المرشد .............
... لمناسك العمرة
جارٍ تحميل الكتاب…
المرشد .............
... لمناسك العمرة
المرشد لمناسك العمرة
عند السادة الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه وسار على هديه إلى يوم أن يلقاه.
وبعد:
فهذا «مرشد لمناسك العمرة» مختصرٌ من «دليل مناسك العمرة» الي استخلصته من «الجامع في أحكام الصيام والحج والعمرة»؛ ليكون مرشداً لإخوتي وأخواتي من المسلمين الرَّاغبين في زيارة بيت الله المعظّم وحبيبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، راجياً من الله تعالى أن يكون نافعاً لهم، وميسراً لطريقهم، وموضحاً لمسلكهم، ومغنياً عما لا بدّ منه من الأحكام، والله ولي التوفيق.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
عمان، صويلح
بتاريخ 29 ـ 1: 214 م
تمهيد:
يُستحبُّ له إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي فيه ركعتين، يقرأ في الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الصمد؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما خلف عبد على أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفراً» (¬1)، ويقرأ بعد السَّلام آية الكرسي وإيلاف قريش، ويسأل الله الإعانة والتَّوفيق، ويقرأ دعاء السَّفر: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللَّهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتَّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمَّ هوِّن علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهمَّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمَّ إني أعوذ بك من وعثاء (¬2) السَّفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل».
ثم يقول: «اللهمَّ بلغنا بيتك الحرام وزيارة نبيِّك عليه أفضل الصَّلاة والسلام، اللهمَّ إنِّي لم أَخرج أشراً ولا رياءً ولا سمعةًَ، بل خرجتُ اتّقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، وقضاءً لفرضك، واتباعاً لسُّنَّة نبيِّك مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وشوقاً إلى لقائك، اللّهمَّ فتقبَّل ذلك منِّي، وصلِ
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 3: 552.
(¬2) الوعثاء: المشقة والشدة.
على أشرف عبادك سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الطِّيبين الطَّاهرين أجمعين».
فإذا نهض من جلوسه قال: «اللهمَّ بك انتشرت وإليك توَّجهت وبك اعتصمت، اللهمَّ اكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به منِّي، اللهمَّ زودني التَّقوى واغفر لي ذنبي ووجهني إلى الخير حيث ما توجَّهت» (¬1).
ثم يخرج، فإذا خرج من بيته، قال: «بسم الله، آمنت بالله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوَّة إلاّ بالله، اللَّهمَّ إنا أعوذ بك من أن أزل أو أضلّ، أو أظلم، أو أُظلم، أو أجهل، أو يُجهل عليّ» (¬2) وذلك الدعاء مستحبٌّ لكلِّ خارج من بيته، ثمّ يقول: «خرجتُ بحول الله وقوَّته بغير حول منّي ولا قوَّة إلا بالله، اللهمَّ إني أسألك بركة يومي هذا وبركة أهله» (¬3).
ويُستحبُّ أن يودع أهلَه وأقاربه وجيرانه وأصدقائه ويتحلَّل منهم ويسألهم الدُّعاء، وإذا ودَّع أحداً يقول كلٌّ منهما للآخر: «أستودع
¬
(¬1) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعاً في السنن الكبرى للبيهقي 5: 410، ومسند أبي يعلى 5: 157، ومسند الشهاب 2: 345.
(¬2) عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً في سنن الترمذي 5: 490، وقال: «حسن صحيح»، وصحيح ابن حبان 3: 104.
(¬3) ينظر: أدعية الحج والعمرة لقطب الدين ص 592 - 594.
الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وغفر ذنبك، ويسرَّ لك الخير حيثما كنت، زوَّدك الله التَّقوى وجنَّبَك الرَّدى» (¬1)، فإذا قال ذلك فهو جدير بأن يحفظ الله - عز وجل - وديعتَه، ويردَّه له سالماً.
ويُستحبُّ أن يتصدَّق بشيء من ماله قبل خروجه وبعده على الفقراء، فينبغي للمسافر أن يشتري سلامته من الله ممَّا تيسَّر من الصَّدقة.
• • •
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ودع رجلاً أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو يدع يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقول: استودع الله دينك وأمانتك وآخر عملك»، في سنن الترمذي 5: 499، والسنن الكبرى للنسائي 8: 108.
المبحث الأول
في أحكام العمرة
العمرةُ سنةٌ مؤكّدةٌ لمَن استطاع، فعن جابر - رضي الله عنه -: «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، إن تعتمر فهو أفضل» (¬1).
وفضلها كبيرٌ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الحجاج والعمار ـ أي المعتمر ـ وفد الله، إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف لهم، والذي نفس أبي القاسم بيده ما كبر مكبر على نشز، ولا أهل مهل على شرف من الأشراف إلا أهل ما بين يديه وكبر حتى ينقطع به منقطع التراب» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 4: 356، وجامع الترمذي 3: 270، وقال: حسن صحيح.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 2، وصحيح مسلم 2: 983.
(¬3) في شعب الإيمان 6: 17.
وأفضل أوقاتها شهر رمضان، فعمرة فيه تعدل حجة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي» (¬1).
وشرطها: الإحرام.
وركنُها: الطواف.
وواجبها: السَّعي والحلق أو التَّقصير، وما عداها سننٌ ومستحبّاتٌ وآداب.
وصورتها العامة:
أن يحرم بها من الحلِّ بعد أن يُصلّي ركعتي الإحرام في مسجدِ الميقات الذي أحرم منه، ويتقي فيها محظورات الإحرام، فإذا دخل مَكّة بدأ بالمسجد الحرام، واستلم الحجر الأسود وقطع التلبية عند أوّل الاستلام، وطاف حول الكعبة المشرفة سبعة أَشواط برمل واضطباع، ثمّ صَلّى ركعتي الطَّواف خلف مقام إبراهيم، ثمّ استلم الحَجر مرةً أُخرى وخرج للسعي، فسعى ثمّ حلق وتحلَّل من إحرامه.
• • •
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 659.
وتفاصيل أحكامها باختصار على النحو التالي:
* أولاً: صفة الإحرام:
إذا أراد أن يحرمَ للعمرة يُستحبُّ له أن يقصَّ شاربَه، ويُقلِّم أظفار يديه ورجليه، وينتف أو يحلق إبطيه، ويحلق عانته، ويُجامع أهله إن كانوا معه، ويتجرَّد عن الملبوس المُحَرَّم على المُحْرِم من المخيطِ والمعصفر، ويَغتسل بصابون ونحوه أو يتوضَّأ، ويَستاك ويُسرح شعره.
ثمّ يلبس من أحسن ثيابه ثوبين جديدين أو مُغسّلين أبيضين غير مخيطين إزاراً ورداءً، ويُستحبُّ أن يتطيَّب أو يدَّهنَ بما لا يبقى أثرُه، وهذا للرجل.
ثمّ يُصلِّي ركعتين بعد اللُّبس ينوي بهما سنّة الإحرام، يَقرأ فيهما: الكافرون، والإخلاص، ويُستحبُّ أن يصليهما في مسجد الميقات.
وإذا سَلَّم من الصلاة فالأفضل أن يحرم وهو جالسٌ مستقبل القبلة في مكانه، فيقول بلسانه مطابقاً لجنانه: «اللهم إنّي أريد العمرة، فيسِّرها لي، وتقبّلها منّي، نويت العمرة، وأحرمت بها لله تعالى»، ثم يلبي فيقول: «لَبَّيْكَ اللهم لبيك، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحمد والنعمة لك
والملك، لا شريك لك»، ويُصلِّي على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يدعو بما شاء، ومن المأثور: «اللهم إنّي أسألك من رضاك والجنة، وأعوذ بك من غضبك والنار».
ويُستحبُّ أن يذكرَ في إهلالِه ما أحرم به من عمرة فيقول: «لَبَّيْكَ عمرة».
وإن كان إحرامه عن الغير فلينو عنه، ويستحب ذكره في الدعاء، ثم إن شاء قال: لَبَّيْكَ عن فلان، وإن شاء اكتفى بالنية (¬1).
* ثانياً: صفة دخول مكة:
إذا وصل المحرم أول الحرم، فعليه بالسَّكينة، والوَقار، والدُّعاء بقضاء الحاجات، والإكثار من الاستغفار؛ لحطّ الأوزار.
ثمّ يستمرُّ بالتَّلبية والثَّناء على الله - جل جلاله - بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّقديس، ويُصلِّي على نبيه مُحمّد - صلى الله عليه وسلم -، ويَدعو إلى أن يصل إلى التنعيم، فيغتسل به إن دخل من طريقه، وإلا فحيث تيسّر مما قبله أو بعده، وهو مستحبٌّ حتى للحائض والنُّفساء.
ولا بأس بدخولِه ليلاً، ونهاراً أفضل، ويُستحبُّ أن يدخلَ من من أعلى مَكّة.
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك مع المسلك ص110 - 113.
وإذا رأى مَكّة دعا، ويكون في دخولها مُلبياً داعياً إلى أن يصل باب السلام، فيبدأ بالمسجد بعد حطّ أثقاله؛ ليكون قلبه فارغاً، وقبل حطّ أثقاله أفضل إن تيسّر، وإن كانوا جماعةً اشتغل بعضُهم بحطّ الأثقال، وبعضُهم بأداء الأفعال ولا يؤخّره؛ لتغيير ثياب واستئجار منزل وأكل وشرب ونحوها إلا لعذر (¬1).
* ثالثاً: صفة دخول المسجد الحرام:
يُستحبُّ أن يدخل المسجد من باب السَّلام، مُقدّماً رجله اليُمنى، داعياً مُصلياً على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، حافياً إلا أن يستضرّ، ويدعو بدعاء دخول المسجد فيقول: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (¬2).
وإذا رأى البيت هلَّل وكَبَّر ثلاثاً، وصلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعا بما أحبّ، ومن أهم الأدعية: «اللهم أدخلنا الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب»، ولا يرفع يديه عند رؤية البيت.
ومما يقال عند رؤية البيت: «اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً
¬
(¬1) ينظر: شرح ملا مسكين ص76، وفتح الله المعين 1: 474، واللباب مع المسلك 139 - 140.
(¬2) في سنن أبي داود 1: 127.
وتكريماً وبراً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً» (¬1).
ومما يقال: «أعوذ برب البيت من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر» (¬2).
ومما يقال: «اللَّهُمَّ أَنت السلام، ومنك السلام، وإِليكَ يَرْجع السلام، حَيِّنَا رَبَّنا بالسلام، وأَدخلنا دارك دار السلام، تباركت رَبَّنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإِكرام»، فعن سعيد بن المسيب وعمر - رضي الله عنهم - أنهما كانا يقولان عند رؤية البيت: «اللهم أنت السلام, ومنك السلام, فحينا ربنا بالسلام» (¬3).
ثمّ يتوجّه نحو الرُّكن الأسود فيبدأ بالطواف، ولا يشتغل بتحيّة المسجد ولا بشيء آخر، إلا أن يكون عليه صلاة فائتة، أو يَخاف فوت الصلاة المكتوبة أو الوتر أو سنة راتبةً أو الجماعة، فيقدم كل ذلك على الطواف (¬4).
¬
(¬1) عن ابن جريج مرفوعاً في مسند الشافعي ص125، والسنن الكبرى 5: 118.
(¬2) ينظر: فتح القدير 2: 448، والبناية 4: 119.
(¬3) في السنن الكبرى 5: 118/ ينظر: فتح باب العناية 3: 44.
(¬4) ينظر: اللباب والمسلك ص141 - 143، والوقاية ص251.
* رابعاً: صفة الطَّواف:
إذا أراد المعتمر الشروع في الطواف ينبغي أن يضطبع قبله بقليل: وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر، ويكون المنكب الأيمن مكشوفاً، وهو سُنّة للرَّجل.
ثمّ يقف مستقبل البيت بجانب الحجر الأسود ممّا يلي الركن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويكون منكبه الأيمن عند طرف الحجر، فينوي الطواف، وهذه الكيفية مستحبة، والنيّة فرض في الطواف.
ثمّ يمشي ماراً إلى يمينه حتى يحاذي الحجر، فيقف بحياله ويستقبله، ويبسمل ويكبّر ويحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو، فيقول: ((بسم الله، والله أكبر، ولله الحمد، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -)) (¬1)، ويرفع يديه عند التكبير حذاء منكبيه أو أذنيه مستقبلاً بباطن كفيه الحجر، وهذا أحد هيئات استلام الحجر.
ويُسنُّ استلام الحجر الأسود في كلِّ شوط، وإن استلمه في أول الطواف وآخره كفاه عن أصل السنة ولا شيء عليه.
¬
(¬1) بألفاظ قريبة منه ورد عن ابن عمر وعليّ - رضي الله عنهم - في مصنف عبد الرزاق 5: 33، وسنن البيهقي الكبير 5: 79، والمعجم الأوسط 1: 157.
وإذا فرغ من الاستلام أخذ عن يمين نفسه مما يلي الباب، وجعل البيت عن يساره، فيطوف سبعة أشواط وراء الحَطيم ـ وهو جدار حجر الكعبة ـ.
ويرمل الرَّجل في الأشواط الثلاثة الأول حول جميع البيت: وهو أن يسرع في المشي، ويهزّ كتفيه، ويُري من نفسه بالجلادة والقوة مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو، ويمشي في الباقي على هِينته بطمأنينته المعتادة في هيئته.
والرّمل بالقرب من البيت أفضل عند الإمكان من غير مزاحمةٍ في المكان، وإن لم يمكنه بسهولة ولا بغير مدافعة فالطواف بالبعد عن الكعبة بالرمل أفضل من الطواف بالقرب منها بغير الرمل؛ لأنَّ المدافعة محرمة، فإن ازدحم الناس صبر حتى تزول الزحمة.
ويكون في طوافه ذاكراً داعياً مُصلياً على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، وهو أفضل من قراءة القرآن؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم -، ومن الأدعية المأثورة: «اللهمّ هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - بين الركن اليماني والحجر: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} البقرة: 201، على سبيل الدعاء.
ويُستحبُّ استلام الرُّكن اليماني في كلِّ شوط، بأن يلمسه بيمينه دون يساره، وهو الركن الواقع قبل الحجر الأسود.
فإذا طاف سبعة أشواط استلم الحَجر الأسود، فختم به.
ثمّ يأتي مقام سيدنا إبراهيم فيصلي خلفَه ركعتي الطواف، يقرأ في الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص، ويستحب أن يدعو بعدهما، فيقول: «اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك - صلى الله عليه وسلم - , اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك، اللهم آتني من خير ما تؤتي عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة, اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، اللهم أوزعني أن أفي بعهدك الذي عاهدتني عليه، اللهم اجعلني من أئمة المتقين, واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين»، كان ابن عمر - رضي الله عنهم - «إذا قدم حاجاً أو معتمراً طاف بالبيت وصلى ركعتين، وكان جلوسه فيها أطول من قيامه ثناء على ربه ومسألة، فكان يقول حين يفرغ من ركعتيه وبين الصفا والمروة هذا الدعاء» (¬1).
ثمّ يأتي الملتزم ـ وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود ـ بعد أداء الرَّكعتين أو قبلهما، ويتشبث به بقرب الحَجر، ويضع صدره وبطنه
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 15: 406.
وخدّه الأيمن عليه رافعاً يديه فوق رأسه مبسوطتين على الجدار داعياً بالتضرع والابتهال مع الخضوع والانكسار مصلياً على النبي المختار.
ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها ويتضَّلع منها، بأن يبالغ في الشرب منها.
ثم يعود إلى الحَجر الأسود، فيستلمه إن قدر على ذلك، وإلا استقبله وهو يكبر ويهلل ويحمد الله ويصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم يمضى إلى الصفا فيسعى بينها وبين المروة (¬1).
* خامساً: صفة السعي:
إذا فرغ المعتمر من الطواف، فالسنة أن يخرج للسعي على فوره، ولا يؤخره إلا لعذر، ويستحب أن يخرجَ من باب الصفا، ويقدم رجلَه اليسرى للخروج، ثم يتوجَّه إلى الصفا، ويصعد عليه حتى يرى البيتَ من الباب إن أمكنه، وإن لم يقدر فبقدر ما يمكنه، ويستقبل الكعبة المشرفة، ويرفع يديه حذو منكبيه جاعلاً بطنهما نحو السماء كما في الدعاء، فيحمد الله - جل جلاله -، ويثني عليه، ويكبر، ويكرر الذكر مع التكبير ثلاثاً، ويهلل، ويصلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يدعو للمسلمين ولنفسه بما شاء، ويطيل القيام عليه، ولا يعجل، فإنَّه مقام إجابة الدعوات.
¬
(¬1) ينظر: الوقاية ص253.
ومما يقال: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أولانا، الحمد لله على ما ألهمنا، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، لو كره الكافرون، اللهم كما هديتني للإسلام أسألك أن لا تنزعه مني حتى توفاني وأنا مسلم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين، اللهم اغفر لي، ولوالدي ولمشايخي وللمسلمين أجمعين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين».
ومما يقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، فعن جابر - رضي الله عنه -: « ... ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} البقرة: 158، أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين
ذلك، قال: مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا» (¬1).
ثم يهبط نحو المروة داعياً ذاكراً ماشياً على هينته، حتى إذا كان قبيل الميل سعى سعياً شديداً فوق الرمل ودون العَدْو، حتى يجاوز الميلين الأخضرين، ويقول: «رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنَّك أنت الأعز الأكرم، اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يا مجيب الدعوات».
ثم يمشى على هينته حتى يأتي المروة إن أمكن الصعود إليه؛ حتى يتمكن من رؤية الكعبة المشرفة، ويفعل على المروة جميع ما فعله على الصفا من الاستقبال للكعبة المشرفة والتكبير والذكر والدعاء.
ثم ينزل من المروة داعياً ذاكراً، ويمشي على هينته، فإذا بلغ الميلين سعى سعياً شديداً في بطن الوادي، حتى يجاوز الميلين الأخضرين ـ كما سبق ـ، هكذا يفعل ذلك سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، من الصفا إلى المروة شوط، والعود من المروة إلى الصفا شوط آخر.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 888، وصحيح ابن حبان 9: 255.
ثم إذا فرغ من السعي يستحب له أن يصلي ركعتين في المسجد، ولا يصلي على المروة.
ثم يحلق ويتحلل من إحرامه، وهو بعد حلقه حلال يفعل كما يفعل الحلال (¬1).
* سادساً: صفة الحلق والتقصير:
إذا فرغ المعتمر من السعي حلق رأسه، ولا يأخذ من شعر لحيته، ولا من شاربه وظفره قبل الحلق، ولا يحلق لغيره عند جواز التحلل قبل أن يتحلل هو من إحرامه، فهو خلاف الأولى، ولو فعل لا يلزمه شيء.
ويستقبل القبلة للحلق، ويبدأ بالجانب الأيمن من الرأس، ويدعو ويكبّر عند الحلق وبعده، ويدعو له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين.
والسُنّة حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، وإن اقتصر على حلق أو تقصير الربع جاز مع الكراهة، وهو أقلُّ الواجب في الحلق، وأما التقصير فأقلّه قدر أنملة من شعر ربع الرأس.
والمرأةُ تتحلَّل بالتَّقصير لا بالحلق، فالحلقُ مسنون للرِّجال، ومكروهٌ للنِّساء، أمَّا التَّقصير فهو مباحٌ لهنّ ومسنونٌ، بل واجبٌ لهنّ؛ لكراهة الحلق كراهة تحريم في حقهنّ إلا لضرورة.
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص200 - 204.
فإذا حلق يباح له جميع ما حُظر بالإحرام من الطيب، والصيد، ولبس المخيط وغيره.
ويستحبُّ له بعد الحلق أخذ الشارب وقصّ الأظفار (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك ص250 - 253.
المبحث الثّاني
ما يُستحبُّ فعله
أثناء إقامته في الحرمين
إذا عاين حيطان المدينة المنورة يُصلِّي على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثمّ يقول: «اللهم هذا حرم نبيِّك ومهبط وحيك فامنن عليّ بالدُّخول فيه، واجعله وقاية لي من النار، وأماناً من العذاب، واجعلني من الفائزين بشفاعة المصطفى يوم المآب»، ويستحبّ له الإكثار من الصَّلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه يسمعها وتبلغ إليه، وفضلُها أشهر من أن يذكر.
ويغتسل قبل دخول المدينة أو بعد دخولها قبل التوجّه لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إن أمكنَه، ويتطيَّب ويَلبس أحسن ثيابه؛ تعظيماً للقدوم على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثمّ يدخل المدينة المنورة ويضع أمتعته ويتوجه لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - متواضعاً بالسكينة والوقار ملاحظاً جلالة المكان قائلاً: «بسم الله وعلى ملّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ربّ أدخلني مُدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً، اللهم صلّ على سيدنا مُحمّد وعلى آل
محمّد كما صليت على إبراهيم إلى آخره، واغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك».
ثمّ يدخل المسجد الشريف فيصلي تحيته عند منبره - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ويقف بحيث يكون عمود المنبر الشريف بحذاء كتفه الأيمن، فهو موقفُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنّة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (¬1).
ثم يسجد شكراً لله تعالى بأداء ركعتين غير تحية المسجد شكراً لما وفقك الله تعالى ومَنّ عليك بالوصول إليه - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يدعو بما شاء.
ثمّ ينهض متوجّهاً إلى القبر الشريف فيقف بمقدار أربعة أذرع بعيداً عن المقصورة الشريفة بغاية الأدب مستدبراً القبلة، محاذياً لرأس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ووجهه الأكرم، ملاحظاً نظره السعيد إليك وسماعه كلامك وردّه عليك سلامك وتأمينه على دعائك ويقول: «السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام عليك يا نبيّ الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نبيّ الرحمة، السلام عليك يا شفيع الأمة، السلام عليك يا سيد المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 61، وصحيح مسلم 2: 1011.
مزمل، السلام عليك يا مدثر، السلام عليك وعلى أصولك الطيبين وأهل بيتك الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، جزاك الله عنّا أفضل ما جزى نبيّاً عن قومه ورسولاً عن أمته، أشهد أنَّك رسول الله قد بلغت الرسالة، وأدَّيت الأمانة، ونصحت الأمة، وأوضحت الحجّة، وجاهدت في سبيل الله حقّ جهاده، وأقمت الدين حتى أتاك اليقين صلى الله عليك وسلم، وعلى أشرف مكان تشرّف بحلول جسمك الكريم فيه، صلاة وسلاماً دائمين من ربّ العالمين، عدد ما كان وعدد ما يكون بعلم الله، صلاة لا انقضاء لأمدها يا رسول الله، نحن وفدك وزوار حرمك تشرّفنا بالحلول بين يديك، وقد جئناك من بلاد شاسعة وأمكنة بعيدة نقطع السهل والوعر بقصد زيارتك؛ لنفوز بشفاعتك والنظر إلى مآثرك ومعاهدك، والقيام بقضاء بعض حقّك والاستشفاع بك إلى ربّنا، فإنَّ الخطايا قد قصمت ظهورنا، والأوزار قد أثقلت كواهلنا، وأنت الشافع المشفع، الموعود بالشفاعة العظمى والمقام المحمود والوسيلة، وقد قال الله - جل جلاله -: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} النساء: 64، وقد جئناك ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سننك، وأن يحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا ندامى، الشفاعةُ الشفاعةُ الشفاعةُ يا رسول الله (يقولها ثلاثاً)، ربنا
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنَّك رؤوف رحيم».
ثمّ يبلغه سلام مَن أوصاه بالسلام عليه، فيقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان يتشفّع بك إلى ربّك فاشفع له وللمسلمين.
ثمّ يصلِّي عليه ويدعو بما شاء عند وجهه الكريم مستدبراً القبلة.
ثمّ يتحوّل قدر ذراع حتى يحاذي رأس الصديق أبي بكر - رضي الله عنه -، ويقول: «السلام عليك يا خليفة رسول الله، يا صاحب رسول الله وأنيسه في الغار ورفيقه في الأسفار وأمينه على الأسرار، جزاك الله عنّا أفضل ما جزى إماماً عن أمّة نبيّه، فلقد خلفته بأحسن خلف، وسلكت طريقه ومنهاجه خير مسلك، وقاتلت أهل الردّة والبدع، ومهّدت الإسلام، وشيّدت أركانه، فكنت خير إمام، ووصلت الأرحام، ولم تزل قائماً بالحقّ ناصراً للدين ولأهله حتى أتاك اليقين، سل الله سبحانه لنا دوام حبّك والحشر مع حزبك، وقبول زيارتنا، السلام عليك ورحمة الله وبركاته».
ثمّ يتحوّل مثل ذلك حتى يحاذي رأس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيقول: «السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مظهر الإسلام، السلام عليك يا مكسر الأصنام، جزاك الله عنّا أفضل الجزاء، نصرت الإسلام والمسلمين، وفتحت معظم البلاد بعد سيّد
المرسلين، وكفلت الأيتام، ووصلت الأرحام، وقوي بك الإسلام، وكنت للمسلمين إماماً مرضياً وهادياً مهدياً، جمعت شملهم، وأَغنيت فقيرَهم، وجبرت كسيرهم، السلام عليك ورحمة الله وبركاته».
ثمّ يرجع قدر نصف ذراع فيقول: «السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفيقيه ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام بالدين، والقائمين بعده بمصالح المسلمين، جزاكما الله أحسن الجزاء، جئناكما نتوسّل بكما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشفع لنا، ويسأل الله ربّنا أن يتقبّل سعينا ويحيينا على ملّته، ويميتنا عليها، ويحشرنا في زمرته».
ثمّ يدعو لنفسه ولوالديه ولمَن أوصاه بالدعاء ولجميع المسلمين.
ثمّ يقف عند رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق، ويدعو الله ويقول: «اللهم إنّك قلت وقولك الحقّ {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} النساء: 64، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك مستشفعين بنبيِّك إليك، اللهم ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمّهاتنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنّك رؤوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين»، ويزيد ما شاء ويدعو بما يحضره ويوفق له بفضل الله - جل جلاله -.
ثمّ يأتي إسطوانة أبي لبابة التي ربط بها نفسه حتى تاب الله عليه، وهي بين قبره - صلى الله عليه وسلم - والمنبر، ويُصلِّي ما شاء نفلاً، ويتوب إلى الله، ويدعو بما شاء.
ثم يأتي الروضة، ويُصلِّي ما شاء، ويدعو بما أحب ويكثر من التسبيح والتهليل والثناء والاستغفار.
ثم يأتي المنبر فيضع يده على الرمانة التي كانت به؛ تبركاً بآثار رسول - صلى الله عليه وسلم - ومكان يده الشريفة إذا خطب؛ لينال بركته - صلى الله عليه وسلم - ويُصلّي عليه، ويسأل الله ما شاء.
ثمّ يأتي الإسطوانة الحنّانة وهي التي فيها بقية الجذع الذي حنّ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حين تركه وخطب على المنبر حتى نزل فاحتضنه فسكن.
ويتبرّك بما بقي من الآثار النبويّة والأماكن الشريفة.
ويجتهد في مشاهدة الحضرة النبوية وزيارته في عموم الأوقات.
ويُستحبُّ أن يُكثر الصِّيام مدّة إقامته في المدينة المنورة، وأن يتصدَّق على المساكين من أهلها، خصوصاً المجاورين والمستوطنين للحرم، ويستكثر من أعمال الخير كلِّها من صلاةِ نافلةٍ، وتلاوةِ قرآن، وملازمة الذّكر، ومداومة الفكر؛ لتضاعف الحسنة في الحرم المدني كما في الحرم المكي.
فيقيم اللَّيل ويحيي ليالي إقامته فيها، فإنَّها المستدركة من الأيام السالفة، فيحرص على ملازمة المسجد باجتهاده في العبادة، لاسيما في حضور الصَّلوات الخمس للجماعة، والاعتكاف، ويستحبُّ الختم للقرآن ولو مرّة فيها؛ لأنَّها مهبط الوحي ونزول القرآن، فلا ينشغل بالأسواق وتضييع الأوقات.
وينبغي أن ينظر إلى أهلها بعين التعظيم ولا يبحث عن بواطنهم ولا عن ظواهرهم، ويتركها إلى الله - جل جلاله -، ويحبُّهم لجوارهم كيفما كانوا، فإنَّ عظم الإساءة لا تسلب حرمة الجوار.
ويستحبُّ إدامة النظر إلى الكعبة والحجرة الشريفة إن تيسر أو القبة المنيفة إن لم يتيسر النظر إلى الحجرة، فإنَّ النظر إليهما عبادة؛ لما روي: «النظر إلى الكعبة عبادة» (¬1)، و «النظر إلى عليّ عبادة» (¬2)، فإنَّ ما يكون النظر إليه يدلّ على الحق ويُسير إليه فهو عبادة، كما روي أنَّ أولياء الله هم الذين إذا رؤوا ذُكِر الله.
ويُستحبُّ الإكثار من الطَّواف بمكة، والإكثار من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة، ويكثر من زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا كراهة في ذلك.
¬
(¬1) عن عائشة رضي الله عنها في الجامع الصغير للسيوطي برقم 14587، وينظر: المرقاة 7: 3055.
(¬2) رواه الطبراني والحاكم عن أبي مسعود وعن عمران بن حصين - رضي الله عنهم -، كما في المرقاة 7: 3055.
ولا يمسُّ عند زيارة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الجدار؛ لأنَّه خلاف الأدب في مقام الوقار، ولا يُقَبِلُهُ؛ لأنَّ الاستلام والتقبيل من خواص بعض أركان الكعبة، ولا يلتصق بالجدار بالتزامه ولصوق بطنه؛ لعدم وروده، ولا يطوف حول البقعة المشرفة؛ لأنَّ الطواف خاص بالكعبة، ولا ينحني ولا يقبل الأرض، فإنَّه بدعة مكروهة (¬1).
يُستحبُّ في مكة زيارة بيت السيدة خديجة رضي الله عنها الذي ولدت فيه فاطمة الزهراء رضي الله عنها وهو مسكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يزل مقيماً فيه حتى هاجر، وزيارة مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودار أبو بكر - رضي الله عنه -، وزيارة مولد علي - رضي الله عنه -، ودار الأرقم، وغار جبل ثور، وغار جبل حراء، ومسجد الرّاية وهو بأعلى مكة، ومسجد الجنّ، ومسجد الشجرة، ومسجد غنم، ومسجد أجياد، ومسجد العقبة بقرب منى، ومسجد الجعرانة، ومسجد عائشة بالتنعيم، ومسجد الخيف (¬2).
ويُستحبُّ أن يخرجَ إلى البقيع كلّ يوم بعد زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا للزَّائرين للمدينة، أمَّا المجاورين فيستحبُّ لهم زيارتها في كلِّ جمعة، فيأتي المشاهد والمزارات خصوصاً قبر سيّد الشهداء حمزة - رضي الله عنه -، ثمّ إلى البقيع الآخر فيزور العبّاس والحسن بن عليّ وبقيّة آل الرسول - رضي الله عنهم -، ويزور أمير
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك ص565 - 569.
(¬2) ينظر: لباب المناسك ص550.
المؤمنين عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - وإبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمته صفية والصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، ويزور شهداء أُحد، وإن تيسر يوم الخميس فهو أحسن، ويقول: «سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»، ويقرأ آية الكرسي والإخلاص، وسورة يس إن تيسّر، ويهدي ثواب ذلك لجميع الشّهداء، ومَن بجوارهم من المؤمنين.
ويُستحبُّ له أن يأتي مسجد قُباء ويُصلِّي فيه (¬1)، ويقول بعد دعائه بما أحبّ: «يا صريخ المستصرخين، يا غيّاث المستغيثين، يا مفرج كرب المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، صلّ على سيدنا محمّد وآله واكشف كربي وحزني كما كشفت عن رسولك حزنه وكربه في هذا المقام، يا حنّان يا منّان، يا كثير المعروف والإحسان، يا دائم النعم، يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً دائماً أبداً يا رب العالمين آمين» (¬2).
وإذا فرغ من زيارة سيد الأنام - صلى الله عليه وسلم - والمشاهد العظام وعزم على الرُّجوع إلى الأوطان، يُستحبُّ له أن يودع مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة بدل طواف الوداع من مكّة، فيصلي في الروضة إذا أمكن، ويدعو بما أحب،
¬
(¬1) فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً» في صحيح البخاري 2: 61.
(¬2) ينظر: الاختيار 1: 175، والمراقي ص 282 - 283.
ويسأل الله - عز وجل - القبول والوصول إلى الأهل سالماً من بليات الدارين، ثم يقول: «اللهمَّ لا تجعل هذا آخر العهد بنبيِّك ومسجده وحرمه، ويسر لي العود إليه والعكوف لديه، وارزقني العفو والعافية في الدُّنيا والآخرة وردنا إلى أهلنا سالمين غانمين آمين برحمتك يا أرحم الرَّاحمين»، ويجتهد في إخراج الدَّمع من العين، فإنَّه من علامات القبول، ثم ينصرف متباكياً متحسِّراً على مفارقة الحضرة الشَّريفة والآثار المنيفة، وينبغي أن يتصدَّق بما يتيسَّر له ويدعو في رجوعه: «سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين، وإنّا إلى ربِّنا لمنقلبون، اللهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتَّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمَّ هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهمَّ أنت الصَّاحب في السَّفر، والخليفة في الأهل، اللهمَّ إنّي أعوذ بك من وعثاء (¬1) السَّفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» (¬2).
ويخبر أهله بوقت وصوله، والأولى أن يدخل بلده نهاراً، فإذا دخل بلده بدأ بالمسجد كما كان يفعله - صلى الله عليه وسلم -، وصلى فيه ركعتين تحية المسجد إن لم يكن وقت كراهة، وإذا دخل بيته الخاصّ صلَّي فيه ركعتين؛ ليصير
¬
(¬1) الوعثاء: المشقة والشدة.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 978، وسنن أبي داود 3: 33.
المسك ختامه، ويعود العود تمامه، ويشكر الله على ما أولاه من إتمام العبادة والرجوع بالسلامة.
ثم يُستحبُّ أن يدخل على أحبِّ أهلِه إليه إن كانوا موجودين لديه؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان بعد دخوله المسجد وصلاتِه فيه وخروجه منه يبدأ بالدخول على فاطمة الزهراء رضي الله عنها قبل دخوله على نسائه.
وينبغي أن يجتهد في زيادة حسن مكارم أخلاقه في باقي عمره، ويزداد خيره بعد العود، فإنَّ علامة العمرة المبرورة وقبول زيارة خير مزور - صلى الله عليه وسلم - أن يعود خيراً مما كان في جميع الِأمور، فإن رأى في نفسه تباعداً عن الأباطيل والخوض في الضَّلال والتَّضليل وتحامياً عن دار الغرور وإنابة إلى دار الخلود وجوار المعبود، فليحترز أن يدنس ذلك بطلب الزيادة من الدنيا وترك القناعة بما يكفيه ويعينه على الطاعة من زاد الآخرة (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك ص586 - 588.
المبحث الثالث
فتاوى مهمة
س: كيف يكون إحرام المرأة؟
ج: إحرامُ المرأةِ كإحرام الرجل إلا أنَّها تلبس المخيط غير المصبوغ، وتلبسُ الخُفين، وتلبسُ القُفازين، وتكشف وجهها أو تغطي وجهها استحباباً بشيءٍ متجاف، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمل في الطواف، ولا تضطبع في الطواف، ولا تهرول بين الميلين الأخضرين، ولا تحلق رأسها بل تقصر، ولا تستلم الحجر الأسود عند المزاحمة، ولا تصعد الصفا عند المزاحمة، ولا تصلي عند مقام إبراهيم - عليه السلام - وقت المزاحمة (¬1).
• • •
س: كيف يكون إحرامُ الصبيّ؟
ج: تصح العمرة من الصبي، فإذا كان الصبي عاقلاً مميزاً ينعقد إحرامه لنفسه، ويصحّ أداؤه للعمرة بنفسه، أما إذا كان الصبي غير مميز،
¬
(¬1) في اللباب والمسلك ص 127 - 128.
فلا يصح منه الإحرام ومباشرة الأفعال، فيحرم عنه وليه وينوب عنه في كل ما لا يقدر على فعله، إلاّ ركعتي الطَّواف فإنَّ الولي لا يصليهما عنه مُطلقاً، وكلُّ ما قدر الصبي على فعلِه بنفسِهِ لا يجوز فيه النّيابة عنه، وينبغي لوليه أن يجنِّبَه من محظورات الإحرام، وإن ارتكبها فلا شيء عليه، ولا على وليه (¬1).
• • •
س: الميقات المكاني لأهل الآفاق؟
ج: يُحرِمُ أهل الآفاق ـ وهم من يعيشون خارج المواقيت ـ من الميقات الذي يمرّ به، فأهل الشام يحرمون من الجُحفة إن ذهبوا مباشرة إلى مكّة عادة، ومن ذي الُحليفة (آبار علي) إن ذهبوا للمدينة، ويجب الإحرام من الميقات مع جواز تقديم الإحرام عليه، وهو الأفضل لمن أمن على نفسه، وتحريم تأخير الإحرام عن الميقات، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام» (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص124 - 127.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 4: 509، بلا ذكر ابن عباس.
س: هل يجوز تكرار العمرة؟
ج: يجوز أداء عمرة أخرى في سفر واحد لكنه خلاف الأولى، فالانشغال بالطواف والعبادة في الحرم أولى، ومن أراد أداء عمرة ثانية فعليه الأحرام من الحل، وأَقرب منطقة فيه منطقة التَّنعيم من مسجد السيدة عائشة رضي الله عنها، لما روت عائشة رضي الله عنها: «قدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت فلما قضينا الحج، أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت» (¬1).
• • •
س: ما هي سنن الإحرام؟
ج: يُسنُّ في الإحرام ستة أمور، فإن تركها بغير عذر لم ينل أجر السنة وكان مسيئاً، أما إن تركها لعذر فلا شيء عليه وهي: الإحرام من ميقات بلده إن مر به، والاغتسال أو الوضوء نيابة عن الغسل عند إرادة صلاة ركعتي الإحرام، ولبس الإزار من الخصر والرداء من الكتف، وهذا للرجل، والادهان والتطيب في البدن والثَّوب، وبما لا يبقى أثره من الطيب أفضل، و أداء ركعتين لسنة الإحرام، والالتزام بالتّلبية المعيّنة
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 570، وصحيح البخاري 2: 563، وغيرهما.
الواردة في الأحاديث، مثل: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ويُكرِّرها ثلاثاً كلِّ ما ذكرها (¬1).
• • •
س: ما هي مستحبّات الإحرام؟
ج: يُستحبُّ في الإحرام سبعة أمور، فإن ترك واحداً منها لا يلام على تركه ولا يكون مسيئاً، وهي: تقليم أظافر اليد والرِّجل قبل الغسل وقص الشارب ونتف شعر الإبط وحلق العانة، ونية الغسل للإحرام، ولبس ثوبين أبيضين جديدين أو مغسلين، ولبس نعلين، وإن جاز لبس غيرهما مما لا يستر الكعبين في وسط الرجلين: أي لا يواري الكعب الذي عند معقد شراك النَّعل، والتلفظ بلسانه لما نوى في قلبه، وأن تكون نيَّتُه بعد الصَّلاة حال جلوسه بلا فصل كبير قبل أن يقوم أو يركب أو يمشي، وتقديم الإحرام على ميقاته المكاني لمن ملك نفسه بالاحتراز عن الوقوع في المحظورات (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص101 - 102.
(¬2) ينظر: اللباب والمسلك ص102 - 103.
س: ما هي محرمات الإحرام؟
ج: إنَّ محرمات الإحرام كثيرة، ومنها: تأخير الإحرامَ عن الميقات؛ لأنَّ الإحرامَ من الميقاتِ واجبٌ، وترك واجبات العمرة بغير عذر، وهي السعي والحلق والتقصير، وتعمَّد ارتكاب المحظورات (¬1).
• • •
س: ما هي محظورات الإحرام؟
ج: الرفث والفسوق والجدال (¬2)، قال - جل جلاله -: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} البقرة: 197، والرفث: الجماعُ ودواعيه: كالقبلة، واللمس، وإزالةُ الشَّعر حلقاً ونتفاً وإحراقاً، وحلقُ المحرم شعره أو شعر غيره وتقصيرُه، سواء كان ذلك الغير حلالاً أو محرماً، وحلق شعر الشارب، والإبط، والعانة، والرقبة، وموضع المحاجم، وقصّ اللحية ونتفها، وقلم الأظافر، ولبسُ المخيط على الوجه المعتاد، ولبسُ الخُفين والجَوربين وكلُّ ما يُواري الكعب الذي عند معقد شراك النَّعل، وتغطيةُ الرّأس والوجه، والتطيّبُ والتَّدهينُ، وأكلُ الطِّيب، وخضب شعر الرأس واللحية بالحناء، وكذا صبغهما.
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك مع المسلك المتقسط ص103.
(¬2) والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: وهو أن يجادل رفيقه حتى يغضبه بالمنازعة القبيحة. ينظر: شرح الوقاية ص249.
س: ما هي مكروهات الإحرام؟
ج: إنَّ ترك كل سنة من سننه من غير عذر توجب الكراهة، وهذه المكروهات: الإحرام بلا غسل أو وضوء، وإزالة الوسخ والدرن وغسلُ الرأس، واللحية، والجسد بالصَّابون، ومشطُ الشعر وحكه حكّاً شديداً، وعقدُ الإزارِ والرِّداء، بأن يربطَ طرف أحدهما بطرفِه الآخر، والتزيّن، وكبُّ الوجه على الوسادة، بخلافِ وضع الخد على الوسادةِ فلا يكره (¬1).
• • •
س: ما هي مباحات الإحرام؟
ج: مباحات الإحرام كثيرة، ومنها: الاغتسال بالماء القَراح بقصد الطَّهارة أو دفع الغبار والحرارة لا بقصد إزالة الوسخ، ولبسُ الخاتم والسَّاعة والنَّظارة وكلُّ ما تمسُّ الحاجة له، وشدُّ الحزام، سواء كان فيه نفقتُه أو نفقةُ غيره، واستعمالُ السِّواك، ونزعُ الضِّرس والظّفر المكسور، وجبر الكسر وتعصيبه، وأكلُ طعام فيه طيبٌ إن مسَّته النَّار أو تغيّر، والتَّزوّجُ والتَّزويج، وذبحُ الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، والبط الأهلي، وقتلُ الهوام (¬2).
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك 133 - 135.
(¬2) ينظر: لباب المناسك ص135 - 138.
س: ما هي واجبات الطواف؟
ج: يجب في الطواف ستة أمور، فإن فقد واحد منها، وجب عليه إعادة الطواف، فإن لم يعد، صح طوافه مع الإثم ووجوب الجزاء؛ لترك الواجب، وهي: الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر، ولو طاف معهما صحّ، ولم يحل له ذلك، ويكون عاصياً، ويجب عليه الإعادة، والجزاء إن لم يعد؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «إنَّ أول شيء بدأ به - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة أنَّه توضأ ثم طاف بالبيت» (¬1)، والطهارة عن النجاسة الحقيقية في قدر ما يستر به عورته من الثّوب، وستر العورة، والمشي فيه للقادر، والتيامن؛ وهو أخذ الطائف عن يمين نفسه وجعل الكعبة المشرفة عن يساره، والطواف وراء الحَطيم؛ فلو لم يطف وراءه، بل دخل الفرجة التي بينه وبين البيت فطاف، فعليه الإعادة أو الجزاء (¬2).
• • •
س: ما هي أحكام ركعتي الطواف؟
ج: واجبة بعد كلّ طواف فرضاً كان أو واجباً أو سنة أو مستحباً أو نفلاً؛ فعن الزهري: «لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - أسبوعاً قط إلا صلى ركعتين» (¬3)،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 906، وصحيح البخاري 2: 591.
(¬2) ينظر: المسلك المتقسط ص170.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 586.
وهي لا تختص بزمان ولا مكان في الجواز والصحة فيما عدا وقت الكراهة، ويستحب أداؤها خلف المقام، ثم المسجد، ثم الحرم، ثم لا فضيلة بعد الحرم، بل الإساءة، ويستحب أن يقرأ في الأولى: بسورة الكافرون، وفي الثانية: بالإخلاص، ويستحب أن يدعو بعدها لنفسه، ولمَن أحبّ من المسلمين، ويدعو بدعاء آدم - عليه السلام -، وكان من دعاء آدم - عليه السلام -: «رب ظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني إنَّه لا يغفر الذنوب غيرك» (¬1)، وإن صلى أكثر من ركعتين جاز، ولا تجزئ الصَّلاة المكتوبة والمنذورة عنها، ولا يجوز اقتداء مصلي ركعتي الطواف بمثله، ولا ينوب الولي عن الصبي في صلاتهما إذا طاف به (¬2).
• • •
س: ما هي سنن الطواف؟
ج: يُسنُّ في الطواف تسعة أمور، فإن تركها بغير عذر لم ينل أجر السنة وكان مسيئاً، أمّا إن تركها لعذر فلا شيء عليه وهي: استلام الحجر الأسود مطلقاً، واستقباله في ابتداء الطواف، واستلامه بين الطواف والسعي، وابتداء الطواف منه، ورفع اليدين عند التكبير مقابلة الحجر
¬
(¬1) في العظمة لأبي الشيخ 5: 1597، وينظر: مجمع الزوائد 10: 292، وإحياء علوم الدين 4: 241.
(¬2) ينظر: اللباب ص171 - 175.
الأسود، والاضطباع في جميع أشواط الطواف، والرمل في الأشواط الثلاثة الأول والمشي على هينته في باقي الأشواط، والموالاة بين الأشواط، والطهارة عن النجاسة الحقيقية في الثياب والأعضاء البدنية، فهي سنة، أما الطهارة عن النجاسة في قدر ما يستر به عورتَه من الثَّوب فهي واجبةٌ (¬1).
• • •
س: ما هي مستحبات الطواف؟
ج: يُستحبُّ في الطَّواف تسعة أمور، فإن ترك واحداً منها لا يلام على تركه ولا يكون مسيئاً، وهي: استلام الركن اليماني من غير قُبلة ووضع جبهة، وأخذ الطائف عن يمين الحجر بحيث يمرّ جميع بدنه عليه، بأن يقف قبيل الحجر مستقبلاً، ثم يطوف متيامناً، وتقبيل الحجر الأسود والسجود عليه ثلاثاً، وإتيان الأذكار والأدعية في أثنائه، وأن يكون في طوافه قريباً من البيت، وهذا للرَّجل، والمرأة يُسنّ لها البعد إن كانت زحمة الرجال، وإعادة الطواف لو قطعه ولو بعذر إلا إذا طاف أكثره فلا يعيد، وترك الكلام المباح، وكلُّ عمل ينافي الخشوع، والإسرار بالذكر والأدعية بالمبالغة في الإخفاء؛ تبعيداً عن السمعة والرياء (¬2).
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص176.
(¬2) ينظر: اللباب مع المسلك ص177 - 180.
س: ما هي مباحات الطواف؟
ج: يُباح في الطَّواف: الكلام المباح فيما يحتاج إليه، والسلام على من لا يكون مشغولاً بالذكر، والإفتاء والاستفتاء، والخروج منه لحاجة، والشرب دون الأكل، والطواف في نعل أو خف إذا كانا طاهرين، وترك الأذكار والأدعية وقراءة القرآن، والطواف راكباً أو محمولاً بعذر.
• • •
س: ما هي محرمات الطواف؟
ج: الطواف جنباً أو حائضاً أو نفساء أشد حرمة، أو الطواف محدثاً، وهو دونهم في الحرمة، والطواف عرياناً؛ بأن يكشف من العورة قدر ما لا تصح به الصلاة، والطواف راكباً أو محمولاً أو زاحفاً بلا عذر، والطواف منكوساً أو معكوساً، والطواف داخل الحِجر، وترك شيء من الطواف، إلا أنَّ ترك الشوط الرابع حرام، وترك الأشواط الثلاثة مكروه كراهة تحريم، وهذا الأمور كلُّها محرّمة في الطَّواف حتى لو كان الطَّواف نفلاً.
• • •
س: ما هي مكروهات الطَّواف؟
ج: إنَّ ترك كلّ سنة من سنن الطَّواف من غير عذر توجب الكراهة، ومن هذه المكروهات: الكلام الفضول الذي لا حاجة له،
والبيع والشراء، ورفع الصوت ولو بالقرآن والذكر والدعاء بحيث يشوش على الطائفين والمصلين، والطواف مع نجاسة الثوب أو البدن، وترك الرمل والاضطباع للرجل من غير ضرورة، وترك استلام الحجر الأسود، وتفريق الطواف تفريقاً كثيراً سواء مرة أو مرات، والجمع بين طوافين فأكثر من غير صلاة بينهما، والطواف عند الخطبة، والطواف عند إقامة الصلاة المكتوبة، والأكل في أثناء الطواف، والطواف في حالة مدافعة الأخبثين البول والغائط (¬1).
• • •
س: شروط صحة السعي؟
ج: يُشترط لصحة السعي بين الصفا والمروة سبعة شروط، فإن فُقِد واحدٌ منها لم يصحّ منه السعي ولا يعتدُّ به، وعليه إعادته، وهي: أن يكون بين الصَّفا والمروة، وأن يكون بعد الطواف أو بعد أكثر أشواط الطواف، وتقديم الإحرام علىه، والبداءة بالصفا والختم بالمروة، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، وأن يكون السعي بعد طواف صحيح، فإن كان السعي بعد طواف فاسد: كمن سعى بعد أن أتى بأقل الطواف، وإتيان أكثر السعي؛ وهو أربعة أشواط فلو سعى أقله فكأنَّه لم يسعَ (¬2).
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك المتقسط ص182 - 183.
(¬2) ينظر: اللباب والمسلك ص192 - 197.
س: ما هي واجبات السعي؟
ج: يجب في السَّعي بين الصفا والمروة خمسة أمور، فإن فُقِد واحدٌ منها، وجب عليه إعادة السعي، فإن لم يُعِد صحَّ سعيه مع الإثم ووجوب الجزاء؛ لترك الواجب، وهي: تكميل عدده سبع أشواط، فإن ترك أقل السعي، صحّ سعيه، وعليه صدقة؛ لترك ما بقي من الأشواط، والمشي فيه للقادر، وبقاء الإحرام في حال السعي، وقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، وهو أن يلصق عقبيه بهما، وأن يكون بعد طواف على طهارة من جنابة وحيض ونفاس (¬1).
• • •
س: ما هي سنن السعي؟
ج: يسن في السعي بين الصفا والمروة خمسة أمور، فإن تركها بغير عذر لم ينل أجر السنة وكان مسيئاً، أما إن تركها لعذر فلا شيء عليه وهي: الموالاة بينه وبين الطواف، والموالاة بين أشواطه، والصعود على جبل الصفا والمروة، والهرولة بين الميلين الأخضرين في كلّ شوط فوق الرمل ودون العَدْو، وستر العورة (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المسلك المتقسط ص196.
(¬2) ينظر: اللباب مع المسلك ص197 - 198.
س: ما هي مستحبات السعي؟
ج: يستحبُّ في السعي بين الصفا والمروة ثمانية أمور، فإن ترك واحداً منها لا يلام على تركه ولا يكون مسيئاً، وهي: النيّة، والطهارة عن النجاسة الحقيقية وعن النجاسة الحكمية ـ وهي الحدث الأكبر والأصغر ـ، وإعادته لو فرّقه، والخشوع ظاهراً وباطناً، والذكر والدعاء من المأثور وغيره، وترك الكلام الذي لا حاجة له، وتكرار الذكر ثلاثاً، وطول القيام على الصفا والمروة، وعدم التعجل في النزول عنه فإنَّه مقام إجابة الدعوات، وأداء ركعتين بعد فراغه منه في المسجد الحرام، ولا يصليهما على المروة؛ لأنَّها ليست من المسجد.
• • •
س: ما هي مباحات السعي؟
ج: من الأمور المباحة أثناء السعي: الكلام المباح الذي لا يشغله عن الذكر والدعاء، والشرب، والخروج منه لأداء صلاة مكتوبة أو صلاة جنازة.
• • •
س: ما هي مكروهات السعي؟
ج: إنَّ تركَ كلّ سنّة من سنن السَّعي من غير عذر توجب الكراهة، وهذه المكروهات: الرُّكوب فيه من غير عذر، وتأخيره عن وقته تأخيراً
كثيراً من غير عذر، وتفريقه تفريقاً كثيراً من غير عذر، وترك الصعود على جبل الصفا والمروة، وترك الهرولة بين الميلين الأخضرين، وترك ستر العورة، والبيع والشراء، والحديث إذا كان يشغله عن الخشوع والذكر والدعاء (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك مع المسلك المتقسط ص199.
المراجع:
1. إحياء علوم الدين: لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي (450 - 505 هـ)، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
2. الاختيار لتعليل المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي (ت 683 هـ)، تحقيق: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع.
3. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855 هـ)، دار الفكر، ط 1، 1980 مـ.
4. الجامع الصغير: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911 هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مطبوع ضمن شرحه السراج المنير، ط 3، 1377 هـ.
5. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275 هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
6. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت 458 هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ.
7. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279 هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت 303 هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1411 هـ.
9. شرح الوقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747)، مطبع فتح الكريم الواقع في بندار لمبيء، 1303هـ، وأيضاً: بتحقيق الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية العلوم الإسلامية، جامعة بغداد، 2002م.
10. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
11. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
12. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
13. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
14. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
15. العظمة: لأبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني (274 - 269هـ)، تحقيق: رضا الله بن محمد المباركفوري، ط1، 1408هـ، دار العاصمة، الرياض.
16. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
17. فتح الله المعين على شرح ملا مسكين: لأبي السعود، مطبعة إبراهيم المويلحي، مصر، 1287هـ.
18. فتح باب العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
19. قائق: لمعين الدين الهروي المعروف بـ (ملا مسكين) (ت954هـ)، المطبعة الخيرية، مصر، 1324هـ.
20. لباب المناسك وعباب السالك: لرحمة الله السندي، دار الطباعة العامرة، 1287هـ.
21. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، دار الريان للتراث، 1407هـ، ودار الكتاب العربي، بيروت.
22. مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح: لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، تحقيق: عبد الجليل عطا، دار النعمان للعلوم، بيروت، ط1، 1411هـ.
23. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، المكتب الإسلامي.
24. المسلك المتقسط في المنسك المتوسط: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1998م.
25. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
26. مسند الشافعي: لمحمد بن إدريس الشافعي (150 - 204هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
27. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ.
28. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
29. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ.
30. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
31. وقاية الرواية في مسائل الهداية: لمحمود بن عبيد الله تاج الشريعة، من مخطوطات مكتبة الأوقاف العراقية.
• • •