المسائل المخالفة لرسم المفتي ...
....... في مختصر القدوري
جارٍ تحميل الكتاب…
المسائل المخالفة لرسم المفتي ...
....... في مختصر القدوري
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
المسائل المخالفة لرسم المفتي
في مختصر القدوري
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة دراسات \علوم الشريعة والقانون\ الجامعة الأردنية.
ملخص البحث:
اهتم البحث بإظهار عِلم رسم المفتي، وهو علم تطبيق الفقه؛ لأنَّه الحلقة ما بين المكلّفين والواقع وبين مسائل المجتهدين، وبدون الالتفات إليه يكون علم الفقه عسيراً ونظرياً، وذلك باستخراج مسائل من أشهر كتب مختصرات الفقه الحنفي، وهو «مختصر القُدُوريّ»، التي تمسَّك فيها بظاهر الرِّواية، وخالف قواعد الرسم من: العرف، وفساد الزمان، والمصلحة، والتيسير، ورفع الحرج، فكانت الفتوى على خلاف ما عليه المتن؛ مراعاة للرسم من قبل علماء المذهب حيث نصوا على ذلك، فكان المبحث الأول في بيان الدرجة الرفعية لـ «مختصر القُدُوريّ»، والتعريف بعلم الرسم وأهميته، والمبحث الثّاني في المسائل المخالفة للرّسم، ببيان المسائل المخالفة للعرف وهي عشرة، والمسائل المخالفة لفساد الزمان وهي ستة، والمسائل المخالفة للمصلحة وهي اثنتان، والمسائل المخالفة للتيسير ورفع الحرج، وهي أربعة، بالمقارنة مع كتب المذهب الحنفي، وختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم النتائج.
Contrary issues to "Rasem AL-Mufti" in "Mukhtasar Al- Koddouri"
Abstract
The research interest to show "Rasem AL- Mufti" science that is the application of jurisprudence; because this science is loop between charge of actions and reality and between hardworking issues, Without paying attention to this science Fiqh will be difficult and theoretically, and by taking out the issues from famous books about summaries of jurisprudence, "Mukhtasar Al- Koddouri",that books hold out-narration of Hadith and bucking the Rasem rules like customs, the corruption of the time, the interesting, facilitating and lift the embarrassment, so Fatwa was unlike what it Maten into account the Rasem by scientists of doctrine where they mentioned that, while it
was the first section in a high grade for "Mukhtasar Al- Koddouri". Also the definition of Rasem science and its importance, while second section is contrary issues to Rasem , by showing contrary issues to customs, the corruption of the time, the interesting, facilitating and lift the embarrassment, in comparison with the books of doctrine. In concluded of research showed the most important results
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فقد بلغ «مختصر القُدُوريّ» مرتبة رفيعة بين متون الفقه الحنفي خصوصاً وكتب الفقه الإسلامي عموماً، فكان بمنزلة الأم لمختصرات الحنفية الفقهية، فكل المتون معتمدةٌ عليه، واعتنى به العلماء عناية فائقة جداً، فبلغت شروحه المئات، ونُظِم مرّات ومَرّات في أبيات شعرية؛ تسهيلاً على الطلبة لحفظه، واختصر من بعض العلماء، واستدرك عليه من آخرين، وترجم إلى العديد من اللغات، كما بيَّنه الباحث في المبحث الأول.
ورغب العلماء في تدريسه للطلبة؛ لاحتوائه على أمهات مسائل الأبواب وأهمها، واشتماله على جميع الأبواب الفقهية، واحتوائه على المعتمد في المذهب من ظاهر الرِّواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فدُرِّسَ في المناهج المختلفة منذ قرون عديدة، فمَن نظر في كتب التاريخ مثل: «الضوء اللامع» (¬1) للسخاوي (¬2) يجد في ترجمة علماء الحنفية أنَّهم حفظوا ودرّسوا «مختصر القُدُوريّ».
وفي عصرنا الحاضر ما يزال «مختصر القُدُوريّ» يحافظ على رفعته، حيث اعتنى جمعٌ من العلماء المعاصرين بشرحه والتعليق عليه وتحقيق مجموعة من شروحه، وتدريسه في المناهج الدراسية المعتنية بالفقه الحنفي في الهند وباكستان وبنغلادش وتركيا وأواسط أسيا والصِّين والعراق والشَّام وأوربا وأمريكا وغيرها، كما بيَّنه الباحث في المبحث الأول.
وأهمية البحث تظهر من أهمية «مختصر القُدُوريّ» محلّ الدراسة الذي بلغ مقاماً عالياً بين الكتب الفقهية، وكان محلّ عناية واهتمام من الباحثين والطلبة، واشتهر وشاع ذكره، وكثر الاعتناء به والرجوع إليه في معرفة المعتمد من المذهب الحنفي.
¬
(¬1) ينظر: السخاوي، الضوء اللامع 1: 60، 2: 195، 4: 22، 98، 226.
(¬2) وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي القاهري الشافعي، من مؤلفاته: المقاصد الحسنة، وفتح المغيث، وارتياح الأكباد بفقد الأولاد، (ت902هـ). ينظر: الضوء اللامع8: 2 - 32.
ففي هذا البحث نسعى إلى استخراج المسائل التي خالف فيها الإمام القُدُوريّ في «مختصره المشهور» للمعتمد في الفتوى فيما يعتبر فيه قواعد رسم المفتي: أي مما تتغير الفتوى فيه بتغير العرف وفساد الزمان والمصلحة والتيسير ودفع الحرج، وفي هذا فوائد جليلة، ومنها:
عدم الاغترار بوجود هذه المسائل في «مختصر القُدُوريّ» للفتوى بها.
وتنبيه للباحثين والدارسين على أنَّ بعض المسائل تختلف الفتوى فيها بحسب أصول التطبيق المسماة قواعد رسم المفتي.
ومعرفة حيوية الفقه وعدم جموده على أقوال المجتهدين الأوائل، وصلاحيته للتطبيق والتنظيم؛ لأنَّ كثيراً مما اجتهدوا فيه كان مناسباً لعصرهم وزمانهم، وهو يتغيّر بالنّظر لعلم رسم المفتي.
والتّعريف بأنَّ رسمَ المفتي يُمثل حلقةَ ما بين المسائل الفقهية المدونة وبين تطبيقها في الواقع، حتى لا تكون أحكامنا نظرية، فبدون مراعاة قواعد رسم المفتي يصعب علينا العمل في الفقه وفهمه.
وفي هذا البحث اعتنيتُ ببيان تطبيق علمائنا للرَّسم ومخالفتهم لما عليه أَصل المذهب عندما تغيّر العرف أو فسد الزَّمان أو تحققت ضرورة ومصلحة، وهذا أحوج ما نحتاج إليه في فهم فقه أئمتنا.
ومشكلة البحث تكمن في الإجابة عن سؤال رئيسي، وهو هل وجد في «مختصر القُدُوريّ» المشهور مسائل مخالفة للمفتى به استناداً لقواعد رسم المفتي؟ ويَتفرَّع عليه:
1.ما المقصود برسم المفتي؟
2.هل خالف القُدُوريّ قاعدة العرف في مسائل؟
3.هل خالف القُدُوريّ قاعدة فساد الزمان في مسائل؟
4.هل خالف القُدُوريّ قاعدة المصلحة في مسائل؟
5.هل خالف القُدُوريّ قاعدة التيسير ورفع الحرج في مسائل؟
والدراسات السابقة: رغم التتبع الشديد، لم يقف الباحث على دراسة خاصة تعتني بدراسة قواعد رسم المفتي وتطبيقها على «مختصر القُدُوريّ»، وبيان المسائل المفتى بها في المذهب الحنفي على خلاف ما في «مختصر القُدُوريّ» استناداً للرسم؛ لأنَّ الدراسة في علم رسم المفتي ما زالت في بدايتها وأكثر الباحثين لا يدركون معنى الرسم وأهميته حتى تكثر الدراسات المختلفة عليه فنتعلم علم تطبيق الفقه.
والمنهج المتبع في الدِّراسة: هو المنهجُ الاستقرائي لفروع «مختصر القُدُوريّ»، ثم المنهج المقارن بين «مختصر القُدُوريّ» والكتب الأخرى المعتمدة في المذهب؛ لاستخراج المسائل التي خالف القُدُوريّ فيها المفتى
به في المذهب اعتماداً على ظاهر الرواية، ومناقشة المسائل من ناحية فقهية مذهبية لمعرفة المعتمد، ثمّ المنهج التَّحليلي؛ لبيان سبب المخالفة بتوضيح نوع القاعدة من قواعد رسم المفتي التي تمّ تطبيقها على المسألة وترك ظاهر الرِّواية.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمت البحث إلى مبحثين:
المبحث الأول: في بيان درجة «مختصر القُدُوريّ» ورسم المفتي.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في بيان درجة «مختصر القُدُوريّ».
والمطلب الثاني: في بيان رسم المفتي.
المبحث الثاني: في اختيارات القُدُوريّ المخالفة لرسم المفتي:
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: اختياراته المخالفة للعرف.
المطلب الثاني: اختياراته المخالفة لفساد الزمان.
المطلب الثالث: اختياراته المخالفة للمصلحة.
المطلب الرابع: اختياراته المخالفة لدفع الحرج والتيسير.
وخاتمة في أهم النتائج للبحث.
سائلاً الله - عز وجل - أن ييسر لنا تحقيق المراد.
* * *
المبحث الأول
في درجة «مختصر القُدُوريّ»
ورسم الممفتي
المطلب الأول: درجة «مختصر القُدُوريّ»:
يعتبر «مختصر القُدُوريّ» من أبرز متون الفقه الإسلامي عموماً والفقه الحنفي خصوصاً شهرةً وقبولاً وتدريساً وتعليماً وإفادة وحفظاً وشرحاً واهتماماً، كما يظهر من خلال النقاط الآتي:
أولاً: يُعَدُّ القُدُوريّ الأساس المتين لمن لحقه من كتب المذهب:
فهو أشبه بأن يكون الأم لمتون الفقه الحنفي، فهي مستندة ومبنية عليه، ويظهر ذلك فيما يلي:
1. «تحفة الفقهاء»: لمحمد بن أحمد السمرقندي، علاء الدِّين، (ت537هـ)، ضمنه مختصر القُدُوريّ مع زيادات واستدلالات (محمد، د. هـ).
2. «بداية المبتدي»: لعلي بن أبي بكر المرغيناني، جمع بين: «مختصر القُدُوريّ»، و «الجامع الصغير»، وشرحه بـ «كفاية المنتهي» ثم اختصرها في «الهداية» (ت593هـ) (مصطفى، د. هـ).
3. «مجمع البحرين وملتقى النيرين»: لابن الساعاتي، (ت بعد682هـ)، جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي مع زوائد، ورتبه فأحسن، وأبدع في اختصاره (محمود، د. هـ).
4. «الوافي»: للنسفي، (ت710هـ)، وهو متن جمع فيه بين «مختصر القُدُوريّ» و «الجامعين: الكبير والصغير» و «الزيادات» للشيباني، وأضاف إليها «منظومة النَّسفيّ»، وواقعات أخرى (سائد، 2010م).
5. «ملتقى الأبحر»، لإبراهيم الحلبي (ت956هـ): قال ابن الحنبلي: «جمع فيه بين القُدُوريّ والمختار والكنز والوقاية، مع فوائد أخرى»، ... (محمد، 1945م).
ثانياً: شُرح في مئات الشروح من قبل آكابر علماء المذهب:
فجمعت عليه في عجالة من «الأعلام» للزركلي، و «معجم المؤلفين»، و «كشف الظنون»، و «الفهرس الشامل»، و «خزانة التراث»،
و «مقدمة اللباب»، و «نزهة النظر» أكثر من مئة شرح، أقتصر على ذكر بعضها خشية الإطالة:
1. «مُلتمس الاخوان ومُبْتَغى الأحباب والخلّان شرح مختصر القُدُوريّ»: لعبد الرب بن منصور بن إسماعيل بن إبراهيم الغَزْنوي، أبي المعالي، (ت نحو 500هـ) (مصطفى، د. هـ)، و (عمر، 1414هـ).
2. «اللباب شرح الكتاب»: للمطهر بن الحسين بن سعد بن علي ابن بندار اليَزدي، أبي سعيد، جمال الدين، ويعرف بشيخ الإسلام، (ت بعد559هـ) (مصطفى، د. هـ)، و (خير الدين، 2002م).
3. «زاد الفقهاء شرح القُدُوريّ»: لمحمد بن أحمد الإسبيجابي، بهاء الدين، أبي المعالي، (ت591هـ) (مصطفى، د. هـ)، جاري العمل على تحقيقه في جامعة العلوم الإسلامية في الأردن.
ثالثاً: نُظمت مسائله شعراً مرّات عديدة، ومنها:
3.نظمٌ لمختصر القُدُوريّ: لأبي بكر بن علي العاملي الحنفي، سراج الدين، (ت769هـ) (مصطفى، د. هـ).
4.نظمٌ لمختصر القُدُوريّ: لإسحاق بن محمد البخشي الحلبي الخلوتي، (ت1140 هـ) (عمر، 1414هـ).
رابعاً: الثناء على مكانته ورفعته من قِبَلِ الكثيرين، ومنها:
قال الرازي: «ألّف مختصراً برَّز في تصنيفه، وجوَّد في تريبه وترصيفه، وأغنى به مع وجازة لفظه، وجزالة المعنى، مع كثرة المسائل، والإيماء إلى الدلائل، حيث لا غنية للمبتدي عن دراسته وقراءته، ولا مندوحة للمنتهي عن مراجعته ومطالعته ... » (سائد، 2010م).
وقال الزَّاهديّ: «وهو أعظم دواوين الفقه بركةً وخطراً، وأرفعُها شأناً وقدراً، وأدورها في أندية الفضلاء والمدارس، وأيمنُها للمدرِّس والدارِس» (مختار، مخطوط).
وقال عمر بن دانشمند: «إنَّ كتاب القُدُوريّ قد تباهَجَ به الطالبون، وتفاخَرَ به الراغبون، حتى صار عمدةً بينهم، وفَخْرةً في مجالسهم، فلم يزالون مشتغلين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان، وذلك لكونه أجمل كتاب في الإيجاز، وأشمله على مختار الفتوى» (سائد، 2010م).
خامساً: تُرجم إلى لغات عديدة، ومن تراجمه:
1.ترجمة لمختصر القُدُوريّ للفارسية: لحسن بن أبي القاسم (ت985هـ) (سائد، 2010م).
2. ترجمة لمختصر القُدُوريّ للتركية: لإسماعيل مفيد أفندي (ت قبل 1248هـ) (سائد، 2010م).
3.ترجمة وشرح كتاب الجهاد من مختصر القُدُوريّ للألمانية: لروز غولر، طبع في لايبسك سنة 1825م (سائد، 2010م).
4. ترجمة لكتاب النكاح من مختصر القُدُوريّ للألمانية: لهلمسد رفر، طبع في فرانكفورت سنة (1832هـ) (سائد، 2010م).
5. ترجمة مختصر القُدُوريّ للانجليزية: لإسماعيل إبراهيم، طبع في بريطانيا. http://www.amazon.com/ABRIDGED-MANUAL-MUSLIM
المطلب الثاني: رسم المفتي:
وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي، فهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وفساد الزمان، والعرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
وهذه المصطلحات لرسم المفتي هي المستخدمة في عامة الكتب الفقهية عند تعليل المسائل، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما بحاجةٍ إلى بحثٍ مستقل لبيان المصطلح المقصود منها على التمام، وذكر الفقهاء لها بهذه الأسماء المتعدِّدة يدلُّ على وجودِ فرق بينها، فالحاجةُ أقلُّ رتبةً من الضَّرورة، ورفع الحرج فيما يضرّ بالإنسان في حين التّيسير على الأسهل وإن لم يكن ضرر، وفساد الزَّمان فيما لو وقع فساد فحصل تغيير للحكم نتيجة هذا الفساد، وأمَّا العرف فهو اختلاف الزمان مطلقا وإن لم يكن فساد.
وتاريخ الرّسم يرجع لأوّل التّشريع: إذ الكلام في هذا العلم مؤسس في القرآن من اعتبار الضّرورة: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119]، والتّيسير: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، ورفع الحرج: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78].
والسّنّةُ النّبويّةُ طافحةٌ بتطبيقاته منها: حديث طهارة سؤر الهرة: «إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطوّافين عليكم أو الطوّافات» (محمد، د. هـ)، وقال: حسن صحيح، و (سليمان، د. هـ)، و (مالك، د. هـ)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يسّروا ولا تعسّروا» (محمد، 1407هـ)، و (مسلم، د. هـ)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدّين يسر» (محمد، 1407هـ)، وقول السيّدة عائشة رضي
الله عنها: «ما خيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» (محمد، 1407هـ)، و (مسلم، د. هـ).
والحكم الشرعيّ له طرفان: طرف في كيفيّة استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفيّة تطبيقه ويكون برسم المفتي.
وهذا الترتيب يعطي للأحكام الفقهيّة ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحّقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة، قال ابن عابدين (محمد، د. هـ): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
فكثيرٌ مِنَ الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
وقال أيضاً (محمد، د. هـ): «لا بُدّ للحاكمِ من فقه في أحكام الحوادث الكليّة، وفقه في نفسِ الواقع وأحوال النّاس، يميِّز به بين
الصّادق والكاذب، والمحقّ والمبطل، ثمّ يُطابقُ بين هذا وهذا، فيُعطى الواقعَ حكمَه من الواجب، ولا يَجعل الواجبَ مُخالفاً للواقع.
وكذا المفتي الذي يُفتي بالعُرف لا بُدّ له من معرفة الزّمان وأحوالِ أَهلِه ومعرفة أنَّ هذا العرفَ خاصٌّ أو عامٌ، وأنَّه مخالفٌ للنّصِّ أو لا، ولا بدّ له من التّخرُّج على أُستاذٍ ماهرٍ ولا يَكفيه مجرّدُ حفظ المسائل والدّلائل، فإنَّ المجتهدَ لا بُدّ له من معرفةِ عاداتِ الناس، كما قدّمناه فكذا المفتي.
ولذا قال في آخر «منية المفتي»: لو أنَّ الرَّجلَ حفظ جميعَ كتب أَصحابنا لا بُدّ أن يَتَّلْمَذَ للفتوى حتى يهتدي إليها؛ لأنَّ كثيراً من المسائلِ يُجاب عنه على عادات أهل الزَّمان فيما لا يُخالف الشّريعة».
وهذا العلم ينبغي أن يَنال الاهتمام الثاني من الدّارس بعد دراسة الفروع الفقهية؛ إذ يمثل الجانب العمليّ التطبيقيّ للفقه، فلا سبيل لنا للتّرجيح بين الأقوال الفقهيّة إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالرّوح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للنّاس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ
للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وأحوج ما نحتاج إليه في هذه الأيّام هو إظهارُ رسم المفتي في علمٍ مستقلٍّ له قواعدُه وأسسُه ومبادئه، متيسِّرُ الدراسة لكلِّ المتفقهة، ويكون أحد البرامج المقرَّرة في المدارس الشرعيّة وكليّات الشريعة، وبدون ذلك سنبقى في دراستنا الشرعيّة أقرب إلى النّظرية من التّطبيق.
وهذا العلمُ هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في التّرجيح والتّفريع والتّطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسّنّة والآثار والتّرجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هي الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيّةٌ مليئةٌ بقواعدِ
الإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة والعرف والتيسير، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
المبحث الثاني: في اختيارات القُدُوريّ المخالفة لرسم المفتي:
المطلب الأول: في اختياراته المخالفة للعرف:
إنَّ أكثر قاعدة من قواعد الرسم التي تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس، قال (عبد الملك، د. هـ): «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها»، وقال (عبد الملك، د. هـ): «والتّعويل في التّفاصيل على العرف، وأعرف النّاس به أعرفهم بفقه المعاملات»؛ لأنَّ العرف من الجانب التَّطبيقيّ للفقه، وليس من الجانب الاستنباطيّ للحكم كما يظنّه عامّة المعاصرين، ويقصد الباحث بالاستنباط قواعد أصول الفقه التي تستخدم في استخراج الأحكام من القرآن والسنة، والعرف يراعى عند تطبيق الأحكام، ومَرَدُّه إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظ ونريد بها معاني معيّنة تعارفنا في إطلاقها عليها، وإن كان اللّفظ عامّاً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطّيور والبقر
والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلّم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم (تخريج الحكم)، فالحكم في نفسه ثابت من الشّارع الحكم، والعرف لا يغيّر الحكم، لكن الحكم مبنيّ على علّة، وهذه العلّة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق وتخريج الحكم لذلك، مثاله: أنَّ الحكم عدم قبول إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 28]، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يَحتج للتّزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف (علاء الدين، 1402هـ).
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنيين البتّة، فلا يكون مغيّراً للحكم الشرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
وأما المسائل التي اختارها القُدُوريّ مخالفاً للعرف، فهي:
المسألة الأولى:
اختياره سقوط خيار الرّؤية برؤية صحن الدَّار بدون غرفها:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وإن رأى صحن الدار فلا خيار له، وإن لم يشاهد بيوتها».
والمعتمد في المذهب: عدم سقوط خيار الرؤية إلا برؤية الغرف، وهو قول زفر، وهو القياس؛ لأنَّ ذلك قد يختلف من دار إلى دار فلا تكفي رؤية صحن الدار لتحقّق المقصود، وقال في «شرح الأقطع»: والصحيح ما قاله زفر (محمود، 1980مـ).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه ظاهر الرِّواية، وأَفتى به أبو حنيفة - رضي الله عنه - لما رأى بالكوفة، فإنَّ تقطيع الدار لا يختلف عندهم بالصّغير والكبير، فأغنت رؤية صحن الدار عن رؤية الغرف لتحقّق المقصود.
وعُمِل بغير ظاهر الرِّواية؛ لتحقيق المبنى لظاهر الرِّواية، وهو رؤية المقصود من المبيع، فإنَّه مختلفٌ على حسب العرف من زمان إلى زمان ومكان إلى مكان؛ لأنَّ العُرف يرشدنا إلى تحقّق وجود علّة الحكم أم لا، والعلّة هنا: هي رؤيةُ المقصود في المبيع، حيث كانت متحقِّقة في زمن أبي حنيفة برؤية الصَّحن، وفي زمن زُفر برؤية الغرف.
المسألة الثانية:
اختياره أنَّ الضرب في الأعداد لتكثير الأجزاء:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وإن قال: له عَلَيَّ خمسةٌ في خمسةٍ يريدُ به الضربَ والحسابَ لزمه خمسة واحدة».
والمعتمد في المذهب: أنَّ الضرب يفيد تكثير المعدود، وهو قول زفر، ورجَّحه ابن الهمام (محمد، د. هـ)، واللكنوي (عبد الحي، 2009م)، وإليه يميل كلام ابن عابدين (محمد، 1992م)، فيلزمه خمسة وعشرون؛ لأنَّ هذا اللفظَ في العادة يعبَّرُ به عن خمسة وعشرين.
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو موافقة ظاهر الرِّواية عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ حقيقةَ الضرب إنَّما يتحقّق فيما له مساحة فيكثر أجزاءه فبدل أن نقول هذه الأرض خمسة متر مربع، فإننا نقول: خمسة متر في خمسة متر ونقصد أنها خمسة قطع كلّ قطعة متر في متر حيث كثّرنا أجزاءها، ولم نكثّر ذاتها، فهي خمس متر مربع، وذلك لا يتحقّق في الأعداد، فلا يصحّ
فيها الضَّرب على هذا التّفكير لعدم التّكثير لأجزائها، وإنَّما يذكر ذلك فيها مجازاً، ولأنَّ أثرَ الضرب في تكثير الأجزاء لا في تكثير المال، فمثلاً: خمسة دنانير في خمسة دنانير يُراد بها أنَّ خمسةَ دنانير مُكوّنة من خمسة قطع كلُّ واحدةٍ ديناراً، بدلاً من أن تكون خمسة دنانير قطعةً واحدةً، (محمد، 1992م).
وترك ظاهر الرِّواية سببه العرف؛ لأنَّ المسألة مبناها على العرف في المقصود من الضرب، فلم يكن يطلق الضرب في زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ويراد به الضرب المعروف، وإنَّما تكثير الأجزاء فحسب، في حين كان في عرف البصرة عند زفر - رضي الله عنه - يراد به تكثير المعدود، وهو الضرب المعروف، وهو الشائع فيما بعده من الأزمنة والأمكنة، فكانت الفتوى على قول زفر - رضي الله عنه -، وفي زماننا المعاصر نعمل بقول زفر ديانة وقضاء من اعتبار تكثير المعدود؛ لأنه المتعارفه عند الإطلاق، والله أعلم.
المسألة الثالثة:
اختياره عدم جواز بيع دود القز والنحل منفرداً:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «ولا يجوز بيع دود القَزّ إلاّ أن يكون مع القَزّ، ولا النّحل إلاّ مع الكُوارات».
والكُّوارة: مَعْسَلُ النَّحل إذا سُوِّي من طينٍ (محمد، د. هـ) أو غيره مما يناسب النحل.
والمعتمد في المذهب: جواز بيع دود القزّ والنحل منفرداً على قول محمّد - رضي الله عنه - إن كان منتفعاً به، فيكون متقوماً، فيصح العقد عليه، وقال العَيني (محمود، 1299هـ)، وشيخي زاده (عبد الرحمن، 1316هـ) والحَصْكَفي (محمد، 1316هـ) والحَلَبي (إبراهيم، 1409هـ): «الفتوى على قول محمد - رضي الله عنه -».قال في «الخلاصة»: «وفي بيع دود القَزِّ الفتوى على قول مُحمّد - رضي الله عنه - أنَّه يجوز»، وكذا قال الصدر الشهيد في «واقعاته»، وتبعه النَّسفي، وكذلك قال في «المحيط»» (قاسم، 2002م).
ولعلّ سبب اختيار القُدُوريّ عدم جواز البيع لدود القزّ والنحل: أنَّه قول عند أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ - رضي الله عنهم -، حيث لم يكن منتفعاً به في زمانهما، ولا بجزء منهما، فيكونَ البيعُ باطلاً عندهما؛ لعدمِ المالِ المُتَقَوَّمِ، وإنّما جاز بيعُهما تبعاً للقَزّ والكُوارات؛ لحصول الانتفاع والتقوم حينئذٍ، فهما ليس بمنتفع به بأنفسهما فلم يكن مالاً بنفسه، بل بما يحدث منهما, وهو معدومٌ الآن، حتى لو باعه مع الكوارة, وفيها عسل يجوز بيعه تبعاً للعسل, ويجوز أن لا يكون الشيء محلاً للبيع بنفسه مفرداً, ويكون محلاً للبيع مع غيره (علاء الدين، 1402هـ).
وهذه المسألةُ مردُّها للعرف فعندما كان في عرف أبي حنيفة وأبي يوسف لا ينتفع بالنَّحل والقزّ في زمانهما؛ لأنّهما لم يكونا منتشران في مجتمعها، فتعاملا مع المسألة بصورةٍ نظريةٍ؛ لعدم وجودها وانتشارها في
الواقع، فقالا: بعدم جواز البيع إلا مع الكوراة بناء على أنّ الكوارات مال متقوّم، فيتبع لها النحل.
وبعدما صار بيع النحل منتشراً وشائعاً في عصر محمّد، وهذا ما يصدقه الواقع العملي من تعامل التجار بهذا، فإن محمداً أفتى بالجواز؛ لكون النحل مالاً منتفعاً بمفرده.
وما اختاره محمّد هو المناسب في زماننا المعاصر، لا سيما أنّه اشتهر الانتفاع بالنّحل بانفراده ويُباع في محلات العسل ملكة النّحل مع خادمات لها منفردةً، والله أعلم.
المسألة الرابعة:
اختياره عدم جواز استثناء مقدار معلوم في بيع الثمار:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «ولا يجوز أن يبيعَ ثمرة، ويستثني منها أرطالاً معلومة».
والمعتمد في المذهب: جواز استثناء أرطال معلومة؛ لأنَّ ما جاز إيراد العقد عليه ابتداءً جاء استثناؤه، وهو ظاهر الرِّواية. واختاره النسفي (عبد الله، 1328هـ)، والحلبي (إبراهيم، 1409هـ)، والتمرتاشي (محمد، 1332هـ)، وغيرهم.
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّ الاستثناء يؤدي إلى جهالة الباقي، وهو روايةُ الحسن بن زياد، وقول الطَّحاويّ (علي، د. هـ)، واختاره المحبوبيّ وصدرُ الشَّريعة (عبيد الله، 2006م).
ومعلومٌ أنَّ قضية الجهالة عرفيّةٌ، وهي متفاوتةٌ من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ، وقاعدتُها: كلُّ جهالةٍ تفضي للنزاع تفسد العقد، فلعلّها كانت تؤدِّي للجهالة في زمن القُدُوريّ؛ لأنّ شرّاح القُدُوريّ وغيرهم يُعلِّلون هذه المسالة بجهالة الباقي؛ لأننا لا نتكلّم عن مقدار معلوم ابتداء، وإنّما البحث في الّثمار والزُّروع التي تُباع جزافاً، ففيها نوعُ جهالةٍ لكنّها معفوةٌ، فاعتبر القُدُوريّ أنّ الجهالة فيها تتولَّد نتيجة استثاء مقدار معلوم من شيء غير معلوم ممكن أن يؤدّي إلى فنائه أو جهالة ما تبقى منه بصورة تفضي للمنازعة، فمنع من صحّة العقد.
وما قاله القدوري هو وجهة نظر في فهم المسألة وتحليلها وله وجه، لكنه محلّ نظر، ولا يُسلَّم؛ لذلك عدلوا عن العمل به لوجه آخر: وهو أن كلَّ ما جاز إيراد العقد عليه ابتداء جاز استثناؤه، وابتداء العقد على أرطال معلوم صحيح ابتداء، فيجوز استثناؤها، ويكون العقد صحيحاً، وما فيه من الجهلة معفوة، والله أعلم.
المسألة الخامسة:
اختياره التقدير في التّعريف للقطة بالأيام في أقلّ من عشرة دراهم، وبالشهر في عشرة دراهم فأكثر، وبالسنة في مئة فأكثر:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «فإن كانت أَقلّ من عشرةِ دراهمٍ عرَّفها أَيّاماً، وإن كانت عشرة فصاعداً عَرَّفها شهراً، وإن كان مئة درهم أو أَكثر عرّفها حولاً».
والمرادُ بالتعريف: أن ينادي: إني وجدت لقطة لا أدري مالكها، فليأت مالكها وليصفها لأردها عليه. ويتحقق الإعلام بأي وسيلة يفعلها الملتقط من سؤال أصحاب محلات وجد اللقطة عندهم أو وضع إعلان أو غيرها.
والمعتمد في المذهب: عدم التَّقدير في التعريف بمدة معينة، وقال المَرغيناني (علي، د. هـ) وصدرُ الشَّريعة (عبيد الله، 2006م): «الصحيح أنَّها غير مقدرة بمدة معلومة، بل هي مفوَّضة إلى رأي الملتقط فيعرِّفُها إلى أن يغلبَ على ظنِّه أنّها لا تطلبُ بعد ذلك». وهذا ما اختاره شمسُ الأئمة، قال ابنُ قُطْلُوبُغا (قاسم، 2002م): «قال في «الينابيع»: وعليه الفتوى، وقال في «الجواهر»: والأصح أنَّ التقدير غير لازم ... وفي «المضمرات»: وعليه الفتوى»، وقال الحدادي (أبو بكر، 1322هـ): «وعليه الفتوى»، فيظهر من هذا النقول اختار عامةعلماء المذهب
كالمرغيناني والسرخسي وصدر الشريعة وابن قلطوبغا ومحمد بن رمضان والكادودي والحدادي عدم التقدير بمدة معينة في التعريف باللقطة، وإنّما فوَّض هذا لرأي الملتقط بحيث يغلب على ظنِّه عدم رجوع صاحبها؛ لأنّ المقصود من التّعريف هو الوصول لمالك اللقطة، فإن غلب على الظنّ عدم رجوعه فلا حاجة للانتظار لمدة معيّنة، وما ذكر من مدة كان على سبيل التمثيل لتحقّق هذا الظن، والله أعلم.
وسبب اختيار القُدُوريّ هذا التّفصيل: أنَّه رواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ المالَ كلَّما ازداد ازداد خطره؛ لما روي عن يعلى بن مرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن التقط لقطة يسيرة درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك فليعرّفه ثلاثة أيّام، فإن كان فوق ذلك فليعرّفه سنةً» (أحمد، د. هـ)، قال الأرنؤوط: «إسناده ضعيف لضعف عمر بن عبد الله بن يعلى»، فنبَّه على أنَّ التَّعريفَ على قدر المال، فمَن سوَّى بين القليل والكثير، فقد خالف النصّ، فتمسّك القدوريّ فيها لوجود نصّ الحديث على ذلك، وكذلك ما اشتمل عليه النص من التفريق بين القليل والكثير، حيث جعل مدة الحقير من المال ثلاثة أيام، والنفيس من المال يعرف سنة.
وسبب تَرَكَ القُدُوريّ لظاهر الرِّواية في تقدير محمّد في «الأصل» بالحول من غير تفصيل بين الكثير والقليل ... (إبراهيم، د. هـ)؛ هو نصّ الحديث، ووجود الحاجة للتفريق بين الأموال القليلة والكثيرة، وهذه
جه للفهم المسألة، ولكنه محلّ نظر؛ لذا عَزَف عنه عامة علماء المذهب، وفوَّضوا الأمر إلى الملتقط في التقدير بالمدة المناسبة؛ لأنّه أعدل في إيصال الحقّ لمستحقّه، وكذلك حصول غلبة الظّنّ بانقطاع المالك كافيةٌ في ترتب الأثر؛ لأننا مخاطبين بالظنّ في عامة الأحكام، فكان هذا الرّأي هو الرّاجح، والله أعلم.
المسألة السادسة:
اختياره تصديق القاضي للزوج القائل لزوجته: أنت عليَّ حرام، أنَّه أراد به التحريم:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وإذا قال لامرأته: أنت عليَّ حرام سُئل عن نيّته .... وإن قال: أردت به التحريم أو لم أرد به شيئاً، فإنه يمينٌ يصير بها مولياً».
والمعتمد في المذهب: أنَّه مَرجعها للعرف، فإن تعارف الناس استعمالها في الطلاق فإنَّها تصرف إليه بلا نية، قال في «الهداية»: «ومن المشايخ مَن يصرف لفظ التحريم إلى الطلاق من غير نيّة بحكم العرف»، قال المحبوبي: «وبه يفتى»، وقال نجم الأئمة في شرحه للقدوري: «قال أصحابنا المتأخرون: الحلال عليّ حرام، أو أنت حرام، أو حلال الله عليه حرام، أو كل حلّ عليّ حرامٌ طلاق بائن، ولا يفتقر إلى النيّة بالعرف، حتى قالوا في قول محمد: كلُّ حلٍّ عليَّ حرام إن نوى يميناً فهو يمين، ولا
تدخل امرأته إلاّ بالنيّة، فإن لم ينوها فهو على المأكول والمشروب، قال مشايخ بلخ: إن محمداً أجاب على عرف ديارهم، أما في عرف بلادنا يريدون تحريم المنكوحة فيحمل عليه، وقال في «مختارات النوازل»: وقد قال المتأخرون: يقع به الطلاق من غير نيّة؛ لغلبة الاستعمال بالعرف وعليه الفتوى، ولهذا لا يحلف به إلا الرجال» (قاسم، 2002م).
فهذه النصوص صريحة جداً في اعتبار بناء المسألة على العرف، والعرف فيها يفسر لنا مراد المتكلم من كلامه.
والظاهر في سبب اختيار القُدُوريّ: اعتبار ما كان عليه الأصل في المذهب من تصديق الزوج في اعتبار نيّته على التحريم؛ لعدم وجود عرف شائع في زمن أبي حنيفة في وقوعها على الطلاق، فلم تكن في حكم الألفاظ الملحقة بالصَّريح في وقوع الطلاق بلا نيّة، وعندما تغيّر العرف بحيث أصبحت تستخدم عند النَّاس ويراد بها الطَّلاق ألحقت بصريح الطلاق ولم يقبلوا النية فيها بعد إرادة الطلاق، وهذه المسألة مبنية على العرف تماماً، فأيُّ مجتمع استخدمها وأراد بها الطَّلاق لا غير وقعت على الطّلاق بلا نيّة، وأي مجتمع استخدمها ولم يرد بها الطَّلاق سألناهم عن نيّتهم؛ لأنَّ مبنى المسألة على العرف.
المسألة السابعة:
اختياره في مقدار الكسوة للكفارة أنَّها أدنى ثوب تجزئ فيه الصلاة:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «كفارة اليمين: وأَدناه ما يُجزئ فيه الصّلاة».
والمعتمد في المذهب: في أدنى الكسوة في الكفارة ثوب يستر عامة الجسد، و هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وقدّروه في عرفهم: قميصٌ ـ أي ثوب يتزر على أعلى البد ـ وإزارٌ ـ أي ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن ـ ورداء ـ أي ما يلبس فوق الثياب كالجبة والعباءة ـ (الزيات، د. ه)، وصرح بتصحيحه الزَّيلعيّ (عثمان، 1313هـ) وشيخي زاده (عبد الرحمن، 1316هـ)؛ لأنَّ لابس ما يستر به أقلّ البدن يُسمّى عارياً عرفاً فلا يكون مكتسياً، ولا بدّ للمرأة من خمار مع الثّوب ـ أي ثوب تغطي به رأسها (الزيات، د. ه) ـ، لكن لا يشترط أن يكون الخمارُ ممَّا تصحّ به الصّلاة (محمد، 1992م).
ويعتبر في عصرنا عرف كلّ بلد في الكسوة الشائعة لستر عامة البدن للرجل والمرأة والصغير، ففي الأردن مثلاً: ممكن نعتبر في حقّ المرأة جلباباً وبنطلوناً ومنديلاً وحذاءً وملابس داخلية، وفي حقّ الرّجل: بنطلوناً وقميصاً وحذاءً وملابس داخلية، والله أعلم.
وما اختاره القُدُوريّ اعتبر فيه العرف الشَّرعيّ، وهو مقدار ساتر العورة شرعاً، وهو مرويٌّ عن محمّد حتى يجوز السَّراويل عنده؛ لأنَّه لابس شرعاً؛ إذ الواجب عليه ستر العورة وقد أقامه، ومعلومٌ أنَّ المعتبر في مثل هذا عرف الناس في اعتباره كاسياً لا عارياً، فكان أولى.
المسألة الثامنة:
اختياره عدم وجوب التعزير بالشَّتم بـ «يا حمار» و «يا خنزير»:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «لو قال: يا حمار أو يا خنزير لم يعزّر».
والمعتمد في المذهب: أنَّه يُعزَّر إن لحقه الشَّين بهذا الشتم كالأشراف من الفقهاء والعلوية ـ أي نسبة لسيدنا علي - رضي الله عنه - ـ؛ لما يلحقهم من الوحشة بذلك، ولا يُعزَّر إن كان لا يلحقه الشين بذلك الشتم كعامة الناس، فإنَّهم يتبادلون مثل هذه الشتمائم ولا يبالون عند سماعها وتلفظها، وقال المرغيناني (علي، د. هـ): «وقيل في عرفنا ... وهذا أحسن».
وسببُ اختيار القُدُوريّ: تمسكه بظاهر الرِّواية؛ لأنَّه لا يتصوّر أن يصبح حماراً، فلا يلحقه الشين به بمثل هذا الشتم؛ للتيقّن بنفيه؛ لأنَّ العربَ قد تتسمّى بهذه الأسماء يُقال: سفيان الثوري ودحية الكلبي (أبو بكر، 1322هـ).
وفي الحقيقةِ هذا التَّفصيل تقريرٌ لما بُنِي عليه ظاهر الرِّواية من لحوق الشَّين، وبالتَّالي مَن لحقه الشين بهذا الشتم استحق شاتمه التعزير، وإن لم يلحقه الشين لا يستحق شاتمه التعزير، فالمسألة مبنيّةٌ على العرف في تحقق مبنى المسالة.
وتقرير المسألة على العرف يجعلها مبينة على الاجتهاد من حيث تقدير ما هو العرف الموجود، وهل يستحقّ التعزير أم لا، وعادة أصحاب الهيئات والأشراف يترفَّعون عن مثل هذا، ويكون لأنفسهم مكانةً كبيرةً، بحيث يترفّعون عن هذا، فلو أُطلقت عليهم هذه الألفاظ كانت من الشَّين لهم، والظاهرُ أن القُدُوريّ استخدمها على أصل الوضع من أنّها لا تتصوّر تحقّقها كما هو ظاهر الرّواية فلا تلحق الشَّين، ويُمكن أنها كانت في عرفهم لا توقع الشِّين، وما يهمنا هنا تقرير أن العرف فيها تغير في الأزمنة المتأخرة بحيث توقع الشَّين فحكموا بالتعزير لمن يطلقها على الأشراف، ولو كان العرف فيها بأنها لا توقع الشَّين ينبغي أن لا يعزّر، والله أعلم.
* * *
المطلب الثاني: في اختياراته المخالفة لفساد الزمان:
والمراد بفساد الزمان ما هو أخصّ من العرف، وهو متعلّق بتراجع القيم والأخلاق في المجتمع وانتشار الفحشاء والسلوك المنحرف، مما يستوجب تغيرًاً في الأحكام حفظاً للمجتمع عن الضياع، هذا ما فهمه الباحث من تفريق الفقهاء بينهما إجمالاً، والله أعلم.
المسألة الأولى:
اختياره كراهة حضور الجماعات للشابات مطلقاً وللعجائز في الظهر والعصر:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «ويُكره للنِّساء حضورُ الجماعات، ولا بأس بأن تَخرجَ العجوز في الفجر والمغرب والعشاء».
والمعتمد في المذهب: كراهة حضور الشابات والعجائز الصلاة جماعة مطلقاً؛ لفساد الزمان، واختار النَّسفيّ (عبد الله، 1328هـ)، وقال في «الكافي»: والفتوى اليوم على الكراهة في الصلاة مطلقاً كلها؛ لظهور الفساد، ومتى كره حضور المسجد للصلاة فلأن يكره حضور مجالس الوعظ خصوصاً عند هؤلاء الجهال الذي تحلو بحلية العلماء أولى ذكره فخر الإسلام، وقال ابن الهمام (محمد، د. هـ): «المعتمد منع الكل في الكل إلا العجائز المتفانية فيما يظهر لي دون العجائز المتبرجات وذوات الرّمق»، وقال الزيلعي (عثمان، 1313هـ): «والمختار المنع في الجميع
لتغيّر الزمان»، وقال التُّمُرْتاشيّ (محمد، 1332هـ): «ويكره حضورهن الجماعة مطلقاً على المذهب»، وقال الشُّرُنْبُلالي (حسن، 1310هـ): «وهو الأولى» (إبراهيم، د. هـ)، و (محمد، 1992م). وقال القاريّ (علي، 1418هـ): «والمختار منع العجوز عن الحضور في جميع الأوقات فضلاً عن الشَّابة».
وسبب اختيار القُدُوريّ: موافقته لظاهر الرِّواية عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - في إجازة الخروج للعجائز في الفجر والمغرب والعشاء؛ لأنَّها أوقات ظلمة فيؤمن من وقوع نظر الأجنبيّ عليها، بخلاف الظهر والعصر؛ لأنَّه لا يؤمن من ذلك.
وترك من قبل علماء المذهب ظاهر الرِّواية سببه فساد الزمان، فقضية خروج المرأة مبناها على الفتنة، فمتى أُمنت الفتنة جاز لها الخروج، ومتى خُشي عليه الفتنة كُره لها الخروج، فكانت العجائز في أمنٍ من الفتنة في الصلوات الليلة، بخلاف الصلوات النّهارية، وعندما لحقتها الفتنة في الصَّلوات كرهوا خروجها؛ صيانةً لها وحفاظاً عليها من الفسَّاق في الطُّرقات.
وهذا ما شهدت به السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: «لو أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل» (مسلم، د. هـ)، و (محمد، 1407هـ)، قال عبد العلي اللكنوي:
«قد يتوهم أنَّ فيه إبطال النَصِّ بالتعليل مع أن أحكم الحاكمين هو الله تعالى، وكان عالماً بما أحدثته النساء، فلا يظهر لما قالت عائشة رضي الله عنها وجه، فيندفع بأن حكمه سبحانه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - بخروج النساء إلى المساجد وعدم منعهن عنه مؤقتاً إلى عدم احتمال الفتنة، فإذا انتفى هذا انتفى ذاك، ومقصودها رضي الله عنها لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمانه المأمون عن الفتن ما أحدث في هذا الزمن لمنعن بأمر الله - جل جلاله - عن الخروج، ولم يرخصهن فيه البتة، وعبرت عن وقوع الأحداث برؤيته - صلى الله عليه وسلم - كما أن الله تعالى عبَّر عن وقوع الجهاد لعدم العلم في قوله - جل جلاله -: {ولما يعلم الله الذي جاهدوا منكم} [التوبة: 16]، وعلمه أتم» (عثمان، 1299هـ).
وحديث ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن» (محمد، 1390هـ)، و (محمد، 1411هـ)، و (سليمان، د. هـ)، و (أحمد، د. هـ)، و (محمد، 1405هـ)، وغيرها، يرغب المرأة بالصلاة في بيتها، ويجعلها أفضل وخير لها؛ صيانة لها، وإبعاداً لها عن الفتنة.
فمدار المسألة على الفتنة عند الحنفية، وبالتالي إن كانت الفتنة في بقائها في البيت كما لو كانت تعيش في مجتمعات غير مسلمة، فينبغي لها تخرج وتذهب للمركز الإسلامي أو المسجد لتتعلم أحكام الدين والتعرّف على مسلمات، وفي المجتمعات المسلمة أصبحت من الفتنة أن
لا تتعلّم المرأة في المدارس والجامعة، فينبغي لها الذهاب للدراسة ملتزمة بأحكام الشريعة متجنبة للفتن ما استطاعت.
فتعليل المسألة بالفتنة يوسع دائرة فهم المسألة وتطبيقها من مجتمع لآخر في اختيار المناسب والملائم لكلّ مجتمع، والله أعلم.
المسألة الثانية:
اختياره صحّة تسليم المكفول به في السُّوق:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وإذا تكفّل به على أن يُسلِّمه في مجلسِ القاضي فسَلَّمَه في السُّوق برئ، وإن سَلَّمَه في بريّةٍ لم يَبْرَأ».
والمعتمد في المذهب: أنَّ الكفيل لا يبرأ حتى يسلّم المكفول به في مجلس القاضي، وقال السَّرَخْسيّ: «المتأخرون من مشايخنا قالوا هذا بناء على عادتهم في ذلك الوقت، أمّا في زماننا إذا شرط التسليم في مجلس القضاء لا يبرأ بالتسليم في غير ذلك المجلس; لأنَّ الظاهر المعاونة على الامتناع لغلبة أهل الفسق والفساد لا على الإحضار، والتقيد بمجلس القاضي مفيد, وإن سلّمه في برية لم يبرأ لعدم المقصود وهو القدرة على المحاكمة» (محمد، د. هـ)، وقال الحلبي (إبراهيم، 1409هـ): «والمختار في زماننا أنَّه لا يبرأ». وقال التُّمُرتاشيّ (محمد، مخطوط): «وهو قول زفر، وبه يفتى في زماننا؛ لتهاون الناس في إقامة الحق، ومحل الاختلاف في بلد لم يعتادوا نزع الغريم من يد الخصم» (محمد، د. هـ)، و (إبراهيم، د. هـ).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّ المقصودَ من الكفالة هو القدرةُ على المحاكمة، وفي السُّوق يُمكنه ذلك، وفي البريّة لا يُمكنه، فإذا سلَّمَه في بلد آخر برئ، فالقدورى تمسّك بأصل المذهب في ظاهر الرواية من البراءة بالتعليم في السوق، وكان في زمان أبي حنيفة زمان صلاح وخير، بحيث إن الناس يساعدون على إزالة المنكر بمساعدة المكفول به إلى مجلس القاضي، فلمّا تغيّر الزّمان وفسد وشاع الفسق كما ذكر السَّرَخْسيّ اختلفت الفتوى بعدم إجزاء التَّسليم بالسُّوق، ولا نعرف هل كان في زمان القدوري يجزئ التسليم في السوق؟ بحيث أنه اختار إجزاء السوق بناء على عرف زمانه أم أنه تمسك بظاهر الرواية فحسب بدون أن ينظر لتطبيقها في زمانه، ولعل هذا هو الأقوى.
ومبنى تغيّر الفتوى فيها على اختلاف الزَّمان، حيث فَسَدَ الزَّمان وأَصبح النَّاس يعاونونه على المنكر؛ للهروب من القضاء، فلم يَعُد يبرأ الكفيل بالتَّسليم في السُّوق.
وفي زماننا المعاصر فلا شَكّ بعدم إجزاء تسليم المكفول به في مجلس القاضي؛ للفساد الظّاهر والتَّعاون على المنكر، والله أعلم.
المسألةُ الثالثة:
اختياره صحة قبض الوكيل بالخصومة:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «والوكيلُ بالخصومةِ وكيلٌ بالقبضِ عند علمائنا الثَّلاثة».
والمعتمد في المذهب: عدم قبض الوكيل بالخصومة، وهو قول زفر؛ لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة مَن لا يؤتمن على المال، والفتوى اليوم عليه، ونحوه عن الإسبيجابي و «الينابيع» و «الذخيرة» و «الواقعات» وغيرها (عبد الغني، د. هـ).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّ من ملك شيئاً ملك تمامه، وتمام الخصومة بالقبض؛ لأنَّ المقصودَ من التوكيل الاستيفاء، والتوكيل بالتصرُّف يكون توكيلاً بمقصوده، وهو ظاهر الرِّواية.
وتُرك ظاهر الرِّواية في الفتوى لتغير الناس وفسادهم؛ لأنَّ ليس كلُّ مَن يؤتمن على الجدال يؤتمن على أخذ المال، فلا يكون وكيلاً فيه، فمبنى المسألة على فساد الزمان، وهو متعلّق بأصول التطبيق.
المسألة الرابعة:
اختياره صحة تزويج المرأة نفسها من غير الكفء، وللأولياء الاعتراض والتفريق بينهما:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «فإذا تزوَّجت المرأةُ غيرَ الكفؤ فللأولياء أن يفرّقوا بينهما».
والمعتمد في المذهب: عدم صحة النكاح إن لم يكن الزوج كفؤاً ما لم يأذن الولي، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، أفتى بها قاضي خان واختارها ابن الهمام (محمد، د. هـ)، والطحطاوي (أحمد، 1975مـ) وابن عابدين (محمد، 1992م) وبرهان الشريعة، وقال التُّمرتاشيّ (محمد، 1332هـ)، و (محمد، مخطوط) والحصكفي (محمد، د. هـ): «به يفتى»، وقال شمس الأئمة: وهذا أقرب إلى الاحتياط (قاسم، 2002م)؛ لأنَّه ليس كل ولي يحسن المرافعة والخصومة ولا كلّ قاض يعدل، ولو أحسن الولي وعدل القاضي فقد يترك أنفة للتردّد على أبواب الحكّام، واستثقالاً لنفس الخصومات، فيتقرّر الضرر، فكان منعه دفعاً له.
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو أخذه بظاهر الرِّواية، حيث إنَّها تملك تزويج نفسها بدون أن تلحق ضرر الشَّين بالأولياء، وارتفع الضرر عنهم بحقّهم في الاعتراض وفسخ النكاح (عبيد الله، 2006م).
فعلّل إمكانية الفسخ كانت في زمن أبي حنيفة متيسرة بدون ضرر يقع على الأولياء، فقال أبو حنيفة بالاكتفاء بالفسخ، والظاهر أن القدوري بناها على ظاهر الرواية لا على ما في زمنه؛ لأن زمان السَّرَخسي قريب من زمان القدوري، وقال: بعد صحة النكاح لفساد الزمان، والله أعلم.
وسبب تغير الفتوى هو فساد الزّمان، ففي التَّطبيق نجد صعوبة تطبيق ظاهر الرِّواية؛ لعدم عدل القضاة دائماً، وصعوبة التَّقاضي بكثرة التّردُّد على المحاكم، فيقع الضَّرر على الأولياء، فترك ظاهر الرِّواية وأفتي بعدم صحة النِّكاح، وهو الأقوى.
المسألة الخامسة:
اختياره لابتداء العدة في الطلاق والوفاة عقيب الطلاق والوفاة:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وابتداءُ العدّة في الطّلاقِ عقيبِ الطّلاق، وفي الوفاةِ عقيبِ الوَفاة».
والمعتمد في المذهب: اعتبار ابتداء العدة من وقت الإقرار بالطلاق عند القاضي، قال المرغيناني (علي، د. هـ): «ومشايخنا يفتون في الطلاق أنّ ابتداءها من وقت الإقرار نفياً لتهمة المواضعة»، حتى إنَّه لو أقرّ أنَّه طلَّقَها من منذ سنة، فإن كذَّبته في الإسناد ـ أي التاريخ الذي أسند له ـ،
أو قالت: لا أدري، فإنَّه تجب العدّة من وقت الإقرار، وإن صدقته، قال محمد: تجب العدّة من وقت الطلاق، والمختارُ من وقت الإقرار، ولا يجب لها نفقة العدّة ولا السكنى؛ لأنَّها صدّقته» (أبو بكر، 1322هـ).
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو موافقته لظاهر الرِّواية؛ لأنَّ الحكمَ يثبت عقيب السَّبب، ولا يفتقر إلى العلم بحصوله كسائر الأسباب، ولأنَّ العدّةَ هي مضي الزّمان، فإذا مضت المدّة انقضت العدّة. (أبو بكر، 1322هـ).
وتُرك ظاهر الرِّواية لفساد الزَّمان بحصول التَّواضع بين الزوجين بأن يقرّا أنَّهما فعلا منذ زمن، فيستفيد الزَّوج سقوط نفقة العِدّة، وتستفيد المرأة التَّزوج مباشرةً دون انتظار انتهاء العِدّة، فأَفتى الفقهاء باعتبار بدء العدّة من وقت الإقرار بالطَّلاق؛ لقلَّة الدِّين عند كثيرين وإقبالهم على ارتكاب المحرَّمات لتحقيق شهواتهم ورغباتهم.
وهذا من باب حفظ أحكام الشريعة والحرص على تطبيق رغم فساد الزمان؛ لأن ترك المحرمات من الزوج في العدة أولى من فعل المباحات والمستحبات بالإقبال على الزواج، فلم يقل الفقهاء بهذا الحكم إلا بعد مشاهدة حوادث متعدّدة يتلاعب فيها الناس بأحكام الشريعة، وهذا فضل دراسة علم رسم المفتي بحيث لا يجوز الإفتاء بالمسألة حتى
تعرض على قواعد رسم المفتي حفاظاً على التزام الشريعة على الهيئة الثابتة بها، والله أعلم.
المسألة السادسة:
اختياره حق الحضانة للأم والجدة في الصبيّة حتى تحيض:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «والأمُّ والجدّةُ أحقُّ ... بالجارية حتى تحيض».
والمعتمد في المذهب: حق الحضانة للأم والجدة وغيرهما إلى حد الشهوة، وهو قول محمد، وهو تسع سنين؛ لتدريبها على الأمور المنزلية التي هي مطالبة بها في المستقبل، فإنَّ البنت بعدها تحتاج إلى معرفة آداب النساء من الخبز والطبخ والغزل وغسل الثياب، والمرأة على ذلك أقدر، وبعدها تحتاج إلى التحصين والحفظ والأب فيه أقدر، قال الطرابلسي (إبراهيم، مخطوط): «وبه يفتى»، وقال المحبوبي: «وهو المعتمد». وقال صاحب «البحر»: والحاصل أنَّ الفتوى على خلاف ظاهر الرِّواية (عبد الغني، د. هـ).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه ظاهر المذهب؛ لأنَّ الأُنثى تحتاج إلى التصنّع وتعرّف أحوال النساء، والنِّساء في ذلك أهدى.
وتُرِك ظاهرُ الرواية لفساد الزَّمان، وحاجة الفتاة إلى الحماية والصيانة من قبل الأب، وهذا حقّ مقدّم على تعلّم المهارات الأُخرى
طالما أنَّ الأمر متعلّق بعرضها وحفظها، ويمكنها تحصيل المهارات الزَّوجية لها قبل بلوغ سنّ الشَّهوة؛ لأنَّ الأمَّ والصَّبيّة إن علما أنَّها ستسلم للأب عند بلوغ حَدّ الشهوة يجتهدان أكثر في تحصيل هذه المهارات.
والذي ينبغي اختياره في زماننا ما كان فيه مصلحة أكثر من حفظ الفتيات وتربيتها والقيام على أمرهن، فإن كان مثل هذا يتحقّق عند الأب فبها ونعمت، وإن كان يحتاج إليه عند الأم فبها ونعمت، فالقضية قضية تحقيق مصالح وحفظ للفتيات لا غير، وأولى الناس في الحكم على هذه الأمور مَن يشتغلون بالقضاء ويعاينون مشاكل الناس بحيث يقدرون ما هو الأنسب، وهذا الموافق لرأي الحنفية، ففي زمن أبي حنيفة كان المصلحة أن تبقى الفتاة مع أمها حتى تبلغ ثم بسبب الفساد قالوا: تبقى مع أمها إلى حد الشهوة، وعلينا في زماننا أن نرجع لأهل الخبرة في ذلك ونقدر الأنسب، والله أعلم.
* * *
المطلب الثالث: في اختياراته المخالفة للمصلحة:
المسألة الأولى:
اختياره لكراهة التَّعشير والنقط:
والتعشير: وهو وضعُ علامات بين كلِّ عشر آيات (عبد الغني، د. هـ)، قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «ويُكره التعشيرُ في المصحفِ والنقط».
والمعتمد في المذهب: جواز التّعشير والنّقط؛ لما فيه من التّسهيل في قراءة القرآن وحفظه، وهذا ما اختاره عامة العلماء في المذهب كالكاساني (علاء الدين، 1402هـ) والنسفي (عبد الله، 1328هـ) والزيلعي (عثمان، 1313هـ).
قال العيني (محمود، 1421هـ): «ولكن هذا كان في زمنهم؛ لأنَّهم كانوا ينقلونه عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما أُنزل، وكانت القراءة سهلةً عليهم، لا كذلك في زماننا فيستحسن، والتَّشاديد والنَّقط والتَّعشير؛ لعجز العجم عن التَّعلُّم إلا به، وإلى هذا أشار المصنف ـ أي الرازي ـ بقوله: وقيل: يباح في زماننا، وعلى هذا لا بأس بكتابة أسماء السور وعدد الآي فهو وإن كان محدثاً فمستحسن، وكم من شيءٍ يختلف باختلاف الزّمان والمكان».
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو ذكره لظاهر الرِّواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وكانوا في زمانهم لا يحتاجون لمثل التعشير والنقط، كما أوضحه العَينيّ؛ لذلك ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «جردوا القرآن، لا تلبسوا به ما ليس منه» (سليمان، 1404هـ)، و (عبد الرزاق، 1403هـ)، و (عبد الله، 1409هـ)، فلعله بقي في زمان القُدُوريّ على هذا الحال من عدم الاحتياج فاقتصر عليه فحسب، والله أعلم.
المسألة الثانية:
اختياره في غيبة الولي أن يكون في بلد لا تصل إليه القوافل في السنة إلا مرة واحدة:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «والغيبةُ المنقطعة أن يكون في بلدٍ لا تصل إليه القوافل في السنة إلاّ مرّةً واحدة».
والمعتمد في المذهب: خوف فوت الخاطب الكفؤ، حتى إن غاب وليها في البلدة بأن كان مختفياً أو خارجها بحيث لا ينتظره الخاطب الكفء انتقل الحقّ في التزويج للوليّ الذي يليه، واختاره أكثر المشايخ والموصلي (عبد الله، د. هـ)، والحلبي (إبراهيم، 1409هـ)، وصححه شمس الأئمة السَّرَخْسيّ ومحمد بن الفضل، وقال المرغيناني (علي، د. هـ): «إنَّه أقرب إلى الفقه». وقال ابن الهمام (محمد، د. هـ): «إنَّه الأشبه بالفقه»، وقال الحصكفي (محمد، 1316هـ) عن الحقائق: «إنَّه أصح
الأقاويل»، وقال ابن نجيم (إبراهيم، د، هـ): «الأحسن للإفتاء بما عليه أكثر المشايخ».
وهذا اتفاق عامة فقهاء الحنفية على اعتبار خوف الخاطب الكفؤ؛ لما فيه من المصلحة للفتاة بعدم تضييع حقها بالحصول على الزوج المناسب لها.
وسبب اختيار القُدُوريّ: تطبيقه لفوات الخاطب على عرف زمانه؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ الكفؤَ لا ينتظر إلى استطلاعِ رأي الولي الأَقرب، فيؤدّي إلى فواته، وهذا اختيار ابن سلمة.
فمبنى المسألة على المصلحة للفتاة، وتفاوت الأعراف في تحقيق المصلحة يؤدِّي إلى تفاوت التطبيق للحكم الشرعي، حتى قيل: مسافة القصر: وعليه أكثر المتأخرين، واختارها النَّسفيّ (عبد الله، 1328هـ) والتمرتاشي (محمد، 1332هـ)، وقال صاحب «الكافي» والزَّيلعي (عثمان، 1313هـ): «وعليه الفتوى»؛ لذلك كان المعتمد أدق في التوصيف والتقدير به من غيره.
ومصلحة الفتاة تقتضي أن يقدر بما لا يفوت بها حقّها في تحصيل الزّوج الكفؤ، والتَّقدير بخوف فوته هو الأنسب؛ لأنه يتناسب مع كلّ زمان ومكان، بحيث يتيح لنا فرصةً للاجتهاد في تحقيق الخير
للمخطوبة، فكان هذا القول أقوى من غيره في تقريرالمصلحة لها، والله أعلم.
المطلب الرابع: اختياراته المخالفة لدفع الحرج والتيسير:
إنَّ أحكام الشّريعة النّازلة من السّماء، والّتي مشى عليها علماء الأمّة طوال هذه القرون لا تخالف التّيسير ورفع الحرج؛ بدليل: إنَّ الله - جل جلاله - القائل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعا} البقرة: 286، و {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} المائدة: 6، و {وما جعل عليكم في الدين من حرج} الحج: 78، و {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة: 185، الدّالة على أنَّه لا يكلّفنا أكثر مما نطيق، ولا يريد الحرج لنا، ولا التّعسير، وهذا يرشدنا إلى أن التيسير ودفع الحرج أصل كبير يلزم مراعاته في تطبيق الفقه.
والمسائل التي اختارها القُدُوريّ مخالفة لهذا الأصل هي:
المسألة الأولى: اختياره طهارةُ النَّجاسة ذات الجرم الجافة في النّعل بالدَّلك، قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وإذا أَصابت الخُفَّ نجاسةٌ لها جِرمٌ فجَفَّت فدَلَكَه بالأَرض جاز».
والمعتمد في المذهب: طهارةُ النَّجاسة في النَّعل بالدَّلك سواء كانت يابسةً أو رطبةً إذا بالغ فيه بحيث لم يبق لها ريح، ولا لون على المفتى به؛ لعموم البلوى، وهو قول أبي يوسف، قال المحبوبيّ: «وبه يفتى»، وقال
الأوشي (علي، 1302هـ) والزّيليُّ (محرم، 1295هـ): «وعليه الفتوى»، والقاريّ (علي، 1418هـ): «وعليه الأكثر».
وسببُ اختيار القُدُوريّ: أنَّها ظاهرُ الرِّواية عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الجافةَ بالدّلك يذهب جرمها؛ لأنَّ الباقي بعد زوال جِرْمِها قليل، فإنَّ صلابةَ الجلد تمنع التشرُّب فيه، والقليلُ معفوٌ عنه في الشرع (علي، 2014م). فإن نعل الجلد مختلف عن اللباس بحيث لا يمتص النجاسة، فما يعلق فيه من النجاسة يكون قليلاً، ومثل هذا القدر القليل تجاوز الشارع عنه؛ لما فيه من الحرج.
وترك ظاهر الرِّواية لما فيه من الحرج؛ لكثرة النجاسات الرطبة التي تعلق بالنعال، فأُلحقت بالنَّجاسة الجافّة إن بالغ في الدَّلك، تيسيراً على الناس، وهذا يظهر عند مَن يعيش في البادية والقرى حيث تكثر الحيوانات عندهم، ويصعب عليهم نزع النعال كلما أرادوا الصلاة، فيكون في قول أبي يوسف رخصة كبيرة لهم، وتيسيراً عليهم، وهذا ما يراه الباحث، والله أعلم.
المسألة الثانية:
اختياره منع الزوج والدي المرأة من زيارتها في بيته:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «وللزَّوج أن يمنعَ والديها وولدها من غيره وأهلها من الدخول عليها، ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها في أي وقت اختاروا».
والمعتمد في المذهب: جواز زيارتها للوالدين وزيارتهم لها في بيته كل أسبوع مرة، وزيارتها للمحارم الآخرين وزيارتهم لها كل سنة مرّة، قال المَرغيناني (علي، د. هـ) والزَّيلعيّ (عثمان، 1313هـ): «هو الصحيح»، وقدَّرَه محمّدُ بنُ مقاتل الرازي بشهر في المحارم.
وسبب اختيار القُدُوريّ المنع: أنَّها ظاهر الرِّواية؛ لأنَّه منزله، فله أن يمنعَ مَن شاء.
وعُمِل بغير ظاهر الرِّواية؛ لما شاهدوا من تغيّر أحوال النّاس مما يؤدي إلى القطيعة في صلة الأرحام؛ لكثرة النِّزاعات والتَّعنت بين الزَّوج وأهل الزَّوجة، فأعطوا للمرأة حقّاً في التَّواصل مع والديها في كلِّ أُسبوع مرّةً وإن لم يأذن الزوج؛ لأنَّ منعَها عن ذلك منعٌ لها من حقّ من حقوقها، ولا يملك الزَّوج حرمانها من حقوقها، وكلُّ هذا سعياً من الفقهاء في العدل وإيفاء الحقوق ومداومة صلة الأرحام رغم تغيّر الزَّمان.
المسألة الثالثة:
اختياره عدم التفريق بين الزوجين بسبب عسرة الزوج:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «ومَن أَعسر بنفقةِ امرأتِهِ لم يُفَرِّق بينهما، ويُقال لها: استديني عليه».
والمعتمد في الفتوى: هو التفريق بين الزوجين بالعسرة، قال صدر الشريعة (عبيد الله، 2006م): «وأصحابنا لما شاهدوا الضرورة في التفريق؛ لأنَّ دفع الحاجة الدائم لا يتيسر بالاستدانة، والظاهر أنها لا تجد من يقرضها، وغنى الزوج في المال أمر متوهمٌ استحسنوا أن ينصب نائباً شافعي المذهب يفرّق بينهما».
وفي ظنّ الباحث ينصب نائباً شافعياً في القضاء ولا يقضي بهذا القاضي الحنفي؛ لأنهالقاضي ملزم من جهة الدولة بالعمل في الراجح من مذهبه، فلا يجوز له القضاء بمذهب غيره، خشية التلاعب والهوى وعدم استقرار الأحكام، والأحكام التي يحتاج للحكم فيها بمذهب غيره يحولها إلى قاضي من ذلك المذهب، فيتحقق المقصود بتحقيق المصلحة للناس مع وجود استقرار للأحكام، والحفاظ على قوانين الدولة، والله أعلم وعلمه أحكم.
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه ظاهر الرِّواية؛ لأنَّ التَّفريقَ إبطالُ حَقّه من كلِّ وجه، وفي الاستدانةِ تأخيرُ حقّها مع بقاء حقّه، فكان أولى لكونه
أقلّ ضرراً (علي، 2014م)، بل يفرض لها النفقة، ويأمرها بأن تستدينَ ما فرضه لها على الزوج؛ ليؤخذ منه إذا أيسرَ، وتصير ديناً على الزوج.
وتُرك ظاهر الرواية بسبب تغيّر الزمان بفساد أخلاق الناس، وأنَّه لا يحقّق العدل المقصود من الحكم، فلم تعد مصلحة الزَّواج متحقِّقةٌ بالإفتاء به؛ لأن فيه ضرراً كبيراً بالزوجة، فكيف لها أن تنفق على نفسها وعلى أولادها إذا كان الزوج غير مبال مثلاً ولا يتحمل أي مسؤولية بالنفقة عليها أو بطلاقها لتجد فرصةً أُخرى للحياة الكريمة، وانتقل فقهاء الحنفية للعمل بقول الشافعي كما سبق؛ لما رأوا في الواقع من صعوبة هذا، وأن قول الحنفية وإن كن جيداً من الناحية النظرية، لكنّه غير مناسب من ناحية عملية، فليس كلّ أب للفتاة يستطيع أن يتحمّل نفقتها ونفقة زوجها وأولادها، حتى يجبر على ذلك؛ لأن الزوج لا ينفق ولا يطلق، فكان الأولى العمل بقول الشافعية.
وهكذا حال الفقه أنَّه يتماشا مع يحقِّق مصالح النّاس، والمذاهب وُجِدت لتحقيق ذلك، فيترك المذهب ويُفتى بغيره عند فوات المصلحة ووجود الحرج، كما حصل في مسألة عسرة الزوج، جعلوا الفتوى على قول الشّافعية بالتفريق بين الزوجين، والله أعلم.
المسألة الرابعة:
اختياره العلم وجوب بما في الكتاب والختم بحضرة الرسل في كتاب القاضي إلى القاضي:
قال القُدُوريّ (أحمد، د. هـ): «ويجب أن يَقْرَأَ الكتابَ عليهم ليعرفوا ما فيه بحضرتهم ثمّ يختمُه ويُسلِّمُه إليهم».
والمعتمد في المذهب: عدم اشتراط العلم بما في الكتاب، وهذا قول أبي يوسف، وعن أبي يوسف: أنَّ الختمَ ليس بشرط أيضاً فسَهّل في ذلك لَمّا ابتلي بالقضاء وليس الخبر كالمعاينة، واختار شمسُ الأئمة السَّرَخسيّ قول أبي يوسف (علي، د. هـ).
وسببُ اختيار القُدُوريّ، وهو ظاهر الرِّواية عند أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -، كي لا يتوهم التّغيير، نفياً للشكّ والتردُّد من كلِّ وجه، وزادوا حفظ ما في الكتاب؛ ولهذا يدفع إليهم كتاباً آخر غير مختوم؛ ليكون معهم معاونةً على حفظهم، (أبو بكر، 1322هـ). وكل هذه القيود والشروط زيادة في التثبت والتحري من قبل أبي حنيفة ومحمد، وحرصاً منهم على عدم حصول تحريف وتغيير للكتاب المرسل من القاضي إلى القاضي.
وجُعِلت الفتوى فيه هذه المسألة وغيرها من مسائل القضاء على قول أبي يوسف؛ لما رأوا من تجربته وخبرته في تطبيق الفقه قضاءً، حيث كان ما اختاره أنسب وأكثر ملائمةً للواقع، ومسألتُنا مبنيّةٌ على التثبت،
فطالما أنَّه يتحقَّق التثبت في نقل الرسالة من القاضي إلى القاضي بأي كيفية بها عملنا بها، وهذا ما يفهم من مناقشة ابن الهمام (محمد، د. هـ) للمسألة.
والأنسب لزماننا أن يختار من الوسائل التي بتحقق التثبت فيها من انتقال الكتب بين القضاء بلا تحريف وتزوير، سواء كان ببريد وورقي خاص أو الكتروني أو غيره مما يراه أهل الخبرة والتخصص ممن يشتغلون في هذا المجال، فالمهم هو حفظ الحقوق وعدم ضياعها، والله أعلم.
* * *
الخاتمة:
خلصت الدراسة إلى النتائج الآتية:
أولاً: يعتبر «مختصر القُدُوريّ» الأساس المتين لمن لحقه من كتب المذهب، وشُرح في مئات الشروح من قبل آكابر العلماء المذهب، ويعتبر من أبرز الكتب تدريساً في المناهج عالمياً، وترجم إلى لغات عديدة.
ثانياً: علم رسم المفتي: وهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وهو يمثل الحلقة ما بين المكلفين والواقع وبين مسائل المجتهدين، وبدون الالتفات إليه يكون علم الفقه عسيراً ونظرياً، وهذه الأصول لرسم المفتي عموم وخصوص، وتتداخل كثيراً من أفرادها، إلا أن لبعض بعض الخصوصيات.
ثالثاً: التزم القدوري بظاهر الرواية في عددٍ من المسائل مخالفاً لقواعد الرسم المفتي حيث ذكر في مختصره ما عليه ظاهر الرواية لا ما هو المناسب من جهة العمل والفتوى.
رابعاً: خالف القدوري الإفتاء بالعرف في ثمان مسائل، وفي فساد الزمان في ست مسائل، وفي تحقيق المصلحة في مسألتين، وفي دفع الحرج والتيسير في أربع مسائل.
* * *
المراجع:
1. ابن أبي شَيْبَةَ، ع، (1409هـ) المصنف في الأحاديث والآثار، الرياض: مكتبة الرشد. 2: 239.
2. ابن الهمام، م، (د. هـ) فتح القدير، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 4: 23، 1: 317، 6: 289، 3: 157، 2: 185، 7: 292.
3. ابن حنبل، أ، (د. هـ) مسند أحمد بن حنبل، مصر: مؤسسة قرطبة. 4: 173، 2: 76.
4. ابن خزيمة، م، (1390هـ) صحيح ابن خزيمة، بيروت: المكتب الإسلامي. 3: 92.
5. ابن عابدين، م، (1992م) ردّ المحتار على الدر المختار، ط2، بيروت: دار الفكر. 2: 439، 5: 598، 3: 726، 1: 380، 2: 297.
6. ابن عابدين، م، (د. هـ) نشر العرف في بناء بعضذ الأحكام على العرف، بيروت: دار الفكر. 2: 123، 2: 126.
7. ابن قطلوبغا، ق، (2002م) التصحيح والترجيح على مختصر القدوري، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية. ص150، ص233، ص304 - 305، ص349، ص349.
8. ابن نجيم، إ، (د. هـ) البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق، بيروت: دار المعرفة. 5: 164، 1: 380، 6: 229، 3: 135.
9. الأصبحي، م، (د. هـ) موطأ مالك، مصر: دار إحياء التراث العربي. 1: 22.
10. البَابَرْتي، م، (د. هـ) العناية على الهداية، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 10: 44، 7: 169.
11. البُخَارِيّ، م، (1407هـ) صحيح البخاري، ط3، بيروت: دار ابن كثير واليمامة. 5: 2269، 1: 22، 7: 101، 1: 296.
12. البَزَّار، أ، (1409هـ) مسند البَزَّار، ط1، بيروت: مكتبة العلوم والحكم. 5: 415.
13. بكداش، س، (2010م) مقدمة اللباب في شرح الكتاب، ط1، بيروت: دار البشائر الإسلامية. 1: 425، 1: 309، 1: 310، 1: 490، 1: 491، 1: 492، 1: 493.
14. الترمذي، م، (د. هـ) سنن الترمذي، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 1: 153.
15. التُّمُرْتاشي، م، (1332هـ) تنوير الأبصار وجامع البحار، مطبعة الترقي بحارة الكفارة. 1: 126، 1: 380، 2: 297، 2: 315.
16. التُّمُرْتاشي، م، (مخطوط) منح الغفَّار في شرح تنوير الأبصار، العراق: من مخطوطات وزارة الأوقاف، برقم (4099). ق2: 79/أ-ب، ق308/ب.
17. الجويني، ع، (د. هـ) نهاية المطلب في دراية المذهب، دار المنهاج. 11: 382، 11: 416.
18. الحاكم، م، (1411هـ) المستدرك على الصحيحين، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية. 1: 317.
19. الحَدَّادِيّ، أ، (1322هـ) الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري، ط1، المطبعة الخيرية. 1: 356، 2: 162، 2: 78.
20. الحَصْكَفي، م، (1316هـ) الدر المنتقى في شرح الملتقى، دار الطباعة العامرة. 2: 58، 1: 339.
21. الحصكفي، م، (د. هـ) الدر المختار شرح تنوير الأبصار، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 4: 111، 2: 297.
22. الحَلَبي، إ، (1409هـ) ملتقى الأبحر، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة. ص144، ص109، ص124، ص51.
23. الرازي، ع، (2014م) خلاصة الدلائل شرح القدوري، ط1، الأردن: مركز أنوار العلماء للدراسات. 3: 12.
24. الزَّاهِدِيّ، م، (مخطوط) المجتبى شرح القدوري، من مخطوطات المكتبة القادرية. ق3/أ.
25. الزركلي، خ، (2002م) الأعلام، ط15، دار العلم للملايين. 7: 253.
26. الزيلعي، ع، (1313هـ) تبيين الحقائق، ط1، مصر: المطبعة الأميرية. 6: 30، 2: 127، 3: 59، 2: 267، 3: 112، 1: 140.
27. الزيلي، م، (1295هـ) هدية الصعلوك شرح تحفة الملوك، ايدنمشدر. ص30.
28. السجستاني، س، (د. هـ) سنن أبي داود، بيروت: دار الفكر. 1: 67، 1: 155.
29. سراج الدين، ع، (1302هـ) الفتاوى السراجية، الهند- لكنو: المطبع العالي. 1: 20.
30. السمرقندي، م، (د. هـ) تحفة الفقهاء، بيروت: دار الكتب العلمية، بيروت. 1: 5.
31. الشرنبلالي، ح، (1310هـ) غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام، الشركة الصحفية العثمانية. 1: 86.
32. شيخِ زاده، ع، (1316هـ) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة. 2: 58، 2: 542.
33. صدر الشريعة، ع، (2006م) شرح الوقاية، الأردن: مؤسسة الوراق. 3: 546، 4: 9، 3: 271، 1: 290.
34. الصنعاني، ع، (1403هـ) المصنف، ط2، بيروت: المكتب الإسلامي. 4: 322.
35. الصيداوي، م، (1405هـ) معجم الشيوخ، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة. 1: 360.
36. الطَّبَرَاني، س، (1404هـ) المعجم الكبير، ط2، الموصل: مكتبة العلوم والحكم. 9: 353
37. الطَّحْطَاوِيّ، أ، (1975مـ) حاشية الطَّحْطَاوي على الدر المختار، بيروت: دار المعرفة. 2: 27.
38. الطرابلسي، إ، (مخطوط) مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، العراق: من مخطوطات وزراة الأوقاف، برقم (3638). ق156/أ.
39. العَيْنِي، م، (1299هـ) رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق، مصر: مطبعة وادي النيل. 2: 26.
40. العَيْنِي، م، (1421هـ) منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، جامعة بغداد: رسالة ماجستير. 3: 219.
41. العَيْنِي، م، (1980مـ) البناية في شرح الهداية، ط1، بيروت: دار الفكر. 8: 91.
42. العيني، م، (د. هـ) عقد الجمان في تاريخ أهل زمان، المكتبة الشاملة. 1: 194.
43. الغزي، م، (1945م) الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، مطبعة محمد أمين وشركاه. 2: 78.
44. الغنيمي، ع، (د. هـ)، اللباب في شرح الكتاب، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 2: 342، 1: 303، 2: 98، 2: 355.
45. القاري، ع، (1418هـ) فتح العناية بشرح النقاية، ط1، دار الأرقم. 1: 284، 1: 244.
46. القدوري، أ، (د. هـ) مختصر القدوري، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 2: 17، 2: 81، 4: 176، 2: 46، 2: 10، 2: 208، 3: 62، 3: 63، 4: 8، 3: 198، 1: 81، 2: 153، 2: 150، 3: 14، 3: 84، 3: 103، 4: 160، 3: 12، 1: 50، 3: 95، 3: 96، 4: 85.
47. القسطنطيني، م، (د. هـ) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، بيروت: دار الفكر. 1: 227، 2: 1631، 2: 1631،2: 1631،2: 1631،
48. القُشَيْريّ، م، (د. هـ) صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 3: 1359، 4: 1813، 1: 319.
49. الكاساني، ع، (1402هـ) بدائع الصنائع، ط2، بيروت: دار الكتاب العربي. 6: 270، 5: 144، 5: 127.
50. كحالة، ع، (1414هـ) معجم المؤلفين ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، بيروت. 5: 111، 2: 237.
51. اللكنوي، ع، (1299هـ) تحفة النبلاء في جماعة النساء، الهند: المطبع المصطفائي. ص45.
52. اللكنوي، ع، (2009م) عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية، ط1، لبنان: دار الكتب العلمية. 2: 75،.
53. المرغيناني، ع، (د. هـ) الهداية شرح بداية المبتدي، الطبعة الأخيرة، مطبعة مصطفى البابي. 10: 44، 3: 26، 2: 175، 5: 347، 4: 330، 1: 200، 4: 398، 7: 292.
54. الموصلي، ع، (د. هـ) المختار، دار الأرقم. 2: 13.
55. النَّسَفِي، ع، (1328هـ) كنْز الدقائق، مصر: المطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر. ص97، ص14، ص30، ص45.
* * *