جامعة آلة البيت
المدخل
إلى الفقه الإسلامي وأصوله
تأليف
أ. د. صلاح محمد أبو الحاج منسقا
أ. د. عبد الملك عبد الرحمن السعدي ... أ. د. قحطان عبد الرحمن الدوري
أ. د. محمد راكان الدغمي ... د. سري إسماعيل الكيلاني
جارٍ تحميل الكتاب…
جامعة آلة البيت
المدخل
إلى الفقه الإسلامي وأصوله
تأليف
أ. د. صلاح محمد أبو الحاج منسقا
أ. د. عبد الملك عبد الرحمن السعدي ... أ. د. قحطان عبد الرحمن الدوري
أ. د. محمد راكان الدغمي ... د. سري إسماعيل الكيلاني
المدخل إلى ..........
. الفقه الإسلامي وأصوله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومَن سار على دربهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فينبغي أن يكون وجودنا وحياتنا في هذه الدنيا سبيل للنجاة يوم القيامة؛ لأن هذه الدار دار ابتلاء وامتحان لا دار نعيم وقرار، قال - جل جلاله -: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2]، وقال - عز وجل -: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7]، فهنيئاً لمَن تنبَّه لهذا الأمر الجسيم، وأعدَّ له عدَّته، بالسير في طريق إرضاء المولى - جل جلاله - باتباع أوامره واجتناب نواهيه، من خلال تطبيق أحكامه الشرعية والتزامها، وهي المسمّاة في الاصطلاح الشرعي بالفقه.
فالفقه يُبَيِّنُ للمسلم حكم كل ما يصدر عنه من أفعال جوارحه في ليله ونهاره، فمَن تعلمه وعمل به فاز في الدنيا بالطمأنينة والراحة والبعد عن الضنك قال - جل جلاله -، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124]، وكان من أهل النجاة في الآخرة بدخول جنَّة ربِّه - جل جلاله - لما عمل من الصالحات، قال - جل جلاله -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف:107].
فأوجب ما يجب على المؤمن تعلمه بعد الإيمان بالله - جل جلاله - هو ما يتعلَّق بأفعاله من الحلال والحرام، وهذا يتطلَّبُ منه سؤال أهل العلم قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومراجعة كتبهم، وحضور دروسهم.
ففي هذا الكتاب مدخل لإعطاء التصور الصحيح عن علم الفقه منذ نشأته في زمن النبوة إلى يومنا هذا، وبيان لأبرز علمائه وأئمته المجتهدين، وتفصيل لأشهر كتبه، ومراجعه التي اعتمدها أهله وكذلك أصوله التي قام عليها ويتم من خلالها استنباط الأحكام الفقهية، مع
معالجة لكثير من القضايا التي تهمّ المسلم فيه، وذلك من خلال تسع وحدات وهي:
الوحدة الأولى: التعريف بالشريعة الإسلامية وخصائها، وتشتمل على خمسة مباحث، وهي:
المبحث الأول: التشريع وحاجة الناس إليه
المبحث الثاني: الفرق بين التشريع الإلهي والتشريع الوضعي
المبحث الثالث: التعريف بالشريعة وأقسامها
المبحث الرابع: علاقة التشريع الإسلامي بالشرائع الأخرى
المبحث الخامس: التعريف بالفقه وأصول الفقه والعلاقة بينهما
الوحدة الثانية: مصادر التشريع الإسلامي، وتشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: القرآن الكريم
المبحث الثاني: السنة النبوية
المبحث الثالث: الإجماع
المبحث الرابع: الاجتهاد
الوحدة الثالثة: أدوار التشريع الإسلامي، وتشتمل على تمهيد ومباحث، وهي:
تمهيد في المبادئ العامة للشريعة الإسلامية
المبحث الأول: دور عصر النبوة
المبحث الثاني: دور عصر الصحابة - رضي الله عنهم -
المبحث الثالث: دور عصر التابعين وتابعيهم
المبحث الرابع: دور العصر الذهبي وظهور المذاهب الإسلامية
المبحث الخامس: دور عصر التقليد
المبحث الخامس: دور العصر الحديث
الوحدة الرابعة: تدوين الفقه، وتشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تدوين الفقه وأشهر الكتب التي دونت فيه
المبحث الثاني: علم القواعد الفقهية
الوحدة الخامسة: القواعد الفقهية الكلية، وتشتمل على خمس قواعد، وهي:
القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها
القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك
القاعدة الثالثة: الضرر يزال
القاعدة الرابع: المشقة تجلب التيسير
القاعدة الخامسة: العادة محكمة
الوحدة السادسة: الفتوى والاجتهاد الجماعي، وتشتمل على مبحثين، وهي:
المبحث الأول: الفتوى شروطها وضوابطها
المبحث الثاني: الاجتهاد الجماعي والحاجة إليه
الوحدة السابعة: المؤسسات الفقهية والتعليمية، وتشتمل على مباحث، وهي:
المبحث الأول: المجامع الفقهية ومجالس الإفتاء والمؤتمرات ومؤسسة آل البيت
المبحث الثاني: المؤسسات التعليمية أهميتها ودورها في خدمة المجتمعات المسلمة
الوحدة الثامنة: المدخل إلى أصول الفقه
المبحث الأول: نشأة علم أصول الفقه
المبحث الثاني: أشهر المؤلفات والمؤلفين في أصول الفقه
المبحث الثالث: الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه
الوحدة التاسعة: الحكم
فمادته العلمية من أهم المواد التي تدرس؛ لأنها تتعلق وترتبط بحياة الدارس والمجتمع ارتباطاً وثيقاً لا غنى له عنه، ولا بُدّ له من فهمه الفهم الصحيح من أهل الاختصاص.
فعظيم الشكر لجامعة آل البيت على تقريرها لهذه المادة لطلبتها وحرصها الشديد على تصحيح أفهامهم الحياتية من خلالها؛ ليكونوا أجيالاً صالحة في خدمة مجتمعهم ودينهم.
وجزيل الشكر أيضاً لرئاسة هذه الجامعة الموقّرة على متابعة سيرها البناء لمجتمعها بمراقبة ما يدرَّس في مقرراتها الدراسية، وقيامها بتحمل أعباء تجهيز مناهج متميزة وقديرة وعصرية تلبي حاجة مجتمعها ودينها، وتتوافق مع مستوى طلبتها، ومنها هذا الكتاب الذي تمَّ تأليفه بتكليف من قبل هذه الجامعة.
سائلين المولى - عز وجل - أن ينفعَ به مَن درَسَه ودرَّسَه، وأن يجزي خير الجزاء كلّ مَن ساهم وشارك في إخراجه، وصلى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المؤلفون
الوحدة الأولى
المدخل إلى الشريعة والفقه
المبحث الأول
التشريع وحاجة الناس إليه
قبل أن نشرع في بيان حاجة الناس إلى التشريع يتوجَّب علينا أن نعرض للمقصود من التشريع وما معناه في اللغة والاصطلاح؛ ليكون القارئ على بصيرة في أصل هذا اللفظ وتفرّعاته، وهذا يتطلب عرضه في مطلبين:
المطلب الأول: التشريع معناه ومفهومه:
التشريع مصدر شَرَع (¬1).
والشَّرع: من شرعَ الواردُ: أي تناول الماء بفيه (¬2).
¬
(¬1) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية، ج 1، ص 17.
(¬2) محمد الأفريقي المصري ابن منظور، (ت 711 هـ)، لسان العرب، تحقيق: عبد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، بيروت، دار المعارف، ج 3، ص 2238.
والتَّشْريعُ: إيرادُ الإبلِ شريعةً لا يحتاجُ معها إلى نَزْعٍ بالعَلَقِ ـ أي الدلو ـ، ولا سَقْيٍ في الحَوْضِ (¬1)، ومنه قول علي - رضي الله عنه -: ((إن أهون السقي التشريع)) (¬2): أي إيرادُ أصحاب الإبل إبَلهم شريعة لا يحتاجُ معها إلى الاستقاء من البئر. وقيل: معناه إنَّ سَقْىَ الإبل هو أن تُورَد شريعةَ الماء أوّلاً ثم يُستَقى لها يقول: فإذا اقْتَصر على أن يوصلها إلى الشَّريعة ويتركَها فلا يستَقى لها، فإن هذا أهونُ السَّقي وأسْهلهُ، ومَقْدُورٌ عليه لكلِّ أحدٍ، وإنما السَّقْى التَّام أن تَرويها (¬3).
¬
(¬1) طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، (ت817هـ)، القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1407هـ، (ط2)، ج1، ص946.
(¬2) أحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، السنن الكبير، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، 1414هـ، ج10، ص104.
(¬3) القاسم بن سلام الهروي، غريب الحديث، تحقيق: د. محمد خان، بيروت، دار الكتاب العربي، ج3، ص479، وعبد الرحمن ابن الجوزي، غريب الحديث، تحقيق: د. عبد المعطي أمين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1985م (ط1)، ج1، 529، والمبارك الجزري، النهاية في غريب الحديث، تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي، بيروت، المكتبة العلمية، 1979هـ، ج2، ص1142.
والشَّريعة: المواضع التي يُنْحَدَرُ إلى الماء منها، قال الليث: ((وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة من الصوم والصلاة والحجّ والنكاح وغيره)) (¬1)، وتطلق أيضاً: على العتبة (¬2).
فالشِّرعة والشَّريعة في كلام العرب: مشرعة الماء، وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس، فيشربون منها ويستقون (¬3). قال الفيومي (¬4): ((سميت بذلك لوضوحها وظهورها، وجمعها شرائع، وشرع الله لنا كذا: أي أظهره وأوضحه)).
قال بعضُهم: سمِّيت الشريعة شريعة تشبهاً بشريعة الماء من حيث إن مَن شَرَعَ فيها على الحقيقة المصدوقة رَوِيَ وتَطهر، قال: وأعني بالري ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله تعالى رَويت بلا شرب، وبالتطهر ما قال - جل جلاله -: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب:33] (¬5).
¬
(¬1) ابن منظور، لسان العرب، ج3، ص2238.
(¬2) الفيروزآبادي، القاموس، ج3، ص45، الدكتور إبرهيم أنيس والدكتور عبد الحليم متنصر وعطية الصوالحي ومحمد خلف، المعجم الوسيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ص479.
(¬3) ابن منظور، لسان العرب، ج3، ص2238.
(¬4) أحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المطبعة الأميرية، 1909م (ط2)، ص310.
(¬5) أبو القاسم بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (502هـ)، معجم مفردات ألفاظ القُرْآن، تحقيق: نديم مرعشلي، بيروت، دار الفكر، ص265.
وهذا ينقلنا إلى التطور الدلالي لهذا الألفاظ عند مجيء الإسلام:
فشَرَعَ الدين: أي سَنَّه وبيَّنه، قال - جل جلاله -: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} [الشورى: 13] (¬1)، ويطلق على ما سنَّه الشرع أنه مشروع (¬2).
والتشريع: سَنّ القوانين (¬3): أي وضع قانونين وقواعد (¬4).
والشِّرعة والشَّريعة: الدين: أي ما شرع الله لعباده، وأيضاً: الظاهر المستقيم من المذاهب (¬5) قال - جل جلاله -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]، وأيضاً: الطريقة، قال - جل جلاله -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18] (¬6): أي على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا به مَن قبلكَ من رسلنا فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك (¬7).
والمفهوم الاصطلاحي لهذه المفردات:
¬
(¬1) د. إبراهيم أنيس وغيره، المعجم الوسيط، ص479.
(¬2) سعيد الشرتوني، أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد، مكتبة لبنان، 1992م (ط2)، مادة شرع، ج1، ص584.
(¬3) د. إبراهيم أنيس وغيره، المعجم الوسيط، ص479.
(¬4) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص17.
(¬5) الفيروزآبادي، القاموس، ج3، ص45.
(¬6) د. إبراهيم أنيس وغيره، المعجم الوسيط، ص479.
(¬7) محمد بن جرير الطبري (ت310هـ)، تفسير القرآن، دار الفكر. 1405هـ، ج11، ص258.
أن الشَّرع والشَّريعة: أي ما سنّه الله تعالى لعباده من أحكام عقائدية أو عملية أو خلقية (¬1)، وبعبارة أخرى: ما شرعه الله لعباده من العقائد، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، ونظم الحياة المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقات بعضهم ببعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة (¬2).
ويتناول هذا التعريف الدين كله بعقائده، وأحكامه، وآدابه، ومعاملاته، وقصص الأمم الماضية لأخذ العظة والعبرة.
فالشريعة تتناول القواعد والأصول التي يستمد منها الفقهاء الأحكام التي لم ينصّ عليها.
وهي خاصة بما جاء عن الله تعالى، وبما بلغه الرسل عليهم السلام إلى الخلق، وبيَّنه وفصَّله الفقهاء، وأحكام الله هي التي تسمَّى شرعاً، فلا يطلق على القوانين الوضعية بأنها شرع، لأنها من وضع البشر (¬3).
وتطلق الشريعة على الكلام المستفاد من كلام الشارع، بأن يأخذه الفقهاء من القرآن الكريم، أو من السنة النبوية المطهرة (¬4)، بدلالة قوله - عز وجل -:
¬
(¬1) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص16.
(¬2) مناع القطان، تاريخ التشريع الإسلامي، مكتبة وهبة، 1989م (ط4)، ص13 - 14.
(¬3) مناع القطان، تاريخ التشريع الإسلامي، ص14، ود. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ومكتبة القدس، 1989م (ط11)، ص38.
(¬4) سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، دمشق، دار الفكر، 1988م (ط2)، مادة شرع، ص193.
{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم} [النساء: 83]، وأولي الأمر، هم أولو العلم، فأمر باستنباط ما أشكل عليه حكمه. ويدلّ عليه أيضاً: قوله - جل جلاله -: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء} [النحل: 89]، وقوله - جل جلاله -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} [المائدة: 3]، وقال - جل جلاله -: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، فإذا لم نجد فيه كل حكم منصوصاً، علمنا أن بعضه مدلول عليه، ومودع في النص، نصل إليه باجتهاد الرأي في استخراجه (¬1).
والتشريع اصطلاحاً: هو خطاب الله تعالى المتعلق بالعباد طلباً أو تخييراً أو وضعاً (¬2)، وسيأتي شرح هذا التعريف.
فالتشريع يعني سنِّ القوانين وإنشائها وبيان الأحكام فيها، و بهذا المعنى لم يكن التشريع إلا في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنه فقط، حيث لم يجعل الله - عز وجل - لأحد غيره سلطة التشريع الذي اعتمدَ فيه على الوحي المتلو وهو القرآن الكريم، وغير المتلو وهو السنة الشريفة (¬3).
¬
(¬1) أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت370هـ)، الفصول في الأصول، (ط2)، وزارة الأوقاف الكويتية، ج4، ص29 - 31.
(¬2) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص 17 - 18.
(¬3) د. أحمد فراج حسين، المدخل للفقه الإسلامي، بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002م، ص29.
ومن هنا ينبغي أن يعلم أنه لا حق في التشريع إلا لله وحده، كقوله - جل جلاله -: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]، فليس لأحد ـ كائناً من كان ـ أن يشرع حكماً، سواء ما يتّصل بحقوق الله أو حقوق العباد؛ لأن هذا افتراء على الله، وسلب لما اختص به نفسه: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ مع علو مكانته ـ لم يكن مشرعاً للأحكام وإنما مبيناً ومبلغاً لها، قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، وقال: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، وقال - جل جلاله -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] (¬1).
والفقهاء ليسوا بمشرعين، وليس هذا إلا حق الله - جل جلاله -، وإنما دور الفقيه لا يتجاوز استخراج واستنباط وبيان الأحكام من الكتاب والسنة بفهمه القويم؛ إذ أحكام الشرع هي ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من كتاب الله وسنة رسول - صلى الله عليه وسلم - على موجب اللسان العربي المبين، وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة، وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع مطلقاً، ومن عدّ الفقهاء كمشرعين وجعلهم أصحاب شأن
¬
(¬1) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص17 - 18، ود. فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مؤسسة الرسالة، (ط2، 1407)، ص17 - 18.
في التشريع فقد جهل الشرع والفقه في آن واحد، وفتح من جهله باب التقول لأعداء الدين (¬1).
فإن أقوال الفقهاء لا بُدّ أن تكون معتمدة على نص شرعي من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إن الآراء المعتمدة على الإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المساندة لا بد أن ترجع إلى كتاب الله أو سنة رسوله، فالإجماع مثلاً لا بد أن يكون له سند من نص قرآني أو سنّة مقبولة، والأحكام النابعة من القياس لا بُدَّ أن ترجعَ إلى أصل من الكتاب أو السنة؛ لأن القياس: هو إلحاق مسألة لم يرد فيها نص بمسألة أخرى ورد فيها نص لإثبات حكم شرعي لجامع بينهما، وهذا الجامع هو العلة، وهكذا (¬2)، ولم يكن شيء من أقوالهم مبنياً على الهوى والمزاج والمصلحة العقلية المجردة، وإنما مستمدة من نصوص الوحي.
المطلب الثاني: حاجة الناس إلى الشريعة:
سميت المدة التي سبقت ظهور الدعوة الإسلامية بالجاهلية، تميّز فيها العرب بالحمية، والأنفة، والجهل بالعلم، إلى حدّ كبير، والبعد عن العدالة والحق، والمثل العليا التي تميز بها الإسلام.
وتميزت حياة القبائل العربية بأنهم كانوا يعتقدون أنهم متميزون عن القبائل الأخرى غير العربيَّة، ولذلك يرفض العرب تزويج بناتهم للأعاجم، وعلى سبيل المثال تحدث التاريخ أن النعمان بن المنذر رفض تزويج ابنته
¬
(¬1) محمد زاهد الكوثري (ت1378هـ)، مقالات الكوثري، مصر، المكتبة الأزهرية للتراث، 1414هـ، مقالة الله في نظر المسلمين، ص184.
(¬2) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص20 - 21.
((حرقة)) إلى كسرى أبرويز أحد ملوك الفرس، مع أنه أحد ولاته، خضوعاً للتقاليد، وكان الغضب قد ملأ قلب كسرى، فهدَّد النعمان وطرحه تحت أقدام الفيلة، وطلب حرقة من هانئ بن أبي قبيصة الشيباني حيث كانت عنده وديعة، ولَمَّا رَفَضَ أرسل جيشه لتأديب العرب، وتجمع العرب لمقاتلة فارس في معركة ((ذي قار))، وانتهت بهزيمة الفرس (¬1).
وبما أن الإنسان مدنياً بطبعه، حيث قضت الفطرة البشرية منذ بدء الخليقة أن يكون الإنسان مدني بطبعه، وأن الاجتماع للبشر ضروري (¬2).
وبما أن الحياة الإنسانية حياة اجتماعية يسد كل فرد فيها ثغرة في بناء المجتمع، الذي يجب أن تكون العلاقة بينهم قائمة على التعاون والتكاتف بحيث يؤدي كل فرد فيها دوره وفق ما يحسن من العمل وما يقدر عليه من مجهود، وبما أن النفوسَ جُبِلَت على حبِّ الذات والرغبة في تقديم المصلحة الذاتية على مصلحة الآخرين، فلا بُدَّ لهم من حاكم يرجعون إليه، ليحكم بينهم فيما تنازعوا فيه (¬3).
ولو ترك الناس دون شرع يرجعون إليه، وقانون يحتكمون إليه لاستبد كل منهم برأيه، ولاْتبع هوى نفسه، ولسار وراء شهواته ورغباته، لأن الناس مختلفون في المشارب والنزعات، فإن لم توضع لهم الحدود التي تحدد لكل واحد ما له وما عليه، فإن مصالحهم ستتعارض ومن ثم
¬
(¬1) أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، 1964م (ط9)، ص86 - 87.
(¬2) د. محمد مصطفى شحاته الحسيني، العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي، 1976م (ط1)،ص19 - 20.
(¬3) عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، دار ابن خلدون، ص195.
تنشأ الفوضى وتضطرب الحياة، وتكون الغلبة للأقوى ولاستبد القوي بالضعيف ولصارت الحياة في الجماعة غير مطاقة، ولاْنتفى العدل من المجتمع، ولقطعت الصلات الإنسانية بين الناس، ولانتفى التعاون بينهم (¬1).
قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، والبرّ هنا كلمة شاملة، وهي ترك المنكرات، والعفو، وفعل المأمورات وترك المحظورات، ويدخل فيها كل عفو وترك الانتصار، لأن العلاقات الاجتماعية إمّا تعاون على برّ وتقوى، أو تعاون على الإثم والعدوان، وينسحب هذا على أي مستوى من مستويات التعاون (¬2).
وأصبح التعاون بين الناس شعاراً بعد أن كان شعارهم في الجاهلية: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، بمعنى الوقوف إلى جانب أي فرد من أفراد القبيلة في الحقّ والباطل سواء أكان ظالماً أو مظلوماً، وقد صحح النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الشعار كما جاء في الحديث الشريف: (انصر أخاك ظالماً أو
¬
(¬1) د. أحمد فراج حسين، المدخل للفقه الإسلامي، ص36.
(¬2) سعيد حوى، الأساس في التفسير، القاهرة، دار الإسلام، 1999م (ط5)، ج3، ص1312.
مظلوماً. فقال رجل يا رسول الله: أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره) (¬1).
ومن هنا نجد أن الأمرَ لو ترك للناس وشأنهم في اتجاهات الحياة لاستبد كل منهم برأيه، ولاتبع هوى نفسه ولسار وراء شهواته، نظراً لتباين الناس في الميول والأهواء واختلاف النزعات.
ومن هنا اقتضت الضرورة وضع نظام يحدد حقوق المواطنين ويبين ما عليهم من واجبات، حتى لا تشتبك مصالحهم، أو تسود الفوضى فيما بينهم وتضطرب حياتهم، وذلك نتيجة للظروف التاريخية، وثمرة للتطور الاجتماعي، ونتيجة للتفاعلات السياسية، والعوامل الاقتصادية، والمعتقدات الدينية.
لذلك اقتضت الضرورة تنظيم حياة المجتمع والأفراد وتناولت مع الزمن نظام الحكم والإدارة، ونظام التقاضي والجرائم والعقوبات، ونظام الأحوال الشخصية والميراث والأموال والعقود والالتزامات، وأدت نشأة التشريعات إلى تطور الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وبالنظر إلى القرآن الكريم نجد أن الإنسان هبط إلى الأرض وكان محكوماً بقواعد شرعية كانت تسري عليه الأوامر والنواهي حتى بشأن
¬
(¬1) محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (ت256هـ)، صحيح البخاري، تحقيق: د. مصطفى البغا، بيروت، دار ابن كثير واليمامة، 1407هـ (ط3)، ج6، ص2550، وأحمد بن حنبل (ت241هـ)، المسند، مصر، مؤسسة قرطبة، ج3، ص99، محمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1414هـ (ط2)، ج11، ص570.
سلوكه الفردي قال - عز وجل -: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:35]، فالإنسان كفرد بعد أن لم يلتزم هذا القانون الإلهي فإنه فقد الجنة وأنزل إلى الأرض.
ولمَّا تكاثر الناس بالزواج، وظهرت القبائل بعث الله الأنبياء يحملون معهم ما ينظم علاقات الأفراد والجماعات، ونتيجة لتباعد الزمن اهتزّ الإيمان لدى بعض الجماعات حتى جدد الله الرسالات برسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان تشريعاً إلهياً طبقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الناس.
ويمكن إيجاز فائدة التشريع فيما يأتي:
أولا: إقامة العدل بين الناس، وقد كررت الآيات القرآنية ضرورة إقامة العدل، والنهي عن الظلم، كما فصلت ذلك بالأحاديث الواردة في العدل، وفصل الخصومات في القضاء وفق الشرع، وذمت الإمام الجائر، وامتدحت الإمام العادل، قال - جل جلاله -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، وقال - عز وجل -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49].
وفي هذا إشارة إلى أن الشرائع تختلف باختلاف الأمم، وتتغير بتغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، مع عدم اختلاف هذه الشرائع في
أصول المصالح الكبرى مما يصلح في كل زمان ومكان ولا تختلف باختلاف الشرائع (¬1).
ثانياً: حماية الضعيف وكفاية العاجز والمحتاج، وعلى رأس ذلك إيجاد القضاء العادل، وحماية الضعفاء والمضطهدين؛ لأنه لو ترك الأمر دون نظام فستكون الغلبة فيه للأقوى، فمن أهداف الدولة الإسلامية كفاية العاجزين عن تحصيل أسباب العيش من مواطن الدولة الإسلامية سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين.
ومن أجل ذلك وجد تشريع القضاء، ومن ثم درجت الدولة الإسلامية على إيجاد السلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، ولرفع الظلم أوجدت الدول ديوان المظالم، ومن أجل ذلك شرعت الزكاة في مال الغنى ليستفيد منه الفقير، دون جور في قسمتها.
ثالثاً: تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى، وحماية عقيدته، ومحاربة مَن يعتدي عليها، وكان من وظائف رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن أن يعلموا الناس شرائع الإسلام، ويقضي بينهم.
وحماية عقيدة التنزيه المطلق لله - جل جلاله - عن كل نقص من تجسيم وتشبيه وتعليمها للناس من أهم الوسائل الإيجابية لتحرير الإنسان وحمايته، فلا إكراه في الدين، ولا امتهان لحرية الإنسان.
¬
(¬1) د. محمد فاروق النبهان، المدخل إلى التشريع، بيروت، وكالة المطبوعات، دار الفكر، ص10 - 11، وعبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير القرآن، مؤسسة الرسالة، 2001م (ط1)، ص237.
رابعاً: تأمين الدعوة الإسلامية من الأعداء المحيطين، بوضع التشريع الخاص بمعاملة غير المسلمين، وبالأعداء المحيطين بالجزيرة العربية، ووضع المعاهدات.
خامساً: تنظيم حياة الفرد والجماعة والمجتمع فيما بينهم؛ إذ ينظم علاقة الفرد مع ربه، ويبصره بنفسه، وينظم علاقته مع أسرته وجيرانه ومن حوله، وينظم العلاقة الرعية بين السلطان، والدولة الإسلامية مع غيرها من الدول المجاورة، وهكذا.
• • •
المبحث الثاني
الفرق بين التشريع الإلهي
والتشريع الوضعي
إن الشريعةَ الإسلامية شريعة إلهية، تختلف عن كل التشريعات الوضعية في المصدر والغاية وطبيعة التشريع.
والتشريعات الوضعية وإن جاءت لتنظيم شؤون الناس والكشف عن و جوه الخير فيهم، ولكن يبقى الناس بحاجة إلى التشريع الإلهي؛ لأن عقول البشر قاصرة، وإدراكها متفاوت، والناس لا يحبّون أن
ينتظموا في الخضوع إلى النظام الوضعي خضوعاً تاماً مخلصاً، والمقارنة بين التشريع الإلهي والتشريع الوضعي فيه إجحاف بحقّ الشريعة؛ لأنه لا يمكن المقارنة بين الخالق والمخلوق، ويمكن التنبيه على بعض هذه الفوارق في المطالب التالية:
المطلب الأول: مصدر التشريع الإسلامي هو الله - عز وجل - بينما التشريع الوضعي من صنع البشر (¬1):
فالتشريع الوضعي قامت به جماعة من الناس اعتدلت أفكارهم يضعون للناس قواعد العدل التي يرونها، ويبيِّنون لهم الفضيلة وأصولها، ويكشفون لهم عن الرذيلة ووجوهها؛ لأجل أن يستقيم أمر الناس (¬2).
أمّا الإسلام فعدله وأصوله وفضيلته من عند خالق الناس والأعلم بما يصلحهم، قال - جل جلاله -: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [لأعراف: 52]، وقال - عز وجل -: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وبذلك تحصل للمؤمنين الهداية بهذا الكتاب والخروج من الضلالة ويتبيَّن الحق من الباطل، والغي من الرشد، وتحصل لهم الرحمة، وهي الخير والسعادة وتغلق عنهم طرق الضلالة والشقاء (¬3).
وقال - جل جلاله -: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44]، فشريعة الإسلام جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله في جميع أبعادها العقائدية والعبادية، وكلّ ما فيها من أخلاق
¬
(¬1) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، دار التراث، ج1، ص17 - 19.
(¬2) د. أحمد فراج، المدخل للفقه الإسلامي، ص36.
(¬3) السعدي، تيسير الكريم، ص290.
وتشريع وحكم وقضاء وعلم وعمل، حتى أصبح دين الإسلام دين ودولة، بينما الذين يضعون القانون بشر يخضعون للأهواء والنزعات، وتغلب عليهم العواطف ويحكم تصرفاتهم إمكانية الوقوع في الخطأ؛ لأنهم بشر يصيبون ويخطئون (¬1)، ومما يترتب على إلهية الشريعة وبشرية القوانين الوضعية:
1. إن نصوص الشريعة الأساسية وقواعدها هي وحي إلهي متمثل بالقرآن والسنة، والتي تتصف بصبغة الثبات والاستمرار؛ لأنها قواعد وأحكام منزلة من عند رب العباد لا يعتريها التغيير والتبديل، وشرح هذه النصوص وبيانها وتفصيلها يكون باجتهاد المجتهدين من أئمة الدين كالأئمة الأربعة بضوابط مفصّلة ومحرّرة في كتب أصول الفقه.
بينما نجد أن القانون الوضعي تنظيم بشري من صنع الناس في نصوصه وقواعده وتفصيلاتها وبيانها، لا يتمتع بالثبات والبقاء، ويعتريه النقص والتغيير، فلا يصلح للمقارنة بالشريعة الإسلامية، نظراً للفرق بين الربّ والعبد، ولا يمكن مقارنة ما وضعه الله بما وضعه الناس (¬2).
ومن المعروف أن التشريع الوضعي: هو عبارة عن قواعد مؤقتة تضعها الجماعة؛ لتنظيم شؤونها وسد حاجاتها، وتتغيّر كلما تغيرت حال الجماعة (¬3).
¬
(¬1) القطان، تاريخ التشريع الإسلامي، ص11.
(¬2) النبهان، المدخل للتشريع الإسلامي، ص11، ومحمد مصطفى شلبي، المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، 1983م، ص33 وما بعدها.
(¬3) أحمد أمين، فجر الإسلام، ص71.
2. إن إلهية الشريعة جعلت الجزاء فيه دنيوياً وأخروياً، فليس معنى انفلات الشخص من الجزاء الدنيوي انفلاته من الجزاء الأخروي، وفي كل مسألة في الفقه نجد أن الفقهاء تكلموا على الحكم التكليفي لهذا الأمر أحلال هو أم حرام؟ أفرض هو أم مندوب؟ كما تكلموا على أحكامه الوضعية أصحيح هو أم غير صحيح؟ أنافذ هذا التصرف أم غير نافذ؟ ولذا رأينا المتدينين لا يهمهم أن يكسبوا قضية أمام القضاء إلا إذا ارتاحت ضمائرهم أن هذا الحق الذي أثبته لهم القضاء حق مشروع، بينما المشتغلون بالفقه الوضعي لا يهمهم إلا الحكم الدنيوي حتى ولو رفضه الشرع، ولذا يتفننون في الحيل التي يكسبون بها هذا الحق الدنيوي (¬1)، في حين أن الفقه الإسلامي نظام روحي ومدني (¬2)؛ لجمعه بين أمور الدنيا والآخرة، فالمسلم يراعي فيما يصدر عنه من أفعال العاقبة عليها في الآخرة.
3. إن إلهية الشريعة جعلتها شاملة لكل مناحي الحياة الإنسانية، فهي تنظم علاقة الإنسان مع ربه في العبادات، وعلاقته مع زوجته من زواج وطلاق ورضاع وحضانة وغيرها، وعلاقته مع غيره في المعاملات المالية المختلفة كما في البيع والشركات والرهن والعارية والإجارة وغيرها، وتعتني بالأخلاق الفاضلة، وما يصاحبها من أدب كريم مع التزام واجبات الدين، فكان لها غاية تربوية في كل مجال من مجالات الحياة في العبادات والمعاملات، بخلاف القوانين الوضعية
¬
(¬1) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص22 - 23.
(¬2) مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام، دار الفكر، 1387هـ (ط10)، ج1، ص56.
فإنها لا تشمل على العبادات، ولا تهذيب النفس وتربيتها على السلوك القويم (¬1).
المطلب الثاني: طبيعة التشريع الإسلامي:
إن التشريع الإسلامي يتسم بصفة واضحة، وهي طابع الدعوة إلى الله - عز وجل -، وإلى توحيده وتنزيهه سبحانه وتعالى، ونبذ ما كان يعبده الناس قبل الإسلام، ودعوتهم إلى الإيمان بالرسل والملائكة والحساب واليوم الآخر، وحثّهم على التمسّك بالصفات الحسنة ومكارم الأخلاق، وتميّز بالدعوة إلى عدم إهمال العقل ودعا الناس إلى ترك الجهل، وعاب عليهم تقليد الآباء، وركز على حماية العقيدة وتوجيه الناس إلى الخير كالصلاة والصيام والزكاة (¬2).
وتميَّزت الشريعة الإسلامية بالمرونة، ففيها الحلّ لكلِّ مشكلات الحياة مهما تعددت المسائل وتعقَّدت المشاكل، وفيها غنى عن اللجوء إلى التشريعات الوضعية، وتتجسد قابليته في البقاء في ابتناء بعض أحكامه على العرف، وفي وجود القياس وغيره من الأصول فيه التي تمكّنه من استحداث أحكام شرعية لكل ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين، فلا نجد فيه عجزاً عن الوفاء بحاجات الناس سواء في العصور الماضية أو
¬
(¬1) د. محمد يوسف موسى، تاريخ الفقه الإسلامي، 1: 15، والنبهاني، المدخل للتشريع الإسلامي، ص9 - 11، ود. صلاح أبو الحاج، المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي، عمان، دار الجنان، 2004م (ط1) ص22 - 23، وشلبي، المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي، ص33 وما بعدها.
(¬2) بدران أبو العينين، تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية المليكة والعقود، بيروت، دار النهضة العربية، ص36.
الحاضرة أو في الدولة المتحضّرة أو النامية أو في المدن أو الأرياف، فكلّ يستقي من ينبوعه الطيب (¬1).
ولمس القانونيون ما في الشريعة الإسلامية من أسس قويّة فقاموا باقتباس بعض مواد القانون من أحكام الفقه الإسلامي في تقنينهم، وجعلوا الفقه الإسلامي مصدراً رسمياً من مصادر القانون، ففي مصر جعل القانون المدني المصري في الفقرة الثانية من المادة الأولى بأنه إذا لم يوجد نصّ تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، وإلا فيحكم بمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة (¬2).
وفي المادة الثانية من القانون المدني الأردني رئي التصريح بأنه إذا لم يوجد نصّ في القانون، يرجع لأحكام الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه، ويختار منها ما يكون أكثر موافقة لنصوص القانون، وإذا لم يعثر عليها ينتقل القاضي للنظر إلى مبادئ الشريعة الإسلامية (¬3).
وكذلك أشارت المادة الثالثة من القانون إلى أنه يرجع إلى فهم النص وتفسيره وتأويله ودلالته إلى قواعد أصول الفقه الإسلامي.
¬
(¬1) أبو الحاج، المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي، ص23.
(¬2) بدران أبو العينين، تاريخ الفقه الإسلامي، ص3 - 4.
(¬3) القانون المدني الأردني، المادة (2)، والمذكرة الإيضاحية، ج1، ص36.
والمعروف أن الانتداب البريطاني اعتمد في تفسير القوانين على قواعد أصول الفقه الإسلامي في قانونها الصادر قبل سنة (1939م) (¬1).
وقد أدرك علماء القانون في الدول الأجنبية ما احتوى عليه الفقه الإسلامي من إيجابيات وقدرة على حلِّ المشاكل المعاصرة المتعلقة بكل مناحي الحياة فقرروا في مؤتمراتهم أن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع العام، وأنها صالحة للتطور والنمو، ومستقلة عن الشرائع الوضعية، وذلك في مؤتمر لاهاي المنعقد سنة (1931م) وسنة (1937م)، كما قرَّر مؤتمر المحامين الدولي المنعقد في لاهاي سنة 1948 هذا الأمر (¬2).
وفي أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد في كلية الحقوق بجامعة باريس في يوليو سنة (1951م) ركز على عدّة قرارات تشريعية، ومنها أن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية ينطوي على ثروة في المفاهيم والمعلومات، التي تدل على أن الفقه الإسلامي يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة، وأن التشريع الإسلامي صالح لحلّ مشاكل العالم، ويحمل في عناصره وتعاليمه ما يجعله حقيقاً بهذه الغاية السامية ممّا يضمن له البقاء والخلود، فهو تشريع محكم النظام، كامل البنيان وافياً بحاجات
¬
(¬1) المذكرة الإيضاحية، القانون المدني الأردني، عمان، مطبعة التوفيق، المكتب الفني، إبراهيم أبو رحمة، نقابة المحامين، 1985م، (ط2)، ج1، ص36 - 37.
(¬2) زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص9، والمذكرة الإيضاحية، ج1، ص37.
الأفراد والجماعات شاملاً لجميع الأحكام، صالحاً لمسايرة الحياة في جميع تطوراتها وكل مراحل تقدمها ورقيّها (¬1).
المطلب الثالث: غايات الشريعة الإسلامية:
للشريعة الإسلامية غايات عديدة أهمهما:
1. إصلاح الفرد والمجتمع بالخضوع والانقياد لله تعالى بمعرفة عقيدة توحيد الله وتنزيهه، والإيمان بالحساب والعقاب والثواب والصراط، والتزام مكارم الأخلاق كاحترام الصدق والعمل به، والوفاء بالعهد، والأمانة وذم الرذائل التي أمر الإسلام بالابتعاد عنها كالكذب والخيانة، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (¬2)، وتطبيق الأحكام العملية المتعلقة بأفعال المكلفين: كالصلاة والزكاة وأحكام المعاملات كالبيوع والعمل والتجارة والزراعة وجواز الهبة والوصية وغيرها (¬3).
وحوى القرآن الكريم أحكاماً اعتقاديه: أي أحكاماً توجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، وأحكاماً خلقيةً تشمل وجوب التحلّي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وأحكاماً عملية تشمل: أحكام
¬
(¬1) الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص1961، وأبو العينين، تاريخ الفقه الإسلامي، ص4 - 5، ود. أحمد فراج، المدخل للفقه الإسلامي، ص38.
(¬2) البيهقي، السنن الكبير، ج10، ص191، ومحمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، مسند الشهاب، تحقيق: حمدي السلفي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1407هـ (ط2)، ج2، ص192.
(¬3) القطان، تاريخ التشريع الإسلامي، ص25، وأبو العينين، تاريخ الفقه الإسلامي، ص14 - 15.
العبادات وأحكام المعاملات بكل فروعها، وغاية ذلك تهذيب الإنسان وحمايته في دينه وعرضه وماله وهي محتويات القرآن الكريم (¬1).
فالشريعة بأحكامها نظام روحي ومدني جاءت تنظم شؤون الدنيا والدين، فهي تنظم: علاقة الإنسان بربه - عز وجل -، وعلاقة الإنسان بغيره من الناس وبالمجتمع الذي يعيش فيه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بالحاكم، وعلاقة الدولة بالدول الأخرى.
وهي شريعة أخلاقية تربوية فيما قررته من عبادات، والتزام أدبي فيما شرعته من معاملات، واهتمام بالمثل العليا ومكارم الأخلاق وامتداح للأخلاق الفاضلة، ولكل سمة من السمات العالية (¬2)، قال - جل جلاله -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4].
وعلى هذا الأساس نظم التشريع الإسلامي الحياة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، وهو خال في مبادئه من معاني الجور والنقص والهوى؛ لأن صانعها هو الله - عز وجل -، بخلاف القوانين الوضعية التي يكثر فيها الهوى وغاية الشريعة إصلاح المجتمع دون زيغ أو هوى (¬3)، وهذا لا يكون في القوانين الوضعية؛ لعدم اشتمالها على جميع مناحي الحياة كما هو الحال في الشريعة كما سبق.
2. إنقاذ البشرية، قال - جل جلاله -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الانبياء:107]، وفي هذا فهي تراعي مصالح العباد بدرء المفاسد
¬
(¬1) قحطان الدوري ورشدي عليان، أصول الدين الإسلامي، ص312.
(¬2) أبو العينين، تاريخ الفقه الإسلامي، ص14 - 15.
(¬3) زيدان، المدخل، ص39 - 40.
عنهم، حتى قال بعض الفقهاء: ((إن الشريعة كلها مصالح: إما درء مفاسد، أو جلب مصالح)) (¬1)؛ ولذلك قرَّر الفقهاء القاعدة الشرعية: ((درء المفاسد أولى من جلب المصالح))، فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات (¬2).
واهتمَّ الإسلام بمصالح الدين والدنيا، ويتحراها المسلم من خلال الشرع الكريم، ويطلب ذلك كما يقول العز بن عبد السلام من القرآن الكريم والسنة والإجماع والقياس مع الاستدلال الصحيح (¬3).
3. عبادة الله والتزام أوامره، فقد بيَّن القرآن الكريم غاية التشريع الإسلامي عندما بيَّن الغاية من خلق الإنسان، وهي التي ذكرها المولى - عز وجل -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات:56]، وعبادتهم لربهم يكون في مقابل إحسانه إليهم بالنعم الكثيرة، وما أباحه لهم لتحقيق الغاية القصوى من خلقهم وهي عبادته سبحانه (¬4).
فالغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، هي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عمَّن سواه، وذلك يتضمَّن معرفته تعالى، فإن تمام العبادة
¬
(¬1) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج1، ص9.
(¬2) أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، تحقيق: د. عبد الستار أبو غدة، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1403 (ط1)، ص205.
(¬3) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج1، ص10.
(¬4) عبد السلام محمد الشريف، المبادئ الشرعية، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1986م، ص41.
متوقِّف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلقَ اللهُ المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم (¬1).
4. الفوز بسعادة الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا بالعيش تحت ظلال الإسلام وأحكامه، وترسيخ مفاهيمه بين الناس، فمعلوم أنه لا تتحقّق السعادة في الدنيا بمال ولا جاه ولا نساء ولا بنين، وإنما تنال برضا المولى - جل جلاله - الذي يكون بالتزام أوامره واجتناب نواهيه المتمثّلة بالأحكام الفقهيّة لا باتباع الهوى، قال - جل جلاله -: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22]،وقوله - جل جلاله -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]، وسعادة الآخرة: هي حياة المستقرّ التي ينال بها الصالحون جزاء أعمالهم الحسنة في الدنيا، قال - جل جلاله -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30] (¬2).
• • •
¬
(¬1) السعدي، تيسير الكريم، ص813. وينظر: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت1393هـ)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، السعودية، طبع رئاسة البحوث العلمية، 1403هـ، ج5، ص190.
(¬2) محمد بن علي بن محمد الحصكفي (ت1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ودار الكتب العلمية، ج1، ص 26 - 27، وأبو الحاج، المدخل، ص27، ود. محمد فوزي فيض الله، التعريف بالفقه الإسلامي، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1418 (ط1)، ص10 - 11.
المبحث الثالث
التعريف بالشريعة الإسلامية
وأقسامها
من المعلوم أن الإنسان له عقل وجوارح وقلب، فالعقل يكون تفكيره صحيحاً إن كان اعتقاده سليماً، والجوارح تعمل بصورة صحيحة إن عرفت الأحكام الشرعية المتعلقة بها، والقلب يكون سليماً إن تعرف على السلوك الصحيح ووجد التربية الأخلاقية المناسبة.
فهذه الحاجيات الثلاث التي يحتاجها كل إنسان جاءت بها الشريعة الإسلامية، واشتملت تعاليمها العقائد والأعمال والسلوك، وإليك بيانها في المطالب التالية:
المطلب الأول: العقائد:
وهي ما يتعلق بالإيمان بالله - جل جلاله -، وهو الأصل الأول في الإيمان، ويكاد يتَّفق جميع البشر على وجود الله تعالى، وتشمل الأحكام الاعتقادية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية: الإيمان بالله وكل مستلزمات الإيمان: كالإيمان بالملائكة، والكتب السماوية، والأنبياء، وحررت العقيدة
الإسلامية العقل البشري من الخرافات والانحرافات المتعلقة بالخالق والخلق والكون والحياة.
واحترم القرآن الكريم العقل البشري وأمر الإنسان أن يصل إلى الحقيقة عن طريق التفكير، والانتقال من المحسوس للوصول إلى الحقائق الغيبية، فأمره بالتدبر والتفكر في نفسه وفي الخلق من حوله، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله - عز وجل -: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]، وقوله - جل جلاله -: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 19 - 20]، وقوله - جل جلاله -: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5]، وقوله - جل جلاله -: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] (¬1).
ومن مقتضيات الإيمان بالله تعالى الإيمان بالرسل الذين أوحى إليهم، وكلفوا بهداية الناس وتبشيرهم وإنذارهم (¬2)، قال - جل جلاله -: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 65]، فبيَّن الله حكمة إرسال الرسل، وهي التبشير والإنذار من أجل إقامة الحجّة على الخلق بما أعدَّ الله لهم ... ، فالرسول يوقظنا من الغفلة وينبهنا بما وجب الانتباه له، ويعلمنا كيف نتقرب إلى الله تعالى بالعبادات والشرائع ومقاديرها وأوقاتها وكيفيتها وفي القرآن الكريم
¬
(¬1) أحمد أمين، فجر الإسلام، ص71.
(¬2) د. قحطان الدوري، ود. رشدي عليان، أصول الدين الإسلامي، ص372.
ما لا يمكن أن يَصِلَ إليه علم الإنسان مطلقاً: كالغيوب، وما لا يمكن أن يَصِلَ إليه علم الإنسان كثير، ولذلك أرسل الله الرسل الكرام (¬1).
وأهم مصالح الإنسان على الإطلاق أن يبلغ السعادة والكمال في معرفة خالقه، ولا يستطيع بعقله أن يصل إلى مبتغاه فأرسل الله تعالى للإنسان رسلاً مبشرين ومنذرين من جنس البشر يكلمونهم بلغتهم رسالات ربهم (¬2).
ومن مستلزمات الإيمان بالله: الإيمان بالحياة الآخرة، يوم القيامة، وأن هناك بعثاً وحساباً بعد الموت، قال - عز وجل -: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثونَ} [المؤمنون: 15].
ومن مستلزمات الإيمان بالله: الإيمان بالجنة والنار والحساب والعقاب (¬3)، وعذاب القبر، وقد جعل الله وراء هذه الحياة حياة أخرى فيها دار المثوبة: وهي الجنة، ودار العقاب: وهي النار.
المطلب الثاني: الأعمال:
وهي الأحكام المتعلقة بما يصدر من جوارح الإنسان، فتشمل حياة الإنسان وعلاقاته مع الآخرين، ومجالات الفقه تشتمل على تنظيم جميع جوانب حياة المسلم العملية.
¬
(¬1) سعيد حوى، الأساس في التفسير، ج2، ص1236 - 1238.
(¬2) عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1993م، (ط3)، ص26.
(¬3) د. قحطان الدوري ود. رشدي عليان، أصول الدين، ص372 وما بعدها. والنبهان، المدخل ص13، وأحمد فراج، المدخل، ص37.
فيحتوي الفقه الإسلامي جميع أبعاد الحياة، ولا يدع شاردة ولا واردة إلا بيَّنَ حكمها، وقد تدرج مع الإنسان في جميع مراحل حياته، بل قبل ميلاده، وبعد وفاته، ونظم علاقة الإنسان بربه من خلال العبادات، كما أشرنا ونظم علاقة الإنسان بينه وبين الأفراد والجماعات، وعلاقة الدولة بغيرها، في حالة الحرب، وحالة السلام.
وقد استوعب الفقه الإسلامي جميع فروع القوانين الوضعية في الحياة المعاصرة عامها وخاصها، وقد تعرض الفقه الإسلامي للمصالح الإنسانية كلها وشمل:
أولاً: مصالح الأسرة في الأحوال الشخصية: حيث تناول أحكام الزواج، وأحكام الطلاق، والرضاع والحضانة، والنفقات.
ثانياً: المعاملات المالية بين الأفراد والجماعات، وكل ما يتعلّق بالقانون المدني والتجاري من بيوع وقروض وكفالات، وشمل الوكالة والإجاره والصرف والمزارعة وما يتعلق بها، والحوالة والشركات وأحكامها وغيرها من أبواب الفقه الإسلامي كالعاريه والهبة والغصب والصلح والرهن والربا والسلم، وكلّ ما تحتاجه المعاملات التجارية.
ثالثاً: المرافعات المدنية وإجراءات تطبيق الأحكام في فقه الأحوال الشخصية والمعاملات، والدعاوي والأقضية والأحكام وإجراءات الدعوى القديمة والحديثة والتي تزخر بها المكتبة الإسلامية، ككتاب القضاء لابن أبي الدم، وكتاب القضاء للخصاف شرحه للشهيد الحسامي، وابن قطلوبغا، ومئات الكتب المدنية المتعلقة بالأقضية والأحكام.
رابعاً: أحكام تنظم علاقة الأجانب بعضهم ببعض وبالمسلمين في داخل الدولة الإسلامية: وهم المعرفون بالمستأمنين، ويطلق على هذه
الأحكام ما يسمى عند القانويين (القانون الدول الخاس)، ومن أبرز هذه الكتب: أحكام أهل الذمة للطبري، وأحكام الذميين والمستأمنين لابن قيم الجوزية.
خامساً: الفقه المتعلق بنظام الحكم، وعلاقة رئيس الدولة بالمواطنين، وهو ما يسمّى بالأحكام السلطانية، ومدى مسئولية الإمام، وتعيين الولاه، والشورى، وكل أحكام السلطة التنفيذية، والذي تزخر به المكتبة السياسية الشرعية الإسلامية، ومن أبرز هذه الكتب الأحكام السلطانية لأبي يعلى، والأحكام السلطانية للماوردي، والسياسة الشرعية لابن تيمية، ولسان الحكام لابن الشحنة. والمعروف أن تحقيق مقاصد الناس وحمايتهم من مهمات الإمام أيضاً وأرجعها الماوردي (¬1) إلى أمرين:
1) إقامة الدين وبيانه وأخذ الناس بالنزول على أحكامه وتعاليمه.
2) إدارة شؤون الدولة وفق شرع الله، وهذا كله يعود بالخير على البشر في داخل البلاد وخارجها، بالصلاح في الدين والدنيا.
سادساً: نظام الدولة المالي وتنظيم بيت المال: خزينة الدولة والواردات والنفقات، وكيفية الصرف وميزانية الدولة، وبحث ذلك في كتب الفقه التي ناقشت الزكاة ومصارفها، والعشور والخراج والجزية والأراضي الأميرية والركاز ودفائن الأرض، كما عرضت ذلك كتب الخراج، ككتاب الخراج لأبي يوسف، والأموال لأبي عبيد,
¬
(¬1) علي بن محمد الماوردي (ت450هـ)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، بيروت، دار الكتب العلمية، ص15.
سابعاً: الأحكام التي تنظم علاقة دولة الإسلام بالدول الأخرى، في وقت السلم والحرب، وبيان ذلك في أحكام الجهاد والسير والمغازي والجهاد من كتب الفقه، وعلى رأس هذه الكتب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني وشرحه للسرخسي الذي أعتبر أول مؤلف وضع في العلاقات الدولية. وهذه الأحكام تعرف عند القانونيين بأحكام القانون الدولي العام، أو العلاقات الدولية.
ثامناً: نظام العقوبات والجرائم والحدود والتعازير والجنايات والديات والعاقلة، والتي تزخر بها كتب الفقه الإسلامي، والكتب التي بحثت الحدود والقصاص والجنايات كثيرة متوافرة في المكتبات، ومن هذه الكتب إضافة إلى كتب الفقه: الجريمة والعقوبة لأبي زهرة، وفقه العقوبات لعبد القادر عودة، والجريمة والعقوبة لأحمد البهنسي.
تاسعاً: العبادات: وهي الأحكام المتعلقة بعبادة الله تعالى من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج، وهذه العبادات لا بُدَّ أن تكون مظهراً من مظاهر الإخلاص لله تعالى قولاً وعملاً، كما هو في الصلاة: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]: أي من شأن الصلاة إذا أدّيت كما أمر الله، بحيث يقف بين يدي الله مخلصاً لربه الكريم بغاية الذلّة والخضوع والخشوع والتعظيم أن تكون مانعةً لصاحبها من الفحشاء والمنكر (¬1)، فالصلاة تطهر القلب وترقق الفؤاد، والزكاة تطهر
¬
(¬1) القطان، تاريخ التشريع، ص21 - 22، وعلي حسيب الله، أصول التشريع الإسلامي، مصر، دار المعارف، 1959م (ط2)، ص3.
المال وتبعد الحقد والحسد من نفوس الفقراء والمحتاجين، والإحسان إلى الناس يقرب العبد من الله (¬1).
المطلب الثالث: السلوك والتربية (الأخلاق):
إن الشريعة الإسلامية تقوم على الدين، والدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحثّ على الفضائل، ويغرس الخير في نفوس الأفراد والجماعات، قال الله - جل جلاله - في حقِّ نبينا - صلى الله عليه وسلم - {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، فعن سعد بن هشام قال: (أتيت عائشة رضي الله عنها، فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}) (¬2).
وقال - عز وجل -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المثل الكامل والقدوة الحسنة لكلِّ مَن آمن بالله واليوم الآخر، فالتلقي من الله تعالى، والواجب اتباع المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والشريعة هي الفيصل، فعلينا أن نتبع رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بكل ما جاء به من الهدي الرباني دون غيره، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن
¬
(¬1) حسين محمد مخلوف، صفوة البيان لمعاني القرآن، طبعة الكويت، (ط3)، ص506. والزرقا، المدخل، ج1، ص55 - 56.
(¬2) ابن حنبل، المسند، ج6، 91، وصححه الأرنؤوط، محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ)، الأدب المفرد، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1409هـ (ط3)، ج1، ص115.
تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبعني) (¬1)
وعن عبد الله بن ثابت - رضي الله عنه - قال: (جاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال يا رسول الله: إني مررت بأخ لي من يهود فكتبَ لي جوامع من التوراة قال أفلا أعرضها عليك فتغيّر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عبد الله: مسخ الله عقلك ألا ترى ما بوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عمر - رضي الله عنه -: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، قال: فسري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وإنا حظكم من النبيين) (¬2).
ومن هنا نرى أن الفرد المسلم، والمجتمع المسلم لا بُدَّ أن يرضى بالإسلام ويعمل بالدين ويلتزمه، ويؤيد ذلك قوله - جل جلاله -: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، فكلُّ مسلم لا بُدَّ له من أن يتحلَّى بأخلاق لا اله إلا الله محمّد رسول الله خلقاً وأيمانا وأمانة وعملاً.
¬
(¬1) ابن حنبل، المسند، ج3، ص338، وأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، المسند، تحقيق: حسين سليم أسد، دمشق، دار المأمون للتراث، 1404هـ (ط1)، ج4، ص102، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211هـ)، المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، 1403هـ (ط2)، المكتب الإسلامي، ج6، ص111، والبيهقي، السنن الكبير، ج2، ص10، وحسنه أحمد بن علي ابن حجر العَسْقَلانِي (ت852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، 1379هـ، ج13، ص334.
(¬2) عبد الرزاق، المصنف، ج10، ص313.
والأخلاق في القرآن الكريم معيار لما ينبغي أن يكون عليه أبناء المجتمع المسلم في سلوكهم، ولها جهات ومجالات:
1. أنه رسم منهج السلوك، من حيث نظم علاقة الإنسان مع ربه، وعلاقة الإنسان مع نفسه، وعلاقة الإنسان مع غيره، كما بين كيف يجب أن تكون نظرة الإنسان إلى الكون والحياة، ومن ذلك قوله - جل جلاله -: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] (¬1).
2. إن قضاء الله وحكمه وإرادته حق، وأساس التشريع سواء رضي الإنسان أم كره، وهي أخلاق طلبها الله تعالى، وهي لا تتبدل ولا تتغير، سواء قبلها العقل أم لم يقبلها، وعلى الإنسان أن يرضى بما أراد الله تعالى، قال - جل جلاله -: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
3. إنها تهدف إلى توعية الضمير والخضوع لله في كلِّ مجال من مجالات الحياة، بحيث تصير هذه الأخلاق سجية له (¬2).
وهذه الأخلاق القرآنية والنبوية اعتنى بها جماعة من العلماء اعتناءً فائقاً، واهتموا بترسيخها في نفوس الناس، وقد سمّوا بعلماء التربية والسلوك (التصوف)، كما سمِّي العلماء المهتمون بالفقه بالفقهاء.
فالتصوف (السلوك) ليس فرقة، وإنما يمثل الجانب التربوي والسلوكي عند أهل السنة في مقابل الجانب الفقهي والجانب العقدي، حتى
¬
(¬1) مخلوف، صفوة البيان، ص232.
(¬2) منصور علي رجب، تأملات في فلسفة الأخلاق، مكتبة النهضة المصرية، 1961م (ط3)، ص313 - 319.
تكتمل شخصية المسلم كما سبق، فهو وصف لقوم جردوا أنفسهم لله تعالى، واعتنوا بأمور تربية النفوس وتزكيتها؛ ليكون علم التصوف (علم الأخلاق في الإسلام)؛ وليكون معنى الصوفي مَن صفا من الكدر، وامتلأ من العبر، وتساوى عنده الذهب والمدر.
فعلم الأخلاق هو علم أحوال القلب؛ إذ يبيّن فيه الأخلاق الفاضلة وكيفيات اكتسابها والأخلاق الرذيلة وكيفيات اجتنابها. والغرض منه التخلي عن الأخلاق الرذيلة والتحلي بالأخلاق الحميدة، ففي التصوف والتربية يصل إلى أكمل مراتب الأخلاق الفاضلة كأكمل مراتب التوحيد والتوكل والرضا وغيرها، قال السيوطي: ((التصوف: تجريد القلب إلى الله تعالى)) (¬1).
وعلم أحوال القلب التي يحمد منها: كالصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، والرضا، والزهد، والتقوى، والقناعة، والسخاء ....
وأما الذي يذم فخوف الفقر، وسخط المقدور، والغل، والحقد، والحسد، والغش، وطلب العلو، وحبّ الثناء، وحبّ طول البقاء في الدنيا للتمتع، والكبر، والرياء، والغضب، والأنفة، والعداوة، والبغضاء، والطمع، والبخل، والرغبة، والبذخ، والأشر، والبطر ...
¬
(¬1) أحمد بن أبي بكر المرعشي ساجقلي زاده (ت1145هـ)، ترتيب العلوم، تحقيق: محمد بن إسماعيل، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1408هـ (ط1)، ص169، وأحمد بن مصطفى طاشكبرى زاده (ت968هـ)، مفتاح السعادة ومصباح السيادة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1405هـ (ط1)، ج1، ص383.
قال الإمام الغزالي (¬1): ((العلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة)).
والتصوف بذلك عبادة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد العابدين، فيكون ابتداء حقيقة التصوف والزهد من بعثته - صلى الله عليه وسلم -، وقد تبعه أصحابه من بعده، واختص منهم جماعة سموا بأهل الصفة، بمزيد من الاهتمام والاعتناء بأمور المجاهدة النفسية، وخلفه الصحابة الكرام التابعون وتابعوهم فأخذ بعضهم عن بعض حتى برز جماعة منهم: الجنيد البغدادي، وإبراهيم بن أدهم، والسري السقطي، وأبو يزيد البسطامي، والحسن البصري، وأمثالهم كثير ممن يرجع إليهم في شؤون التربية وتزكية النفوس، ثم تبع هؤلاء أفاضل أجلة ألفوا في التصوف، وقعدوا قواعده، منهم أبو بكر الكلاباذي في كتابه ((التعرف بمذهب أهل التصوف))، أبو طالب المكي في كتابه ((قوت القلوب))، والإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه ((إحياء علوم الدين))، الذي كان اللبنة الكبرى في اعتماد مَن أتى بعده عليه حتى قالوا، لولا الإحياء لما كنا من الأحياء، ثم توالت المؤلفات والمصنفات بعده حتى أصبحت عدداً لا يحصى (¬2).
¬
(¬1) محمد الغزالي (ت505هـ)، إحياء علوم الدين، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ج1، ص32.
(¬2) عبد القاهر بن عبد الله السهروردي، عوارف المعارف، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ج5، ص55 وما بعدها، ود. محمد رمضان البوطي، الحكم العطائية شرح وتحليل، بيروت، دار الفكر المعاصر، دمشق، دار الفكر، 1421هـ (ط1)، ج1، ص 7، وما بعدها، وعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ)، تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، دار الفاتح الإسلامي، 1415هـ (ط2)، ص15 وما بعدها.
المبحث الرابع
علاقة التشريع الإسلامي
بالشرائع الأخرى
إن الشرائع التي سبقت الشريعة الإسلامية إما أن تكون سماوية أو وضعية، فنفرد الكلام على كل منها في مطلب مستقل بإيجاز.
المطلب الأول: علاقة التشريع الإسلامي
بالشرائع السماوية:
إن الشرائع السماوية السابقة لا تحصى عدداً؛ لأنه لم تخل أمة من رسول أو نبي يبلغها شريعة ربنا وأحكامه، قال - جل جلاله -: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وجميع هذه الشرائع الإلهية تتفق وتتشابه في أصول الدين وأمور العقيدة من الإيمان بالله - عز وجل -، وإفراده بالعبادة، والإخلاص له بالعمل، والإيمان باليوم الآخر، والاستعداد له بالعمل الصالح، ونبذ الشرك، قال - جل جلاله -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36، وقال - جل جلاله -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الانبياء:25]، قال قتادة: ((أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد لا يقبل منهم عمل حتى يقولوه ويقروا به، والشرائع مختلفة، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة حلال وحرام، وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له)) (¬1). وقال الله - عز وجل -: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
فالشرائع السماوية واحدة في مصدرها وفي أصول العقيدة ومقاصد التشريع العامة، ولكنها تختلف في الأحكام العملية والتفصيلات الجزئية المنظمة لعلاقات الأفراد بخالقهم، أو بعلاقتهم فيما بينهم، قال - جل جلاله -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]، وقال - عز وجل -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18]، قال قتادة: ((الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي)) (¬2)، وقال القرطبي (¬3): ((الشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع، والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه فمعنى {جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ}: أي على هدى من الأمر)).
فالشريعة كما سبق تشمل الاعتقادات والوجدانيات والعمليات.
¬
(¬1) الطبري، تفسير القرآن، ج9، ص16.
(¬2) الطبري، تفسير القرآن، ج11، ص258.
(¬3) محمد بن أحمد القرطبي (ت671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني، القاهرة، دار الشعب، 1372هـ (ط2)، ج16، ص142.
فالاعتقادات واحدة في كل الأديان السماوية؛ لأن مصدرها واحد، وهو الله الواحد القهار، ونحن ومن سبقنا أمرنا بتوحيده وإفراده بالعبودية؛ لما سبق من الآيات.
والوجدانيات مشتملة على الإخلاص لله تعالى وتهذيب النفوس، وتربيتها على الأخلاق الممدوحة وتخليصها من الأخلاق المذمومة، وهذا أيضاً محلّ اتفاق بين الشرائع السماوية لاسيما الإخلاص منه، قال - جل جلاله -: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5].
والعمليات: أي الأحكام الفقهية العملية من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج ونكاح وزواج وبيع وشراء وغيرها، فإن الشريعة الإسلامية ناسخة لما قبلها من الشرائع، وهي وحدها واجبة الاتباع، قال - جل جلاله -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة:48]، قال الطبري: ((وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهل الملل بكتابه الذي أنزله إليه وهو القرآن الذي خصه بشريعته، يقول تعالى ذكره: احكم يا محمد بين أهل الكتاب والمشركين بما أنزل إليك من كتابي وأحكامي في كلِّ ما احتكموا فيه إليك من الحدود والجروح والقود والنفوس فارجم الزاني المحصن واقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة ظلماً وافقأ العين بالعين واجدع الأنف بالأنف، فإني أنزلت إليك القرآن مصدقاً في ذلك ما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليه رقيباً يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبله ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين يقولون: إن أوتيتم الجلد في الزاني المحصن دون الرجم .... ))، وسيأتي تفصيل الكلام في بعض الأحكام التي شرعت لهم ولم تشرع لنا عند الكلام
على شرع من قبلنا، وسنعرض ما حكم شرائعهم التي جاءت في القرآن والسنة، فهل هي تشريع لنا أم لا.
فحاصل ما سبق أن الشريعة الإسلامية تتفق مع الشرائع السابقة من جهة وحدة المصدر؛ لأنها كلها مصدرها واحد، وهو الله - جل جلاله -، وكذلك في وحدة الأصول والمقاصد؛ لأن جميع الشرائع السماوية متشابهة في الدعوة إلى أصول العقدية ومتشابهة في مقاصد التشريع العامة كتزكية النفس بالأعمال الصالحة، والحرص على هداية الناس إلى الصراط المستقيم، وتحقيق الخير والصلاح لهم في الدنيا والسعادة في الآخرة، لكن الشريعة الإسلامية ناسخة لما قبلها من الشرائع في الأحكام العملية (¬1).
المطلب الثاني: علاقة التشريع الإسلامي
بالشرائع الوضعية:
إن الشريعة الإسلامية إلهية المصدر، بخلاف الشرائع الوضعية فإنها بشرية المصدر، فلا يمكن للإلهي الكامل أن يعتمد على الوضعي الناقص، إلا عند مَن ينكر نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كبعض المستشرقين، فيطعنون بالشريعة فيما يلي:
أولاً: أنها أخذت من القانون الروماني الذي كان شائعاً في الأقاليم التي فتحها الإسلام كالشام، ولكن من المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أمياً لم يجلس إلى معلم قطّ، وقد نشأ في بيئة أمية لا عهد لها بالقانون الروماني أو غيره (¬2)، حتى يأخذ منه شيئاً، فلا علاقة للشريعة بالقانون الروماني إذ نشأت مستقلة عنه، ونما فقهها وازدهر بمعزل عن هذا القانون الذي بدأ
¬
(¬1) زيدان، المدخل، ص61 - 62.
(¬2) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص23.
على شكل عادات، واستمدت أحكامها من مصادر خاصة ليس منها الإحالة إلى قانون أجنبي، وحسب قواعد مضبوطة قام على أساسها علم أصول الفقه، إذ أن القانون بدأ عادات، ونما وازدهر عن طريق الدعوى والإجراءات الشكلية، أما الشريعة الإسلامية فقد بدأت كتاباً منزلاً من عند الله ونمت وازدهرت عن طريق القيام المنطقي والأحكام الموضوعية ... إلا أن فقهاء المسلمين امتازوا عن فقهاء الرومان، بل امتازوا على فقهاء العالم باستخلاصهم أصولاً ومبادئ عامة من نوع آخر هي أصول استنباط الأحكام من مصادرها، وهذا ما سموه بعلم أصول الفقه.
وإن الخلاف جوهري بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني؛ إذ تقوم الشريعة على أساس الوحي الإلهي، وهذا من أبرز ما يميز الشريعة عن غيرها ويجعل الفرق هائلاً بينها وبين القانون الروماني وغيره من القوانين الوضعية، وفي هذا يقول العالم الفرنسي زيس بحق: ((إني أشعر حينما أقرأ في كتب الفقه الإسلامي أني قد نسيت كل ما أعرفه عن القانون الروماني ... وأصبحت أعتقد أن الصلة منقطعة بين الشريعة الإسلامية وبين هذا القانون فبينما يعتمد قانوننا على العقل البشري تقوم الشريعة على الوحي الإلهي ... فكيف يتصور التوفيق بين نظامين قانونيين وصلا إلى هذه الدرجة من الاختلاف)).
بل إن بعض الكتاب المحدثين يذهب إلى أن القانون الروماني مستمد من الفقه الإسلامي عن طريق ترجمة هذا الفقه في إسبانيا من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، ويرجع البعض الآخر إلى أن شراح القانون في أيام النهضة العلمية الأوربية الذين تخرجوا في مدرسة بولونيا الإيطالية وغيرها من المدارس الأوروبية قد أدخلوا في شروحهم للقانون الروماني
بعض النظم القانونية في الفقه الإسلامي التي وصلتهم عن طريق الأندلس وغيرها (¬1).
ثانياً: أنها تأثرت وأخذت بما كان عليه العرب في الجاهلية من الشرائع، وهذا محض تقول لا أساس له من الصحة؛ لأن كل أحكامها كانت ابتداءً من عند الله - عز وجل -، وتوافق بعض ما شرعه الله - جل جلاله - مع بعض أعراف اصطلحوا عليها الناس، فهذا لأن من الأمور ما هو من المسلمات كحسن الصدق، وإكرام الضيف، ونصرة المظلوم، وقبح الكذب، والخيانة، وهكذا، وهناك أشياء كثيرة مشتركة في العقلية البشرية بين الإنسانية جمعاء على اختلاف أصولهم وأديانهم، ولا يعني اتفاقهم فيها على أخذ بعضهم البعض فيها، وإنما للتوافق على حسنها أو قبحها وهكذا.
بل نجد أن الإسلام أبطل كثيراً من الأعراف الجاهلية التي تتعارض مع أحكامه، ولم يلتف لانتشارها بين الناس، ومن ذلك:
التبني الذي كان شائعاً في الجاهلية، إذ أمر الله - جل جلاله - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج زينب زوجة متبناه زيد بعدما طلّقها مع أنه كان غير جائز قبل الإسلام، قال - جل جلاله -: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب:37]، وعن عائشة رضي الله عنها: ( ... كان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه حتى أنزل الله {ادْعُوهُمْ
¬
(¬1) زيدان، المدخل، ص62 - 75.
لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] ... ) (¬1).
الظهار والإيلاء إذ كانوا يعدونهما في الجاهلية طلاقاً، فأبطلهما الله - عز وجل - وجعل في الظهار الكفارة، قال - جل جلاله -: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة:2]، ووقَّت في الإيلاء بأربعة أشهر، قال - عز وجل -: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:226]، قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: ((كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية فوقَّت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة)) (¬2).
¬
(¬1) البخاري، الصحيح، ج5، ص1957.
(¬2) إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت774هـ)، تفسير القرآن، بيروت، دار المفيد، ج4، ص408.
كثير من الأحكام المتعلقة بمناسك الحج في الجاهلية مثل الطواف عراة، قال عروة - رضي الله عنه -: ((كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها، فمَن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عرياناً وكان يفيض جماعة الناس من عرفات ويفيض الحمس من جمع. قال وأخبرني أبي - رضي الله عنه - عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الحمس {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، قال: كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات)) (¬1).
ومن ذلك أيضاً بعض الأنكحة التي كانت معروفة عند العرب، وكالربا الذي كان مشهوراً بينهم، فكلها أبطلها الإسلام، فلا يستطيع أي إنسان مهما كان مغالياً في عدائه للإسلام أن يدعي أن التشريع في هذا العهد قد تأثر بغيره من تشريعات الأمم السابقة، ولا ننسى أن هذا الاشتراك الإجمالي بين الإسلام وبعض ما كان في الجاهلية؛ لأن العرب كانوا على دين سيدنا إبراهيم - عليه السلام - فهو مَن شرع لهم الحج وغيره، فلما جاء الإسلام صحح ما حرفوا من دين إبراهيم - عليه السلام - (¬2).
• • •
¬
(¬1) البخاري، الصحيح، ج2، ص599.
(¬2) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص23 - 24، وأبو الحاج، المدخل، ص46.
المبحث الخامس
التعريف بالفقه وأصول الفقه
والعلاقة بينهما
المطلب الأول: الفقه لغة:
هو الفهم مطلقاً مطلقاً، وهو ما يدلُّ على إدراكِ الشيء، والعلم به، والفهمِ له، والعلم بغرض المخاطب من خطابه، أي فهم غرض المتكلم من
كلامه، فيقال: فلا يفقه الخير أو الشر: أي يفهمه (¬1)، وقال - جل جلاله -: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]: أي ليفهموا الدين فهماً دقيقاً عميقاً. وقال - عز وجل -: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28]: أي يفهموا قولي. وقال: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود:91]: أي لا نفهم.
وأما تخصيصُه بفهم الأشياء الدقيقة كما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي - رضي الله عنه - في ((شرح اللمع))، فخلاف الصواب كما صرَّح به الأسنوي - رضي الله عنه - (¬2)، ويؤيِّده ما سبق نقله من معاجم اللغة.
وقد تطور المعنى الدلالي لكلمة ((فقه))، إذ نقلت من المعنى اللغوي: وهو الفهم مطلقاً إلى معنى اصطلاحي.
¬
(¬1) الفيومي، المصباح، ص479، والخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، تحقيق: د. مهدي المخمومي ود. إبراهيم السامرائي، بغداد، دار الرشيد، 1981م، ج2، ص70، والراغب الأصفهاني، مفردات القرآن، ص398، وأحمد بن فارس بن زكريا (ت395هـ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية، ج4، ص442، وابن منظور، لسان العرب، ج5، ص3450، وأبو البقاء أيوب بن موسى الكفوي (ت1094هـ)، الكليات، تحقيق: د. عدنان درويش ومحمَّد المِصريّ، مؤسسة دار المعارف، 1993م (ط2)، ص67، ومحمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ)، ردّ المحتار على الدر المختار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص25 - 26.
(¬2) جمال الدين الآسنوي (ت772هـ)، نهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي، بيروت، دار الكتب العلمية،1984م (ط1) ج1، ص 8.
وهذا المعنى الاصطلاحي اعتراه التطور؛ إذ كانت في صدر الإسلام تحمل معنى شمولياً لمفردات الدين من عقائد وفروع وتصوف وغيرها (¬1)، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يرد الله به خيراً يفقه في الدين) (¬2).
وبعد توسّع رقعة الإسلام، ودخول أفواجٍ من غير أقوام العرب في الإسلام، ظهرت في الأمة أفكارٌ جديدة، فاحتاجت الأمة إلى فرز العلوم بعضها عن بعض وإطلاق الأسماء المتنوعة على تلك المسميات، وخصصت كلمة: ((فقه)) على العلم بفروع الدين، فأصبح خاصاً بهذا المعنى بعد أن كان شاملاً للمفردات كلَّها (¬3).
المطلب الثاني: الفقه اصطلاحاً:
إن أصحاب كل علم ينظرون إلى المعنى اللغوي والشرعي من الجانب الذي يخدم علمهم؛ لذلك وجدنا الأصوليين والفقهاء اختلفوا في تعريف الفقه اصطلاحاً، فالأصوليون اتجهتْ عنايتهم إلى بيانِ مفهومِ الفقه في اصطلاحهم بالمعنى الوصفي: أي الحالُ التي إذا وجِدَ عليها المرءُ سمِّي فقيهاً، ولم يعرضوا لمعناه الاسمي: أي المسائل والأحكام التي يُطلقُ
¬
(¬1) جماعة من العلماء، موسوعة الفقه الإسلامي المصرية، القاهرة، يصدرها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية،. 1386هـ، ج1، ص9.
(¬2) البخاري، الصحيح، ج1، ص37، ومسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، الصحيح، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2، ص718، ومحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (ت273هـ)، السنن، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، ج1، ص80.
(¬3) أبو الحاج، المدخل، ص13.
عليها اسم الفقه (¬1)؛ لذلك سنقف على تعريفه عند كلٍّ من الأصوليين والفقهاء، ونبيِّن الفرق بينهما:
أولاً: تعريف الفقه اصطلاحاً عند الأصوليين:
عرّفه الأصوليون من الحنفية: معرفةُ النَّفسِ ما لها، وما عليها عملاً (¬2).
وهذا التعريف منقول عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - بلا لفظ: (عملاً) زاده الذي زاده أصحابه - رضي الله عنهم -؛ لتخرجَ الاعتقادات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتَّصوف.
والمعرفة إدراكُ الجزئياتِ عن دليل.
ومعنى ما لها وما عليها: ما يجوز لها، وما يحرم عليها، فيشملان جميع الأصناف (¬3): أي الحل والحرمة والكراهة والسنة وغيرها.
وأشهر التعاريف له عند الأصوليون: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬4). وهو منقول عن أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) جماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية المصرية، ج1، ص10.
(¬2) صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ)، التوضيح شرح التنقيح، دار الكتب العربية الكبرى، 1327هـ، ج1، ص10 - 11.
(¬3) محمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1250هـ)، نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على المنار، مطبعة مصطفى البابي، 1979م (ط2)، ص10.
(¬4) الآسنوي، نهاية السول ج1، ص22، ومحمد عبد الحليم اللكَنوي (ت1285هـ)، قمر الأقمار على كشف الأسرار على المنار، بولاق، المطبعة الأميرية، 1316هـ، ج1، ص2، وعلي بن محمد الحسيني الجُرْجانيّ (ت816هـ)، التعريفات، مطبعة مصطفى البابي، 1938م، ص147، ومحمد بن محمد الغزالي (ت505هـ)، المستصفى، بيروت، دار العلوم الحديثة، ج1، ص4، والحصكفي، الدر المختار، ج1، ص26 - 27، ومحب الله بن عبد الشكور (ت1119هـ)، مسلم الثبوت، بيروت، دار العلوم الحديثة، ج1، ص12، وأبو البقاء، الكليات، ص690، وعبد الوهاب بن أحمد الشعراني، الميزان الكبرى، دار العلم للجميع، (ط1)، ج1، ص107.
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة معيّنة وينص على حكم خاص بها (¬1) كقوله - جل جلاله -: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النفس بغير حق.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال، وبالشرعية: العقلية, والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع. وبالعملية: الأحكام العلمية, ككون الإجماع وخبر الواحد حجة (¬2).
¬
(¬1) زيدان، المدخل، ص55.
(¬2) محمد بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق: د. عمر الأشقر. الكويت، 1989م (طا1)، ج1، ص34، ومحمد بن محمد، المعروف بابن أمير الحاج (ت879هـ)، التقرير والتحبير شرح التحرير، بيروت، دار الفكر، 1996مـ (ط1)،ج 1، ص19، ومحمد ابن النجار الحنبلي (ت972هـ)، شرح الكوكب المنير، مطبعة السنة المحمدية، ص11، وحسن بن محمد بن محمود العطار، حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع، بيروت، دار الكتب العلمية، ج1، ص52.
والأحكام الشرعية العملية هي التي تتعلق بأفعال المكلفين في العبادات والمعاملات وغيرهما من الفرض والواجب والسنة والكراهة التحريمية والتنزيهية والإباحة، كما سيأتي بيانها.
ثانياً: تعريف الفقه اصطلاحا عند الفقهاء:
ذكر ابن خلدون (¬1) أن تعريف عند الفقهاء: معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة.
وعرّفه أبو سعيد الخادمي (¬2): بأنه علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة.
وأطلقه بعضُهم الفقه على: حِفظ جملة من الفروع (¬3).
ويطلق عليه آخرون: مجموعة من الفروع (¬4).
فمن خلال هذه التعاريف يتبيَّن لنا أن الفقهاء اعتنوا بالفقه من حيث بيان حكم فعل المكلف، لا من حيث دليل حكم الفعل كما هو حال اعتناء
¬
(¬1) ابن خلدون، المقدمة، ص312.
(¬2) محمد بن مصطفى الخادمي، الحاشية على الدرر، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1310هـ، ص3.
(¬3) الحصكفي، الدر المختار، ج1، ص26 - 27، وفيه: وعند أَهل الحقيقة الجمع بين العلمِ والعمل، لِقول الحسن البصريّ: إنَّما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسهِ.
(¬4) الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص55.
الأصوليبن؛ إذ أن وظيفة الفقيه بيان الحكم بغض النظر عن دليله، ووظيفة الأصولي بيان دليل كلِّ مسألة فقهية، وهذه التفرقة بين الفقيه والأصولي يغفل عنها كثيرٌ من الناس.
فالحاصل أن الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلائلها ... ، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المُقلِّد الحافظ للمسائل مجاز، لكن صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذٍ فينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء.
وتكلّموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أن عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه (¬1).
ويتبين مما سبق: أن الشريعة أعم من الفقه وأكثر شمولاً، لأنها تتناول جميع الأحكام الشرعية الاعتقادية والأخلاقية المتعلقة في تهذيب النفوس.
وأن الفقه أخصّ من الشريعة؛ لأنه يعني بالأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، ويرجع في نظره بهذه الأحكام إلى الشريعة
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص26، والخادمي، الحاشية، ص3، وجماعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص14، ود. صلاح أبو الحاج، المنهج الفقهي للإمام اللكنوي، عمان، دار النفائس، 1422هـ (ط1)، ص20 - 21.
وأصولها العامة وقواعدها الكلية ويقوم المجتهد ببذل الجهد في الكشف عن حكم الله تعالى، وإظهاره للمكلفين من النصوص الشرعية بالاجتهاد (¬1).
المطلب الثالث: تعريف أصول الفقه:
أصول الفقه مركب إضافي يتكون من كلمة أصول وفقه، وقد سبق الكلام في كلمة ((فقه)).
أما الأصول: فهو جمع أصل، ويطلق على: منشأ الشيء، أو ما يستند إليه الشيء، أو ما يبنى عليه غيره.
ولفظ الأصول في الاصطلاح يطلق على عدّة معان:
1. الدليل، كقولنا: أصول هذه المسألة الكتاب الكريم والسنة الشريفة: أي دليلها.
2. الرجحان، كقولنا: الأصل في الكلام الحقيقة: أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز.
3. القاعدة المستمدة، كقولنا: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل (¬2).
ويعرَّفُ أصول الفقه اصطلاحاً بأنه: القواعد الكليّة والأدلة الإجمالية التي يتوصَّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
فالقضايا الكلية ينطبق حكمها على الجزئيات التي تندرج تحتها فتعرف بها أحكام الجزئيات، مثل قاعدة: الأمر يفيد الوجوب إلا بقرينة تصرفه عن الوجوب، وكلُّ صيغ الأمر تندرج تحت هذه القاعدة، مثال
¬
(¬1) د. أحمد فراج، المدخل، ص34، وزيدان، المدخل، ص62.
(¬2) رمضان علي السيد الشرنباصي، أصول الفقه الإسلامي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2005م (ط1)، ص4.
ذلك قوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود} [المائدة: 14]، وقال - جل جلاله -: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور: 56].
ويعرف بذلك وجوب ما تعلقت به صيغة الأمر، كوجوب الوفاء بالعقود، ووجوب الصلاة، ووجوب إيتاء الزكاة، وطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فيعلم المجتهد بعد النظر في صيغة الأمر بأن الصلاة واجبة، وأن الوفاء بالعقود واجب، وأن أداء الزكاة واجب، وأن طاعة رسول الله واجبه من خلال وجوب ما تعلَّقت به صيغة الأمر، فيتوصل المجتهد بهذه القواعد إلى استنباط الفقه: أي استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فيقول مثلاً: الصلاة مأمور بها، والأمر للوجوب، إذاً: ((الصلاة واجبة))، وهكذا.
وأما الأدلة الإجمالية فهي مصادر الأحكام الشرعية، وهي: الكتاب الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والإجماع، والقياس (¬1).
تقويم الوحدة
ما التطور الدلالي الذي اعترى لفظ التشريع والشريعة؟
أ بيِّن دور الفقيه في التشريع الإسلامي؟
ب اذكر فوائد التشريع الإسلامي للناس؟
ت فرَّق بين التشريع الإلهي والوضعي من حيث المصدر، والموضوع، والغاية؟
ث ما هي ميزات كون التشريع ربانياً؟
ج ما الغايات التي تسعى الشريعة الإسلامية إلى تحقيقها؟
ح اذكر أقسام الشريعة الإسلامية؟
خ بين مجالات الفقه الإسلامي؟
¬
(¬1) الشرنباصي، أصول الفقه، ص5 - 6.
د عرِّف علم الأخلاق، وبما سمي أيضاً؟
ذ بين أوجه اتفاق واختلاف الشريعة الإسلامية مع الشرائع السماوية السابقة؟
ر بماذا تردّ على عدم تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الرماني والأعراف الجاهلية؟
ز عرف الفقه لغة، وبيِّن التطور الدلالي الواقع عليه؟
س عرف الفقه اصطلاحاً عند الفقهاء والأصوليين، وما الفرق بين التعريفين؟
عرِّف أصول الفقه لغة واصطلاحاً؟
الوحدة الثانية
مصادر التشريع الإسلامي
تمهيد:
بعد أن وقفنا في الوحدة الأولى على معنى التشريع الإسلامي وأهميته وتميّزه عن التشريع الوضعي وأقسامه ومعنى الفقه في اصطلاح الفقهاء والأصوليين وبناءه على أصول الفقه بخلاف غيره من الفقه الذي لم يبن أصول محكمة كما هو الحال في فقهنا الإسلامي، فإننا في هذه الوحدة سنلقي الضوء على هذه الأصول الدقيقة ببيان مجمل يمكن الوقوف على تفصيله في كتب أصول الفقه؛ ليعاين القارئ عظمة الفقه وأصوله من خلال المباحث الشاملة للقرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والاجتهاد.
المبحث الأول
القرآن الكريم
إن من المعلوم أن القرآن الكريم هو المصدر الأول لاستقاء الأحكام الشرعية، فنعرض في هذا المبحث لتعريفه، وحجيته، ومكانته التشريعية، وتنظيمه للحياة الإنسانية في المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف القرآن الكريم:
أولاً: لغة:
القرآن: مصدر قرأ وهو يطلق على كل ما يقرأ، ولكن غلب في العرف العام على المجموع المعين من كلام الله تعالى المقروء بألسنة العباد (¬1).
وقد سُمِي القرآن بهذا الاسم؛ لأن قرأ بمعنى جمع، وهو جامع لعلمي الدنيا والآخرة؛ ولأنه جامع لكلام الله تعالى.
ويسمَّى الكتاب، وهو في اللغة: مصدر بمعنى المكتوب ـ اسم مفعول ـ ويطلق على كل مكتوب، ثم غلب في عرف الشرع على القرآن الكريم (¬2).
وله أسماء عديدة: منها: الفرقان؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، ويطلق عليه المصحف: لأنه كتب في صفحات.
ثانياً: تعريفه اصطلاحاً:
هو النظم المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، المكتوب في المصاحف، المعجز، المنقول إلينا تواتراً، المتعبّد بتلاوته (¬3).
¬
(¬1) الفيومي، المصباح المنير، مادة (قري).
(¬2) المصدر السابق، مادة كتب.
(¬3) عبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني ابن ملك، (ت 801 هـ)، شرح المنار، دار السعادة، 1305 هـ، ج 1، ص 31، وتاج الدين عبد الوهاب السبكي (ت 771 هـ)، جمع الجوامع شرح المحلى، مصطفى البابي الحلبي، 1356 هـ (ط 2)، ج 1، ص 222.
وقيود التعريف تُخرِّج ما يلي:
1. الكلام الدال على التشريعات الإسلامية من غيره.
2. ما نزل على غير النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف المنزلة فلا تسمى قرآناً.
3. كلام الله المسمّى بالحديث القدسي لا يسمى قرآناً؛ لأنه غير معجز وغير متعبّد بتلاوته.
4. القراءات الشاذة لا تسمّى قرآناً؛ لأنها لم تنتقل إلينا تواتراً، ولم تكتب في المصاحف (¬1).
ثالثا: الفرق بين القرآن والحديث القدسي:
سمّى قدسياً: لأنه نزل به روح القدس من الله - جل جلاله - وهو جبريل. وإليك الفوارق:
1. أن القرآن نزل به جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظاً ومعنى، والحديث القدسي نزل بمعناه، وصياغة ألفاظه عن الله - جل جلاله - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لذا سمي حديثاً (¬2).
¬
(¬1) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، ج1، ص12.
(¬2) هنالك رأي أخر: أن لفظه ومعناه من الله تعالى بواسطة الملك يقذفه في روع النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ... ) [مسلم، الصحيح، ج4، ص1994]، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (إن روح القدس نفث في رُوْعي إن نفساً لم تمت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) [محمد بن إدريس الشافعي (ت2004هـ)، المسند، بيروت، دار الكتب العلمية، ج1، ص233، والقضاعي، مسند الشهاب، 2: 185.
2. أنه نقل تواتراً، والحديث القدسي ليس متوتراً.
3. تصحّ به الصلاة، ولا تصح بالحديث القدسي.
4. القرآن معجز بخلاف الحديث القدسي.
5. لا يجوز ترجمته نصاً، والقدسي يجوز.
6. لا يمس إلا على طهارة (¬1) بخلاف القدسي.
7. يتعبّد بتلاوته، ولا يتعبّد بألفاظ القدسي.
8. جاحده كافر، بخلاف جحود القدسي.
9. لا يجوز روايته بالمعنى، والقدسي يجوز على الراجح.
10. مقسم إلى سور وآيات وأجزاء وأحزاب، ولا توجد هذه الأمور في القدسي (¬2).
المطلب الثاني: حجيّة القرآن:
¬
(¬1) إن مسألة عدم جواز مسّ المصحف إلا لمَن معه وضوء يغفل عنها كثيرون رغم صراحة القرآن فيها، في قوله: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام - رضي الله عنه -: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) [الحاكم، المستدرك، 3: 552، وصححه]، وإجماع الفقهاء على ذلك نقله الإجماع ابن عبد البر المالكي في الاستذكار 2: 472، وابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 1: 168، وابن تيمية الحنبلي في الفتاوى الكبرى 1: 282، والنووي الشافعي في المجموع 2: 86، وتمام الأدلة في المشكاة ص100 - 102.
(¬2) صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحاته، دار العلم للملايين، 1996م (ط20)، ص12، نقلاً عن كليات أبي البقاء ص288، ومقدمة الأحاديث القدسية ص8 نقلاً من قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي الدمشقي.
هو الحجة الأولى لجميع التشريعات العقائدية والفرعية والخُلقية؛ لأن جبريل - عليه السلام - نزل به من الله - جل جلاله - مصدقاً لما سبق من كتب سماوية؛ ولأنه معجز فإن ألفاظه جاءت فوق طاقة البشر، وقد تحدى الفصحاء والبلغاء الذين عاصروا نزوله فعجزوا عن الإتيان بأقصر سورة منه في ظرف بلغت فيه البلاغة والفصاحة من شعر ونثر قمتها، وقد حصل فيه ضوابط الإعجاز الثلاثة:
1. التحدي: حيث تحدى العرب أن يؤتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة منه (¬1).
2. وجود المقتضى لمعارضته؛ لأنه ساءهم وأبطل عقائدهم وما وجدوا عليه آباءهم، وسفَّه أحلامهم، وعاب آلهتهم مما يدعو إلى معارضته.
3. عدم وجود مانع يمنعهم من معارضته؛ لأنه جاء بلسان عربي، وبأحرف عربية، وألفاظه جاءت بلغتهم، وهذا الإعجاز هو من أعظم الأدلة على صدق مبلغه، وأنه ليس من قول البشر، بل من وحي الله؛ لذا يجب قبوله والعمل بأحكامه (¬2).
¬
(¬1) بقولِه - جل جلاله -: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88]، ثم بقولِه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] ثم في قولِه: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23].
(¬2) عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، بيروت، دار المعرفة، ج2، ص150، وعبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، دار القلم، 1390هـ (ط9)، ص25.
بعد حصول هذه الحجة الدالة على إنزاله ورسالة مبلغه جعلهم بعد عجزهم من مقاومته باللسان أن يقاوموه بالسنان.
واليك أنموذجاً من نواحي إعجازه:
1. أنه معجز بألفاظه ومعانيه وأحكامه؛ إذ جاءت عباراته متناسقة بأساليب متعددة مع التفاتات بليغة، وقد جاء بأحكام كثيرة ومختلفة منها الكوني، ومنها الاجتماعي، ومنها الوجداني، فليست هذه الآية أبلغ من الأخرى، وليس هذه الأسلوب أفصح من الآخر، فلا تعارض ولا تناقض، وجاء معبّراً عن واقع الحال، قال - جل جلاله -: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82].
وما جاء في ظاهره متعارضاً فإن أهل العلم وفّقوا بينه ونفوا عنه ظاهرة التعارض، ونمثل لذلك بمثال هو: قوله - جل جلاله -: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم} [البقرة: 284]، تدلّ على أن الإنسان سيحاسب عما يخطر بباله من سوء مع أنه لا إرادة له بما يخطر في النفس ولا وسع له في صرفه، ثمّ نقرأ بعد {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فهذه آية تنفي ما يخطر ببال الإنسان؛ لأنه ليس في وسعه، وقد تبيّن أنه لا تعارض؛ لأن الثانية جاءت ناسخة لحكم الأولى وهكذا.
2. أنه معجز من حيث إخباره عن أحداث وقعت في الأمم السابقة، أو مع أنبيائهم، أو حوادث ستقع ووقعت فعلاً مع أنه نزل في بيئة أمية لا كتاب لديهم ولا ثقافة ولا معلومات تاريخية ولا كتب أخبار، من ذلك: غلبة الروم على الفرس بعد أن غلبَهم الفرس في قوله - جل جلاله -: {غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:2 - 4]، وقد حصل ذلك، وكثير من الأمور التي اخبر عنها وقعت كما أخبر
3. من حيث ما انطوى عليه من معلومات أيّدتها نظريات علمية اكتشفت بعد نزوله مثل: قوله - جل جلاله -: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} [الرحمن19 - 20]، وفعلاً اكتشف العلم أن ماء النهر العذب عندما يمتزج بماء البحر المالح، فإنه يوجد بينهما عازل لا يبغي أحدهما على الآخر. ومثل مراحل تكون الجنين في رحم أمه وأمور كثيرة.
4. من إعجازه عذوبة ألفاظه وبلاغته وتأثيره بالنفوس فقد كان البليغ العربي المعادي له يتلذذ بسمعه كما قال عنه الوليد بن المغيرة: ((إن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وأعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر)) (¬1).
وإليك مثالاً من بلاغته ورعايته لمقتضى الحال قوله - جل جلاله -: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [عبس34 - 36]، هنا قدم الأخ على الأبناء، وفي آية أخرى يقول - جل جلاله -: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} [المعارج11 - 12]، هنا قدم الأبناء على الأخوة.
وجه البلاغة: أن الإنسان إذا أراد الفرار للنجاة يحرص على أن يفرّ معه أبناؤه وزوجته إن أمكن ويترك الأخوة والوالدين، ولا يفرّ من الأبناء والزوجة أولاً إلا إذا أضطر فيفرّ منهم أيضاً كما يفرّ من الأخ والوالدين. أما إذا وقع به الضرر وأراد دفع عوض عنه فإنه يقدم عوضاً عن أعزّ
¬
(¬1) المصدران السابقان ج2، ص156، وص 26.
شيء هي نفسه بأغلى شيء لديه وهم الأبناء، ثم الزوجة وبالتالي الأخوة (¬1).
ناهيك ما جاء فيه من إيجاز في موضع الإيجاز والإطناب في موضع الإطناب. وكتاب هذا إعجازه ليس من قول بشر، بل من خالقهم فما يرد فيه يكون حجّة وعلى الناس أن يلتزموا به قال - جل جلاله -: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:155].
المطلب الثالث: مكانة القرآن التشريعية:
وبعد أن ثبت أنه من الله - جل جلاله - فإنه يعد هو المصدر الرئيس والأساس للتشريع الإسلامي، وأن له المكانة الأولى من بين المصادر الأخرى؛ لأنه وردنا بصورة قطعيّة من حيث ألفاظه، فإنه وردنا متواتراً جيلاً عن جيل دون تحريف أو تغيير أو تبديل لأن الله - جل جلاله - تكفَّل بحفظه بقوله - عز وجل -: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، بخلاف الكتب السابقة، فإن حفظها وُكِلَ إلى من جاءت إليهم، قال - جل جلاله -: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ} [المائدة:44]؛ لذا أوجب الله الإيمان بجميع ما ورد فيه ومن أنكر آية منه فهو كافر ومرتد.
ومدلولات نصوص القرآن تنقسم إلى قسمين:
1. قطعية الدلالة: ما لا يدل إلا على معنى واحد دون خلاف مثل قوله - جل جلاله -: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، ومثل آيات تحريم
¬
(¬1) سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، 1996م (ط25)، ج4، ص2223، مع إضافات توضيحية.
الربا والزنا فمدلولاتها يجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، ومَن يُنكر تلك المدلولات فهو مرتد.
2. ظنية الدلالة: ما احتمل عدّة معانِ مثل معنى القرء في قوله - جل جلاله -: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة:228] تحتمل الطهر والحيضة، ودلالة الآية على واحد منها ظنية (¬1).
المطلب الرابع: تنظيمه لحياة الإنسان:
والقرآن هو آخر الكتب السماوية، فهو الخالدُ بألفاظه وأحكامه إلى يوم القيامة؛ لذا جاء شاملاً ومنظماً لشؤون الحياة ومتطلباتها الدينية والدنيوية فجاء محتوياً على العقيدة والعبادات والأخلاق وما ينظم حياة الإنسان مع الإنسان سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم عسكرية كما سبق وتمثلت تشريعاته في جميع مناحي الحياة المار ذكرها عند التعريف بأقسام الشريعة الإسلامية (¬2).
وجاء أسلوب القرآن بالتشريعات بثلاثة أنواع:
1. مبادئ وقواعد عامة لتكون أساساً لكل ما يستجد من فروع على مدى العصور والأزمان، ومن أهمها: الشورى في قوله - جل جلاله -: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]، والعدل في قوله - جل جلاله -: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل:90]، وأداء الأمانة في قوله - عز وجل -: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58]، وعدم مسؤولية الإنسان عن ذنب غيره بقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الإسراء:15]، وهكذا.
¬
(¬1) خلاف، علم أصول الفقه، ص34 - 35 مع إضافات.
(¬2) زيدان، المدخل، ص156، وخلاف، أصول الفقه، ص23.
2. أحكام إجمالية، مثل الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بقوله: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، ووجوب الحج بقوله - عز وجل -: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97]، ووجوب القصاص بقوله - جل جلاله -: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179].
3. أحكام مفصّلة، وهذا في بعض المواضع من القرآن وأكملت التفصيل السنة النبوية (¬1)، ومثال مفصّل القرآن: آيات الطلاق واللعان، وآيات المحرمات بالنكاح، وأنصبة المواريث، وجزاء قاطع الطريق، وحدّ الزنا والقذف، وأركان الوضوء، والتيمم ونحو ذلك فإنها جاءت مفصّلة في القرآن الكريم.
• • •
¬
(¬1) زيدان، المدخل، ص157 - 158.
المبحث الثاني
السنة النبوية
تعدُّ السنة النبويّة الشريفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، فنتكلم فيها عن تعريفها، وحجيتها، ومنزلتها التشريعية، وأقسامها، وعلاقتها بالقرآن في المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف السنة النبوية:
أولاً: لغة: الطريقة، ففي الحديث: (مَن سَنَّ في الإسلام سنةً حسنة فعمل بها بعده كَتَبَ له مثل أجر مَن عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كَتَبَ عليه مثل وزر مَن عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء) (¬1): أي من وضع طريقة حسنة أو سيئة (¬2).
ثانياً: اصطلاحاً: ما صدرَ عن رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير. وبعبارة أخرى: هي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره (¬3).
ومن خلال التعريف تبيّن أن هيئةَ السنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
¬
(¬1) مسلم، الصحيح، ج 4، ص 2058.
(¬2) ابن منظور، لسان العرب، مادة (سنَّ)،ج 13.
(¬3) محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق: محمد صبحي، دار ابن كثير، 1421 هـ (ط 1)، ص 13.
1. السنة القولية: وهي جميع ما نطق به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمور تخصّ التشريع العملي أو العقائدي أو الأخلاقي وهي من أكثرها وروداً.
2. السنة الفعلية: وهي كلّ فعل فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التشريع ولم يكن من خصائصه، مثل توضيح هيئة الصلاة ومناسك الحجّ حيث أمر بإتباع فعله فيهما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لتأخذوا مناسككم) (¬2).
3. السنة التقريرية: وهي كلّ قول أو فعل حصل في حضرته أو في عصره ولم ينكر عليه، ولم يدلّ دليلٌ على خصوصيته بذلك الفاعل، بل إقراره أكل لحم حمار الوحش، وإثبات النسب بواسطة القائف ونحو ذلك (¬3).
المطلب الثاني: حجّّية السنة الشريفة:
يجب العمل بالسنة كما يجب العمل بالكتاب، وذلك للأدلة الآتية:
1. قال - جل جلاله -: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم3 - 4]، فهذه الآية دلّت على أن قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما هو من جنس التشريع وحي من الله: كالقرآن الكريم يجب العمل به كالقرآن.
2. الأمر بطاعته كطاعة الله - عز وجل - بقوله: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء:59]، وأحياناً يقرن طاعته بطاعته - جل جلاله - بقوله: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء:80].
3. الأمر بإتباع وأخذ ما آتانا به بقوله - جل جلاله -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7].
¬
(¬1) البخاري، الصحيح، ج1، ص226.
(¬2) مسلم، الصحيح، ج2، ص942.
(¬3) خلاف، أصول الفقه، ص36.
4. وجوب تحكيمه في شؤون الأمة وما يحصل بينهم مع قبول حكمه بقوله - عز وجل -: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء:65].
5. وجوب ردّ المنازعة التي تحصل بين الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ترد إلى كتاب الله - جل جلاله - بقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59].
6. نفي الخيار عن المسلم إذا أمر رسوله كما لا خيار لهم إذا أمر هو - جل جلاله - بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً} [الأحزاب:36].
7. التحذير من مخالفة أمره - صلى الله عليه وسلم - بقوله - جل جلاله -: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].
8. منحه الله - عز وجل - سلطة بيان كتابه العزيز بقوله - جل جلاله -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44].
ومن كلِّ هذه الأدلة يتضح أنّ ما يقوله - صلى الله عليه وسلم - أو يفعله - صلى الله عليه وسلم - واقترن به دليل التشريع هو حجةٌ على الأمة يجب العمل بموجبه (¬1).
المطلب الثالث: منزلة السنة في التشريع:
أولاً: السنة المصدر الثاني في التشريع:
¬
(¬1) زيدان، المدخل، ص160.
اتفقت الأمة على أن السنةَ تأتي بالاحتجاج بها بعد كتاب الله فيما إذا لم تجد الأمة الحكم فيه، أو جاء مجملاً، أو عاماً، أو مطلقاً، وبيَّنت السنةُ تفصيلَه، أو تخصيصَه، أو تقييدَه، أو نسخَه.
فإن وجد الحكم في كتاب الله - جل جلاله - وجب الوقوف عنده، وان لم يوجد فُتِشَ عنه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومما يستدل به على ذلك:
1. حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما أوفده - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليكون قاضياً هناك قال له - صلى الله عليه وسلم -: (بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله) (¬1).
2. رسالة عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، قال فيه: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة فتعرف الأمثال
¬
(¬1) أخرجه أبو داود في سننه 3: 313 والترمذي في جامعه 3: 616 وأشار إلى ضعفه وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي في سننه الكبير10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له. كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدية على العاقل)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص82 - 83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290.
والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى (¬1).
3. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ... فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون ... (¬2).
4. عن الشعبي - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح - رضي الله عنه - إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله - جل جلاله - فانظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بها .... (¬3).
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبير، ج10، ص115، وعلي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (ت385هـ)، السنن، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، بيروت، دار المعرفة، 1386هـ، ج4، ص206، 207.
(¬2) أحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، السنن الكبرى، تحقيق: د. عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي، 1411هـ (ط1)، بيروت، دار الكتب العلمية، ج3، ص469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد جيد، والنسائي، المجتبى من السنن، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب،1406هـ (ط2)، ج8، ص230.
(¬3) محمد بن عبد الواحد المقدسي (ت643هـ)، الأحاديث المختارة، تحقيق: عبد الملك عبد الله، مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة،1410هـ (ط1)، ج1، ص239، وقال المقدسي: إسناده صحيح، وعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدارمي (ت255هـ)، سنن الدارمي، تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، بيروت، دار التراث العربي، 1407هـ (ط1)، ج1، ص71، وعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (ت235هـ)، المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال الحوت، الرياض، مكتبة الرشد،1409هـ (ط1)، ج4، ص543، والبيهقي، السنن الكبير، ج10، ص110.
5. عن ابن عباس - رضي الله عنهم - إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول - صلى الله عليه وسلم - قال به ... (¬1).
وفي كل هذا دلالة واضحة على أن السنة تأتي في الاحتجاج بعد كتاب الله - جل جلاله -.
ثانياً: عموم تشريع السنة وعدم عمومه، وهو أنواع:
1. ما يقوله أو يفعله - صلى الله عليه وسلم - بقصد تشريعه له وللأمة جميعاً من عبادات، ومعاملات، وعقوبات، وأحوال شخصية، فهذا هو تشريع عام؛ إذ هو المقصود من التشريع بالسنة النبوية إلى جانب الكتاب العزيز.
2. ما يصدر عنه - صلى الله عليه وسلم - من أمور تقتضيها الطبيعة البشرية باعتباره بشراً مثل: النوم، والاضطجاع على جهة اليمنى، والاكتحال، والادهان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والاستنجاء، ولم يقترن به قول يدل على التشريع فإنه ليس تشريعاً والعمل على غراره يثاب عليه العامل إذا قصد التأسي به - صلى الله عليه وسلم - ولا ثواب عليه إن لم يقصد لأنه من لوازم الإنسان كانسان، وهذا رأي الحنفية، وغيرهم يراها تشريعية.
3. ما هو من الأمور الدنيوية المبني على الخبرة والتجربة ولا علاقة له بالوحي: كتنظيم الجيش، وخطط الحرب، وأمور التجارة والزراعة والصناعة، وأمور فنية. فهذا النوع لا يعد تشريعاً شرعياً؛ لأنه يقع حسب ما تتطلبه الحياة وصلاح ذلك العمل، مثل نزوله في وقعة بدر في مكان لا يصلح من الناحية العسكرية فقال له الحباب: يا رسول الله أمنزل أنزلك الله به لا نتجاوزه أم هو الرأي والمكيدة؟ فقال: (بل الرأي
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبير، ج10، ص115.
والمكيدة) فبين له أنه غير صالح للمعركة فغيره إلى مكان آخر اختاره الحباب (¬1)، فهذه لا علاقة لها بالسنة والتشريع.
4. ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم -، ولكن تثبت خصوصيته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لغيره، فهذا أيضاً ليس تشريعاً عاماً، ومثال الخصوصية له - صلى الله عليه وسلم -: كزيادته - صلى الله عليه وسلم - على أربع نسوة، ووجوب التهجد عليه، والوصال في الصوم. ومثال الخصوصية لغيره: أنه كان مديناً ليهودي وقد قضاه دينه، ثم جاء يطالبه به فقال له - صلى الله عليه وسلم - (قد وفيتك الدين) فقال مَن يشهد لك على ذلك؟ فلم يجد مَن يشهد على ذلك، فقال خزيمة: أنا أشهد يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم - (ومَن شهد له خزيمة فهو حسبه) (¬2)، والمشروع شهادة رجلين حضرا الوفاء؛ لذا فإن هذه خاصة بخزيمة - رضي الله عنه - لا تتعداه إلى غيره في قبول شهادة واحد لم يحضر الواقعة.
المطلب الرابع: أقسام السنة:
للسنة أقسام باعتبارات مختلفة:
أولاً: أقسامها باعتبار ورودها:
تنقسم من حيث ورودها ووصولها إلى آخر راوٍ دونها ـ كالبخاري مثلاً ـ إلى قسمين عند الجمهور: متواترة، وآحاد، وعند الحنفية إلى ثلاثة أقسام: متواترة، ومشهورة، وآحاد.
¬
(¬1) الحاكم، المستدرك، ج3، ص482.
(¬2) الحاكم، المستدرك، ج2، ص22، وسليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ)، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي السلفي، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، 1404هـ (ط2)، ج4، ص87، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 533: رجاله كلهم ثقات.
1. السنة المتواترة: هي ما نقلها عددٌ يمتنع توافقهم على الكذب؛ لكثرتهم من آخر راوٍ كالبخاري إلى الصحابي، فمثل هذا العدد يحكم العقل بأنه من المستحيل أن يتواطئوا على الكذب، والكثرة تكون في جميع طبقات هؤلاء النقلة، وقد تكون فعلية: مثل هيئة الصلوات، ومشروعية الأضحية، ومناسك الحج، والسنة هذه كثيرة، وقد تكون لفظية كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) (¬1).
2. السنة المشهورة: وهي ما نقلت من الراوي إلى التابعي بأعداد كالمتواتر إلا أنها في آخر السند بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنقل بعدد لم يبلغ عدد التواتر، فهي تفيدُ علم الطمأنينة لا علم اليقين كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث) (¬2) على أن بعض الحنفية يرون أنه يفيد القطع واليقين؛ ولأن هذا القسم فوق قسم الآحاد الآتي، فإنه ينسخ الكتاب ويخصّصه ويفيده عند الحنفية كالمتواتر.
3. السنة الآحادية، وهي نوعان:
1) عزيز: هو ما يرويه اثنان عن اثنين من أول السند إلى آخره.
2) غريب: هو ما يرويه واحدٌ عن واحدٍ من أول السند إلى أخره، وهي تفيد الظن
الغالب؛ لذا لا ينسخ به الكتاب ولا يخصّصه ولا يقيده عندهم، ومعظم أحاديث الفروع من هذا النوع.
¬
(¬1) البخاري، الصحيح، ج1، ص52، ومسلم، الصحيح، ج1، ص 10.
(¬2) الترمذي، الجامع، ح4، ص433، وصححه، وأبو داود، السنن، ج2، ص127، والنسائي، المجتبى، ج6، ص247، وابن ماجة، السنن، ج2، ص905، والدارمي، السنن، ج2، ص511، وابن حنبل، المسند، ج4، ص186.
أما الجمهور فإنهم قسموها إلى متواترة، وآحادية؛ إذ اعتبروا المشهورة من قسم الآحاد، فالقسمة عندهم ثنائية (¬1)، ومع ظنيّتها عندهم فإنها تنسخ القطعيّ وتخصّصه وتقيّده.
ثانياً: أقسامها باعتبار قوة ورودها:
تقسم من هذا الحيث إلى ثلاثة أقسام:
1. صحيحة: وهي ما نقلها عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ.
2. حسنة: وهي ما ينقلها عدل ضعيف الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ.
3. ضعيفة: وهي ما يكون في سندها راوٍ فيه جرح (¬2) أو يحصل انقطاع في سندها (¬3)، فان تعدد سندها مع ضعيف في كلِّ سندٍ أو أيد لفظ الحديث شاهدٌ آخر صار حسناً لغيره (14).
¬
(¬1) أنظر هذه التقسيمات: أحمد بن محمد السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول، تحقيق: عبد الملك السعدي، بغداد، مطبعة الخلود، 1987م (ط1)، ج2، ص627 - 635.
(¬2) وجرح الراوي يكون بأمور: منها الفسق، والتوهم، والتدليس، والغلط الفاحش، والجهالة أو الغفلة، أو بدعته.
(¬3) أحمد بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، شرح نخبة الفكر بهامش لفظ الدرر، مصطفى البابي الحلبي، (ط1)، ص28 - 37، وخلاف، أصول الفقه، ص41. وعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: سعد الجميلي، دار الكتاب العربي، 1984م (ط1)، ص352، والسبكي، جمع الجوامع، ج2، ص119 - 129.
أما الانقطاع في السند فأنواع:
1. إن كان من أول السند فهو المعلّق.
2. إن كان في وسطه وكانا اثنين متوالين فهو المعضل.
3. إن كان في وسطه وكانا اثنين غير متواليين فهو المنقطع.
4. إن كان في آخره، كأن يقول التابعي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو المرسل (¬1).
ولا خلاف في عدم الاحتجاج بالمعلق والمعضل والمنقطع إلا إذا تقوى بسند آخر أو شاهد إلا أنه يعمل به في الترغيب والترهيب احتياطاً؛ إذ يحتمل أنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحصل الضعف في سنده ما لم يكن شديد الضعف (¬2).
أما الحديث المرسل فقد احتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، وكذا الشافعي وأحمد وأصحابهما إذا اعتضد بمسند آخر أو مرسل آخر بمعناه عن راوٍ آخر فيدلّ على تعدد المخرج أو وافقه قول بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أو إذا قال به أكثر أهل العلم، فإذا وجد أحد هذه الأربعة دلّ على صحة المرسل (¬3)، فالحنفية والمالكية يرون العمل به بشرط أن
¬
(¬1) المصدر نفسه، ص65.
(¬2) وشديد الضعف ما في سنده شخص متهم بالكذب، وللعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ثلاثة شروط: 1) أن لا يكون شديد الضعف. 2) أن يكون مدلوله داخلاً في عموم الفضائل. 3) عدم الجزم بثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أنظر: السيوطي، تدريب الراوي، ص196.
(¬3) محمد زاهد الكوثري (ت1378هـ)، هامش شروط الأئمة الخمسة، ص65.
يكون المرسِل ثقة؛ لأن الثقة لا يرسل إلا عن ثقة، أما إن كان المرسل غير ثقة فإنه هو يكفي لرد الحديث (¬1).
المطلب الخامس: علاقة السنة بالقرآن الكريم:
تنقسم من حيث تشريعها للأحكام مع القرآن إلى أقسام، منها:
1. موافقة للكتاب ومؤيدة لما ورد فيه من تشريعات وهي كثيرة جداً، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - (لا يَحِلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه) (¬2)، فانه مؤيد لقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29]، ومثل أحاديث تحريم الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وأكل الربا، ونحو ذلك.
2. مفصِّلة لما جاء في الكتاب من إجمال مثل تفصيل الآيات المجملة الواردة في الصلاة والزكاة والحج من هيئات ومقادير ومناسك ومفسدات وأركان وسنن.
3. تقييد السنة لمطلق القرآن، كقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرسغ قيد إطلاق اليد بقوله - جل جلاله -: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38].
4. نسخت السنة للكتاب كحديث: (لا وصية لوارث)، فإنها نسخت قوله - جل جلاله -: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} [البقرة:180].
¬
(¬1) السبكي، جمع الجوامع، ج2، ص168، والسمرقندي، ميزان الأصول، ج2، ص646.
(¬2) ابن حنبل، المسند، ج5، ص72، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والدارقطني، السنن، ج3، ص26، وأبو يعلى، المسند، ج3، ص140، والبيهقي، السنن الكبير، ج6، ص100، والضحاك، الآحاد والمثاني، ج3، ص291.
5. سنة مؤسسة لإحكام لم ترد في القرآن الكريم: كتحريم جمع الخالة مع بنت أختها والعمة مع بنت أخيها. وتحريم لحم الحمر الأهلية، وكثير ممّا ثبت بالسنة دون ثبوتها في الكتاب.
• • •