتسل وفي أُصْبَعِهِ خاتمٌ ضيقٌ يجبُ تحريكُه؛ ليصلَ الماءُ تحتَه.
- لو اغتسل وهو أَقْلَفِ ـ أي لم يختن (¬4) ـ فيجب عليه إدخالُ الماءِ داخلَ القُلْفَة (¬5) على الصحيح (¬6) وإن نزلَ البولُ إليها، ولم يخرجْ عنها نقضَ الوضوء، فلها حكمُ الظَّاهرِ من كلِّ وجه.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 104، وعمدة الرعاية 1: 78، وغيرها.
(¬2) ينظر: تاج العروس 20: 11.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص92، والدر المختار 1: 104.
(¬4) ينظر: تاج العروس 24: 282.
(¬5) القُلْفَة: جلدة الذَّكَرِ التي أُلبستها الحشفة، وهي التي تقطع من ذكر الصبي. ينظر: تاج العروس 24: 282.
(¬6) في التبيين 1: 14: وهو الصحيح، واختار ملا خسرو في غرر الأحكام 1: 17، والعيني في رمز الحقائق 1: 10 وصدر الشريعة في شرح الوقاية ص92 وشيخي زاده مجمع الأنهر 1: 21، والكردري، وصاحب الهداية في مختارات النوازل.
والثاني: استحباب إدخال الماء داخل القلفة، صححه الكمال في فتح القدير 1: 50، وتبعه الحصكفي في الدر المنتقى 1: 21، والدر المختار 1: 103، وابن نجيم في البحر 1: 51، واختاره صاحب الكنْز ص3، والملتقى ص4.
والثالث: التفصيل إذا كان يمكن فسخ القلفة بلا مشقة لا يجزئه تركه، وإلا أجزأه، صحح في الشرنبلالية 1: 17، والمراقي ص137. وتبعه اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 79.
ويخرج من فرض الغسل:
نقضُ المرأة ضفيرتِها (¬1)، فإنه لا يلزمها، ولا بلُّها على الأصحّ (¬2) إذا ابتلَّ أصلُها؛ بخلاف الرجل فيجب عليه نقضُها (¬3)، فعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله: (إنِّي امرأة أشدّ ضفرَ رأسي أفأنقضه؛ لغسل الجنابة، قال: لا، إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء) (¬4).
¬
(¬1) الضَّفيرة: الذُّؤابة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفرـ أي تجمع ـ وجمعها ضفائر. ينظر: اللسان 4: 2594.
(¬2) ذهب الفقيه أحمد بن إبراهيم: إنه عليها أن تبلّ ذوائبها وتعصرها، وقال: فائدة اشتراط العصر أن يبلغ الماء شعب قرونها. ينظر: المحيط البرهاني ص168، وغيره.
(¬3) فيه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان نظراً إلى العادة، وإلى عدم الضرورة، وذكر الصدر الشهيد أنه يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر في حقهم لعدم الضرورة، وللاحتياط، قال في الخلاصة: وفي شعر الرجل يفترض إيصال الماء إلى المسترسل، ولم يذكر غير ذلك، فكان هو الصحيح، عملاً بمقتضى المبالغة في الآية مع عدم الضرورة المخصصة في حقهم. ينظر: غنية المستملي ص48.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 259، واللفظ له، وصحيح ابن خزيمة 1: 122، والمنتقى 1: 35، وجامع الترمذي 1: 176، وتمامه في نصب الراية 1: 80.
وهذا إذا كانت ضفائرها مفتولة، أما إذا كانت منقوضة يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر كما في اللحية؛ لعدم الحرج (¬1).
المطلب الثاني: سنن الغُسل:
1. غسل يديه إلى رسغيه في ابتدائه؛ لأن غسل اليدين داخل في غسل سائر البدن، والمراد هنا غسل يديه قبل سائر الأعضاء؛ لكونهما آلة التطهير، وهذا بعد التسمية والنية بقلبه، ويقول بلسانه: نويت الغسل لرفع الحدث (¬2).
2. غسل فرجه؛ لأنه مظنّة النجاسة، والمرأة تغسل فرجها الخارج؛ لأنه بمنزلة الفم فيجب تطهيره (¬3).
3. إزالة النجاسة إن كانت على بدنه، فرفع النجاسة سنة على غير غسل الفرج؛ لأن الفرج غير مختص بوجود النجاسة عليه (¬4).
4. الوضوء إلا رجليه.
5. إفاضة الماء على كل بدنه ثلاثاً، بأن يبدأ برأسه ثم منكبه الأيمن ثم الأيسر، ثم باقي سائر جسده (¬5).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص 94، وغيرها.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر 1: 22، وغيره.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 14، ومجمع الأنهر 1: 22، وغيرها.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 1: 52، والدر المختار 1: 106، وغيرها.
(¬5) وهذا اختيار صاحب المراقي ص 141، وفتح باب العناية 1: 87، وتحفة الفقهاء 1: 29، والبدائع 1: 34، والهداية 1: 16، وفتح القدير 1: 51، والقدوري في مختصره ص 3، والتبيين 1: 14. والبحر 1: 52. وصححه في الدر المختار 1: 107، وقال: هو ظاهر الرواية.
والثاني: يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً ثم على رأسه، وعلى سائر جسده ثلاثاً، قاله الحلواني، واختاره صاحب التنوير 1: 107، وصححه في الغرر 1: 18.
والثالث: يبدأ بالأيمن ثلاثاً، ثم بالرأس، ثم بالأيسر. ينظر: التاتارخانية ق 21/ب، وحاشية الشلبي على التبيين 1: 14.
6. غسل رجليه، على أن لا يغسلهما في مكان مجتمع الماء المستعمل حتى إذا اغتسل على لوح أو حجر يغسل الرجلين هناك (¬1).
وحجة ذلك:
أ عن عائشة - رضي الله عنه -: (كان - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله) (¬2).
ب عن ميمونة رضي الله عنها: قالت: (صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال (¬3) بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم
¬
(¬1) ذهب هذا إلى التفصيل صدر الشريعة في شرح الوقاية ص93، صاحب التبيين ص14، والمراقي ص141، والتحفة 1: 29، والبحر ص52، وتحفة الملوك ص28، والبدائع ص1: 34، والهداية 1: 16، والاختيار 1: 19، ونبه ابن عابدين في رد المحتار 1: 106 أن الاختلاف في الأولوية لا في الجواز.
والثاني: ذهب إلى التقديم مطلقاً كصاحب الدر المختار 1: 106، وظاهر كلام النسفي في الكنْز ص4.
والثالث: ذهب إلى التأخير مطلقاً وهو ظاهر كلام القدوري في مختصره ص3، والحلبي في الملتقى ص4.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 99، وغيره.
(¬3) وهو من إطلاق القول على الفعل. ينظر: فتح الباري 1: 372، وغيره.
غسلها ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها) (¬1).
المطلب الثالث: موجبات الغُسل:
الأول: إنزال منيٍّ ذي دفق (¬2) وشهوة عند الانفصال (¬3) ولو في نوم، ولا فرق في هذا بين الرَّجل والمرأة (¬4)، حتى لو أنزل بلا شهوة لا يجب الغسل (¬5).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 102، وغيره.
(¬2) الدفق: هو سرعة الصب من رأس الذكر لا من مقرِّه. ينظر: رد المحتار 1: 108.
(¬3) التقييد بالدفق والشهوة ذكره صاحب الوقاية ص 94، الهداية 1: 17، والاختيار 1: 20، والكنْز ص 4، والملتقى ص 4، والقدوري في مختصره ص 3. فصورة إنزال المني على دفق وشهوة عند الانفصال موجب للغسل عند الإمام وصاحبيه - رضي الله عنهم -، وشرط الدفق إنما هو عند أبي يوسف لا عندهما، فلم يشترطا إلا الانفصال عن شهوة؛ لذا لم يقيد الإنزال بالدفق الشرنبلالي في المراقي ص 131، وملا خسرو في الغرر 1: 19، وصاحب التنوير 1: 109، وتبعه صاحب الدر المختار 1: 109، فقال الشرنبلالي: إذا انفصل عن مقرِّه بشهوة. وقد نبه على ذلك البابرتي في العناية على الهداية 1: 53، وصاحب مجمع الأنهر 1: 23، والحصكفي في الدر المنتقى 1: 23، ورد المحتار 1: 109، وغيرهم.
(¬4) وعن محمد في غير رواية الأصول: إذا تذكّرت الاحتلام والإنزال والتلذذ، ولم ترَ بللاً كان عليها الغسل، قال شمس الأئمة الحَلْوانيّ: لا يؤخذ بهذه الرواية. ينظر: شرح الوقاية ص 94، والمحيط البرهاني ص 180، وظاهر كلام صاحب الفتاوى البزازية 1: 11 يدل على الأخذ بها.
(¬5) وعند الشافعي لا تشترط الشهوة. ينظر: مغني المحتاج 1: 70، وشرح الشهاب الرملي على الستين مسألة مع حاشيته للدمياطي ص 44، وحاشية أحمد الميهي ص 24، وغيرها.
والانفصال عن موضعه ومستقره، وهو الصلب في الرجل، والترائب: أي عظام الصدر في المرأة، وهذا متعلق بقيد الشهوة لا بالدفق، فإنه لا يكون إلا عند الخروج (¬1).
والشهوة شرط وقت الانفصال (¬2)، ومن فروعه:
- لو انفصل عن مكانه بشهوة، وأخذ رأس العضو حتى سكنت شهوته فخرج بلا شهوة يجب الغسل.
- لو اغتسل قبل أن يبول، ثم خرج منه بقيّة المنيّ يجب غسل ثانٍ عليه (¬3).
والمَنِيّ عام يشمل ماء الرجل والمرأة، وله خواص يعرف بها، وهي:
1. الخروج بشهوة مع الفتور عقبه.
2. الرائحة كرائحة الطلع رطباً، ورائحة البيض يابساً.
3. الخروج بدفق ودفعات.
4. أنه أبيض خاثر ينكسر منه الذكر، هذا في مَنِيّ الرجل، وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق.
¬
(¬1) ينظر: السعاية 1: 310.
(¬2) هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف وقت الخروج، فلا يجب الغسل لو أمسك العضو ثم خرج بلا شهوة. ينظر: شرح الوقاية ص94، وغيرها.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص94، وغيرها.
والمذي: وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة بالملاعبة ونحوها من غير دفق.
والودي: وهو ماء أبيض كدر لا رائحة له يخرج بعد البول، وهما موجبان للوضوء لا للغسل (¬1).
وحجة ذلك:
أ عن علي - رضي الله عنه -، قال: (كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إذا حذفت (¬2) فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل) (¬3).
ب عن علي - رضي الله عنه -، قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذكر له. فقال لي: لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا أنضحت الماء فاغتسل) (¬4).
ت عن مجاهد سأل رجل ابن عباس - رضي الله عنه -: «إني كلما بلت تبعه الماء الدافق الذي يكون منه الولد ... فقال: أرأيت إذا كان منك، هل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 107، عمدة الرعاية 1: 81، اللباب 1: 16، وطلبة الطلبة ص18، وغيرها.
(¬2) الحذف: هو الرمي، وهو لا يكون بهذه الصفة إلا بشهوة. ينظر: إعلاء السنن 1: 186، وغيره.
(¬3) في مسند أحمد 1: 107، وغيره، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 186: رجاله كلهم ثقات إلا جواباً، فإنه صدوق رمي بالإرجاء، فالسند محتج به.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة 1: 15، وصحيح ابن حبان 3: 385، وسنن أبي داود 1: 53، والمجتبى 1: 111، وغيرها.
قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا. قال: إنما هذه بردة يجزيك منه الوضوء» (¬1).
الثاني: غيبة الحَشَفة ـ ما فوق الختان، وهي رأس الذَكَّر (¬2) ـ في قُبُل أو دُبُر على الفاعل والمفعول به، بدليل:
أ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل) (¬3)، وفي رواية: (وإن لم ينزل) (¬4).
ب عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال استأذنت على عائشة رضي الله عنها، فأذنت لي فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل) (¬5).
ت عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل) (¬6).
¬
(¬1) أخرجه الحاكم في تاريخه وسنده حسن. ينظر: إعلاء السنن 1: 189، وغيره.
(¬2) ينظر: لسان العرب 2: 887، وغيره.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح مسلم 1: 271، وغيرهما.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 271، وغيره.
(¬5) في صحيح مسلم 1: 271، وصحيح ابن خزيمة 1: 114، وصحيح ابن حبان 3: 452، وغيرها.
(¬6) في سنن ابن ماجة 1: 200، قال الكناني في المصباح 1: 82: إسناده ضعيف لضعف ابن أرطأة، وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 195: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
وفي لفظ: (وجب الغسل أنزل أو لم ينزل) (¬1).
ث عن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) (¬2).
ولا يجب الغُسل بوطء بهيمةٍ بلا إنزال؛ لأن موجب الغسل هو الإنزال، والايلاجُ أقيم مقامه؛ لكونه سبباً له مفضياً إليه غالباً، وهذه السببية إنما تتحقق فيما يتكامل فيه الشهوة، وفرج البهائم ليس كذلك؛ لنقصان السببية في اقتضاء الشهوة، وكذا وطء ميتة وصغيرة لا تُشْتَهَى (¬3).
الثالث: رؤية المستيقظ المَنِيّ أو المَذْي وإن لم يحتلم، ففي المَنِيِّ ظاهر؛ لأن بخروجه يجب الغُسل، وأمَّا في المَذْي؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيَّاً رَقَّ بحرارةِ البدن (¬4)، بدليل:
أ عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: (يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم إذا رأت الماء) (¬5).
¬
(¬1) في الآثار 1: 13، ومسند أبي حنيفة ص161، وغيرها.
(¬2) في سنن الترمذي 1: 182، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان 3: 452، وسنن النسائي 1: 108، وموطأ مالك 1: 46، وغيرها.
(¬3) ينظر: الوقاية ص95، وفتح باب العناية ص321، والسعاية ص321.
(¬4) هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يجب عليه حتى يتذكر الاحتلام؛ لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب إلا بيقين، وهو القياس، وهما أخذا بالاحتياط؛ لأن النائم غافل، والمني قد يرق بالهواء، فيصير مثل المذي، فيجب عليه احتياطاً. ينظر: التبيين 1: 16.
(¬5) في صحيح مسلم 1: 251، وصحيح البخاري 1: 108، وغيرها.
ب عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ قال: يغتسل. وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللاً؟ قال: لا غسل عليه. قالت أم سلمة: يا رسول الله هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم إن النساء شقائق الرجال) (¬1).
الرابع: انقطاع الحيض والنفاس؛ بدليل:
أ قوله - جل جلاله -: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَرْنَ} (¬2) على قراءة التشديد (¬3)، فإنه - جل جلاله - منع من قربانهن حتى يغتسلن، ولولا وجوبه لما منع (¬4).
ب عن عائشة رضي الله عنها: (إن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (¬5).
ت عن معاذ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مضى للنفساء سبع، ثم رأت الطهر، فلتغتسل ولتصل) (¬6).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 190، والسنن الصغرى 1: 112، والمنتقى 1: 33، وسنن أبي داود 1: 78، ومسند أحمد 6: 256، وغيرها.
(¬2) البقرة: من الآية222.
(¬3) قرأ بالتشديد عاصم في رواية أبي بكر، والمفضل، وحمزة، والكسائي. ينظر: السبعة في القراءات 1: 182، وحجة القراءات 1: 135، وغيرها.
(¬4) ينظر: الاختيار 1: 20، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 122، والمستدرك 1: 281، وغيرها.
(¬6) في المستدرك 1: 284،قال التهانوي في الإعلاء 1: 203:وإسناده صحيح على قاعدة الكنز المذكورة في خطبته.
- لو انقطع دم مشركة، ثمَّ أسلمتْ لا يلزمُها الاغتسال؛ إذ وقتُ الانقطاعِ كانت كافرة، وهي غيرُ مأمورةٍ بالشَّرائعِ عندنا، ومتى أسلمت لم يوجدْ السَّبب، وهو الانقطاع.
- لو أجنبتْ الكافرة، ثُمَّ أسلمت، حيث يجبُ عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابةَ أمرٌ مستمرّ، فتكون جُنُباً بعد الإسلام، والانقطاعُ غير مستمِّرٍ فافترقا (¬1).
تتمة:
• سنَّ الاغتسال للجمعة والعيدين والإحرام وعرفة، فغسل الجمعة سنَّ لصلاة الجمعة على الصحيح (¬2)، لكن العلامة عبد الغني النابلسي (¬3)، قال: ((إنهم صرَّحوا بأن هذه الأغسال الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أنه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء ثانياً مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث؛ لأن مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط)) ـ. وأيده على كلامه خاتمة المحققين ابن عابدين (¬4).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص95، وغيره.
(¬2) على قول أبي يوسف - رضي الله عنه - خلافاً للحسن بن زياد - رضي الله عنه -. ينظر: ذخيرة العقبى على شرح الوقاية ص12) ليوسف جلبي، والسراجية 1: 10. وثمرة الخلاف تظهر أن من لا تجب عليهم الجمعة كالنساء والصبيان لو اغتسل، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن - رضي الله عنه - لا عند أبي يوسف - رضي الله عنهم -.
(¬3) في نهاية العماد ص188 - 189.
(¬4) في رد المحتار 1: 114.
• وجب الغُسل للميت كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود, وإلا يأثم الكل, ويجب على من أسلم جنباً، وإلا ندب إن أسلم, ولم يكن جنباً، فإن الغُسل مندوب له (¬1).
• ندب الغُسل؛ لدخول مكة والمدينة ولمجنون أفاق ولصبي إذا بلغ بالسن وعند حجامة وفي ليلة براءة أو قدر إذا رآها, وعند الوقوف بمزدلفة غداة يوم النحر، وعند دخول مِنى يوم النحر، ولطواف الزيارة، ولصلاة كسوف، واستسقاء، وفزع، وظلمة، وريح شديد؛ لورود الأدلة المفيدة لذلك (¬2).
• • •
¬
(¬1) من أراد الاطلاع على الأحاديث في غسل الجمعة والعيدين والميت ومن أسلم فليرجع إلى إعلاء السنن 1: 209 - 222، وغيره.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر 1: 25، والهدية العلائية ص31، وغيرها.
المبحث الثالث
التيمم
تمهيد:
أولاً: لغة: التوخي والتعمّد، ويمّمَه: قصده (¬1). قال ابن عابدين - رضي الله عنه -: «مطلق القصد، قال - عز وجل -: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} (¬2)، بخلاف الحج فإن القصد إلى معظم» (¬3).
وتيمَّمتُ الصعيد تيمّماً وتأممت أيضاً، قال ابن السكيت قوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} (¬4): أي اقصدوا الصعيد الطيب، ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمّم في عرف الشرع عبارة عن استعمال التراب في الوجه واليدين على هيئة مخصوصة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القاموس 4: 195، وطلبة الطلبة ص 10، وغيرها.
(¬2) البقرة: من الآية 267.
(¬3) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 1: 229، وغيرها.
(¬4) النساء: من الآية 43.
(¬5) ينظر: المصباح المنير ص 681، وغيره.
ثانياً: اصطلاحاً:
1. القصد إلى الصعيد الطاهر للتطهير (¬1).
وزيف هذا التعريف بأن القصد شرط لا ركن؛ لأنه النية.
2. استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير بشرائط مخصوصة (¬2).
وزيف هذا: بأنه لا يشترط استعمال جزء من الأرض حتى يجوز بالحجر الأملس.
3. اسم لمسح الوجه واليدين عن الصعيد الطاهر (¬3).
والتيمم لم يكن مشروعاً لغير هذه الأمة, وإنما شرع رخصة لنا، والرخصة فيه من حيث الآلة حيث اكتفى بالصعيد الذي هو ملوث (¬4).
وحكمه: استباحة ما لا يحل إلا به (¬5).
¬
(¬1) ينظر: العناية 1: 121، وغيرها.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 1: 45، وغيرها.
(¬3) اختاره صاحب فتح القدير 1: 121، وأيده عليه صاحب البحر الرائق 1: 145، ورد المحتار 1: 230، وحاشية الشلبي 1: 38، وغيره.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 1: 146، وغيره.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 1: 145، وغيره.
المطلب الأول: شرائط التيمم:
الأول: النية؛ بأن ينوي قربة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة أو ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي الطهارة من الحدث أو الجنابة (¬1).
والعبادات على نوعين:
1. مقصودة: وهي أن تكون مشروعة ابتداءً تقرباً إلى الله من غير أن تكون تبعاً لغيرها، وبعبارة أخرى هي ما لا يجب في ضمن شيء آخر بالتبعية، مثل: الإسلام، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، والصلوات الخمس، وصلاة الجنازة، وغيرها، والمقصودة منها ما لا يصح أو يحلّ بدون الطهارة كالصلوات وسجدة التلاوة، ومنها ما يصح بدونها كالإسلام.
2. غير المقصودة: ما كانت خلاف المقصودة، مثل: دخول المسجد، ومس المصحف، ورد السلام، وقراءة الأذكار ونحوها (¬2).
- لو تيمم بنية صلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة فيجوز بهذا التيمم أداء المكتوبات، أما إن تيمم بنية لمس المصحف أو دخول المسجد فلا يصح بهذا التيمم الصلاة؛ لأنه لم ينو به قربة مقصودة، لكن يحل له مسّ المصحف ودخول المسجد.
- لو تيمم الجنب عن الوضوء كفى وجازت صلاته، ولا يحتاج أن يتيمم للجنابة، وكذا عكسه، لكن لا يقع تيممه للوضوء عن الجنابة؛ لأنه يصح تيمم
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص 107 - 108، والهدية العلائية ص 33، وغيرها.
(¬2) ينظر: عمدة الرعاية 1: 99، وغيرها.
جنب بنية الوضوء، وبه يفتى، ولا يشترط نية التيمم للحدث أو الجنابة على الصحيح (¬1).
- لو تيمم كافر لإسلامه، فإنه لا يجوز الصلاة بهذا التيمم (¬2)؛ لأن من شرائط صحّة النية الإسلام، فلا يجوز تيمم الكافر سواء نوى عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة أو لا (¬3)، ولكنه لو توضأ بلا نية فأسلم جازت صلاته بهذا الوضوء (¬4)، وكذلك لو توضأ بالنية فأسلم؛ لأن نية الكافر لغو؛ لعدم الأهلية (¬5).
الثاني: عدم القدرة على ماء يكفي لطهارته؛ حتى إذا كان للجنب ماء يكفي للوضوء لا للغُسل فإنه يتيمم (¬6)، ولا يجب عليه الوضوء، وإن كان مع الجنابة حدث يوجب الوضوء فيجب عليه الوضوء والتيمّم.
وحالات عدم القدرة على الماء:
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 1: 165، ورد المحتار 1: 165، والإيضاح (ق6/ب، وغيرها.
(¬2) هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يجوز إذا نوى قربة مقصودة؛ لأن الإسلام أعظم القرب، وأما أنها مقصودة؛ فلأن المراد بها هاهنا ما لا يكون في ضمن شيء آخر، وإذا كان كذلك صح تيممه كالمسلم تيمم للصلاة. ينظر: العناية 1: 115، وغيره.
(¬3) ينظر: رد المحتار 1: 165، وغيره.
(¬4) وعند الشافعي يشترط النية في الوضوء. ينظر: المنهاج 1: 47، وغيره.
(¬5) ينظر: شرح الوقاية ص108، وغيرها.
(¬6) وعند الشافعي يتوضأ ويتيمم. ينظر: مواهب الصمد ص29، ومغني المحتاج 1: 89، وغيره.
1. بعد الماء ميلاً؛ ولو مقيماً في المصر؛ لأن الشرط هو العدم، فأينما تحقق جاز
التيمم (¬1)، الميلُ ثلثُ الفرسخ (¬2)، وثلث الفرسخ، وهو أربع آلاف خطوة، وهي ذراع (¬3) ونصف بذراع العامة (¬4) (¬5). فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 1: 155.
(¬2) الفَرْسَخ: السُّكون، والفَرْسخ المسافة المعلومة من الأرض مأخوذة منه، وسمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن. ينظر: اللسان 5: 3381.
(¬3) الذراع من الإنسان: من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وأشهر أنواع الذراع الهاشمية، وهي 32 إصبعاً أو 64 سنتمتراً. ينظر: المعجم الوسيط 1: 311، وغيره.
(¬4) اختار هذا صاحب المراقي ص151، وفتح باب العناية 1: 164، وابن ملك في شرح الوقاية (ق12/ب. والبحر 1: 146، والعناية 1: 108، وصدر الشريعة في شرح الوقاية ص105، وغيرهم.
والثاني: إنه أربع آلاف ذراع، واختاره صاحب التبيين 1: 37، والبناية 1: 482، والهدية العلائية ص34، والدر المختار 1: 155.
والثالث: أنه ثلاث آلاف ذراع وخمسمئة إلى أربعة آلاف، وهو قول ابن شجاع.
والرابع: مَن ضبط الميل بسير القدم نصف ساعة. ينظر: حاشية الطحطاوي على المراقي ص114.
(¬5) اختلف في المسافة التي يعتبر فيها فاقداً للماء:
الأول: قال الحسن: إنما يكون الميل معتبراً إذا كان في طرف غير قدّامه بأن يكون الماء من الخلف أو اليمين أو اليسار حتى لو ذهب إليه المتوضئ يصير ميلاً ذهاباً وميلاً إياباً، وأما إذا كان قدامة فيعتبر أن يكون ميلين. كما في شرح الوقاية ص105، والسعاية493. وفي البدائع 1: 46) قالها الحسن من تلقاء نفسه.
الثاني: فصل بعضهم بين المقيم والمسافر، فقالوا: إن كان مقيماً يعتبر قدر ميل كيفما كان، وإن كان مسافراً والماء على يمينه أو يساره فكذلك، وإن كان أمامه يعتبر ميلين.
الثالث: روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه إن كان بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير ويحس أصواتهم أو أصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك، فهو بعيد.
الرابع: قال بعضهم: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء، فهو قريب، وإن كان لا يسمع، فهو بعيد.
الخامس: قال بعضهم: مقدار ما لا يسمع الأذان.
السادس: قال بعضهم: إذا خرج من المصر مقدار ما لا يسمع أو نودي من أقصى المصر، فهو بعيد. ينظر: بدائع الصنائع 1: 46، وغيرها.
بموضع يقال له: مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة) (¬1)، وعن نافع: «تيمم ابن عمر - رضي الله عنهم - على رأس ميل أو ميلين من المدينة فصلى العصر فقدم والشمس مرتفعة ولم يعد الصلاة» (¬2).
2. مرض؛ لقوله - جل جلاله -: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} (¬3)، وضابطه: أن لا يقدر معه على استعمال الماء، وإن استعمل الماء اشتدّ مرضه حتى لا يشترط خوف التلف (¬4)؛ لأن ضرر اشتداد المرض فوق ضرر زيادة الثمن، وهذا يبيح التيمم (¬5).
¬
(¬1) في المستدرك 1: 288، وصححه، ووقفه يحيى بن سعيد على ابن عمر - رضي الله عنهم -.
(¬2) في المستدرك 1: 289.
(¬3) النساء: من الآية43.
(¬4) وعند الشافعي كما في التنبيه ص16: إن خاف من استعمال الماء التلف لمرض تيمم وصلى ولا إعادة عليه، وإن خاف الزيادة في المرض، ففيه قولان: أصحهما أنه يتيمم ولا إعادة عليه.
(¬5) ينظر: شرح الوقاية ص105، وفتح باب العناية 1: 110، والتبيين 1: 235، وغيرها.
3. بَرْدٌ إن استعملَ الماء يضرُّه، بأن يخاف المقيم أو المسافر من استعمال الماء الهلاك، أو تلف العضو، أو المرض؛ لأن عدم الماء والدفء وإن كان نادراً فإنه لا ينافي إباحة التيمم (¬1)، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب. فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال رجاء إني سمعت أن الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬2)،فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) (¬3).
والتيمم من البرد خاص بالغسل لا بالوضوء على الصحيح (¬4).
4. عدوّ؛ يحول بينه وبين الماء سواء كان آدمياً أو غيره كالسبع، وإن كان حيةً أو ناراً، أو فاسقاً أو غريماً يحبسه بأن كان صاحب الدين عند الماء، وخاف المديون من الحبس (¬5). قال صدر الشريعة (¬6): «ويجب أن يعلم أن المانع عن الوضوء إذا كان
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز التيمم للبرد إلا في السفر؛ لأن الغالب في المصر وجدان الماء الحار وإمكان الاستدفاء. ينظر: فتح باب العناية 1: 110، وغيره.
(¬2) النساء: من الآية29.
(¬3) في المستدرك 1: 285، والسنن الصغرى 1: 185، وسنن البيهقي الكبير 1: 225، وسنن الدارقطني 1: 178، وسنن أبي داود 1: 92، ومسند أحمد 4: 203، وغيرها.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 110، وغيره.
(¬5) ينظر: رد المحتار 1: 106، وغيره.
(¬6) في شرح الوقاية ص113 عن الذخيرة البرهانية ق7/أ.
من جهة العباد كأسير يمنعه الكفار عن الوضوء كمحبوس في السجن، والذي قيل له: إن توضأت قتلتك يجوز له التيمم، لكن إذا زال المانع، فينبغي أن يعيد الصلاة».
5. عطش؛ بأنه إن استعملَ الماءَ خافَ العطش، أو وجد المسافر مثلاً ماءً مباحاً للشُّرب كما إذا كان في جُبٍّ ـ بئر (¬1) ـ مُعَدٍّ للشُّربِ فإنه يجوز له التَّيمُّم، إلاَّ إذا كان كثيراً فيستدل على أنه للشرب والوضوء (¬2).
6. عدم آلة؛ بأن تكون طاهرة يستخرج بها الماء: كالدلو وحبل ونحوه (¬3).
7. خوف فوت جميع تكبيرات صلاة جنازة أو عيد لغير الولي، ولو بناءً؛ لفواتهما لغير بدل، وليس من العذر: خوف فوت الجمعة والوقت؛ لأن لهما خلفاً، وهو الظهر في الجمعة، والقضاء في الوقتية (¬4)، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصلّ» (¬5)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم ثم صلى عليها» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: تاج العروس 2: 120.
(¬2) وعند الإمام الفضلي الماء الموضوع للشرب يجوز التوضؤ منه، والموضوع للوضوء لا يباح منه الشرب. ينظر: المحيط ص317، وشرح الوقاية ص106، وعمدة الرعاية 1: 96.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص106، والهدية العلائية ص34، وفتح باب العناية 1: 111.
(¬4) ينظر: الهدية العلائية ص34، وغيرها.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 497،ورجاله رجال مسلم إلا المغيرة، وهو محتج به. كما في إعلاء السنن 1: 300، ونصب الراية 1: 157، وغيرها.
(¬6) رواه البيهقي في المعرفة. ينظر: إعلاء السنن 1: 301، وغيره.
- لو خاف فوت صلاة العيد جاز له أن يتيمم ويشرع فيها.
- لو شرع في صلاة العيد متوضئاً ثم سبقه الحدث، ويخاف أنه إن توضأ تفوته الصلاة جاز له أن يتيمم؛ للبناء (¬1)؛ لأن خوف الفوت باق؛ لأنه يوم زحمة فربما اعتراه ما أفسد صلاته، وإن شرع بالتيمم، وسبقه الحدث جاز له التيمم للبناء.
- لو شرع الولي في صلاة العيد متيمماً لم يجز؛ لأن الولي ينتظر، ولو صلوا، فإن له حق الإعادة (¬2).
الثالث: أن يكون المضروب عليه من جنس الأرض على الصحيح (¬3)؛ كالتراب والرمل والحجر والكحل والزِّرنيخ (¬4)،وإن كان بلا نقع ـ غبار (¬5) ـ، حتى لو ضرب على حجر أملس أو حائط لا غبار عليه، أو على أرض نديّة ولم يلتزق بيده منه
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة خلافاً لهما: لعدم خوف الفوت؛ إذ اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام، والأظهر قولهما كما في فتح باب العناية 1: 167، وفي الدر المختار 1: 162: صحح قوله.
(¬2) ينظر: شرح ابن ملك ق13/أ. وصححه صاحب الهداية 1: 27، والخانية 1: 63، وكافي النسفي، وفي ظاهر الرواية يجوز للولي أيضاً؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وصحَّحه شمس الأئمة الحلواني. ينظر: رد المحتار 1: 161.
(¬3) هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وصححه في المحيط ص269، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا بالتراب أوالرمل، وعند الشافعي كما في المنهاج 1: 96: يتيمم بكل تراب طاهر حتى ما يداوى به، وبرمل فيه غبار.
(¬4) الزِّرنيخ: بالكسر: حجرٌ معروف، وله أنواع كثيرة، منه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أصفر. ينظر: تاج العروس7: 263.
(¬5) ينظر: مختار الصحاح ص676، وغيره.
شيء جاز؛ لأن المعتبر الإمساس، بدليل أنه إن نفضهما تناثر ما عليهما من التراب (¬1).
وحجة ذلك:
أ قوله - جل جلاله -: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} (¬2)، والصعيد اسم لما ظهر على وجه الأرض من جنسها (¬3).
ب عن حذيفة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) (¬4).
ت عن أبي الجهيم - رضي الله عنه -: (أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - من نحو بئر جمل فلقيه عليه، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام) (¬5).
ث عن عائشة رضي الله عنها: قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا واقع بعض أهله فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم) (¬6).
¬
(¬1) وهذا عند أبي حنيفة ورواية عن محمد، وعند محمد والشافعي لا يجوز بلا نقع. ينظر: فتح باب العناية 1: 115، وغيره.
(¬2) النساء: من الآية43.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية 1: 115، وغيرها.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 371، وصحيح ابن حبان 4: 595، وغيرهما.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 129، وصحيح ابن خزيمة 1: 139، وصحيح ابن حبان 3: 85، وغيرها.
(¬6) في المعجم الأوسط 1: 202، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 264: وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس.
ويعضده ما روت السيدة عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم) (¬1).
والحدُّ الفاصل بين جنس الأرض وغيره أن كل ما يحترق بالنار فيصير رماداً: كالشجر، والحشيش، أو ينطبع ويلين: كالحديد، والصفر، والذهب، والزجاج، ونحوها، وكل ما تأكله الأرض ليس من جنسها كالحنطة والشعير وسائر الحبوب، فليس من جنس الأرض، فلا يجوز التيمم به بلا نقع ـ أي غبار ـ، وما كان من جنسها فيجوز بلا غبار (¬2).
ويجوز التيمم على الغبار مع القدر على الصعيد، حتى لو تيمم بغبار ثوبه، أو كنس داراً، أو كال حنطة، أو هدم بيتاً، أو هبَّت الريح فارتفع الغبار وأصاب وجهه وذراعيه فمسح بنيّة التيمم جاز؛ لأن الغبار جزء من التراب (¬3).
ويجوز التيمم على الطين على الصحيح؛ لأن الواجب وضع اليد على الأرض لا استعمال جزء منها، والطين من جنس الأرض، إلا إذا صار مغلوباً بالماء فلا يجوز التيمم به (¬4).
¬
(¬1) في سنن البيقهي الكبير 1: 200، وإسناده حسن، كما في فتح الباري. ينظر: إعلاء السنن 1: 312، وغيرها.
(¬2) ينظر: التبيين 1: 39، وتحفة الفقهاء 1: 41، وغيرها.
(¬3) وقال أبو يوسف: لا يجوز؛ لأنه تراب ناقص إلا إذا عجز عن التراب للضرورة. ينظر: فتح باب العناية 1: 115 - 116، وشرح الوقاية ص107، وغيرها.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 116، وغيره.