المبادئ والأسس ................
... للمعاملات المالية الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
المبادئ والأسس ................
... للمعاملات المالية الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
المبادئ والأسس
للمعاملات المالية الفقهية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة لمجمع الفقه الإسلامي بالهند
ملخص البحث:
حاولت في بحثي عرض المبادئ والأسس للمعاملات بصورةٍ مختصرةٍ تمثل التصوُّر العام والكلي للمعاملات عند الفقهاء، حتى يسهل على الطالبِ فهم البناء الفقهي لمسائل المعاملات؛ ليقدِّم لنا أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة، وهذا ما يغرسه البحث لدى القارئ من خلال بيان الخطوط العريضة التي يسلكها فقهاؤنا في تقرير أبواب المعاملات، وتعتبر أسباباً لنجاح المعاملات الشرعية في تلبية أغراض الناس، فتكلمت عن تنظيم أحكام المعاملات للحياة الإنسانية، ثُمَّ وضحت المبادئ العامة التي تسير عليها، ثُمَّ بينت كيفية مراعاة الواقع في أحكامها، ثُمَّ تكلمت عن حرية التصرفات فيها وأنَّ الأصل فيها الإباحة، ومهدت لهذا كله بتعريف المعاملات والمال، وختمته بأهم النتائج التي توصلت إليها في بحثي.
* * *
The principles and foundations of financial transactions according to Islamic jurisprudence (fiqh(
Research Summary:
I have attempted in my research to demonstrate, in brief, the principles and foundations of financial transactions, painting a general picture of the subject as described by the scholars of fiqh. This was done to aid students in understanding how the science of fiqh conceptualises and theorises issues (masa'il) related to financial transactions in order to present the best solutions to these matters. This paper explains the flexibility entertained by scholars when establishing the various rulings related to transactions. This flexibility is considered the
reason behind the success of the shariah in answering the transactional needs of people. I also speak about how the legal rulings of transactions organise human life, and I then clarify the general principles upon which these legal rulings are built. Furthermore, I explain how these theoretical rulings observe and comply with the real world. I then speak about the freedom of acting within the sphere of transactions, and how the default position in it is permissibility. To assist in understanding the material, I introduce the paper by defining the concept of financial transactions and wealth itself. To summarise, I end it with the most important results arrived at in this paper.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ من أهم ما يميز الأحكام التشريعية أنَّها مبنية على تحقيق مصالح البشر، وإنَّ إدراك هذه الحقيقة الكبيرة يورث الثقة الكاملة في أحكام المعاملات، والرغبة في الإقبال عليها علماً وعملاً، وإفناء العمر في الاستفادة من كنوزها وخيراتها؛ لينتفع الناس بهذه النعمة الكبرى عليهم؛ لأنَّ المرء يسعى في مصالحه، فإن علم أنَّ مصلحته متحققة بهذا فلن يدخر جهداً في السعي وراء تحققها في حياته.
ومن تجربتي لسنوات طويلة في تدريس المعاملات في مذهب السادة الحنفية من كتبهم الأصيلة، تحصَّلت لدي فكرةٌ عامّة عن
المعاملات، تُمثِّل الخطوط العريضة التي يسلكها فقهاؤنا في تقرير أبواب المعاملات، وتعتبر أسباباً لنجاح المعاملات الشرعية في تلبية أغراض الناس.
وتسهل على الطالب فهم البناء الفقهي لمسائل المعاملات؛ ليقدِّم لنا أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة، فنحن بحاجة إلى مَن يصحح معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، ويحرر المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطرف، ويسعى في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، وينقح المعاملة بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، ويُساهم في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، ويُبدع في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة.
فإنَّ الاهتمام بالمعاملات الشرعية مظهر من مظاهر اليقظة والأصالة، وبرهان ساطع على شمولية الإسلام وصلاحيته للإنسان في كل زمان ومكان، بخلاف المناهج الاقتصادية الوضعية التي لم تستطع أن تلبي أغراض الناس وتحقق لهم السعادة المرجوة في الدنيا والآخرة.
فحاولت في هذا البحث عرض هذه الأسس لنجاح المعاملات بصورة مختصرة؛ لأنَّ تمام بيانها وتفاصيلها وأمثلتها تتحقَّق بدراسة الأبواب الفقهية المختلفة، فهي تمثِّل التصور العام والكلي للمعاملات عند الفقهاء.
ومشكلةُ البحث وأهميته تظهر في الإجابة عن السؤال الرئيسي: ما هو مبادئ وأسس المعاملات الفقهية؟ ويندرج تحته الجواب عن ما يلي:
هل تتميز أحكام المعاملات بتنظيمها للحياة الإنسانية؟
وهل هنالك مبادئ عامة تسير عليها أحكام المعاملات؟
وكيف تراعي أحكام المعاملات الواقع؟
وهل تقوم المعاملات على حرية التصرفات؟
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي من كتب الفقه والأصول بجمع الجزئيات والأمثلة في البحث، ثمَّ المنهج الاستنباطيّ لاستخراج الأسس والقواعد في نجاح المعاملات من خلال التأمل والتدبر في الفروع.
ولم أقف في حدود علمي على دراسة خاصة في هذا البحث، إلا ما يكتب من نقاط عامة في بداية بعض الكتب في المعاملات، ككتاب الدكتور شبير في المعاملات المالية المعاصرة، فتكون هذه الدراسة، أوَّل دراسة تأصيلة لهذة الفكرة، ونتمنى من الباحثين الكرام تطويرها أكثر فأكثر.
هذا وقد خلص البحث إلى تمهيد وأربعة مباحث وخاتمة.
فالتمهيد: في تعريف المعاملات والمال.
والمبحث الأول: في تنظيم أحكام المعاملات للحياة الإنسانية.
والمبحث الثاني: في المبادئ العامة التي تسير عليها المعاملات.
والمبحث الثالث: في مراعاة الواقع في أحكام المعاملات.
والمبحث الرابع: في حرية التصرفات في أحكام المعاملات.
وخاتمة.
* * *
تمهيد: في تعريف المعاملات والمال:
أولاً: تعريف المعاملات:
لغةً: جمع معاملة، من عمل، وعاملت الرجلَ أعاملُهُ مُعاملة (¬1).
واصطلاحاً:
1.عند الفقهاء: وهي ما كان المقصود منها في الأصل قضاء مصالح العباد: كالبيع، والكفالة، والحوالة، ونحوها (¬2).
فالمعاملات من حقوق العباد، ويقابلها حقوق الله التي تشمل: العبادات، والعقوبات، والكفّارات؛ إذ المقصود من العبادات ابتداءً تقرّب العبد إلى الملك المعبود ونيل الثّواب.
والبيع والشِّراء يقصد منهما ابتداءً تحصيل مصالح العبد وإن كانت مع النية تكون عبادة تبعاً فالنظر للأصل في تقدير أنها عبادات أو معاملات لا للتبع، وتذكر في كتب الفقه بعض العبادات مع المعاملات: كالأضحية؛ لمناسبتها للذبائح.
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 4: 3208.
(¬2) في رد المحتار 4: 2.
واختلفوا في المناكحات هل هي من العبادات أو المعاملات؟ فبالنظر إلى أنَّ المقصود الأَصلي منها هو العبادة: وهي تحصين النّفس عن المحرمات، وتكثير المسلمين كانت عبادة، ولكن يتحقق هذا المعنى في البيوع من تحصيل حاجات الإنسان وتقوية المسلمين وغيرها من المعاني العبادية، والأولى أن يكون المقصود الأصلي منها قضاء مصالح العباد، والتعبّد تبعاً لمن ينويه؛ لذا ذكرها المحقّقُ ابنُ عابدين مع المعاملات في كتاب الطّهارة مع أنَّه ذكرها في كتاب البيوع مع العبادات (¬1)؛ فقال (¬2): ((اعلم أنَّ مدارَ أُمور الدّين على الاعتقادات والآداب والعبادات والمعاملات والعقوبات، والأوّلان ليسا ممّا نحن بصدده.
والعبادات خمسة: الصّلاة، والزّكاة، والصّوم، والحج، والجهاد.
والمعاملات خمسة: المعاوضات المالية، والمناكحات، والمخاصمات، والأمانات، والتركات.
والعقوبات خمسة: القصاص، وحد السرقة، والزنا، والقذف، والردة)).
2.عند المعاصرين: الأحكام المنظمة لتعامل الناس في الأموال (¬3)،
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 5: 454، ورد المحتار 4: 2، وغيرهما.
(¬2) في رد المحتار 1: 79.
(¬3) في المعاملات المالية المعاصرة ص10.
حيث أصبحت خاصة فيما يتعلق بالأموال، فتشمل المعاوضات: من بيع وإجارة، والتبرّعات: من هبة ووقف ووصية، والإسقاطات: كالإبراء من الدين، والمشاركات والتوثيقات: من رهن وكفالة وحوالة.
ثانياً: تعريف المال:
لغةً: من تموّل مالاً اتخذه قُنية، فهو ما ملكته من جميع الأشياء، ففي الأصل: ما يملك من الذهب والفضّة، ثم أطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان من دراهم أو دنانير أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك (¬1).
واصطلاحاً: كلُّ ما ينتفع به شرعاً (¬2)، هذا تعريف المال المتقوَّم، وأمَّا المال: فكلُّ ما ينتفع به؛ لأنّه ما يميل إليه الطبع، ويُمكن ادخاره لوقت الحاجة منقولاً أو غير منقول، والماليةُ إنَّما ثبتت بتموّل النّاس كافّة أو بعضهم، وذلك بالصِّيانة والادخار لوقت الحاجة (¬3).
وحاصلُه: أنَّ المال أعمّ من المتقوّم؛ لأنَّ المالَ ما يُمكن ادخاره ولو غير مباح: كالخمر، والمال المتقوّم ما يُمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمرُ
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 6: 4300، و المغرب ص448 - 449، والمصباح المنير ص586.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 5: 277، ودرر الحكام 2: 170، وغيرهما.
(¬3) ينظر: المبسوط 9: 153، والبحر الرائق 5: 277 عن الكشف الكبير، ورد المحتار 4: 501، ومجلة الأحكام العدلية 1: 59، و درر الحكام 2: 170، التبيين 5: 234.
مالٌ لا متقوّم، فلذا فسد البيع بجعلها ثمناً (¬1).
* * *
¬
(¬1) رد المحتار 4: 501.
المبحث الأول
في تنظيم أحكام المعاملات
للحياة الإنسانية في الجوانب المالية
إنَّ التشريع الإسلامي له جانبان: تربوي، وتنظيمي.
أمّا التربوي: فهو يتجسد بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى قدر التزام المسلم بدينه يرتقي في سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات الإنسانية، ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1)، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ - عز وجل -.
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير 2: 257.
فمثلاً في الصلاة يتعود الإنسان على الإخلاص لله - جل جلاله - والتركيز الكامل في أفعال الصلاة أثناء أدائها وهو ما يسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النجاح في أي عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كل يوم خمس دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَّكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
والصلاة تنظم الأوقات للمسلم وتعرّفه أنَّ كل وقت له عمل، وهذا سبيل الناجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته وترتيب حياته وجعل لكل وقت عملاً كان أنجح في حياته.
والصلاة تخرج المسلم من رغبات النفس وتحفزها على النشاط والهمة، فعليه أن يستيقط من الفجر ويترك رغبة النفس بالنوم، ومطالب في كل وقت أن يتوضأ ويصلي ويطرد وساوس النفس وزخرفها، وهكذا، ففوائد الصلاة لا تعد ولا تحصى.
وعلى كلٍّ الكلام لا نهاية له فيما يتعلق بأسرار التشريع وفوائده، وقد كثر التأليف فيها بما فيه غنى، وإنَّما أردت التمثيل هاهنا؛ للتنبيه على أنَّ الله غنيٌّ عن عباده ـ كما هو معلوم لكلّ مسلم ـ، وكلُّ ما يشرع لنا من الأحكام يكون لتحقيق المصلحة لنا ودفع المفسدة عنا لا غير، فلو عايش هذه الحقيقة ـ المعلومة لكل منا ـ في حياته، سيجد من الحكم والفوائد
لهذا التشريع ما لا يعدّ ولا يحصى، وَلَسعى بجدّ إلى التزام أحكامه ولم يتردد في تطبيقه؛ لأنَّها شرعت لمصحلته الدنيوية والأخروية معاً.
وبقي أمرٌ لا بد من الحديث عنه وهو أنَّ النظريات التربوية يتعرّف عليها بالتجربة؛ لأنَّها تتعامل مع طبيعية إنسانية وتقدم حلولاً لمشاكل فيها، ويظهر مع الزَّمن أنَّ هذه الحلول أكثر جدوى، فهي تقاس بالتجربة والتطبيق أكثر من قياسها بمنظور العقل في ترتيب النتائج على المقدمات، ولذلك تجد أنَّ العقل لا يدرك العبادات في نفسها في ترتب النتائج عليها، ولكنَّ التجربة أثبتت أنَّها قادرة على تعديل سلوك الإنسان إلى ما هو أقوم وأفضل، فالله - جل جلاله - خلق الإنسان وهو أعلم بحاله وبما يحسن تصرفاته وأخلاقه.
وأما الجانب التنظيمي في التشريع: فهو يتمثل في النكاح والطلاق والمعاملات والقضاء والسير والمواريث وغيرها، ففيها يسعى الفقهاء إلى تقديم أفضل حلول للحياة الإنسانية، ومَن قدَّم لنا أفضل مما عندنا لن نتوانا في الاستفادة والأخذ منه؛ لأنَّ المقصود منها إيجاد أحسن حياة بشرية.
والفقيهُ في تحقيق ذلك له نوران: نور العقل، ونور الشرع.
فأما نور العقل: فبه يبذل قصارى جهده في تقديم الطريق الأرشد والأفضل في حلّ المشاكل الحياتية، ويضيف إليه التجربة التاريخية
العميقة في هذا الجانب من قِبَل الفقهاء، ملاحظاً معرفة أهل الاختصاص في هذا الميدان، فما يقدمه غير المسلم في تنظيم الحياة الإنسانية لا يعدوا كونه من نور العقل البشري، ومثله يستفاد منه بكماله عند الفقهاء، أضف إليه تجارب غيرهم من الفقهاء.
وأما نور الشرع: فهو يتمثل في أمور لا يُمكن للعقل إدراكها بنفسه لأول وهلة، وإنَّما تدرك بالنظر إلى آثارها بعد مدة مديدة، فالشرع اختصر علينا الطريق وعرّفنا بها ابتداء، فلا حاجة لنا إلى عملها حتى نتعرَّفَ على ضررها، ومثال ذلك:
تبرج المرأة والزنا يجر على المجتمع من الويلات ما لا يعلمه إلا الله - جل جلاله -، وهذا ظاهر في المجتمعات الشرقية والغربية من انتشار الأمراض وحرمان المرأة من حقِّها في الزاوج ـ نتيجة تحقيق الرجل رغبته بالزنا واستغنائه عن المرأة ـ وخروج أجيال بلا أسرة تنتفع بتربيتها وتستمتع بحنانها، فمنعت الشريعة هذا السلوك ابتداءً، لا بعد أن تتعذب أجيال بذلك ثم نكتشف هذه الحقيقة المرة.
وأيضاً: الرّبا، والقمار، وبيع الدين بالدِّين، وبيع ما لا يملك، ففيه من المضار التي علمت في هذا الزمان بسبب الكارثة الاقتصادية ما لا يخفى، فالشريعة عرفتنا بها ابتداءً وإن كانت لا تدرك بالعقل إلا بآثاره
حتى نتعذب دهراً قبل نتوصل إلى هذه الحقيقة، وقس على هذا غيرها من الأحكام الشرعية.
وعلى كلٍّ تسعى الشريعة إلى تنظيم الحياة البشرية بهذين النورين، اللذين لا يوجدان بتمامها عند غير المسلم المسترشد بنور الله - جل جلاله -، فيتوصَّل إلى أبدعِ تنظيمٍ وترتيبٍ لكلِّ جوانب حياته.
وملاحظةُ أنَّ المعاملات من الجانب التّنظيمي للإسلام أمرٌ في غايةِ الأهمية؛ لأنَّ تعاملنا معها على أنَّها تنظيماتٌ يُسهِّلُ علينا كثيراً فهم فروعها، ويُمكننا من تصورِها جيداً، ويُساعدنا في معرفةِ الرَّاجح فيها، ويُمكننا من تخريج المستجدات ـ كما سيأتي ـ.
ومن أسس نجاح المعاملات الدالة الجانب التَّنظيميّ:
أوَّلاً: إنَّ أحكامَها مُعلَّلة لا تعبديّة:
إنَّ المعاملاتَ مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها، والأحكام متعلِّقة بهذه المعاني، وما يذكره الفقهاء من مسائل هي أمثلةٌ لقواعد مقرَّرة في كلِّ باب من أبواب الفقه عامّة والمعاملات خاصّة؛ إذ من طريقتِهم في التَّأليف أنَّهم يذكرون القاعدة بالمثال، فمن فهم المثال وتصوَّر بناءه الصَّحيح، عرف القاعدة التي بُنى عليها.
ومَن لم ينتبه لهذا وبقي يقرأ مسائل الفقه مجردةً عن كونها معلَّلة بمعاني وأصول، فلن يكون قادراً البتة على فهم الفقه، وغير قادر على
ربط الفروع ببعضها، ومعرفة حكم المستجدات، فعلينا أن ندرك تماماً أنَّ ما بين أيدينا هي ألفاظ موصلة إلى معاني، والمعاني هي الغايات، فإنَّ هذه المعاني هي أسس وقواعد في كل باب بُنيت عليها الأحكام، وقد استنبطت من القرآن والسنة وآثار الصحابة والقواعد العامة التي أتى بها الإسلام واستفيدت من العقل السليم الذي يسير على المنهج المستقيم في تقدير الأمور بما يعود على البشرية بالنفع والخير.
وكيفية القراءة الصحيحة للمسائل هو بالسؤال الدائم قبل كل فرع لما هكذا؟ حتى يتبيّن لنا علته، وكذلك نفعل مع النُّصوص الشرعية من القرآن والسنة بالسؤال لما هكذا؟ حتى ندرك علته.
فكل الأحكام معلَّلة بمعاني معتبرة علينا إدراكها من أجل فهمها جيداً وإمكانية الاستفادة منها.
وهذا الأمر ظاهر في فقهِ الحنفيّة، وكان من أسبابِ نجاحه وتفوقه في المعاملات، قال الزنجاني (¬1): «ذهب المنتمون إلى أبي حنيفة: من علماء الأصول إلى أنَّ الأحكام الشرعية ... أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير، ... فالشافعي رأى أنَّ التعبد في الأحكام هو الأصل، فغلّب احتمال التعبد، وبني مسائله في الفروع عليه، وأبو حنيفة: حيث رأى أنَّ التعليل هو الأصل، بنى مسائله في الفروع عليه».
¬
(¬1) في تخريج الفروع على الأصول ص41.
وقال الآمدي (¬1): « ... خلاف إجماع الفقهاء على أنَّ الحكم لا يخلو عن علّة».
وقال الكرديُّ (¬2): «المتتبع للأحكام الشرعية يعلم أنَّ أحكام الله سبحانه وتعالى كلَّها معلَّلة بمصالح العباد؛ لأنَّ الله حكيم، والحكمةُ معناها وضع الأمور في مواضعها وتشريع الأحكام وفق الحاجة إليها، فكان مقصود الشارع لذلك إنَّما هو عين المصلحة التي يراها الناس مصلحة ويتعارفون عليها، لا فارق بينهما في واقع الحال، ولكنَّ إرادة الله سبحانه وتعالى قضت أن يُشرِّع لنا أحكاماً نستطيع فهم علتها، فندرك بذلك معنى المصلحة القائمة فيها، وتسمى هذه أحكاماً معقولة المعنى، ويشرع لنا أحكاماً أخرى نعجز عن إدراك معنى المصلحة فيها، وهذا لا يعني بحال أنَّها لا مصلحة فيها، فإنَّ حكمة الله تنافي ذلك، ولكنَّه يعني أنَّ عقولنا تعجز عن إدراك مواطن المصلحة فيها، وتسمى هذه أحكاماً غير معقولة المعنى، ومن هذا النوع الثاني أكثر الأحكام التعبدية، ومن النوع الأول أكثر أحكام المعاملات، وما إخفاء الله سبحانه وتعالى عنا مواطن المصلحة في مواطن العبادة إلا لتكون عبادتنا أقرب إلى الإخلاص له وإظهار الطاعة التامة بين يديه، وما إظهاره المصلحة لنا في
¬
(¬1) في الإحكام3: 264.
(¬2) في بحوث في علم الأصول للكردي ص110.
أكثر أحكام المعاملات إلا لتطمئن نفوسنا وترضى بهذه الأحكام، مناً منه وكرماً، وليكون ذلك أسهل على النفس في الانقياد إلى بارئها».
وقال شبير (¬1): «والأصل الذي ينبغي أن يستقر في أذهان الفقهاء أنَّ غالبية العبادات تعبدية غير معقولة المعنى، أو غير معللة بعلة معينة، وإنَّما يطلب من المكلف الالتزام بها ولو لم يدرك لها علة: كتقبيل الحجر الأسود، وأمّا المعاملات: فإنَّ غالبيتها غير تعبدية، أو معقولة المعنى، أو معللة بعلة معينة يدركها المجتهد، يقول الشاطبي: «الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات (المعاملات) الالتفات إلى المعاني»».
ومن الأدلة على تعليل الأحكام:
قال - جل جلاله -: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} الإسراء: 9، علل القرآن بالهداية.
وقال - جل جلاله -: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} النساء: 165، وقال - جل جلاله -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: 107، علل إرسال الرسل بالتبشير والإنذار والرحمة.
¬
(¬1) في تكوين الملكة الفقهية ص98.
وقال - جل جلاله -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الحج: 78، وقال - جل جلاله -: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، وقال - جل جلاله -: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} النحل: 90، علل الشرع بعدم الحرج واليسر والعدل.
وقال - جل جلاله -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183، علل الصوم بتحصيل التقوى.
وقال - جل جلاله -: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} البقرة: 222، علل الاعتزال بالأذى.
وقال - جل جلاله -: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} الحج: 27 - 28.
وقال - جل جلاله -: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} الأنفال: 39.
وقال - عز وجل -: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 179.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» (¬1).
¬
(¬1) في المعجم الكبير10: 86، ومسند الشهاب2: 255، وغيرها.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّه له وجاء» (¬1).
وقال - صلى الله عليه وسلم - عن الهرة: «إنَّها ليست بنجس إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات» (¬2).
وأطلنا في هذا النقطة تأكيداً على هذا المبدأ العام في التعامل مع المعاملات في كونها مبنية على علل ومعاني يجب مراعاتها عند فهمها والبناء عليها، ومدار كل عللها على تحقيق مصالح العباد بلا شك، وهو ما سنتكلم عنه في النقطة التالية.
ثانياً: إنَّها مبنية على تحقيق المصالح للبشر:
فمَن تأمّل في حِكَمِ التَّشريعِ يصل إلى أنَّها إما جالبة للمصالح وإما دارئة للمفاسد، وينبغي أن يكون هذا الأمر مسلَّما؛ لكون الله غنيٌّ عن العباد وحكيمٌ، فلا يريد من تشريعاتِه إلا تحقيق الخير للبشريّة في المعاملات وغيرها، قال الشاطبيُّ (¬3): «إنَّ القاعدةَ المقرَّرةَ أنَّ الشرائعَ إنَّما
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1018، وصحيح البخاري 2: 673، وغيرهما.
(¬2) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، موطأ مالك 1: 22، وغيرها.
(¬3) في موافقاته1: 148.
جيء بها لمصالح العباد، فالأمرُ والنهيُ والتخييرُ جميعاً راجعةٌ إلى حَظِّ المكلَّفِ ومصالحِه؛ لأنَّ اللهَ غنيٌّ عن الحظوظِ منزّه عن الأغراض».
ومن أبدع مَن تكلَّم على هذا الجانب باستفاضة الإمام العز ابن عبد السلام: في كتابه النافع الماتع المسمَّى بـ «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، فقد أولاه عناية فائقة وبرهن عليه وبَيِّن قواعدَه وضوابطَه وتفريعاته بما لا مثيل له؛ إذ خصَّه بكتاب كامل، فمَن أراد الوقوف عليه فليرجع له؛ لذلك أقتصر هاهنا على أمور عامة تشير إليه وتدّلُ على وجوده وتُبيِّنُه.
قال صدر الشريعة (¬1): «حكمة مقصودة للشارع في شرعه الحكم، من جلب نفع للعباد أو دفع ضرٍّ عن العباد، وهذا مبني على أنَّ أفعال الله تعالى معلَّلة بمصالح العباد».
وقال التميميّ (¬2): «لا خلاف أنَّ الأصول كلها معللة».
وقال ابنُ أمير الحاج (¬3): «أفعال العباد وأحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد كما تنادى به تعليلاتهم في شرعية المعاملات والعقوبات».
¬
(¬1) في التوضيح2: 126.
(¬2) في الطبقات السنية1: 130.
(¬3) في التقرير والتحبير3: 234.
وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي (¬1): «إنَّ وضعَ الشرائع إنَّما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً ... والمعتمدُ إنَّما هو أنا استقرأنا من الشريعةِ أنَّها وضعت لمصالح العباد استقراء ... {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: 107 ... {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت: 45 ... فنحن نقطع بأنَّ الأمرَ مستمرٌ في جميع تفاصيل الشريعة».
وفي هذا يقول السيوطيّ (¬2): «لا شكّ أنَّ الشرائعَ كلها متفقةٌ على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وكذا أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك، وإن خفي وجه ذلك على الناس في كثير منها».
ويقول الغماريّ (¬3): «إنَّ مراعاة المصالح من أعظم أصول الشريعة، وعلَّلَ أحكامَها التي ينبني عليها جميعها، وحيثما دارت تدور معها، فالشريعةُ كلُّها مبنيّةٌ على جلب المصالح ودرء المفاسد».
والمصلحة في الأحكام ليست بخاصة في حكم دون حكم، وإنَّما تشمل كلَّ الأحكام في جميع الأبواب الفقهية، قال الإمام الشاطبي (¬4): «مقاصد الشارع في بثّ المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لا
¬
(¬1) في موافقاته2: 7 - 8.
(¬2) في الحاوي للفتاوى1: 445.
(¬3) في تحقيق الآمال ص131.
(¬4) في موافقاته2: 365.
تختص ببابٍ دون باب، ولا بمحلٍّ دون محلٍّ، ولا بمحل وفاق دون محل خلاف، وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقاً في كليات الشريعة وجزئياتها».
فإنَّ إدراك هذه الحقيقة الكبيرة يورث الثقة الكاملة في أحكام المعاملات، والرغبة في الإقبال عليها علماً وعملاً، وإفناء العمر في الاستفادة من كنوزها وخيراتها؛ لينتفع الناس بهذه النعمة الكبرى عليهم؛ لأنَّ المرء يسعى في مصالحه، فإن علم أنَّ مصلحته متحققة بهذا فلن يدخر جهداً في السعي وراء تحققها في حياته.
ثالثاً: مقصودُها تقديم أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة:
إنَّ المعاملات الإسلامية هي أفضلُ حلول تُقدَّمُ لتنظيم حياة النَّاس، وهذه هي نظرةُ الفقيه أثناء عملِه وتفكيرِه بتقريرِ المعاملة، وهذا تأكيداً على معنى التَّنظيم الذي مَرَّ سابقاً.
وهذه النَّظرةُ تجعل الاختيار بين أقوال الفقهاء أوسع من غيرِه من الأبواب لاسيما المعاملات؛ لأنَّ مسعاه هاهنا الحصول على أكمل وأتم وأحسن هيئة، فإن وجد مثلها في غير مذهبه أمكنه الاستفاد منه، فما كان من المذاهب أقدر على أحسن حل للمشكلة، وأيسر في التطبيق، وأنجح
في الواقع، كان أجدر بأن يختار في العمل، حتى أننا لو رأينا هيئة أفضل لأي معاملة في أي قانون لا مانع لنا من الاستفادة منه ما لم يكن محظوراً.
وهذا الأمور التنظيمية تشبه الصناعات التي وُجِدت لتسهيل وتيسير الحياة البشرية، وليست حكراً على مجتمع دون مجتمع، بل يُمكن الاستفادةُ منها في كافة المجتمعات، ولكن في المجتمعات المسلمة نحتاج عند أخذ أي معاملةٍ من غيرِ المسلمين أن نُصحِّحها ونُهذِّبَها بما يتلائم مع قواعدنا الفقهيّة وأحكام شريعتنا.
ولا يعني كلامي أن لا تكون المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين، بل هو الأصل، ودون ذلك ضياع وتشتيت، والمذهب لا يمنعنا من الاستفادة من غيره فيما فيه حاجة وضرورة ومصلحة وتيسير؛ لأنَّه يسعى لذلك في عملِهِ، فإن استطاع غيرُه أن يُقدِّم أفضل منه في التَّطبيق أشار إلينا علماء المذهب بالأخذ به، فالبناء والتأصيل لا بدّ له من مذهب واحد، وإن احتجنا إلى غيره في العمل والتطبيق فلا مانع منه.
رابعاً: دفع الضرر بفسخ العقد إن لزم منه:
فالعقد وجد لتحقيق المنفعة لا لجلب مضرّة، فإن لزمت منه مضرة لم يكن لازماً، وجاز فسخه، ويظهر هذا جلياً في الإجارات؛ إذ الأصل فيها: أنَّ كلَّ موضع لا يقدر العاقد على المضي في موجب العقد إلاّ
بضرر، لم يلزمه العقد، فهو عذر في فسخه؛ لأَنَّ الضرَّرَ مدفوعٌ شرعاً: كما لو استأجر؛ لقلع ضرسه، ثمّ زال الوجع، فإنَّه يتعذَّر المضي في العقد إلا بضرر، فلا يلزم هذا الضرر (¬1).
ومثاله في البيوع: بيع ذراع من ثوب يضرّه التبعيض، أو بيع جذع من سقف؛ لأنَّه لا يمكنه تسليمه إلا بضرر لم يلتزمه، فلو قطع الذِّراعَ من الثَّوبِ أو قلع الجذعَ من السَّقفِ وسَلَّم قبل فسخ المشتري عاد صحيحاً (¬2).
ومثاله المعاصر: لو أنَّه باع الحديد الذي في داخل بنائه أو أسلاك الكهرباء في داخل الجدران، فإنَّه لا يلزمه التَّسليم؛ لعظيم الضرر الواقع عليه، حيث يخسر أضعاف ما يربح بسبب هدمه للبناء أو إفساده، فلم يكن لازماً رغم الاتفاق، ويجوز لهما الفسخ.
فهذه ميزة بإلغاء اللزوم في العقد إن ترتب عليه ضرر بسببه؛ لأنَّ مقصود العقود تحقيق النفع للعاقدين، فإن لزم بالعقد ضرر ظاهر فسد العقد، بحيث لا يلزم الاستمرار فيه، ويجوز لمَن يلحقه الضَّرر أن يفسخَ العقد؛ لأنَّ من المُقرَّر عند الفقهاء أنَّ الضرر يُزال.
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الدلائل 2: 77.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية 4: 33، واللباب 2: 24.
خامساً: تحقيقُها لكمال النَّفع للمتعاقدين بحفظ حقهما:
هذه الميزة استفيدت من التجارب السابقة في التاريخ الفقهي من تطبيق المعاملات، حيث استمرّ تحسين العقود والتصرفات لتصل للكمال في تحقيق النفع لكل من العاقدين، والقابلية للاستمرار في المعاملة لحصول النفع لهما.
فمثلاً: منعوا بقاء الأرض في يد المالك في عقد المزارعة؛ لأنَّه سيكون مانعاً من تمام تصرف العامل فيها.
ومنعوا من بقاء مال المضاربة في يد المضارب؛ لتقييده حرية المضارب في التصرف، فلا يتحقق النفع المقصود من العقد.
وغيرها من التقييدات العديدة التي ذكروها في العقد؛ سعياً لتحقيق الاستفادة لكل من العاقدين؛ لأنَّه ما لم ينتفع كلٌّ منهما ويستفيد فلن يستمر في العقد، وسيسعى للتهرب منه بشتى الطرق.
فرعاية حقِّ كلّ من المتعاقدين على تمامه، وعدم الإفراط والتفريط فيه، هو مقصود كلّ واحدٍ من المتعاقدين، فإن لم تكن المعاملة مهتمة بتحقيقه لا تكون ناجحة، ونلمس هذا جلياً في عمل الفقهاء من سعيهم الحثيث في حفظ حقوق المتعاقدين بالكمال والتمام.
سادساً: العدل بين المتعاقدِين:
فهذه ميزة مكملة للميزة السابقة، فَمِن حفظ حقوق العاقدين هو العدل بينهما، فلا نميز غني على فقير ولا مسؤول على غيره، ولا بائع على مشتري أو بالعكس، فالكل سواء في التعاقد، ويلزم على كلّ واحد منهم ما يلزم على المتعاقدين من حقوق وواجبات.
فمثلاً: إن كان العقد عقد صرف واختلفا من يُسلِّم أولاً سلما معاً، اعتباراً للمعادلة، وإن كان مبيعاً بمبيع واختلفا سلما معاً، وإن كان مبيعاً وثمن واختلفا، سلم المشتري الثمن أولاً؛ لأنَّ البائع قام بتعيين المبيع، فعلى المشتري أن يقابله بعمل آخر وهو تسليم الثمن، وكل هذا مبني على المساواة وتحقيق العدل بينهما؛ لأنَّه لا مزية لأحدهما على الآخر (¬1).
سابعاً: شمولها ومرونتها وثباتها:
فهو يشمل كامل التعاملات المالية التي تلزم الإنسان من البيع والشركات والرهن والعارية والإجارة وغيرها.
وفيه مرونة وقابلية للبقاء، فلا يتصف بالجمود والتحجُّر، وإنَّما يُراعي أحوال الناس ومعيشتهم في أحكامه إلا أن يكون فيه انتهاك لحرمات الله ومخالفة لصريح قرآنه وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وتتجسَّد قابليته في
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الدلائل
البقاء في ابتناء بعض أحكامه على العرف، واستخدام علم رسم المفتي في تطبيقه، وفي وجود القياس والتخريج وغيره من الأصول فيه التي تمكّنه من استحداث أحكام شرعيّة لكل ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين.
وفيه الثبات في الأحكام؛ إذ أنَّ الحرامَ ما حرّمه الله تعالى والحلال ما أحله سبحانه في أي زمان ومكان، والأحكام المتغيرة فيه هي المبنيّة على العرف، وكل ما يتعلق بالأمور المجمع عليها لا نخالفها أبداً، وهو يمثل الثوابت في الاقتصاد، أمَّا ما كان فيه اختلاف بين المذاهب أمكننا الاستفادة (¬1) منه، وهو يمثل المتغيرات في الاقتصاد.
* * *
¬
(¬1) المدخل ص22 - 24.
المبحث الثاني
في المبادئ العامة
التي تسير عليها المعاملات
إنَّ النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات، فلم تكثر الأحاديث فيها كما كثرت في العبادات، وليس مرجع هذا عدم اهتمام الشَّارع الحكيم بها، وإنَّما السَّبب هو كون العبادات غير معقولة المعنى؛ لأنَّها تربية، بخلاف المعاملات فإنَّها معقولة المعنى؛ لأنَّها تنظيم ـ كما سبق ـ.
وإنَّما كانت طريقةُ الشَّريعة فيها هو تأسيس قواعد عامّة تسير عليها المعاملات وتنضبط بها، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم، فمَن لم يكن يسير على أصولٍ محكمةٍ في الفقه، لن يستطيع المنافسة في أبواب المعاملات؛ لأنَّ ظواهر الأحاديث التي كان يَبني عليها كلامَه في العبادات لم تَعُد متوفرةً إلا قليلاً.
وسطحيةُ الاجتهاد في المعاملات تكشف عواره، وتهلك المجتمع، وتكون سبباً رئيسياً في التفلت من الأحكام الشرعية في المعاملات؛ لعدم عقلانية الأحكام الصادرة من بعض المفتين، فلا يستطيع المسلم الالتزام بها: كالفتوى بعدم جواز التَّقسيطِ في البيع مطلقاً؛ احتجاجاً بحديث: «النهي عن بيع وشرط» (¬1)، فهي تغلقُ باباً واسعاً في البيوع وغيرِها، وتعسّر البيع، فتكون المعاملات سبباً للحرج لا للفرج والتيسير.
فعدم الانتباه لهذه الميزة العظيمة في المعاملات يربك المشتغل بها، والتفات الحنفية إليها أكثر من غيرهم هو الذي جعل أحكام المعاملات في مذهبهم سهلة في العمل والتطبيق، وجعل فيها تيسير كبير ورفع الحرج عن الناس؛ لأنَّهم يحتكمون فيها للمبادئ العامة التي تظافرت عليها النصوص الشرعية.
ومن هذه المبادئ العامة لنجاح المعاملات:
أولاً: إنَّها تقوم على أساس التراضي بين النَّاس:
يُمثلُ التَّراضي أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات، ولو لم يكن في النصوص الشرعية إلا هذا الأساس في التعامل لكان كافياً للدلالة على عظم هذا التشريع، فهي تجري في كافة التصرُّفات التِّجارية مجرى الرُّوح
¬
(¬1) في مسند أبي حنيفة ص160، والمعجم الأوسط4: 335.
في الجسد، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا اعتبار لمعاملةٍ بدون رضا.
قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} النساء: 29، إذ في الآية إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح؛ قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الصف: 10، فسمّى الإيمان تجارةً على وجه المجاز تشبيهاً بالتجارات المقصود بها الأرباح (¬1).
وأكد هذا المعنى الوارد في الآية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّما البيع عن تراض» (¬2).
فخلو العقد عنه ابتداءً عند التعاقد أو بقاءً بعد التعاقد يسبب خللاً ظاهراً فيه يمنع من صحّة العقد، ويوجب الفسخ لفساده.
والرِّضا هو أكثرُ فكرةٍ مراعاةٍ في العقود، فعليها مدارُ التَّعاملات، فهي القاعدةُ العظمى والمرتكز الأساسي فيها، فتدخل في عامة متعلقات المعاملات من شروط وخيارات وعيوب وجهالة، ومن أمثلة ذلك:
¬
(¬1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2: 245، وغيره.
(¬2) في سنن ابن ماجة2: 727، وصحيح ابن حبان11: 340، والسنن الكبرى للبيهقي6: 29، وغيرها.
1.إدخال البعض له في التعريف للبيع، حيث جعلوه: مبادلة مال بمال عن تراض، وإن كان المعتمد عدم دخولها في التعريف؛ لكونها شرطاً لا ركناً.
2.ثبوت خيار الرؤية للمشتري حتى يحصل له تمام الرضا؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إن رآه» (¬1)، فإن اشترى مبيعاً ولم يشاهده يبقى له الحقّ في رؤيته حتى يتم البيع بتحقق الرضا فيه.
3.ثبوت خيار العيب، فإن تبيّن أنَّ في المبيع عيباً ينقص قيمته عند التجار ولم يره المشتري عند البيع يثبت له الحق بردّ المبيع؛ إذ السلامة لما كانت مرغوبة للمشتري, ولم تحصل, فقد اختل رضاه، وهذا يوجب الخيار؛ لأنَّ الرضا شرط صحّة البيع، فانعدام الرضا يمنع صحة البيع، واختلاله يوجب الخيار فيه؛ إثباتاً للحكم على قدر الدليل؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شاةً محفَّلة فردَّها فليرد معها صاعاً من تمر» (¬2)، والصَّاعُ من التَّمر كأنَّه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري، علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق المشاهدة.
4.ثبوت خيار الشرط؛ لتحقيق تمام الرضا من البائع والمشتري
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 5: 268، وسنن الدارقطني 3: 4، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 268، وشرح معاني الآثار 4: 9، وغيرها، وينظر: إعلاء السنن 14: 61 - 65، وغيره.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 755، ومصنف عبد الرزاق 8: 198، وغيرهما.
بثبوت حقّ فسخ العقد لكلّ واحد من المتعاقدين في ثلاثة أيام إن اشترطا ذلك عند التعاقد؛ لأنَّ الإنسان محتاج إلى التأمّل والتفكر فيما يشتريه ويبيعه، حتى لا يتضرر في ذلك، ولا يكون ذلك إلا بخيار الشرط (¬1)؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خياراً» (¬2).
ثانياً: إنَّها تقوم على أساس رفع النزاع:
وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ في المعاملات، يُعبَّر عنها كثيراً بعبارة: كلُّ جهالةٍ تُفضي إلى النِّزاع تُفسدُ البيع، فميزوا بين الجهالةِ المعفوةِ وغيرِ المعفوة بتحقُّقِ النِّزاع فيها، فعامّة الفروع في الفساد يعلِّلون فسادها بالجهالة أو بالنِّزاع.
والجهالةُ متفاوتةٌ جداً من زمانٍ إلى زمانٍ، ومكانٍ إلى مكانٍ، لكنَّ مردُّها إلى النزاع، فيكفينا مثلاً في بلدة أن نذكر في المبيع بعضَ الأوصاف وتكون كافيةً بعدم حصول التَّنازع، وفي بلدةٍ أُخرى لا يكفينا ذكر مثل هذه الأوصاف فيحصل تنازع إن لم يبيِّن أكثر، فيكون البيع في البلد الذي لا يتنازعون صحيح وفي الآخر فاسد.
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام 1: 290.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 742، وغيره.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الغرر» (¬1)، قال الإمام السَّرَخْسِيّ: (¬2): «الغرر ما يكون مستور العاقبة»، فلا بد أن يكون ما في العقد واضحاً بيِّناً ومحدداً لكل واحد من المتعاقدين.
وعلى المشتغل بالمعاملات أن ينتبه دائماً إلى تحقُّق هذا الأصل في المعاملة، بأن لا يكون فيها جهالة مفضية إلى النزاع، وإلا فسدت، وليس مردُّ الجهالة إلى النظرية والعقل، وإنَّما إلى الواقع والتطبيق، فكم من المسائل نحكم بجهالتها عقلاً، لكن لا يتنازعون فيها في الواقع، فلا نحكم بالفساد بسبب هذا الجهالة، ومن أمثلة ذلك:
1.جواز بيع القمح في سنبله والباقلاء في قشره؛ لكونه معتاداً ولا يفضي للنزاع.
2.جواز أخذ أجرة الحمّام رغم جهالة كمية الماء المستخدمة؛ لأنَّهم اعتادوا ذلك، ولا يتنازعون فيه.
3.جواز بيع وشرط في كثير من البلاد رغم الجهالة؛ لتعارفهم إياه، وعدم التنازع بسببه، كما حصل في الاستصناع.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 753، وصحيح مسلم 3: 1153، وصحيح ابن حبان 11: 327، وغيرها.
(¬2) في المبسوط 13: 68.
ثالثاً: إنَّها تقوم على أساس أخذ المال بالحقِّ دون الباطل:
فطرقُ الحصول على المال متعددةٌ، منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وما كان غيرَ مشروع منها ما هو محل توافق بين المجتمعات: كالسَّرقة، والخيانة، والغصب، ومنها ما تمنعه قوانين لدول وتبيحه أُخرى على حسبِ ثقافاتٍ ومنافع ومَضارّ تُحدِّدها تلك الأنظمة.
وفي نظامنا الإسلامي أدخلنا فيه كلَّ ما كان مُضرّاً بالأفراد والمجتمع مما لا نفع فيه، ونجعله من المحظورات: كالربا، والقمار، وأجرة الغناء، وثمن الخمر، وغيرها.
وأكَّد الشَّارعُ هذه الميِّزة بقوله - جل جلاله -: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 188، قال الإمام الجصاص: (¬1): «أكل المال بالباطل على وجهين:
أحدهما: أخذه على وجه الظَّلم والسَّرقة والخيانة والغصب وما جرى مجراه.
والآخر: أخذه من جهة محظورة, نحو: القمار، وأجرة الغناء، والقيان، والملاهي، والنائحة، وثمن الخمر والخنزير والحر، وما لا يجوز
¬
(¬1) في أحكام القرآن 1: 344.
أن يتملكه وإن كان بطيبة نفس من مالكه».
ويُمكن ضبط ذلك بأنَّ كلَّ التَّصرُّفات الممنوعة شرعاً تكون من أكل المال بالباطل؛ لأنَّها منعت لما فيها من مفاسد، فلم تعتبر الشريعة أنَّ كسبها حلالاً؛ ليمتنعَ النَّاس عن القيامِ بها، وإن كان النَّهي شديداً في حقِّها، يكون الكسب النَّاتج عنها خبيثاً، بحيث لا يحلُّ أكلُ وشربُ وضيافةُ وميراثُ صاحبها؛ لأنَّ ملكَه بطريق باطل، ومن أمثلةِ ما نصُّوا على أنَّ كسبه خبيث:
1.الغاصب إذا أجر المغصوب، فالأجرة له، ولكن يتصدق بها؛ لأنَّها حصلت له بكسب خبيث (¬1).
2. من غَدر بأهل الكفر في بلادهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام، كره للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك؛ لأنَّه حصّله بكسب خبيث، وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا الكسب، وهو مكروه للمسلم (¬2).
3.مَن صَيَّر ما ليس بمال من ملك الغير مالاً بفعله، كان ذلك المال له: كمن اتخذ كوزاً من تراب غيره وباعه، ولكن ينبغي له أن يتصدق به؛
¬
(¬1) ينظر: المبسوط5: 70.
(¬2) ينظر: المبسوط10: 97.
لأنَّه حصّله بكسب خبيث (¬1).
واعتبار الكسب خبيثاً طريقٌ لطيف في صرف النَّاس عن سلوك طرق فاسدة في كسب المال؛ حفظاً للمجتمع من الانحراف والسير في طريق المهالك.
رابعاً: محاربتُها الرِّبا والحضُّ على الابتعاد عنه وعن شبهته:
وهذه ميزةٌ عظيمةٌ جداً؛ لأنَّ الرِّبا مهلكة الاقتصاد؛ لما فيه من تضييع المجتمع في زيادة الفقير فقراً وزيادة الغني غنىً بتحقيقه للتضخم المستمر في أنواع السِّلع.
وتعريفُه العامّ: هو زيادةٌ خاليةٌ عن عوض (¬2)، فطالما أنَّه لا يوجد عوض لم يعد أخذه بحقّ، ولم يعد الرّضا بتمامِه موجوداً، بل أحدُ الطَّرفين منتفعٌ والآخرُ متضرر؛ لهذه الأسباب وغيرها وجدنا القرآن حارب الربا محاربة شديدة، فقال - جل جلاله -: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة: 275.
فكان أثره السيء في التعاملات المالية كأثر الزنا في العلاقات بين الرجال والنساء، فكما مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للزّنا: كالتبرج
¬
(¬1) ينظر: المبسوط11: 27.
(¬2) ينظر: المبسوط12: 117، والتقرير3: 116.
والاختلاط، كذلك مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للرِّبا، فكانت شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة؛ غلقاً لهذا الباب، وسدّاً لكل المنافذ الموصلة له؛ لخطورته الشديدة على الأموال.
فمثلاً منع أبو حنيفة - رضي الله عنه -: من بيع الزيتون بالزيت والسِّمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم؛ ليكون قدره بمثله، والزائد بالثَّجير (¬1)؛ لاتحاد الجنس بينهما معنى باعتبار ما في ضمنهما، وإن اختلفا صورة، فيثبت بذلك شبهة المجانسة، والربا يثبت بالشبهة، فلو لم يكن الدهنُ الخالص أكثر من الذي في الآخر، كان الثجير بلا عوض يقابله فيحرم، ولو لم يعلم أنَّ الخالص أكثر لا يجوز؛ لأنَّ المتوهم في الرِّبا كالمتحقِّق (¬2).
ومن الأدلة النقلية على إلحاق الشبهة بالربا:
1.عن جابر - رضي الله عنه - إنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر» (¬3).
2.وعن عمر - رضي الله عنه -: «إنَّ آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة» (¬4)، قال الطِّيبِي: «يعني إنَّ
¬
(¬1) الثجير: وهو ثُفْل كل شيء يعصر. ينظر: مجمع الأنهر2: 89، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص548، وتبيين الحقائق 4: 96، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1162، والمستدرك 2: 44، وغيرهما.
(¬4) في مسند أحمد 1: 36، 49، وسنن ابن ماجة 2: 764، وقال الكناني في المصباح 3: 35: رجاله ثقات.
هذه الآيةِ ثابتةٌ غيرُ منسوخةٍ، غير مشتبهة؛ فلذلك لم يفسِّرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأَجروه على ما هي عليه، ولا ترتابوا فيها واتركوا الحيلةَ في حلِّ الرّبا» (¬1).
3.وعن عليّ - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل قرض جر نفعاً فهو ربا» (¬2)، وعن فضالة بن عبيد الله - رضي الله عنه - موقوفاً: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» (¬3).
ونخلص من ذلك: أنَّه ينبغي الابتعاد كلَّ البعد عن كلِّ معاملةٍ فيها ربا أو مورثة للرِّبا، بأن تحتوي على فضل خالٍ عن عوضٍ، وهو مخالفٌ لمبنى المعاوضات من مقابلةِ الشَّيءِ بشيءٍ لا أن يكون خالياً عمّا يُقابله؛ لأنَّه أكل حَقِّ الغير لحاجته واضطراره، فيمنع منه، ويمنع من كلِّ الطُّرُق الموصلة له من شبهة الرِّبا.
خامساً: لزوم العوض في مقابل عين أو منفعة:
مرَّ معنا في الربا قريب من هذا المعنى من عدم وجود المعاوضة على تمامها، فكانت زيادة بلا مقابل، مع أننا في عقدِ معاوضات لا تبرُّعات ـ وهي التي تبنى على عدمِ المعاوضة ـ.
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية 5: 162.
(¬2) في مسند الحارث 1: 500، ضعفه المناوي في فيض القدير 5: 28، وجعله العزيزي في السراج المنير 3: 86 حسناً لغيره.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 5: 350، وغيره، قال اللكنوي في الفلك المشحون ص21: ((وهو وإن كان مُتَكَلَّمَاً فيه سنداً لكنَّه تأيَّدَ بآثارِ الصَّحابةِ وعَمَلِ الأئمة)).
وهنا كلامنا في بحث ليس بأقل أهمية من الربا، وهو يدخل في المعنى العام للربا، وهو القمار، ومعناه العامّ: تعليق أصل الاستحقاق على الحظّ (¬1)؛ إذ لا يقابل المال فيه حقٌّ معتبر من منفعة أو عين.
والمقصود بالعين: الأعيانُ التي يُضاف إليها عقد البيع وأمثاله، والمقصودُ بالمنفعة: المنافعُ التي يُضاف إليها عقدُ الإجارة وأمثاله.
ففي العقودِ المعتبرةِ يكون المالُ مُستحقّاً بإزاءِ تقديمِ عينٍ أو منفعةٍ؛ لأنَّ بها تمام العدل في مقابلة الشيء بقيمته المتوافق عليه بين المتعاقدين، ويكون لازمٌ على كلِّ طرفٍ تقديم ما يلزم عليه قضاءً، بخلاف ما يكون قماراً، فكيف يلزم عليه أن يُقدِّمَ شيئاً ولم يأخذ في مقابلِهِ عوضاً، ولذلك لا يُقضى عليه به؛ لعدم استحقاقِهِ له، وهذا كمال العدل.
ونهى الله تعالى عن القمار في قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة: 90، والميسر: هو القمار مشتق من اليسر؛ لأنَّه أخذ المال بسهولة من غير تعب ولا كدّ (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط7: 75، وفتح القدير9: 440، وعبارته: ((أصل الاستحقاق في القمار يتعلق بما يستعمل فيه))، ومثله في البناية11: 433، وغيرها.
(¬2) تعليقات البغا على البخاري7: 104.
وتوضيحاً لمفهوم القمار المراد عند الفقهاء أورد بعض المسائل التي عللو تحريمها بأنَّ فيها قماراً، وهي:
1.إن شرط شخصان جعلاً من كلِّ واحد، بأن قال لصاحبه: إن سبقتني أعطيتك كذا، وإن سبقتك تعطيني كذا، فهو القمار بعينه، والقمار حرام، إلا أن يكون بينهما محلل (¬1)؛ وهذا لأنَّ القمار مشتق من القمر الذي يزداد وينقص، سمي القمار قماراً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويستفيد مال صاحبه، فيزداد مال كل واحد منهما مرة وينتقص أُخرى، فإذا كان المال مشروطاً من الجانبين كان قماراً، والقمار حرام، ولأنَّ فيه تعليق تمليك المال بالخطر، وإنَّه لا يجوز (¬2)؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس, ومَن أدخل فرساً بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذلكم القمار» (¬3).
2.المنع من بيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر؛ لما فيها من القمار، وبيانه: أنَّ بيع الملامسة: هو أن يتساوم الرجلان في السلعة فيلمسها المشتري بيده فيكون ذلك ابتياعاً لها رضي مالكها بذلك أو لم يرض،
¬
(¬1) ينظر: شرح السير الكبير1: 85.
(¬2) ينظر: المحيط البرهاني5: 323.
(¬3) في شرح معاني الآثار5: 155، وسنن الدارقطني5: 551.
وبيع المنابذة هو أن يتراوض الرجلان على السلعة فيحب مالكها إلزام المساوم له عليها إياها فينبذها إليه فيلزمه بذلك، ولا يكون له ردها عليه. وبيع إلقاء الحجر: هو أن يتساوم الرجلان على السلعة فإذا وضع الطالب لشرائها حصاة عليها تمّ البيع فيها على صاحبها ولم يكن لصاحبها ارتجاع فيها. وهذه كانت بيوعاً في الجاهلية فنهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1)؛ لأنَّ فيها تعليقاً بالخطر، والتمليكات لا تحتمله لأدائه إلى معنى القمار؛ لأنَّه بمنزلة أن يقول البائع للمشتري: أي ثوب ألقيت عليه الحجر فقد بعته، وأي ثوب لمسته بيدك فقد بعته، وأي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته (¬2).
3.ما لا تصح إضافته إلى المستقبل عشرة: البيع، وإجازته، وفسخه، والقسمة، والشركة، والهبة، والنكاح، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن الدين، فإنَّ هذه الأشياء تمليكات فلا يجوز إضافتها إلى الزمان، كما لا يجوز تعليقها بالشرط؛ لما فيه من معنى القمار (¬3).
وصور القمار في هذا الزَّمان عديدة جداً: كاليانصيب، وكلُّ لعب يُحقِّق معناه (¬4)، كالعديدِ من المسابقات التلفزيونية والإذاعية التي تعتمد
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 754، وصحيح مسلم 3: 1151، وغيرها.
(¬2) ينظر: العناية6: 417.
(¬3) درر الحكام2: 202.
(¬4) تعليقات البغا على البخاري7: 104.
على الحظّ؛ إذ يسألوا سؤالاً سهلاً وتلزم بدفع مال بطريق الاتصال ويفوز واحد ويخسر الباقون قيمة اتصالاتهم، ومثلُه كثير يحصل برسائل على الهاتف بطرق متعددة، يتلاعبون فيها بجمع المال، فالحذر الحذر من كلِّ هذا؛ لأنَّه قمارٌ، وهو مُحرَّم.
سادساً: محاربتها للعقود الوهمية:
ونقصد بذلك أنَّها ليست مجرد مضاربات تحصل في البورصات وغيرها يُجنى من ورائها أرباح طائلة دون أن يكون فيها فائدة تعود على المجتمع بإنتاجِ عينٍ أو تقديمِ منفعةٍ، ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب، بل يكون لها أثراً سلبيا بحصول تضخم في الأسعار، مما يلحق ضرراً بليغاً بالمجتمعات لحساب أفرادٍ معينين، ممَّا جعل بعض الاقتصاديين يُطالب الدُّول إن أرادت أن تحل مشكلة التعثر الاقتصادي أن تترك وتبتعد عن العقود الوهمية.
هذه الكيفيات لم تقبلها الشريعة، وحاربتها وسلكت وسائل تجعل العقود حقيقية تعود بالنفع على الأفراد والجماعات بالإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، فلا نريد عقداً بدون عين أو منفعة.
ومن أمثلةِ تحقيقِ الفقه لذلك:
1.المنع من بيع شيء لم يقبض، تأكيداً على تحقق العقد بانتقال المبيع ووجود الضمان له؛ فعن حزام بن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «قلت: يا
رسول الله، إنّي رجل أشتري المتاع فما الذي يَحِلّ لي منها وما يَحْرُم عليَّ؟ فقال: يا ابن أخي، إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (¬1).
2.المنع من بيع السلعة قبل تملكها؛ مبالغة في حصول البيع بحق، وابتعاداً عن أسباب النزاع؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك» (¬2).
3.إبطال عقد الصرف والسَّلَم إن لم يحصل تقابض في نفس المجلس، وجعل القبض فيها مستحقاً شرعاً؛ سعياً لإيجاد هذه العقود حقيقة، وخروجاً من أسباب النزاع بسبب التغير السريع في الأثمان؛ فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» (¬3)، وعن عمر - رضي الله عنه -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان11: 358،361، وسنن النسائي الكبرى4: 37، والمجتبى7: 286، والمنتقى1: 154، ومصنف ابن أبي شيبة4: 387، ومصنف عبد الرزّاق8: 43.
(¬2) في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وغيرها.
والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا» (¬1).
4.المنع من بيع الدين بالدين إلا ممن عليه الدين، فلا يجوز بيع ديوني على زيد لعمر مثلاً، وصوره عديدة، وكل هذا تحقيق لعقود حقيقية لا وهمية؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» (¬2): أي النسيئة بالنسيئة.
سابعاً: تقسيمُ العقود إلى صحيح وباطل وفاسد ومكروه وغيرها:
فإنَّ هذه ميزة عظيمة جداً لم تكن العقود فيها صحيح وباطل فحسب، بل جعلنا فيها الفاسد، وهو ما كان صحيحاً في أصله لا في وصفه على المشهور، بخلاف الباطل ما لم يكن صحيحاً لا بأصله ولا بوصفه.
ويهمنا هنا أنَّ الباطل حكمُه كالعدم، فلا نرتب عليه حُكماً، ويُعتبر كأنَّه لم يفعل أصلاً فلا يحصل فيه ملك.
¬
(¬1) في الموطأ2: 634، وسنن البيهقي الكبير 5: 284، وغيرها.
(¬2) في سنن الدارقطني 3: 71، والموطأ 2: 797، وشرح معاني الآثار 4: 21، والمستدرك 2: 65، وصححه الحاكم، وقال الدارقطني: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع دين بدين. ينظر: تلخيص الحبير 3: 26، وغيرها.
وأمَّا الفاسد فيملك بالقبض ويصحّ التصرّف فيه، ويقسم إلى قسمين: متمكن وغير متمكن.
والمتمكِّن لا يلحقه التَّصحيح، بل يبقى لازماً فيه الفسخ، مثاله: شرط الربا في العقد، والأجل الفاحش في الثمن، مثل: هبوب الريح ونزول المطر، فلا يصح العقد بإلغاء الشرط، وإنَّما علينا تجديد العقد.
وغيرُ المتمكِّن يلحقُه التَّصحيح، بأن نرفعَ سبب الفساد فينقلب صحيحاً، مثاله: أي شُرط فيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين أو الأجل غير الفاحش للثمن: كوقت الحصاد وقدوم الحاجّ، فإذا ارتفع شرط الفساد انقلب العقد صحيحاً.
وأمّا المكروه فالعقدُ فيه صحيحٌ وإنَّما يلحقُه إثماً؛ لما فيه من غرر وضرر.
فقسمُ البيع الفاسد مُفيدةٌ للغاية في حيويةِ العقود، وانقلابها من فاسدة إلى صحيحة بعد إزالة المفسد، وهذا يجعل لها ميزة كبيرة.
* * *
المبحث الثالث
مراعاة الواقع
في أحكام المعاملات الفقهية
لم توجد المعاملات إلا لتلبية حاجة الواقع، ولم تكن منفصلة عنه في لحظة من اللحظات، بل يمثّل الجانب التطبيقي المالي عند المسلمين عبر التاريخ، ولم ينعزل عن أحوال الناس وواقعهم، بل كان يعايشه تماما، حتى كان العرف بمثابة الرُّوح للمعاملات، فلا يُمكن فهم المعاملة بدون النَّظر للواقع، وهذا ما سيظهر لنا من خلال ذكر بعض الأسس المحقِّقة للمعاملات في هذا الجانب، ومنها:
أوّلاً: إنَّها مبنيّةٌ على العرف:
إنَّ أكثر قاعدة تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على حسب ما يقتضيه عرف الناس.
والعرفُ من أبرز أصول رسم المفتي الذي سنناقشه في الميزة التّالية، فهو من الجانب التَّطبيقي للفقه، وليس من الجانب الاستنباطي للحكم كما يظنه عامة المعاصرين، ومَرَدُّه إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظ ونريد بها معاني معينة تعارفنا في إطلاقها عليها وإن كان اللفظ عاماً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، فالحكم في نفسه ثابت من الشارع الحكم، والعرف لا يغير الحكم، لكن الحكم مبني على علّة، وهذه العلة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك، مثاله: أنَّ الحكم أنَّه لا تقبل إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} البقرة: 282، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة: لم يَحتج للتزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من
العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
ومثال آخر: الحكمُ بثبوتِ خيار الرُّؤية لمَن لم ير المقصود من المبيع حتى يتحقَّق تمام الرِّضا، ففي عرف أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لتشابه الدُّور يُمكن معرفة الدَّار بالنَّظر إليها من ساحتِها بدون الدُّخول في غرفِها؛ لأنَّ الدُّورَ عندهم متشابهة، وفي زمن زُفر: لم تعد الدُّور متشابهة، فلا يُمكن الوقوف على المقصودِ إلا بالدُّخول في غرفِ الدَّار، فالحكمُ ثابتٌ وهو ثبوتُ الخيار حتى يقفَ على المقصودِ من المبيع، والعلّة هي التحقَّق من المقصود من المبيع، والعرف عرَّفنا أنَّ العلّة في زمن أبي حنيفة: تتحقَّق بالنَّظر من السَّاحة، وفي زمن زُفر: بدخول الغرف.
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنين البتة، فلا يكون مغيّراً للحكم الشرعي أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلم من كلامه، ومعرفة صلاحية المحل لعلة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثُمَّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
ومثال ذلك: نهي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - «عن بيع وشرط» (¬1)، فعلَّتُه وجود الرّبا والنِّزاع، فإذا نظرنا للمحلِّ ولم نجد تحقُّق الرِّبا به ولا حصول النِّزاع بسبب تعارف النَّاس عليه، حيث يُضيفون عوضاً للعقدِ الثَّاني فانتفى الرِّبا، وشيوعُه بينهم نَفَى حصول التَّنازع بسببِه، فالعلَّةُ التي مُنِع الحكمُ بسببها لم تَعُد موجودةً، وبالتَّالي لم يَعُد الحكم موجوداً.
قال البابرتيّ (¬2) في هذا الموضع: «يقال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - «عن بيع وشرط»، وهو بإطلاقه يقتضي عدم جوازه؛ لأنَّه في الحقيقة ليس بشرط حيث أفاد ما أفاده العقد المطلق ... وهو ما كان متعارفاً: كبيع النعل مع شرط التشريك كذلك؛ لأنَّ الثابت بالعرف قاض على القياس، لا يقال: فساد البيع شرط ثابت بالحديث والعرف ليس بقاض عليه؛ لأنَّه معلولٌ بوقوع النزاع المخرج للعقد عن المقصود به، وهو قطع المنازعة، والعرف ينفي النزاع فكان موافقاً لمعنى الحديث, فلم يبق من الموانع إلا القياس على ما لا عرف فيه بجامع كونه شرطاً, والعرف قاض عليه».
ولعلَّ ممَّا يؤكد أنَّ ما ورد من النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «عن بيع وشرط» محمولٌ على النِّزاع، هو الاختلاف الحاصل فيما نُقل عنه - صلى الله عليه وسلم -: فقد رُوى الطَّبَرَانِي في «معجمه الأوْسَطِ» عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت
¬
(¬1) في مسند أبي حنيفة ص160، والمعجم الأوسط4: 335.
(¬2) في العناية/البيوع: 442.
مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ، ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فسألته فقال: البيع جائزٌ والشرط جائزٌ، فقلت: سبحان الله، ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيعِ وشرطٍ»، البيع باطلٌ والشرط باطلٌ، ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ل أنَّها قالت: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اشتري بَرِيرَة فأُعْتقها))، البيع جائزٌ والشرطُ باطلٌ، ثُمَّ أتيت ابن شُبْرُمَة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا: حدّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحَارب بن دِثَارٍ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: «بعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة»، البيع جائزٌ والشرطُ جائزٌ (¬1).
ثانياً: مراعاتها قواعد رسم المفتي:
فإنَّ الأصول على نوعين:
1.أصول للمجتهد المطلق: يستنبط بها الأحكام من الكتاب والسنة
¬
(¬1) أفاض الشيخ عوامة في هامش أثر الحديث ص157ـ162 في صلاحية هذه القصة للاحتجاج.
والآثار، وهي المتمثلة بقواعد علم الأصول من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها.
2. أصول للمجتهد في المذهب: يطبق فيها الفقه على الأفراد والجماعات والمجتمعات، وهي المسمّاة بـ (قواعد رسم المفتي)، وهي المتمثلة: بالضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وأشباهها.
وبعض هذه القواعد مؤثرة في تغير الحكم الشرعي: كالضرورة؛ لقوله - جل جلاله -: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119.
فالحكم الشرعي له طرفان: طرف في كيفية استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفية تطبيقه ويكون برسم المفتي.
وهذا الترتيب يعطي للمعاملات ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة، قال ابن عابدين (¬1): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
¬
(¬1) في نشر العرف 2: 123.
فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
وقال أيضاً (¬1): «لا بُدّ للحاكمِ من فقه في أحكام الحوادث الكليّة، وفقه في نفسِ الواقع وأحوال النّاس، يميِّز به بين الصادق والكاذب، والمحقّ والمبطل، ثمّ يُطابقُ بين هذا وهذا، فيُعطى الواقعَ حكمَه من الواجب، ولا يَجعل الواجبَ مُخالفاً للواقع.
وكذا المفتي الذي يُفتي بالعُرف لا بُدّ له من معرفة الزّمان وأحوالِ أَهلِه ومعرفة أنَّ هذا العرفَ خاصٌّ أو عامٌ، وأنَّه مخالفٌ للنصِّ أو لا، ولا بد له من التخرُّج على أُستاذٍ ماهرٍ ولا يَكفيه مجردُ حفظ المسائل والدلائل، فإنَّ المجتهدَ لا بُدّ له من معرفةِ عاداتِ الناس، كما قدمناه فكذا المفتي.
ولذا قال في آخر «منية المفتي»: لو أنَّ الرَّجلَ حفظ جميعَ كتب أَصحابنا لا بُدّ أن يَتَّلْمَذَ للفتوى حتى يهتدي إليها؛ لأنَّ كثيراً من المسائلِ يُجاب عنه على عادات أهل الزَّمان فيما لا يُخالف الشريعة».
¬
(¬1) في نشر العرف2: 126.
ثالثاً: استفادتها من اختلاف الفقهاء:
فهذا الاختلاف جعل عندنا ثروة فقهية في المعاملات وغيرها لا تُضاهى، فأعظم ثروةً يدَّعيها الأوربيون هو القانون الرُّوماني، ولو وُزِنَ ما جاء عن الرومان ما عَدل عُشر مِعشار ما ترَكَه الفقهاء المسلمون من عيون الفقه ومسائله المشتملة على ما لا يدخل تحت حصرٍ من الحلول الجزئيَّة والقواعد الكليَّة، بما يغني الإنسانية إنْ بغت الخير لنفسها، واتَّجهت إلى ما ينفعها ويعلو بها، فلا عجب أنْ قيل: إنَّ ممَّا أسهم في نموِّه واتِّساعه هو الاختلافُ الذي أدَّى إلى تقصِّي الحقيقة، وهذا من أهمِّ آثار الاختلاف على الفقه (¬1).
ومعلومٌ أنَّ الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول جائزةٌ بشروطٍ ليس هنا محلُّ بيانها، ففي موضع الضَّرورة يجوز لنا العمل بمذهب الغير؛ لاجتماع دليل الضرورةِ مع أدلّة الغير، فيتقوَّى على مذهبنا في حَقِّ هذه المسألةِ فجاز العمل به، وهذه توسعةٌ كبيرةٌ على الأمة، وهذه الاستفادة أكثر ما تظهر في المعاملات؛ لكونها تنظيم، فكل مذهب يسعى لتقديم تنظيم لنا، فما رأيناه أنسب للواقع وأكثر فائدة وإحكاماً أخذنا به.
¬
(¬1) ينظر: علم الأصول لعبد الوهاب ص249 - 253.
لذا شاع وذاع على لسان كثير من السلف: أنَّ اختلاف الأئمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اختلاف أمتي رحمة» (¬1)، وقال القاسم بن محمد:: «كان اختلافُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمةً لهؤلاء النّاس» (¬2)، وقال عمر بن عبد العزيز:: «ما يَسُرُني أنَّ لي باختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - حُمُر النِّعم» (¬3).
والاطلاعُ على اختلافِ الفُقهاء في داخلِ المذهب وخارجه توسعُ الصَّدر وتفتحُ المدارك، بحيث لا يتشدَّد الفقيه في مواضع الخلاف ولا يُنكر فيها، وإنَّما يتشدَّد فيما حَقُّه التَّشدد من مواضع الإجماع بين العلماء، وتكون فتواه فيها تسامحٌ وتيسيرٌ ورفعٌ للحرج على مقتضى ما قرَّرته الشريعة، قال ابن أبي عروبة:: «مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالماً» (¬4)، وقال هشام بن عبيد الله الرازي:: «مَن لم يعرف اختلافَ
¬
(¬1) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء1: 74: «ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» تعليقاً وأسنده في «المدخل» من حديث ابن عباس بلفظ «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف».
(¬2) في حلية الأولياء7: 119، والطبقات الكبرى5: 189، والطبقات الكبير7: 188.
(¬3) في جامع العلوم والحكم2: 901، والإبانة الكبرى2: 566، والطبقات الكبير7: 371.
(¬4) في جامع بيان العلم2: 815، والكامل 4: 449، والميزان152، وسير أعلام النبلاء6: 413.
الفقهاء فليس بفقيه» (¬1)، وقال قتادة:: «مَن لم يعرف الاختلاف لم يشمَّ الفقه بأنفه» (¬2).
فهذا الاختلافُ يستفيد منه الفقيه في حسنِ نظره للأُمور وموازنته لها، ويكون فيه سعةً كبيرةً على الأمة باختياره ما يُناسبها من أقوال الفقهاء، ونمى الفقه بسببه نمواً هائلاً فأفادنا كثيراً في المعاملات المتنوّعة والمستحدثة.
* * *
¬
(¬1) في جامع بيان العلم2: 816.
(¬2) في ترتيب الأمالي للشجري ص70، وجامع بيان العلم2: 814.
المبحث الرابع
في حرية التصرفات
في المعاملات الفقهية
إنَّ مبنى التَّعاملات ليس على المنعِ، بل على الحريّة، فتعطي للتاجر حقّ أن يُسعِّرَ ويشتري ويبيع ويملك ويتملَّك كيفما شاء فلا نضع عليه موانع وقيود لا معنى لها، وإنَّما نمنع ما فيه إضراراً عاماً بالمجتمع؛ لأنَّ المصلحةَ الخاصّة لا تُقدَّم على المصلحة العامّة، ومن أمثلة ذلك: المنع من الربا أو القمار أو المخالف للمصلحة العامة أو بيعٍ غير مملوك أو معدومٍ أو لم يقبض أو بيع دين بدين أو جهالةٍ تفضي للنِّزاع أو عقدين في عقد غير متعارفين بحيث يسببان نزاعاً أو ربا.
وفيما عداها إجمالاً كان الميدان واسعاً في النِّشاط بحريّة تامّة، فإن منعنا من شيء أو قيدنا به كان لمصلحة ظاهرة تعود على الفرد أو المجتمع، حيث يكون التغليب للمصلحة العامة.
وتظهر هذه الحرية للمعاملات في الميزات التالية:
أولاً: الأصلُ في المعاملات الإباحة:
وهذا إن لم تكن تخالف نهي الشارع المبيّن في كتب أئمتنا الفقهاء، فإنَّ اعتبارَ أئمة الفقه قاطبةً (¬1) أنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة مَيِّزةٌ كبيرةٌ جداً، فيه تيسيرٌ، ورفعٌ للحرج، وابتعادٌ عن التَّعقيدات والتَّقييدات، وهذا متوافقٌ مع كونِ المعاملات من التَّنظيمات.
ومعنى هذا: أنَّ الذي يضع المعاملة هو المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها وليس الفقيه، فالفقيه أشبه ما يكون عملُه بالقانونيّ الذي ينظر في موافقةِ أنظمة المعاملة أو الشَّركة لقوانين الدَّولة وما هو الأنسبُ والأفضلُ منها بحفظِ الحقوق، ويكون عنده نوعُ مساعدةٍ في وضع العقود، لكن وضعها ابتداء فهو من قبل أهل كلِّ فنٍّ هي فيه.
وعمل الفقيه يتميّزُ أيضاً عن عملِ القانونيّ أنَّ المعاملةَ مع موافقتِهِا لنظام الدولة نحتاج أن تكون موافقةً للشريعة، وبحكم التراث الفقهي الضخم عبر التاريخ، والتجارب الهائلة في الدول المتعاقبة في الحكم بالشريعة، أصبحت لدى الفقه صوراً من العقودِ والمعاملاتِ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فيستطيع أن يفيدَ منها مجتمعه والبشرية جمعاء.
¬
(¬1) نقل الدكتور نايف الجريدان في بحثه الأصل في المعاملات الإباحة: اتفاق المذاهب الفقهية على هذه القاعدة مع مخالفة ابن حزم.
وبالتَّالي يكون عملُ الفقيه تصحيحُ معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، وتَحريرُ المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطرف، والسَّعي في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، والتَّنقيحُ بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، والإسهامُ في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، والإبداعُ في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة.
وهذا الإباحةُ مندرجةٌ في قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة (¬1)، ويستنثى منها الفروج؛ إذ الأصل فيها التحريم، قال العلامة شيخي زاده - رضي الله عنه - (¬2): «واعلم أنَّ الأصلَ في الأشياء كلِّها سوى الفروج الإباحة، قال - جل جلاله -: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة: 29، وقال - جل جلاله -: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} البقرة: 168، وإنَّما تثبت الحرمة
¬
(¬1) صرح في التحرير بأنَّ المختار أنَّ الأصل الإباحة عند الجمهور من الحنفية والشافعية، اهـ. وتبعه تلميذه العلامة قاسم, وجرى عليه في الهداية من فصل الحداد, وفي الخانية من أوائل الحظر والإباحة، وقال في شرح التحرير: وهو قول معتزلة البصرة وكثير من الشافعية وأكثر الحنفية لاسيما العراقيين. قالوا: وإليه أشار محمد: فيمن هدد بالقتل على أكل الميتة أو شرب الخمر فلم يفعل حتى قتل بقوله: خفت أن يكون آثما؛ لأنَّ أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي عنهما , فجعل الإباحة أصلا والحرمة بعارض النهي. اهـ. ونقل أيضا أنَّه قول أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي للشيخ أكمل الدين في شرح أصول البزدوي. ينظر: رد المحتار 1: 105، 4: 161، 6: 458، وغيره.
(¬2) في مجمع الأنهر 2: 568.
بمعارضة نص مطلق أو خبر مروي، فما لم يوجد شيء من الدلائل المحرمة فهي على الإباحة».
والمقصود بالفروج: هي العلاقات بين الرجال والنساء، فإنَّ الأصل فيها المنع؛ لما يترتب عليها من الفساد، إلا ما أباحه الشارع من الزواج، والحاجيات المقيدة بضوابط الشرع.
ويضاف لذلك أيضاً: المأكولات من اللحوم، فإنَّ الأصل فيها المنع؛ لقوله - جل جلاله -: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} المائدة: 3، فيباح منه ما يكون ذكاة شرعية أو كان صيداً بشروطه، وأن لا يكون من ذي ناب أو مخلب؛ لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «عن أكل ذي ناب من السباع، وعن أكل ذي مخلب من الطير» (¬1).
وما قيدتُ به من كونِ الإباحةِ مقيَّدةٌ بعدمِ مخالفة النَّهي في الكتبِ الفقهيّة لا النَّهي في الكتاب والسنّة؛ تنبيهٌ على أمرٍ في غايةِ الأهمية، وهي أنَّ الكتبَ الفقهيّة هي تفسيرٌ وتوضيحٌ وتبيينٌ من قبل المجتهدين لنهي الشَّارع وإباحتِهِ في النصوص الشرعية، وهم الأقدرُ على فهم مراد الشارع بأصولهم المقرَّرة المشهورة، فلا ينبغي لغير المجتهد أن يبيحَ لنفسِهِ فهم مقصود الشّارع كيفما أراد، وتأويل الآيات والأحاديث على حسب رغبته، وإنَّما يرجع لمن تخصص في هذا، وهم الفقهاء.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1543، وسنن أبي داود2: 383.
ومن أدلة الأصل في الأشياء الإباحة:
1.قال - جل جلاله -: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} الأنعام: 151؛ فقد حصر الشارع المحرمات بأنواع وأوصاف، فما لم يعلم فيه تحريم يجري عليه حكم الحل.
2.قال - جل جلاله -: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة: 275، أفادت الآية حل عموم البيع باستثناء الربا.
3.قال - جل جلاله -: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} الأنعام: 119، فقد فصَّل الشارع الحكيم لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حراماً فلابد أن يكون تحريمه مفصلاً، وبقي ما عداه مباحاً.
وبالتالي فإنَّ الأصل في المعاملة الإباحة حتى يدل الدليل على تحريمها، فكونها مباحة هو ما قامت عليه العديد من الأدلة الشرعية، فما لم يصرح فقهاؤنا بتحريم شرط وعقد ومعاملة؛ لمنع من قبل الشارع، لما يترتب عليها من المخاطر والمحظورات، فإنَّها تبقى على الأصل من الإباحة.
وكونها مباحةً في الأصل يقتضي أنَّ مَن يدَّعي الحرمةَ عليه أن يُقدِّمَ الدليلَ عليها لا مَن يدَّعي الإباحة وإلاّ لبقيت على إباحتها، بمعنى: أنَّه لو اختلف اثنان في معاملة من المعاملات، هل هي حلال أم حرام، فإنَّ
الذي يُطالَب بالدليل هو الذي يقول: أنَّ هذه المعاملة حرام، أما الذي يقول: أنَّها حلال فلا يُطالَب بالدليل؛ لأنَّ الأصل معه.
ثانياً: لزوم شروط المتعاقدين:
وهذا ما لم تخالف مقتضى العقد ونهي الشارع الحكيم، ومعنى مقتضى العقد: ما يقتضيه: أي ما عُقِد العقد من أَجل تحقيقِه، فهو مقصودُ العقد، فعندما يشترطُ شرطاً منافياً لهذا المقتضى، فإنَّ كلامَه تناقض، فمثلاً عقد البيع يقتضي التَّمليك، وهو يشترط أن يبقى المبيع عنده مدّةً من الزَّمن مثلاً، وهو يعني تحقُّق التَّمليك الكامل الموجود في العقد، فيتناقض المقتضى مع الشَّرط، ولا شكّ بقوّة المقتضى على الشَّرط؛ لأنّه ما قام عليه العقد لا ما أُضيف إليه.
وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الشروط في حديث بريرة ل عندما اشترط سيدها عند بيعها للسيدة عائشة ل أن يبقى الولاء، وهذا مخالف لمقتضى العقد من انتقال الملك للمشتري، والولاء تبع له؛ فعن عائشة ل دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشتري وأعتقي، فإنَّ الولاءَ لمَن أَعتق، ثُمَّ قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثُمَّ قال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله،
مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أَحقّ وأَوثق» (¬1).
ومعنى الولاء: أنَّ العبدَ بعد عتقه يتحمّل سيده جنايته، ويرثه سيده إن لم يكن له عصبة من أبناء أو آباء أو أُخوة أو أعمام، فولاء العتاقة هو آخر العصبات؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاءُ لحمة كلحمة النَّسب، لا يُباع ولا يُوهب» (¬2).
ووجه دلالة الحديث السَّابق: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر أنَّ اشتراط شروطٍ مُخالفة لمقتضى العقد يُخالف إباحة القرآن للعقود المختلفة من البيع والنِّكاح والرَّهن وغيرها، فتكون شروطاً ليست في كتاب الله - جل جلاله -؛ لأنَّ الذي في القرآنِ هو العملُ بمقتضى هذه العقودِ مُطلقاً، وهو المتوافقُ مع ما اتفق عليه المتعاقدان ...
وهذه الشروط التي تكون مخالفة لمقتضى العقد منها ما يكون فيه منفعة للبائع: كاشتراطه عدم تسليم المبيع مباشرة، أو منفعة للمشتري: كاشتراطه خياطة الثوب الذي اشتراه، ومرَّ سابقاً أنَّ علّة هذه الشروط هي الربا والنزاع، فإن تعارفوا هذه الشروط انتفى الأمران وجازت.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 756.
(¬2) في صحيح ابن حبان11: 326، والمستدرك4: 379، والمعجم الأوسط2: 82، ومعجم الشيوخ1: 312، وسنن البيهقي6: 240.
وأما الشروط الموافقة لمقتضى العقد، مثل: اشتراط الرهن أو الكفالة أو غيرها مما يؤكد مقتضى العقد ويكون ملائماً له، فهي لا تفسد العقد، بل تثبته، فتكون داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو شرطاً أحل حراماً» (¬1).
والشروط التي نهى عنها الشارع، مثل: أن يكون العقد ربا أو قماراً وأمثالها، فإنَّها ممنوعة.
وبالتالي تكون هذه ميزة للمعاملات، بأن يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط وتكون لازمة على الطَّرفين بشرط أن لا تكون مناقضة لما اقتضاه العقد أصلاً، حتى لا يتحقق التناقض، إلا إن جرى عرف في ذلك.
* * *
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 794 معلقاً، والمستدرك 2: 57، وسنن البيهقي الكبير 6: 79، واللفظ له، وسنن الدارقطني 3: 27، وشرح معاني الآثار 4: 90، وغيرها.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى هذه النتائج، التي تمثل أبرز مبادئ المعاملات الفقهية، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
1. إنَّها تنظيمية لا تربوية، وملاحظة هذا أمرٌ في غايةِ الأهمية؛ لأنَّ تعاملنا معها على أنَّها تنظيماتٌ يُسهِّلُ علينا كثيراً فهم فروعها.
2. إنَّ أحكامها معلَّلة، فهي مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها.
3. إنَّها مبنية على تحقيق مصالح البشر، فهي إما جالبة للمصالح وإما دارئة للمفاسد.
4. إنَّها تقوم على مبادئ وقواعد عامّة تسير عليها وتنضبط بها، فالنصوص الشرعية الواردة فيها قليلة بالمقارنة مع العبادات.
5. إنَّ التَّراضي من أبرز القواعد التي بُنيت عليها المعاملات، فهي تجري في كافة التصرُّفات التِّجارية مجرى الرُّوح في الجسد، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا اعتبار لمعاملةٍ بدون رضا.
6. إنَّها تقوم على أساس رفع النزاع، فكلُّ جهالةٍ تُفضي إلى النِّزاع تُفسدُ البيع.
7. إنَّها تقوم على أساس أخذ المال بالحقِّ دون الباطل، فكلَّ التَّصرُّفات الممنوعة شرعاً تكون من أكل المال بالباطل.
8. إنَّها تحارب الربا وتحض على الابتعاد عنه وعن شبهته؛ لأنَّه مهلكة الاقتصاد.
9. إنَّ مما يميز عقود المعاملات الإسلامية أنَّها حقيقية لا وهمية، فهي ليست مجرد مضاربات تحصل في البورصات وغيرها يُجنى من ورائها أرباح طائلة دون أن يكون فيها فائدة تعود على المجتمع بإنتاجِ عينٍ أو تقديمِ منفعةٍ.
10. إنَّ الأصل في المعاملات الحريّة والإباحة لا التقييد والتَّضييق بالشروط والموانع في كل معاملة.
11. إنَّ العرف لا يكون مغيّراً للحكم الشرعي أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً.
12. إنَّ الأصل في المعاملات والأنظمة والقوانين أن تكون مقعدة على مذهب معين، ودون ذلك ضياع وتشتيت، مع إمكانية الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول.
* * *
المراجع:
1. الإبانة الكبرى: لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد العُكْبَري المعروف بـ (ابن بَطَّة العكبري) (ت: 387هـ)، ت: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض.
2. أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء: لمحمد عوامة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط4، 1418هـ.
3. أحكام القرآن: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، دار الفكر.
4. الإحكام في أصول الأحكام: لأبي الحسن علي بن محمد الآمدي (551 - 631هـ)، تحقيق: الدكتور سيد الجميلي، ط1، 1404هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
5. إعلاء السنن: لظفر أحمد العثماني التهانوي (1310 - 1394هـ)، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م.
6. بحوث في علم أصول الفقه مصادر التشريع الإسلامي الأصلية والتبعية ومباحث الحكم: لأحمد الحجي الكردي، http://www.almeshkat.net/books/open.php.
7. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
8. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
9. تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال: لأحمد بن محمد بن الصديق الغماري، المطبعة المهدية، تطوان، المغرب، 1362هـ.
10. تخريج أحاديث الإحياء للعراقي وابن السبكي والزبيدي: جمع محمود الحداد، دار العاصمة للنشر، الرياض، ط1، 1408هـ.
11. تخريج الفروع على الأصول: محمود بن أحمد بن محمود بن بختيار، أبو المناقب شهاب الدين الزَّنْجاني (ت: 656هـ)، ت: د. محمد أديب صالح، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط2، 1398هـ.
12. ترتيب الأمالي الخميسية للشجري: للحسني الشجري الجرجاني (ت: 499 هـ)، رتبها: القاضي محيي الدين محمد بن أحمد القرشي العبشمي (المتوفى: 610هـ)، ت: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1422 هـ - 2001 م.
13. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
14. تكوين الملكة الفقهية: لمحمد عثمان شبير، العدد (72) من كتاب الأمة رجب 1420 هـ، السنة التاسعة عشرة.
15. تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير: لأحمد بن علي ابن حجر العَسْقَلاني (773 - 852هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، المدينة المنورة، 1384هـ.
16. التوضيح شرح التنقيح: لعبيد الله بن مسعود المحبوبي صدر الشريعة (ت747هـ)، دار الكتب العربية الكبرى، 1327هـ، وأيضاً: المطبعة الخيرية، مصر، ط1، 1324هـ.
17. جامع الترمذي: لمحمد بن عيسى (279هـ)، ت: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
18. جامع العلوم والحكم: لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408هـ.
19. الحاوي للفتاوي: لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 1424هـ - 2004م.
20. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1403هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1405هـ.
21. خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرَّافِعِي: لعمر بن علي بن المُلَقِّن (723 - 804هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1410هـ.
22. خلاصة الدلائل شرح القدوري، للرازي (ت598هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، تحت الطبع.
23. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ.
24. درر الحكام شرح مجلة الأحكام: لعلي حيدر، تعريب: المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب، الرياض، طبعة خاصة، 1423هـ - 2003م.
25. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
26. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
27. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
28. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
29. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
30. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
31. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
32. سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ.
33. شرح السير الكبير: لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 590هـ)، ت: الدكتور صلاح المنجد، مطبعة شركة الإعلانات الشرقية، 1971هـ.
34. شرح الوقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747)، ت: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، مؤسسة الوراق، عمان، 2006م.
35. شرح معاني الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي (229 - 321هـ)، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
36. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
37. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
38. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
39. الطبقات السنية في تراجم الحنفية: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، 1403هـ.
40. الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد بن منبع البصري (168 - 230هـ)، دار صادر، بيروت، وأيضاً: بتحقيق: زياد محمود منصور، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط2، 1408هـ.
41. علم أصول الفقه: لعبد الوهاب خلاف، دار العلم، ط2، 1398هـ.
42. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ.
43. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
44. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
45. الفلك المشحون فيما يتعلق بانتفاع المرتهن والمرهون: لمحمد عبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)، ت: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، مؤسسة الرسالة، بيروت، دار البشير، عمان، الأردن، ط1، 2002م.
46. الكامل في التاريخ: لعلي بن محمد ابن الأثير الجزري (ت630هـ)، دار الكتاب العربي.
47. اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
48. لسان العرب: لأبي الفضل محمد بن مكرم الإفريقي المصري المشهور بـ (ابن منظور) (ت711هـ)، ت: عبْد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، دار المعارف.
49. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
50. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
51. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
52. المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة: لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت: 616هـ)، ت: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1424 هـ - 2004 م.
53. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي: للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، دار الجنان، عمان، ط1، 2004م.
54. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
55. مسند أبي حنيفة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (336 - 430هـ)، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط1، 1415هـ.
56. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
57. مسند الحارث (بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث): الحارث بن أبي أسامة (186 - 282هـ): للحافظ نور الدين الهيثمي، ت: الدكتور حسين أحمد الباكري، مركز خدمة السنة والسيرة النبوية، المدينة المنورة، ط1، 1413هـ.
58. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ.
59. مصباح الزجاجة: لأحمد بن أبي بكر الكناني (ت840هـ)، ت: محمد الكشناوي، دار العربية، بيروت، ط2، 1403هـ.
60. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
61. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.