الفواح العطر في ..........
. في تزكية التفكر والذكر
جارٍ تحميل الكتاب…
الفواح العطر في ..........
. في تزكية التفكر والذكر
الفواح العطر
في تزكية التفكر والذكر
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على فضله ورحمته، وجزيل الشُّكر على مننه ومغفرته، والصّلاة والسّلام على سيد الخلق، نبينا وحبيبنا ورسولنا محمّد، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التّسليم، وعلى آله وصحبه الكرام، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
إن بحثنا في هذا الكتاب يدور على وسائل التزكية وتطهير النفس، ونحاول عرضها بقدر الاستطاعة وإن كانت معالجة أمراض القلوب وآفات اللسان من وسائل التزكية إلا أنها كانت ألصق بالكلام عن القلب واللسان، فكان ذكرها أنسب في الكتب المتعلقة بها.
ومدار وسائل التزكية يرجع لمحورين رئيسيين، وهما الذكرُ والتفكر، قال سعيد حوى (¬1): «والذكر والفكر توأمان في تفتيح قلب الإنسان على آيات الله، ولذلك كان التفكر وسيلة من وسائل التزكية: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا
¬
(¬1) في المستخلص ص 30.
خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191 - 193]، فما استخرج هذه المعاني من القلب إلا اجتماع الذكر والفكر».
وغيرها من طرق التزكية تدور في فلكهما، فكان هذا الكتاب مشتمل على فصلين يتضمنان أبحاث يذكر فيها الوسائل الأخرى.
«والمراد بوسائل التزكية: هي الأعمال التي تؤثر تأثيراً مباشراً على النفس بأن تشفيها من مرض أو تخرجها من أسر أو تحققها بخلق، وقد يجتمع هذا كله في عمل، فأداء الصلاة مثلاً يخرج الإنسان من التكبر على الله رب العالمين، وفي الوقت نفسه تنوِّر الصلاةُ القلبَ فينعكس ذلك على النفس أن تترك الفحشاء والمنكر.
هذه الوسائل تترك أثرها في النفس، فتتخلّص النفس بذلك من مرض أو تتحقق بمقام إيماني أو خلق إسلامي.
ومع أن أعمال الإسلام كلها يمكن أن تدخل في مثل هذا، لكننا نقتصر على بعض الأعمال التي هي أوضح من غيرها تأثيراً في النفس، ومع أن التوبة محلّها هاهنا» (¬1)، إلا أنها تذكر عند الكلام على القلب، لتعلقها بمقامات القلوب
فنعرض في فصل الذكر لمباحث متعلق بالذكر كالصلاة والزكاة والصوم والحج والأذكار والدعاء والأسماء الحسنى والأوراد وغيرها.
¬
(¬1) ينظر: المستخلص ص 29.
«فالصلاة وسيلة من وسائل التزكية، وهي المظهر الأرقى للعبودية والشكر، وبقدر ما تؤدى الصلاة على كمالها تكون علامة على أنّ النفس مُزكّاة والقلب مُطهَّر، فإقامتها على الكمال والتمام وسيلة وغاية وأثر.
فالصلاة بسجودها وركوعها وأذكارها تطهّر النفس من التكبر على الله، وتذكّر النفس بالاستقامة على أمره: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45].
وكامل العبادات له آثر بالغ في التزكية، فالزكاة والإنفاق يطهران النفس من البخل والشحّ، ويعرفان الإنسان أنَّ المالك الحقيقي للأشياء هو الله، ولذلك كانا وسيلتين من وسائل التزكية: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل:18].
والصوم تعويد للنفس على ضبط شهوتيْ البطن والفرج، فهو وسيلة من وسائل التزكية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة:183].
والحج تعويد للنفس على الترفُّع عن الرفث وعلى ترك الفسوق والجدال وغير ذلك فهو وسيلة من وسائل تزكية النفس: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَج} [البقرة: 197].
وتلاوة القرآن تذكر النفس بكل الكمالات، فهي وسيلة من وسائل تزكية النفس: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].
والأذكار هي التي تعمّق الإيمان والتوحيد في القلب: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب} [الرعد:28]، وبذلك تصل النفس إلى أعلى درجات التزكية: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة} [الفجر:28]» (¬1).
ونعرض في فصل التفكر لما يتعلق بالتفكر من أمور، مع العزلة وتذكر الموت وقصر الأمل وغيرها.
«فهذه أمهات في وسائل التزكية العامة، وهناك أنواع من التزكية الخاصّة لأمراض خاصّة، وبقدر ما تقام الوسيلة الكاملة يكون لها أثرها الكامل وبقدر النقص فيها تنقص آثارها» (¬2).
وسميت هذا الكتاب بـ:
«العطر الفواح في تزكية التفكر والذكر»
وهو في عامة مادته معتمد على «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي الذي يعدّ الكتاب الأم فيما يتعلق بباب التزكية والتربية، واستفيد من كتب أُخرى مثل مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح للإمام ابن عطاء السكندري، سعيت فيها للتهذيب للترتيب والتدليل.
وهو يشتمل على فصلين:
الفصل الأول في الذكر وتبعاته، ويشتمل على مباحث:
¬
(¬1) ينظر: المستخلص ص 29، باختصار وتصرف.
(¬2) ينظر: المستخلص ص 30.
المبحث الأول في معنى الذكر وفضله وثمرته.
والمبحث الثاني في أسرار الصلاة.
والمبحث الثالث في أسرار الزكاة والصيام والحج.
والمبحث الرابع في تلاوة القرآن.
والمبحث الرابع في الأذكار والدعوات.
والفصل الثاني في التفكر وتوابعه، ويشتمل على مبحثين:
والمبحث الأول في التفكر والعزلة.
والمبحث الثاني في ذكر الموت وطول الأمل.
وفي الختام أسال الله - عز وجل - أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به البلاد والعباد، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يغفر لي ولوالدي وأشياخي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في مدينة صويلح من عمان المحروسة
بتاريخ 15/ 3/ 2022 م
الفصل الأول
الذكر وتوابعه
نتكلم في هذا الفصل عن مجموعة من الوسائل في تطهير النفس والتزكية لها، فيمكن اعتبار الذكر بمثابة الأب لطرق التربية، والتفكر بمثابة الأم لها، ويندرج تحت كلٍّ منهما وسائل متعدِّدة مردُها لكلٍّ منهما، قال الغَزاليُّ (¬1): «الفكر والذكر أعلى مقامات السالكين».
المبحث الأول
معنى الذكر وفضله وثمرته
نعرض في هذا المبحث لمقدمات عامة في الذكر فيها بيان معنى الذكر، والارتباط الوثيق بين الذكر والإخلاص، وذكر فضل الذكر وثمرته في القرآن والسنة في المطالب الآتية:
¬
(¬1) في الإحياء 3: 236.
المطلب الأول: معنى الذكر:
أولاً: المعنى اللغوي:
الذِّكر: ضدُّ النسيان ذكرتُ الشَّيء أذكره ذِكراً وذُكراً (¬1)، والذكر: الصيت والثناء، قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر} [ص:1]: أي ذي الشرف، وذكره بعد النسيان وذكره بلسانه وبقلبه يذكره ذكراً (¬2).
فمدارُ الذِّكر في اللغة على عدم النسيان؛ لذلك ما شاع صيته لم يكن منسياً، فكان ذكر الشيء باللسان أو الذهن خلاف النسيان، قال الكفويُّ (¬3): «الذِّكر له معنيان: أحدهما: التلفظ بالشيء، والثاني: إحضاره في الذهن بحيث لا يغيب عنه، وهو ضد النسيان».
ثانياً: الاستعمال القرآني:
فما يكون محفوظاً يُعَدُّ ذكرٌ؛ لعدم النسيان فيه، كما أن ما يُتذكَّر بلسان أو القلب يُعَدُّ من الذِّكر، قال الراغبُ الأصفهانيُّ (¬4):
«الذكر: تارةً يُقال ويُراد به: هيئةٌ للنَّفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتباراً بإحرازه، والذكر يُقال اعتباراً باستحضاره.
¬
(¬1) ينظر: جهرة اللغة 2: 694.
(¬2) ينظر: مختار الصحاح ص 112.
(¬3) في الكليات ص 456.
(¬4) في مفردات القرآن 1: 238 ـ 239.
وتارة يقال: لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ.
فمن الذكر باللسان قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [الأنبياء:10]، وقوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُون} [الأنبياء:50].
ومن الذكر عن النِّسيان قوله: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف:63].
ومن الذكر بالقلب واللسان معاً قوله تعالى: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة:200]، وقوله: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]، وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، أي: ذكر الله لعبده أكبر من ذكر العبد له، وذلك حث على الإكثار من ذكره.
والذكرى: كثرة الذكر، وهو أبلغ من الذكر، قال تعالى: {رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَاب} [ص:43]} [ص: 43]، وقوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين} [الذاريات:55]، في آي كثيرة».
ثالثاً: المعنى الاصطلاحي:
كان بحثنا في المعنى اللغوي عن الذكر مطلقاً بحيث يبقى متذكر له ولا ينساه، وفي الاصطلاحي كلامنا في ذكر مخصوص، وهو للخالق سبحانه،
بحيث يبقى ذاكراً له تعالى في كل أحواله وأفعاله وأوقاته؛ لتكون هذه الأعمال خالصة لوجه الكريم؛ لذلك كان تعريف الذكر:
التَّخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحقّ (¬1).
فلا يكون الذكر مقتصراً على ترداد فحسب، وإنما شامل لكل أفعال المسلم إن كان فيها مستحضراً للحق سبحانه، بحيث يقصد وجهه الكريم، وبالتالي نحن أمام معنى خاص في الذكر وهو استحضار المولى في جميع أحوالنا وتصرفاتنا؛ لتكون أقوالنا وأفعالنا خالصة لوجهه الكريم، وهو أمر يحتاج دربة واجتهاداً ومجاهدة حتى يتحقق من كل واحد، وسيكون الناس فيها متفاتون في تحصيله وتحقيقه.
وبقدر تحقيقها في حياتنا يكون نجاحنا في دُنيانا؛ لأنا لم نُخلق إلا لتحقيق الإخلاص لله تعالى، فيصبح جميع ما يَصدر عنا عبادةً له سبحانه، ويتحقَّق فينا معنى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56]، فنكون بذلك في جميع لحظاتنا في عبادة.
لذلك توسعوا في تعريف الذكر ليشمل جميع التّصرفات، فقالوا:
ترديد اسم المذكور بالقلب واللسان، وسواء في ذلك ذكر الله تعالى، أو صفةٌ من صفاته، أو حكمٌ من أحكامه، أو فعلٌ من أفعاله، أو استدلالٌ على شيءٍ من ذلك، أو دعاءٌ أو ذكرُ رسله أو أنبيائه أو أوليائه، أو مَن انتسب إليه،
¬
(¬1) ينظر: مفتاح الفلاح ص3.
أو تقرب إليه بوجهٍ من الوجوهِ، أو سببٍ من الأسباب، أو فعلٍ من الأفعال بنحو قراءةٍ أو ذكرٍ أو شعرٍ أو غناءٍ أو محاضرةٍ أو حكايةٍ (¬1).
وعلى هذا يكون المسلم ذاكراً لله تعالى في جميع أَوقاته إن كان ذاكراً له سبحانه فيها ومريداً وجهه، قال ابنُ عطاء (¬2): «المتكلمُ ذاكرٌ، والمتفقهُ ذاكرٌ، والمدرسُ ذاكرٌ، والمفتي ذاكرٌ، والواعظُ ذاكرٌ، والمتفكِّرُ في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في أرضه وسمواته ذاكرٌ، والممتثلُ ما أَمر الله تعالى به والمنتهي عن ما نهي عنه ذاكرٌ».
فلا يقتصر الذكر على عضو دون عضو، ولا يكون خاصاً باللسان لا غير، بل «الذكر قد يكون باللسان، وقد يكون بالجنان، وقد يكون بأعضاء الإنسان، وقد يكون بالإعلان والإجهار، والجامع لذلك كلُّه ذاكر كامل» (¬3).
فالذكر الكامل المقصود تحقيقه في الشرع شامل للكلّ، بحيث لا يخرج فعل ولا قول عنه، وعلى المسلمين التسابق في تحقيقه للفوز برضى الله تعالى، و {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون} [المطففين:26].
ولذلك أن الله تعالى أطلق الله تعالى على العلماء الكاملين الذي بلغوا أعلى درجات العلم بحيث يقدرون على الاجتهاد والفتوى للناس بأهل
¬
(¬1) ينظر: مفتاح الفلاح ص3.
(¬2) في مفتاح الفلاح ص3.
(¬3) ينظر: مفتاح الفلاح ص3.
الذكر، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [النحل:43]؛ لكون العلم من الذكر، ولأنه لا يكون علماً نافعاً إن لم يكن خالصاً لوجه الله تعالى، فيكون ذاكراً في تعلمه وتعليمه وفتواه لله تعالى، فما لم يكن في علمه من الذاكرين فلا خير في هذا العلم ولا في صاحبه.
وكان القرآن كتاب ذكر، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]؛ لأنه نزل لهداية الناس، وأعظم هداية لهم أن يكونوا ذاكرين لله تعالى في كلّ حياتهم، فيكون القرآن محققاً بآياته لهذا المعنى، ومرشد له بأساليبه المتنوِّعة.
وكانت جميع عباداتنا من صور الذكر لله تعالى، بل هي من أبرزها وأكثرها تحقيقاً للذكر، فكان سعينا في تحقيقها سعي؛ لتحقيق ذكر الله تعالى كما في خطبة وصلاة الجمعة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9].
ونكون من الذاكرين لله تعالى والذاكرات بقدر تحقيق الذكر في حياتنا؛ لندخل تحت قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35].
وسئل الشيخ ابن الصلاح عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء
في الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهاراً، وهي مبينة في كتاب عمل اليوم والليلة كان الذاكرين الله كثيراً والذاكرات (¬1).
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات وعشياً، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلّما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى (¬2).
وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجياً (¬3).
فكانت الآية محمولةً على المعنى الخاص للذكر في أقوال هؤلاء الأكابر، وهو ذكر اللسان، وهو أبرز الوسائل؛ لتحقيق الذكر العام الشامل لكل التصرفات والأحوال والأزمان، والذكر اللساني له صورٌ متعددةٌ من مقيد ومطلق، فيَشمل ألفاظ الثناء على الله تعالى والدعاء وغيرهما.
قال ابن عطاء (¬4): «فذكر اللسان: هو ذكر الحروف بلا حضور، وهو الذكرُ الظَّاهر، وله فضلٌ عظيم شهدت به الآيات والأخبار والآثار، فمنه المقيَّد بالزَّمان أو بالمكان، ومنه المطلق.
¬
(¬1) ينظر: الذكر والذاكرون ص15.
(¬2) ينظر: الذكر والذاكرون ص15.
(¬3) ينظر: الذكر والذاكرون ص16.
(¬4) في مفتاح الفلاح ص13.
فالمقيدُ كالذِّكر في الصلاة وعقبها والحج، وقبل النوم وبعد اليقظة، وقبل الأكل وعند ركوب الدابة وطرفي النهار وغير ذلك.
والمطلقُ ما لا يتقيد بزمان ولا مكان، ولا وقت ولا حال، فمنه ما هو ثناء على الله كما في كل واحدة من هذه الكلمات، وهي سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
ومنه ما هو ذكر فيه دعاء، مثل: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين} [البقرة:286]، أو مناجاة، وكذلك اللهم صل على سيدنا محمد، وهو أشد تأثيراً في قلب المبتدئ من الذكر الذي لا يتضمن المناجاة؛ لأن المناجي يشعر بقرب من يناجيه، وهو مما يؤثر في قلبه، ويليسه الخشية.
ومنه ما هو ذكر فيه رعاية أو طلب دنيوي أو أخروي، والرعاية مثل قولك: الله معي، الله ناظر إلي، الله يراني، فإنه فيه رعاية المصلحة القلب، فإنه ذكر يستعمل لتقوية الحضور مع الله تعالى، وحفظ الأدب معه، والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان الرجيم وحضور القلب مع العبادات».
المطلب الثاني: الذكر والإخلاص:
تبيَّن مما سبق مدى الارتباط الوثيق بين الذكر والإخلاص؛ لأنّ ذكر لله تعالى في أقوالك وأفعالك معناه أن تكون مُستحضراً له تعالى فيها، فتكون مريداً وجهه الكريم، مخلصاً فيها له سبحانه.
وبالتالي يتحقَّق الذكر بقدر الإخلاص، فإن اختلط الإخلاص لله تعالى بغيره من حظوض الدنيا، اختلط الذكر بغيره من هذه النوازع، ودخل صاحبه في غفلة، وهذا يقتضي أن نقف على شيء من الإخلاص وأقسامه؛ لأنها متحققة في الذكر.
«وإن كل شيء يتصور أن يشوبه شيء، فإذا صف عن شوبه سمُي خالصاً، ويُسمى الفعل المصفى إخلاصاً، وكل مَن أتى بفعل اختياري خالصاً فلا بد له في ذلك الفعل من عرض، فمتى كان في الفعل واحدا سمي ذلك الفعل إخلاصاً إلا أن العادة جرت بتخصيص الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، كما أن الإلحاد هو الميل، وخصَّصه العرف الميل عن الحق.
والباعث على الفعل إما روحاني فقط، وهو الإخلاص أو شيطاني فقط، وهو الرياء أو مركب منهم، والمركب اما أن يتساوا فيه الطرفان أو يكون الرَّوحاني أقوى أو النَّفساني أقوى، فتكون الأقسام الآتية:
1.إن كان الباعث روحانياً فقط، ولا يتصور إلا من محبِّ الله تعالى مستغرق الهم به، بحيث لم يبق لحبّ الدنيا في قلبه مقرّ، فحينئذ تكشف جميع أفعاله وحركاته هذه الصفة فلا يقضي حاجته ولا يَنام ولا يحبّ الأكل والشرب مثلاً إلا لكونه إزالة ضرورة أو تقوية على الطاعة.
فمثل هذا لو أكل أو شرب أو قضى حاجته، فهدا خالص العمل في جميع حركاته وسكناته.
2.إن كان الباعث نفسانياً، ولا يتصور إلا من محب للنفس والدنيا، مستغرق الهم بها حيث لم يبق لحبِّ الله تعالى في نفسه مقرّ، فاكتسبت جميع أفعاله هذه الصفة، فلا يَسلم له شيء من عباداته.
3.أن يستوي فيه الباعثان، قال فخر الدين الرازي: الأظهر أنه ما يتعارضان ويتساقطان، فيصير العمل لا له ولا عليه.
4.أن يكون أحد الطرفين فيه أغلب فيحبط منه ما يساوي الطرف الآخر، وتبقى الزيادة موجبة لأثرها اللائق، وهو المراد بقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:8].
وتمام التحقيق فيه أنّ الأعمال لها تأثيرات في القلب، فإن خلا المؤثر عن المعارض خلا الأثر عن الضعف، وإن كان المؤثر مقروناً بالمعارض، فإن تساويا تساقطا، وإن كان أحدُهما أَغلب فلا بُدّ أن يحصل في الزائد بمقدار النافص، فيحصل التّساوى بينهما أو يحصل التساقط، ويبقى القدر الزائد خالياً عن المعارض فيؤثر لا محالة أثراً ما.
وكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والدواء عن أثر في الجسد، فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر عن أثر في التقرب من باب الله تعالى والتبعيد منه، وإذا جاء بما يقرِّبه شبراً مع ما يبعده شبراً، فقد
عاد إلى ما كان عليه لا له ولا عليه، وإن كان أحد الفعلين ما يقربه شبرين والفعل الثاني ما يبعده شبراً واحداً حصل لا محالة شبره» (¬1).
فهذا التفصيل متحقق في الذكر كما هو الحال في الإخلاص، والأصل أن لا يختلف في كل هذا.
المطلب الثالث: فضل الذكر وثمرته في القرآن والسنة:
لا يُمكن حصر الفضل الكبير والمكانة العالية للذكر، ولكن نشير في هذه الأسطر على شيء منها للتنبيه على غيرها، فمنها:
1. حثّ الله تعالى عليه، وترغيب الناس بفعله، والأمر بالإكثار منه، والاهتمام بدوامه صباحاً ومساءً، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب:42].
2. نهي الله تعالى عن ضدِّ الذكر، وهو الغفلة والنسيان من الإنسان في حياته، قال تعالى: {وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين} [الأعراف:205].
3.تعليق الله سبحانه الفلاح في الدنيا والآخرة بقدر تحقق الذكر للمسلم؛ لأن الفلاح بالذكر، قال تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون} [الأنفال:45].
¬
(¬1) ينظر: مفتاح الفلاح ص16ـ 17.
4. وعد الله تعالى للمكثرين من الذكر بالمغفرة والأجر العظيم، قال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35].
5.الغفلة عن ذكره هي الخسارة الحقيقة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون} [المنافقون:9].
6. ذكر الله تعالى للذاكرين، حيث علق سبحانه ذكر للإنسان بقدر ذكره لبربه، ولا شَكَّ أن ذكر الله تعالى لعبده منزلة عظيمة، فهنيئاً لمن بقي مذكوراً عند الله تعالى، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152]، فلا يكون الذاكر ممن نسيه الله تعالى؛ لأنه نسيه، قال تعالى: {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67].
7. الذكر أعظم الأشياء وأكبرها؛ لأنه السبيل للنجاة في الدنيا، فلا يتقدم عليه غيره، ولا يقارن به بالاهتمام والعناية غيره، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون} [العنكبوت:45].
8. الذكر شامل لكل حياة المسلم، وليس خاصاً بالعبادات، وعلينا بعد الانتهاء من العبادة أن نبقى متذكرين لله تعالى بألسنتا وأفعالنا، قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [البقرة:185].
وقال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة:200].
وقال تعالى: {{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء:103].
وقال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [الجمعة:10].
9.التدبر والتفكر في آيات الله تعالى، وفهم حكمة الوجود والخلق، بحيث يصبح كل ما حوله دالاً على الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران:191].
10.المقصود من العبادات تحقيق الذكر، فهي دورات قصيرة للتدرب على الذكر الدائم لله تعالى في حياة المسلم، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه:14].
11.الذكر أفضل الأعمال وخيرها وأزكاها وأرفعها عند الله تعالى، حتى فاق درجته درجة الجهاد في سبيل الله، وهذا لأنه بلا ذكر لله تعالى لا نجاة للمسلم في الدار الدنيا، فعن أبي الدرداء قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من
إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا وما ذاك يا رسول الله قال: ذكر الله عز وجل» (¬1).
قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله» (¬2).
وقال العز بن عبد السلام: «وإنما فضل الذكر على سائر الأعمال؛ لأنه مقصود في نفسه، ووسيلة إلى حصول الأحوال الناشئة عنه التي تنشأ عنها الاستقامة في الأقوال والأعمال ـ إلى أن قال ـ وذكر الجنان ـ أي القلب ـ أفضل من ذكر اللسان؛ لأنه منشأ الأحوال، وقد يحضر ذكر الصفات الموجبة للأحوال من غير قصد ولا تكلف استحضار، وذلك غالب من الأنبياء والأولياء وغلبته على الأنبياء أكثر منها على الأولياء» (¬3).
12.الذاكرون هم أهل السبق، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جمندان (?) فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات».
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 459، ومسند أحمد2: 1245، ومسند أحمد36: 33، والمستدرك1: 673، وصححه.
(¬2) في سنن الترمذي5: 459،
(¬3) ينظر: الذكر والذاكرون ص27.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافاً» (¬1).
وانفرد الرجل في رأيه: أي استقل وتحلى بتدبيره، والمراد به الذين تفردوا بذكر الله تعالى، والمستهتر بالشيء المولع به المواظب عليه عن حب ورغبة فيه (¬2).
13. الذاكر يَنال شرف من يظلهم الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله، فيكون من السبعة الذين وعدوا بذلك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه» (¬3).
14.الذكر يقوي الإيمان ويعالج ضعفه، الذي يكون سبباً لأمراض القلوب على اختلافها، فع أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «جَدِّدُوا إِيمانكم، قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول: لا إلهَ إلا الله» (¬4).
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 577، وحسنه.
(¬2) ينظر: مفتاح الفلاح ص9.
(¬3) أخرجه البخاري رقم 629 ومسلم رقم 1031.
(¬4) حديث حسن، أخرجه أحمد رقم 8695 والحاكم رقم 7657 وصححه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
15. لا حياة إلا بالذكر، ومَن لم يعش الذكر ليس من الأحياء حكماً، فعن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت» (¬1).
16. تحقق الطمأنينة بالذكر لله تعالى، وبها يحقق السعادة والراحة، فكان الذكر سبيلاً لذلك، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب} [الرعد:28].
17. فتح أبواب السموات والرحمة والخير للذاكرين، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما قال عبد: لا إله إلا الله، مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر» (¬2).
18.كتابة الأجر العظيم لمن يخالف أماكن الفسق بذكر الله تعالى، فعادة يكثر الفسق والمعاصي في الأسواق، فإن أعرض عنها بذكر الله تعالى نال الثواب الكبير، فعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 539.
(¬2) في سنن النسائي الكبرى9: 307،
(¬3) في سنن الترمذي5: 491، ومسند أحمد1: 410.
19. الذكر أفضل غنيمةً وأيسرها، وهو مقدَّمٌ على غنيمةِ المال؛ لأنّ به الانتفاع الحقيقي لصاحبه، فعن عمر - رضي الله عنه -: «أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بعثاً قبل نجد فغنموا غنائم كثيرة وأسرعوا الرجعة، فقال رجل ممن لم يخرج: ما رأينا بعثاً أسرع رجعة ولا أفضل غنيمةً من هذا البعث، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة وأسرع رجعة؟ قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس فأولئك أسرع رجعة وأفضل غنيمة» (¬1).
20.الذكر جامع لشرئع الإسلام، وفيه غنى لمن يلتزمه؛ لأن العبادات شرعت من أجل تحقيقه، فعن عبد الله بن بسر - رضي الله عنه -: إن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» (¬2).
21. الذاكر تنكشف له الغيبات ويطلع على حقائق الكون؛ لما وصل إليه من الصفاء والنقاء، فعن حنظلة الأسد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو تدومون على ما أنتم عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات» (¬3).
22. تيسير الحياة وتفريج الكرب وإزالة الغم وبسط الرزق وغيرها من الخيرات هي نصيب الذاكرين؛ لوعد الله تعالى لهم بالغنى عن المسألة، وفي
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 559.
(¬2) في سنن الترمذي5: 457، وحسنه، وصحيح ابن حبان3: 96.
(¬3) أخرجه مسلم رقم 2750.
المسألة يكون السؤال بهذه الخيرات، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي؛ أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (¬1).
23. الذكر يحقق الوجل والخشية للقلب؛ لتعلقه بخالقه وخوفه ورجائه منه سبحانه، قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج:35].
• • •
¬
(¬1) أخرجه الترمذي رقم 2926 عن أبي سعيد وقال: حسن غريب. وتتمته: «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه».
المبحث الثاني
أسرار الصَّلاة
ليس بحثنا في الصلاة متعلق بالجانب الفقهي من الأحكام؛ لأنها له علمه الخاص به، وإنما نشير هاهنا لمعاني تربوية وتزكوية في الصلاة، ولا شكّ أنها هذا هو المقصد الأسمى من إقامة الصلاة.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَرأَيْتُمْ لو أَنَّ نَهْراً بِباب أحدِكم يغْتَسِلُ منه كل يوم خمس مرَّاتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلكَ مثل الصَّلَواتِ الخمس، يمْحُو الله بهِنَّ الخطَايا» (¬1).
فانظر كيف أنها تطهر وتزكي صاحبه من شوائب الحياة وآثامها، بل إن صلاح الأعمال كلها متوقفٌ على صلاح الصلاة؛ لأن تحقيقها على أكمل ما يكون يكون له أثر الوضح في إصلاح سلوك الإنسان.
فعن عبد الله بن قرط - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاةُ، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (¬2).
¬
(¬1) أخرجه البخاري رقم 505، ومسلم رقم 667.
(¬2) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم 1859.
فالصلاة مطهر للنفوس ومكفرة للذنوي متى أديت بحقها، فعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من امْرِيءٍ مسلم تحضُرُه صلاةٌ مكتُوبةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وخُشوعَها، ورُكُوعَها، إِلاَّ كانت كفَّارةً لما قبلها من الذنُوبِ ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ، وذلك الدَّهْرَ كلَّهُ» (¬1).
ومتى تطهر المسلم نال المغفرة والرضوان وسكن الجنان، فعن ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوَ غيرَ ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» (¬2).
وفي هذا المبحث نعرض لمطالب في طهارة الظاهر والباطن والخشوع وحضور القلب والمعاني الباطنة للصلاة والدواء النافع في حضور القلب وكيفية حضور القلب وأثر الصلاة على الحياة والنوافل من الصلوات على النحو الآتي:
المطلب الأول: طهارة الظاهر والباطن:
أَمرنا الله تعالى بطهارة الظاهر في الوضوء والغُسل وإزالة النجاسة؛ ليكون الاستعداد لأداء العبادات من صلاة وغيرها؛ ليتحقق حقيقة الذكر المقصود فيها، حتى إن فقدنا الماء أَمكننا التطهر بالتيمم، فلم تجز الصلاة بغير
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 228، عن عثمانَ بنِ عفان - رضي الله عنه -.
(¬2) أخرجه مسلم رقم 489.
طهارة إلا لضرورة، فدلّ على أن أمر الطهارة ذات أهمية بالغة عند الشارع الحكيم، حتى جعلها نصف الإيمان، فعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور شطر الإيمان» (¬1)، لما لها من الأثر في الإيمان من الاستعداد والتهيؤ له.
وهذا كلُّه متعلِّق بالطهارة الحقيقة ومحلُّ بحثها في الفقه.
وأما الطهارة الحكمية، فلها ثلاث مراتب:
1. تطهير الجوارح عن الآثام، فعن أبي أمامة الحمصي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الوضوء يكفر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب» (¬3).
وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، قال: «لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة؛ إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها» (¬4).
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 223.
(¬2) في مسند أحمد36: 590، ومسند أبي داود2: 451.
(¬3) أخرجه مسلم رقم 244.
(¬4) أخرجه مسلم رقم 227.
2. تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرَّذائل الممقُوتة، فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد المشروعة ولن يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط» (¬1).
3. تطهير السِّرِّ عَمَّا سوى الله تعالى، وهي طهارة الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقين، فإن الغاية القصوى في عمل السرّ أن ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته ولن تحلّ معرفة الله تعالى بالحقيقة في السرّ ما لم يرتحل ما سوى الله تعالى عنه، ولذلك قال تعالى: {قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون} [الأنعام:91]؛ لأنهما لا يجتمعان في قلب، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه (¬2).
وأمرنا بالطهارة الحقيقة؛ لأنها تنفذ للطهارة الحكمية، ومما يُساعد على ذلك أداؤها بفرائضها وسننها وآدابها كما هو مفصلٌ في الفقه، فهذا يُحقِّقُ الذكر الدائم لله تعالى.
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 251.
(¬2) ينظر: الإحياء1: 126.
وهذا الذكر يحتاج إلى طهارة مستمرة؛ ليبقى الاستعداد النفسي للذكر، وقد استحبَّ الفقهاء أن يبقى المسلم على طهارة دائما، بل استحبوا الوضوء الوضوء؛ لأنها نور على نور (¬1)؛ لما فيه من التهيؤ للذكر، فعن ثوبان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (¬2).
بل رغبوا بالوضوء عند الخلود للنوم، حتى تبقى لحظات المسلم على طهارة واستعداد للمناجاة الخالق، فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -، قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من أوى إلى فراشه طاهراً يذكر الله حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله شيئاً من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه» (¬3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن باتَ طاهِرًا باتَ فِي شِعاره أي غطائه ـ مَلَكٌ، فلم يستيقظْ إلا قال الملَكُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لعبدك فلان، فإنَّه باتَ طاهرًا» (¬4).
¬
(¬1) اشتهر بأنه حديث، وقد ذكره في الإحياء وقال مخرجه العراقي: لم أقف عليه، وسبقه لذلك المنذري، وقال الحافظ ابن حجر: حديث ضعيف، ورواه رزين في مسنده، كما في كشف الخفاء ر2898.
(¬2) أخرجه أحمد 22432 وابن حبان 1037والحاكم رقم 448 ومالك رقم 66، وابن ماجه 277 - 279.
(¬3) في سنن الترمذي5: 540، وحسنه.
(¬4) أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم 1051، الطبراني في المعجم الأوسط 5087.
وأداء الأذكار للوضوء معينٌ على تحقيق هذا المقصود من تعليق القلب بالله تعالى بعد أن يؤدِّي الوضوء بكماله، فعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (¬1).
وعن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه -، «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فذكر مثله غير أنه قال: مَن توضّأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسولُه» (¬2).
وعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رقّ، ثمّ طُبِع بطابع فلم يُكسر إلى يوم القيامة» (¬3).
فهذه الأحاديث تشتمل على حثٍّ شديدة وترغيب عظيم في فضل ذكر الأذكار بعد الوضوء، وقد فهم منها السلف ومن غيرها من أدلة الذكر استحباب أداء أذكار في أثناء الوضوء؛ لما فيها من النفع بتحقق الذكر الدائم لدى المسلم.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 209، وسنن أبي داود 1: 91، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 210.
(¬3) في سنن النسائي 6: 25، والمستدرك 1: 752، وصححه، وشعب الإيمان 3: 21.
قال النووي (¬1): «وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2)، وقد قال الفقهاء: يستحب دعوات جاءت عن السلف، وزادوا ونقصوا فيها ... ثم ذكر شيئاً من هذه الأدعية، ومما يقال:
وعند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وعند الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة، ولا ترحني رائحة النار.
وعند غسل وجهه: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وعند غسل يده اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً.
وعند غسل اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري.
¬
(¬1) في الأذكار ص117 – 118.
(¬2) قال ابنُ أمير حاج: سئل شيخنا حافظ عصره شهاب الدين ابن حجر العسقلاني عن الأحاديث التي ذكرت في مقدمة أبي الليث في أدعية الأعضاء، فأجاب: بأنها ضعيفة والعلماء يتساهلون في ذكر الحديث الضعيف والعمل به في الفضائل، ولم يثبت منها شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله ولا من فعله، اهـ، وطرقُها كلُّها لا تخلو عن متهم بوضع، ونسبة هذه الأدعية إلى السلف الصالح أولى من نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذراً من الوقوع في مصداق: «مَن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، قال الهندي وغيره: ولم يثبت منه إلا الشهادتان بعد الفراغ منه، كما في الطحطاوي 1: 117.
وعند مسح رأسه: اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك.
وعند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وعند مسح عنقه: اللهم أعتق رقبتي من النار.
وعند غسل قدمه اليمنى: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام.
وعند غسل رجله اليسرى: اللهم اجعل ذنبي مغفوراً وسعيي مشكوراً وتجارتي لن تبور».
المطلب الثاني: الخشوع وحضور القلب:
أولاً: معنى الخشوع:
الخشوع لغة: من خَشَع يَخْشَعُ خُشوعاً، واخْتَشَع وتَخَشَّعَ: رَمَى بِبَصَرِهِ نحو الأَرض وغَضَّه وخفَضَ صَوْتَهُ، واخْتشعَ إِذا طأْطأَ صَدْرَه وتواضَعَ، وقيل: الخُشوع قَرِيبٌ من الخُضوع إِلا أنّ الخُضوع في البَدَن، والخُشوعَ في البدَن والصوْت والبَصَرِ: كقوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُم} [القلم: 43] (¬1)، والخشوعُ: السُّكون والتَّذلُّل (¬2).
¬
(¬1) ينظر: اللسان8: 71.
(¬2) ينظر: القاموس1: 713.
واصطلاحاً: كثُرت العبارات في بيان أوصافه، ومنها:
قال ابن رجب: «وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكسارُه، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنَّها تابعة له، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « ... ألاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (¬1).
والخشوع: خمودُ نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصدور، وإشراق نور التعظيم في القلب، واستحضار عظمة الله وهيبته وجلاله.
قال الجنيد: الخشوع: تذلُّل القلوب لعلام الغيوب.
والقلبُ أمير البدن، فإذا خَشَعَ القلب، خشع السَّمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ عنها، حتى الكلام.
والخشوع يقظةٌ دائمةٌ لخلَجَات القلب وخفقاته ولفتاته حتى لا يتبلَّد، وحذَرٌ من هواجسه ووساوسه، واحتياط من سهواته وغفلاته ودفعاته، خشية أن يزيغ وتعتريه القسوة (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 20، وصحيح مسلم3: 1219، وغيرهما.
(¬2) ينظر: الخشوع للقحطاني ص12، وكيف تخشعين في الصلاة ص3، والخشوع للصباغ ص16، وفصل الخطاب ص8: 420.
ويُلاحظ أنَّ الخشوع على صورتين: في الصلاة وخارجها، وما يكون منه في الصلاة طريق لتحقيقه في خارجها، والعكس بالعكس.
ويمكن تعريف خشوع الصلاة: هو سكون القلب لله تعالى وتعلُّقه به دون سواه.
وخشوع خارج الصلاة: خضوع الجوارح لأوامر الله في أقوالها وأفعالها مع الإخلاص والتَّذلُّل له دون سواه.
ثانياً: استحباب الخشوع في الصلاة:
إن أدلة الخشوع كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه:14]، وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضادُّ الذكر فمَن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره، لكن ذكر الفقهاء استحباب الخشوع؛ لعدم القدرة عليه من عامة المسلمين إلا بعد مجاهدة مديدة.
وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين} [الأعراف:205] نهي وظاهره التحريم.
وقوله تعالى: {حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المصلي يناجي ربه» (¬1)، فلا يكون مناجياً بلا خشوع وخضوع.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ربَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (¬2)، وهذا بسبب عدم حقّ صلاته بخشوعها.
وعن عمار بن ياسر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها» (¬3)، فلم ينل إلا جزءاً يسيراً من الصلاة بسبب تفويت الخشوع، فلا يكون لها من الصلاة إلا ما خشع به.
أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، فأما الذكر فإنه مجاورة ومناجاة مع الله عز وجل.
ولا شك أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء، والمخاطب هو الله عز وجل، وقلبه بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده، بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة، فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب،
¬
(¬1) متفق عليه، كما في المغني1: 159.
(¬2) أخرجه النسائي، ولأحمد: «رب قائم حظه من صلاته السهر»، وإسناده حسن، كما في المغني1: 159.
(¬3) أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان، كما في المغني1: 159.
وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان به هذا حكم القراءة والذكر (¬1).
المطلب الثالث: المعاني الباطنة للصلاة:
إن هذه المعاني تكثر العبارات عنها، ولكن يجمعها ست جمل:
1.حضور القلب: وهو أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقروناً بهما، ولا يكون الفكر جائلاً في غيرهما، ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه، وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء، فقد حصل حضور القلب.
وإن حضور القلب سببه الهمة، فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى، فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلاً، بل جائلاً فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة وسيلة إليها.
فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا
¬
(¬1) ينظر: الإحياء1: 190.
حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر، فلا تظنن أنّ له سبباً سوى ضعف الإيمان فاجتهد الآن في تقوية الإيمان وطريقه يستقصى في غير هذا الموضع.
2.التفهم: وهو معنى الكلام أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ ولا يكون حاضراً مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم.
وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهم أموراً تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.
وسبب التفهم بعد حضور القلب إدمان الفكر، وصرف الذهن إلى إدراك المعنى، وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر، والتشمر لدفع الخواطر، وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئاً أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجم على القلب بضرورة؛ لذلك ترى أن من أحب غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر.
3.التعظيم: وهو أمر وراء حضور القلب والفهم إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه، ولا يكون معظماً له، فالتعظيم زائد عليهما.
والتعظيم حالة للقلب تتولد من معرفتين:
أ. معرفة جلال الله تعالى وعظمته، وهو من أصول الإيمان، فإن مَن لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه.
ب. معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبداً مسخراً مربوباً.
فتتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه، فيعبر عنه بالتعظيم وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع، فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة، ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله؛ لأنّ القرينة الأخرى، وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه.
4.الهيبة: وهي زائدة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من لا يخاف لا يُسمى هائباً، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة والهيبة خوف مصدرها الإجلال.
والهيبة والخوف حالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من
المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض، وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة.
5.الرجاء: وهو لا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكاً من الملوك يهابه أو يخاف سطوته، ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجياً بصلاته ثواب الله عز وجل، كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله عز وجل.
والرجاء سببه معرفة لطف الله تعالى وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة.
6.الحياء: وهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب.
وسبب الحياء استشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله عز وجل، ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها، وقلة إخلاصها وخبث دخلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله تعالى، والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقيناً انبعث منها بالضرورة حالة تُسمّى الحياء.
ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين، ومعنى كونها يقيناً انتفاء الشك واستيلاؤها على القلب، وبقدر اليقين يخشع القلب (¬1).
المطلب الرابع: الدواء النافع في حضور القلب:
إن المؤمن لا بُدّ أن يكون معظماً لله عز وجل وخائفاً منه وراجياً له ومستحيياً من تقصيره، فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة.
ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه، وسبب موارد الخواطر، إما أن يكون أمراً خارجاً أو أمراً في ذاته باطناً.
أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه، ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون الإبصار سبباً للافتكار ثم تصير بعض تلك الأفكار سبباً للبعض، ومن قويت نيته وعلَّت همته لم يلهه ما جرى على حواسه، ولكن الضعيف لا بُدّ وأن يتفرق به فكره.
وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو يصلي في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه، ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا
¬
(¬1) ينظر: الإحياء1: 160ـ 163.
تتسع مسافة بصره ويحترز من الصلاة على الشوارع، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة، وعلى الفرش المصبوغة.
وأما الأسباب الباطنة فهي أشدُّ، فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فنِّ واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض البصر لا يغنيه، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل، فهذا طريقه أن يرد النفس قهراً إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك أن يستعدّ له قبل التحريم بأن يحدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه، وهو المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه، فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطره.
فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب، ولا شك أنها تعود إلى مهماته، وأنها إنما صارت مهمات لشهواته، فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق، فكل ما يُشغله عن صلاته، فهو ضد دينه وجند إبليس عدوه، فإمساكه أضر عليه من إخراجه، فيتخلص منه بإخراجه.
فعن أبي النضر - رضي الله عنه -: «أمره - صلى الله عليه وسلم - بنزع الشراك الجديد ورد الشراك الخلق؛ إذ نظر إليه في صلاته» (¬1).
¬
(¬1) أخرجه ابن المبارك في الزهد مرسلاً بإسناد صحيح، كما في المغني1: 164.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «رمي - صلى الله عليه وسلم - بالخاتم من يده، وقال: شغلني هذا، نظرة إليه ونظرة إليكم» (¬1).
فكانوا يفعلون ذلك قطعاً لمادة الفكر وكفارة؛ لما جرى من نقصان الصلاة، وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره.
وأما التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر، فذلك ينفع في الشهوات الضعيفة والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب، فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين، بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة.
فكذلك الخواطر، وهذه الشهوات كثيرة، وقلما يخلو العبد عنها، ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان، ومنبع كل فساد، ومن انطوى باطنه على حب الدنيا، حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود منها ولا ليستعين بها على الآخرة، فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة.
فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته، وهمة الرجل مع قرة عينه فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة، فهذا هو الدواء المرّ، ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة، وصار الداء عضالاً حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا
¬
(¬1) أخرجه النسائي بإسناد صحيح، كما في المغني1: 164.
يحدثوا أنفسهم فيها بأمور الدنيا، فعجزوا عن ذلك، فإذن لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس؛ لنكون ممن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخل، فبقدر ما ندخل فيه من الماء يخرج منه من الخل لا محالة، ولا يجتمعان (¬1).
المطلب الخامس: كيفية حضور القلب:
من أجل حضور القلب عند أفعال الصلاة يحتاج المسلم إلى المجاهدة والاستحضار لمعاني معيَّنة يكون لها الأثر البالغ في تحقيق المقصود، وهي كما أفادها الغزالي على النحو الآتي
1.الأذان؛ فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء، فإن وجدته مملوءاً بالفرح والاستبشار مشحوناً بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء.
فعن بلال - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: أرحنا بها يا بلال» (¬2): أي أرحنا بها وبالنداء إليها؛ إذ كان قرة عينه فيها - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين1: 78.
(¬2) أخرجه الدارقطني في العلل، ولأبي داود نحوه بإسناد صحيح، كما في المغني1: 165.
2.الطهارة؛ فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك، وهو قلبك، فاجتهد له تطهيراً بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهر بها باطنك، فإنه موضع نظر معبودك.
3.ستر العورة؛ فمعناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك مرتع لنظر الخلق، فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك تعالى، فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر، وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما، فتدل بها بنفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك، وتقوم بين يدي الله تعالى قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكساً رأسه من الحياء والخوف.
4.الاستقبال؛ فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله تعالى ليس مطلوباً منك، هيهات فلا مطلوب سواه، وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن، وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة، حتى لا تبغي على القلب، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله تعالى، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك.
ولا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، فلا ينصرف القلب إلى الله تعالى إلا بالتفرغ عما سواه.
5.الاعتدال قائماً؛ وهو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله تعالى، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً مطأطئاً متنكساً، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهاً على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر، وليكن على ذكرك ههنا خطر القيام بين يدي الله تعالى في هول المطلع عند العرض للسؤال.
واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله تعالى، وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله، بل قدر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين، فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه، وهو أحق أن يخشى.
6.النية؛ فاعزم على إجابة الله تعالى في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها، وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه، وخوفاً من عقابه، وطلباً للقربة منه متقلداً للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك، وعظم في نفسك قدر مناجاته، وانظر مَن تناجي وكيف تناجي، وبماذا تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة، ويصفر وجهك من الخوف.
7. التكبير؛ فإذا نطق به لسانك، فينبغي أن لا يكذبه قلبك، فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه، فالله يشهد إنك لكاذب، وإن كان الكلام صدقاً كما شهد على المنافقين في قولهم: أنه - صلى الله عليه وسلم - رسول الله، فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله تعالى، فأنت أطوع له منك لله تعالى، فقد اتخذته إلهك وكبرته، فيوشك أن يكون قولك: الله أكبر كلاماً باللسان المجرد، وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه.
8. دعاء الاستفتاح؛ فعند قولك: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعال جدك ولا إله غيرك، فعليك أن تستحضر معانيها من التنزيه الكامل لله والحمد التام له سبحانه، والتعالي الرفيع الذي يليق بالمولى تعالى، فحقُّ علينا أن من كان هذا حاله لا ننشغل عنه في صلاتنا؛ لمخالفته حمده وتنزيه، وهذا ما يوصلنا أنه لا معبود بحقّ سواه.
9.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله تعالى حسداً لك على مناجاتك مع الله تعالى، وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه، وتبديله بما يحب الله تعالى لا بمجرد قولك، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله تعالى عن شر الشيطان، وحصنه لا إله إلا الله.
والمتحصن به لا معبود له سوى الله سبحانه، فأما من اتخذ إلهه هواه، فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله تعالى.
ومكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة، وتدبير فعل الخيرات؛ ليمنعك عن فهم ما تقرأ، فكل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك، فهو وسواس، فإن حركة اللسان غير مقصودة، بل المقصود معانيها.
10.القراءة؛ فالناس فيها ثلاثة:
أ. رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل.
ب. رجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان، فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره، وهي درجات أصحاب اليمين.
ج. رجل يسبق قلبه إلى المعاني أولاً، ثم يخدم اللسان القلب، فيترجمه، ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب، والمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب، ولا يتبعه القلب.
وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه، وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه، وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى، وإذا كانت الأمور بالله سبحانه، فلا جرم كان الحمد لله، ومعناه أن الشكر لله؛ إذ النعم من الله، ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل، ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى.
فإذا قلت: الرحمن الرحيم فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه؛ لتتضح لك رحمته، فينبعث بها رجاؤك، ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف
بقولك: مالك يوم الدين، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه، ثم جدد الإخلاص بقولك: إياك نعبد، وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك: وإياك نستعين، وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته، وأن له المنة؛ إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلاً لمناجاته، ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين.
ثم إذا فرغت من التعوذ، ومن قولك: بسم الله الرحمن الرحيم، ومن التحميد، ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقاً، فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك، وقل: اهدنا الصراط المستقيم الذي يسوقناً إلى جوارك، ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحاً وتفصيلاً وتأكيداً واستشهاداً بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين.
ثم التمس الإجابة، وقل: آمين، فإذا تلوت الفاتحة كذلك، فيشبه ما ورد في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (¬1).
فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته، فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله.
¬
(¬1) أخرجه مسلم1: 168.
وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور، فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده.
وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم، ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب، ودرجات ذلك لا تنحصر.
والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات، فهذا حق القراءة، وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضاً.
ثم يراعي الهيبة في القراءة، فيرتل ولا يسرد، فإن ذلك أيسر للتأمل،
ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق» (¬1).
11.دوام القيام؛ فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله تعالى على نعت واحد من الحضور، فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يقبل على المصلي ما لم يلتفت» (¬2).
وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات، فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة، فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ليعود إليه،
¬
(¬1) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح، كما في المغني1: 168.
(¬2) أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصحح إسناده، كما في المغني1: 168.
وألزم لخشوع القلب، فإن الخلاص عن الالتفات باطناً وظاهراً ثمرة الخشوع.
ومهما خشع الباطن خشع الظاهر، فعن سعيد بن المسيب: لو خشع قلبه لخشعت جوارحه.
12.الركوع والسجود؛ فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه، وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك، وتستشعر ذلك وعزّ مولاك واتضاعك وعلوّ ربك، وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك، فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة، وأنه أعظم من كلِّ عظيم، وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار، ثم ترتفع من ركوعك راجياً أنه راحم لك ومؤكداً للرجاء في نفسك بقولك: سمع الله لمن حمده: أي أجاب لمن شكره،
ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول: ربنا لك الحمد، ثم تهوي إلى السجود، وهو أعلى درجات الاستكانة، فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء، وهو التراب وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلاً، فتسجد على الأرض فافعل، فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل.
وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله، فإنك من التراب خلقت وإليه تعود، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله، وقل: سبحان ربي الأعلى وأكده بالتكرار، فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر، فإذا رقَّ قلبك وظهر ذلك، فلتصدق رجاءك في رحمة الله، فإن رحمتَه تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر، فارفع رأسك مكبراً وسائلاً حاجتك وقائلاً: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما
تعلم أو ما أردت من الدعاء، ثم أكد التواضع بالتكرار، فعد إلى السجود ثانياً كذلك.
13.التَّشهد؛ فإذا جلست له فاجلس متأدباً، وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصَّلوات والطيبات: أي من الأخلاق الطاهرة لله تعالى.
وكذلك الملك لله تعالى، وهو معنى التحيات، وأحضر في قلبك النبي - صلى الله عليه وسلم - وشخصه الكريم وقل: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه، ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين، ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاماً وافياً بعدد عباده الصالحين.
ثم تشهد له تعالى بالوحدانية، ولمحمد نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة مجدداً عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة، ومستأنفاً للتحصن بها، ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة، وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين، واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به، واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة، وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها، ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخف أن لا تقبل صلاتك، وأن تكون ممقوتاً بذنب ظاهر أو باطن، فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقلبها بكرمه وفضله.
فهذا تفصيل صلاة الخاشعين الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون والذين هم على صلاتهم دائمون، والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية، فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة، فبالقدر الذي يسر له منه ينبغي أن يفرح، وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر، وفي مداراة ذلك ينبغي أن يجتهد.
وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته والرحمة واسعة والكرم فائض، فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته؛ إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته.
وإن تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله تعالى وأداءها بحقها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب، تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة، فأولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة لا سيما في السجود؛ إذ يتقرب العبد من ربه تعالى بالسجود، ولذلك قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} [العلق:19].
وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة وبالجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه، وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة، والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها، ويختلف أيضا بما فيه المكاشفة، فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله، ولبعضهم من أفعاله، ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة.
ويكون لتعين تلك المعاني في كلِّ وقت أسباب خفية لا تحصى، وأشدها مناسبة الهمّة، فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معيّن كان ذلك أولى بالانكشاف، ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة، وكانت المرآة كلها صدئة فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية، بل لخبث متراكم الصدإ على مصب الهداية، تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك؛ إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر.
وإن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله عز وجل، ومن رُزق ذلك فإنه يكون خاشعاً في الصلاة وفي غير الصلاة، بل في خلوته وفي بيت المال عند الحاجة، فإن موجب الخشوع معرفته اطلاع الله تعالى على العبد ومعرفة جلاله ومعرفة تقصير العبد، فمن هذه المعارف يتولد الخشوع وليست مختصة بالصلاة (¬1).
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ... فإن انتقص من فرضه شيئاً، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما نقص من الفريضة» (¬2).
المطلب السادس: أثر الصلاة على حياة المسلم:
الصلاة وسائر العبادات هي هدية من الله تعالى لنا لنتحمل أعباء الحياة ونصبر عليها، ويكون لها أثر بالغ في سلوك المسلم، والتقوي بالله تعالى على
¬
(¬1) ينظر: الإحياء1: 165ـ 171.
(¬2) رواه أصحاب السنن والحاكم وصححه، كما في المغني1: 172.
شدائدها، والاستعانة به سبحانه على مصائها، والحذر كل الحذر من نفسه الأمارة بالسوء، ومن هذه الآثار:
1.ترك كافة الفواحش وجميع المنكرات:
وهذا صريحٌ في القرآنِ الكريم: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، والفحشاء: الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً، والمنكر هو ما يُنكره الشَّرع والعقل (¬1).
فاشتغاله بها ابتداءً يمنعه من إتيان الفواحش والمنكرات، وهي سببٌ للانتهاءِ عنهما؛ لأنَّها مناجاةٌ لله تعالى فلا بدَّ أنْ تكونَ مع إقبالٍ تامٍّ على طاعتِه وإعراضٌ كليٍّ عن معاصيِه (¬2)، فمَن كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السِّيئات يوماً ما (¬3)، قال أبو العالية: «إنَّ الصَّلاةَ فيها ثلاث خلال، فكلُّ صلاةٍ لا يكون فيها شيءٌ من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاصُ والخشيةُ وذكرُ الله، فالإخلاصُ يأمره بالمعروف، والخشيةُ تنهاه عن المنكر، وذكرُ الله القرآن يأمره وينهاه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تفسير النسفي2: 678.
(¬2) ينظر: تفسير أبي السعود7: 42.
(¬3) ينظر: تفسير النسفي2: 678.
(¬4) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم9: 3099.
وعلى كلٍّ حال إنَّ المراعي للصَّلاةِ لا بُدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممَّن لا يراعيها، وأيضاً فكم من مصلّين لا تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضى أن لا يخرج واحد من المصلّين عن قضيتها (¬1).
وهذا بسبب أنَّه لم يقم بها على الهيئة المأمور بها، قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «مَن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» (¬2)، وذلك أن أمر الصلاة له إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر (¬3).
فالحاصل أنَّ الصَّلاة أفضلُ وسيلةٍ للاستقامة بترك الفواحش والمنكرات لمن يؤدِّها بحقِّها ويُجاهد نفسَه في التزام أوامرها، لا مَن تكون وسيلةً له للرِّياء والنِّفاق في الدُّنيا، فستكون حجةً عليه لا له، وتزيده معصيةً ووزراً وإثماً وبعداً عن الله بأن جعلها وسيلة للدنيا لا للآخرة، فعن ابن
¬
(¬1) ينظر: تفسير الزمخشري3: 456.
(¬2) في المعجم الكبير9: 103، والزهد لأبي داود ص135، وشعب الإيمان4: 456، وغيرها.
(¬3) ينظر: تفسير الطبري20: 42.
عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً» (¬1).
وإنَّ مَن يفقد التربية من صلاته يصعب ملاحقة مفردات سلوكه وتعديل أخلاقه وتصرُّفاته؛ لأنَّه الصَّلاة تزرع في النَّفس القوَّة الموجهة للذَّات التي تقودها إلى المكرمات وتذودها عن السَّفاسف والدَّناءات (¬2).
2.الإعانة على تحمَّل أعباء الحياة:
إنَّ مبنى الحياة على الشِّدَّةِ والصُّعوبة والابتلاءِ والامتحان، ومبنى حال الإنسان على الضَّعف، فلا بُدَّ له من معين على عبء الدُّنيا، وإلاّ لهلك وسقط وفشل في حياته، ومن عظيم نعم الله علينا أن أمدنا بهذه الصَّلاة العظيمة المعينة على الحياة، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة} البقرة: 45.
وأصل الصبر: الإمساك، وهو ضربان: صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة، والصلاةُ أرفع منزلة من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضروباً من الصَّبر؛ إذ هي حبسُ الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة، ولهذا قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة:
¬
(¬1) في المعجم الكبير11: 150، ومسند الشهاب1: 305.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص12.
45، وخصها برد الضمير إليها دون الصبر (¬1)؛ بأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس، ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات؛ ليسأل فكّ الرقاب عن سخطه وعذابه، ومنه قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} طه: 132 (¬2).
فالمعنيان للآية ـ كما يقول الزمحشري: (¬3): «وَاسْتَعِينُوا على حوائجكم إلى الله بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ أى بالجمع بينهما، ... أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها» ـ، مآلهما واحدٌ، فإن الطريق إلى الله تعالى بأداء واجباتكم وطلب حوائجكم موصلةٌ إلى القدرة على تحملّ المشاق والصِّعاب والبلايا.
قال أبو السُّعود: (¬4): «استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصَّوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسُّل في الصَّلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعةٌ
¬
(¬1) ينظر: تفسير الراغب1: 177.
(¬2) ينظر: تفسير الكشاف1: 133.
(¬3) في تفسيره1: 133.
(¬4) في تفسيره1: 98.
لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطَّهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما، والتَّوجهِ إلى الكعبة، والعكوفِ على العبادة، وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ، وإخلاصِ النيّة بالقلب ومجاهدةِ الشيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءةِ القرآنِ، والتَّكلُّمِ بالشهادة، وكفِّ النفسِ عن الأطيبَيْنِ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب».
وقال القشيريُّ (¬1): «الصَّبرُ فطم النَّفس عن المألوفات، والصَّلاة التَّعرُّض لحصول المواصلات، فالصُّبرُ يشير إلى هجران الغير، والصَّلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلاّ على مَن تجلّى الحقّ لسرّه».
فالله تعالى خلق الإنسان في عناءٍ وابتلاء، وجعل له سلاحاً وهو الصبر والصلاة، فكأنَّه في معركة، فليحذر أن ينسى ذلك ويضع سلاحه ويترك الجهاد فيهزم ويخسر (¬2) في دُنياه وعُقباه.
3.الرَّاحة النَّفسية وعدم ضيق الصَّدر:
ومبنى هذه الرَّاحة على الفكر والقلب، فمَن كانت نظرته صحيحة للحياة نال هذه الراحة، ومَن أخطأ في فهمه لها عاش حياةً ضنكاً، والصلاة هي رأسُ المناجاة والذِّكر وحسن الفهم للدنيا؛ لما تشتمل عليه من تربية
¬
(¬1) في تفسيره 1: 87.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص5.
ومعاني لا تدرك في غيرها، فمَن حرم الصلاة والخشوع فيها لم يكن من حَزِرَ الحياة الدُّنيا وفهمها، ولا أحرزَ الصِّفات الأصيلة التي يسعد بها الإنسان في حياته، قال القشيري: (¬1): «مَن أعرض عن استدامة ذكره سبحانه بالقلب توالت عليه من تفرقةِ القلب ما يسلب عنه كلّ روح، ومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشَّيطان، وهواجس النّفس بما يوجب له وحشة الضَّمير، وانسداد أبواب الرَّاحة والبسط».
قال تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} طه: 124، ومعنى ذلك: أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله، وعلى قسمته، فصاحبه يُنفق ما رزقِه بسماح وسهولةٍ، فيعيش عيشاً رافعًاً كما قال تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة} النحل: 97، والمعرضُ عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلطٌ عليه الشحُّ الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشُه ضنكٌ وحالٌه مظلمةٌ، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلاّ أظلم عليه وقته وتشوَّش عليه رزقه (¬2).
وذلك لأنَّ مجامعَ همتِه ومطامحَ نظرِه مقصورةٌ على أعراض الدُّنيا، وهو مُتهالكٌ على ازديادها وخائفٌ من انتقاصِها بخلاف المؤمنِ الطَّالبِ للآخرة مع أنّه قد يضيق اللهُ بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان، كما قال تعالى: {وَلَوْ
¬
(¬1) في تفسيره2: 486.
(¬2) ينظر: تفسير الكشاف3: 95، وتفسير النسفي2: 388.
أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] (¬1).
فمَن يعرض عن ذكر الله تعالى يكون له معيشةً ضيقةً، والضنكُ من المنازلِ والأماكن والمعايش: الشَّديد، يُقال: هذا منزلٌ ضنكٌ: إذا كان ضيقاً (¬2)، فكلُّ مال أَعطيته عبداً من عبادي قلَّ أو كَثُر، لا يتقيني فيه، لا خير فيه، وهو الضَّنك في المعيشة ... ، فإذا كان العبدُ يكذّب بالله تعالى، ويُسيء الظنَّ به، اشتدّت عليه معيشتُه، فذلك الضَّنك (¬3).
ويكون الضَّنكُ بالمعاصي بما أُعطوا من المال وأُنعموا فيه؛ لأنّ توسعَهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السَّمع والبصر واللِّسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطَّاعة (¬4).
فحاصل الأمر أنَّ هذا الضِّيقَ كان بالإعراض عن ذكر الله تعالى، الذي روحُه الصَّلاة، وبإساءة الظَّنِّ بالله تعالى، وفقدان أسبابِ الرَّاحةِ النَّفسيّةِ المتحقّقةِ في الصلاة الخاشعة.
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود6: 48.
(¬2) ينظر: تفسير الطبري18: 39.
(¬3) ينظر: تفسير الطبري18: 329.
(¬4) ينظر: تفسير الماتريدي7: 317.
4.وضوحُ الطَّريق ومعرفةُ الهدف من الحياة:
تؤثر الصَّلاة في بيانِ غايةِ الإنسانِ من الحياةِ، وهو رضاءُ الله والعيشُ له وحده، وتوضح له الطَّريق الذي يُسلك في تحقيقِها، بأن يلتزمَ أوامر الله تعالى ونواهيه ويراعي حدوده، ففي كلِّ صلاةٍ تذكرةٌ لغايته من الحياةِ، وبكلِّ قراءةٍ وخشوعٍ يعرفُ الطَّريق الموصل له، قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى} [الملك: 22]: أي ما ظهرَ من سوءِ حالِهِم وخرورِهِم في مهاوِي الغرورِ وركوبِهِم متنَ عشواءِ العتوِّ والنفورِ وعدمِ اهتدائِهِم في مسلكِ المُحاجَّةِ إلى جهةٍ يتوهمُ فيها رشدٌ في الجملة، {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} [الملك: 22]: أي قائماً سالماً من الخبطِ والعثارِ {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22]: مستوِي الأجزاءِ لا عِوَجَ فيهِ ولا انحرافَ (¬1).
فالمهتدي المصلي هو العارفُ بما له وعليه، السَّائر في طريقِه بلا عوج وانحرافٍ، والمتبصِّرُ بالحياة وحالها، والمطبقُ لمرادها ومقصدها، بخلاف المعرض عن الصَّلاة، فهو المتخبطُ الضَّائع التَّائه في ضلالات الدُّنيا، وانحرافات الهوى، الغارقُ في شهوات النفس ورغباتها.
5.تحقيق التَّوكل التّام:
والتوكل: هو تفويضُ المسلم أمره إليه تعالى، طالباً عرفانه وقربه،
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود9: 9.
ورضاءه مُنقاداً لحكمِه من النَّفع والضَّرر والمحنةِ والضر، راضياً بقضائه وشاكراً لنعمائه، وصابراً لبلائه (¬1).
ومعلوم أنَّ الأمورَ كلَّها بيد الله من خير ورزق وعلم ونفع، ونحن مطالبون بالاعتماد عليه، والصَّلاة هي المعينُ الأكبر في تحقيق هذا، بحيث ترتفع بالمرء بعدم قبول إلا الحقّ، وهو أن لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق؛ لأنَّه مَن رضي من الدُّنيا بالدُّنيا فهو ملعونٌ، ومَن رضي من الزُّهد بالثَّناء فهو محجوبٌ، ومَن رضي من الحقِّ بشيء مما دون الحقِّ كائناً ما كان فهو طاغ، فالحذر الحذر عمَّ سوى الحق، قال تعالى: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، فالسَّالك لا يرغب إلى شيء سوى الله تعالى، ويطهر قلبه عن كلِّ شيء غير الله تعالى، ويزين جميع أركانه وجوارحه بحدود الله تعالى بأن يكون صادقاً في طلب الله تعالى (¬2).
ويفيد التَّوكل الثقةُ باللهِ والاعتماد عليه بأن يرزقه ولو بسبب نحو الكسب بلا ثقة واعتماد على نفس الكسب (¬3)، قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37]، فانظر كيف ربط سبحانه ما بين الرزق وبين التقرب له.
¬
(¬1) ينظر: السراج ص80.
(¬2) ينظر: السراج ص65.
(¬3) ينظر: السراج ص81.
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حَقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطَّير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» (¬1)، وهذا تأكيد آخر لكفالة الرزق، أننا مطالبون بالتوكل لا به، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132]: أي جاهد نفسك على فعلها وإتقانها وإحسانها وكثرتها ولا تضع وقتك وحياتك في البحث عن الرزق وتأمين المستقبل، فالله لم يخلقك لتتعب وتشقى في طلب رزقك فقد كفله لك حين تصطبر على الصلاة، فمتى رعيت هذه الصَّلاة وقمت بها كما يجب فإن رزقك مكفول (¬2).
فالمتوكل يستغني عن الاعتماد على غير الله تعالى من المخلوقات والدراهم والملك، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه} [الطلاق: 3] (¬3)، فكم هذه من نعمة هنيئاً لمَن رزقها، وتعساً لمَن سلبها، وشكراً لله على صلاة بخشوع توصل إليها.
6.تربيةٌ متواصلة للنَّجاح في الحياة:
النجاح في الحياة بالقرب من الرَّحمن، والبُعد عن الشَّيطان، وترك هوى
¬
(¬1) في مسند أحمد1: 323، وسنن الترمذي4: 572، وقال: حسن صحيح، وسنن ابن ماجة2: 1394، وصحيح ابن حبان2: 509، ومسند أبي داود الطيالسي1: 55.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص10.
(¬3) ينظر: أيها الولد 63.
النَّفس ورغباتها، وبمقدار تعلُّقك بربِّك واستحضارُه في لحظاتِ حياتِك تحقِّق نجاحك وفلاحِك في دنياك وأُخراك، وبقدرِ بُعدك عن شيطانك وأوهام نفسك ونزواتها وشهواتها فشلُك وضلالُك وضياعُك وسقوطُك.
قال الخادميُّ (¬1): «الرَّاحةُ هو الخلاص من أماني النفس»: أي هواها ورغباتها.
وقال أيضاً (¬2): «اللِّذةُ والرَّاحةُ ليس إلاّ بالعبادة والذِكر».
وما الصلاة إلا مناجاة للخالق فيها إعدادٌ مستمرٌ للنجاح في حياته والسعادة بها، فهي أشبه ما يكون بدوراتٍ متعاقبة، وتربيةٍ متواصلة على مدار اليوم من أجل استعدادٍ أكبر للمسلم للتفوُّق في حياته؛ لما تشتمل عليه من الأوصاف العديدة المهيئة للإنسان في النجاح.
فالفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (¬3)، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2]، فالفلاح: الفوزُ بالمرام والنَّجاةُ من المكروه: أي فازوا بكلِّ
¬
(¬1) في السراج ص56.
(¬2) في السراج ص57.
(¬3) ينظر: الخشوع للقحطاني ص20.
خيرٍ ونجوا من كلِّ ضيرٍ حسبما كان ذلك مُتوقعاً من حالِهم فإنَّ إيمانَهم وما تفرَّعَ عليه من أعمالِهم الصَّالحةِ من دواعي الفّلاحِ بموجب الوعدِ الكريمِ (¬1).
7.تقوية للمسلم على شيطانه:
للمؤمن عدوان، وهما: الشَّيطان والنَّفس، إن انتصر عليهما سَعِد ونَجَح، وإن انتصرا عليه خاب وخسر، ولا بُدّ له من معينٍ عظيم عليهما، ولا معين له عليهما إلا الله تعالى، وأقوى صلة له بربِّه سبحانه هي الصَّلاة، فهي المناجاةُ مع الله والالتجاء والتوكُّل عليه، قال سهل التستري: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان» (¬2).
قال ابن الجوزي (¬3): «اعلم أنَّ الآدميَّ لما خُلِق رُكِب فيه الهوى والشهوة؛ ليجتلب بذلك مَا ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به مَا يؤذيه، وأُعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخُلِق الشَّيْطَان محرضا لَهُ عَلَى الإسراف فِي اجتلابه واجتنابه، فالواجب عَلَى العاقل أن يأخذ حذره من هَذَا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم عليه السلام، وَقَدْ بذل عمره ونفسه فِي فساد أحوال بني آدم، وقد أمر اللَّه تعالى بالحذر منه فقال تعالى:
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود6: 123.
(¬2) ذكره الثعالبي في تفسيره، 3: 64 وعزاه لسهل التستري أيضاً، ومثله الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز، 1: 722.
(¬3) في تلبيس إبليس ص23.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين} [البقرة: 168، وقال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء} [البقرة: 268]، وقال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60]، وفي القرآن من هَذَا كثير».
فحين طُرد الشَّيطانُ من الجنّةِ أقسم بعِزّةِ اللهِ تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83]، استثنى المخلصين؛ لأنَّه لا يقدر عليهم، وليس له عليهم سلطانٌ كما أَخبر الله تعالى بذلك: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان} [الحجر: 42]، والصَّلاةُ القائمةُ تُحقِّقُ الإخلاصَ الذي يحفظُ ويُحصنُ العبدَ من الشَّيطان؛ لأنّها تُحقِّق إخلاص العبوديّة لله رَبّ العالمين، إذ الصَّلاة حرزٌ وسياجٌ قويٌّ يحفظ ويحمي العبد من كيدِ الشَّيطان، هذا هو التَّشخيص، وهذه هي المعادلةُ في هذه القضية (¬1).
وقد حذرنا الله تعالى من عدواة الشيطان، وأنَّه العدو الحقيقي لنا، فقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]: قال الغزالي (¬2): «المعاداة للشَّيطان لا للمسلم لأيٍّ غرض كان من رئاسةٍ وجاهٍ وغيرها»، فالتَّنبيه على عداوةِ الشَّيطانِ بيانٌ لخطرها وضرورةِ التَّركيز عليها، والإعراضُ عن غيرها من العدواةِ المصطنعة في الدُّنيا مع المسلمين.
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص8.
(¬2) في أيها الولد ص60.
8.تقويةٌ للمسلم على نفسِهِ:
يجب أن يكون علمُ وعملُ المسلم لإرضاء الله تعالى وتهذيب أخلاقِهِ وكسرِ النَّفسِ الأَمارة (¬1)، قال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم} [يوسف: 53]: أي: ما عصم ربي؛ لأنَّ النَّفسَ جُبِلَت وطُبِعَت على الميلِ إلى الشَّهواتِ واللَّذاتِ والهوى فيها، والرَّغبةُ والتَّوقي عن المكروهاتِ والشَّدائد؛ ألا ترى أنَّه قال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 – 41]: أثبت للنَّفس الهوى وإيثار الحياة الدُّنيا وشهواتها (¬2).
فالكيسُ مَن دان نفسه، وعَمِل لما بعد الموت، والأحمقُ مَن أتبع نفسَه هواها، وتمنَّى على الله المغفرة (¬3).
قال العز بن عبد السلام (¬4): «النُّفُوس مجبولة على طلب مَا يلائمها من شهواتها ولذاتها وَمن أعظم شهواتها التَّعْزِير والتَّوقير وَدفع مَا يؤلمها وجلب مَا يلذ لَهَا».
¬
(¬1) ينظر: أيها الولد ص24.
(¬2) ينظر: تفسير الماتريدي6: 254.
(¬3) ينظر: السراج ص23.
(¬4) في مقاصد الرعاية 1: 56.
وقال الغزاليّ (¬1): «اجعل الهمّة في الرُّوح، والهزيمة في النَّفس، والموت في البدن؛ لأن منزلك القبر»، وهذه الهمة للروح تحصل بكثرة القرب إلى الله تعالى، والصلاة أكبر القرب في تحقيق ذلك، فتنكسر النفس وتبعد عن الشَّهوات، «فمع كل انتقال في الصلاة تعلن أن الله أكبر، وحين تقولها وأنت مدرك لمعانيها فإن هذا التِّكرار لهذه الكلمة كفيلٌ بتعميق الإيمان في القلب وحفظه من كلِّ شرٍّ وطرد كل شيطان» (¬2).
وقال الخادمي (¬3): «مخالفة النفس أساس الأمر بين العبد وبين الله تعالى، فلا تغفل عن الله تعالى بالاشتغال على حظّ النفس والاتباع على هواها»، والانشغال بالله بالإقبال على طاعته بالصلاة وغيرها، فكم يكون في الصلاة مخالفة للنفس من الاستيقاظ مبكراً، وحبسها في العبادة، وترك كسلها بتلبية أوامر الله تعالى؟.
فالصلاة عامل رئيس في الإعانة على مخالفة عادات النفس وكشف عوارها وترك هواها، وبمقدار تحقيق هذا في حياة المسلم يكون نجاحه، قال
¬
(¬1) في أيها الولد ص33.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص35.
(¬3) في السراج ص80.
القشيري: «أصل المجاهدة فطم النفس عن المؤلوفات وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات» (¬1).
9.التفكُّر والتَّدبُّر في ملكوتِ السَّموات والأرض بقلوب صافية:
يحيى الإنسان في عوالم من الخيالات والأوهام اكتسبها من لغطِ النَّاس وجهالاتهم وعاداتهم، وبمقدار هدايته من الله تعالى ترتفع عنه هذه الظلمات بنور الله المبين، وتظهر له الأمور على حقيقتها، وتتكشف له أحوال الدنيا، وأقوى سبل هداية الله هو الصلاة بتمامها، قال الغزالي (¬2): «والصَّلاةُ مفتاحُ القلوب فيها تنكشف أَسرار الكلمات، فهذا حقُّ القراءة، وهو حقُّ الأذكار والتَّسبيحات أيضاً».
فمثلاً يصل إلى حقيقة الوجود، وهي أن كلَّ ما بين يد النَّاس نافذ وما عند الله باقي فعلينا العمل له، قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَد} [النحل: 96]، فيبذل كل محصول جهده وطاقته من الدنيا لوجه الله بإرضائه (¬3)، وعلى ذلك فقس.
ومَن تأمَّل في هذا عَرَفَ سبب مطالبتنا بالخشوع في الصلاة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّر، خير من قيام ليلة والقلب
¬
(¬1) ينظر: السراج ص80.
(¬2) في إحياء علوم الدين1: 168.
(¬3) ينظر: أيها الولد ص57.
ساه» (¬1)، قال الغزاليّ (¬2): «واعلم أنَّ تخليص الصلاة عن الآفات، وإخلاصها لوجه الله - عز وجل -، وأداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة.
فأولياءُ الله المكاشفون بملكوت السَّموات والأرض وأسرار الرُّبوبية، إنّما يُكاشفون في الصَّلاة لاسيما في السُّجود؛ إذ يتقرَّب العبدُ من ربِّه تعالى بالسُّجود.
ولذلك قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، وإنَّما تكون مكاشفةُ كلِّ مصلٍّ على قدر صفائه عن كدورات الدُّنيا، ويختلف ذلك بالقوَّة والضَّعف والقلّة والكثرة وبالجلاء والخفاء، حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه، وينكشف لبعضِهم الشَّيء بمثالِه، كما كُشِف لبعضهم الدُّنيا في صورة جيفة، والشيطان في صورةِ كلب جاثم عليها يدعو إليها.
ويختلف أيضاً بما فيه المكاشفة فبعضُهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله، ولبعضهم من أفعالِه، ولبعضهم من دقائقِ علوم المعاملة.
¬
(¬1) في الزهد والرقائق لابن المبارك ص97، والعظمة لأبي الشيخ ص301.
(¬2) في إحياء علوم الدين1: 170.
ويكون لتعيّن تلك المعاني في كلِّ وقتٍ أَسباب خَفيّةٍ لا تُحصى وأَشدُّها مناسبةً الهِمّة، فإنَّها إذا كانت مصروفةً إلى شيءٍ مُعيَّن كان ذلك أَولى بالانكشاف».
10.التخلص من الصفات الذميمة:
إنَّ الصَّلاةَ تهيئ المسلم للنَّجاح في الحياة، فتخلصه من الصَّفات القبيحة التي أساسها الكبر، حتى جعل مبنى الكراهات في الصلاة على ترك الكبر، قال السرخسي (¬1) والبرهاني (¬2) والكاشغري (¬3): «ويكره للمصلي ما هو من أخلاق الجبابرة»، قال عبد الغني النابلسي (¬4): «أي كل ما كان من أفعال الجبابرة المتكبرين من الناس كرفع الثوب عند السجود؛ لئلا يتترب، ومن ذلك وضع المنديل للسجود عليه؛ لمجرد التكبر من غير عذر، والامتناع من السجود على الأرض بدون حائل»؛ لأنَّ الصلاة مقام التَّواضع والتذلل والخشوع فالتكبر والتجبر ينافيها (¬5)، فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمَن ينازعني عذبته» (¬6).
¬
(¬1) في المبسوط1: 34.
(¬2) في المحيط البرهاني1: 377.
(¬3) في منية المصلي ص149.
(¬4) في الجوهر الكلي ق23/أ.
(¬5) ينظر: حلبي صغير ص102.
(¬6) في صحيح مسلم4: 2024، ومسند أبي حنيفة ر4.
ووصف الله المؤمنين بترك الكبر بينهم فقال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين} [المائدة: 54]: أي أرِقّاءَ رحماءَ متذللين ومتواضعين لهم، ووصف حالهم مع الكفار بقوله تعالى {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]: أي أشداء متغلبين عليهم من عزَّه إذا غلبَه، كما في قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم} [الفتح: 29] (¬1).
والكبر أقبح صفة يصاب به المرء، وهي متأصلة في النفوس إلا التي تربت وتهذبت على تركه، وأعظم الوسائل في ذلك هي الصلاة، فكلها تذلل وتواضع وخشوع يكسر هذه النفس.
وحبُّ الظهور والبروز داء عظيم تصاب به المرأة، تعالجه الصلاة في كل حركاتها وسكناتها، بحيث ترسخ لدى المرأة التستر؛ إذ مبنى أحكام الصلاة على الستر للمرأة، وهذا ما يقرِّره الفقهاء (¬2) لها، فعن يزيد بن أبي حبيب - رضي الله عنه -: «إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإنّ المرأةَ ليست في ذلك كالرَّجل» (¬3)، وعن عليٍّ - رضي الله عنه - قال:
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود3: 51.
(¬2) ينظر: المبسوط1: 198، والبحر الرائق1: 339، وغيرها.
(¬3) في مراسيل أبي داود ص118، وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات. وسنن البيهقي الكبير 2: 223، وغيرها.
«إذا سجدت المرأةُ فلتحتفر ولتضمّ فخذيها» (¬1)، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم -: أنّه سئل عن صلاة المرأة: فقال: «تجتمع وتحتفر» (¬2)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجدت المرأةُ أَلْصَقَت بطنَها بفخذها، كأستر ما يكون لها» (¬3).
فالصلاة أساس في كسب مكارم الأخلاق، حتى قيل: كل المشاكل الأخلاقية والسلوكية سببها إهمال الصلاة والتفريط فيها: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات} [مريم: 59] (¬4)، وقيل: كيف يوجد فيهم الضعف، وتعصف بهم الكثير من المشاكل وعندهم هذه الصلاة، كيف تضعف أمة عندها هذا الكنز العظيم والسَّلاح المتين (¬5).
11.الطمأنية والترويح عن النفس:
الطمأنينة تكون بذكر الله (¬6)، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوس من
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 241، وهو صحيح كما في صحيح صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص182.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 241، وغيره، ورجاله رجال البخاري ومسلم كما في صحيح صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص182.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير2: 222.
(¬4) ينظر: الصلاة سر النجاح ص12.
(¬5) ينظر: الصلاة سرح النجاح ص3.
(¬6) ينظر: السراج ص72.
الدنياويات (¬1)، فالمعنى: أَلا بِذكر الله تسكن الْقُلُوب، وطمأنينة الْقلب بِزَوَال الشَّك منه واستقرار الْيَقِين فيه، فإِن قال قائل: أَلَيْسَ الله تعالى قال: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]، فكيف توجل وتطمئن فِي حالة واحدة؟ والْجَوَاب: أَن الوجل بِذكر الْوَعيد والْعِقَاب، والطمأنينة بِذكر الْوَعْد وَالثَّوَاب، فَكَأَنَّهَا توجل إِذا ذكر عدل الله وَشدَّة حسابه، وتطمئن إِذا ذكر فضل الله وكَرمه.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه} [الرعد: 28]: أَي تسكن قُلُوبهم بِذكر الله، وقيل: تستأنس قُلُوبهم بِذكر الله، والسكون بِالْيَقِينِ، والِاضْطِرَاب بِالشَّكِّ، قال الله تعالى فِي شَأْن الْمُشْركين: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الزمر: 45]: أَي اضْطَرَبَتْ، وَقَالَ فِي الْمُؤمنِينَ {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه} [الرعد: 28] (¬2).
وأيّ ذكر أعظم من الصلاة، المشتملة على عامة الأذكار وقراءة القرآن والخشوع والإخلاص، فالصَّلاةُ في الإسلام واحةٌ روحيةٌ يفيء إليها المسلمُ ليتفيأ ظلالها الوارف، فيجد فيها علاجاً لمشكلاته النفسية، ويتخلى بها عن
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود5: 20.
(¬2) ينظر: تفسير السمعاني3: 92.
هموم الحياة, وقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعتبر الصّلاة قرّة للعين (¬1)، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «حُبِّبَ إِلَيَّ من الدُّنْيا النِّساءُ والطِّيبُ، وجعل قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاة» (¬2).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتبر الصلاة راحة للنفس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا بِلَالُ أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (¬3): أي روحنا إليها ونعمنا بها من الرُّوح والرَّاحة إليها، ويُقال: أرحنا بالشَّيء: أي روحنا وأرحنا منه: أي أسقطه عنا وخَفِّف عنّا منه، ولم يقل: أرحنا منها، كيف وقُرَّة عينه فيها (¬4).
وتعالج الصلاة الفراغ النفسي: فمما لا شّكّ فيه ولا ريب أنَّ الصلاة هي العلاج الجذري والمنهجي لما يشكو منه كثير من المربين والمصلحين مما وقع في صفوف الشباب والفتيات وهو ما يعرف بالعشق أو التعلُّق (¬5)؛ لما فيها من كفاية حاجة القلب من المحبّة لله تعالى والتعلّق به، وتحقّق الراحة بذلك، وإيراثِ المخافة والخشية المانعة عن المحرم، فالصلاة تخرج المسلم عن غفلة
¬
(¬1) ينظر: آثار الخشوع في الصلاة.
(¬2) في سنن النسائي الكبرى8: 149، وسنن النسائي7: 61، ومسند أحمد19: 305، والمستدرك2: 174، وصححه.
(¬3) في سنن أبي داود4: 296، ومسند أحمد28: 178، وشرح مشكل الآثار14: 167، وغيرها.
(¬4) ينظر: قوت القلوب ص86.
(¬5) ينظر: الصلاة سر النجاح ص7.
قلبه، الذي هو الداء العظيم، قال الغَزَاليُّ (¬1): «الشقاوة علامته: اللسان المطلق بلا كفّ عن المحظورات، والقلب المطبق المملوء بالغفلة».
12.تحصيل الصفات الممدوحة:
فكما أنَّ الصَّلاةَ تُخلص المسلم من الصِّفات الذَّميمة فلا شكّ أنها تكسبه مكارم الأخلاق كالتواضع والصَّبر والإخلاص وغيرها.
ففي الصَّلاةِ أسرارٌ لأجلها كانت عماداً، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركَّوع وبالسُّجود، وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم. وبه أمر سائر الخلق (¬2).
قال الغزالي (¬3): «لما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أُمروا به؛ لتنكسر بذلك خيلاؤهم، ويزول كبرهم ويستقرّ التواضع في قلوبهم، وبه أمر سائر الخلق، فإن الركوع والسجود والمثول قائماً هو العمل الذي يقتضيه التواضع فكذلك مَن عرف نفسه فلينظر كلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال
¬
(¬1) في أيها الولد ص46.
(¬2) ينظر: موعظة المؤمنين ص250.
(¬3) في الإحياء3: 360.
فليواظب على نقيضه حتى يصير التواضع له خلقاً، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعاً، وذلك لخفاء العلاقة بين القلوب والجوارح».
وقال ابنُ رجب: «السُّجود أعظم ما يظهر فيه ذلُّ العبد لربِّه - عز وجل -، حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء وأعزّها عليه وأعلاها حقيقةً أوضع ما يُمكنه فيضعه في التراب معفراً، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه، ولذا كان جزاء العبد إذا فعل ذلك أن يقربه الله إليه، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ كما صحَّ ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} [العلق: 19] ...
قال: ومَرَّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم، وهو يتكلَّم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية وأدخل بالنيّة، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترسُّل والتَّفكُّر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتَّواضع، وأجلس للتشهُّد بالتَّمام، وأُسلم بالسَّبيل والسُّنّة، وأسلمها إلى الله - عز وجل -، وأرجع على نفسي بالخوف فأخاف أن لا تقبل منّي، وأحفظه بالجهد إلى الموت. فقال: تكلَّم فأنت تُحسن تُصلِّي.
فالسُّجودُ من أعظم ما يظهر به التواضع والذلُّ للمعبود، وهو المقصود الأعظم من الصلاة، فلهذا لا يحل إلا لله - عز وجل -، فيحرم لأحد من الخلق» (¬1).
13.القدرة على التركيز وتفريغ القلب:
الصَّلاةُ تعوِّدُ صاحبها على التّركيز الكامل في أفعال الصَّلاة أثناء أدائها، وهو ما يُسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النَّجاح في أيّ عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كلَّ يوم خمس دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
ومفاتيح التدبر ... تركيز القلب: أي منع الهواجيس في الصلاة كلها ... (¬2)، قال الغزاليُّ (¬3): «ومَن عَرَفَ سِرَّ الصَّلاة عَلِمَ أَنَّ الْغَفْلَةَ تضادها، وحاصل الكلام أنَّ حضور القلب هو روحُ الصَّلاة، وأنَّ أقلّ ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التَّكبير، فالنُّقصان منه هلاكٌ وبقدر الزِّيادة عليه تنبسط الرُّوح في أجزاء الصلاة».
¬
(¬1) ينظر: غذاء الألباب للسفاريني1: 332.
(¬2) ينظر: الصلاة سر النجاح ص50 - 52.
(¬3) في الإحياء1: 161.